موسوعة الإمام الخوئي - ج33

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
373 /
301

[مسألة 2: بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة، يصحّ إيقاعه بعد وفاة الموصي]

[3900] مسألة 2: بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة، يصحّ إيقاعه بعد وفاة الموصي بلا إشكال (1) و قبل وفاته على الأقوى (2).

و لا وجه لما عن جماعة من عدم صحته حال الحياة، لأنها تمليك بعد الموت فالقبول قبله كالقبول قبل الوصيّة، فلا محل له، و لأنه كاشف أو ناقل، و هما معاً منتفيان حال الحياة. إذ نمنع عدم المحل له، إذ الإنشاء المعلق على الموت قد حصل

____________

و يؤكِّده ما ورد في موت الموصى له قبل بلوغه خبر الوصيّة من دفع الموصى به لورثته، فإنه و إن أمكن أن يكون حكماً تعبّدياً، إلّا أن الظاهر منها أن الدفع إليهم إنما هو باعتبار ملكهم له و كونهم ورثته، فيكون مؤكداً لعدم الحاجة إلى القبول في حصول الملك.

(1) و به تلزم الوصيّة لإطلاقات أدلّتها، و لو التزمنا بتقييدها بالقبول من الموصى له، فإنّ القبول بعد الموت هو المتيقن كفايته في تحقق الملكية.

(2) و هو المشهور و المعروف بينهم، و يدلّنا عليه أمران:

الأوّل: إطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة. فإن مقتضاها و كما عرفت نفوذ الوصيّة مطلقاً و من غير اعتبار القبول، غاية الأمر أننا خرجنا عنها للأصل أو الملازمة أو قاعدة السلطنة و اعتبرنا في نفوذها القبول، إلّا أن هذا لا يقتضي إلّا اعتبار طبيعي القبول، و أما خصوصيّة كونه بعد الموت فهي تحتاج إلى الدليل و هو مفقود. و حينئذ فالمتبع هو الإطلاق.

الثاني: إطلاقات و عمومات أدلة نفوذ العقود. فإننا و إن ناقشنا في جزئية القبول بعد الوفاة و تحقّق العقد به، إلّا أنه لا إشكال في تحقّقه به إذا كان في حياة الموصي و ذلك لانضمام التزامه بالتزامه، كما لا يخفى. و حينئذ فلا يبقى مانع من شمول أدلّة نفوذ العقد له، حتى و لو فرضنا عدم وجود دليل على نفوذ الوصيّة بالخصوص.

نعم، قد يرد عليه أنه موجب للتعليق، و هو يضرّ بصحّة العقد.

إلّا أنه مدفوع بأنه لا دليل على اعتبار التنجيز إلّا الإجماع، و من الواضح البديهي أنه لا يشمل الوصيّة، لتقومها بالتعليق.

302

فيمكن القبول المطابق له (1). و الكشف و النقل إنما يكونان بعد تحقّق المعلق عليه فهما في القبول بعد الموت لا مطلقاً (2).

____________

(1) و بعبارة أُخرى نقول: إن الإنشاء على جميع المباني فيه فعلي و غير معلق على شي‌ء، و إنما التعليق في متعلقه أعني الملكية فإنه المعلق على الوفاة.

و عليه فإذا تعلق به القبول كان معلقاً عليها لا محالة، فما تعلق به إنشاء الموجب تعلق به قبول القابل أيضاً، من دون أي اختلاف بينهما.

و على هذا الأساس ذكرنا في مبحث اعتبار التنجيز، أنه لولا الإجماع على اعتباره لقلنا بجواز التعليق في العقود مطلقاً، و حيث عرفت أن هذا الإجماع لا يشمل المقام فلا يبقى محذور في الحكم بصحتها.

(2) ثمّ إن هناك إشكالًا آخر لم يتعرض إليه الماتن (قدس سره)، و هو ما ذكره بعضهم من أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم تأثير الرد قبل الموت، نظراً لعدم تحقق شي‌ء يكون الرد رافعاً له، حيث إن الملكية إنما تكون بعد الموت لا قبله. و إذا كان الرد غير مؤثر كان القبول كذلك، للملازمة بين تأثيرهما.

و فيه: أن معنى تأثير الرد في حياة الموصي. إنما هو عدم إيجابه لإلغاء إنشاء الموصي و إسقاطه، بحيث لا يكون قابلًا للقبول بعده، و هو ثابت في القبول أيضاً، فإنه لا يلزم العقد بحيث لا يكون له الرد بعده مع حياة الموصي. فالملازمة بينهما بهذا المعنى ثابتة و لا تقبل الإنكار، إلّا أنها لا تنفع في إثبات المدعى، إذ لا ملازمة بين عدم تأثير الرد بالمعنى الذي ذكرناه و عدم كفاية القبول و إن استمر إلى حين الموت، فهي محض دعوى و لا دليل عليها.

بل إن ما ذكرناه هو مقتضى الجمع بين الأدلة، و ذلك لما عرفت من أن أدلة نفوذ الوصيّة غير مقيدة بشي‌ء. و إنما التزمنا باعتبار القبول على القول به للأصل أو الملازمة أو قاعدة السلطنة، و بمانعية الرد للإجماع، و إلّا لقلنا بكونها من الإيقاعات المحضة، من غير اعتبار القبول أو مانعية الرد.

و عليه فأما بالنسبة إلى مانعية الرد، فالذي ثبت بالإجماع هو مانعية خصوص‌

303

[مسألة 3: تتضيق الواجبات الموسعة بظهور أمارات الموت]

[3901] مسألة 3: تتضيق الواجبات الموسعة بظهور أمارات الموت (1) مثل

____________

الرد بعد الموت، و أما الرد في حياته فالمشهور على عدم مانعيته، بل قيل إنه لا خلاف فيه. و من هنا فلا يكون مثل هذا الرد مانعاً عن الإيجاب و موجباً لإلغائه.

و أما بالنسبة إلى القبول، فلأنا لو سلمنا اعتباره فدليله لا يقتضي إلّا اعتبار القبول في الجملة، و أما اعتبار كونه بعد الموت فلا دليل عليه.

ثمّ إن الملازمة بالمعنى الذي ذكرناه، أعني إذا كان الرد غير مبطل للإيجاب فالقبول غير ملزم للعقد، إنما تختص بالمقام باعتبار أن الملكية غير حاصلة و العقد جائز، و لا تثبت في غيره كموارد العقد الفضولي. إذ قد عرفت في محله أن رد من بيده الأمر للعقد لا يمنع من لحوق القبول، في حين إن إجازته موجبة للزوم العقد و نفوذه.

بل الحكم كذلك في سائر العقود. فلو تحقق الإيجاب من البائع، و رده المشتري ثم قبله قبل فوات الموالاة، صحّ البيع. و هكذا الحال في غير البيع من العقود.

ثمّ إن الاستدلال بالملازمة إنما هو مبني على ما ذهب إليه المشهور، من عدم تأثير الرد في حال حياة الموصي، فلا يتم بناءً على ما سيجي‌ء من الماتن (قدس سره) في المسألة الرابعة من مانعية الردّ حال الحياة كما نعيته بعده، لأن مقتضاه كون القبول نافذاً أيضاً.

إلّا أن الصحيح على ما سيأتي هو ما ذهب إليه المشهور.

(1) مقتضى ما سيأتي من الدليل على هذا الحكم، عدم اختصاصه بفرض ظهور أمارات الموت، أو حصول الظن به، بل يكفي فيه مجرد احتماله. فما ذكره (قدس سره) لا خصوصيّة فيه، و لا دليل على حجيته بالخصوص.

نعم، قد يستدل له بالإجماع القولي و العملي على جواز التأخير، مع عدم الظن بالضيق.

إلّا أنه مدفوع بأن الإجماع القولي لم يثبت جزماً، و كذلك الإجماع العملي، إذ لم يثبت لدينا تأخير الصالحين من المتشرعة و الذين يهمّهم أمر دينهم لأعمالهم حتى مع احتمالهم للفوت.

304

قضاء الصلوات، و الصيام، و النذور المطلقة، و الكفارات، و نحوها. فيجب (1) المبادرة إلى إتيانها مع الإمكان. و مع عدمه يجب الوصيّة بها، سواء فات لعذر أو لا لعذر، لوجوب تفريغ الذمّة بما أمكن في حال الحياة، و إن لم يجز فيها النيابة فبعد الموت تجري فيها، و يجب التفريغ بها بالإيصاء.

و كذا يجب ردّ أعيان أموال الناس التي كانت عنده (2) كالوديعة و العارية و مال المضاربة و نحوها، و مع عدم الإمكان يجب الوصيّة بها.

____________

(1) لحكم العقل بوجوب تفريغ الذمّة يقيناً بعد اشتغالها كذلك. أما مباشرة مع التمكّن، أو بالنيابة في موارد جوازها، أو الوصيّة فيما إذا لم يتمكّن من التفريغ حال الحياة. فإنّ العقل بعد الالتفات إلى احتمال طرو ما يمنع من امتثال أمر المولى الثابت في الذمّة، من موت أو نوم مستغرق للوقت أو غيرهما، لا يحكم بالتخيير بالنسبة إلى الأفراد الطولية للواجب، و حينئذ فيلزم المكلف الإتيان به فوراً، حيث لا عذر له في التأخير.

و الحاصل أنه إذا تيقّن المكلف أو اطمأن بتمكنه من امتثال الأمر في الأفراد الطولية المتأخرة، أو قام الدليل على جواز التأخير فهو، و إلّا فمجرّد احتمال العجز عنه يكفي في لزوم الإتيان به فوراً، تحصيلًا للفراغ اليقيني. فإنّ حكم العقل بالتخيير بين الأفراد الطولية و جواز التأخير و اختيار الفرد المتأخر، يختص بما إذا أحرز التمكن من ذلك ليكون محرزاً للتمكن من تفريغ الذمّة يقيناً، و مع عدم الإحراز المزبور و احتمال طرو المانع، تسقط تلك الأفراد عن الطرفية، للتخيير العقلي المذكور.

(2) ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة على إطلاقه، و ذلك لأن عنوان الأمانة إنما يقتضي لزوم حفظها. و عليه فإذا كانت العين محفوطة على التقديرين حياته و موته و علم الأمين بعدم خيانة ورثته و أدائهم للأمانات إلى أربابها، فلا وجه للالتزام بوجوب الرد.

نعم، يتمّ ما ذكره (قدس سره) في عكسه، أي فيما إذا لم يعلم بعدم خيانة ورثته ففي مثله يلزمه الإيصال إلى المال، لاقتضاء لزوم حفظ الأمانة ذلك، بلا فرق بين الأمانة‌

305

و كذا يجب أداء ديون الناس الحالّة (1). و مع عدم الإمكان، أو مع كونها مؤجلة، يجب الوصيّة بها (2) إلّا إذا كانت معلومة، أو موثقة بالإسناد المعتبرة.

و كذا إذا كان عليه زكاة أو خمس أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه أداؤها أو الوصيّة بها.

و لا فرق فيما ذكر بين ما لو كانت له تركة أو لا، إذا احتمل وجود متبرِّع أو أداءها من بيت المال.

[مسألة 4: ردّ الموصى له للوصيّة مبطل لها]

[3902] مسألة 4: ردّ الموصى له للوصيّة مبطل لها (3) إذا كان قبل حصول الملكية [1]، و إذا كان بعد حصولها لا يكون مبطلًا لها.

____________

الشرعية و الأمانة المالكية.

(1) لم يظهر لنا وجه ذلك. فإنه إن كان مطالباً بها من قبل المالك فعلًا وجب عليه أداؤها، سواء أظهرت عنده أمارات الموت أم لم تظهر، كان مطمئناً بالبقاء أم لم يكن لحرمة حبس حق الغير عنه، بل هو من الكبائر، و إلّا فلا وجه لوجوب أدائها.

و ما قيل من أن بقاءها حينئذ عنده و عدم دفعها إلى أربابها، تصرّف في مال الغير بغير إذنه، أو حبس للحق عن مالكه، و كلاهما حرام بل يعدّان من الكبائر.

مدفوع بأن التصرف يتوقّف على تقليب المال، فلا يشمل البقاء في الذمّة، فإنه باق على حاله و لا يعدّ تصرّفاً. كما أن البقاء إذا كان مستنداً إلى عدم مطالبة المالك، لم يعتبر حبساً للحق عن مالكه.

بل يمكن دعوى قيام السيرة القطعية عليه، فإنه لا يبادر المديون إلى أدائها ما لم يطالبه المالك، كما هو الحال في مهور الزوجات.

(2) لتوقف أدائها فيما بعد عليها، فتجب من جهة لزوم تفريغ الذمّة.

(3) على تفصيل ستعرفه في التعليقات القادمة.

____________

[1] المعروف بينهم أنّ رد الوصيّة حال حياة الموصي لا يبطلها، و هو الصحيح، و قد عرفت حاله بعد الموت و قبل القبول [في التعليقة المتقدِّمة]، و أمّا الرد في سائر العقود فالظاهر أنه لا يبطلها، فلو قبل بعده صحّت، بل الأمر كذلك في العقد الفضولي أيضاً إن لم يقم إجماع على خلافه.

306

فعلى هذا إذا كان الردّ منه بعد الموت و قبل القبول، أو بعد القبول الواقع حال حياة الموصي مع كون الردّ أيضاً كذلك، يكون مبطلًا لها (1) لعدم حصول الملكية بعد.

و إذا كان بعد الموت و بعد القبول لا يكون مبطلًا، سواء كان القبول بعد الموت أيضاً أو قبله، و سواء كان قبل القبض أو بعده، بناءً على الأقوى من عدم اشتراط القبض في صحتها، لعدم الدليل على اعتباره (2) و ذلك لحصول الملكية حينئذ له، فلا تزول بالرد. و لا دليل على كون الوصيّة جائزة بعد تماميتها بالنسبة إلى الموصى له، كما أنها جائزة بالنسبة إلى الموصي، حيث إنه يجوز له الرجوع في وصيّته، كما سيأتي.

و ظاهر كلمات العلماء حيث حكموا ببطلانها بالردّ عدم صحّة القبول بعده، لأنه عندهم مبطل للإيجاب الصادر من الموصي. كما أن الأمر كذلك في سائر العقود

____________

(1) و هو إنّما يتمّ بالنسبة إلى الصورة الأُولى خاصة حيث إن الإجماع بقسميه قائم على مانعيّته، دون الصورة الثانية حيث لا إجماع على مانعيته فيها، بل الشهرة التي تكاد تبلغ الإجماع إذ لم ينسب الخلاف إلّا إلى شاذ على عدمها، و حينئذ فمقتضى إطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة صحتها في هذه الصورة.

