كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
589

مع أنّ ضمان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السّلام) لا يعقل له معنى من جهة اخرى أيضا، هذا.

و استدلّ شيخنا- دام ظلّه العالي- له- وفاقا للعلّامة في محكيّ المنتهى (1)- بأنّ المأمور به واقعا في هؤلاء الدفع إلى من يظهر منه الفقر بمقتضى الآيات، فإذا كان الحكم الظاهري موضوعا في تكليفهم الواقعي فلا يعقل تضمينهم على تقدير خطأ الأمارة، كما هو الشأن في حقّ الوصيّ و الوكيل و نحوهما، هذا.

و استدلّ له في محكيّ المنتهى 2 أيضا بقاعدة الإجزاء، و سيأتي الكلام عليه.

هذا كلّه فيما لو كان الدافع غير المالك ممّن عرفت، و يلحق بهم الوكيل من المالك في الدفع.

و أمّا لو كان المالك فقد اختلفت كلمات الأصحاب في ضمانه و عدمه فيما لو دفعه مباشرة كما هو المفروض، لا فيما لو دفعه إلى الإمام أو من في حكمه، فإنّه لا يضمن جدّا من دون خلاف؛ لأنّ الدفع إلى وليّ الفقراء كالدفع إلى أنفسهم، و منه يعلم الفرق بينهم و بين وكيل المالك.

فعن المفيد 3 و أبي الصلاح 4 الحكم بضمانه مطلقا، سواء اجتهد أم لا.

و عن جماعة الحكم بعدم ضمانه مطلقا، منهم: المصنّف 5 و العلّامة في محكيّ القواعد 6 و بعض كتبه الاخر 7، و الشيخ (رحمه اللّه) 8، بل قيل: إنّه المشهور.

____________

(1) 1 و 2. منتهى المطلب، ج 1، ص 527.

(2) 3. حكى عنه العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 205؛ و الذخيرة، ج 3، ص 463؛ و الحدائق، ج 12، ص 169 و غيرهم. راجع المقنعة، ص 259.

(3) 4. حكي أيضا في المصادر السابقة. راجع الكافي في الفقه، ص 173.

(4) 5. شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(5) 6. قواعد الأحكام، ج 1، ص 348.

(6) 7. مختلف الشيعة، ج 3، ص 250.

(7) 8. المبسوط، ج 1، ص 261.

590

و عن أكثر المتأخّرين (1)- بل المشهور بينهم- الفصل بين صورتي الاجتهاد و عدمه، فحكموا بعدم الضمان في الاولى و بالضمان في الثانية.

و قبل ذكر أدلّة الأقوال ينبغي تأسيس القاعدة الواردة على أصالة براءة الذمّة التي هي أصل أوّليّ عمليّ أو الموافقة لما يتوهّم جريانه في المقام من استصحاب الشغل، فنقول: إنّه لا ينبغي الارتياب في أنّ قضيّة القاعدة الضمان مطلقا، كما لا يخفى، و ليس ما يحكم عليه من القواعد العامّة في المقام و إن كان موجودا في حقّ الإمام (عليه السّلام) و من في حكمه ممّن عرفت حتّى المالك من قاعدة الأمانة و غيرها ممّا عرفت، هذا.

و استدلّ للقول بالضمان مطلقا- مضافا إلى ما عرفت من القاعدة- بما رواه الحسين بن عثمان عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في رجل يعطي زكاة ماله رجلا، و هو يرى أنّه معسر فوجده موسرا؟ قال: لا يجزئ [عنه]» (2)، و إرساله لا يقدح مع كونه ممّن لا يرسل إلّا عن ثقة.

هذا كلّه، مضافا إلى اعتضاده بالاستصحاب و قاعدة الشغل.

و بما في صحيح أبي المغراء عن الصادق (عليه السّلام): «إنّ اللّه [تبارك و تعالى] أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم» (3).

و ما في غيره من الصحاح (4) و المعتبرة من أنّ الزكاة مخصوصة بأهلها حتّى أنّ المخالف بعد الاستبصار يقبل منه جميع عباداته في حال الضلال، سوى الزكاة، لأنّه‌

____________

(1). كالمسالك، ج 1، ص 411؛ مجمع الفائدة، ج 4، ص 196- 197.

(2). الكافي، ج 3، ص 545؛ الفقيه، ج 2، ص 30؛ التهذيب، ج 4، ص 51 و 102؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 215.

(3). الكافي، ج 3، ص 545؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 215 و 219.

(4). راجع وسائل الشيعة، ج 9، ص 214- 220.

591

وضعها في غير أهلها.

إلى غير ذلك ممّا يؤيّد المطلب، و لو إشعارا، هذا.

و استدلّ للقول بعدم الضمان مطلقا بوجهين:

أحدهما: ما استدلّ به جماعة كثيرة منهم: المصنّف في محكيّ المعتبر (1) من قاعدة الأمانة و الولاية حيث إنّ المالك أمين شرعا في حفظ الزكاة و إيصالها إلى أهلها، و له ولاية في جهات التصرّف، و من هنا لا يتعيّن عليه دفعها إلى وليّ العامّ، و يرتفع فيه الضمان بالعزل.

ثانيهما: ما يظهر من الشيخ (رحمه اللّه) (2) و جماعة ممّن تأخّر عنه و حكي (3) عن الشافعي أيضا من قاعدة الإجزاء حيث إنّه دفعه بالفرض بمقتضى الأمارة الشرعيّة و امتثل أمر الزكاة في الظاهر، فيكون مجزئا، هذا.

و قد يستدلّ له أيضا ببعض الروايات الآتية، بناء على بعض الوجوه في معناه، هذا.

و أورد شيخنا- دام ظلّه العالي- على الوجه الأوّل بأنّ التمسّك بقاعدة الأمانة و الولاية لا وجه له في المقام و إن كان وجيها بالنسبة إلى الحاكم؛ لأنّ مال الفقير ليس معيّنا حتّى يقال بأنّ دفعه دفع لمال الفقير حتّى يقال بعدم ضمانه، بل التحقيق أنّه دفع مال نفسه و لا يتشخّص المال للفقير إلّا بعد وصوله إلى يده أو يد من له ولاية عليه، و المفروض انتفاؤهما، و أمّا المالك فإنّما هو مأمور بإيصال جزء من ماله المملوك للفقراء إليهم و لا يفرز حقّهم و لا يصير جزءا من المال لهم على التعيّن إلّا بعد ما عرفت من تحقّق أحد الوصولين، و إلّا فالمدفوع من مال المالك.

____________

(1). راجع المعتبر، ج 2، ص 569. و لعلّه قائل بالتفصيل.

(2). المبسوط، ج 1، ص 261.

(3). راجع التذكرة، ج 5، ص 345.

592

و منه يظهر الفرق بين دفع المالك و دفع الحاكم.

و أمّا تخيير المالك في جهات الأداء فلا يقضي بأنّ مجرّد دفعه يجدي في رفع الضمان؛ لأنّه كدفع الوليّ، كما أنّه يعلم منه أنّ مسألة العزل لا ربط له في المقام كمسألة تلف تمام النصاب أو بعضه من دون تقصير في يد المالك، فإنّ القول بوجوب كون المعزول في حكم مال الفقير بعيد لا ربط له بالمقام، و التلف إنّما هو من المال المشترك، و هذا بخلاف المقام فإنّه من دفع مال نفسه إلى من زعم فقره بمقتضى الأمارة الشرعيّة، فهو كإتلاف بعض النصاب، و لهذا يحكم بأنّ مال الفقراء باق على حاله، و لا يحكم بتلف شي‌ء منه، هذا.

و أورد على الوجه الثاني- مضافا إلى ما حقّقه من عدم اقتضاء الأمر الظاهري الإجزاء- بأنّه لا دخل للمقام بمسألة الإجزاء.

أمّا أوّلا: فلأنّ عقد تلك (1) إنّما هو فيما إذا فرض له صحيح و فاسد، بمعنى يتصوّر فيه الإعادة حتّى يحكم بأنّ امتثال الواقع بمقتضى الأمارة يوجب سقوط الإعادة، و هذا إنّما يتصوّر فيما لو حصل من سلوك الأمارة خلل في المأمور به شطرا أو شرطا، لا فيما إذا كان المأتي به مباينا للمأمور به كلّيّا، كما إذا أتى بالحجّ بدل الصوم مثلا، أو أعطى المال زيدا باعتقاد اشتغال ذمّته بدينه مع كونه مشغول الذمّة لعمرو في الواقع.

و أمّا تمثيلهم في مسألة الإجزاء بمسألة صلاة الجمعة [و الظهر] أو القصر و الإتمام مع كونهما متباينين على التحقيق، فلا يقتضي تعميم العنوان؛ لأنّ المسألتين داخلتان في الأقلّ و الأكثر ... (2) لصدق الإعادة فيهما.

فإذا القول في المقام: إنّ إعطاء المال لغنيّ [ظاهره] الفقر ليس من الزكاة في شي‌ء؛ لأنّ الأمر إنّما تعلّق بإعطاء الفقير، و إعطاء الغنيّ مباين له جدّا؛ لانتفاء أصل‌

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

593

الموضوع معه. و لو أطلق على إعطاء الفقير الإعادة بعد إعطاء الغنيّ فهو ليس بمعناه المقصود في مسألة الإجزاء جدّا.

و بالجملة، لا ينبغي الارتياب في أنّ كلماتهم في مسألة الإجزاء لا تساعد على دخول مثل الفرض فيه.

و الذي يؤيّد ما ذكرنا- بل يدلّ عليه- اتّفاقهم على عدم كفاية المأتي به بالأمر الظاهري عن الواقع في المثال الفرض منها (1) ما لو دفع الملتقط اللقطة إلى من يدّعي ملكيّتها بمقتضى البيّنة مع يمين الخلاف، فإنّ ظاهرهم الاتّفاق على الضمان كما يظهر من الروضة و غيرها، إلّا أن يكون الدفع بحكم الحاكم الذي هو سبب أقوى من المباشر.

