كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
539

المدلول عليه بالروايات المتقدّمة- بحيث يكون الفقير عندهم- مع قطع النظر عن بيان الشارع- من قصرت أمواله عن كفاية عامه، و أنّ من لم يكن كذلك فليس بفقير عندهم، و لو حصل له كفاية سنة من باب الاتّفاق أو بالاقتراض كما هو ظاهر رواية أبي بصير- ففيه من الضعف ما لا يخفى؛ إذ كيف يمكن القول بالفرق عند العرف بين من عنده كفاية السنة أو كفاية الناقص عنها بيوم أو يومين بل شهر سيّما إذا كان القصور مجامعا مع الحرفة أو رأس المال الكثير!؟

و إن كان المقصود أنّ العرف يحكمون بفقر من قصرت أمواله عن كفاية سنته في الجملة، من غير نفيه عن غيره على الإطلاق، فهو لا يجدي شيئا في مقام التحديد و بيان الضابطة كما لا يخفى.

و من هنا ذكرنا سابقا أنّ الضبط على سبيل التحقيق بحيث يتميّز جميع الأفراد الداخلة و الخارجة لا سبيل إليه إلّا بيان الشارع، و العجب أنّ المستدلّ على ذلك قد اعترف بهذا. هذا.

و أمّا مستند القول الثاني (1)- الذي نسبوه إلى الشيخ (رحمه اللّه) (2) تارة، و إلى المفيد (3) و السيّد (4) اخرى- فهو النبوي المروي مضمونه في نصوصنا أيضا أنّه «قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنّك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم و الليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه قد فرض عليهم صدقة‌

____________

(1). من أنّ الفقر هو قصور المال عن أحد النصب الزكوية.

(2). المبسوط، ج 1، ص 240.

(3). راجع الجواهر: ج 15، ص 306.

(4). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 306.

540

تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» (1).

وجه الدلالة ظاهر، حيث إنّ أخذ الزكاة من الغني و إعطائها الفقير المدلول عليه بالرواية يقضي بأنّ من وجبت عليه الزكاة لا يكون فقيرا. هذا.

و أجيب عن الاستدلال به- مضافا إلى عدم مقاومته لما ذكر في دليل المشهور- بأنّ الرواية محمولة على الغالب.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه يمكن الاستدلال له بما رواه الفضيل بن يسار: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): لمن تحلّ الفطرة؟ قال: لمن لا يجد، و من حلّت له لم تحل عليه» (2)؛ بناء على رجوع الضمير في قوله: «و من حلّت» إلى مطلق الزكاة، فيدلّ بعكس النقيض على المدّعى. هذا. و هو كما ترى. هذا.

و أمّا مستند القول الثالث (3)- الذي اختاره في المفاتيح (4) و نسبه إلى الشيخ (رحمه اللّه)- فلا يكون إلّا دعوى الصدق العرفي. فهو كما ترى مصادمة للعيان و النصّ.

فاتّضح ممّا ذكرنا كلّه [أنّ الفقير من يقصر أمواله عن مئونة سنته مطلقا، و الغني من له مئونة السنة،]

أنّ الحقّ هو ما عليه المشهور في ضابط الفقير و الغني، من أنّ الفقير من يقصر أمواله عن مئونة سنته مطلقا، و الغني من له مئونة السنة، بمعنى أنّ أوّل مرتبة الفقر و الغنى يتحقّق بهذين.

ثمّ إنّ تحقّق الميزان المزبور في جملة من الموارد لمّا كان فيه غموض و كان أمرا عرفيّا في الجملة و إن كان يشهد له في كثير من الأخبار الخاصّة الواردة فيها، و من هنا‌

____________

(1). صحيح البخاري، ج 2، ص 136؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 38؛ السنن الكبرى، ج 4، ص 96. (مع اختلافات عديدة).

(2). الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73 و 87؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 322.

(3). من ان الفقير من لم يقدر على كفاية و كفاية من يلزم من عياله عادة على الدوام بربح مال أو غلّة أو صنعة.

(4). مفاتيح الشرائع، ج 1، ص 204.

541

زلّت في بعضها أقدام جمع من الأساطين، فلهذا تعرّض لها الأصحاب و حكموا بتحقّقه، كما أنّ عدم تحقّقه أيضا لمّا كان فيه غموض في بعض الموارد و لو من جهة اشتباه ما هو المستفاد من الأخبار في بيان الضابطة تعرّضوا له و حكموا بعدم تحقّقه، و كان هناك جملة من المسببات أيضا،

و من هنا ذكروا جملة من المسائل و الفروع بعد ذكر الميزان المزبور،

و نحن نتعرّض لها على سبيل الاستقلال و إن كان أكثرها موجودا في الكتاب (1):

الأولى: أنّ الظاهر من النصّ و الفتوى أنّه لا فرق في الحكم بعدم فقر من عنده مئونة سنة أن يكون سببها الاقتراض و الاستيدان أو غيرهما،

فلا يجوز له أخذ الزكاة من سهم الفقراء إلّا إذا أعطى ما عنده في أداء ذمّته فيصير فقيرا.

نعم، لا إشكال في جواز أخذه من سهم الغارمين، و لم يخالف في ذلك أحد من الأصحاب- فيما أعلم- إلّا فقيه عصره في محكيّ كشف الغطاء (2)، و ليس له مستند إلّا دعوى صدق الفقير عرفا عليه، و انصراف الأخبار و كلمات الأصحاب إلى غيره.

لكنّه كما ترى.

و بالجملة، المسألة ممّا لا إشكال فيها ظاهرا، كما أنّه لا إشكال في عدم صدق المستفاد نصّا و فتوى في ميزان الفقير على من عنده ما يكفيه لسنة و إن كان حصول ذلك له من باب الاتّفاق و كان مختصّا لسنة واحدة، و يدلّ عليه صريحا رواية أبي بصير (3) المتقدّمة الواردة في مالك سبعمائة. هذا.

الثانية: أنّه إذا كان للرجل ضيعة أو رأس، مال أو غلام أو جمل أو نحوها من الأملاك لا تكفيه غلّته و ربحه بمؤونة سنة و من يلزمه،

فإن كان لا يكفيه اتفاق الضيعة‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 120- 121.

(2). راجع كشف الغطاء، ج 2، ص 355.

(3). الكافي، ج 3، ص 560؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 231.

542

أو رأس المال فلا إشكال في جواز تناول الزكاة، بل لا خلاف فيه نصّا و فتوى.

و أمّا لو كانا يكفيه على تقدير اتّفاقهما، فهل يجوز له تناولها أم لا؟

ظاهر المشهور الأوّل، كما اعترف به في محكيّ الروضة، حيث قال: «و المعتبر في الضيعة نماؤها لا أصلها في المشهور [و] قيل: يعتبر أصلها، و مستند المشهور ضعيف» (1). انتهى كلامه.

بل عن الأردبيلي في محكيّ شرحه نسبته إلى الأصحاب، حيث قال بعد إيراد خبر هارون (2) الآتي: «و ظاهره أنّه يأخذها و إن كان رأس المال يكفيه، كما صرّح به الأصحاب [و] فيه تأمّل؛ لعدم الصراحة و الصحّة مع مخالفة الأخبار الاخر» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و ظاهر ما عرفت عن الروضة الميل إلى الثاني، و تأمّل فيه الأردبيلي فيما عرفت من كلامه، بل صريح السيّد في المدارك و بعض آخر أنّه ظاهر المشهور حيث قال في المدارك: «إنّ إطلاق المشهور مناف لما صرّح به الشيخ (رحمه اللّه) (4) و المحقّق (5) و العلّامة (6) و غيرهم (7) من جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيّش به أو ضيعة يستغلّها إذا كان بحيث يعجز عن استنماء الكفاية؛ إذ مقتضاه أنّ من كان كذلك كان فقيرا و إن كان بحيث لو أنفق رأس المال المملوك لكفاه» إلى أن قال: «و المعتمد أنّ من كان له مال يتّجر به أو ضيعة يستغلّها فإن كفاه الربح أو الغلّة له و لعياله لم يجز له أخذ الزكاة، و إن‌

____________

(1). الروضة البهيّة، ج 2، ص 45.

(2). التهذيب، ج 4، ص 51؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239- 240.

(3). مجمع الفائدة، ج 4، ص 153. (مع اختلافات).

(4). المبسوط، ج 1، ص 256؛ النهاية، ص 187.

(5). المختصر النافع، ص 58.

(6). منتهى المطلب، ج 1، ص 518؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 68؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 57.

(7). كابن البراج في المهذب، ج 1، ص 170.

543

لم يكفه جاز له، و لا يكلّف الإنفاق من رأس المال و لا من ثمن الضيعة، و من لم يكن له ذلك اعتبر فيه قصور أمواله عن مئونة السنة له و لعياله» (1). انتهى كلامه.

و صريح بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب التفصيل في المقام، فإنّه بعد ما يعلم في المسألة قال: «فلو جعل المدار على قصور الربح و عدم عدّه غنيّا برأس ماله عرفا كان قويّا» (2). انتهى كلامه.

و المعتمد عند شيخنا- دام ظلّه- ما ذهب إليه المشهور، و الذي يدلّ عليه روايات:

منها: ما رواه هارون «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): يروى عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لا تحلّ الصدقة لغنيّ، و لا لذي مرّة سوىّ، فقال: لا تصلح لغنيّ. قال: فقلت له: الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعة وله عيال، فإن أقبل عليها أكلها عياله و لم يكتفوا بربحها، قال: فلينظر ما يستفضل منها فليأكله هو و من وسعه ذلك، و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله» (3).

و منها: ما رواه معاوية بن وهب في الصحيح: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال و هو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أ يكبّ فيأكلها و لا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال: لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقيّة من الزكاة و يتصرّف بهذه لا ينفقها» (4).

و منها: ما رواه سماعة- في الموثّق- عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أيضا: «سألته عن الزكاة،

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 194.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 311.

(3). التهذيب، ج 4، ص 51؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239- 240.

(4). الكافي، ج 3، ص 561؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 238- 239.

544

هل تصلح لصاحب الدار و الخادم؟ فقال: نعم، إلّا أن تكون داره دار غلّة فيخرج له من غلّتها [دراهم] ما يكفيه [لنفسه] و عياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، و إن كانت غلّتها تكفيه فلا» (1).

و منها: ما رواه أبو بصير: «سأل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل له ثمانمائة درهم و هو رجل خفّاف و له عيال كثيرة أله أن يأخذ من الزكاة؟ فقال: يا أبا محمّد، أ يربح في دراهمه ما يقوت به عياله و يفضل؟ قال: نعم، قال: كم يفضل؟ قلت: لا أدري، قال: إن كان يفضل من القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، و إن كان أقلّ من نصف القوت أخذ الزكاة» (2).

إلى غير ذلك من الروايات الصريحة أو الظاهرة في هذا المعنى.

و يشهد له أيضا إطلاق ما ورد في استثناء الخادم و الدار و نحوهما.

مثل: ما رواه عبد العزيز «قال: دخلت أنا و أبو بصير على أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، فقال له أبو بصير: إنّ لنا صديقا و هو رجل صدوق يدين اللّه بما ندين به، فقال: من هذا يا أبا محمّد الذي تزكّيه؟ فقال: العبّاس بن الوليد بن صبيح. فقال: رحم اللّه الوليد بن صبيح، ما له يا أبا محمّد؟ قال: جعلت فداك له دار تسوى أربعة آلاف درهم و له جارية و له غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل و له عيال أله أن يأخذ من الزكاة؟ قال: نعم، قال: و له هذه العروض؟ فقال: يا أبا محمّد، أ تأمرني أن آمره ببيع داره و هي عزّه و مسقط رأسه، أو يبيع جاريته التي تقيه الحرّ و البرد و تصون وجهه و وجه عياله، أو يبيع غلامه أو جمله و هو معيشته و قوته؟

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 561؛ الفقيه، ج 2، ص 33- 34؛ التهذيب، ج 4، ص 107- 108؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 235.

(2). الكافي، ج 3، ص 560؛ الفقيه، ج 2، ص 34؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 232.

545

بل يأخذ الزكاة و هي له حلال، و لا يبيع داره و لا غلامه و لا جمله» (1) فإنّ إطلاقه يشمل ما لو كان ثمن الغلام و الجمل يكفيه.

هذا كلّه مضافا إلى ما عرفت من أنّ الجواز هو قضيّة كلمة المشهور، بل صريح الأصحاب، و ما ذكره في المدارك (2) لم يعلم له أصل؛ لأنّ إطلاق كلام من أطلق من الأصحاب ليس في مقام بيان هذا المطلب جدّا. هذا.

و ربما يشهد للوجه الثاني بعض الروايات، مثل رواية أبي بصير المتقدّمة في مالك سبعمائة، فإنّ قوله: «فلا يأخذ إلّا أن يكون». إلى آخره (3)، دالّ على المنع جدّا.

و موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) «قال: تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة، و تحرم على صاحب الخمسين درهما، فقلت له: كيف هذا؟ قال: إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم يكفه فليعف عنها نفسه و ليأخذها لعياله، و أمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده و هو محترف يعمل بها و هو يصيب منها ما يكفيه (السنة)» (4).

و الأقوى ما عليه المشهور؛ لما عرفت من الوجه، و لا يعارضه الروايتان.

أمّا الأولى؛ فلأنّ دلالتها من باب الإطلاق حملا للمطلق على المقيّد على ما إذا لم يكن السبعمائة رأس مال له يتّجر به.