(2) و مقتضى إطلاقات أدلّة نفوذها صحّتها، سواء أقبض الموصى له للموصى به أم لم يقبض، فإنها تامّة و سالمة عن المعارض.

و لو تنزلنا و وافقنا الشيخ الأعظم (قدس سره) في عدم تمامية الإطلاق بالنسبة إلى اعتبار القبول، و قلنا بجريان استصحاب عدم الملكية قبله، فلا نسلم به في غيره كالقبض، فإن الإطلاقات بالنسبة إليه تامة و محكمة. و من هنا فلا مجال للتمسك بالأصل.

و أمّا قياس الوصيّة بالهبة و الوقف، حيث يعتبر في صحّتهما القبض مع أنهما تنجيزيان و الوصيّة تعليقية، فقياس مع الفارق، فإنها إيقاع محض، و لا موجب لرفع اليد عن إطلاقاتها من غير مقيد.

307

حيث إن الردّ بعد الإيجاب يبطله و إن رجع و قبل بلا تأخير. و كما في إجازة الفضولي، حيث إنها لا تصحّ بعد الردّ. لكن لا يخلو عن إشكال إذا كان الموصي باقياً على إيجابه. بل في سائر العقود أيضاً مشكل (1) إن لم يكن إجماع، خصوصاً في الفضولي، حيث إنّ مقتضى بعض الأخبار صحّتها و لو بعد الردّ. و دعوى عدم صدق المعاهدة عرفاً إذا كان القبول بعد الردّ، ممنوعة.

____________

(1) ما ذكره (قدس سره) و إن كان صحيحاً بالنسبة إلى سائر العقود، لما تقدّم من عدم الدليل على إبطال ردّ الطرف الثاني لإيجاب الطرف الأوّل، بل يصدق العقد و المعاهدة عليه فيما إذا كان الموجب باقياً على التزامه، و حينئذ فلا مانع من التمسك بإطلاقات و عمومات أدلّة الصحّة و النفوذ.

و كذلك الحال في العقد الفضولي، حيث إن الرد فيه لا يكون مانعاً من الإجازة بعده، بل ربّما يستفاد ذلك من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى في وليدة باعها ابن سيدها و أبوه غائب، فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً، ثمّ قدم سيدها الأوّل فخاصم سيدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

إلّا أن قياس الوصيّة عليها قياس مع الفارق، لأن أدلتها ظاهرة في كونها إيقاعاً كما عرفت، و عليه فلا حاجة إلى القبول و لا أثر للرد بل بها يحصل الملك القهري، و لذا ورد في الأخبار أنه لو مات قبل بلوغه الخبر دفع الموصى به إلى ورثته، و إنما خرجنا عن ذلك في خصوص الرد للإجماع على مانعيته بعد الموت.

و من هنا فإن لم يتمّ هذا الإجماع فعدم مانعية الرد واضح، و إلّا كما هو الصحيح-

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88 ح 1.

308

ثمّ إنهم ذكروا أنه لو كان القبول بعد الردّ الواقع حال الحياة صحّ. و هو أيضاً مشكل (1) على ما ذكروه من كونه مبطلًا للإيجاب، إذ لا فرق حينئذ بين ما كان في حال الحياة أو بعد الموت. إلّا إذا قلنا: إن الردّ و القبول لا أثر لهما حال الحياة و إن محلّهما إنما هو بعد الموت، و هو محل منع (2).

____________

فلا وجه للحكم بصحّة الوصيّة بعد القبول، بل يتعين الحكم ببطلانها، نظراً لارتفاع التزام الموصي عند القبول، فإن الميت لا التزام له.

و بعبارة اخرى: إن الموصي إنما أنشأ الملكية بعد الموت و التزم به إلى حين وفاته و أمّا بعد وفاته فلا التزام له لعدم قابلية الميت له. و حينئذ فإن التزمنا بثبوت الملكية قهراً، سواء أقبل الموصى له أم لم يقبل لإطلاقات الأدلة فلا أثر للردّ أصلًا. و إن خرجنا عنها و قلنا باعتبار عدم الردّ للإجماع، فالردّ يبطل ذلك الالتزام، و حين القبول يحتاج إلى التزام جديد، و هو ممتنع نظراً لموته.

فالصحيح في المقام هو التفصيل بين الوصيّة و غيرها. ففي غيرها يحكم بصحته مع بقاء الموجب على التزامه، و بطلانه مع عدمه. و فيها بالبطلان، بناءً على القول بمانعية الرد، كما هو الصحيح.

(1) لا وجه للاستشكال فيه، بعد ما عرفت من أن مقتضى إطلاقات أدلّة الوصيّة نفوذها مطلقاً، من دون اعتبار للقبول أو تأثير الرد، و إنما خرجنا عنها في خصوص الرد المتأخر عن الوفاة للإجماع. و حيث لا دليل على مانعية الرد حال الحياة، إذ لا إجماع عليها بل الشهرة على خلافها، فلا مانع من التمسك بإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة، و مقتضاها الحكم بصحتها.

و لا يقاس ما نحن فيه بغيره من العقود، فإنها مؤلفة من الإيجاب و القبول، فيمكن أن يقال و إن لم نرتضه-: إن الردّ يقطع اتصال القبول بالإيجاب و يمنع منه. و أما ما نحن فيه فقد عرفت أنه إيقاع و لا يحتاج إلى القبول، فلا وجه للقول بمنع الرد للاتصال بينهما.

(2) في القبول خاصة على ما تقدّم بيانه في المسألة الثانية دون الرد، حيث قد‌

309

[مسألة 5: لو أوصى له بشيئين بإيجاب واحد]

[3903] مسألة 5: لو أوصى له بشيئين بإيجاب واحد، فقبل الموصى له أحدهما دون الآخر، صحّ فيما قبل، و بطل فيما ردّ (1). و كذا لو أوصى له بشي‌ء فقبل بعضه مشاعاً أو مفروزاً و ردّ بعضه الآخر. و إن لم نقل بصحّة مثل ذلك في البيع و نحوه. بدعوى عدم التطابق حينئذ بين الإيجاب و القبول، لأن مقتضى القاعدة الصحّة في البيع أيضاً إن لم يكن إجماع. و دعوى عدم التطابق ممنوعة.

____________

عرفت فيما تقدّم اختصاص دليل المانعية أعني الإجماع بالرد المتأخر عن الوفاة و أما ما يكون في حياة الموصي فلا أثر له، لعدم الدليل عليه.

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

الأوّل: في غير الوصيّة من العقود.

الثاني: في الوصيّة.

أما المقام الأوّل: فقد ذكر الأصحاب أنّ الحكم فيه البطلان، لاعتبار التطابق بين الإيجاب و القبول، و إلّا لم يحصل معنى العقد و لم يتحقق مفهومه، فإنه و كما عرفت عبارة عن ضم التزام بالتزام و ربط تعهد بتعهد.

إلّا أنه إنما يتم فيما لو لوحظ الاثنان بما هما واحد، كمصراعي الباب و الحذاء و الجورب مما لهما وحدة عرفية، حيث يكون بيع كل منهما مشروطاً بقبول المشتري لبيع الآخر. فإذا قبل المشتري شراء أحدهما دون الآخر حكم ببطلانه، لأن ما أنشأه البائع أعني البيع المشروط لم يقبله المشتري، و ما قبله المشتري أعني البيع غير المشروط لم ينشئه البائع. فلم يرد الالتزامان على شي‌ء واحد، و لم يتحقق انضمام أحدهما إلى الآخر، و هذا هو معنى عدم التطابق بين الإيجاب و القبول.

و أمّا إذا لم يكونا كذلك، بأن كان المقصود تمليك كل منهما مستقلا و بثمن معين، إلّا أنه قد جمع بينهما في مقام الإبراز خاصة، فلا مانع من الحكم بصحّة ما قبله، و ذلك لصدق المعاقدة و المعاهدة عليه إذ المفروض عدم ارتباط أحدهما بالآخر، فإنهما بيعان مستقلّان من غير اشتراط أحدهما بقبول الآخر. و من هنا فقبول كلّ منهما يكون مطابقاً لإيجابه لا محالة، و به يتحقّق مفهوم العقد، فتشمله أدلّة الصحّة.

310

نعم، لو علم من حال الموصي إرادته تمليك المجموع من حيث المجموع، لم يصحّ التبعيض [1] (1).

____________

و الحاصل أن العبرة في صحّة العقد في المقام إنما هو بالتطابق بين الإيجاب و القبول فإذا تحقق حكم بصحته و إن بطل الآخر، لعدم الارتباط بينهما، و إلّا فيحكم ببطلانه.

و أمّا المقام الثاني: فإن كانت الوصيّة من قبيل القسم الثاني من العقود، بأن كان مقصود الموصي تمليك الموصى له كلّاً من الأمرين مستقلا و من غير تقييد بالآخر و إنما جمع بينهما في الإبراز خاصّة، فلا ينبغي الإشكال في صحّتها بالنسبة إلى ما قبله بناءً على اعتبار القبول، أو ما لم يرده بناءً على ما اخترناه، و بطلانها بالنسبة إلى ما ردّه، نظراً لكونها في حكم الوصيتين.

و إن كانت من قبيل القسم الأوّل، بأن كان تمليك كل منهما بشرط قبول الموصى له للآخر بوصف المعية، فالظاهر هو الحكم بصحّة ما قبله أيضاً.

و لا تقاس الوصيّة بالبيع و غيره من العقود حيث يعتبر فيه التطابق بين الإيجاب و القبول، فإنّها ليست من العقود، سواء اعتبرنا القبول أم لم نعتبره. أما على الثاني فواضح، لأنها إيقاع محض. و أمّا على الأوّل فلما عرفت من أنه لا معنى لاعتباره إلّا كونه شرطاً، كاشفاً أو ناقلًا و عليه فليس هو ركناً و طرفاً للعقد، كي يعتبر التطابق بينه و بين الإيجاب.

نعم، غاية ما يحصل عند ردّ الموصى له بعض الموصى به هو تخلّف الشرط و حينئذ فيثبت للموصي الخيار، و حيث إنه ميت ينتقل إلى ورثته، لأنه حق فيدخل فيما تركه.

و الحاصل أن قياس الوصيّة التي هي من الإيقاع على سائر العقود في اعتبار التطابق بين الإيجاب و القبول، قياس مع الفارق، و الفرق بينهما واضح.

(1) قد عرفت الحال فيه مما تقدّم. فإنّ المجموع من حيث هو مجموع لا يصحّ‌

____________

[1] بل صحّ فيه أيضاً، فإنّ تمليك المجموع من حيث إنّه مجموع لا محصل له، إلّا أن يكون قبول الوصيّة في كل جزء أو عدم ردّها على القول بالاعتبار شرطاً في الوصيّة بالجزء الآخر، و عليه فلا يترتّب على التخلّف إلّا الخيار دون البطلان.

311

[مسألة 6: لا يجوز للورثة التصرف في العين الموصى بها]

[3904] مسألة 6: لا يجوز للورثة التصرف في العين الموصى بها، قبل أن يختار الموصى له أحد الأمرين من القبول أو الردّ (1). و ليس لهم إجباره على اختيار أحدهما معجّلًا (2) إلّا إذا كان تأخيره موجباً للضرر عليهم، فيجبره الحاكم

____________

تمليكه، فإنه أمر انتزاعي لا وجود له في الخارج، فالمراد به هو تمليك أحدهما بشرط معيّته للآخر. و مقتضى تخلفه برد الموصى له لأحدهما، هو ثبوت الخيار للموصي، لا بطلان الوصيّة من رأس.

(1) لعدم كونها ملكاً لهم بالفعل، فإنها بعد موت الموصي إما ملك للموصى له و إما ملك للموصي. فإنها ملك للموصى له على تقدير عدم الرد أو القبول بناءً على الكشف، و ملك للميت على تقدير الرد أو القبول بناءً على النقل.

و كيف كان، فليس للورثة التصرف فيها. أما على التقدير الأوّل واضح. و أما على التقدير الثاني فلتأخر الإرث عن الوصيّة، كما دلّت عليه الآية الكريمة صريحاً.

و من هنا يظهر ما في القول بجوازه، ظاهراً لاستصحاب عدم القبول المترتب عليه جواز التصرف بناءً على الكشف، أو واقعاً بناءً على كون القبول ناقلًا. فإن المال فعلًا ليس لهم و لم ينتقل إليهم، و إنما هو باقٍ على ملك الميت، لتأخر الإرث عن الوصيّة.

و الحاصل أنه ما لم يتحقق الرد من الموصى له لم ينتقل المال إليهم، و لا يجوز لهم التصرف فيه لا ظاهراً و لا واقعاً. فإن الوصيّة و إن لم تنفذ بعد، لعدم تحقق شرطها و هو القبول أو عدم الرد، إلّا أنه يصدق على المال الموصى به أنه مال وصيّة، فتشمله الآية المباركة. أما بقاؤه على ملك الميت، فلأنه لما لم ينتقل إلى الموصى له لعدم نفوذ الوصيّة بعد، و لا إلى الورثة لاستثناء مال الوصيّة عن حكم الإرث، و لم يمكن بقاء المال بلا مالك، فلا محيص عن كونه باقياً على ملك الميت، و لا مانع من الالتزام به كما هو الحال في ملكه للثلث بالوصيّة.

(2) لعدم كونها ملكاً لهم.

312

حينئذ على اختيار أحدهما [1] (1).

[مسألة 7: إذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد]

[3905] مسألة 7: إذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد، فالمشهور قيام وارثه مقامه في ذلك (2). فله القبول إذا لم يرجع الموصي عن وصيّته، من غير فرق بين كون موته في حياة الموصي أو بعد موته، و بين علم الموصي بموته و عدمه.

و قيل بالبطلان بموته قبل القبول.

و قيل بالتفصيل بين ما إذا علم أن غرض الموصي خصوص الموصى له فتبطل و بين غيره فلورثته.

____________

(1) و فيه: أنه بعد فرض عدم انتقال المال إليهم لتأخر الإرث عن الوصيّة، لا يمكن تصور الضرر في حقهم حتى و لو طالت المدة ما طالت.

نعم، بتأخير الرد يفوت عليهم الانتفاع بها، إلّا أنه لا دليل على لزوم إيجاد سبب الانتفاع لهم.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

الأوّل: في موت الموصى له في حياة الموصي.

الثاني: في موته بعد وفاة الموصي.

أمّا المقام الأوّل: فلا ينبغي الشك في كون مقتضى القاعدة فيه البطلان، لأن المنشأ من قبل الموصي إنما هو ملكية الموصى له بعد موته الموصي و هذا غير قابل للتحقق في الخارج، نظراً لسقوط الموصى له بموته عن قابليته للملك.

لكن و مع ذلك ذهب المشهور إلى الصحّة و انتقال الوصيّة إلى الورثة.