نعم، ربما يمكن أن يقال: «إنّ مقتضى بعض أدلّة القائلين- و هو حكومة أدلّة الأمارات على الواقع- هو الإجزاء في المقام و أشباهه ممّا تكون الأمارة فيه ناظرة إلى تحقيق ما هو الموضوع للحكم الشرعي، كدعوى الفقر في المقام و قيام البيّنة عليه، فيفرّق بين بعض 2 زيد الذي امرنا بإعطائه درهما مثلا بمقتضى الأمارة مع خطئها، و بين خطأ الأمارة عن حكم المولى و أمره بإعطاء عمرو مع أنّه [أمر] بإعطاء زيد في الواقع، هذا.

و أمّا ثانيا: فلأنّ مسألة الإجزاء لا تجري في التوصّليّات التي منها حقوق الناس، فإنّه ما لم يحصل الغرض من الأمر التوصّلي يكون الأمر باقيا بحاله اتّفاقا، بل هي مختصّة بالمقيّدات، فإذا أدّت الأمارة إلى طهارة الغالية مثلا ثمّ تبيّن عند المجتهد نجاستها بعد هذه لا يجوز له البناء على طهارة ما لاقاها في زمان وجود الأمارة على الطهارة على القول بالإجزاء، بل يجب عليه مع كلّ قول ترتّب أحكام النجاسة و البناء‌

____________

(1) 1 و 2. كذا في الأصل.

594

على نجاستها، و هكذا.

فإذا القول في المقام: إنّ الزكاة إذا كانت للفقراء و كانت من حقوق الناس كالدّين فلا معنى لابتناء الفرض على مسألة الإجزاء، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الزكاة و إن كانت من حقوق الناس إلّا أنّ الحقّ و الوضع فيها نافع للتكليف فإذا ارتفع الأمر التعبّدي بمقتضى قاعدة الإجزاء و ارتفع الجهة الوضعيّة أيضا بالتبع كما هو الشأن في جانب الثبوت أيضا، فلا بدّ إذا من ابتناء المسألة على ما أسمعناك في أوّل الكتاب من كون التكليف تابعا للوضع في الزكاة أو العكس فراجع ثمّة.

فالعجب إذا ممّن تمسّك بقاعدة الإجزاء في المقام مع ما عرفت.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- في وجه فساد التمسّك بقاعدة الإجزاء في المقام. و لكنّك خبير بإمكان المناقشة فيما أفاده- دام ظلّه- فإنّ مسألة الإجزاء ليست معنونة لبيان حال الأمارات القائمة على الموضوعات الخارجيّة فقط، بل تشمل الأمارات القائمة على الحكم الشرعي، كما اعترف به دام ظلّه.

و من هنا ابتنوا حكم تبدّل رأي المجتهد على مسألة الإجزاء، و من المعلوم أنّ هذه المسألة عامّة لما لو تبدّل الرأي إلى ما يباين الرأي الأوّل كلّيّة، و الأمارات القائمة على الحكم الشرعي كلّها تحكي عن الواقع، فلو بني على الإجزاء و حكومة الأمارات على الواقع لم يبق فرق، و من هنا تمسّك الأكثر بالإجزاء في المقام.

و أمّا الإعادة فهي كالتأدية ثابتة للشي‌ء في الأخبار على أداء الزكاة ثانية بعد دفعها إلى غير أهلها، فتدبّر.

نعم، الإيراد الثاني- و هو عدم جريان مسألة الإجزاء في التوصّليّات و حقوق الناس- في محلّه، فالعجب عمّن غفل عن هذا فتمسّك بقاعدة الإجزاء، فلعلّ بناءهم على كون الزكاة كسائر حقوق الناس أو على تبعيّة الحقّ فيها للحكم، فتأمّل، هذا.

و استدلّ للقول بالتفصيل بوجهين:

595

أحدهما: ما عن المصنّف في المعتبر (1) و العلّامة في المنتهى (2) من أنّ المالك أمين على الزكاة فيجب عليه الاجتهاد و الاستظهار في دفعها إلى مستحقّها.

ثانيهما: ما رواه الشيخ (رحمه اللّه)- في الحسن أو الصحيح- عن عبيد عن زرارة: «قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل عارف أدّى الزكاة إلى غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤدّيها ثانية إلى أهلها إذا علمهم؟ قال: نعم، قال: [قلت:] فإن لم يعرف لها أهلا فلم يؤدّها أو لم يعلم أنّها [عليه] فعلم بعد ذلك؟ قال: يؤدّيها إلى أهلها لما مضى، قال:

قلت: فإن لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل و قد كان طلب و اجتهد ثمّ علم بعد سوء ما صنع؟ قال: ليس عليه أن يؤدّيها مرّة اخرى» (3).

قال الشيخ (رحمه اللّه) في محكيّ التهذيب: «و عن زرارة مثله غير أنّه قال: إن اجتهد فقد برئ، و إن قصّر في الاجتهاد و الطلب فلا» (4). هذا.

و اورد على الوجه الأوّل بأنّه إن اريد من الاجتهاد الواجب على المالك، القدر المسوّغ لجواز الدفع و لو بسؤال الفقير فلم يقل أحد بعدم اعتباره في نفي الضمان، فيرجع إلى القول بعدم الضمان مطلقا، و إن اريد الزائد عليه فلا دليل على وجوبه عليه، كما لا يخفى.

و على الوجه الثاني بأنّ ظاهر «غير الأهل» في الرواية «المخالف» كما لا يخفى، فالرواية ظاهرة في عدم وجوب التأدية ثانيا في حقّه، و على جواز الدفع إليهم عند الاضطرار، فلا ربط لها بمحلّ البحث.

____________

(1). المعتبر، ج 2، ص 569.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 527.

(3). التهذيب، ج 4، ص 102- 103. و كذا في الكافي، ج 3، ص 546؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 214.

(4). التهذيب، ج 4، ص 103.

596

فإن قيل: إنّا نستفيد الحكم في محلّ البحث من إناطة الحكم في المورد بالاجتهاد و عدمه.

قلنا: إن اريد من الاجتهاد في الرواية العمل بالطريق الشرعي و لو كان دعوى المدّعي فهو يدلّ على خلاف المقصود، و إنّ الفحص زائد عليه، فإن كان المراد الاجتهاد في وجود المستحقّ كما هو ظاهرها فهي تدلّ على خلاف المقصود، و هو رفع الضمان مطلقا، و إن كان المراد الاجتهاد في أحوال الشخص فهي بهذا الاعتبار و إن كانت دالّة على المقصود على تقدير استفادة العلّة من الرواية و لكن إرادته غير معلومة بل الظاهر منها إرادة غيرها، كما لا يخفى.

هذا بعض الكلام في وجوه الأقوال.

و المختار عند شيخنا- دام ظلّه العالي- هو القول بالضمان مطلقا وفاقا لمن عرفت (1) و بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2)، و لا يخلو من قوّة بالنظر إلى القواعد.

____________

(1). كالمفيد في المقنعة، ص 259؛ و أبي الصلاح في الكافي في الفقه، ص 173.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 329- 330.

597

[دفع الزكاة على الكافر أو الفاسق أو من تجب نفقته]

قوله: و كذا الكلام لو بان أنّ المدفوع إليه كافر أو فاسق، أو ممّن تجب نفقته أو هاشميّ، (1) [إلى آخره] (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ الحكم في انتفاء غير الفقر من الشروط واقعا مع إحرازها بالطرق الشرعيّة هو الحكم في انتفائه بالنظر إلى القواعد العامّة، بل هو الحكم في انتفاء سائر الموضوعات التي تعلّق بها الحكم واقعا كالنذور المتعلّقة بالموضوعات الواقعيّة و نحوها.

نعم، قد ادّعى شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الحكم في الوصيّة و الوكالة متعلّق بالحكم الظاهري واقعا بمعنى أنّ متعلّقها ليس الموضوعات الواقعيّة، بل الظاهريّة و ما اقتضاه الطرق الشرعيّة، و من هنا يحكم ببراءة ذمّة الوصيّ و عدم ضمانه لو تبيّن حق من استأجره للعبادات و عدم إثباتها بها أوصى (2) من إعطاء الزكاة أو عدم استحقاق من دفع الدّين إليه و كون المستحقّ غيره، إلى غير ذلك. و إن كانت ذمّة الميّت مشغولة مصروف (3) على هذا بين استئجار الوصيّ و استئجار الوليّ، فإنّ الوصيّ مأمور باستئجار من ظاهره العدالة، و ليس مكلّفا بإبراء ذمّة الميّت، بخلاف الوليّ فإنّه مأمور بإبراء الذمّة، و وجوب الاسترجاع مع تبيّن الخلاف لا يقضي بأنّ الوصيّ مأمور بإبراء الذمّة واقعا، هكذا أفاده- دام ظلّه- و هو لا يخلو عن تأمّل.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(2). كذا قوله: «تبيّن ... أوصى» في الأصل.

(3). كذا في الأصل.

598

..........

____________

و بالجملة، حكم الفروض المزبورة حكم تبيّن الغنى بالنظر إلى القاعدة جدّا، و إن كان فيه يتوهّم الفرق بأنّ المنفي في صورة تبيّن الغنى الموضوع بخلاف المنفيّ هنا، هذا.

لكن يمكن الفرق بين انتفاء الفقر و سائر الشروط به بواسطة التعبّد و الأخبار الواردة في انتفاء الفقر، اللّهمّ إلّا أن يدّعى عمومها بتنقيح المناط، فتأمّل.

و لعلّه الوجه في إجماعهم على عدم وجوب الأداء ثانيا في انتفائها، كما ادّعاه جماعة من المتأخّرين.

و كيف كان، لا ينبغي الإشكال في اتّحاد حكم الفروض لما تقدّم من حيث القواعد.

نعم، ادّعى جماعة من المتأخّرين الإجماع على عدم وجوب الإيتاء ثانيا في هذه الفروض في غير ما تبيّن كون المدفوع ممّن تجب نفقته على الدافع في الجملة على ما عرفت، و على تقدير ثبوته مشكل، و الفرق لاتّحاد ما ركنوا إليه، كما لا يخفى على المتتبّع.