و أمّا الثانية؛ فلأنّ صدرها و إن كان له ظهور إلّا أنّه يجب حمله على ما عرفت في الرواية الاولى للوجه الذي عرفته. و أمّا ذيلها فلا إشكال في ظهورها في القول‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 562؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 236.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 194.

(3). الكافي، ج 3، ص 560؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 231.

(4). الكافي، ج 3، ص 562؛ الفقيه، ج 2، ص 33؛ التهذيب، ج 4، ص 48- 49؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239.

546

المشهور، فلو لم يكن إلّا ظهوره أمكن صرف صدره به، كما لا يخفى. هذا.

و أمّا ما اختاره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (1) من التفصيل بين الضيعة و نحوها و رأس المال بالاعتبار بالربح في الأوّل و عدم الاعتبار به في الثاني إلّا مع مساعدة العرف في الحكم بالفقر فمستنده على ما يستفاد من كلامه الأخذ بما عرفت في مستند المشهور بالنسبة إلى الأوّل و الأخذ بما عرفت في مستند القول الآخر من الروايتين حيث إنّ موردهما رأس المال مع صحّة سلب اسم الفقير عرفا جدّا، فمن ملك مملوكا لا يكفي ربحه المؤونة سنة، و الروايتين على تقدير ظهورهما في الجواز لا يظهر منهما حكم الفرض، و لذا فرض منه كون رأس المال سبعمائة، هذا.

و لكنّك خبير بأنّه تفصيل لم يذهب إليه أحد، مع أنّه خلاف ظاهر الأخبار عند التأمّل، فإنّ الحكم في الضيعة إن كان من جهة أنّها عزّ الرجل أمكن الحكم بالتفصيل، لكنّه كما ترى، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ المدار في ما ذكرنا من استثناء ملك ذات الربح و النفع هو مطلق ما يتعيّش به الرجل، سواء كان ضيعة أو آلات الكسب و الصناعة أو غيرهما و لو كانت الآلات جيّدة في الغاية بحيث يمكن الاقتصار على أدون منها.

نعم، إذا كانت متعدّدة لا يحتاج إلى كلّها فيتعيّن بيع ما لا يحتاج إليه.

و يدلّ على ما ذكرنا كلّه خبر عبد العزيز (2) و غيره، و الاقتصار في بعض الأخبار على الضيعة [كما في] كلمات جمع من الأصحاب فليس من جهة خصوصيّته قطعا، هذا.

فرع: هل يكفي في صيرورة الملك رأس المال العزم على الاتّجار به و إعداده لذلك، أو يشترط الفعليّة مرّة أو مرّات؟ الظاهر الأوّل، فلو أعطى أحدا ما يكفيه لسنته‌

____________

(1). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 310- 311.

(2). الكافي، ج 3، ص 562؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 236.

547

من الزكاة على تقدير صرفه و لا يكفيه ربحه يجوز له أخذ الزكاة مع إرادة الاتّجار به.

هذا، و الوجه فيه الصدق عرفا، فتدبّر.

الثالثة: أنّه لا إشكال في أنّه إذا كان الملك ممّا يحتاج إليه الرجل [لم يخرج به عن عنوان الفقير]

و لو من جهة كونه قوام عزّه و شرفه كالدار و الخادم بل البستان أيضا و نحوها لم يخرج به عن عنوان الفقير و إن كان ثلثه يكفيه لمئونة سنة على تقدير اتّفاقه، و قد صرّح باستثنائه غير واحد من غير نقل خلاف، بل عن التذكرة (1) بعد الحكم باستثناء جملة من الأمور أنّه لا يعلم في ذلك خلافا.

و يدلّ عليه من الروايات ما رواه عبد العزيز، و قد تقدّم نقله في المسألة الثانية و المستفاد من قوله: «يا أبا محمد أ تأمرني أن آمره ببيع داره، و هي عزّه» إلى آخره (2)، أنّ المدار في الاستثناء على مطلق ما به قوام العزّ و الشرف أو الاحتياج من وجه آخر و لو كان ذلك من جهة الاعتياد؟

و ما رواه عمر بن اذينة عن غير واحد عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام) أنّهما سئلا عن الرجل له دار أو عبد أو خادم، يقبل الزكاة؟ قال: «نعم، إنّ الدار و الخادم ليسا [ليستا] بمال» (3) و هو كما ترى في غاية الظهور في الدلالة على استثناء ما يحتاج إليه و لو من جهة العزّ و الشرف حتّى بالغ فيه بنفي الماليّة عنه.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ المناط في الاستثناء نصّا و فتوى هو كون الملك ممّا يحتاج إليه و لو من جهة عزّه و شرفه إلى غير ذلك، و ليس حدّا مضبوطا بل يختلف باختلاف الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة، و قد يكون بعض الناس محتاجا إلى فرس و خادم‌

____________

(1). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 275.

(2). الكافي، ج 3، ص 562؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 236.

(3). الكافي، ج 3، ص 561؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 236. و فيهما: «... عن الرجل له دار و خادم أو عبد، أ يقبل الزكاة؟ ...».

548

و دار و كتاب مثلا، و يكون آخر محتاجا إلى الأزيد من كلّ هذه الأمور.

و بالجملة، الدار على ما يناسب حاله حاجة و عزّا، كمّا و كيفا.

ثمّ إنّ المراد في المستثنيات ظاهرا على المداقّة بحيث لو كان للرجل دار واسعة تزيد عن حاجته أو دار تزيد قيمتها على ما يرفع حاجته أو فرس كذلك مثلا لم يجز له تناول الزكاة؛ لأنّ الاستثناء في النصّ و الفتوى محمول على المتعارف، هذا.

و لكن عن بعض استظهار عدم اعتبار العادة في تعدّد فرس الركوب لعدم نقص قدر الشريف في الاقتصار على فرس واحد، و هو كما ترى.

و في المدارك أنّه: «لو كانت دار السكنى تزيد عن حاجته بحيث يكفيه قيمة الزيادة حولا و أمكنه بيعها منفردة، فالأظهر خروجه بذلك عن حدّ الفقر، أمّا لو كانت حاجته تندفع بأقلّ منها قيمة، فالأظهر أنّه لا يكلّف بيعها و شراء الأدون؛ لإطلاق النصّ، و لما في التكليف بذلك من العسر و المشقّة، و به قطع في التذكرة، ثمّ قال: (و كذا الكلام في العبد و الفرس) (1) و لو فقدت هذه المذكورات استثني [له] أثمانها مع الحاجة إليها، و لا يبعد إلحاق ما يحتاج إليه في التزويج بذلك مع حاجته إليه» (2). انتهى كلامه.

و عن ثاني المحقّقين (3) و الشهيدين (4) وجوب الإبدال مع الزيادة، على خلاف التفصيل الذي عرفته عن المدارك، و اختاره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب، حيث قال- بعد نقل ما عرفته عن المدارك-: «و فيه: أنّ إطلاق النصّ يقتضي عدم الفرق بين الزيادتين؛ لحمله على المتعارف من عدم الزيادة، و كذا الكلام في [العبد و] الفرس» ثمّ قال: «و أمّا استثناء الأثمان فلا يخلو من وجه؛ ضرورة صدق الحاجة إليها‌

____________

(1). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 275.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 201.

(3). راجع جامع المقاصد، ج 3، ص 30.

(4). الروضة البهيّة، ج 2، ص 44؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 410.

549

فتندرج في المؤونة من غير فرق في ذلك بين الحاجة إليها للعجز أو للعزّ، و لعلّه لذا جزم ثاني الشهيدين و ثاني المحقّقين بالإبدال مع الزيادة و هو جيّد؛ لما عرفت، فالمدار حينئذ على عادته أو حاجته و قد يجتمعان و قد يفترقان، و لا وجه لاعتبارهما جميعا كما عن بعضهم، و لا للاقتصار على الأولى كما عن آخر، نعم، لا بأس بالاقتصار على الثانية مع إرادة عمومها للأولى، و لا فرق معها بين المتّحد و المتعدّد» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: مقتضى تعليل إنكار الأمر ببيع الدار فيما عرفت من الرواية (2) بأنّها عزّه و مسقط رأسه عدم وجوب التبديل مطلقا.

نعم، لو فرض الدار أو غيرها متعدّدا لا حاجة إلى غير واحد لزم بيعه، لكنّه غير المفروض، هذا.

و المسألة لا تخلو عن إشكال، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا إشكال في استثناء أثمان ما يحتاج إليه الرجل من الدار و كتب العلم و الخادم و نحوها، و يمكن استفادته من خبر عبد العزيز (3) المتقدّم ذكره، و صرّح به جماعة من الأصحاب، و أمّا تعليله بما عرفته عن بعض مشايخنا في شرحه (4) فلا يخلو عن نظر، و وجهه ظاهر.

الرابعة: أنّ المعتبر في الفقر هل هو مجرّد عدم التملّك فعلا لمئونة السنة؟

فيجوز أخذ الزكاة لمن لم يكن مالكا فعلا لها و لو كان من أهل الحرف و الصنائع و يحصّل من‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 320.

(2). أي رواية عبد العزيز. الكافي، ج 3، ص 562؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 236.

(3). الكافي، ج 3، ص 562؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 236.

(4). أي جواهر الكلام.

550

صنعته أزيد من مئونة سنة، كما حكاه في محكيّ الخلاف (1) عن بعض أصحابنا.

أو عدم التكسّب و الصنعة؟ فيجوز لمن لا صنعة له و إن كان قادرا على تعلّمها، و يحرم على أهل الحرف و الصنائع، كما اختاره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2)، و استظهره من عبارات جماعة، حيث إنّهم حكموا بتحريم تناولها على ذي الصنعة إذا كانت كافية لمئونة سنته، و نحوها من التعبيرات الظاهرة في إناطة الحكم بالحرفة و الصنعة وجودا و عدما، و إن كان الاستظهار في غير محلّه جدّا؛ لأنّ أمثال هذه الإطلاقات لبيان مطلب آخر لا دخل له بالمقام، كما لا يخفى على من يراجعها.

أو القدرة العقليّة على تحصيل المؤونة من الطريق اللائق بحاله بشرط عدم مزاحمة الواجب المضيّق؟ كما هو صريح المصنّف في الكتاب و جماعة و ظاهر اخرى من حيث تعبيرهم بالقدرة في عنوان المسألة، و إن كان هذا الاستظهار قابلا للمناقشة أيضا.

قال في محكي الغنية: «و أن لا يكون ممّن يمكنه الاكتساب لما يكفيه» إلى أن قال: «بدليل الإجماع المتكرّر و طريقة الاحتياط» (3). انتهى كلامه.

و في المدارك (4) نسبته إلى الشهرة، بل استظهر عن الفاضل الهندي في شرح قول العلّامة في القواعد: «و يمنع القادر على تكسّب المؤونة بصنعة أو غيرها» (5) نفي الخلاف فيه، (6) و إن كان الاستظهار غير نقيّ عن النظر.

____________

(1). حكاه الحلي عنه في السرائر، ج 1، ص 462.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 312.

(3). غنية النزوع، ص 124؛ و حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة، ج 11، ص 447.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 196.

(5). قواعد الأحكام، ج 1، ص 348.

(6). مفتاح الكرامة، ج 11، ص 447. و فيه: «هذا ممّا لا خلاف فيه كما في تخليص التلخيص».

551

نعم، ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ ظاهرهم الاتّفاق على ذلك، كما يعلم من استثنائهم الاشتغال بالعلم الواجب أو المستحبّ، و استثنائهم بعض الصّور عن ذلك، و تصريح ثاني الشهيدين (1) و غيره بعدم جواز أخذها لطالب العلم إذا كان قادرا على الكسب اللائق بحاله الغير المنافي لتحصيله، و حكمهم بعدم جواز استغراق الوقت بالنوافل المانع عن التكسّب، و غير ذلك، من غير خلاف فيه منهم. فإنّ هذا آية كفاية القدرة على تحصيل المؤونة في حصول عنوان الغنى المانع عن أخذ الزكاة، كما هو ظاهر الأخبار أيضا.

فعن نهاية الإحكام (2) و المنتهى (3) و التحرير (4) و غيرها: لو كان يمنعه عن التفقّه في الدين جاز أخذها؛ لأنّه مأمور به إذا كان من أهله.

و عن الأوّل أنّه: «لو كان لا يتأتّى له تحصيل العلم لبلادته، لم تحلّ له الزكاة مع القدرة على التكسّب». ثمّ قال: «و كذا لو اشتغل بنوافل العبادة و كان التكسّب يمنعه [عنها أو] عن استغراق الوقت بها لم تحلّ له الصدقة؛ لأنّ [التكسّب و] قطع الطمع عمّا في أيدي الناس أولى» (5). انتهى كلامه.

و نحوه عن الإيضاح (6) و المهذّب البارع (7).

و عن الأخير أنّه: «لو اشتغل بالرياضات لا تحلّ له، و أمّا ما زاد على الواجب في علم الفقه فإن كان طالبا لدرجة الاجتهاد أو قد بلغها و يحتاج الناس إليه للتعلّم منه‌

____________

(1). مسالك الأفهام، ج 1، ص 410.

(2). نهاية الإحكام، ج 2، ص 383.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 519.

(4). تحرير الأحكام، ج 1، ص 403.

(5). نهاية الإحكام، ج 2، ص 384.

(6). إيضاح النافع؛ حكاه الجواهر، ج 15، ص 315.

(7). حكاه عنهما العاملي في مفتاح الكرامة، ج 3، ص 135، قسم الزكاة (الطبع القديم).