و استدل عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: أن القبول حق للموصى له، فينتقل بموته إلى ورثته.

____________

[1] لا وجه له و لو قلنا باعتبار القبول في صحّة الوصيّة، إذ لا ضرر على الورثة في التأخير غاية الأمر أنه يفوت عليهم الانتفاع على تقدير تأخير الرد.

313

و القول الأوّل و إن كان على خلاف القاعدة مطلقاً بناءً على اعتبار القبول في صحّتها لأن المفروض أن الإيجاب مختص بالموصى له. و كون قبول الوارث بمنزلة قبوله ممنوع. كما أن دعوى انتقال حق القبول إلى الوارث أيضاً محل منع صغرى و كبرى، لمنع كونه حقاً، و منع كون كل حق منتقلًا إلى الوارث حتى مثل ما نحن فيه من الحق الخاص به، الذي لا يصدق كونه من تركته.

و على ما قوينا من عدم اعتبار القبول فيها، بل كون الرد مانعا أيضاً، يكون الحكم على خلاف القاعدة في خصوص صورة موته قبل موت الموصى له، لعدم ملكيته في حياة الموصي.

____________

و يرده ما ذكره الماتن (قدس سره) من منعه صغرى و كبرى. إذ ليس كل ما يجوز للإنسان أن يفعله يعدّ من الحقوق، بل حال القبول هنا حال سائر الأُمور السائغة له و كالقبول في سائر المعاملات. فإن الحق عبارة عن حكم تكليفي محض أو وضعي محض يتعلق دائماً بفعل الإنسان نفسه قابل للإسقاط، فكل حكم تكليفي أو وضعي قابل للإسقاط فهو حق بالمعنى المصطلح و كل حكم كذلك لا يقبل الإسقاط و ليس أمره بيد المكلف فهو حكم بالمعنى الذي يقابل الحق.

بيان ذلك: أن الملكية التي هي في قبال الحكم التكليفي قد تتعلّق بالأعيان الخارجية، أو في الذمّة، و قد تتعلق بالمنافع، سواء أ كانت من قبيل الأعمال الخارجية أم كانت قائمة بعين خارجي كسكنى الدار و ركوب الدابة. و لا تتعلق بفعل الإنسان نفسه، فإنه ليس من الملكية بالمعنى المصطلح، و إن كان منها بمعنى السلطنة.

و أما الحقوق فهي تتعلق دائماً بفعل من له الحق نفسه، و قد يكون من عليه الحق معيّناً كحق الشفعة و الخيار، و قد لا يكون كذلك كحق التحجير، حيث إن من عليه الحق إنما هو جميع البشر. و لكن على كلا التقديرين، لا يكون الحق إلّا حكماً متعلقاً بفعل نفس من له الحق.

و الفرق بينه و بين سائر الأحكام، أن من له الحق له إسقاطه إذا شاء، و هو بخلاف سائر الأحكام، و إلّا فليس هناك أي فرق بينهما.

314

لكن الأقوى مع ذلك هو إطلاق الصحّة كما هو المشهور، و ذلك لصحيحة محمّد بن قيس الصريحة في ذلك، حتى في صورة موته في حياة الموصي، المؤيّدة

____________

و الذي يدلنا على ذلك أنا لا نرى أي فرق بين جواز قتل القاتل عمداً قصاصاً و جواز قتل الكافر الحربي، و كذا جواز الفسخ في البيع الخياري و جواز الفسخ في الهبة لغير الرحم، و مثله اللزوم الحقي كالبيع و اللزوم الحكمي كالنكاح.

فإنه لا فرق بين هذه الأحكام من أي جهة من الجهات كانت، سوى أن الأوّل منها قابل للإسقاط، سواء بالعفو، أو إسقاط الخيارات، أو الإقالة. بخلاف الثاني حيث إن أمره ليس بيد المكلف و ليس له إسقاطه، اتفق مع الطرف الآخر أم لم يتّفق فإنّ النكاح مثلًا لا يرتفع بتواطؤ الزوجين عليه بل لا بدّ من الطلاق، أو سائر الأسباب الموجبة لرفعه.

و الحاصل أن الحق ليس شيئاً وراء الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي و إنما هو هو بعينه، غاية الأمر أنه متعلق بفعل الإنسان نفسه و قابل للإسقاط من قبله و ليس هو مرتبة ضعيفة من الملكية.

فإن قلت: إن الحكم الشرعي كيف يمكن انتقاله إلى الورثة بالإرث.

قلت: إن ذلك لا يختص بما ذكرناه بل يجري على جميع التقادير في الحق، فإنه بأي معنى كان حتى و لو بمعنى الملكية يختلف عن سائر الأموال في الإرث. فإن الإرث في غيره إنما يكون في المال لا في الملكية التي هي أمر اعتباري، إذ الذي ينتقل إلى الورثة بعد الديون و الوصايا إنما هو أموال الميت بما فيها المنافع و الأعمال المملوكة له و التي يعبر عنها في الاصطلاح ب‍ «ما ترك» حيث يوجد للورثة ملكية جديدة بعد زوال ملكية الميت عنها.

و هذا بخلاف الحق، فإنه و بعد أن لم يكن من الأعيان الخارجية أو المنافع، حيث إنه ليس من الموجودات التكوينية من الجواهر أو الأعراض، و إنما هو محض اعتبار شرعي أو عقلائي على جميع معانيه، يكون المنتقل إليهم نفس المعتبر بهذا الاعتبار لا محالة.

315

..........

____________

و الحاصل أن الحق يغاير غيره في الإرث. فإن المنتقل إلى الورثة في غيره إنما هو نفس المال الذي تتعلق به الملكية، و أما نفس الملكية فهي لا تقبل الانتقال. في حين إن المنتقل فيه إنما هو نفس الحق، و المعتبر بالاعتبار الشرعي أو العقلائي.

و مما تقدّم يتضح ما أفاده الماتن (قدس سره) من منع كون قبول الوصيّة حقّا، لأنها ليست إلّا إنشاء لملكية الموصى له بعد وفاة الموصي، و قبول ذلك على تقدير القول باعتباره كالقبول في سائر العقود، بل كسائر الأفعال المباحة كالقيام و الجلوس، محكوم بالجواز الحكمي و لا يكون من الحقوق في شي‌ء.

و مع غض النظر عن ذلك، فإن ثبوت الحق إما أن يكون بجعل من الشارع كحق الشفعة و التحجير، و إما أن يكون بجعل من المكلف و إمضاء الشارع له كالخيار في العقود. و الحق المدعى في المقام ليس من أحدهما، فإن الذي أنشأه الموصي ليس إلّا الملكية بعد الموت، و الذي أمضاه الشارع هو الملكية بعد الموت أيضاً. نعم، اعتبر القبول في نفوذ الوصيّة بناءً على القول به، للإجماع. و لا شي‌ء من ذلك يقتضي كونه حقّا له.

ثمّ إنا إذا تنزلنا و بنينا على أنه حق للموصي، فإن مثل هذا الحق غير قابل للانتقال إلى الورثة. و كبرى قابلية كل حق للانتقال إلى الوارث ممنوعة، فإن منه ما يقوم بذي الحق نفسه، فلا يقبل الانتقال إلى غيره. و القبول من هذا القبيل، فإن الوارث لا يمكنه القبول لنفسه، لأن الموصي لم ينشئ ذلك، و لا يمكنه القبول للموصى له، لأنه غير قابل للملكية.

الوجه الثاني: ما ذكره بعضهم من أن مقتضى إطلاقات الوصيّة نفوذها، سواء أ تعقّبها القبول أم لم يتعقّبها، إلّا أننا قد خرجنا عنها بالإجماع على اعتبار القبول و حيث إن الإجماع دليل لبي فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن منه، و هو القبول في الجملة و الأعم من قبول الموصى له هو و قبول ورثته، فيحكم عند تحقّقها بصحّتها لا محالة.

و فيه: أنه إنما يتم على تقدير كون موت الموصى له بعد موت الموصي و قبل قبوله و القول بكون القبول كاشفاً. فيقال حينئذ: إن قبول الوارث كافٍ، لأن الإجماع إنما‌

316

..........

____________

قام على اعتبار القبول في الجملة.

و أما لو كان موته في حياة الموصي كما هو مفروض الكلام، فلا معنى لقيام ورثته مقامه، بعد أن لم يكن هو قابلًا للملكية نتيجة للموت.

و منه يظهر الحال فيما لو كان موته بعد موت الموصي، لكن قلنا بكون القبول ناقلًا فإنّه لا أثر له من الورثة، إذ المنشأ إنما هو ملكية الموصى له بعد الموت، و هو غير قابل لها بالفعل.

الوجه الثالث: صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفي الموصى له الذي أوصى له قبل الموصي، قال: الوصيّة لوارث الذي أوصى له، قال: و من أوصى لأحد شاهداً كان أو غائباً، فتوفي الموصى له قبل الموصي، فالوصيّة لوارث الذي أوصى له، إلّا أن يرجع في وصيّته قبل موته» (1). فإنها صحيحة سنداً و صريحة دلالة.

و دعوى أن اشتراك محمد بن قيس بين الثقة و الضعيف، يمنع من الحكم بصحتها و الأخذ بها.

مدفوعة بأن الذي يروي قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أبي جعفر (عليه السلام) و يروي عنه عاصم بن حميد، إنما هو الثقة، على ما حقق في محله من الرجال (2).

و يؤيدها أوّلًا: صحيحة العباس بن عامر، قال: سألته عن رجل أوصي له بوصيّة، فمات قبل أن يقبضها و لم يترك عقباً؟ قال: «أطلب له وارثاً أو مولى فادفعها إليه». قلت: فإن لم أعلم له ولياً؟ قال: «اجهد على أن تقدر له على ولي، فإن لم تجد و علم اللّٰه منك الجدّ فتصدق بها» (3).

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 30 ح 1.

(2) معجم رجال الحديث 9: 180 رقم 6054.

(3) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 30 ح 2.

317

بخبر الساباطي و صحيح المثنى. و لا يعارضها صحيحتا محمد بن مسلم و منصور ابن حازم بعد إعراض المشهور عنهما، و إمكان حملها على بعض المحامل منها التقيّة، لأن المعروف بينهم عدم الصحّة.

____________

و وجه جعلها مؤيدة التردد في المراد بالقبض. فإن المراد به إن كان هو القبض الخارجي فقط، فالرواية أجنبية عن محل الكلام، فإن الظاهر حينئذ أن الموصى له كان له أن يقبض و لكنه مات قبل قبضه، و عليه فحياة الموصى له و موت الموصي مفروغ عنهما. و أما إن كان المراد به هو القبول، كما هو ليس ببعيد من جهة أن القبول غالباً ما يكون به، فهي بترك الاستفصال و عدم السؤال عن أن موت الموصى له كان بعد موت الموصي أو قبله، تدلّ على المدعى.

و أمّا المناقشة في سندها من جهة أن المذكور في الكافي و إن كان رواية العباس بن عامر عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة (1) إلّا انها لم تثبت. فإن الصدوق و الشيخ روياها عن العباس بن عامر، عن المثنى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) و حيث إن المثنى هذا مجهول، فلا مجال للحكم بصحّتها.

مدفوعة بأن الظاهر أن المثنى هذا هو عبد السلام، كما صرح به في تفسير العيّاشي (3) و هو ثقة.

على أنه لو تمّ التردّد، فهو مردّد بين المثنى بن عبد السلام، و المثنى بن الوليد و كلاهما ثقة على ما ذكره الكشي عن مشايخه (4).

ثانياً: رواية محمد بن عمر الباهلي (الساباطي)، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أوصى إليّ و أمرني أن اعطي عماً له في كل سنة شيئاً، فمات العم؟

فكتب: «أعط ورثته» (5). فإنها بترك الاستفصال، تدلّ على عموم الحكم لصورة‌

____________

(1) الكافي 7: 13.

(2) التهذيب 9: 231/ 905، الاستبصار 4: 138/ 517، الفقيه 4: 156/ 542.

(3) تفسير العياشي 1: 77/ 171.

(4) رجال الكشي: 338 رقم 623.

(5) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 30 ح 3.

318

نعم، يمكن دعوى انصراف الصحيحة عمّا إذا علم كون غرض الموصي خصوص شخص الموصى له على وجه التقييد. بل ربّما يقال: إنّ محل الخلاف غير هذه الصورة. لكن الانصراف ممنوع، و على فرضه يختص الإشكال بما إذا كان موته قبل موت الموصي، و إلّا فبناءً على عدم اعتبار القبول بموت الموصي صار مالكاً بعد فرض عدم ردّه، فينتقل إلى ورثته.

____________

موت الموصى له قبل الموصي أيضاً.

و وجه جعلها مؤيدة أنها ضعيفة سنداً، لأن محمد بن عمر الباهلي لا وجود له في الرجال، و محمد بن عمر الساباطي لم يوثق.

على أن موردها هي الوصيّة العهدية، و محل الكلام هي الوصيّة التمليكية.

فالعمدة في الاستدلال هي صحيحة محمد بن قيس الدالة على المدعى صريحاً.

إلّا أن بإزائها صحيحتين:

أُولاهما: صحيحة محمّد بن مسلم و أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي قال: «ليس بشي‌ء» (1).

ثانيتهما: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بوصيّة إن حدث به حدث، فمات الموصى له قبل الموصي؟ قال: «ليس بشي‌ء» (2).

و معارضة هاتين الصحيحتين لصحيحة محمد بن قيس، مبنية على رجوع الضمير في قوله (عليه السلام): «ليس بشي‌ء» إلى الإيصاء، إذ لو كان الضمير راجعاً إلى الموت كما يقتضيه قربه إليه، كانت هاتان الصحيحتان موافقتين لصحيحة محمّد بن قيس.

و كيف كان، فمع فرض التعارض بينها لا ينبغي الشك في تقديم صحيحة محمد بن قيس، نظراً لمخالفتها لمذهب العامة.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 30 ح 4.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 30 ح 5.

319

..........

____________

إذن فهي المعتمد في مقام الفتوى، على ما عليه المشهور.

و أما الجمع بين هذه النصوص بحمل صحيحة محمد بن قيس على فرض عدم تقييد الوصيّة، و حمل المعارض لها على فرض التقييد، فيلتزم بصحتها و انتقال الموصى به إلى ورثة الموصي له في الأوّل، و البطلان في الثاني.

فمدفوع بان المراد من تقييد الوصيّة بالموصى له إن كان تعلق غرضه به شخصاً، في قبال تعلق غرضه بكون الموصى به من جملة أموال الموصى له يتصرف به هو في حياته و ينتقل إلى ورثته بعد وفاته، فهو و إن كان أمراً ممكناً إلّا أنه لا أثر له في مقام الإنشاء فإن العبرة في الحكم بالصحّة و الفساد ليست بغرض المنشئ و داعيه إلى الإنشاء، و إنما هي بما ينشئ.