و لكن وجّه بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب حيث إنّه قال بعد الحكم باتّحاد حكم انتفاء الشروط بالنظر إلى القاعدة ما هذا لفظه: «و لكن قد يظهر من بعض متأخّري المتأخّرين إطباق الأصحاب هنا على عدم الضمان مطلقا و كأنّه أخذه ممّا في المختلف (1) من الإجماع على الإجزاء فيها، إلّا أنّه يمكن إرادته الإجماع من الخصم؛ لأنّه ذكره في الردّ على أبي الصلاح بعد ما حكى عنه الفرق بين الفقير و الغنيّ، على أنّه يمكن منعه عليه بالتتبّع حتّى عند المتأخّرين، فإنّ ظاهر الدروس (2) و غيره ممّن جعل المدار على الاجتهاد: عدم الفرق بين سائر الشروط، و ما ذكرناه من الكلام‌

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 3، ص 250.

(2). الدروس، ج 1، ص 243.

599

..........

____________

بعينه آت في المقام خصوصا بعد أن لم يذكروا له دليلا سوى قاعدة الإجزاء التي قد عرفت ما فيها سيّما في المقام الذي هو كالدّين و كالأمانة و نحوهما ممّا لا يسقط الإعادة عن المكلّف بهما الأخذ بالطرق الشرعيّة الظاهرة» (1). انتهى كلامه رفع مقامه، هذا.

ثمّ إنّه استثنى غير واحد (2) من ذلك ما لو بان المدفوع إليه عبدا للمالك، فحكموا بوجوب الإيتاء فيه ثانيا معلّلا بعدم خروج المال عن ملك المالك بالدفع إليه، فجرى مجرى عزلها من غير تسليم، هذا.

و استشكله في المدارك بأنّ: «ذلك بعينه آت في سائر الصّور، فإنّ غير المستحقّ لا يملك الزكاة في نفس الأمر، سواء كان عبدا للمالك أو غيره. و الجواب عن الجميع واحد، و هو تحقّق التسليم [المشروع] المقتضي للإجزاء» (3). هذا.

و أورد عليه بعض مشايخنا بأنّه: «يمكن الفرق بين العبد و غيره: بأنّ الدفع إليه ليس إيتاء، بخلاف الدفع إلى غيره، فإنّه إيتاء، إلّا أنّه فقد شرط الصحّة في الواقع لا الملك و عدمه حتّى يتّجه عليه ما ذكره، و المراد بعدم الخروج عن ملك المالك أنّه وقع المال في يد مالكه فهو كما لو عزله و جعله في صندوق و نحوه، و [لعلّه] لذا خصّ الاستثناء في عبد الدافع لا مطلق العبد، فتأمّل» (4). انتهى كلامه.

و لو لا أمره بالتأمّل لذكرنا بعض ما فيه، فالذي يقتضيه التحقيق عدم الفرق بالنظر إلى القواعد، كما صرّح به في المدارك، فلا بدّ من الحكم بعدم الإجزاء في جميع الموارد، لا بالإجزاء كما ذكره، فتدبّر.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 332.

(2). كالشيخ في جواهر الكلام.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 208.

(4). جواهر الكلام، ج 15، ص 332- 333.

600

[العاملون]

[العاملون من أصناف المستحقّين للزكاة] قوله (قدّس سرّه): و العاملون، و هم عمّال الصدقات، و يجب أن تستكمل فيهم أربع صفات؛ التكليف و الإيمان و العدالة و الفقه، و لو اقتصر على ما يحتاج إليه فيه جاز، و أن لا يكون هاشميّا.

و في اعتبار الحرّيّة تردّد، و الإمام بالخيار بين أن يقرّر لهم جعالة مقدّرة أو أجرة عن مدّة مقدّرة (1) (1).

____________

أقول: لا ينبغي الإشكال في أنّ من أصناف المستحقّين في الجملة العاملين، بل الأدلّة الثلاثة بل الأربعة- على وجه ستقف عليه- دالّة عليه، بل أقول: إنّه من ضروريّات الفقه، كما أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ جهة استحقاقه باعتبار ما هو متأخّر عمّا يستحقّه سائر الأصناف، بمعنى أنّ موضوعه بعد فرض تعلّق الزكاة و استحقاقها سائر الأصناف كما لا يخفى.

إنّما الكلام في أنّه هل هو مختصّ بزمان الحضور كجملة من الأمور المختصّة به، أو يعمّ زمان الغيبة كزماننا و أمثاله من زمان غيبة الإمام (عليه السّلام)؟ فعن الشيخ (رحمه اللّه) (2) و ابن حمزة (3) و ابن إدريس (4) و العلّامة (5) و جماعة اختصاصه بزمان الحضور، و ظاهر بعض‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(2). النهاية، ص 185.

(3). الوسيلة، ص 128.

(4). السرائر، ج 1، ص 457.

(5). قواعد الأحكام، ج 1، ص 350.

601

..........

____________

و صريح آخر: التعميم. و الحقّ هو الأوّل.

توضيحه و تحقيقه: أنّه لا ينبغي الارتياب في أنّه لو أقدم الغني المأمور بإيتاء الزكاة و من يستحقّ الزكاة بما هو وظيفة لهما، لم يكن حاجة من جانب الفعل من باب وجوب اللطف إلى التأمّل جدّا، فوجه الحاجة إليه من جانب الفعل إنّما هو لأجل الاستعانة على حصول امتثال تكليف الزكاة من المكلّفين من حيث كونه مقرّبا إلى طاعته، لكنّه بهذا الاعتبار لا يختصّ بزمان دون زمان، كما أنّه لا يشترط فيه الشروط التي ذكروها للعامل، و من هنا صرّح جماعة منهم: العلّامة (1) و الشهيد (2) بجواز استئجار الهاشمي لجمع الزكاة، مع أنّ بناءهم على اعتبار عدم الهاشميّة في العامل.

و بالجملة، لا ينبغي الإشكال في أنّ التوصّل إلى وصول الزكاة الى أربابها بفعل الغير من باب اللطف أو الحسبة غير مشروط بالشروط التي ذكروها للعامل الذي هو أحد أصناف الثمانية، بل المطلوب منه مجرّد التوصّل بأيّ نحو حصل، فللحاكم أن يتوصّل إلى جمع الزكاة و إيصالها إلى أربابها باستئجار من يأمن منه مطلقا أو جعل الجعل له أو غيرهما من الوجوه من الزكاة أو غيرها ممّا يكون مصرفها مصرف الزكاة و إن كان للإمام (عليه السّلام) أن يجعل للعامل أيضا اجرة أو جعالة على حسب ما يراه؛ لأنّه أيضا أحد طرق انتقال سهمه إليه، فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ العامل الذي [هو] أحد الأصناف الثمانية و له سهم من الزكاة على سبيل الاستحقاق كاستحقاق غيره من الأصناف ليس من مقتضي العمل به من باب وجوب اللطف في الحكمة الإلهيّة، و إلّا لم يكن معنى لاعتبار ما اعتبروا فيه من الشروط كما عرفت، بل هو أمر تعبّدي لا بدّ في الحكم بخصوصه أو عمومه من مسامحة الأدلّة الشرعيّة الدالّة على مشروعيّته، و ليس منها‌

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 515.

(2). البيان، ص 194.

602

..........

____________

ما يجوز الاستدلال به في المقام إلّا الكتاب و السنّة؛ لأنّ الإجماع أصل فثبوت (1) هذا الصنف لا يجدي في المقام جدّا مع ما عرفت من الخلاف فيه.

أمّا عدم دلالة الأخبار فممّا أوضح من أن يحتاج إلى البيان؛ لأنّ الأخبار الواردة في المقام كلّها حاكية عن نصب الأئمّة العامل و ليس لها عموم جدّا، و هو المقصود ممّا ذكره المصنّف في الكتاب (2)، و غيره في غيره.

و أمّا الكتاب فقد توهّم دلالته على العموم باعتبار عمومه قوله: وَ الْعٰامِلِينَ (3)، إمّا باعتبار عمومه الأفرادي المستلزم للعموم الأزماني، فتأمّل، و إمّا باعتبار عمومه للأزمان ابتداء من باب دليل الحكمة كما في عموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4) للأزمان، هذا.

و لكنّك خبير بما فيه؛ فإنّ قوله تعالى: وَ الْعٰامِلِينَ لا ظهور له أصلا، بل هو من المجملات بمعنى العلم بكون المراد منه العهد و طائفة خاصّة من أوّل الأمر بلا قرينة لا العموم، و إلّا لكان على القرينة (5) في خروج من هو خارج عنه كما هو الشأن في العامّ المخصّص.

و الذي يدلّ على ما ذكرنا أمران:

أحدهما: أنّه لو بني على حمله على العموم لزم إخراج أكثر الأفراد جدّا، و ليس للعامل حقيقة شرعيّة، فإذا حملناه على معناه اللغوي و العرفي لزم ما ذكرنا جدّا، فلا‌

____________

(1). كذا قوله: «أصل فثبوت» في الأصل.

(2). راجع شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(3). التوبة (9): 60. و في المخطوطه «للعاملين» و لكنّا أثبتنا لفظ الآية.

(4). المائدة (5): 1.

(5). كذا قوله: «بمعنى العلم ... على القرينة» في الأصل.

603

..........

____________

مناص من حمله على ما ذكرنا فرارا عن لزوم المحذور المزبور، و إن هو إلّا نظير لفظ «الناس» في قوله تعالى: الَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ النّٰاسُ (1) فإنّه لا يمكن حمله على العموم و القول بخروج جميع الأفراد إلّا نعيم بن مسعود (2)، هذا.