552

جاز (له) ترك التكسّب [لذلك] و إن كان [يعلم] أنّه لا يبلغ درجة الاجتهاد فإن كان في ازدياد و يعلم احتياج الناس إلى القدر الذي عنده جاز له الاشتغال بالتعلّم و التعليم عن التكسّب، و إلّا فلا» (1). انتهى.

إلى غير ذلك من كلماتهم الصريحة في ما ذكرنا، فلا يجوز للفقيه إذا الارتياب في ظهور كلماتهم في إناطة الحكم بمجرّد القدرة و عدمها.

أو القدرة بحسب العادة و المتعارف؟ كما اختاره شيخنا- دام ظلّه العالي- ناسبا له إلى الجميع، فلا يتعيّن عليه استغراق جميع مئونته فضلا عنه و عن عياله بالكسب، أو ترك جميع المستحبّات و المباحات، بل إذا بذل جهده في تحصيل المؤونة على الطريق المتعارف بين أهل الحرف و الصنائع و لم يقدر على تحصيل ما يكفيه لسنته جاز له أخذ الزكاة، وجوه، خيرها أخيرها، و مرجع الوجه الثالث إليه أيضا، كما استظهره شيخنا- دام ظلّه-؛ إذ لا يظنّ بأحد القول باعتبار القدرة العقليّة بالمعنى المتراءى منها. كيف!؟ و كلماتهم تنادي بأعلى صوتها بفساده عند التأمّل فيها.

و يدلّ على ما اخترناه الأخبار المستفيضة:

منها: ما روي عن طرق المخالف عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «لا تحلّ الصدقة لغنيّ، و لا لذي مرّة سويّ» (2).

و منها: ما رواه زرارة- في الصحيح- عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «سمعته يقول: إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف، و لا ذي [لذي] مرّة سويّ [قويّ] فتنزّهوا عنها» (3).

____________

(1). المهذّب البارع، ج 1، ص 530.

(2). مسند أحمد، ج 2، ص 164 و 192 و 377؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 369؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 82؛ سنن النسائي، ج 5، ص 99؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 7، ص 13؛ السنن الكبرى (النسائي)، ج 2، ص 54؛ كنز العمال، ج 6، ص 453 و 461.

(3). الكافي، ج 3، ص 560؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 231.

553

و منها: ما عن زرارة أيضا المروي عن معاني الأخبار عن أبي جعفر (عليه السّلام): «قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا تحلّ الصدقة لغني و لا لذي مرّة سويّ و لا لمحترف و لا لقويّ، قلنا: [و] ما معنى هذا؟ قال: لا يحلّ له أن يأخذها، و هو يقدر على ما يكفّ نفسه عنها» (1).

إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في إناطة الحكم منعا و جوازا بالقدرة و عدمها، هذا مضافا إلى ما عرفت من عدم الخلاف في المسألة جدّا، هذا.

و استدلّ للوجه الثاني بما رواه في الفقيه عن الصادق (عليه السّلام) من أنّه قيل له: «إنّ الناس يروون عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: إنّ الصدقة لا تحلّ لغنيّ و لا لذي مرّة سوي، فقال (عليه السّلام): قد قال: لغنيّ، و لم يقل لذي مرّة [سويّ]» (2) و ظاهره عدم الحرفة لذي مرّة سويّ، حيث إنّ ظاهره ليس بمجرّد نفي قوله مع ثبوت الحكم في الواقع، هذا.

و ذكر بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب بعد الاستدلال بالرواية على ما اختاره- ما هذا لفظه: «و يؤيّد ذلك ما عساه يظهر من بعضهم من الإجماع على جواز إعطاء ذي الصنعة إذا أعرض عنها و ترك التكسّب بها، و إطلاق الأدلّة و ترك الاستفعال في كثير منها، و السيرة المستمرّة في سائر الأعصار و الأمصار على إعطائها للأقوياء القابلين للاكتساب، اللّهمّ إلّا أن يحمل ذلك على حاجتهم الفعليّة و إن كان ذلك بسبب تركه التكسّب [المقدور له، أو على عدم العلم بكونه قادرا على تكسّب ما يموّن به نفسه و عياله ضرورة أعمّيّة الاحتراف من ذلك، فمجرد قابليّته للتكسّب] و قوّته عليه لا يقضي بقدرته على تكسّب مئونته؛ إذ ربما لا يربح بل قد يخسر. لكنّ الأقوى في النظر الجواز مطلقا و إن كان الأولى له التنزّه عنها إذا لم يكن مشغولا بطلب العلم على‌

____________

(1). معاني الأخبار، ص 262.

(2). كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 177.

554

وجه لا يمكنه الاجتماع مع الكسب» (1). انتهى كلامه رفع مقامه. و هو كما ترى.

و العمدة في المقام الرواية، و الجواب عنها أنّ الظاهر منها في بادئ النظر و إن كان الجواز لذي مرّة سويّ [إلّا] أنّه يتعيّن حملها- في قبال ما عرفت من الأخبار- على مجرّد نفي القول مع ثبوت الحكم في الواقع، حيث إنّه كان دأب بعض العامّة على جعل الأحاديث بمجرّد إذعان ثبوت الحكم، كما هو المشهور في قضيّة جعل الحديث في فضيلة قراءة القرآن من بعضهم معتذرا بأنّه رأى إعراض الأمّة عن قراءته، هذا.

و لو لم يكن بدّ عن طرح ظاهرها فيتعيّن طرحها سندا؛ لمعارضتها لما عرفت [من] الراجح عليها من وجوه عديدة مع صراحة بعضها في صدور القول المزبور عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و ما ذكرنا من الجواب أوّلا مبنيّ على الغضّ عن ملاحظته.

و بالجملة، لا ينبغي للفقيه الارتياب في حقّيّة ما ذكرنا بعد الرجوع إلى كلمات الأصحاب و التأمّل في الأخبار.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 314- 315.

555

تذنيب: فيه تنبيه على أمرين:

الأوّل: [في أنّه إذا عرض العجز للقادر على التكسّب و لو بسوء اختياره جاز له أن يناول الزكاة بالنسبة إلى زمان عجزه،]

أنّه ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه لا إشكال بل لا خلاف إلّا عن شاذّ لا يعبأ به- في أنّه إذا عرض العجز للقادر على التكسّب و لو بسوء اختياره جاز له [أن] يناول الزكاة بالنسبة إلى زمان عجزه، و جاز إعطاؤه، فالقادر على التكسّب في أوّل اليوم لا يجوز دفع الزكاة اليه، و في آخره أو في وسطه مع اليأس عن التكسّب جاز دفع الزكاة إليه مع تركه التكسّب و لو بسوء اختياره بقدر مال يسدّ خلّته إلى حصول القدرة. و لا يجوز دفع الزائد.

أمّا أصل جواز الدفع فقد عرفت أنّه ممّا لا إشكال فيه، فإنّ المستفاد من أدلّة الزكاة أنّها موزّعة على أجزاء السنة، فكلّ من كان فقيرا في جزء منها يجوز دفع الزكاة إليه، و لو كان فقره من سوء اختياره؛ لأنّ الفقر لا تأثير له بالنسبة إلى الوضع، كما لا يخفى.

فما ذكره بعض المتأخّرين من عدم الجواز إذا ترك التكسّب بسوء اختياره لا معنى له، بل هو خلاف كلمة جميع الأصحاب.

و أمّا عدم جواز دفع الزائد و إن قلنا بجواز دفع ما فوق الاغتناء كما هو ظاهر الأصحاب فيما ستقف عليه؛ فلأنّ الحكم المزبور ثابت لمن كان فقيرا في السنة بقول مطلق، و إن علم بعروض الغنى له من سبب كالإيسار و نحوه في طول السنة لا من كان فقيرا في جزء خاصّ من الزمان، و الفرق واضح، و أدلّة جواز الإغناء من الزكاة لا يشمله قطعا، كما لا يخفى.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه العالي- (1) و هو في كمال الجودة في النظر الدقيق،

____________

(1). راجع كتاب الزكاة (الأنصاري)، ص 271- 273.

556

و إن كان قد يورد عليه بعض المناقشات في ظاهر النظر.

ثمّ إنّا لم نقف على من خالف فيما أفاده من الأصحاب إلّا الفاضل النراقي في المستند، حيث قال فيه ما هذا لفظه: «لو ترك المحترف حرفته يوما عمدا، فهل يجوز له أخذ الزكاة لليلته إذا لم يمكن له الاحتراف فيها؟ و كذا لو كانت حرفته في وقت معيّن و يصيب فيه ما يكفي السنة فتركها في ذلك الوقت عمدا؟ فيه إشكال، و الذي يقوى في نفسي عدم الجواز؛ لصدق المحترف و عدم معلوميّة صدق الفقير» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى؛ إذ الصدق العرفي و عدمه لا يتفاوت فيه الحال بين العمد و غيره، و من هنا ذكرنا سابقا أنّ الكلام فيما هو من مقولة الوضع فلا يعقل الفرق بين الفقير و غيره، فلو بني على خروج العاجز من التكسّب بالنسبة إلى زمان خاصّ فيما هو مورد الأدلّة فلا يتفاوت فيه الحال بين كون العجز مستندا إلى التعمّد و عدمه، و لو بني على دخوله فيه كما هو المسلّم فلا فرق أيضا بين القسمين، و إن زعم إناطة الحكم بالحرفة كما ربما يظهر من كلامه، ففيه مضافا إلى ظهور فساده أنّه لا يتفاوت الحال على هذا التقدير الفاسد أيضا، كما لا يخفى، فالفرق فاسد على كلّ تقدير، هذا.

و أعجب منه أنّه (قدّس سرّه) بنى الأمر في أصل المسألة على كفاية القدرة، ثمّ بنى على عدم وجوب تعلّم التكسّب و الحرفة على الجاهل، و القول بتعلّق الحكم بالمحترف مع وضوح فساده من حيث كونه مثالا للقادر في النصّ و الفتوى. ثمّ قال بالمقالة التي عرفتها، و ما أبعد بين مقالتها و مقالة بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2)، التي عرفتها أيضا فيما بين إفراط و تفريط، و التوسّط أولى.

الثاني: [لو اشتغل عن التكسّب لطلب العلم]

أنّه ذكر غير واحد من الأصحاب أنّه لو اشتغل عن التكسّب لطلب العلم‌

____________

(1). مستند الشيعة، ج 9، ص 268- 269.

(2). من كلامه في جواهر الكلام، ج 15، ص 314- 315.

557

الغير المجامع لكسب، فإن كان واجبا عينيّا كالاجتهاد في الأحكام الشرعيّة إذا لم يكن هناك من يقوم به الكفاية أو التقليد فيها لمن ليس أهلا للاجتهاد، أو كفاية كالاجتهاد في الأحكام الشرعيّة مع عدم قيام من به الكفاية مع وجوده يجوز له تناول الزكاة، و لم ينقل فيه خلاف؛ نظرا إلى وجوبه المانع عن الكسب، حيث وقع التعليل به في كلام جمع منهم.

و إن كان مستحبّا فصريح الأكثر منهم: العلّامة في التحرير (1) و المنتهى (2) و الشهيدين في الدروس (3) و البيان (4) و الروضة (5) و المسالك (6) و حواشي النافع (7) و صاحب المهذّب (8) على ما حكي (9) عنهم: الجواز؛ معلّلين- من علّل- بالأمر به و لو استحبابا المستلزم لرفع وجوب التكسّب. و المحكيّ عن ظاهر الذخيرة (10) و حواشي القواعد (11) للشهيد الثاني: عدم الجواز.

و لو لم يكن واجبا و لا مستحبّا كالرياضيّات و الفلسفة و كثير من المسائل الكلاميّة و السير و العروض و الأدبيّة لمن لا يريد التفقّه في الدين و نحوها، فلا يجوز‌

____________

(1). تحرير الأحكام، ج 1، ص 403.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 519.

(3). الدروس، ج 1، ص 240.

(4). البيان، ص 193.

(5). الروضة البهيّة، ج 2، ص 45.

(6). مسالك الأفهام، ج 1، ص 410.

(7). حاشية المختصر النافع، ص 55.

(8). المهذّب البارع، ج 1، ص 530.

(9). حكاه النراقي في مستند الشيعة، ج 9، ص 268.

(10). لم نقف عليه. راجع ذخيرة المعاد، ج 3، ص 452- 453.

(11). فوائد القواعد، ص 259- 260؛ راجع الجواهر، ج 15، ص 430.

558

تناولها، هذا.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي (1)- تعليل الحكم بالوجوب فضلا عن الاستحباب في التعلّم المستحب غير نقيّ عن المناقشة.

أمّا الاستحباب فظاهر؛ لأنّه إذا فرض وجوب التكسّب لمئونة نفسه و عياله فكيف يعارضه الأمر الاستحبابي فالأمر الاستحبابي في حيّز المنع حتّى يستلزم رفع الوجوب.

و أمّا التعليل بالوجوب فلأنه إن كان من جهة وجوب التعلّم فهو بالنسبة إلى الكفائي بل العيني بإطلاقه ممنوع، كيف!؟ و لو كان كذلك لوجب القول بتقدّمه إذا انحصر معاشه بالكسب بحيث لا طريق له إليه سواه، و هو كما ترى.

و القول بأنّ الزكاة أيضا من أحد طرق المعاش فلا يعارض التكسّب الواجب واجبا آخر؛ لأنّ وجوبه من باب التخيير كما ترى؛ ضرورة أنّ الزكاة ليست من أحد فردي الواجب التخييري، و إنّما يكون جواز تناولها موقوفا على العجز عن التكسّب إمّا عقلا أو شرعا، و المفروض عدم وجود الأوّل في المقام، و الثاني هو محلّ الكلام.