مع أن حمل صحيحة محمّد بن قيس على الفرض الثاني مما لا شاهد له، بل هو بعيد و مناف للإطلاق، بل خلاف الظاهر، و حمل على الفرد النادر من الوصايا، حيث إن الغالب منها هو الفرض الأوّل، أعني وجود خصوصيّة للموصى له.

و إن كان المراد أن نظر الموصي في مقام إنشاء الوصيّة قد يكون إلى شخص الموصى له، و قد يكون إليه هو على تقدير حياته و إلى ورثته على تقدير وفاته فالوصيّة قد تكون مقيدة بشخص معين و قد تكون جامعة بينه و بين غيره، فهو و إن كان ممكناً أيضاً إلّا أن صحّتها حينئذ على القاعدة و لا تحتاج إلى النص، إذ الوارث موصى له حقيقة، فحمل الصحيحة عليها حمل بعيد و لا شاهد فيها عليه، بل الظاهر منها كون الوصيّة لشخص الميت بنفسه.

و إن كان المراد أن الموصي تارة يقيد الوصيّة بحياة الموصي له و أُخرى يطلق، فإذا كانت الوصيّة من قبيل الأوّل حكم ببطلانها عند موت الموصى له، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده، فهو و إن كان أقرب الوجوه المذكورة في التقييد، بل يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) أن البطلان في هذه الصورة ليس محلا للكلام بينهم (1) إلّا أنه أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، نظراً لعدم الشاهد في صحيحتي محمد بن مسلم و منصور بن حازم على تقييدهما بذلك.

____________

(1) الجواهر 28: 257 258.

320

..........

____________

على أن هذا التقييد لا أثر له. فإن الوصيّة مقيدة بذلك في مقام الثبوت، سواء أقيدها الموصي في مقام الإثبات أم لم يقيدها، فإن الميت غير قابل للتمليك ابتداءً فالحياة مأخوذة في الموضوع على نحو مفروض الوجود. و من هنا فلا يكون للتقييد أثر.

و الحاصل أن مقتضى القاعدة و إن كان هو البطلان في فرض موت الموصى له في حياة الموصي، إلّا أنه لا بدّ من الخروج عنها لصحيحة محمد بن قيس، الدالة على النفوذ و انتقال المال إلى ورثته صريحاً.

و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين فرض التقييد و عدمه.

و أمّا المقام الثاني: فإن قلنا بأن الوصيّة إيقاع و لا تحتاج إلى القبول كما هو الصحيح، غاية الأمر أنه يعتبر في نفوذها عدم الرد، فالأمر واضح. فإن الموصى به ينتقل بمجرّد موت الموصي إلى ملك الموصى له لفرض عدم الرد، و بموته ينتقل إلى ملك ورثته لا محالة، فحاله في ذلك حال سائر أمواله، فلا يعتبر قبولهم جزماً.

نعم، يبقى الكلام في تأثير ردهم، و هل أنه كردّ الموصى له يوجب بطلانها أم لا؟

فيه خلاف. و الظاهر هو الثاني، و ذلك لإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة، فإن مقتضاها نفوذها مطلقاً، سواء أتحقق ردّ أم لم يتحقق، غاية الأمر أننا خرجنا عنها للإجماع على مانعية الرد، و حيث إنه دليل لبي فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن و هو ردّ الموصى له نفسه، فيبقى تأثير رد الورثة بلا دليل. على أن الورثة إنما يتلقون المال من أبيهم بعنوان الإرث، و لا يتلقونها من الموصي بعنوان الوصيّة. و من هنا فلا يكون لردهم أي أثر.

و إن قلنا باعتبار القبول، فإن اعتبرناه كاشفاً، فالأمر كما تقدّم، إذ المتيقن من الإجماع الدالّ على اعتبار القبول اعتباره في الجملة، أعني الأعم من قبول الموصى له هو و قبول ورثته، فإذا قبل الورثة كشف ذلك عن ملكية الموصى له للموصى به من حين موت الموصي، و حينئذ فينتقل إلى ملكهم كسائر أمواله.

و إن اعتبرناه ناقلًا، أشكل الحكم بصحّة الوصيّة من هذه الجهة، فإن ما أنشأه الموصي غير قابل للتحقق في الخارج، و ما تعلق به القبول لم ينشئه الموصي.

321

[بقي هنا أُمور]

بقي هنا أُمور:

[أحدها: هل الحكم يشمل ورثة الوارث]

أحدها: هل الحكم يشمل ورثة الوارث، كما إذا مات الموصى له قبل القبول و مات وارثه أيضاً قبل القبول، فهل الوصيّة لوارث الوارث، أوْ لا؟ وجوه [1] الشمول (1) و عدمه لكون الحكم على خلاف القاعدة، و الابتناء على كون مدرك الحكم انتقال حق القبول فتشمل، و كونه الأخبار فلا.

____________

إلّا أن هذا لا يمنع من الحكم بنفوذ الوصيّة و انتقالها إلى الورثة. و ذلك لصحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة، فإنها و إن كانت واردة في موت الموصى له في حياة الموصي لكن الظاهر أنه لا خصوصيّة له، بل المقام أولى في الحكم بالنفوذ من فرض موته في حياة الموصي. إذ الموصى له في الثاني لم يكن قابلًا للملكية، نظراً لعدم تحقق شرطها أعني موت الموصي، بخلاف المقام، فيكون الحكم فيه ثابتاً بالأولوية القطعية.

و احتمال ملكية الميت في المقام المال آناً ما عند قبول الوارث، بعيد غايته و لا دليل عليه.

و الحاصل أن الموصى به ينتقل إلى ملك الورثة في المقام لانتقال الوصيّة إليهم تعبداً، و كأنهم هم الموصى لهم ابتداءً.

(1) و هو الصحيح.

و ذلك أما مع فرض تأخر موت الموصى له عن وفاة الموصي، و القول بعدم اعتبار القبول في نفوذها، فالأمر واضح. فإنه لا ينبغي الشك في قيام وارث الوارث مقامه فإنّ الموصى له قد ملك الموصى به بمجرد موت الموصي، فبموته هو مع فرض عدم رده ينتقل ذلك المال إلى وارثه لا محالة، و بموت الوارث ينتقل المال إلى وارثه كسائر أمواله، و لا موجب للقول بعدم قيامه مقامه.

و كذا الحال لو اعتبرنا القبول في نفوذها و قلنا بكشفه، فإن قبول وارث الوارث يكشف عن ملكية الموصى له للمال حين موت الموصي، و من هنا فيملكه هو لانتقال‌

____________

[1] أقواها الأوّل، بل لا وجه لغيره إذا كان موت الموصى له بعد موت الموصي على ما مرّ من عدم اعتبار القبول.

322

[الثاني: إذا قبل بعض الورثة و ردّ بعضهم، فهل تبطل]

الثاني: إذا قبل بعض الورثة و ردّ بعضهم، فهل تبطل، أو تصحّ و يرث الرادّ أيضاً مقدار حصته، أو تصحّ بمقدار حصة القابل فقط، أو تصحّ و تمامه للقابل، أو التفصيل بين كون موته قبل موت الموصي فتبطل، أو بعده فتصح بالنسبة إلى مقدار حصّة القابل؟ وجوه [1] (1).

____________

أموال الموصى به بموته إلى وارثه، و بموته إليه لا محالة.

نعم، بناءً على القول بناقلية القبول، لا مجال للحكم بصحّة الوصيّة و قيام الوارث مقام الموصى له فضلًا عن وارث الوارث، مع قطع النظر عن صحيحة محمّد بن قيس فحكم هذا الفرض حكم ما بعده.

و أمّا مع فرض تقدّم موته على موت الموصي، فالحكم بالانتقال إلى الوارث و إن كان على خلاف القاعدة، و لذا تعين الحكم بالبطلان لولا صحيحة محمّد بن قيس، إلّا أن الظاهر ثبوته في المقام أيضاً. و ذلك لتضمن الصحيحة لبيان كبرى كلية، هي انتقال الوصيّة إلى الوارث في فرض موت الموصى له، فإن مقتضاها ثبوت وصيتين في المقام:

الاولى: الوصيّة بكون المال للموصى له، و هذه الوصيّة هي التي أنشأها الموصي.

الثانية: الوصيّة بكون المال لورثة الموصى له، و هذه الوصيّة إنما هي بجعل من الشارع و تعبّد منه.

و عليه فإذا ثبتت الوصيّة لورثة الموصى له و لو تعبداً، كان مقتضى هذه الصحيحة ثبوتها لورثته.

و على هذا الأساس يظهر عدم الفرق، بين كون مدرك الحكم هو انتقال حق القبول من الموصى له إلى ورثته، و بين كونه هو صحيحة محمد بن قيس. ففي كل مورد كان للوارث أن يقبل الوصيّة، كان ذلك لوارثه أيضاً.

(1) أصحّها التفصيل بين موت الموصى له قبل وفاة الموصي، و موته بعد وفاته و قبل القبول.

____________

[1] إذا كان موت الموصي قبل موت الموصى له، فلا ريب في تعيّن الوجه الثاني على ما مرّ، و أمّا إذا انعكس الأمر فعلى القول باشتراط تملّك الوارث بعدم ردّه فالمتعيِّن هو الثالث، و أمّا على ما قوّيناه من أنه لا أثر للرد فيتعيّن الوجه الثاني أيضاً.

323

..........

____________

ففي الأوّل فالحكم بالبطلان و إن كان مقتضى القاعدة كما عرفت، إلّا أن الدليل الخاص صحيحة محمد بن قيس دل على انتقال الوصيّة إلى ورثة الموصي له تعبداً، و كأنها وصيّة لهم ابتداءً. و حيث إن الوصيّة للمتعدد تقتضي انحلالها إلى وصايا بعددهم، تكون هذه الوصيّة منحلة لا محالة، فيكون لكل منهما بنسبته إلى المجموع.

و من هنا فاحتمال بطلانها من رأس لا وجه له. و كذا احتمال صحتها مع كون جميع الموصى به للقابل، فإنّ الموصي لم ينشئ ذلك و ليست الوصيّة كذلك، بل له منها بنسبته إلى المجموع خاصّة.

و عليه فيدور الأمر بين الالتزام بصحتها مطلقاً مع إرث الرادّ أيضاً، أو التفصيل بالالتزام بالصحّة بالنسبة إلى حصة القابل و البطلان بالنسبة إلى حصة الرادّ.

و منشأ هذا الترديد هو الخلاف في تأثير الرد في المقام، أعني الوصيّة التعبدية.

فإن قلنا إنه لا أثر لمثل هذا الردّ كما هو الصحيح، لأن الدليل على تأثيره إنما كان هو الإجماع، و حيث إنه مفقود في المقام لاختلاف الأقوال فيه كما عرفت، فلا يكون له أثر. و عليه فتصحّ الوصيّة، و يأخذ الرادّ حصته منها، كما يأخذ القابل حصّته.

و إن قلنا إنّ الردّ من الوارث يؤثر أثره، فلا بدّ من التفصيل في الصحّة بين حصّة القابل و حصّة الراد، لانحلالها.

و أما في الثاني، فإن قلنا بعدم اعتبار القبول كما اخترناه، فلا ينبغي الإشكال في نفوذ الوصيّة مطلقاً، من دون أن يكون لردّ الرادّ أثر، إذ المال قد انتقل إليهم بالإرث لا بالوصيّة، فإنّ الميت الموصى له قد ملكه بمجرد موت الموصي و عدم ردّه للوصيّة.

و إن قلنا باعتبار القبول، فإن التزمنا بكاشفيته، فالحكم كذلك أيضاً، لما عرفت من أن الدليل على اعتباره ليس إلّا الإجماع، و هو على تقدير تسليمه لا يقتضي إلّا اعتباره في الجملة، أعني الأعم من قبوله هو و قبول بعض ورثته، و حيث إنه متحقق لفرض قبول بعض الورثة، كشف ذلك عن ملكية الموصى له للمال من حين موت الموصي. و من هنا فيكون انتقاله إليهم بالإرث، فلا يكون لردّ بعضهم أثر.

324

[الثالث: هل ينتقل الموصى به بقبول الوارث إلى الميت ثمّ إليه]

الثالث: هل ينتقل الموصى به بقبول الوارث إلى الميت ثمّ إليه، أو إليه ابتداء من الموصي؟ (1) وجهان، أوجههما الثاني [1] (2).

____________

و إن التزمنا بناقليته، جرى فيه ما تقدّم من الخلاف في تأثير الردّ في المقام و عدمه. فعلى الأوّل تصحّ بالنسبة إلى حصة القابل خاصة دون حصة الراد، لانحلال الوصيّة. و على الثاني تصحّ مطلقاً، فيأخذ الرادّ كما يأخذ القابل.

(1) يظهر أثر هذا النزاع في أخذ الزوجة من الأرض إذا تعلقت بها الوصيّة على الثاني دون الأوّل، و خروج ديون الميت و وصاياه من الموصى به على الأوّل دون الثاني.

(2) بل الصحيح هو التفصيل بين موت الموصى له في حياة الموصي، و موته بعد وفاته.

ففي الأوّل ينتقل الموصى به إليهم مباشرة، و من دون وساطة الموصى له لعدم قابليته للمكية، حين موت الموصي.

و في الثاني ينتقل المال إلى الموصى له أوّلًا، حيث لم يتحقق منه الرد كما هو المفروض، و من ثمّ ينتقل إليهم بالإرث، فحاله في ذلك حال سائر ما تركه الميت.

هذا إذا لم نقل باعتبار القبول، كما هو الصحيح. و أما بناءً على اعتباره، فإن قلنا بكونه كاشفاً فالأمر كذلك، حيث يكشف قبولهم عن ملك الميت له أوّلًا، و انتقاله بعد ذلك إليهم بالإرث.

و احتمال الكشف عن ملكية الورثة له من حين موت الموصي، ضعيف و لا وجه له، فإن الوصيّة إنما كانت للموصى له دون الورثة، فانتقالها إليهم يحتاج إلى الدليل. و إن قلنا بكونه ناقلًا، كان مقتضى الدليل انتقال الموصى به إلى الورثة ابتداءً و من دون نقصان، لانتقال الوصيّة إليهم تعبداً.

____________

[1] هذا فيما إذا مات الموصى له قبل الموصي، و أمّا في عكسه فالمال ينتقل إلى الوارث من الموصى له على ما مرّ.

325

و ربّما يبنى (1) على كون القبول كاشفاً أو ناقلًا. فعلى الثاني الثاني. و على الأوّل الأوّل. و فيه: أنه على الثاني أيضاً يمكن أن يقال بانتقاله إلى الميت آناً ما ثمّ إلى وارثه. بل على الأوّل يمكن أن يقال بكشف قبوله عن الانتقال إليه من حين موت الموصي، لأنه كأنه هو القابل، فيكون منتقلًا إليه من الأوّل.