ثانيهما: أنّه لا إشكال في اعتبار المستعمل في العامل و إن فهم بعض المتأخّرين خلافه، كما ستقف عليه، و ليس للآية ظهور في بعض المستعمل عموما أو خصوصا، فإذا احتملنا كونه الإمام فتصير الآية مجملة، نظير قوله تعالى: إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (3) فإنّه لا ظهور له في تعيين المنادي و أنّه خصوص منادي الإمام (عليه السّلام) أو كلّ أحد، و من هنا ذكر بعض الأجلّة من الأعلام في ردّ من استدلّ بالآية الشريفة على مشروعيّة صلاة الجمعة في زمان الغيبة عند مناظرته بأنّ الآية لا ظهور لها في بعض المنادي.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- في وجه عدم ظهور الآية و إعمالها، فالدليل حقيقة على عدم مشروعيّة العامل بالمعنى الذي ذكروه في زمان الغيبة عدم الدليل عليها عندنا، و أمّا عند الشيخ و من تبعه فلم يعلم أنّها زكاة، أو كونه منصبا أو مشروطا بإذن الإمام (عليه السّلام)، هذا.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ المخالف القائل بالتعميم جماعة قليلة، منهم: الفاضل النراقي في المستند من المتأخّرين حيث إنّه قال ما هذا لفظه: «ثمّ إنّه لا ينبغي لنا التكلّم في حكم زمان الحضور في وجوب نصب (الإمام) العامل أو جوازه، و أمّا زمان‌

____________

(1). آل عمران (3): 173.

(2). جاء في التفاسير أنّ المراد من لفظ (الناس) في الآية هو خصوص «نعيم بن مسعود» و إن كان اللفظ عاما. راجع التبيان، ج 2، ص 169، ج 3، ص 563؛ مجمع البيان، ج 2، ص 48؛ التفسير الصافي، ج 1، ص 401؛ نور الثقلين، ج 1، ص 411.

(3). الجمعة (62): 9.

604

..........

____________

الغيبة فعلى القول بوجوب دفع الزكاة إلى النائب العامّ يجوز له نصب العامل و تشريكه للفقراء، بل قد يجب، و كذا على القول باستحبابه إذا دفعها ملّاكها إلى النائب و احتياج الحفظ و التقسيم إلى عامل، و أمّا على غير ذلك فإن علم النائب بتقصير في أداء [الزكاة] أو في التقسيم بين أهلها جاز له نصب العامل من باب الأمر بالمعروف و الإعانة [على البرّ، بل قد يجب] و يجعل له نصيبا من الزكاة بل يجوز ذلك أو يجب لآحاد المؤمنين أيضا، بل يجوز لشخص يعلم ذلك عمله [بنفسه] و أخذه اجرة عمله من الزكاة، [و] أمّا بدون العلم بذلك ففي جواز نصب العامل و تشريكه في الزكاة إشكال، و لا يبعد جوازه للنائب العامّ أو عدول المؤمنين سيّما إذا كان فيه نوع مصلحة؛ للأصل و تشريكه للإطلاق» (1).

انتهى كلامه رفع مقامه، و هو كما ترى.

و إذ قد عرفت اختصاص العامل بزمان الحضور، فلا ثمرة في التكلّم في شروطه بعد علمنا بأنّ الإمام لا يفعل إلّا على طبق الواقع.

____________

(1). مستند الشيعة، ج 9، ص 272.

605

[المؤلّفة قلوبهم]

قوله (قدّس سرّه): و المؤلّفة، و هم الكفّار الذين يستمالون للجهاد، و لا يعرف مؤلّفة غيرهم (1) (1).

____________

أقول: ثبوت هذا الصنف من المستحقّين أيضا ممّا لا يعتريه شبهة و لا ريب؛ لدلالة الأدلّة الثلاثة عليه. و الكلام في عمومه من حيث المؤلّف و المؤلف و جهة التأليف، و غيرها من الخصوصيّات كالكلام في عموم «العاملين»، بل جهة الإجمال في قوله تعالى: وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (2) أقوى من جهته في قوله: وَ الْعٰامِلِينَ كما لا يخفى، فلا بدّ في الرجوع في تبيّن كلّ جهة إلى الأخبار، فلو لم يحصل منها شي‌ء فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن فلا ثمرة هنا في التكلّم فيه؛ لأنّ الظاهر اختصاصه بزمان الحضور؛ لعدم دليل يقضي بالعموم.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(2). التوبة (9): 60.

606

[الرقاب]

قوله: وَ فِي الرِّقٰابِ، و هم ثلاثة: المكاتبون، و العبيد الذين تحت الشدّة، و العبد يشترى و يعتق و إن لم يكن في شدّة، لكن بشرط عدم المستحقّ.

و روي رابع، و هو من وجبت عليه كفّارة و لم يجد، فإنّه يعتق عنه. و فيه تردّد (1) (1).

____________

أقول: ثبوت هذا الصنف أيضا كسائر الأصناف المتقدّمة ممّا لا يرتاب فيه؛ لدلالة الأدلّة الثلاثة عليه، كما أنّه لا كلام في عمومه من حيث الزمان و عدم اختصاصه بزمان الحضور، إنّما الكلام في عمومه و خصوصه من حيث أقسام الرقاب.

فنقول: إنّه لا ينبغي الارتياب في أنّ قوله: وَ فِي الرِّقٰابِ (2) أيضا مجمل لا ظهور له فيما هو المراد منه، مع قطع النظر عن الروايات، فإنّه لا يعلم منه المراد من الصرف في الرقبة من جهة كونه فكّا لها أو غيره.

نعم، يمكن القول بظهوره في العموم من حيث أقسام الرقاب بعد تعيين الجهة، فتدبّر.

و مقتضى الاصول على تقدير الشكّ في الشمول واضح لكلّ أحد.

و بعد ما تحقّق ذلك نقول: إنّ الأقسام التي يذكرها المصنّف و غيره من الأصحاب بعضها منصوص بالخصوص من حيث سهم الرقاب، و بعضها منصوص من الرقبة المزبورة غير مشهور كالقسم الأخير، و بعضها مشهور غير منصوص بخصوص ... (3) به‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 121.

(2). التوبة (9): 60.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

607

..........

____________

كالثاني و الثالث.

و الكلام في الأقسام المذكورة إنّما هو من حيث الاستحقاق من هذا السهم، و إلّا فلا إشكال بل لا خلاف في حكم الجميع من حيث صرف الزكاة فيها من جهة سبيل اللّه، بناء على عمومه لمطلق القرب أو غيره كما هو واضح، كما أنّ اعتبار القيدين في القسمين منها في كلماتهم مبنيّ على ذلك، كما لا يخفى. و بالحريّ أن يذكر أوّلا [ما] في الباب من الأخبار حتّى يتّضح بذكرها حقيقة الحال و يرتفع غبار الإجمال.

فنقول: إنّ من الأخبار ما أرسله في الفقيه و التهذيب عن الصادق (عليه السّلام) أنّه سئل:

«عن مكاتب عجز عن مكاتبته، و قد أدّى بعضها؟ قال: يؤدّى عنه من مال الصدقة، إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ فِي الرِّقٰابِ» (1).

و منها: ما رواه عليّ بن إبراهيم في كتاب التفسير عن العالم أو الصادق (عليه السّلام)، قال:

«وَ فِي الرِّقٰابِ، قوم لزمهم كفّارات في قتل الخطأ، و في الظهار، و في الأيمان، و في قتل الصيد في الحرم، و ليس عندهم ما يكفّرون (به)، و هم مؤمنون فجعل اللّه تعالى لهم سهما في الصدقات ليكفّر عنهم» (2).

و منها: ما في الصحيح عن الصادق (عليه السّلام): في الرجل يجتمع عنده [من] الزكاة [الخمسمائة و الستّمائة] يشتري بها نسمة و يعتقها؟ فقال: «إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم»، ثمّ مكث مليّا ثمّ قال: «إلّا أن يكون عبدا مسلما [في ضرورة] فيشتريه و يعتقه» (3).

إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة في ذلك؛ بناء على إرادة بيان حكم هذا السهم منها، هذا.

____________

(1). الفقيه، ج 3، ص 125؛ التهذيب، ج 8، ص 275. و أيضا في وسائل الشيعة، ج 9، ص 293.

(2). تفسير القمي، ج 1، ص 299. و فيه: «و في الظهار و قتل الصيد في الحرم و في الأيمان».

(3). الكافي، ج 3، ص 557؛ التهذيب، ج 4، ص 100؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 292. (مع اختلاف يسير في بعضها).

608

..........

____________

و الظاهر من الرواية الاولى بقرينة استدلال الإمام (عليه السّلام) بالآية الشريفة عموم الآية لكلّ فَكُّ رَقَبَةٍ، و إلّا لم يصحّ الاستدلال، كما لا يخفى.

و منه ينقدح كون كلّ الأقسام منصوصة بالعموم، و أنّ الحقّ بالنظر إليه عدم اعتبار كون العبد تحت الشدّة في القسم الثاني و عدم وجود المستحقّ في القسم الثالث كما اعتبرهما الأكثرون.

و المستفاد من الرواية الثانية و إن كان حصر الرقاب فيما ذكر فيه بالنظر إلى ظهورها، إلّا أنّه يفرّ (1) منه الإجماع.

و الرواية الاولى تحمل على بيان أحد الأفراد، و لا بأس بالعمل بها؛ لاعتبارها و اشتهارها حتّى أنّه نسبها في التذكرة إلى رواية علمائنا (2) و إن كانت مرسلة، كما أنّ المستفاد منه عدم اختصاص المصرف في الفكّ فإنّه ليس في كفّارة قتل الصيد في الحرم العتق، و من هنا قال في المدارك: إنّ مقتضاه جواز إخراج الكفّارة من الزكاة و إن لم يكن عتقا (3).

و أمّا الرواية الأخيرة فذكرها في الباب إنّما هو من حيث ظهورها في كون العتق من سهم الرقاب على ما فهم منه الأكثرون و إن خالفهم بعض المحدّثين، و من هنا جعلوا كون العبد تحت الشدّة شرطا في تقسيم الثاني على ما نطقت عليه عبارات الأكثرين، فلو تمّت دلالتها عليه لم يعارضها الأخبار المطلقة، مثل الرواية الاولى و نحوها، كما لا يخفى.