و منه يظهر فساد الاستدلال لجواز تناول الزكاة في الفرض بوجود المانع كما استدلّ به الفاضل النراقي في المستند (2)، فإنّه إن أريد من المانع وجوب التعلّم فقد عرفت أنّ الكلام في ثبوته و إنّ [اريد] الاشتغال بالعلم كما هو ظاهر كلامه فيه، ففيه:

أنّ الكلام ليس بعد الاشتغال الموجب لسلب القدرة عن التكسّب، بل الكلام في جواز ترك التكسّب بالاشتغال بالعلم، و أين هذا من مانعيّة الاشتغال؟ هذا.

ثمّ إنّ هذا الكلام الذي جرى بينهم ليس مختصّا بتحصيل العلم، بل يجري في كلّ واجب مزاحم للتكسّب، كما لا يخفى.

____________

(1). راجع كتاب الزكاة (الأنصاري)، ص 271- 273.

(2). مستند الشيعة، ج 9، ص 268.

559

لا يقال: ليس الواجب على الرجل التكسّب، و إنّما الواجب عليه الإنفاق، و التكسّب أحد الطرق إليه، فإذا فرض وجود الزكاة فلا معارض للأمر المستحبيّ بما يزاحم التكسّب فضلا عن الأمر الإيجابي، فلا يقال بأنّ الأكل من الزكاة أحد فردي الواجب التخييري حتّى يورد عليه ما اورد، بل نقول: إنّ الواجب هو خصوص التكسّب لكنّ مقدّمة، فإذا تعلّق الأمر الشرعي بأحد الوجهين فيرتفع وجوب التكسّب فيجوز تناول الزكاة.

لأنّا نقول: إنّ ما ذكر لا يخلو من لزوم دور عليه، فإنّه ما لم يستحقّ الزكاة لا يرفع وجوب التكسّب، و ما لم يرفع لا يثبت الاستحقاق، فتأمّل فالأولى أن يستدلّ في جواز تناول الزكاة في الفرض بأنّ المستفاد من الأخبار- مثل ما دلّ على جواز الإعطاء من الزكاة بحيث يقدر الرجل بها على الحجّ و التصدّق و التزويج، فتأمّل، و غيره- كون الزكاة موضوعة على ما هو المتعارف بين الأغنياء، بمعنى أنّ الرجل لو عامل معاملة الأغنياء في معيشته و كسبه و سلك في حرفته على الطريق المتعارف بين أهل الحرف لو كان من أهل الحرفة و لا يقدر على تحصيل مئونة سنته فيجوز له تناول الزكاة، فلا يجب عليه التكسّب في الليل إذا لم يكن متعارفا و لا استغراق اليوم بالاشتغال، بل يجوز له الأكل و النوم و صلاة الجماعة و نحوها من الأفعال المتعارفة بين الكسبة بحسب اختلاف الكسب و البلدان و الأشخاص، فيجوز له ترك التكسّب في يوم من الاسبوع لو كان متعارفا، و يجوز له ترك الاشتغال في الشهر بل و أزيد باختيار الزيادة و نحوها، إلى غير ذلك، فلم يرد الشارع إلقاء الناس من جهة الزكاة في العسر، فعلم ممّا ذكرنا أنّ فعل المباح أيضا قد يجوز معه تناول الزكاة فضلا عن الواجب و المستحبّ.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه- في توضيح المقام، و هو لا يخلو عن بعض المناقشة، و اللّه العالم.

560

ثمّ إنّه ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ ما أفادوه في المقام محلّ للنظر من وجه آخر أيضا- و إن لم يكن له دخل بالمقام- فإنّ ما أفادوه من وجوب الاجتهاد كفاية فهو في حيّز المنع بالنسبة إلى أمثال زماننا، فإنّ أمر الناس لا ينحصر في جميع البلدان و القرى و البادية في التقليد حتّى يكفيه الرجوع إلى فتوى مجتهد واحد و لو بالأخذ من الواسطة أو الرسالة العمليّة، بل يحتاجون في كثير من الامور إلى حاكم الشرع و قيام من يقوم به الكفاية في زمان لا يجدي جدّا؛ لأنّهم لا يبقون إلى الأبد، فقد يتّفق موتهم في زمان، فلو لم يشتغل من يقوم به الكفاية في هذا الزمان لزم خلوّه عمّن يقوم به الكفاية، فيجب على كلّ من يجد من نفسه رجاء تحصيل الملكة التعلّم عينا، حتّى لا يخلو كلّ زمان عمّن يقوم به الكفاية، بل هذا لا يختصّ به، بل يجب التعلّم على كلّ من يقدر عليه و لو كان يعلم من نفسه عدم بلوغه مرتبة الاجتهاد، فإنّ بقاء جميع العلوم ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد واجب في الجملة، فإذا يعلم الرجل أنّه لا يقدر إلّا على تحصيل علم الصرف مثلا فيجب عليه ذلك، بل يجب تعليم فتوى المجتهد و رسائله لاحتياج الناس، و هكذا.

الخامسة: أنّ من له مئونة بعض سنته بالقوّة من جهة الحرفة الوافية بها فهل يجوز إعطاؤه الزائد على ما يتمّم به كفايته، أو لا يجوز ذلك؟

وجهان، بل قولان، المشهور الأوّل.

و بعبارة أخرى: المالك لبعض المؤونة بالتكسّب كمن لا يملك شيئا منها، فيجوز إعطاؤه الزائد على ما يتمّم به كفايته و اغتنائها، أم لا؟ و بالحريّ أن نحرّر الكلام أوّلا في حكم من لا يملك شيئا من المؤونة، و أنّه هل يجوز إعطاؤه الزائد من مئونة سنته و إغناؤه بالزكاة، أو لا يجوز؟ ثمّ نعقّبه بعد البناء فيه على الجواز بالكلام في أنّ من يملك بعض المؤونة هل يلحق بمن لا يملك شيئا منها أم لا؟ فإنّ الثاني أولى بالجواز، و لذا قيل بالفرق كما ستقف عليه [من] الأخبار و الاعتبار الذي يصلح حكمة للحكم‌

561

بالفرق من حيث إنّ إعطاء الأوّل الزائد موجب للإضرار على الفقراء بالنسبة، فإنّه يلزم دخول ما يحصل بكسبه في كسبه مجّانا بخلاف الثاني.

و قبل الخوض في حكمه لا بدّ من تأسيس الأصل، فنقول: إنّ من النزاع [ظ:

الراجح] عند كلّ أحد أنّ قضية الاصول عدم جواز إعطاء الزائد، إلّا أنّ مقتضى القاعدة- بالنظر إلى ما دلّ على عدم وجوب البسط و كون المالك جنس كلّ طائفة لا للأفراد [ظ: الأفراد] على سبيل التشريك- جواز إعطائه فيخرج بها عن قضيّة الأصل العملي، فالقائل بعدم الجواز يحتاج إلى الدليل في الحقيقة، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ عدم وجوب البسط و كون المالك الجنس لا يدلّ على جواز إعطاء الزائد [...] (1).

و منه يعلم فساد ما زعمه بعضهم من حمل كلماتهم على أوّل مرتبة الإغناء و هي مئونة السنة، فلا يدلّ على إعطاء الزائد عنها، كحمل الأخبار عليه، فإنّ ما عرفت لا يجري فيه هذا الحمل جدّا؛ لأنّ إعطاء ما يحصل به أوّل مرتبة الإغناء جائز في القسمين إجماعا، فلا بدّ من أن يكون المراد من الأخبار هو الإغناء العرفي الزائد على مئونة السنة، بل عن العلّامة في موضع من المنتهى دعوى الإجماع عليه حيث قال:

«يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه و ما يزيد عليه على غناه، و هو قول علمائنا أجمع» (2) و ما حكي عنه من نسبة الخلاف إلى بعض في موضع آخر فليس في مسألتنا، بل في المسألة الأولى، فإنّه قال: «لو كان معه ما يقصر عن مئونته و مئونة عياله [حولا] جاز له أخذ الزكاة؛ لأنّه محتاج [و لا يتقدّر بقدر]. و قيل: [إنّه] لا يأخذ الزكاة زائدا عن تتمّة المؤونة حولا، و ليس بالوجه» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و بالجملة، لا ينبغي الارتياب في أنّ كلمتهم منطبقة في الدلالة على جواز إعطاء‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل خمسة أسطر غير مقروءة.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 528؛ و الطبع الحديث، ج 8، ص 400.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 518؛ و الطبع الحديث، ج 8، ص 335.

562

ما شاء في الفرض.

نعم، حكي عن الفاضل الهندي التأمّل في المسألة؛ نظرا إلى أنّه: «لا دلالة في الأخبار على الجواز؛ لأنّ الإغناء يحصل بالضميمة، و ما زاد عليها شي‌ء زائد على الإغناء» (1). هذا كلامه.

و يمكن حمله على المالك لبعض مئونة السنة كما لا يخفى، فتدبّر.

نعم، صريح بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2) ترجيح عدم الجواز- لو لا الإجماع على خلافه- كما استظهره، نظرا إلى عدم دلالة كلمات الأصحاب على إعطاء ما فوق مئونة السنة فإنّ كلماتهم كالأخبار يمكن حملها على إرادة مئونة السنة من الإغناء، هذا.

و لكنّك خبير بما فيه بعد أن ستقف على ما يزيد الامر وضوحا. هذا.

و استدل للجواز- بعد الإطلاق بالأمر بالإعطاء كما استدلّ به بعض [...] (3) لأنّ أوامر الإعطاء ليس في مقام بيان كمّيّة المدفوع كالآية الدالة على الزكاة ... في مقام بيان أنّ الرواية [...] (4) و أمّا بيان مقدار المدفوع فلا يعلم منها لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة- لجملة من الأخبار.

منها: قول الصادق (عليه السّلام) في صحيح سعيد بن غزوان لمّا سأله كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة؟ «فقال: أعطه من الزكاة حتّى تغنيه» (5).

و منها: ما رواه عمّار- في الموثّق- عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إنّه سئل: كم يعطى الرجل‌

____________

(1). حكاه الجواهر، ج 15، ص 317- 318.

(2). جواهر الكلام، ج 10، ص 318.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمات غير مقروءة.

(4). مكان النقاط في الأصل كلمات غير مقروءة.

(5). التهذيب، ج 4، ص 63؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 260.

563

من الزكاة؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السّلام): إذا أعطيت فأغنه» (1).

و منها: ما رواه أبو بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ شيخا من أصحابنا يقال له: عمر، سأل عيسى بن أعين و هو محتاج، فقال له عيسى بن أعين: أما إنّ عندي من الزكاة، و لكن لا أعطيك منها، فقال له: و لم؟ فقال: لأنّي رأيتك اشتريت لحما و تمرا، فقال: إنّما ربحت درهما فاشتريت بدانقين لحما و بدانقين تمرا ثمّ رجعت بدانقين لحاجة، قال: فوضع أبو عبد اللّه (عليه السّلام) يده على جبهته ساعة ثمّ رفع رأسه ثمّ قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى نظر في أموال الأغنياء [ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء] ما يكتفون به، و لو لم يكفهم لزادهم، بل يعطيه ما يأكل و يشرب [و يكتس] و يتزوّج و يتصدّق و يحجّ» (2).

و منها: ما أرسله في العلل عن أبي الحسن (عليه السّلام): «ما حدّ المؤمن الذي يعطي الزكاة؟

قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال: أو عشرة آلاف، و يعطى الفاجر [بقدر]؛ لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة اللّه، و الفاجر (ينفقها) في معصية اللّه» (3).

و منها: قوله (عليه السّلام) في بعض الروايات: «خير الصدقة ما أبقت غنى» (4) كما تمسّك به جماعة منهم المصنّف (5) و العلّامة في جملة من كتبه (6).

و منها: ما رواه إسحاق بن عمّار في [الموثق] قلت لأبي الحسن موسى (عليه السّلام):

«أعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهما؟ قال: نعم، و زده. قلت: أعطيه مائة درهم؟

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 548؛ التهذيب، ج 4، ص 64؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 259.

(2). الكافي، ج 3، ص 556؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 289- 290.

(3). علل الشرائع، ج 2، ص 372؛ و في وسائل الشيعة، ج 9، ص 249.

(4). مستدرك الوسائل، ج 7، ص 178.

(5). المعتبر، ج 2، ص 591.

(6). مختلف الشيعة، ج 3، ص 228؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 528؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 340.

564

قال: نعم و اغنه إن قدرت [على] أن تغنيه» (1).

و منها: ما رواه أيضا في الموثّق: «قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال: نعم. قلت: مائتين؟ قال: نعم، قلت: ثلاثمائة؟ قال: نعم، قلت:

أربعمائة؟ قال: نعم، قلت: خمسمائة؟ قال: نعم، حتّى تغنيه» (2).

إلى غير ذلك من الأخبار المرخّصة في الإغناء من الزكاة، الظاهرة في المطلب، إمّا من جهة أنّ الإغناء سنين متعدّدة من أفراده و ليس وجوده متأثّرا [...] (3) عن الإغناء في سنة حتّى يرجع التحديد إليه على ما هو الشأن في التحديد بالشي‌ء القدر الجامع بين الأقلّ و الأكثر الموجود تدريجا.