[الرابع: هل المدار على الوارث حين موت الموصى له إذا كان قبل موت الموصي]

الرابع: هل المدار على الوارث حين موت الموصى له إذا كان قبل موت الموصي، أو الوارث حين موت الموصي، أو البناء على كون القبول من الوارث موجباً للانتقال إلى الميت ثمّ إليه، أو كونه موجباً للانتقال إليه أوّلًا من الموصي فعلى الأوّل الأوّل، و على الثاني الثاني؟ وجوه [1] (2).

[الخامس: إذا اوصي له بأرض فمات قبل القبول]

الخامس: إذا اوصي له بأرض فمات قبل القبول، فهل ترث زوجته منها أوْ لا؟

____________

و احتمال تملك الميت للمال على هذا التقدير آناً ما و إن كان ممكناً إلّا أنه لا دليل عليه، فإن مقتضى الوصيّة ملكية الموصى له للمال حين موت الموصي و هي لم تتحقّق و الملكية عند القبول من الوارث لم ينشئها الموصي و لم يدلّ عليها دليل.

(1) ظهر الحال فيه و فيما يأتي مما تقدّم.

(2) أوجهها الأوّل.

و ذلك أما بناءً على انتقال المال إلى الموصى له الميت أوّلًا، و من ثمّ انتقاله إليهم فالأمر واضح. فإنه و بعد انتقاله إليه، ينتقل عند موته إلى ورثته الموجودين في ذلك الزمان لا محالة، على ما تقتضيه قواعد الإرث.

و أمّا بناءً على انتقاله إليهم مباشرة، فلظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد ابن قيس: «الوصيّة لوارث الذي أوصى له» فإنه ظاهر في وارثه حين موته. و حمله على وارثه حين موت الموصي، تقييد بلا دليل، و لا وجه للمصير إليه.

و من هنا فلو كان للموصىٰ له حين موته ابن و أخ، فمات الابن قبل موت الموصي و ترك أولاداً ثمّ مات الموصي، كانت الوصيّة لأولاد الابن دون عم أبيهم.

____________

[1] أوجهها الأوّل.

326

وجهان مبنيّان على الوجهين في المسألة المتقدِّمة [1] (1). فعلى الانتقال إلى الميت ثمّ إلى الوارث، لا ترث. و على الانتقال إليه أوّلًا لا مانع من الانتقال إليها، لأنّ المفروض أنها لم تنتقل إليه إرثاً من الزوج، بل وصيّة من الموصي. كما أنه يبنى على الوجهين إخراج الديون و الوصايا من الموصى به بعد قبول الوارث و عدمه (2).

أمّا إذا كانت بما يكون من الحبوة، ففي اختصاص الولد الأكبر به، بناءً على الانتقال إلى الميت أوّلًا، فمشكل (3) لانصراف الأدلّة عن مثل هذا.

____________

(1) يعني الأمر الثالث. و قد عرفت فيه أن الصحيح هو التفصيل بين موت الموصى له في حياة الموصي، و موته بعد وفاته. ففي الأوّل ترث منها، لانتقال الوصيّة إليهم مباشرة. و في الثاني لا ترث منها، إلّا على تقدير اعتبار القبول و القول بكونه ناقلًا.

و قد يستشكل فيه بأن الدليل لما دلّ على كونها على نحو الإرث، كان المستفاد منه حرمان من يحرم من الإرث كلّاً أو بعضاً منها. و حيث إن الزوجة تحرم من الأراضي إرثاً، فهي تحرم منها وصيّة أيضاً، لتنزيلها منزلته.

إلّا أنه مدفوع بأنّ الصحيحة لم تتضمّن تنزيل الموصى به منزلة التركة، و إنما تضمّنت تنزيل الورثة منزلة الموصى له الميت، و كأنه هم الموصى لهم ابتداءً. و حيث إنّ الزوجة داخلة فيهم بلا خلاف و إن كانت هي لا ترث من الأرض، و لذا لا إشكال في شمول الوصيّة لها فيما لو أوصى الموصي بالأرض للورثة ابتداءً، فهي أيضاً ممن جعلت الوصيّة له تعبّداً.

و هذا لا ينافي تقسيمها عليهم على نحو تقسيم الإرث، فإنها و إن كانت الوصيّة لهم بالتعبّد إلّا أن ظاهر الدليل كونها لهم بما هم ورثة الموصي له، فينبغي تقسيمها على نحو تقسيم الإرث.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم في الأمر الثالث، فراجع.

(3) و ذلك لاختصاص الحبوة بما أعدّه الميت لنفسه و جعله مختصاً به، فلا تشمل ما لم يكن كذلك حتى و لو كان مملوكاً له.

____________

[1] و قد عرفت التفصيل فيها.

327

[السادس: إذا كان الموصى به ممن ينعتق على الموصى له]

السادس: إذا كان الموصى به ممن ينعتق على الموصى له (1). فإن قلنا بانتقاله

____________

هذا كلّه فيما إذا مات الموصى له بعد وفاة الموصي، و قلنا بعدم اعتبار القبول، أو اعتبرناه و جعلناه كاشفاً. و أما لو مات في حياة الموصي أو بعده، مع القول باعتبار القبول ناقلًا، فلا ينبغي الإشكال في عدم إجراء حكمها عليه، نظراً لعدم انتقاله إليه بالمرّة.

(1) الكلام في هذه المسألة:

تارة يقع في الموصى به الذي ينعتق على الموصى له خاصة دون وارثه، كما لو اوصي له بابنه الرق و كان له أولاد أحرار، فإنه ينعتق عليه خاصة دون أولاده، حيث لا مانع من ملك الرجل لأخيه.

و أُخرى في الموصى به الذي ينعتق على الوارث أيضاً، كما لو اوصي له ببنته، حيث لا يجوز للرجل أن يملك محارمه من النساء.

أمّا المقام الأوّل: فإن كان موت الموصى له في حياة الموصي، فعلى ما اخترناه من انتقال الوصيّة منه إلى ورثته بالتعبد، فلا إشكال في عدم انعتاقه إذ لم يدخل و لا آناً ما في ملك الموصى له، و إنما انتقل من الموصي إليهم مباشرة، و المفروض قابليتهم لتملّكه و عدم انعتاقه عليهم قهراً.

و على ما ذهب إليه بعضهم، من انتقاله إلى الموصى له آناً ما و من ثمّ انتقاله إلى الورثة بالإرث، ينعتق لا محالة، لانعتاقه بمجرد الدخول في ملك الموصى له، و معه فلا يبقى مجال لانتقاله إلى الورثة، نظراً لعدم شمول ما ترك له. و بذلك يكون من مصاديق الوارث المتجدد بعد الموت، فيأخذ تمام التركة إذا كان انعتاقه قبل القسمة و كان هو في مرتبة سابقة على الموجودين و إلّا شاركهم فيها، و إن كان انعتاقه بعد القسمة فلا شي‌ء له.

و إن كان موت الموصى له بعد وفاة الموصي، فعلى ما اخترناه من كون الوصيّة إيقاعاً محضاً فالأمر واضح. فإنه و بمجرد موت الموصي ينتقل إلى ملك الموصى له آناً ما، فالحال فيه هو الحال في موت الموصى له قبل موت الموصي طابق النعل بالنعل.

328

..........

____________

فإن قلنا بانتقاله من الموصي إليهم مباشرة، فلا ينعتق. و إن قلنا بانتقاله إلى الموصى له أوّلًا، و من ثمّ إليهم، ينعتق بدخوله في ملك الموصى له قهراً.

و إن جعلناه كاشفاً، كشف قبولهم عن انعتاقه حين موت الموصي، فيرث معهم إذا كان في طبقتهم، و يختص بالتركة إذا كان سابقاً عليهم، بلا فرق في ذلك بين كونه قبل القسمة أو بعدها، فإنه ليس من مصاديق الوارث المتجدِّد بعد الوفاة إذ المفروض حريته في حياة الموصي له، غاية الأمر أن الكشف عن ذلك كان بالفعل.

و قد يستشكل فيه فيما إذا كان الموصى به أحق منهم بالإرث و متقدماً عليهم بحسب الطبقة، كما إذا كان الموصى به ابن الموصى له و كانت الورثة إخوته، بأن لازم ذلك كشف قبولهم عن انتقال حق قبول الوصيّة إليه أيضاً و اختصاصه به دون غيره و معه كيف يكون قبولهم كاشفاً عن حريته، حيث يلزم من كونه وارثاً عدم كونه وارثاً، و ما يلزم من وجوده عدمه محال.

و بعبارة اخرى: إنّ إخوة الموصى له إن كانوا ورثة له، فكيف ينتقل المال إلى ابنه بعد انعتاقه، و إن لم يكونوا كذلك فلا أثر لقبولهم أيضاً! و قد يجاب عنه بأن حق القبول إنما هو لوارث الميت عند موته، دون من تجدد إرثه و لو كشفاً.

و فيه: أنه لا فرق في القبول بين الوارث عند موت الميت و المتجدد، و لذا لو أعتق العبد قبل قبول إخوته كان حاله حالهم. فإذا كان هذا حال المعتق بعد وفاة الموصي له، ففي ما نحن فيه يكون ذلك بالأولوية، حيث إن التجدد في الكشف دون الحرية.

فالصحيح أن يقال: إن ثبوت حق القبول للوارث و كفايته عن قبول الموصى له، لم يكن بدليل لفظي كي يقال إنه يلزم من وجوده عدمه، و إنما كان اعتباره في صحّة الوصيّة بناءً على القول به للإجماع، و المتيقن منه من كان وارثاً من غير جهة القبول و أمّا الوارث من جهة القبول فلا إجماع على اعتبار قبوله.

و بعبارة اخرى: إن القبول حق لمن يكون وارثاً في مرتبة سابقة عن هذا الحق و أمّا من يكون وارثاً بهذا الحق فلا إجماع على اعتبار قبوله.

329

إليه أوّلًا بعد قبول الوارث، فإن قلنا به كشفاً، و كان موته بعد موت الموصي [1] (1) انعتق عليه، و شارك الوارث ممن في طبقته، و يقدم عليهم مع تقدّم طبقته، فالوارث يقوم مقامه في القبول، ثمّ يسقط عن الوارثية، لوجود من هو مقدّم عليه.

و إن كان موته قبل موت الموصي، أو قلنا بالنقل و أنه حين قبول الوارث ينتقل إليه آناً ما، فينعتق (2) لكن لا يرث إلّا إذا كان انعتاقه قبل قسمة الورثة

____________

و عليه فبقبولهم ينكشف انعتاقه من حين موت الموصي، و به ينتقل جميع المال إليه.

و أمّا المقام الثاني: ففيه ينعتق الموصى به على جميع التقادير. إلّا أن الأثر بين الفروض المتقدِّمة يظهر في إرثه من الموصى له.

فإن كان موت الموصى له قبل موت الموصي، و قلنا بانتقال الموصى به إلى الورثة مباشرة، فهو من مصاديق الوارث المتجدد، فيرث قبل القسمة لا بعدها. و إن قلنا بانتقاله إلى الموصى له أوّلًا و من ثمّ إليهم، فهو يكشف عن انعتاقه حين موت الموصي و هو يقتضي إرثه مطلقاً، سواء قبل القسمة و بعدها.

و إن كان موت الموصى له بعد موت الموصي، فإن لم نعتبر القبول في الوصيّة، أو اعتبرناه و جعلناه كاشفاً، فهو يرث مطلقاً، لانكشاف حريته حين موت الموصى له. و إن جعلناه ناقلًا، كان الموصى به من مصاديق الوارث المتجدد بعد الوفاة.

(1) عرفت فيما تقدّم أنه لا حاجة في هذا الفرض إلى قبول الوارث، إذ الموصى به ينتقل و بمجرد موت الموصي إلى ملك الموصى له، و عليه فينعتق سواء أقبل الورثة أم لم يقبلوا.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم في الفرض الأوّل، حيث لا مجال للقول بالانعتاق بعد‌

____________

[1] لا حاجة في هذا الفرض إلى قبول الوارث على ما مرّ، فيحكم بانعتاق الموصى به من الأوّل، و أمّا إذا مات بعد الموصى له فلا وجه للانعتاق أصلًا، لأنّ الوارث حينئذ يتلقّى الموصى به من الموصي دون الموصى له.

330

و ذلك لأنه على هذا التقدير انعتق بعد سبق سائر الورثة بالإرث. نعم، لو انعتق قبل القسمة في صورة تعدد الورثة شاركهم.

و إن قلنا بالانتقال إلى الوارث من الموصي لا من الموصى له (1) فلا ينعتق عليه، لعدم ملكه، بل يكون للورثة، إلّا إذا كان ممن ينعتق عليهم أو على بعضهم فحينئذ ينعتق، و لكن لا يرث إلّا إذا كان ذلك مع تعدد الورثة و قبل قسمتهم.

[السابع: لا فرق في قيام الوارث مقام الموصى له بين التمليكية و العهدية]

السابع: لا فرق في قيام الوارث مقام الموصى له بين التمليكية و العهدية (2).

[مسألة 8: اشتراط القبول على القول به مختصّ بالتمليكية]

[3906] مسألة 8: اشتراط القبول على القول به مختصّ بالتمليكية كما عرفت، فلا يعتبر في العهدية (3). و يختصّ بما إذا كان لشخص معين أو أشخاص معينين. و أما إذا كان للنوع أو للجهات، كالوصيّة للفقراء و العلماء أو للمساجد

____________

فرض انقلاب الوصيّة إلى الوارث، و انتقاله من الموصي إليه مباشرة و من غير وساطة الموصى له.

(1) كما هو الصحيح على ما تقدّم بيانه.

(2) و الوجه فيه إطلاق صحيحة محمّد بن قيس، فإن السؤال فيها إنما هو عن رجل أوصى لآخر، و هو كما يشمل الوصيّة التمليكية يشمل الوصيّة العهدية، فإنه مطلق من حيث تمليك الموصي شيئاً له، أو أمره للوصي بأن يدفع إليه شيئاً.

و دعوى اختصاصها بالوصيّة التمليكية، عارية عن القرينة و لا شاهد لها.

ثمّ إن هذه الصحيحة وافية بالمدعى، و معه فلا حاجة إلى التمسك برواية محمد بن عمر الباهلي (الساباطي) المتقدِّمة كي يورد عليها بضعف السند. نعم، لا بأس بجعلها مؤيدة للحكم في المقام، فإنها واردة في ذلك و دالة عليه بوضوح لولا ضعف سندها.

(3) بلا خلاف و لا إشكال، لا من الموصى إليه و لا من الموصى له.