لكنّ الإنصاف عدم دلالتها عليه؛ لأنّ المراد من الظلم في الرواية هو الظلم العرفي و هو مطلق النقض، و قيل: ما هو خلاف الإنصاف، لا الظلم شرعا؛ إذ لو كان هو‌

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 255.

(3). المدارك، ج 5، ص 219.

609

..........

____________

المراد لم يكن معنى للاستثناء، هذا، مع أنّه لا يجامع القول بعدم وجوب البسط على ما هو الظاهر من الأصحاب، فالمراد من الظلم هو ترك الأولى من جهة جريان الفقراء، و جعل الاستثناء راجعا إلى الموضوع حتّى تدلّ على أنّ استحقاق هذا الصنف مختصّ بالصورة المفروضة كما ترى، هذا.

فقد علم ممّا ذكرنا مدرك الشرط المزبور في كلماتهم.

و أمّا الشرط الذي ذكره الأكثر في القسم الثالث فاستدلّوا له بالرواية المزبورة من حيث دلالتها على كون الصرف في الرقاب ظلما مع وجود المستحقّ، فإنّ الظلم بالقوم إنّما هو مع وجودهم كما هو واضح، و قد عرفت ما فيه، هذا، مع أنّ الاستثناء المزبور يدلّ على عدم اعتبار عدم وجود المستحقّ، كما لا يخفى، حيث إنّه يعمّ صورة وجود المستحقّ.

و بالموثّق: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد (لها) موضعا يدفع ذلك إليه فنظر إلى مملوك [فيمن يريده] يباع فاشتراه بتلك الألف درهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز [له] ذلك؟ قال: نعم، لا بأس بذلك» (1).

و هو أيضا كما ترى؛ فإنّ اختصاص السؤال به بمورد عدم وجود المستحقّ لا يقضي باختصاص أصل الحكم، كما لا يخفى.

نعم، لو كان مدرك هذا القسم الموثّق المزبور تعيّن القول بالاختصاص من جهة الأصل، لكنّك قد عرفت أنّ المدرك فيها عموم الآية بقرينة الرواية الاولى، و أمّا الموثّق فيمكن منع ظهوره في بيان حكم الفرض فإنّ الحكم بجواز العتق فيما فرضه لا يقضي بكونه من سهم الرقاب.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 557؛ التهذيب، ج 4، ص 100؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 292. (مع اختلاف يسير في بعضها).

610

..........

____________

و بالجملة، لو لم يبال الفقيه جاز له القول بدخول الأقسام الأربعة في سهم الرقاب من غير شرط، و من هنا لم يشترط عدم وجود المستحقّ في محكيّ (1) الانتصار (2) و المراسم (3) و السرائر (4) و القواعد (5) و حواشيها (6) و الإيضاح (7) و الكنز (8) و المسالك (9).

هذا كلّه فيما يستفاد من الروايات، و أمّا ما يستفاد من كلمات الأصحاب فالظاهر الإطباق على دخول غير القسم الأخير في قوله تعالى: وَ فِي الرِّقٰابِ كما أنّ ظاهر الأكثر خروج القسم الأخير منه و إن كان ظاهر بعض المحدّثين اختصاص سهم الرقاب بالمكاتب.

و لعمري إنّ المسألة قليلة الجدوى؛ إذ لا تترتّب عليها ثمرة إلّا في استحباب البسط و إلّا ... (10) سائر الأصناف معنى لشمولها من محلّ النزاع في المسألة، و اللّه العالم.

و هنا امور ينبغي التنبيه عليها:

منها: أنّه لا ريب في أنّ مقتضى تقابل الرقاب في الآية للفقراء عدم اشتراط الفقر في المقام

بالمعنى الذي تقدّم في الصنف الأوّل، و منه يعلم بأنّ كلام بعض مشايخنا في‌

____________

(1). و الحاكي هو صاحب الجواهر.

(2). الانتصار، ص 223.

(3). المراسم العلوية، ص 132.

(4). راجع السرائر، ج 2، ص 457 و 459.

(5). قواعد الأحكام، ج 1، ص 349.

(6). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 347؛ فوائد القواعد، ص 261- 262.

(7). إيضاح الفوائد، ج 1، ص 196؛ راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 347.

(8). كنز العرفان، ج 1، ص 344- 345.

(9). مسالك الأفهام، ج 1، ص 414.

(10). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

611

شرحه على الكتاب (1) لا يخلو عن مناقشة.

نعم، المعتبر في القسم الأوّل و الأخير الحاجة العرفيّة بالمعنى الذي ستقف عليه- إن شاء اللّه- في الغارمين، و إن كان مقتضى المرسل (2) الوارد في المكاتب من حيث إطلاقه: عدم اعتبار العجز و الحاجة، و مقتضى ما روي في تفسير عليّ بن إبراهيم (3) في بادئ النظر اعتبار الزائد عليها، لكن يعلم عند التأمّل أنّه لا إطلاق للمرسل بحيث ينفع المقام كما أنّه يعلم انطباق التفسير على ما ذكرنا، هذا.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما يظهر من المصنّف- كما استظهره في المدارك (4)- بانيا عليه من الاكتفاء في المكاتب بعدم وجدانه ما يصرفه في كتابته و عدم اعتبار القدرة على الكسب- كما في محكيّ البيان (5) و استظهره بعض مشايخنا (6)- في محلّه، و اللّه العالم.

و منها: أنّه لا ريب و لا إشكال في عدم حصول امتثال أمر الزكاة بمجرّد الدفع إلى المكاتب أو من عليه كفّارة إن صرفا في غير فكّ الرقبة،

فإنّ كون المصرف فكّ الرقبة و عتقها يمنع من ذلك، فلو صرفا في غيره استرجع المال؛ لبقائه في ملك المالك و عدم خروجه عنه، و إن كان المحكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) (7) عدم جواز الاسترجاع، بل التحقيق الاسترجاع لو أخذه المولى و لم يجعل الفكّ من جهة نقصان مال الكتابة في المكاتب المشروط أو حصول الفكّ بغير الزكاة مطلقا و إن كان مختار جماعة صيرورته ملكا‌

____________

(1). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 345- 346.

(2). أي ما تقدّم عن الفقيه و التهذيب. الفقيه، ج 3، ص 125؛ التهذيب، ج 8، ص 275.

(3). المتقدّم ذكره. تفسير القمي، ج 1، ص 299.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 219.

(5). البيان، ص 195.

(6). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 353.

(7). الخلاف، ج 4، ص 235؛ المبسوط، ج 1، ص 250.

612

لمالك العبد، منهم: السيّد في المدارك (1)، لكنّه كما ترى، هذا.

و ستقف على شرح القول في ذلك في الغارمين، كما أنّه ستقف على فساد ما أفاده بعض مشايخنا في تحقيق المقام هناك، هذا.

و منها: أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم كفاية مجرّد الشراء للإعتاق في القسم الثاني،

بل لا بدّ من الإعتاق أو الشراء و إن احتمل بعض خلاف ما ذكرنا، لكنّه خلاف التحقيق؛ لافتقار العتق إلى السبب المعهود، مضافا إلى منافاته لما تقدّم من الأخبار، كما أنّه لا إشكال في عدم حصول امتثال أمر الزكاة إلّا بالإعتاق، فلا يكفي مجرّد الشراء، و إن قلنا بصيرورته بدل الزكاة بالشراء إلّا أنّه غير تحقيق (2) الزكاة، و لا تنافي بينهما.

و الذي يدلّ على ما ذكرنا قوله في بعض الروايات المتقدّمة: «فيشتريه فيعتقه» (3). هذا.

و منها: أنّ الظاهر أنّ ولاء عبد المعتق من الزكاة مطلقا ليس للإمام (عليه السّلام)،

كما ذهب إليه العلّامة في محكيّ القواعد (4) و ولده في الإيضاح (5)، بل هو لأرباب الزكاة كما عليه المشهور، بل المدّعى عليه الإجماع في كلام بعض من تأخّر، و استدلّا عليه بأنّ الإمام (عليه السّلام) وارث من لا وارث له. هذا.

و يدلّ على ما ذكرنا روايتان:

الأولى: موثّقة عبيد: «عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم، فلم يجد موضعا‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 220- 221.

(2). كذا في الأصل.

(3). الكافي، ج 3، ص 557؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 292. و فيهما: «و يعتقه».

(4). قواعد الأحكام، ج 1، ص 355.

(5). إيضاح الفوائد، ج 1، ص 207.

613

يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الألف [الدرهم] التي أخرجها من زكاته، فأعتقه، هل يجوز له ذلك؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، قلت: فإنّه لمّا [أن] أعتق و صار حرّا اتّجر و احترف و أصاب مالا ثمّ مات و ليس له وارث فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ قال: يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقّون الزكاة، لأنّه إنّما اشتري بمالهم» (1).

الثانية: ما في الصحيح عن العلل: «مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه أشتريه من الزكاة فأعتقه؟ قال: فقال: اشتره و اعتقه، قلت: فإن هو مات و ترك مالا؟

قال: فقال: ميراثه لأهل الزكاة» (2). هذا.

و ممّا ذكرنا تعرف فساد ما تمسّك به الفاضل و ولده؛ فإنّ مقتضى ما تقدّم من الروايتين ثبوت الوارث.

ثمّ بعد البناء على كون الإرث لأرباب الزكاة، هل يعمّ جميع المستحقّين كما هو ظاهر الأكثر بالنظر إلى قولهم بأنّه لأهل الزكاة و نحوه، أو يختصّ بالفقراء كما عن المفيد (3) و بعض المتأخّرين؟ الذي وجّهه شيخنا- دام ظلّه- و يقتضيه التحقيق هو الثاني؛ للموثّقة، و لا يعارضها ما عن العلل.