نعم، لو كان المراد من الإغناء العهد و الإشارة إلى رفع ما يكفي السنة لم يكن لها ظهور، و أنّى له بإثباته، فإنّ المراد من الإغناء إن كان هو الإغناء الشرعي لكان أعمّ من مئونة السنة أيضا، فإنّ أوّل مرتبته هي مئونة السنة، فافهم.

و إمّا من جهة أنّ المراد من الإغناء فيها هو الإغناء العرفي الذي لا يحصل ظاهرا إلّا بإعطاء الزائد من مئونة السنة كما هو الأقرب، هذا.

و قد يستدلّ على عدم الجواز بتعليل جواز إعطاء ما يتمّ به مئونته بأنّ الزكاة من سنة إلى سنة في بعض الأخبار و بتفريع جواز إعطاء البقيّة خاصّة على هذه الكلّيّة كما في بعضها الآخر (4).

و بالأخبار الصريحة في الرخصة في أخذ الكفاية الظاهرة في أخذها خاصّة‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 548؛ التهذيب، ج 4، ص 64؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 259.

(2). التهذيب، ج 4، ص 63- 64؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 260.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(4). كصحيحة معاوية بن وهب فيه: «و يأخذ البقية من الزكاة». الكافي، ج 3، ص 561؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239.

565

من حيث ظهورها في بيان ما يقضى من الزكاة من غير خصوصيّة بمن يملك بعض المؤونة، فتأمّل.

و بما دلّ من الأخبار على أنّه يبدأ بالعشر فيقسّم فيعطي كلّ فقير ما يكفي سنته.

و في بعض الأخبار: «و الفاضل للوالي و الناقص عليه» بناء على دلالته على أنّه طريق الإعطاء بحيث لا يجوز التعدّي عنه، هذا.

و قد يؤيّد ذلك بما دلّ على: «إنّ اللّه فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم» (1)، حيث علّل عدم استحقاقهم الزائد باكتفائهم بالناقص، و بأنّه مستلزم للإجحاف على الفقراء.

و بما قيل من إمكان دعوى معلوميّة إنكار إعطاء الخمس أو الزكاة فقيرا واحدا من الشرع، هذا.

فإذا يقع التعارض بين هذه الأخبار و ما دلّ على جواز إعطاء ما فوق مئونة السنة، و لمّا كانت هذه أظهر فلا بدّ من حمل تلك على أوّل مرتبة الاغتناء؛ لأنّ دلالتها من باب الإطلاق، هذا.

و قد يجاب عن أكثر هذه الأخبار بأنّ الاستدلال بها مبنيّ على القول بثبوت المفهوم، و هو خلاف المشهور و التحقيق.

و أنت خبير بما فيه؛ لأنّ ما دلّ على جواز إعطاء بقيّته في مقام التحديد سيّما مع أنّ بعضها مشتمل على التعليل و بعضها على التفريع.

و بالجملة، ظهور الأخبار المذكورة في المنع عن إعطاء الزائد عن مئونة السنة ممّا لا ينبغي إنكاره.

فالتحقيق في الجواب مع تسليم الظهور منع الأظهريّة، حيث إنّ دلالة ما دلّ على‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 496؛ الفقيه، ج 2، ص 6؛ التهذيب، ج 4، ص 49؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 10 و 210.

566

الجواز ليست من باب الإطلاق؛ لأنّ المراد بالإغناء في تلك الأخبار هو الإغناء العرفي بحيث لا يحتاج معه الرجل إلى الزكاة، فيمكن حملها على من كان مالكا لبعض المؤونة، كما هو موردها، أو على بيان أحد الأفراد، فليست الأخبار الدالّة على المنع أظهر منها إن لم تكن هي أظهر، و لا إشكال في كونها أرجح من حيث المرجّحات الاخر، هذا.

مع أنّك قد عرفت أنّ قضيّة القاعدة بالنظر إلى ما دلّ على كيفيّة تملّك الفقراء الزكاة و عدم وجوب البسط هو جواز الإعطاء مطلقا، هذا.

و إذ قد عرفت بعض الكلام في المسألة، فلنصرف العنان إلى التكلّم في المسألة، فنقول: إنّ المشهور فيها على جواز إعطاء الزائد على بقيّة المؤونة و إغناء الفقير كما في المسألة الاولى مستدلّين بما عرفت من الأخبار.

و ذهب الشهيد (قدّس سرّه) في محكيّ البيان (1) وفاقا للمحكيّ عن غيره- كما حكاه عن غير واحد (2)، منهم: المصنّف في الكتاب (3)- إلى أنّه لا يجوز إعطاء الزائد على ما يتمّ كفايته، مستدلّا بما عرفت من الأخبار الدالّة على إعطاء البقيّة (4) حاملا لما ورد في غير واحد من الأخبار من الإغناء بالصدقة على ذي الكسب القاصر، هذا.

و ردّه في المدارك بأنّ: «هذا الحمل ممكن إلّا أنّه يتوقّف على وجود المعارض، و لم نقف على نصّ يقتضيه. نعم، ربما أشعر به مفهوم قوله في صحيح معاوية بن‌

____________

(1). البيان، ص 193.

(2). قال في المدارك: «حكاه المصنّف و جماعة، و استحسنه الشهيد في البيان». مدارك الأحكام، ج 5، ص 198.

(3). شرائع الإسلام، ج 1، ص 120.

(4). كصحيحة معاوية بن وهب و فيه: «و يأخذ البقية من الزكاة». الكافي، ج 3، ص 561؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239.

567

وهب: «و يأخذ البقية من الزكاة» (1) لكنّها غير صريحة في المنع من الزائد، و مع ذلك فمورد الرواية من كان معه مال يتّجر به و عجز عن استنماء الكفاية، لا ذو الكسب القاصر» (2). انتهى كلامه.

و أنت خبير بما فيه؛ لأنّ الدالّ من الأخبار على المنع ليس منحصرا في الصحيح الذي ذكره؛ فإنّ رواية هارون بن حمزة (3) و موثّق سماعة (4) و غيرهما تدلّ على أخذ البقيّة خاصّة من الزكاة، كما أنّ ظهورها في المنع لا ينبغي إنكاره، و المعارض ليس مختصّا بالنصّ الصريح، كما لا يخفى.

هذا كلّه مضافا إلى ما عرفت من الوجوه الاخر في المسألة الاولى، فالإنصاف أنّه لا ينبغي إنكار ظهور الأخبار الدالّة على المنع، كما أنّه لا ينبغي إنكار ظهور الأخبار الدالّة على الجواز.

فالكلام إنّما هو في أظهريّة أحدهما.

و التحقيق كون الأخبار الدالّة على الجواز أظهر، سيّما صحيح أبي بصير (5) و تالييه (6) كما لا يخفى؛ إذ حملها على مئونة السنة و لو بالنسبة إلى بعض الأشخاص كما ترى، و إن كان شيخنا- دام ظلّه العالي- مائلا إلى ما في البيان (7)، و المسألة لا تخلو عن إشكال و إن كان الحقّ مع المشهور كما عرفت.

ثمّ إنّ هنا امورا ينبغي التنبيه عليها:

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 561؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 198.

(3). التهذيب، ج 4، ص 51؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239- 240.

(4). الكافي، ج 3، ص 562؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 239.

(5). المتقدّم. الكافي: ج 3، ص 556؛ الوسائل: 9، ص 289- 290.

(6). فيما تقدّم.

(7). من ذهابه إلى أنّه لا يجوز إعطاء الزائد على ما يتمّ به الكفاية. البيان، ص 193.

568

أحدها: أنّ ما ذكرنا من الكلام في ذي الكسب القاصر هل يجري في مطلق من ملك بعض المؤونة، أم لا؟ ظاهر الشهيد في محكيّ البيان (1) إلحاقه بمن لم يكن له شي‌ء

كظاهر جماعة، حيث خصّوا المنع بذي الكسب، و أطلقوا الكلام في الحكم بجواز إعطاء الزائد عن مئونة السنته الفقير و لم يخصّوه بمن لا يملك شيئا من مئونة سنته مع أنّ دعوى اختصاصه توجب التخصيص بالفرد النادر، كما لا يخفى، هذا.

و لكن ظاهر العلّامة في ما عرفت من كلامه في المنتهى (2) و ما حكي عنه في النهاية (3): التعميم؛ نظرا إلى ظهور عنوانه للمسألة.

و الذي يقتضيه التحقيق إلحاقه بمن لا يملك شيئا، لا بذي الكسب القاصر للزوم ما أقاموه في حكم جواز إعطاء الفقير حدّ الإغناء و اختصاص المخرج على تقدير وجوده بذي الكسب القاصر ... (4) كلام الأكثر قاض بالاختصاص أيضا، و كلام العلّامة يمكن حمله على الإهمال الغير المنافي لكلماتهم، و الحكمة الموجبة للفرق أيضا لا تجري فيه.

ثانيها: أنّ عدم كفاية الكسب لتمام مئونة السنة له و لمن تجب نفقته عليه قد يلاحظ و يعتبر بالنسبة إلى الزمان،

و قد يعتبر بالنسبة إليه و لمن تجب نفقته عليه بمعنى أنّه يلاحظ مقدار ما يحصّله في السنة فيكفي لمئونته و مئونة بعض عياله و لا يكفي للبعض الآخر من العيال، و قد يلاحظ بالنسبة إلى التوسعة على العيال بمعنى أنّه يقصر ما يحصّله في السنة عن التوسعة عليهم و على نفسه و إن كان يكفيهم و يسدّ خلّتهم في طول السنة بقدر الضرورة.

____________

(1). البيان، ص 193.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 518؛ و الطبع الحديث، ج 8، ص 335.

(3). نهاية الإحكام، ج 2، ص 381- 382.

(4). مكان النقاط في الأصل جملة غير مقروءة.

569

لا إشكال في كون الأوّل محلّا للكلام.

و أمّا الثاني فهو عند التحقيق يرجع إلى الأوّل، فلا يعدّ من لا يكفيه من العيال من القصر (1) بقول مطلق حتّى يجري فيه ما ادّعوه من الإجماع؛ لأنّ الفرق إنّما هو بالاعتبار، فلا يؤثّر حكما شرعيّا و إن كان ظاهر بعض الأخبار عدّه مستقلا عن الفقير لكنّه محمول على ما ذكرنا.

و أمّا الثالث فالظاهر أنّه ليس محلّا للكلام بمعنى أنّ المشهور القائلين بجواز الإغناء في ذي الكسب القاصر لا يقولون بجواز إعطاء ما فوق ما يحصل به السعة كما هو المسلّم عندهم من جواز الأخذ للتوسعة. هذا حاصل ما أفاده شيخنا دام ظلّه.

ثالثها: أنّه ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ من المعلوم الذي لا ينبغي الارتياب فيه [أنّ] جواز الإغناء في المسألتين محمول على ما إذا لم يوجب الإجحاف على نوع الفقراء،

كما إذا أعطى زكوات عشرين بلدا فقيرا واحدا مثلا، فعلى قولهم لا بدّ من الالتزام بهذا التقييد و الحمل و إن كان يفهم من لا تدبّر له من كلماتهم جوازه أيضا؛ لأنّ حكمهم بعدم الحدّ للزكاة في جانب الكثرة و جواز الإغناء و الزائد عنه و نحوهما من التعبيرات ظاهر في جوازه في بادئ النظر، إلّا أنّ المتأمّل الخبير بمذاقهم يعلم عدم جوازه عنهم، بل في بعض كلماتهم دلالة عليه.

و إن أبيت إلّا عن ظهور كلماتهم في الجواز فنقول: إنّ ما أقاموه دليلا في المسألة لا يفي بذلك جدّا بحيث لا ينبغي الارتياب فيه، فيستكشف به مرادهم، و أنّه ليس ما يظهر من كلماتهم في بادئ النظر؛ لأنّ ما دلّ على جواز الإغناء محمول على الإغناء المتعارف الذي لا يلزم معه الإجحاف جدّا، و رواية أبي بصير (2) أيضا لا دلالة فيها على جواز الإجحاف أصلا؛ لأنّ التوسعة بما في الرواية ليست خارجة من المتعارف،

____________

(1). كذا في الأصل، و لعلّها: «الفقير».

(2). الكافي، ج 3، ص 556؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 289- 290.

570

و كذا المرسل عن العلل، فإنّه لا دلالة فيه على جواز الإجحاف؛ فإنّ عشر آلاف في حقّ كثير من الأشخاص لا تزيد عن التوسعة المتعارفة بحيث يلزم إجحاف على النوع، فتدبّر.

و دعوى أنّها من باب المثال و إلّا فالمقصود جواز إعطاء مئونته و أيّ مقدار، كما ترى، هذا.

بل في بعض الروايات دلالة على عدم جوازه، و هو ما روي- في الصحيح- عن الصادق (عليه السّلام) في الرجل يجتمع عنده الزكاة يشتري بها نسمة يعتقها؟ فقال: «إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم» ثمّ مكث مليّا ثمّ قال: «إلّا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه و يعتقه» (1) فإنّ في قوله: «إذا يظلم قوما آخرين» دلالة واضحة على لزوم مراعاة الإجحاف في إعطاء الزكاة، سواء قلنا بأنّ المراد من الظلم في المقام معناه الحقيقي أو المجازي [و] إن كان ظاهره خلاف الإجماع؛ نظرا إلى أنّ وجود الكراهة في بعض صور الدفع ملازم لوجود الحرمة بالنسبة إلى ما فوقه.

هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- في تقريب الاستدلال بالرواية، و هو لا يخلو عن مناقشة.

فالحاصل أنّه لا ينبغي الارتياب في عدم ظهور الفتاوى و النصوص في جواز إعطاء ما يلزم معه الإجحاف ببعض الفقراء.