أمّا الأوّل: فلجملة من النصوص الدالّة على عدم اعتبار قبوله صريحاً. نعم، له حق الردّ بشرط إعلام الموصي به.

و أمّا الثاني: فقد يفرض أن الموصى به أمر غير متوقف على قبوله، كما لو أوصى‌

331

فلا يعتبر قبولهم (1) أو قبول الحاكم فيها للجهات (2) و إن احتمل ذلك أو قيل. و دعوى أن الوصيّة لها ليست من الوصيّة التمليكية بل هي عهدية، و إلّا فلا يصح تمليك النوع أو الجهات، كما ترى (3).

و قد عرفت سابقاً قوة عدم اعتبار القبول مطلقاً، و إنما يكون الرد مانعاً، و هو أيضاً لا يجري في مثل المذكورات، فلا تبطل بردّ بعض الفقراء مثلًا، بل إذا

____________

الوصي بدفع ديونه و تفريغ ذمته. ففيه تنفذ الوصيّة و يلزم الوصي القيام بها، سواء أقبل الموصى له أم لم يقبل.

و قد يفرض توفقه على القبول و عدم تحققه قهراً، كما لو أوصى بهبة داره له، أو بيعه له بنصف ثمن مثله. ففيه أيضاً لا يكون عدم قبوله موجباً لبطلان الوصيّة، فإن القبول إنما يعتبر في صحّة العقد الموصى به لا في صحّة الوصيّة، و إنما يوجب رفضه جعل الوصيّة متعذر المصرف. و حينئذ فيبقى الموصى به على ملك الميت، و لا يكون إرثاً لأنه قد أبقاه على ملكه، غاية الأمر أنه عين له مصرفاً معيناً و هو متعذر، نظراً لرفض الموصى له، فيصرف في وجوه البر مع تحري الأقرب فالأقرب إلى الوصيّة.

و هذا بخلاف الوصيّة التمليكية، بناءً على اعتبار القبول فيها. فإن الموصي قد أخرج الموصى به عن ملكه و ملّكه للموصى له، فإذا رفض الموصى له القبول كشف ذلك عن بطلان الوصيّة. و من هنا فينتقل الموصى به إلى ملك الورثة، حيث لم يبقه الموصي على ملكه.

إذن يصح أن يقال و على نحو الإطلاق: إن القبول غير معتبر في الوصيّة العهدية سواء في ذلك الموصى إليه و الموصى له.

(1) لعدم إمكانه من الكلي و النوع و الجهة، و قبول الأشخاص و إن أمكن إلّا أنه لا يجدي، باعتبار أن قبولهم ليس قبولًا للكلي.

(2) لعدم الدليل عليه، بل مقتضى إطلاقات أدلّتها نفوذها من غير قبول.

(3) لما تكرر منّا غير مرة، من أن الملكية ليست من الأعراض الخارجية كي تحتاج إلى معروض خارجي، و إنما هي من الاعتبارات، و هي كما يصحّ تعلقها بالكلي يصح أن تكون للكلي، كما التزموا بذلك في باب الخمس و الزكاة و الوقف بلا خلاف.

332

انحصر النوع في ذلك الوقت في شخص فردّ لا تبطل (1).

[مسألة 9: الأقوى في تحقّق الوصيّة كفاية كلّ ما دلّ عليها من الألفاظ]

[3907] مسألة 9: الأقوى في تحقّق الوصيّة كفاية كلّ ما دلّ عليها من الألفاظ، و لا يعتبر فيه لفظ خاصّ (2) بل يكفي كل فعل دالّ عليها (3) حتى الإشارة و الكتابة و لو في حال الاختيار إذا كانت صريحة في الدلالة بل أو ظاهرة، فإنّ ظاهر الأفعال معتبر كظاهر الأقوال. فما يظهر من جماعة اختصاص كفاية الإشارة و الكتابة بحال الضرورة لا وجه له. بل يكفي وجود مكتوب منه بخطّه و مهره إذا علم كونه إنما كتبه بعنوان الوصيّة (4).

و يمكن أن يستدلّ عليه بقوله (عليه السلام): «لا ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلّا و وصيّته تحت رأسه» (5). بل يدلّ عليه ما رواه الصدوق عن إبراهيم

____________

و عليه فإذا لم يكن في قيام الملكية بالكلي أو كونها للكلي محذور، لوقوعه في الخارج فضلًا عن إمكانه، أمكن الالتزام به في الوصيّة أيضاً، بأن يوصي بداره للفقراء أو العلماء أو الزائرين.

(1) لأنه رد من الشخص بخصوصه، و هو بما هو شخص ليس بموصى له، فلا أثر لردّه. و بهذا تفترق هذه الوصيّة عن الوصيّة إلى المعيّن.

(2) على ما تقتضيه إطلاقات أدلّتها.

(3) لإطلاق أدلّتها أيضاً، فإنها غير مقيّدة باللفظ، بل مقتضاها اللزوم و حرمة التبديل بمجرد صدق الوصيّة كيفما تحقّقت.

و دعوى تقييد الإطلاقات بالإجماع على احتياج العقود إلى اللّفظ.

مدفوعة بأنه لو تمّ فهو إنما يختصّ بالعقود اللّازمة، و أما العقود الجائزة التي منها الوصيّة بناءً على كونها عقداً فلا إجماع على اعتبار اللفظ فيها.

(4) لصدق الوصيّة عليها، و عليه فيتعين العمل بها لإطلاقات الأدلّة.

(5) رواه المفيد في المقنعة باختلاف يسير جدّاً (1). إلّا أنه لا يصلح للاستدلال به‌

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 1 ح 7.

333

ابن محمّد الهمداني (1) قال: كتبتُ إليه: كتب رجل كتاباً بخطِّه، و لم يقل لورثته هذه وصيّتي، و لم يقل إني قد أوصيت، إلّا أنه كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصي به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطِّه و لم يأمرهم بذلك؟ فكتب: «إن كان

____________

فإنه مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال مخدوش دلالة، إذ لا دلالة فيه على كفاية ما يوجد بخطه و كونه حجة على الورثة بحيث يلزمهم العمل به، فإنه وارد في الترغيب في الاستعداد للموت و عدم الاتكال على طول الأمل، و أين هذا من حجية ما يوجد بخطِّه؟!.

(1) رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني (1). و رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن عمر بن علي، عن إبراهيم بن محمد الهمداني (2).

و الطريق الثاني ضعيف بعمر بن علي الذي هو عمر بن علي بن عمر بن يزيد حيث لم يرد فيه توثيق، غير أن أحمد بن محمد بن يحيى قد روى عنه و لم يستثنه ابن الوليد، إلّا أننا قد ذكرنا في كتابنا معجم رجال الحديث أن ذلك لا ينفع في إثبات الوثاقة للرجل، فراجع (3). على أن الرواية بطريقيها ضعيفة بإبراهيم بن محمّد الهمداني نفسه، فإنه لم تثبت وثاقته رغم كونه من وكلائهم (عليهم السلام)، لما أوضحناه في مقدّمة كتابنا معجم رجال الحديث من أن الوكالة وحدها لا تكفي في إثبات وثاقة الوكيل.

نعم، ورد في جملة من النصوص مدح الرجل و تجليله، إلّا أنها جميعاً ضعيفة السند، بل و راوي بعضها هو إبراهيم بن محمد الهمداني نفسه، فلا تصلح للاعتماد عليها لإثبات وثاقة الرجل.

بل و على تقدير تماميتها سنداً لا تصلح دليلًا للحكم. و ذلك لما تضمنته من حجية‌

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 48 ح 2، الفقيه 4: 146/ 507.

(2) التهذيب 9: 242/ 936.

(3) معجم رجال الحديث 9: 180 رقم 6054.

334

له ولد ينفذون كل شي‌ء يجدون في كتاب أبيهم في وجوه البرّ و غيره».

[مسألة 10: يشترط في الموصي أُمور]

[3908] مسألة 10: يشترط في الموصي أُمور:

[الأوّل: البلوغ]

الأوّل: البلوغ، فلا تصحّ وصيّة غير البالغ (1). نعم، الأقوى وفاقاً للمشهور صحّة وصيّة البالغ عشراً إذا كان عاقلًا، في وجوه المعروف للأرحام أو غيرهم [1] (2) لجملة من الأخبار المعتبرة (3) خلافاً لابن إدريس، و تبعه جماعة.

____________

هذه الوصيّة لولد الميت خاصة بعد أن كان السؤال عن حجيتها لمطلق الوارث، و مفهوم ذلك عدم حجيتها لدى غيرهم، و هذا التفصيل ممّا لم يقل به أحد و لا يمكن الالتزام به، فلا بدّ من رفع اليد عنها.

إذن فالصحيح في الحكم هو التمسك بإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة و لزومها.

(1) في الجملة إجماعاً.

(2) في نفوذ وصيّته لغير الأرحام إشكال يأتي عند استعراض النصوص، فلاحظ.

(3) منها معتبرة عبد الرحمٰن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيّته» (1).

و معتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين، فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حدّ معروف و حقّ فهو جائز» (2).

و معتبرة عبد الرحمٰن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أيضاً، قال: «إذا بلغ الصبي خمسة أشبار أُكلت ذبيحته، و إذا بلغ عشر سنين جازت وصيّته» (3).

و معتبرة أبي أيوب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الغلام ابن عشر سنين يوصي قال: «إذا أصاب موضع الوصيّة جازت» (4).

____________

[1] صحّة وصيّته للغرباء محل إشكال.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 3 7.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 3 7.

(3) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 3 7.

(4) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 3 7.

335

..........

____________

و معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن وصيّة الغلام، هل تجوز؟ قال: «إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيّته» (1).

إلى غير ذلك من النصوص المعتبرة سنداً و البالغة حدّ الاستفاضة، الدالّة على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ عشر سنين صريحاً.

و دعوى منافاتها لما دلّ على اعتبار العقل، كمعتبرة جميل بن دراج (عن محمّد بن مسلم على ما في التهذيب-) عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و صدقته و وصيّته و إن لم يحتلم» (2) حيث إنها جعلت العبرة في نفوذ الوصيّة العقل دون البلوغ عشر سنين.

مدفوعة بأن العقل معتبر لا محالة و على كل تقدير، سواء أ وَرد ذكره في النص أم لم يرد، فإنه معتبر في الموصي البالغ فضلًا عن الصبي الذي لم يبلغ الحلم. و من هنا فلا يكون ذكره قيداً زائداً، و من ثمّ فلا يكون المقام من اختلاف الشرطيتين.

نعم، هذه الرواية تخالف تلك النصوص من حيث إطلاقها لعدم البلوغ، فتشمل حتى الذي لم يبلغ عشر سنين، إلّا أن من الواضح لزوم تقييد إطلاقها بتلك، على ما تقتضيه قواعد الجمع بين المطلق و المقيد.

هذا و لكن دلّ بعض النصوص على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ ثمان سنوات. ففي رواية الحسن بن راشد عن العسكري (عليه السلام)، قال: «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله، و قد وجب عليه الفرائض و الحدود، و إذا تمّ للجارية سبع سنين فكذلك» (3). و قد ذهب إليه ابن الجنيد (قدس سره) (4).

إلّا أن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها، و ذلك لما اتفقت عليه نسخ الرواية في المصادر على نقلها عن علي بن الحسن بن فضال عن العبدي عن الحسن بن راشد‌

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 3 7.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب الوقوف و الصدقات، ب 15 ح 2، التهذيب 9: 182/ 733.

(3) الوسائل، ج 19 كتاب الوقوف و الصدقات، ب 15 ح 4.

(4) انظر فتاوي ابن الجنيد: 238 244.

336

..........

____________

حيث إن العبدي مجهول و لا يعلم من هو، لعدم ورود ذكر له في كتب الرجال على الإطلاق.

نعم، من المحتمل أن تكون النسخ جميعاً مغلوطة نتيجة للسهو في النسخة الأصلية، و إن الصحيح هو العبيدي الذي هو محمد بن عيسى بن عبيد، بقرينة رواية علي بن الحسن بن فضال عنه كثيراً، و روايته عن الحسن بن راشد كذلك. فالرواية تكون معتبرة، فإن العبيدي ثقة، بل قال ابن نوح: (من مثل العبيدي) و إن ناقش فيه ابن الوليد، إلّا أننا ذكرنا في معجمنا أن الرجل ثقة (1).

لكن ذلك كلّه لا ينفع في التمسك بهذه الرواية و الاستدلال بها. و ذلك لأنها غير واردة في الوصيّة بخصوصها، و إنما هي دالّة على جواز أمره مطلقاً و نفوذ جميع تصرفاته عند بلوغه ثماني سنين، و هي بهذا تخالف جميع النصوص الموافقة للكتاب الدالّة على الحجر عليه و رفع القلم عنه، و عدم مؤاخذته بشي‌ء من أفعاله أو أقواله ما لم يبلغ. فلا بدّ من طرحها و رفع اليد عنها، حتى على تقدير تماميتها سنداً.

ثمّ إنّ هذه النصوص لا تنافيها صحيحة أبي بصير المرادي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين و أوصى بثلث ماله في حق جازت وصيّته، و إذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيّته» (2).

حيث تضمّنت التفصيل بين الغلام إذا بلغ عشر سنين فتنفذ وصيّته بقدر ثلثه، و بين ما إذا بلغ سبع سنين حيث تنفذ في اليسير من ماله، فإنها غير مخالفة لما تقدّم بقدر مدلول تلك النصوص.

نعم، هي تضمنت نفوذ وصيّة من بلغ سبع سنين في اليسير من ماله. و هذا إن لم يتم إجماع على خلافه فهو، و إلّا كما هو الظاهر فلا بدّ من رفع اليد عنها و رد علمها إلى أهله.

____________

(1) معجم رجال الحديث 17: 110 رقم 11508.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 2.

337

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل، فلا تصحّ وصيّة المجنون (1). نعم، تصحّ وصيّة الأدواري منه إذا

____________

و منه يظهر الحال في صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى و لم يدرك، جازت وصيّته لذوي الأرحام و لم تجز للغرباء» (1).

فإن الحال فيها هو الحال في معتبرة أبي بصير المتقدِّمة. فإن تمّ إجماع على عدم التفصيل فلا بدّ من طرحها، كما يظهر ذلك من ذهاب المشهور إلى عدم الفرق، و إلّا كما هو الظاهر فلا بدّ من تقييد إطلاق ما دلّ على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ عشراً.