أمّا أوّلا: فلأنّ الظاهر من أهل الزكاة في رواية العلل خصوص الفقراء من باب العهد، فإنّهم أهل الزكاة بحسب الحمل الأوّلي على ما يستفاد من الروايات الكثيرة (4) من أنّه جعل الزكاة ليدخلهم و أنّهم شركاء مع الأغنياء، كما تقدّم تفصيل القول فيه مرارا، و من هنا حكم في الموثّقة أنّ الشراء من مال الفقراء؛ إذ لو كان المراد منه مطلق‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 557؛ التهذيب، ج 4، ص 100؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 292.

(2). علل الشرائع، ج 2، ص 372. و كذا في وسائل الشيعة، ج 9، ص 293.

(3). المقنعة، ص 259.

(4). الكافي: ج 3، ص 546؛ الوسائل: ج 9، ص 215 و 219. عن أبي المغراء، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

«قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى [عزّ و جلّ] أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال».

614

من يستحقّ الزكاة لم يكن معنى له؛ لأنّ الرقاب أيضا من مستحقّي الزكاة فيكون في عرض سائر الأصناف، فلا معنى لجعلها خارجة عنهم، و منه يعلم أنّه يمكن حمل كلام من حكم بكونهم من أهل الزكاة و أربابها إرادة (1).

و أمّا ثانيا: فلوجوب حمل الأهل على الفقراء؛ لقرينة الموثّقة حملا للعامّ على الخاصّ؛ لأنّ جعله لخصوصهم في الموثّقه ينافي استحقاق جميع المستحقّين كما في رواية العلل على تقدير تسليم ظهورها في ذلك.

و دعوى أنّ حمل (الأهل) في رواية العلل على الفقراء في الموثّقه ليس أولى من حمل تخصيصهم في الموثّقة على بيان ما هو الغالب الشائع من صرف الزكاة فيهم كما ترى.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين جعل العتق في جميع الأقسام من الرقاب و جعل بعض أقسامه من وجه آخر، كسهم سبيل اللّه أو الغرماء؛ لعدم الفرق في دليل الحكم، كما لا يخفى، هذا.

و منها: أنّه لو ادّعى العبد الكتابة فإن علم الحال من الصدق و الكذب فلا إشكال،

و إن جهل الحال، فهل تسمع دعواه مطلقا بلا بيّنة، أو لا تسمع مطلقا إلّا مع قيام حجّة شرعيّة عليه، أو يفصّل بين تصديق المولى و تكذيبه، فتسمع في الصورة الاولى دون الصورتين الأخيرتين، أو في الصورة الاولى و الثالثة دون الثانية؟ وجوه، بل أقوال في الجملة.

لكن نفى الخلاف جماعة عن قبول دعواه فيما لو صدّقه المولى.

و الأوفق بما ذكرنا في دعوى الفقر من القاعدة عدم السماع مطلقا؛ إلّا أنّه يمكن التمسّك للسماع في ما لو صدّقه المولى بقاعدة الإقرار أو من ملك شيئا ملك‌

____________

(1). كذا في الأصل.

615

الإقرار به.

و التفصيل المحكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) (1) الذي استحسنه في المدارك (2) لا ينافي ما ذكرنا جدّا، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا كلّه يعلم الحال فيما لو ادّعى المكلّف [أنّ عليه] كفّارة، فالأوفق بالقاعدة عدم السماع إلّا مع إقامة البيّنة عليه، كما لا يخفى، هذا.

و منها: أنّك قد عرفت [أنّ] المعطوف عليه قوله تعالى وَ فِي الرِّقٰابِ [لا يجوز أن يكون المجرور أي «الفقراء» كما لا يخفى، بل لا بدّ من عطفه على الجارّ و المجرور معا،]

و نحوه ممّا تدخل عليه كلمة «في» مع كون الاختلاف مصرفا بجواز إعطاء جميع الزكاة لواحد منهم و عدم وجوب صرفها لا يجوز أن يكون المجرور أي «الفقراء» كما لا يخفى، بل لا بدّ من عطفه على الجارّ و المجرور معا، و لا بدّ أن يجعل المتعلّق في الطرفين فعلا عامّا يصلح لعطف كلّ منها عليه كالثبوت و نحوه، و إلّا فنقول: المقصود و هو جعل الأصناف مصرفا من حيث المجموع بحيث يكفي إعطاء واحد منهم فالآية بمنزلة أن يقال: (إنّما الصدقات ثابتة للفقراء وَ فِي الرِّقٰابِ)، و لا ينافي ذلك كون ثبوتها للفقراء على نحو ثبوتها في الرقاب على نحو آخر، و هو الصدقة؛ لأنّ الثبوت في كلّ بحسبه.

ثمّ إنّا قد ذكرنا النكتة في ذكر كلمة «في» في قوله: وَ فِي الرِّقٰابِ، و ما يتلوه دون (اللام) و هي للدلالة على كون الاستحقاق من جهة خاصّة، فلا يجوز الصرف إلى غيره، هذا.

و لكن عن الكشّاف (3) أنّ النكتة الدلالة على كونهم أولى بالاستحقاق من جهة أنّ كلمة «في» للوعاء، و ذكرها في قوله: فِي سَبِيلِ اللّٰهِ من جهة الدلالة على كونه أحقّ بالنسبة إلى من لم تدخل عليه، هذا.

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 253.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 221.

(3). الكشّاف، ج 2، ص 283.

616

و لكنّك خبير بما فيه؛ لأنّ كون المذكورين وعاء لا يدلّ على كونهم أحقّ، كما لا يخفى، هذا.

ثمّ إنّ ممّا ذكرنا ينقدح إشكال على ما بنينا عليه سابقا من كون الزكاة ملكا لمستحقّيها قبل العزل بمعنى كونهم شركاء مع المالك فإنّه لو كان المستحقّ خصوص الفقير أمكن القول بكونه شريكا مع المالك بجعل الشارع، كما هو ظاهر بعض الأخبار على ما تقدّم فيجعل المالك جنس الفقير، كما في الرقاب العامّة حيث إنّ المالك فيها الجنس أيضا، لكن بعد ثبوت كون المصرف الأصناف الثّمانية لا يمكن القول بذلك مع أنّ الثابت في بعضها ليس الملك جدّا مطلقا لا على الإطلاق و لا من وجه خاصّ، كما لا يخفى، فكيف يمكن القول مع ذلك بكون الزكاة ملكا قبل تملّك المالك كما هو المقصود، و من هنا رجّح شيخنا- دام ظلّه العالي- عدم كونها ملكا بعد ما رجّح أوّلا فيما أسمعناك في طيّ المباحث السابقة كونها ملكا، هذا.

617

[الغارمون]

قوله: و الغارمين، و هم المدينون في غير معصية، فلو كان في معصية لم يقض عنه (1) (1)، إلى آخره.

____________

أقول: استحقاق هذا الصنف من الزكاة في الجملة ممّا لا ريب فيه؛ لدلالة الأدلّة الثلاثة عليه.

و الغارم في اللغة- كما صرّح غير واحد (2)- مطلق المديون، و يطابقه العرف، و الغريم يطلق عليه و على الدائن، كما عن القاموس (3) على سبيل الاشتراك اللفظي أو المعنوي كما أفاده شيخنا- دام ظلّه-.

و أمّا تفسيره بما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) أو بغيره ممّا يرجع إليه- كما صنع غيره- فإنّما هو بيان لما تعلّق به الحكم شرعا و يكون مرادا و إن كان لا يخلو عن تسامح، مع أنّ لازمه أخذ الفقر فيه أيضا فتأمّل. وجه التأمّل: أنّ تفسيرهم إنّما هو شرح للنصّ فلا يتوجّه عليه شي‌ء.

ثمّ إنّه ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ قوله تعالى: وَ الْغٰارِمِينَ (4) لا عموم له، بل المراد منه العهد، فلا بدّ من الرجوع في تعيين المعهود إلى الأخبار كما ستقف في قوله تعالى: وَ الْعٰامِلِينَ، وَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَ فِي الرِّقٰابِ؛ إذ حمله على ما يقتضيه‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 122. و فيه: «و الغارمون، و هم الذين عليهم الديون في غير معصية ...».

(2). لسان العرب، ج 12، ص 436؛ مجمع البحرين، ج 3، ص 309؛ تاج العروس، ج 9، ص 3.

(3). القاموس المحيط، ج 4، ص 156.

(4). التوبة (9): 60.

618

..........

____________

ظاهره بحسب الوضع اللغوي و العرفي من العموم يوجب تخصيص الأكثر جدّا.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه- و هو غير محصّل المراد؛ إذ لزوم تخصيص الأكثر في حيّز المنع، هذا.

ثمّ إنّهم اعتبروا في استحقاق هذا الصنف أمرين:

أحدهما: عدم صرف الدّين في المعصية، سواء صرفه في الطاعة أو غيرها من المباح أو المكروه.

ثانيهما: كونه محتاجا بالمعنى الذي ستقف على تفصيل القول فيه.

أمّا الأمر الأوّل فاعتبارها ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه، كما ادّعاه جماعة منهم: العلّامة في جملة من كتبه (1).

و الأصل فيه قبل الإجماع طائفة من الروايات:

منها: ما في تفسير عليّ بن إبراهيم: «و الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف، فيجب على الإمام أن يقضي [ذلك] عنهم و يفكّهم من مال الصدقات» (2).

و منها: ما عن قرب الإسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام): «إنّ عليّا (عليه السّلام) كان [يقول:] يعطى المستدينون من الصدقة و الزكاة دينهم كلّه ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف» (3).

و منها: رواية أبي نجّار (4)، و فيها- بعد السؤال عن قوله سبحانه: وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ (5) و عن حدّ النظرة- و قال: «يقضى ما عليه من سهم‌

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 521؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 257.

(2). تفسير القمي، ج 1، ص 299.

(3). قرب الأسناد، ص 109.

(4). هكذا في جواهر الكلام، ج 15، ص 358. و لكن الصحيح: «أبي محمد».

(5). البقرة (2): 280.

619

..........

____________

الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عزّ و جلّ، و إذا كان أنفقه في معصية اللّه عزّ و جلّ فلا شي‌ء له على الإمام، قلت: فما لهذا الرجل [الذي] ائتمنه و هو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة اللّه أم في معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيردّه عليه و هو صاغر» (1).