و القول بأنّ وضع الزكاة- إذا قلنا بعدم وجوب البسط كما عليه الإجماع- على جواز الإجحاف حيث إنّ لازمه حرمان صنف أو أصناف من المستحقّين كما ترى، كالقول بظهور كلام في السرائر (2) في جواز الإجحاف، حيث إنّه حكم بجواز إعطاء‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 557؛ التهذيب، ج 4، ص 100؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 292.

(2). السرائر، ج 1، ص 463.

571

ما شاء و لو كان قنطارا، فإنّ للقنطار إطلاقات عديدة لا يلزم الإجحاف مع أكثرها فكيف يمكن حمل كلامه على ما يلزمه إلّا بعد العلم بمذهبه فيما هو ظاهر القنطار، أو العلم بإرادته ما يلزم الإجحاف في المقام؟ و مجرّد كونه في مقام الترقّي حيث إنّه قال (1): «و لو كان قنطارا» لا يجدي كما لا يخفى.

نعم، جواز إعطاء ما دونه مع الإجحاف بشخص الفقير بعدم إعطائه شيئا لا ينبغي الارتياب فيه بالنظر إلى النصّ و الفتاوى.

فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّ ما ذكره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2) من أنّ لازم القول بجواز إعطاء الزائد على مئونة السنة مستلزم للقول بجواز إعطاء ما يلزم معه الإجحاف على الفقير المنافي لحكمة تشريع الزكاة، حيث إنّها لمدخليّة الفقراء و ما يعلم بالضرورة من مذاق الشرع لا معنى له؛ لأنّ أحدا لا يلزم بجواز ما ذكر، هذا.

ثمّ إنّ مورد لزوم الإجحاف فيها و عدمه كثيرا ما يشتبه، و لا يبعد الرجوع إلى إطلاق كلمات الأصحاب و الأخبار فيها؛ لأنّ الشكّ في مقدار المخرج حقيقة و إن كان مسبّبا عن تردّد مفهوم المخرج، فيتعيّن الرجوع إلى الإطلاقات لا إلى الأصل العملي، فتدبّر.

رابعها: إنّك قد عرفت من تضاعيف ما قدّمنا أنّ مئونة السنة ليس لها حدّ مضبوط،

بل يختلف باختلاف الأشخاص و الأمكنة و الأزمان، و هذا ممّا لا إشكال فيه، بل لا خلاف فيه، و الظاهر أنّه إذا صار بعض الأقارب ممّن لا تجب نفقته على الرجل عيالا للشخص كانت مئونته مئونة السنة، كما أنّه إذا جرت عادته على الضيافة ما لم يبلغ حدّ الإسراف تحتسب الضيافة من مئونة السنة و هكذا، و الميزان ما ذكرنا ثمّ ثمّة فراجع.

____________

(1). قال في السرائر، «و ليس لأكثر ما يعطي الفقير حدّ محدود، بل إذا أعطاه دفعة واحدة فجائز له ما أراد و لو كان ألف قنطار».

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 318.

572

[في سماع دعوى الفقير]

قوله (قدّس سرّه): و لو ادّعى الفقر، فإن عرف صدقه أو كذبه عومل بما عرف منه و إن جهل الأمران أعطي من غير يمين سواء كان قويّا أو ضعيفا (1) (1).

____________

أقول: لا يخفى أنّ الكلام في المسألة يقع في موضعين:

أحدهما: فيما لو ادّعى من جهل حاله الفقر مع عدم العلم بغنى له في السابق.

ثانيهما: فيما لو ادّعاه مع العلم به في الزمان السابق.

أمّا الكلام في الموضع الأوّل [فيما لو ادّعى من جهل حاله الفقر مع عدم العلم بغنى له في السابق.]

فحاصله أنّ المشهور بين الأصحاب شهرة محقّقة كادت تكون إجماعا أنّه تسمع دعواه الفقر، سواء كانت بالقول أو بالفعل مطلقا، سواء كان قويّا أو ضعيفا، بل نفى الخلاف عنه بعض الأصحاب، بل في المدارك: «أنّه المعروف من مذهب الأصحاب» (2) بل ظاهر المصنّف في المعتبر (3) و الفاضل في جملة من كتبه (4) على ما يحكى الإجماع عليه.

نعم، استشكل فيه بعض المتأخّرين كصاحب المدارك (5) و غيره، للمناقشة فيما أقاموه دليلا على المسألة، و عن المبسوط: «لو ادّعى القويّ الحاجة إلى الصدقة لأجل‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 120.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 201.

(3). المعتبر، ج 2، ص 568.

(4). راجع مختلف الشيعة، ج 3، ص 222؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 526؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 244؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 412.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 202.

573

عياله، ففيه قولان: أحدهما: يقبل قوله بلا بيّنة. و الثاني: لا يقبل إلّا ببيّنة؛ لأنّه لا يتعذّر، و هذا هو الأحوط» (1). انتهى.

لكن عن المختلف: «الظاهر أنّ مراد الشيخ (رحمه اللّه) بالقائل من الجمهور» (2). هذا.

و استدلّوا له بوجوه كثيرة.

منها: الأصل، و لا ينافي العلم في الغالب بحصول مال لكلّ أحد؛ لأنّ مجرّد العلم بوجود المال لا يكفي في رفع اليد عن مقتضى الأصل، و إنّما يجدي العلم بسبق الغنى كما لا يخفى.

نعم، أورد عليه شيخنا- دام ظلّه- أوّلا: بأنّا نعلم بأنّه ليس مستند المشهور جدّا، كيف!؟ و هم لا يفرّقون بين المسبوق بالغنى و غير المسبوق به، و مع ذلك يعبّرون بسماع دعوى المدّعي و نحوه الظاهر في طريقيّة قوله و دعواه.

نعم، التمسّك به في الموضع الأوّل لو تمسّك به متمسّك لا ضير فيه من غير أن ينسبه إلى المشهور.

و ثانيا: بأنّ لازم التمسّك بالأصل جواز الإعطاء من دون دعوى أيضا و لم يلتزم به أحد إلّا بعض المتأخّرين، و هو كما ترى. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الإعطاء من دون دعوى موجب للعلم بلزوم المخالفة الكثيرة في أكثر الموارد فلا يجوز فتدبّر و أنّه خلاف الإجماع، فتأمّل.

هذا كلّه، مضافا إلى ما ذكره بعضهم من أنّه لا فرق بين المقام و بين دعوى الكتابة أو الغرم؛ لأنّ الكلّ من واد واحد، كما يظهر من كلماتهم، مع أنّه لا أصل فيهما حتّى يتمسّك به، بل هما على خلاف الأصل، كما لا يخفى.

و منها: ما تمسّك به جماعة من أنّ الأصل في كلّ دعوى لا معارض لها السماع‌

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 247. (مع اختلاف في صدره).

(2). مختلف الشيعة، ج 3، ص 223.

574

بالإجماع و الأخبار، ففي خبر منصور بن حازم عن الصادق (عليه السّلام): «قلت (له): عشرة كانوا جلوسا و (في) وسطهم كيس و فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا أ لكم هذا الكيس؟ فقالوا كلّهم: لا، و قال واحد [منهم]: هو لي، فلمن هو؟ فقال: هو للذي ادّعاه» (1) فإنّ الظاهر منه كون الوجه في سماع قوله نفس دعوى مع عدم المعارض له فيتعدّى منه.

بل قد يقال: إنّ الزكاة بعد أن أوجبها الشارع و ملكها الفقراء صارت كالمال المطروح، فمن ادّعى أنّه من أهلها أخذ منها، هذا.

و عن الحدائق أنّه: «يستفاد من هذا الخبر أنّ كلّ من ادّعى ما لا يد عليه قضي له، و بذلك صرّح الأصحاب من غير خلاف ينقل» (2) و نصوص البيّنة ظاهرة في الدعوى المقابلة بالإنكار بقرينة قوله فيها. «و اليمين على من أنكر» (3) أو: «من ادّعي عليه» (4) و لعلّه مراد ثاني الشهيدين فيما ذكره فيما حكي عنه بعد نقل رواية الكيس دليلا للحكم من: «أنّه مع [عدم] المنازع لا وجه لمنع المدّعي منه و لا لطلب البيّنة و لا لإحلافه؛ إذ لا خصم له» (5). انتهى، هذا.

و أورد عليه شيخنا- دام ظلّه- وفاقا لبعض: بأنّ التمسّك بهذا الوجه في غاية الضعف؛ لأنّ الحكم باعتبار البيّنة في المقام إنّما هو من جهة تعلّق التكليف بالزكاة و إيصال المال إلى الفقير الواقعي فلا مردّ حينئذ عن هذا التكليف إلّا بعد إحراز ما‌

____________

(1). الكافي، ج 7، ص 422؛ التهذيب، ج 6، ص 292؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 273- 274.

(2). الحدائق الناضرة، ج 12، ص 165.

(3). وسائل الشيعة، ج 27، ص 293؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 244 و 453، ج 2، ص 258 و 345، ج 3، ص 523.

(4). الكافي، ج 7، ص 415؛ الفقيه، ج 4، ص 99؛ التهذيب، ج 6، ص 229؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 223 و 244.

(5). مسالك الأفهام، ج 14، ص 76.

575

يتعلّق به التكليف و لو بالنظر في الشرعيّة كما هو الشأن في جميع الموضوعات التي تعلّق بها الأحكام، كالعدالة و الاجتهاد و الإسلام و نحوها، فإن قامت البيّنة الشرعيّة على ثبوت هذا الموضوع في مورد جاز الدفع كفاية في سائر الموضوعات، و إن لم تقم البيّنة فإن وجد غيرها من الطرق الشرعيّة هناك- و لو كان هو اليمين على القول باعتبارها في غير مقام الداعي بالنظر إلى عموم قوله: «من حلف لكم باللّه فصدّقوه» (1) و غيره ممّا دلّ على وجوب تصديق الحلف باللّه على الإطلاق، نحو ما دلّ على وجوب تصديقه على الإطلاق و إن كان خلاف ظاهر كلماتهم، و التحقيق، كما بيّنّاه مشروحا في باب القضاء (2)، و إن كان شيخنا- دام ظلّه- يميل إلى العموم بعض الميل في المقام- فهو، و إلّا فلا يجوز الإعطاء من جهة عدم إحراز الموضوع، لا من جهة أنّ إقامة البيّنة تكليف لمن يدّعي الفقر أو أنّ مطالبتها تكليف لأحد حتّى يقال باختصاص مطالبة البيّنة و اليمين بموارد الخصومة.

و بالجملة، دعوى الفقر لا تؤثّر شيئا لا في مطالبة البيّنة و لا في إحلاف المدّعي، و إنّما يحكم بوجوب إحراز عنوان الفقر و لو بالطرق الشرعيّة، هذا.

و أمّا دعوى استفادة الأصل المذكور من رواية الكيس (3) فهي كما ترى.

و أضعف منه إدراج الفرض موضوعا فيها، و غاية ما هناك إشعار الرواية بالعموم، و أين هذا من الظهور، هذا.

مع أنّك قد عرفت أنّ الفرض لا تعلّق له بمسألة سماع دعوى لا معارض لها، و إلّا لجاز القول بسماع دعوى كلّ شي‌ء من كلّ أحد لا معارض لها، فافهم.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين كون المدّعي عادلا أو فاسقا؛ لعدم قيام الدليل على‌

____________

(1). الفقيه، ج 3، ص 62.

(2). كتاب القضاء، ج 1، ص 528 و ...

(3). المتقدّمة.

576

وجوب تصديق العادل عن كلّ ما يخبر عنه و لو كان ممّا يرجع إلى نفسه. هذا، مع أنّ أحدا لم يفرّق بينهما.

و منها: ما تمسّك به الأكثر من أنّ الأصل في كلّ دعوى لا تعلم إلّا من قبل المدّعي و لا طريق إليها غالبا من الخارج و يتعذّر الاطّلاع عليها في الغالب السماع.

و هذا هو المراد من تمسّكهم بتعذّر إقامة البيّنة، فإنّ المقصود منه التعذّر في الغالب [الذي] تمسّكوا به في موارد لا تحصى كثرة قد ورد الأخبار في جملة منها، كدعوى المرأة عدم الزوج لها، و دعوى المرأة المطلّقة ثلاثا حصول التحليل، و دعوى الإخراج ممّن كان عليه خمس أو زكاة، و دعوى الإبدال فرارا عن الزكاة، و دعوى النقصان عند الخرص، و غير ذلك من المواضع التي ذكرها ثاني الشهيدين (1) ما زيد على عشرين، و قال: «و ضبطها بعضهم بأنّ كلّ ما كان بين العبد و بين اللّه، أو لا يعلم إلّا من قبله و لا ضرر فيه على الغير، أو ما تعلّق بالحدّ أو التعزير» (2) فإنّه و إن ورد في بعض هذه الموارد ما يدلّ على عدم السماع إلّا أنّ بناء المشهور على العمل بما يدلّ على السماع كما في دعوى المرأة حصول التحليل، هذا.

و مستند هذا الأصل- مضافا إلى إمكان دعوى الاستقراء- ما استفيد من قوله في مقام التعليل للحكم بسماع دعوى المرأة عدم الزوج لها: (هل تعلم من بين لابتيها أنّ لها زوجا؟) (3) فقد علّل الحكم بتعسّر الاطّلاع على الزوج، هذا.

و قد أورد عليه بعض المشايخ بأنّا نعلم بمنع المستند لهذا الأصل على وجه يقضي بالعموم بحيث يشمل المقام و أمثاله؛ فإنّ أكثر ما ورد فيه الأخبار تكون‌

____________

(1). مسالك الأفهام، ج 13، ص 500- 503.