و بعبارة اخرى نقول: إن النسبة بين صحيحة محمد بن مسلم و بين ما دلّ على نفوذ وصيّة الغلام إذا بلغ عشراً، إنما هي العموم و الخصوص من وجه، فهما قد يجتمعان و قد يفترقان. فيجتمعان في وصيّة الغلام البالغ عشراً لأرحامه. و يفترقان في موردين: وصيّة البالغ عشراً لغير أرحامه، و وصيّة من لم يبلغ عشراً لأرحامه. حيث إن مقتضى ما دل على نفوذ وصيّة البالغ عشراً هو صحّة الأوّل و فساد الثاني، في حين إن مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم هو العكس فيهما. و حينئذ فمقتضى القواعد هو التساقط، و الرجوع إلى عموم ما دلّ على حجر الصبي و عدم نفوذ تصرّفاته ما لم يحتلم.

فما أفاده الماتن (قدس سره) وفاقاً للمشهور، لا يمكن المساعدة عليه، لأن القدر المتيقن من نفوذ وصيّة الصبي هو ما إذا بلغ عشراً و كانت وصيّته للأرحام. اللّهمّ إلّا أن يثبت إجماع على عدم الفرق، لكنه غير ثابت.

(1) لرفع القلم عنه فلا أثر لتصرفاته، و لا تثبت له الكتابة في قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» (2). و كذا النصوص الواردة في المقام.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 44 ح 1.

(2) سورة البقرة 2: 180.

338

كانت في دور إفاقته (1). و كذا لا تصحّ وصيّة السكران حال سكره (2). و لا يعتبر استمرار العقل، فلو أوصى ثمّ جن، لم تبطل (3).

____________

(1) لتمامية الشرط في حقه.

(2) إذا بلغ حد فقد العقل و سلب الإدراك و الشعور، فإنّه يلحق حينئذ بالمجنون و إلّا فلا دليل على اعتبار عدمه، لأن الدليل منحصر في إلحاقه بالمجنون و هو ليس كذلك.

(3) كما هو مقتضى صريح كلماتهم و حكمهم بصحّة وصيّة المجنون الأدواري في حال إفاقته.

و دعوى أن الوصيّة من العقود الجائزة، و هي تبطل بالجنون المتأخر ما لم يدلّ دليل على عدمه، و هو مفقود في المقام.

مدفوعة بأنها من الدعاوي التي لم يقم عليها دليل.

نعم، هي ثابتة في موردين: أحدهما من العقود، و الآخر ليس منها.

فالأوّل: الوكالة، حيث إن الوكيل إنما يجوز له التصرّف فيما جاز للموكل التصرّف فيه، فإذا لم يكن للموكل ذلك للحجر عليه، لم يكن للوكيل أيضاً. و هذا يعني بطلان الوكالة، و هل هو على الإطلاق، أو أنها تعود بعد ارتفاع الجنون؟ فيه كلام يأتي في محلِّه.

و الثاني: الإباحة و الإذن، حيث يبطلان بالجنون المتأخر بلا إشكال، باعتبار أنها شرط معتبر في كل تصرّف حيث لا بدّ من كونها مقارناً له، و هي لا تصحّ من المجنون. إلّا أنها ليست من العقود.

و كيف كان، فثبوت هذه القضية في مورد من العقود، لا يقتضي ثبوتها و عمومها لكل العقود الجائزة. و من هنا فلا مجال للحكم بالبطلان في المقام عند طرو الجنون للموصي بعد الحكم بصحتها.

339

كما أنه لو أُغمي عليه (1) أو سكر لا تبطل وصيّته. فاعتبار العقل إنما هو حال إنشاء الوصيّة.

[الثالث: الاختيار]

الثالث: الاختيار (2).

[الرابع: الرّشد]

الرابع: الرّشد، [1] فلا تصحّ وصيّة السفيه (3) و إن كانت بالمعروف، سواء كانت قبل حجر الحاكم أو بعده. و أمّا المفلس فلا مانع من وصيّته و إن كانت بعد

____________

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم في الجنون، بناءً على إلحاقه به لا بالنوم.

(2) إجماعاً، و لرفع القلم عن المكره. حيث قد عرفت في بعض الأبحاث السابقة أن ظاهر الرفع ارتفاع كل ما يترتب على العمل من الآثار، سواء في ذلك الكفارة و الحدّ و غيرهما، فيفرض ذلك الإنشاء كالعدم و لا يترتب عليه أثر. و من هنا فيكون دليل الرفع حاكماً على ما دلّ على ثبوت شي‌ء و ترتبه على ذلك الفعل.

و لا موجب لدعوى اختصاصه بالمؤاخذة خاصة، فإنها دعوى بلا دليل، بل يشهد لبطلانها صحيحة البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام): «لا، قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): وضع عن أُمتي ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطأوا» (1).

فإنّ استشهاده (عليه السلام) بنفي الإكراه في المقام، دليل على عدم اختصاصه بنفي المؤاخذة.

(3) اختاره العلامة (قدس سره) (2) و جملة من الأصحاب. و كأنّ الوجه فيه إطلاق ما دلّ على الحجر على السفيه و أنه لا يجوز أمره، فإنّ مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين ما إذا كانت بالمعروف و عدمه، و بين ما إذا حكم الحاكم بحجره و عدمه.

____________

[1] في اعتباره إشكال، و الاحتياط لا يُترك.

____________

(1) الوسائل، ج 23 كتاب الأيمان، ب 12 ح 12.

(2) انظر مختلف الشيعة 6: 363 مسألة 141.

340

..........

____________

لكن عن جامع المقاصد أنّ المشهور بين الأصحاب جواز وصيّة السفيه في البر و المعروف (1).

و الصحيح أن أدلة الحجر قاصرة الشمول لوصيّة السفيه. أما الآية الكريمة «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» (2) فهي ناظرة إلى دفع أموالهم إليهم ليتصرفوا فيها كيف يشاؤون، فهي منصرفة عن الوصيّة و لا تنظر إليها. و لا يبعد دعوى ذلك في نصوص الحجر أيضاً.

و لعل الوجه فيه أن هذا الجعل (الحجر) إنما هو لمصلحة السفيه و مراعاة حفظ أمواله، و إلّا فهو مالك له بلا إشكال، فيختص بتصرفاته فيها حال حياته حيث تكون الأموال مملوكة له، و لا تشمل بعد مماته لأنها تنتقل عنه إلى غيره لا محالة و بناءً على صحّة وصيّته تنتقل إلى الموصى له في الوصيّة التمليكية، و تبقى في ملكه في العهدية. و من هنا لا يكون في الحجر عليه من هذه الجهة أي امتنان عليه، بل يكون هو خلاف الامتنان في حقه.

و يؤيده معتبرة أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال «حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»*. قال: و ما أشده؟ قال: «احتلامه». قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر و لم يحتلم؟ قال: «إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء جاز أمره، إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (3).

فإنها ظاهرة في اختصاص الحجر على السفيه بما يكون عليه، فلا يشمل ما لا يكون كذلك، و الوصيّة منها كما عرفت. و لذا يصح قبوله للوصيّة له بلا خلاف فيه فيما نعلم و إن كان المال لا يدفع إليه.

كما يؤيِّده معتبرة محمّد بن مسلم كما في التهذيب عن أحدهما (عليهما السلام)

____________

(1) جامع المقاصد 10: 33.

(2) سورة النساء 4: 6.

(3) الوسائل، ج 18 كتاب الحجر، ب 2 ح 5.

341

حجر الحاكم، لعدم الضرر بها على الغرماء (1) لتقدّم الدَّين على الوصيّة.

[الخامس: الحرِّيّة]

الخامس: الحرِّيّة، فلا تصحّ وصيّة المملوك، بناءً على عدم ملكه و إن أجاز مولاه (2). و كذا بناءً على ما هو الأقوى من ملكه، لعموم أدلّة الحجر (3)، و قوله

____________

قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و صدقته و وصيّته و إن لم يحتلم» (1). فإنّ ظاهرها كون العبرة في النفوذ بالعقل خاصة، و من غير اعتبار للرشد.

إذن فما نسب إلى المشهور من نفوذ وصيّة السفيه هو الصحيح.

ثمّ إن مقتضى ما تقدّم عدم الفرق بين وصيّته بالمعروف أي ما يكون راجحاً شرعاً و غيره، فتنفذ وصيّته و إن تعلّقت بالمباح.

نعم، لا تصحّ الوصيّة بما يخالف الكتاب و السنة، إلّا أنه لا يختص بالسفيه.

(1) و اختصاص الحجر عليه بالتصرف المزاحم لحقهم، فحاله حال من أوصى و عليه ديون مستوعبة لجميع أمواله و بعد لم يحجر عليه.

(2) حيث لا تكون من الوصيّة الفضولية كي تصحّ بإذن مولاه، لأنها إنما تكون فضولية فيما لو علق التمليك على وفاة المولى. و أما إذا علقه على وفاته هو كما هو المفروض، فلا تصحّ حتى مع إجازة المولى، إذ لا يصحّ تعليق الملكية على وفاة غير المالك.

(3) كقوله تعالى «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» (2).

و صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المملوك: «ما دام عبداً فإنه و ماله لأهله، لا يجوز له تحرير و لا كثير عطاء و لا وصيّة، إلّا أن يشاء سيِّده» (3).

____________

(1) تقدّمت في ص 335 ه‍ 2.

(2) سورة النحل 16: 75.

(3) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 78 ح 1.

342

(عليه السلام): «لا وصيّة لمملوك» (1) بناءً على إرادة نفي وصيّته لغيره (2) لا نفي الوصيّة له. نعم، لو أجاز مولاه صحّ (3) على البناء المذكور.

____________

هذا كلّه مضافاً إلى ما دلّ على نفوذ وصيّة المكاتب بحساب ما أعتق منه كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قضى بعض ما كوتب عليه، أن يجاز من وصيّته بحساب ما أُعتق منه. و قضى في مكاتب قضى نصف ما عليه فأوصى بوصيّة، فأجاز نصف الوصيّة. و قضى في مكاتب قضى ثلث ما عليه فأوصى بوصيّة، فأجاز ثلث الوصيّة» (1) فإنها تدلّ على عدم نفوذ وصيّة العبد.

(1) رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج، عن أحدهما (عليهما السلام) (2).

و قد رده صاحب الجواهر (قدس سره) لضعف سنده بعلي بن حديد (3). لكن ناقش فيه بعضهم بأنّ الأظهر وثاقته، لكننا لا نعلم له وجهاً، فإنه لم يرد في شي‌ء من النصوص مدحه فضلًا عن توثيقه، إلّا روايتين هما ضعيفتا السند، فلا تصلحان للاعتماد عليهما. نعم، ورد ذكره في أسناد كامل الزيارات و تفسير علي بن إبراهيم. فعلى ما اخترناه من وثاقة كل من يقع في إسنادهما فلا بأس بتوثيقه، لولا أن الشيخ (قدس سره) قد ذكر في مواضع من كتابيه أنه ضعيف جدّاً (4) فإنه يمنع من الحكم بوثاقته.

(2) أي بمعنى كون إضافته إضافة إلى الفاعل كما هو الظاهر، لا إضافة إلى المفعول.

(3) كما صرّحت به صحيحة محمّد بن قيس المتقدِّمة.

و كذا الحال فيما لو أوصى من دون إجازة المولى ثمّ أمضاها السيد، حيث يشملها‌

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، 81 ح 1.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 78 ح 2.

(3) الجواهر.

(4) راجع التهذيب 9: 169/ 688.

343

و لو أوصى بماله ثمّ انعتق و كان المال باقياً في يده صحّت (1) على إشكال [1] (2). نعم، لو علّقها على الحرِّيّة، فالأقوى صحّتها (3). و لا يضرّ التعليق المفروض

____________

تعليله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الواردة في نكاح العبد من دون إذن مولاه من: «أنه لم يعص اللّٰه، و إنما عصى سيِّده، فإذا أجازه جاز» (1) فإن مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالنكاح. و حينئذ فيحكم بالصحّة فيما نحن فيه أيضاً، و نتيجة ذلك هو القول بأن الإجازة المعتبرة أعمّ من الحدوث و البقاء، بمعنى أن المصحِّح للعقد هو الأعمّ من الإذن السابق و الإجازة اللّاحقة.

(1) و كأنّ الوجه فيها هو زوال المانع، بعد عدم الدليل على مانعية الرقية على الإطلاق و البطلان إلى الأبد، إذ الدليل يختص بما دام رقاً.

(2) قوي جدّاً، لأن مقتضى إطلاقات أدلّة اعتبار الحرية و عدم نفوذ وصيّة العبد إلّا بإذن مولاه أو إمضائه كصحيحة محمد بن قيس، عدم الفرق في البطلان بين تحرره و بقائه على الرقية، فتكون كوصيّة الصبي قبل بلوغه عشراً، فإنها حين وقوعها لم تكن محكومة بالصحّة، فالحكم بصحّتها بعد ذلك يحتاج إلى الدليل و هو مفقود، بل مقتضى إطلاق صحيحة محمّد بن قيس عدم تأثير الحرية المتأخرة في نفوذها.

نعم، لو أمضاها بعد حريته حكم بصحّتها، نظراً إلى أن إمضاءها لها بمنزلة وصيّة جديدة.

(3) بل الأقوى فسادها، لأن المراد بالتعليق إن كان هو ما يكون على نحو الشرط المتأخر، بمعنى كون الوصيّة فعلية و كون المعلق عليه أمراً متأخراً، فلا حاجة في إثبات بطلانها إلى دعوى أن التعليق يقتضي البطلان، فإنه و إن لم نقل بذلك فإنّ الروايات الواردة في المقام كصحيحة محمد بن قيس تكفينا في الحكم ببطلانها، إذ أن المستثنى فيها إنما هو خصوص فرض مشيئة السيِّد، و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الوصيّة المعلقة و غيرها.

____________

[1] الإشكال قوي فيه و فيما بعده، نعم إذا أجازها بعد العتق صحّت و إن لم يجزها المولى.

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 24 ح 1.

344

كما لا يضرّ إذا قال: هذا لزيد إن متّ في سفري (1). و لو أوصى بدفنه في مكان خاصّ لا يحتاج إلى صرف مال، فالأقوى الصحّة (2). و كذا ما كان من هذا القبيل.

____________

و إن كان هو ما يكون من قبيل الشرط المقارن، بأن ينشئ العبد من الآن الوصيّة المتأخرة عن حريته، بحيث لا يكون بالفعل غير الإنشاء و أما المنشأ فظرفه هو الزمان الآتي، فمثل صحيحة محمد بن قيس و إن لم يقتض بطلانها حيث إن المنع و الحجر إنما يتعلقان بنفس المنشأ دون اللفظ و الصيغة، فإنه لا دليل على حجره بالنسبة إليهما أيضاً، إلّا أن مثل هذا التعليق مبطل جزماً بل هو القدر المتيقن من التعليق المبطل. و لا يقاس ذلك بتقييد الموصى له بكونه عالماً أو خيراً، على ما سيأتي توضيحه.