و منها: ما رواه صباح بن سيابة عن الصادق (عليه السّلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا فإن لم يكن في فساد و لا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك» (2) إلى غير ذلك.

و يؤيّدها جملة من الروايات:

منها: ما رواه موسى بن بكر، قال: «قال لي أبو الحسن (عليه السّلام): من طلب هذا الرزق من حلّه ليعود به على نفسه و عياله كان كالمجاهد في سبيل اللّه [عزّ و جلّ] فإن غلب عليه فليستدن على اللّه (تعالى) و على رسوله ما يقوت به عياله، فإن مات و لم يقضه كان على الإمام قضاؤه، فإن لم يقضه كان عليه وزره، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ إلى قوله: وَ الْغٰارِمِينَ (3) و هو فقير مسكين مغرم» (4).

إلى غير ذلك، و دلالة هذه الأخبار على المدّعى كاعتبار سند جملة منها ممّا لا ينبغي المناقشة فيه، كما صدرت عن السيّد في المدارك (5)، هذا.

و استدلّوا له- مضافا إلى ما عرفت- بأنّ في قضاء دين المعصية حملا للغريم على المعصية، و هو قبيح عقلا، فلا يجوز التعبّد به شرعا. هذا.

____________

(1). الكافي، ج 5، ص 93- 94؛ التهذيب، ج 6، ص 186؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص 336- 337.

(مع اختلاف فيها).

(2). الكافي، ج 1، ص 407؛ مستدرك وسائل الشيعة، ج 7، ص 127.

(3). التوبة (9): 60.

(4). الكافي، ج 5، ص 93؛ التهذيب، ج 6، ص 184؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 296.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 224.

620

..........

____________

و هو كما ترى إن أرادوا الإطلاق كما هو الظاهر حتّى مع التوبة.

و كيف كان، أصل اعتبار عدم الصرف في المعصية ممّا لا إشكال فيه، سواء كان مقصودا حال الاستدانة أم لا، كما هو ظاهر الأخبار، حيث إنّه انيط الحكم فيها بالإنفاق في المعصية و إن كان ربما توهم بعض العبائر- كعبارة المصنّف (1)- خلافه، لكنّ المراد معلوم.

إنّما الكلام في جواز إعطائه من سهم الغارمين بعد توبته، لا من سهم الفقراء إن كان فقيرا أو من سهم سبيل اللّه فمع حاجته، فإنّ هذا ممّا لا كلام فيه كما يفصح عنه كلماتهم.

المشهور نقلا و تحصيلا: عدم الجواز في الفرض أيضا.

و المحكيّ عن المصنّف في فتاواه (2) و المعتبر (3): الجواز، و احتمله في التذكرة (4)، و استحسنه في المدارك (5).

و وجه المنع المشهور ظاهر؛ لأنّ ظاهر الأخبار كون المانع مجرّد الإنفاق في المعصية، و لا يعقل تأثير التوبة في رفع العنوان المزبور، هذا.

و أمّا وجه القول بالجواز فهو اختصاص الدليل العقلي ... (6) بصورة عدم التوبة.

نعم، لو كان منع الزكاة في الفرض من جهة كونه نحو تعزير للعاصي، تعيّن التعميم و الافتقار في الخروج عن مقتضى العمومات بالقدر المعيّن. و هو كما ترى.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 122.

(2). حكاه جواهر الكلام، ج 15، ص 359.

(3). المعتبر، ج 2، ص 575.

(4). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 258.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 224.

(6). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

621

..........

____________

ثمّ إنّه إن علم صرف الدّين في المعصية أو في غيرها فممّا لا إشكال فيه، و أمّا لو جهل الحال فالمشهور أنّه لا يمنع.

و المحكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية (1) و الشهيد (2) أنّه يمنع.

و استدلّ لهما بوجهين:

أحدهما: أنّ الشكّ في إنفاق الدّين في الطاعة يوجب الشكّ في وجود الشرط، فيشكّ لأجله في جواز إعطاء الزكاة، و مقتضى قاعدة النقل عدم الجواز.

ثانيهما: خبر أبي نجّار (3) المتقدّم ذكره، هذا.

و أنت خبير بما فيهما:

أمّا الأوّل: فلأنّ وجه الشكّ المزبور و إن كان ما ذكر إلّا أنّ أصالة الصحّة في أفعال المسلمين و أصالة عدم التصرّف في المعصية، قاضيتان بجواز الدفع، و ليستا من الاصول المثبتة؛ لأنّ الحكم إنّما يترتّب بالفرض على مجرّد عدم المعصية لا على الأمر الوجودى الملازم له، كما لا يخفى؛ لأنّ المراد من الطاعة في بعض الأخبار عدم المعصية كما هو ظاهر، فهما واردان على أصالة النقل.

و بمثل ما ذكرنا ينبغي الجواب عن الأصل المزبور، لا بما ذكره بعض مشايخنا (4) من التمسّك بالإطلاقات، و بعض آخر في قباله بعدم جواز الرجوع إلى الإطلاق و العموم في الشبهة الموضوعيّة، هذا.

و أمّا الثاني: فلأنّ القول به مشكل مع إعراض المشهور عنه في قبال ما ذكرنا.

____________

(1). النهاية، ص 306.

(2). الدروس، ج 1، ص 241.

(3). هكذا في جواهر الكلام، ج 15، ص 358. و لكن الصحيح: «أبي محمد» كما ذكرنا سابقا. الكافي، ج 5، ص 94؛ التهذيب، ج 6، ص 186؛ الوسائل، ج 18، ص 336- 337.

(4). راجع الجواهر: ج 15، ص 361.

622

..........

____________

هذا بعض الكلام في اعتبار الأمر الأوّل- أي عدم صرف الدّين في المعصية و إن كانت صغيرة في وجه- و أمّا اعتبار الأمر الثاني فهو أيضا ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه في الجملة، فلو كان الغارم غنيّا قادرا على أداء دينه من فاضل مئونة سنته لا يستحقّ الزكاة يقينا؛ لأنّه المتيقّن من النصّ و الفتاوى.

إنّما الكلام في أنّ المعتبر [هل] هو الفقر بالمعنى الذي تقدّم في الفقراء كما توهمه كلمات جماعة، أو عدم التمكّن من أداء الدّين مطلقا و لو من مئونة السنة، فيفرّق بين من كان مالكا فعلا لما يقضي عنه دينه، و بين القادر على تحصيل المؤونة بالكسب، أو عدم التمكّن من أداء الدّين من فاضل مئونة السنة؟ وجوه، لكن ليس قائل بالوجه الأوّل جدّا.

توضيح ذلك: أنّ الموجود في جملة من كتب الأصحاب- كالخلاف (1) و الغنية (2) و ظاهر التذكرة (3)- دعوى الاجماع أو إجماع أهل العلم كافّة كما عن المبسوط (4) على اشتراط الفقر في الغارمين، و باشتراطه صرّح غير هؤلاء، لكن من المعلوم الذي لا يرتاب فيه أحد أنّه ليس مرادهم منه ما ذكروه في الصنف الأوّل من المستحقّين و هم الفقراء بمعنى عدم الاقتدار على تملّك مئونة السنة.

و الذي يدلّ على ذلك أنّهم أجمعوا على جواز إعطاء الكسوب الذي يقدر على تحصيل المؤونة بالكسب بحيث لا يفضل عنها، بل عن نهاية الإحكام (5) احتمال إعطاء من يتمكّن من قضاء دينه من كسبه؛ لأنّ حاجة الغارم حاصلة بالفعل، لثبوت‌

____________

(1). الخلاف، ج 4، ص 235.

(2). غنية النزوع، ص 124.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 258.

(4). المبسوط، ج 1، ص 255.

(5). نهاية الإحكام، ج 2، ص 391.

623

..........

____________

الدّين في ذمّته، فلا يجدي الاقتدار على اكتساب ما يقضي به الدّين بالتدريج، و على إعطاء الغارم الذي يكون عيالا للغير مع عدم تملّكه ما يفي بدينه مع عدم كونه فقيرا بالمعنى الذي ذكروه في الفقراء، كما لا يخفى، و على إعطاء دين الميّت مع عدم صدق الفقير عليه قطعا، فهذا الذي شاهد على عدم إرادتهم من الفقير معناه المعهود.

هذا، مضافا إلى تصريح الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1) و العلّامة (2) و غيرهما ممّن حكم باشتراط الفقر بأنّه يعطى الغارم الصارف دينه في المعصية بعد التوبة من سهم الفقراء إن كان فقيرا.

و هذا كما ترى لا يجامع إلّا مع عدم اشتراط الفقر في الغارم بمعناه المقصود منه في الفقير، و إلّا لم يكن معنى لجعل الغارم مقسما، فإنّه على القول باعتبار الفقر فيه لا ينفكّ عنه.

إلى غير ذلك من كلماتهم الصريحة في عدم إرادتهم من الفقر معناه المعهود، فلا معنى إذا للأخذ بما يتراءى من ظواهر كلماتهم.

هذا كلّه، مضافا إلى شهادة جماعة من الأصحاب بذلك.

قال في المدارك: «الظاهر أنّ المراد من الغنى انتفاء الحاجة إلى القضاء، لا الغنى الذي [هو] ملك قوت السنة؛ إذ لا وجه لمنع مالك قوت السنة من أخذ ما يوفي به الدّين إذا كان غير متمكّن من قضائه» (3). انتهى كلامه.

و به صرّح غيره أيضا في مقام بيان المراد من اشتراط الفقر عندهم، كالفاضل‌

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 251.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 521؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 258؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 407.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 223. قال فيه- بعد ذكر عبارة المعتبر: (انّ الغارم لا يعطى مع الغنى)-:

«و الظاهر أنّ مراده بالغنى انتفاء الحاجة ...».

624

..........

____________

الأصبهاني (1) و غيره.

فما ذكره في المبسوط (2) من اشتراط الفقر في خمسة أصناف و عدّ الغارم منهم يراد منه اشتراط الحاجة في كلّ الخمسة و إن كان ظاهره اعتبار الفقر فيها على نهج واحد لكن لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور، كما لا يخفى.