(2). مسالك الأفهام، ج 13، ص 503.

(3). حكى الشيخ في كتاب الزكاة، ص 276، ما يقرب منه و لم نعثر عليه بعينه، و جاء في التهذيب، ج 7، ص 245؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 32، ما يفيد هذا المعنى.

577

الدعوى فيها على طبق الأصل، لا على خلافه، كما في دعوى عدم الزوج أو الإعسار فيما لم يعلم سبق مال، إلى غير ذلك، هذا.

و هو كما ترى، فالذي يقتضيه الإنصاف إمكان دعوى استفادة الأصل من الروايات و كلمات الأصحاب و إن ناقشنا في عموم موارده في باب القضاء (1)، لكنّ الظاهر كونه من المسلّمات عندهم؛ لأنّا ذكرنا مرارا أنّ الموضوعات التي تترتّب عليها الأحكام الشرعيّة مختلفة من حيث ثبوتها بالطرق في الشرع عند الأصحاب، ففي بعضها: لا يكتفى إلّا بأربعة شهود عدول، و في بعضها: يكتفى بالبيّنة و اليمين و الشاهد و اليمين أو المرأتين و غيرهما في الجملة على سبيل الترتيب كما في الماليّات، و في بعضها: يكتفى باليمين من المدّعي كما في الدماء و يجعل أصلا على عكس الماليّات، و في بعضها: يكتفى بشهادة المرأة الواحدة، و في بعضها: يكتفى بشهادة الكافر، و في بعضها: يكتفى بدعوى المدّعي مع اليمين كما في الأمانات، و في بعضها: يكتفى بدعوى المدّعي من دون الافتقار إلى شي‌ء آخر، كما فيما يتعذّر العلم به غالبا.

و منها: لزوم الضرر على الفقراء غالبا لو لم يسمع دعوى الفقر.

و منها: لزوم الحرج عليهم.

و هما كما ترى.

و منها: جملة من الأخبار الدالّة على هذا المعنى:

منها: ما روي من قوله (عليه السّلام): «اعط السائل و لو كان على ظهر فرس» (2).

و منها: ما رواه عبد الرحمن عن الصادق (عليه السّلام): «قال: جاء رجل إلى الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و هما جالسان على الصفا، فسألهما، فقالا: إنّ الصدقة لا تحلّ إلّا في‌

____________

(1). راجع كتاب القضاء، ج 1، ص 517 و ...

(2). الكافي، ج 4، ص 15؛ التهذيب، ج 4، ص 110؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 417.

578

دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع، ففيك شي‌ء من هذا؟ قال: نعم، فأعطياه. و قد كان الرجل سأل عبد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر فأعطياه و لم يسألاه عن شي‌ء، فرجع إليهما فقال [لهما]: ما بالكما لم تسألاني عمّا سألني عنه الحسن و الحسين (عليهما السّلام)؟ و أخبرهما بما قالا، فقالا: إنّهما غذيّا بالعلم غذاء» (1) و كأنّهما قد علما عدم كونه من الأصناف الاخر.

و منها: النبوي العامي (2) الذي تمسّك به العلّامة في محكيّ النهاية (3)، و هو قريب بحسب المضمون لما رواه عبد الرحمن، و ضعف الأسانيد منجبر بالشهرة، قيل: بل الدلالة منجبرة بها، و هو كما ترى، هذا.

و أمّا الرواية الاولى فهي كما ترى، و أمّا الرواية الثانية فقد أورد شيخنا- دام ظلّه العالي- على الاستدلال بها بأنّه لا ظهور له في إرادة الصدقة الواجبة و لو من جهة العموم أو الإطلاق، بل الظاهر منها خصوص الصدقة المستحبّة، فإنّ الاستدلال بها إن كان من جهة أنّ المسؤول هي الصدقة الواجبة- أعني الزكاة- ففيه ما لا يخفى، و إن كان من جهة قولهما: «إنّ الصدقة لا تحلّ» نظرا إلى أنّ المسؤول لو لم يكن الصدقة الواجبة لم يكن معنى لما ذكر من الكلّيّة؛ لجواز إعطاء غير الفقير الصدقة المستحبّة، فبملاحظته يظهر أنّ المسؤول الصدقة الواجبة، ففيه أيضا ما لا يخفى؛ لأنّ المراد بالصدقة في الرواية المعنى الظاهر منها عرفا عند الإطلاق، و هي التي تدفع إلى خصوص الفقير و إن كانت مستحبّة، فاعتبار كون السائل الآخذ فقيرا مأخوذ في‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 47؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 211.

(2). إنّ رجلين أتيا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو يقسّم الصدقة فسألاه شيئا منها فصعد بصره فيهما و صوّبه و قال لهما: «إن شئتما اعطيتكما و لا حظّ فيها للغني و لا لقويّ مكتسب». سنن النسائي، ج 5، ص 99- 100؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 7، ص 14؛ كنز العمال، ج 6، ص 609، ح 17088.

(3). نهاية الإحكام، ج 2، ص 381.

579

مفهومها و من هنا استدلّ الأصحاب بالأمر بالتصدّق في مجهول المالك على اعتبار الفقر في المتصدّق عليه لا ما جعلها الفقهاء في كتب الفقه أعمّ من الواجبة، و من المعلوم أنّ الصدقة بهذا المعنى لا يجوز للسائل أخذها إن لم يكن فقيرا و لو كانت مستحبّة كما هو ظاهر.

و الرواية إنّما دلّت على ... (1) لمن لم يكن فقيرا إلّا لعدم جواز الإعطاء كما هو واضح. و الفرق بينهما لا يكاد يخفى، فهذه الكلّيّة لا تدلّ على إرادة الزكاة من الصدقة و إن كان من جهة تنويع المستحقّ، نظرا إلى اختصاصه بالزكاة و إن لم يذكر جميع أصناف المستحقّين؛ لما عرفت سابقا، أو غيره من الوجوه التي يعلمها الإمام (عليه السّلام)، كما أنّ مرجع العنوانين الأوّلين إلى الفقر حقيقة و أنّ للفقر فيها جهة مخصوصة، فلا ظهور للرواية في المدّعى أصلا، بل الظاهر من الرواية عند التحقيق هو خصوص ما دفعها إلى السائل، نظرا إلى ما روي من كمّيّة الصدقة و أنّه كان أربعة آلاف دينار، و لا يجمع عندهما به من الزكاة هذا المقدار لا من مال أنفسهما و لا ممّا يدفع الناس إليهما، لأنّه لو كان أقلّ قليل (2)، و إلى التسامح في الصدقات المستحبّة بما يتسامح في الصدقات الواجبة، و من هنا يدفع إلى الرجل على ظهر فرسه. هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- في الجواب عن الاستدلال بالروايات.

و الإنصاف أنّ ظهورها مع ذلك لا ينبغي إنكاره، هذا.

و منها: ما في كلام بعض من التمسّك بالسيرة؛ إذ بناء الناس حتّى العلماء في كلّ عصر و مصر على إعطاء الزكاة من دون مطالبة بيّنة من المدّعي، بل الأمر كذلك بالنسبة إلى النبيّ و الأئمّة، فإنّه لم يعهد منهم ذلك، بل الظاهر من الأخبار الواردة في الصدقات الواجبة و المندوبة قولا و فعلا خلاف ذلك، هذا.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل جملة غير مقروءة.

(2). كذا في الأصل.

580

و هو كما ترى.

و منها: ما تمسّك به بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب- بعد الإشكال في أكثر الوجوه المتقدّمة، و لم أر ذكره في كلام غيره- من: «أنّ الثابت من التكليف إيتاء الزكاة لا إيتاؤها للفقير مثلا، و قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ (1) إلى آخره، لا يفيد إلّا كونها لهم في الواقع دون غيرهم، لا أنّ المكلّف يجب عليه إحراز الصفات في الدفع، و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا تحلّ الصدقة لغنيّ» (2) إنّما يفيد مانعيّة الغني لا شرطيّة الفقر في الدفع و الإيتاء، و فرق واضح بينهما، فالزكاة في يد من كانت مكلّف بدفعها و أمّا من تناولها فإن عرف أنّه من أهلها فهي حلال له، و إلّا فحرام عليه؛ لأنّها مال اللّه و ليس لأحد مدخليّة فيها، فهي في الحقيقة كالمال المطروح الذي لا يد لأحد عليه» (3). هذا كلامه.

و هو كما ترى لا محصّل له.

أمّا أوّلا: فلأنّه إذا فرض إهمال ما دلّ على وجوب إيتاء الزكاة من الآيات من حيث المالك و دلّ قوله: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ الآية، مع كون مالك الزكاة من في الآية، و لا مناص عن الحكم بإرادة الإيتاء إليهم.

فإن قيل: إنّ وجوب الإيتاء لا يلزم الدفع إلى أحد، فهو كلام لا معنى له أصلا.

و بالجملة، كلّما نتأمّل لا نفهم معنى لما أفاده (قدّس سرّه)، و هو أدرى بما قال.

و أمّا ثانيا: فلأنّه إذا دلّت الآية على كون المالك و المستحقّ الأصناف السبعة فكيف يقال بأنّ المستفاد من الأدلّة مانعيّة الغنى لا شرطيّة الفقر.

و أمّا ثالثا: فلأنّه لا ثمرة بين جعل الفقر شرطا أو الغنى مانعا، فإنّ الفقر عبارة عن عدم الغنى على ما أسمعناك سابقا من أنّ الفقر عبارة عن عدم تملّك مئونة السنة، فهو‌

____________

(1). التوبة (9): 60.

(2). الفقيه، ج 3، ص 177؛ التهذيب، ج 4، ص 51؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 231- 234.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 323- 324.

581

أيضا موافق للأصل، فلا ثمرة هنا في جعل الفقر شرطا و الغنى مانعا، و إن كان التحقيق كون الغنى مانعا نظرا إلى أنّه أمر وجوديّ يلزم من وجوده العدم، لا كون الفقر شرطا؛ لأنّه أمر عدميّ.

و أمّا رابعا: فلأنّ مرجع ما ذكره (قدّس سرّه) إلى التمسّك بالأصل عند التحقيق؛ لأنّ المانع هو الغنى الواقعي، ففي صورة الشكّ لا بدّ من الرجوع إلى الأصل و قد أبطل التمسّك بالأصل ممّا تقدّم من كلامه، و على تقدير صحّته أيضا لا وجه لجعله دليلا في قبال الأصل، مع ما في كلامه من عدم وضوح المقصود، كما لا يخفى، هذا.

و منها: ما تمسّك به شيخنا- دام ظلّه العالي- بعد المناقشة في الوجوه المذكورة من الأخبار الواردة في بيان مصرف النذر للكعبة أو الوصيّة لها، و لم أر التمسّك بها في كلام أحد من الأصحاب، و هي كثيرة:

منها: ما رواه موسى بن القاسم عن عليّ بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن (عليه السّلام)، قال:

«سألته عن رجل جعل جاريته هديا للكعبة، كيف يصنع (بها)؟ فقال: إنّ أبي (عليه السّلام) أتاه رجل قد جعل جاريته هديا للكعبة، فقال له: قوّم الجارية أو بعها ثمّ مر مناديا يقوم على الحجر فينادي: ألا من قصرت [به] نفقته أو قطع به طريقه أو نفد [به] طعامه، فليأت فلان بن فلان، و مره أن يعطي أوّلا فأوّلا حتّى ينفد ثمن الجارية» (1).

و منها: ما عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، قال: «أخبرني ياسين، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: إنّ قوما أقبلوا من مصر فمات رجل فأوصى (إلى رجل) بألف درهم للكعبة فلمّا قدم [الوصي] مكّة فسأل (عن ذلك) فدلّوه على بني شيبة، فأتاهم فأخبرهم الخبر، فقالوا: قد برئت ذمّتك، فادفعها إلينا، فقام الرجل فسأل الناس فدلّوه على أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليه السّلام)، قال أبو جعفر (محمّد بن علي (عليه السّلام)): فأتاني فسألني‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 242 و 543؛ التهذيب، ج 5، ص 440 و 483، ج 9، ص 214؛ وسائل الشيعة، ج 13، ص 247 و 250، ج 19، ص 392.

582

فقلت (له): إنّ الكعبة غنيّة عن هذا، انظر إلى من أمّ هذا البيت و قطع [به] أو ذهبت نفقته أو ضلّت راحلته أو عجز أن يرجع إلى أهله فادفعها إلى هؤلاء الذين سمّيت لك، قال:

فأتى الرجل بني شيبة فأخبرهم بقول أبي جعفر (عليه السّلام)، فقالوا: هذا ضالّ مبتدع ليس يؤخذ عنه و لا علم له، و نحن نسألك بحقّ هذا (البيت) و بحقّ كذا و كذا (و إنّك) لما أبلغته عنّا هذا الكلام، قال: فأتيت أبا جعفر (عليه السّلام) فقلت له: لقيت بني شيبة فأخبرتهم فزعموا أنّك كذا و كذا و أنّك لا علم لك ثمّ سألوني باللّه العظيم ألّا بلّغتك ما قالوا، قال:

و أنا أسألك بما سألوك لمّا أتيتهم، فقلت لهم: إنّ من علمي لو ولّيت شيئا من أمور المسلمين لقطعت أيديهم ثمّ علّقتها في أستار الكعبة ثمّ أقمتهم على المصطبّة ثمّ أمرت مناديا ينادي: ألا إنّ هؤلاء سرّاق اللّه فاعرفوهم» (1).