إذن فالصحيح بطلان مثل هذه الوصيّة من العبد، سواء أ كان التعليق من قبيل الشرط المتأخر أم كان من قبيل الشرط المقارن، ما لم ينشئ وصيّة جديدة بعد العتق و لو بإمضائه للوصيّة الأُولى.

(1) ما أفاده (قدس سره) يعد من غرائب ما صدر منه رحمه اللّٰه. فإنّ التعليق على الموت مقوم لعنوان الوصيّة، سواء أ كان تعليقاً على مطلق الموت و طبيعيه أم كان تعليقاً على موت خاصّ، فلا يقاس على التعليق على الحرية.

و دعوى أنه لا دليل على بطلان الوصيّة بالتعليق، فإنها لا تقاس بسائر العقود، إذ لا مانع من تعليقها على كون الموصى لهم طلبة أو متدينين أو سكنة مدينة معينة.

مدفوعة بأنها أيضاً من غرائب الكلام. فإن التقييد ليس من التعليق في الوصيّة بل هي مطلقة و غير معلّقة على شي‌ء، غاية الأمر أن الموصى له قد يكون مطلقاً و قد يكون مقيداً بصنف أو نوع معيّن، فالتقييد إنما يكون في الموضوع خاصّة. و هذا بخلاف ما نحن فيه، حيث إن تقييد الوصيّة بالحرية يرجع إلى تعليقها عليها، بمعنى أنه إن كان حرّا فقد أوصى، و إن لم يكن كذلك فهو لم يوص.

(2) لم يظهر لنا وجه أقوائية الصحّة.

345

[السادس: أن لا يكون قاتل نفسه]

السادس: أن لا يكون قاتل نفسه، بأن أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه، من جرح أو شرب سمّ أو نحو ذلك، فإنّها لا تصحّ وصيّته على المشهور (1) المدَّعى عليه الإجماع، للنصّ الصحيح الصريح (2) خلافاً لابن إدريس

____________

فإنّ إطلاقات الحجر محكمة و شاملة للمقام، كقوله تعالى «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ» (1) فإنّ الوصيّة «شي‌ء». كما يشهد له استشهاد الامام (عليه السلام) في صحيحة زرارة لبطلان طلاق العبد بالآية الكريمة (2).

و صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المملوك: «ما دام عبداً فإنه و ماله لأهله، لا يجوز له تحرير و لا كثير عطاء و لا وصيّة، إلّا أن يشاء سيده» (3).

فإنّ مقتضى إطلاق نفي نفوذها من دون مشيئة السيد، عدم الفرق بين الوصيّة بالمال و الوصيّة بغيرها.

و دعوى انصرافها إلى الوصيّة بالمال، لا وجه لها.

(1) بل المتسالم عليه في الجملة، حيث لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد غير ابن إدريس (4) و تبعه بعض.

(2) و هو صحيح أبي ولاد، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «من قتل نفسه متعمداً فهو في نار جهنم خالداً فيها». قلت: أ رأيت إن كان أوصى بوصيّة ثمّ قتل نفسه من ساعته، تنفذ وصيّته؟ قال: فقال: «إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثاً في نفسه من جراحة أو قتل أُجيزت وصيّته في ثلثه، و إن كان أوصى بوصيّة بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعلّه يموت لم تجز وصيّته» (5).

____________

(1) سورة النحل 16: 75.

(2) الوسائل، ج 22 كتاب النكاح، أبواب مقدماته و شرائطه، ب 45 ح 1.

(3) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 78 ح 1.

(4) السرائر 3: 197.

(5) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 52 ح 1.

346

و تبعه بعض. و القدر المنصرف إليه الإطلاق الوصيّة بالمال (1). و أما الوصيّة بما يتعلّق بالتجهيز و نحوه مما لا تعلّق له بالمال، فالظاهر صحّتها.

كما إنّ الحكم مختصّ بما إذا كان فعل ذلك عمداً (2) لا سهواً أو خطأً، و برجاء أن يموت (3) لا لغرض آخر، و على وجه العصيان (4) لا مثل الجهاد في سبيل اللّٰه. و بما لو مات من ذلك.

و أمّا إذا عوفي ثمّ أوصى، صحّت وصيّته بلا إشكال (5). و هل تصحّ وصيّته

____________

(1) ربّما يقال: إن الصحيح مختصّ بالمال، بقرينة قوله (عليه السلام): «في ثلثه». و معه فلا وجه لدعوى الانصراف، فإنه أساساً لا يشمل الوصيّة بغير المال.

و فيه: أن قوله (عليه السلام): «في ثلثه» قيد لصورة تقدّم الوصيّة على الحدث في النفس، و أما صورة تأخرها عنه التي هي محلّ الكلام فهي مطلقة و غير مقيّدة بالثلث.

و بعبارة اخرى: إن قوله (عليه السلام): «في ثلثه» قيد لفرض جواز الوصيّة و أما فرض عدم جوازها فهو مطلق من هذه الناحية.

نعم، الحكم في هذا الفرض منصرف إلى الوصيّة المالية، بقرينة تقييده لفرض النفوذ بالثلث، فلا مانع من الالتزام بنفوذها في غيره.

(2) و ذلك لا لقوله (عليه السلام) في صدر الصحيحة: «من قتل نفسه متعمداً فهو في نار جهنم خالداً فيها» فإنّ من المحتمل أن يقال باختصاص هذا الحكم بالذات بالمتعمد، و أما عدم نفوذ وصيّته فهو غير مقيد بالتعمد، و إنما لقوله (عليه السلام): «لعلّه يموت» فإنه صريح في الإتيان بالفعل عمداً لا سهواً أو خطأً.

(3) لقوله (عليه السلام): «لعله يموت». و من هنا فلو لم يكن الفعل لهذا الغرض فلا تشمله الصحيحة، و إن ترتّب الموت عليه من باب الاتفاق.

(4) للانصراف العرفي و لو بقرينة صدر الصحيحة، حيث حكم (عليه السلام) بأنه في نار جهنم خالداً فيها.

(5) بل الظاهر أن المسألة متفق عليها. و ذلك لظهور صحيحة أبي ولاد في كون‌

347

قبل المعافاة؟ إشكال (1). و لا يلحق التنجيز بالوصيّة (2). هذا و لو أوصى قبل أن يحدث في نفسه ذلك ثمّ أحدث صحّت وصيّته، و إن كان حين الوصيّة بانياً على أن يحدث ذلك بعدها، للصحيح المتقدِّم (3) مضافاً إلى العمومات.

____________

الوصيّة مقارنة لاحتمال الموت من قبل ذلك الحدث، فلا تشمل ما إذا عوفي من الحدث و أوصى في حال الصحّة، فإنّ الحدث السابق يكون حينئذ كالعدم.

(1) منشأه أن مقتضى صدر الصحيحة أن موضوع الحكم هو القاتل نفسه، فلا يشمل ما نحن فيه، لأن المفروض أنه عوفي منه، و إن كانت وصيّته في زمان يحتمل فيه الموت نتيجة للحدث.

في حين إن مقتضى ذيلها، أعني قوله (عليه السلام): «و إن كان أوصى بوصيّة بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت لم تجز وصيّته» هو عدم نفوذها سواء أ تعقبها الموت أم لم يتعقبها. فالموضوع في عدم النفوذ هو المقدم على قتل نفسه من غير اعتبار لتحقق الموت في الخارج.

و الثاني هو الأقوى، و يدلّنا عليه مضافاً إلى ظاهر الصحيحة شمولها لمن أحدث في نفسه حدثاً لعله يموت ثمّ مات بسبب آخر غير ذلك الحدث، كقتل غيره له أو الزلزلة أو نحوهما، قبل المعافاة منه، فإنه لم يلتزم أحد من الفقهاء بصحّة وصيّته، بل لا يحتمل الحكم بنفوذها بدعوى أنه لم يمت بسبب ذلك الحدث. حيث يستكشف منه أنه لا يعتبر في عدم نفوذ وصيّته تعقبها للموت نتيجة للفعل، بل هي ملغاة في هذه الحالة عقوبة له، فتعتبر كالعدم ما لم ينشئ وصيّة جديدة بعد المعافاة.

(2) نظراً لكون الحكم في مورد الصحيحة على خلاف القاعدة، فلا وجه لقياس غيرها من التصرّفات عليها.

(3) فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام): «إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثاً في نفسه من جراحة أو قتل أُجيزت وصيّته في ثلثه» عدم الفرق بين كونه بانياً على قتل نفسه حين الوصيّة و عدمه.

348

[مسألة 11: يصحّ لكل من الأب و الجدّ الوصيّة بالولاية على الأطفال مع فقد الآخر]

[3909] مسألة 11: يصحّ لكل من الأب و الجدّ الوصيّة بالولاية على الأطفال (1) مع فقد الآخر، و لا تصحّ مع وجوده (2).

____________

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب. و تدلّ عليه جملة من النصوص عمدتها معتبرة محمد بن مسلم الواردة في المضاربة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده و بمال لهم و أذن له عند الوصيّة أن يعمل بالمال، و أن يكون الربح بينه و بينهم، فقال: «لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك و هو حيّ» (1).

فإنّ مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالمضاربة، و شموله لكل ما كان له التصرف فيه في حياته. ثمّ إنها و إن كانت واردة في الأب، إلّا أنّ الحكم ثابت للجدّ أيضاً، نظراً لأقوائية ولايته من ولاية الأب، على ما تقدّم في كتاب النكاح.

هذا و يمكن أن يستدلّ على الحكم بما دلّ على أنّ عقدة النكاح بيد الأب و الجدّ بدعوىٰ أنه إذا ثبت ذلك في النكاح ثبت في الأموال بالأولوية القطعية، باعتبار أنّ أمر الزواج أهمّ من غيره جزماً.

و كيف كان، فالحكم متسالم عليه، و لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد.

(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب.

و استدلّ له بأنه ليس لدليل ثبوت الولاية إطلاق يشمل هذه الصورة أيضاً.

إلّا أنّ الأولى أن يستدلّ له بأنّ ولاية الأب و الجد بمقتضى دليلها ولاية مطلقة و غير مقيّدة. و من هنا فلا تنسجم مع جعل الولاية لغيرهما مع وجود واحد منهما في عرضه، حيث إنّ مقتضاه تقييد ولايته بعدم تصرف ذلك الغير قبل تصرّفه. فهو نظير ما ذكرناه في باب الأوامر، من أنّ مقتضى إطلاق الأمر كونه تعيينياً لا تخييرياً، باعتبار أنّ جعل البدل له ينافي إطلاقه.

ففيما نحن فيه، إطلاق الدليل ينافي كون الولي هو الجامع بين الباقي منهما و وصي الآخر، بل مقتضاه كون الباقي هو الولي لا غير.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب الوصايا، ب 2 ح 1.

349

كما لا يصحّ ذلك لغيرهما حتى الحاكم الشرعي (1) فإنّه بعد فقدهما له الولاية عليهم ما دام حيّاً، و ليس له أن يوصي بها لغيره بعد موته، فيرجع الأمر بعد موته إلى الحاكم الآخر، فحاله حال كل من الأب و الجدّ مع وجود الآخر.

و لا ولاية في ذلك للُام (2) خلافاً لابن الجنيد، حيث جعل لها بعد الأب إذا كانت رشيدة (3).

و على ما ذكرنا فلو أوصى للأطفال واحد من أرحامهم أو غيرهم بمال، و جعل أمره إلى غير الأب و الجدّ و غير الحاكم، لم يصحّ (4). بل يكون للأب و الجد مع وجود أحدهما، و للحاكم مع فقدهما. نعم، لو أوصى لهم على أن يبقى بيد الوصي ثمّ يملكه لهم بعد بلوغهم، أو على أن يصرفه عليهم من غير أن يملكهم، يمكن أن يقال بصحّته (5) و عدم رجوع أمره إلى الأب و الجدّ أو الحاكم.

____________

(1) لقصور دليل ولايته، لأنها إنما ثبتت له من باب كون الفعل مما لا بدّ من تحققه في الخارج و يرغب الشارع في حصوله و هو يحتاج إلى من يقوم به، و القدر المتيقن منه هو الحاكم الشرعي، فإنه يختص بحال حياته و ما دام حاكماً شرعياً، فلا يشمل إيصاءه لغيره بالولاية بعد مماته.

(2) بلا إشكال فيه، لعدم الدليل على ثبوت الولاية لها في عرض الأب و الجدّ أو طولهما.

(3) و لم يظهر لنا دليله.

(4) حيث لا يصحّ لأحد التشريع و جعل حكم لم يكن ثابتاً في الشريعة المقدّسة فإنّ الولاية على أموالهم منحصرة بالمذكورين، فلا يصحّ جعلها لغيرهم.

(5) بل هو المتعيّن، لأنه حينئذ ليس بمال للأطفال أو حقّ لهم، و إنما هو مال للميت و باق على ملكه، غاية الأمر أنه أمر وصيه بصرفه عليهم أو تمليكهم بعد بلوغهم إيّاه، و هذا لا مانع منه حتى مع وجود الأبوين.

350

[فصل في الموصى به]

فصل في الموصى به تصحّ الوصيّة بكل ما يكون فيه غرض عقلائي محلل، من عين، أو منفعة، أو حقّ قابل للنقل (1). و لا فرق في العين بين أن تكون موجودة فعلًا أو قوة. فتصحّ الوصيّة بما تحمله الجارية أو الدابّة أو الشجرة (2) و تصحّ بالعبد الآبق منفرداً (3) و لو لم يصحّ بيعه إلّا بالضميمة.

و لا تصحّ بالمحرّمات (4) كالخمر و الخنزير و نحوهما، و لا بآلات اللهو، و لا بما

____________

فصل في الموصى به

(1) لإطلاقات أدلّة الوصيّة، و عمدتها قوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ» (1). فإنّ المستفاد منها كون العبرة في نفوذ الوصيّة بصدق ما ترك على الموصى به، و هو صادق على الأعيان و المنافع و الحقوق القابلة للانتقال التي يخلفها المكلف بعد وفاته.

(2) للإطلاقات. فإنّ الوصيّة إنما تتعلق بثلث ما ترك لا ثلث ما هو موجود حينها، كما يشهد له تأخر الإرث عنها، و على هذا الأساس يدخل ما يتجدد له من الملك بعدها فيها.

نعم، لو أوصى بثلث ما هو موجود عنده بالفعل، لم يدخل الملك المتجدد في ضمنها.

(3) لما تقدّم من إطلاق دليل النفوذ، و عدم الدليل على التقييد.

(4) لأنها لا تكون مملوكة له و لا متعلّقة لحقه، و معه فلا تدخل في عنوان ما ترك.

____________

(1) سورة البقرة 2: 180.