و المستفاد من الحديث الشريف اللائح منه آثار الصدق أنّ الصرف على الكعبة مقدّم على المصارف المذكورة؛ لأنّه معنى تعليله بغنائها، و لا يبعد أن يكون من مصارف الكعبة المقدّمة على سائر المصارف، و الصرف على خدّامها القائمين بأمرها، لا مثل بني شيبة، و يتعدّى من الكعبة إلى مشهد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و مشاهد الأئمّة (عليهم السّلام)؛ لأنّ المشهد يعني (2). هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي-.

و يمكن المناقشة فيه بأنّه يحتمل أن يكون المراد من غناء الكعبة غير استغنائها الظاهري من جهة عدم كونها مخروبة، فإنّه إخبار عن أمر معنوي، كما يظهر من بعض الروايات الآتية، لا عن أمر ظاهريّ، فتدبّر.

و منها: ما رواه سعيد بن عمرو الجعفي: «عن رجل من أهل مصر، قال: أوصى [إليّ] أخي بجارية كانت له مغنّية فارهة و جعلها هديا لبيت اللّه الحرام، فقدمت مكّة‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 241- 242؛ التهذيب، ج 9، ص 212- 213؛ وسائل الشيعة، ج 13، ص 249. (مع اختلافات عديدة).

(2). كذا في الأصل.

583

فسألت فقيل (لي): ادفعها إلى بني شيبة، و قيل لي غير ذلك من القول، فاختلف عليّ فيه، فقال لي رجل من أهل المسجد: ألا أرشدك إلى من يرشدك في هذا إلى الحقّ؟

قلت: بلى، قال: فأشار إلى شيخ جالس في المسجد فقال: هذا جعفر بن محمّد (عليه السّلام) فسله، قال: فأتيته (عليه السّلام) فسألته و قصصت عليه القصّة، فقال: إنّ الكعبة لا تأكل و لا تشرب، و ما اهدي لها فهو لزوّارها، بع الجارية [و قم] على الحجر فناد: هل من منقطع، و هل من محتاج من زوّارها، فإذا أتوك فسل عنهم و أعطهم و اقسم فيهم ثمنها، قال: فقلت له: إنّ بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة؟ فقال: أما إنّ قائمنا لو قد قام لقد أخذهم و قطع أيديهم و طاف بهم، و قال: هؤلاء سرّاق اللّه» (1).

إلى غير ذلك من الروايات، و دلالة غير الأخير منها على الإعطاء من دون فحص عن حال الرجل من الخارج و الاكتفاء بدعواه و لو فعلا، ظاهرة ... (2) منه عدم جواز الإعطاء إلّا بعد سؤال أحوالهم عن الناس؛ لأنّ الأمر بسؤالهم غير الأمر بسؤال غيرهم، فلا بدّ من أن يرفع اليد به عن ظهور الأخبار المتقدّمة في جواز الإعطاء من دون سؤال، عن الخارج، هذا.

و أجاب شيخنا- دام ظلّه- عن هذا التوهّم بأنّ الظاهر من المفعول المحذوف في الرواية نفس المدّعين لا غيرهم؛ لأنّ المذكورين في الروايات من المحتاجين ليست حاجتهم على جهة واحدة، فإنّ المنقطع يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه من فقد راحلته، و هكذا، بل ذو وصف واحد يختلف باختلاف أشخاصه كما لا يخفى، فالسؤال في الرواية محمول على ما لا بدّ منه عادة من سؤال كلّ شخص عن قدر حاجته، هذا.

مع أنّه على تقدير تسليم عدم ظهوره فيما ذكرنا فلا ريب في عدم ظهوره أيضا فيما يوجب سقوط الاستدلال بالمطلقات، فيجب العمل بها؛ لما تقرّر في محلّه من أنّ‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 242- 243؛ وسائل الشيعة، ج 13، ص 251- 252.

(2). مكان النقاط في الأصل جملة غير مقروءة.

584

المردّد بين المقيّد و غيره و المخصّص و غيره لا يوجب إجمال المطلق و العموم، بل لا يبعد العكس و رفع اجمالهما بيان للمطلق و العامّ، كما تقرّر في محلّه، هذا.

ثمّ إنّه ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- في تقريب الاستدلال بها مع اختصاصها بما لا دخل له بالمقام أنّ المناط منقّح على سبيل القطع فيتعدّى من مواردها إلى المقام و أشباهه من دعاوي الغرم و ابن السبيل و الفقر في الوصيّة و الخمس إلى غير ذلك و إن لم يجز التعدّي منها إلى كلّ مورد تعلّق الحكم بأمر واقعي إذا ادّعاه أحد، فتدبّر.

و من هنا لا نسمع دعوى العدالة و نحوها. هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه- و هو لا يخلو عن إشكال.

و من [هنا] قال- دام ظلّه- لكنّ [الظاهر] (1) من النصّ و الفتاوى صورة حصول الظنّ من دعوى المدّعي و لو من جهة عدالته و الاحتياط يقتضي عدم التعدّي فيها.

و قد وافق في ذلك صاحب المدارك و غيره، قال في المدارك: «و المسألة محلّ إشكال، من اتّفاق الأصحاب ظاهرا على جواز الدفع إلى مدّعي الفقر إذا لم يعلم له أصل مال من غير تكليف له ببيّنة و لا يمين، و ورود بعض الأخبار بذلك، و كون الدعوى موافقة للأصل، و استلزام التكليف بإقامة البيّنة على الفقر الحرج و العسر في أكثر الموارد، و من أنّ الشرط اتّصاف المدفوع إليه بأحد الأوصاف الثمانية، فلا بدّ من تحقّق الشرط كما في نظائره، و الاحتياط يقتضي عدم الاكتفاء بمجرّد الدعوى إلّا مع عدالة المدّعي أو ظنّ صدقه» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و اورد عليه بأنّ عدالة المدّعي أو ظنّ صدقه لا تجديان في إثبات الدعوى، هذا.

و لكنّك خبير بأنّه بعد إرجاعه إلى ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- لا يتوجّه عليه الإيراد المزبور، كما لا يخفى، لكن لا وجه للأخذ بما هو المتيقّن بعد دلالة الأدلّة في‌

____________

(1). بدل ما بين المعقوفين في الأصل «النصّ». و الظاهر ما أثبتناه.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 202- 203.

585

صورة فقدان الظنّ، فراجع و تأمّل.

هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل،

و أمّا الكلام في الموضع الثاني- و هو ما لو كانت الدعوى مسبوقة بالغنى

- فالمشهور فيه أيضا على سماع دعوى المدّعي بمجرّدها.

و خالف فيه الشيخ (رحمه اللّه) فيما حكي عنه، فأوجب اليمين في أحد النقلين (1)؛ نظرا إلى كونه على خلاف الأصل فلا تسمع دعواه بمجرّده، و البيّنة (2) في النقل الآخر عنه (3).

و الذي يقتضيه أكثر ما تقدّم من الوجوه في الموضع الأوّل هو سماع دعواه في المقام أيضا، سيّما ما استدلّ به شيخنا- دام ظلّه العالي- من الروايات، فإنّ مواردها على خلاف الأصل جدّا، كدعوى الانقطاع أو نفاد الراحلة أو غير ذلك، و مستند الشيخ (رحمه اللّه) ضعيف، مع أنّ إيجابه الحلف لا معنى له أصلا، هذا.

____________

(1). كما حكى العاملي في المدارك، ج 5، ص 203؛ و في الجواهر، ج 15، ص 324.

(2). المبسوط، ج 1، ص 247 و 253.

(3). حكاه عنه في التذكرة، ج 5، ص 245؛ و التحرير، ج 1، ص 412؛ و الذخيرة، ج 3، ص 462.

586

[عدم وجوب إعلام الفقير أن المدفوع إليه زكاة]

قوله: و لا يجب إعلام الفقير أنّ المدفوع إليه زكاة، (1) إلى آخره (1).

____________

أقول: الزكاة لمّا كانت جهة عبادة و معاملة و هي تملّك الفقير جزءا معيّنا من المال أو إفراز حقّه فلا بدّ من قبول المدفوع إليه، لكن لا يعتبر القبول بعنوان الزكاة بل القصد إلى قبول ما أعطي و يكفي و إن اعتبر في الدفع كونه بعنوان الزكاة، فإنّ صيرورته زكاة و مبرئا لذمّة الدافع لا يتوقّف على القصد إلى القبول بعنوان الزكاة، هذا.

و يدلّ عليه بعض الأخبار أيضا، مضافا إلى القاعدة، مثل ما رواه أبو بصير:

«قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة فلا يسمّى له [فأعطيه من الزكاة و لا أسمّي له] أنّها من الزكاة؟ فقال: أعطه و لا تسمّ له و لا تذلّ المؤمن» (2). و هذا و إن كان معارضا ببعض الروايات الاخر إلّا أنّ العمل به متعيّن، هذا.

مع أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها فلا حاجة إلى تجشّم الاستدلال و التمسّك بالإطلاقات مع ما فيه. بل التحقيق أنّ قصد الخلاف من المدفوع إليه لا يقدح و إن اختار بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) عدم كفايته و جعله وجها للجمع بين الأخبار؛ لأنّ قصد الخلاف لا يوجب انتفاء أصل القصد إلى الملك، فما ذكرنا من الوجه يجري فيه.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(2). الكافي، ج 3، ص 564؛ الفقيه، ج 2، ص 13؛ التهذيب، ج 4، ص 103؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 315. و فيها: «فأعطيه من الزكاة و لا أسمّي له».

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 326- 327.

587

[ان دفع الزكاة على الفقير فبان غنيّا]

قوله: و لو دفعها إليه على أنّه فقير، فبان غنيّا ارتجعت (منه) [مع التمكّن]، إلى آخره (1) (1).

____________

أقول: الكلام في المقام يقع تارة في حكم الآخذ و اخرى في حكم الدافع.

أمّا الآخذ

فلا إشكال في حكمه التكليفي من عدم جواز الأخذ مع العلم بكونها زكاة إلّا أن يجهل الحكم مع عدم التقصير، و جوازه مع الجهل بكونها زكاة.

و أمّا حكمه من غير جهة التكليف فلو كانت العين باقية فلا إشكال في عدم دخولها في ملكه، و الاسترجاع فيه مع التمكّن مطلقا بحسب الواقع.

و أمّا بحسب الظاهر- بمعنى عدم علم الآخذ بكون المدفوع زكاة و عدم بيّنة له أصلا و إن كان خارجا عن محلّ البحث- فعن المصنّف في المعتبر (2) القطع بعدم جواز ارتجاع العين معلّلا بأنّ الظاهر كونها صدقة مندوبة، و كذا عن المنتهى (3) لكن معلّلا بأنّ الدفع محتمل للوجوب و التطوّع، و عن الأكثر الارتجاع.

و يرد على ما في المعتبر بأنّ الدفع لا ظهور له في شي‌ء، كما لا يخفى.

و على ما في المنتهى بأنّ الاحتمال لا يجدي إلّا في جواز الأخذ لا في عدم جواز الارتجاع بعد دعوى الدافع، و حمل فعل المسلم على الصحّة لا يجدي بعد ادّعاء الدافع خلافه، مع أنّه لا يعلم إلّا من قبله و عدم دعوى من الآخذ بخلافه، كالهبة‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(2). المعتبر، ج 2، ص 569.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 527.

588

و نحوها، فلا يقاس المقام بصورة التدليس في العقد و المعاملة، كما لا يخفى.

هذا كلّه فيما لو كانت العين باقية، و أمّا لو كانت تالفة أو ما في حكم التلف فلا إشكال في عدم ضمانه بل لا خلاف فيه فيما لو جاز الأخذ له، كما لو اعتقد عدم كونه زكاة أو جهل ذلك بقاعدة الغرور، كما في نظائره مثل الطعام الذي في يد من يتّجر لغيره.

و الوجه فيه: أنّ الإتلاف التسبّبي من الغارّ، فلا يرجع إلى المغرور المباشر، فلا إتلاف من حيث ضعفه، كما أنّه لا إشكال في فنائه فيما لو لم يجز الأخذ له، و الوجه فيه ظاهر.

هذا كلّه في حكم الآخذ من حيث التكليف و الوضع،

و أمّا الدافع

فلو كان الإمام على تقدير تجويز الخطأ في حقّه بالنسبة إلى الموضوعات أو نائبه الخاصّ أو العامّ، فلا إشكال في عدم ضمانه بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه كما في محكيّ جملة كتب العلّامة (1) و المعتبر (2) و غيرهما (3)، و الوجه فيه ظاهر من حيث كونهم أولياء فلا يؤثّر إتلافهم الضمان مع عدم التعدّي كما هو الشأن في جميع الأمانات الشرعيّة و المالكيّة الثابت بالنصّ و الإجماع.

هذا، مضافا إلى ما قيل من عدم تعقّل الضمان بالنسبة إليهم من حيث إنّ خطأهم في بيت المال المعدّ لاجتماع الزكاة و نحوها حتّى على القول بأنّ بيت المال ما أعدّ لاجتماع ما يصرف في مصالح المسلمين فيه؛ لأنّ الزكاة لا تختصّ بالفقراء بل تصرف فيما يرجع إلى المسلمين، فلا يعقل تضمينهم الراجع إلى تضمينهم لمال الفقراء لمال أنفسهم، هذا.

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 527.

(2). المعتبر، ج 2، ص 569.

(3). مجمع الفائدة، ج 4، ص 196؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 205.