فتعيّن إذا أن يكون مرادهم من الفقر الحاجة إلى ... (3).

و ممّا ذكرنا كلّه في شرح كلماتهم ينقدح فساد ما أفاده بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب تبعا لشيخه، و تبعه فقيه عصره في كشفه (4) في المقام، من إبقاء كلماتهم الظاهرة في اشتراط الفقر بمعناه المعهود على حالها، و جعل الدّين من أجزاء المؤونة، و إلّا لم يصحّ حكمهم باشتراط المقتضي (5) مع إجماعهم على جواز إعطاء من لا يكون فقيرا على تقدير عدم جعل الدّين من المؤونة، حيث قال بعد نقل ما عرفته عن المدارك و كلام الفاضل الأصبهاني ما هذا لفظه: «قلت: الأصل في ذلك ما دلّ على أنّ الزكاة إنّما شرّعت لسدّ الخلّة و دفع الحاجة و أنّها لا تحلّ لغنيّ، و أنّ اللّه شرّك بين الأغنياء و الفقراء، إلى غير ذلك ممّا دلّ على كونها للفقراء، و قد صرّح غير واحد باعتبار الفقر فيهم، بل قد عرفت أنّه معقد الإجماعات المزبورة، فيمكن أن ينقدح من ذلك اعتبار القدرة على قضاء الدّين مع مئونة السنة في الغني، فمن عجز عنهما أو أحدهما فهو فقير، و من ملك ما يقابلهما معا كان غنيّا، كما صرّح به الاستاذ في كشفه في تعريف الفقر و الغنى، ضرورة أنّ الحاجة إلى وفاء الدّين أشدّ من الحاجة إلى غيرها‌

____________

(1). حكاه الجواهر، ج 15، ص 356.

(2). المبسوط، ج 1، ص 255.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمتان غير مقروءتين.

(4). راجع كشف الغطاء، ج 2، ص 353 و 355.

(5). كذا في الأصل.

625

..........

____________

من المؤن، مضافا إلى صدق الفقير على من ملك قوت سنته و كان عليه أضعافها دينا، و خصوصا إذا كان قد اشتراها به، و لذا يعطى في الخمس و غيره ممّا يشترط فيه الفقر، و دعوى أنّ مثله غنيّ، كما ترى، فحينئذ اشتراط الفقر ممّن عرفت في محلّه؛ إذ متى كان عاجزا عن وفاء الدّين كلّا أو بعضا كان فقيرا و إن ملك قوت سنته، و هو المراد من اشتراط عدم التمكّن من القضاء» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أنت خبير بما فيه؛ لأنّ جعل الدّين من أجزاء قوت السنة و مؤنها ممّا تأبى عنه الأخبار و الفتاوى، و الرجوع إلى حكم العرف إنّما يجدي إذا لم يرد للفقير تحديد بحسب الشرع، و أمّا بعد ورود التحديد الشرعي فلا معنى للرجوع إلى حكم العرف، كما لا يخفى.

فلا يمكن إذا حمل كلماتهم في اشتراط الفقر على ما أفاده، كما أنّه لا يمكن استفادته من الأخبار، فإذا لا بدّ من أن يحمل الفقر- في كلام من اشترطه في أصناف خمسة من ثمانية أصناف- على الحاجة المطلقة في كلّ بحسبه، فتدبّر، هذا.

و أمّا الوجهين الأخيرين فذهب إلى كلّ فريق، فإنّ ظاهر الشهيدين (2) و ثاني المحقّقين (3) و بعض من تأخّر عنهم- على ما حكي- هو العجز عن أداء الدّين مطلقا و لو من مئونة السنة، و هو الوجه الأوّل من الوجهين الأخيرين، فالنسبة بين العاجز و الفقير على ما أفاده عموم من وجه، فإنّه قد يكون غنيّا شرعيّا و غير متمكّن من أداء الدّين كالكسوب الذي يفي كسبه بمؤونة سنته يوما فيوما و لا يفي بشي‌ء من الدّين،

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 356- 357.

(2). راجع الدروس، ج 1، ص 241؛ الروضة البهيّة، ج 2، ص 47؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 416- 417.

(3). راجع جامع المقاصد، ج 3، ص 32 و 41.

626

..........

____________

و كالغارم الذي يكون مالكا للغير (1) إذا لم يتمكّن من أداء الدّين. و قد يكون فقيرا متمكّنا [ك‍] من لا يملك لقوت سنته فعلا بحيث يقدر على أداء الدّين معه. و قد يكون فقيرا عاجزا كما إذا كان ... (2) أو لم يكن من أداء الدّين عنده إلّا شي‌ء قليل من مئونة السنة، هذا.

و صريح العلّامة في محكيّ النهاية الوجه الأخير؛ معلّلا له ب‍: «انتفاء الفائدة في أن يدفع ماله ثمّ يأخذ الزكاة باعتبار الفقر» (3) و قد عرفته عن السيّد في المدارك (4)، و اختاره شيخنا- دام ظلّه العالي- حاملا لكلام القائلين باشتراط الفقر عليه، حتّى كلام الشيخ (رحمه اللّه) و من يحذو حذوه ممّن اشترط من أداء الدّين في بعض كلماته المحكيّة.

و استدلّ- دام ظلّه العالي- عليه- مضافا إلى ما عرفته من النهاية من لغويّة إلزام الدفع عن مئونة السنة في الغرم و الأخذ من سهم الفقراء و إن كان فيه تأمّل- بوجهين:

أحدهما: تقابل الغارمين للفقراء في الآية الشريفة، فإنّه يقضي بعدم اعتبار الفقر بالمعنى المعتبر في الفقير في الغارم، و من يذهب إلى اعتبار العجز عن أداء الدّين و لو من مئونة السنة و إن كان لا يقول باعتبار الفقر بهذا المعنى في الغارم إلّا أنّ لازم قوله باعتبار العجز على الإطلاق و لو عن مئونة السنة يقتضي اعتبار الفقر بالمعنى المزبور في الجملة، فتدبّر.

ثانيهما: الأخبار الدالّة على جواز المقاصّة و الاحتساب عن الحيّ و الميّت، فإنّها تشمل صورة الاقتدار على أداء الدّين من قوت السنة جدّا و لو بالإطلاق.

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مفهومتين.

(3). نهاية الإحكام، ج 2، ص 391.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 223.

627

..........

____________

مثل: ما رواه عقبة بن خالد: «دخلت أنا و المعلّى و عثمان بن عمران على أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، فلمّا رآنا قال: مرحبا [مرحبا] بكم، وجوه تحبّنا و نحبّها، جعلكم اللّه معنا في الدنيا و الآخرة، فقال له عثمان: جعلت فداك، فقال [له أبو عبد اللّه (عليه السّلام)]: نعم، مه، فقال: إنّي رجل موسر، فقال له: بارك اللّه [لك] في يسارك، فقال: يجي‌ء الرجل فيسألني الشي‌ء و ليس هو إبّان زكاتي، فقال له: أبو عبد اللّه (عليه السّلام): القرض عندنا بثمانية عشر، و الصدقة بعشرة، و ما ذا عليك إذا كنت [كما تقول] موسرا أعطيته، فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة» (1).

و ما رواه سماعة: « [سألته] عن الرجل يكون له الدّين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة، فقال: إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملا يتقلّب فيها بوجهه فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها، فان لم يكن عند الفقير وفاء و لا يرجو أن يأخذ منه شيئا فليعطه من زكاته و لا يقاصّه بشي‌ء من الزكاة» (2) فإنّ الرواية و إن كانت محمولة على الاستحباب- كما ذكره في محكيّ الذخيرة (3) و غيرها- إلّا أنّ دلالتها على جواز المقاصّة مع القدرة على أداء الدّين من قوت السنة ظاهرة.

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالّة- و لو بإطلاقها- على حكم المسألة التي لا يرتاب الفقيه في عدم جواز حملها على صورة العجز عن أداء الدّين و لو من قوت السنة، فإنّ من بعض أفراد المسألة التمكّن من أداء جزء من الدّين و اليسير من قوت السنة و لو كانت قوت يومين، و دعوى عدم شمولها للفرض كما ترى.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 34.

(2). الكافي، ج 3، ص 558- 559؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 296.

(3). ذخيرة المعاد، ج 3، ص 464.

628

..........

____________

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه العالي-.

و استدلّ للوجه الثاني- الذي ذهب إليه جماعة من المتأخّرين ممّن عرفت- مضافا إلى الأصل: بقوله: «و لا تحلّ الصدقة لغنيّ» (1) و ما يقرب منه (2)، و ما دلّ على أنّ تشريع الزكاة لسدّ الخلّة (3)، و ما ورد في بعض الروايات من أنّ من كان عليه دين و عنده ما يقضي به دينه من قوت سنته يقضي به دينه و يأخذ من الزكاة، هذا.

و أورد شيخنا- دام ظلّه العالي- على الأوّل مضافا إلى استثناء الغارم منه في بعض الروايات أوّلا بأنّ الغنى في الرواية محتمل على الغنى العرفي، و لا نسلّم صدقه على من عنده قوت السنة و عليه دين كثير، سيّما إذا كانت قوته من دينه، و لا شاهد لحمله على من كان عنده قوت السنة.

و ثانيا بأنّ معنى الرواية عدم حلّيّة الصدقة للغنيّ عنها و ليس الغارم في الفرض غنيّا عنها، هذا.

و أنت خبير بطروء بعض المناقشات فيما أفاده.

و أمّا ما أورده عليه بعض من تأخّر [عنه] من عدم المفهوم للرواية أوّلا، و وقوع التعارض بينها و بين ما دلّ على الجواز من إطلاقات الكتاب و السنّة تعارض العموم من وجه ثانيا، فليس له محصّل؛ إذا الاستدلال بالرواية ليس مبنيّا على ثبوت المفهوم، و الرواية على تقدير دلالتها حاكمة على الإطلاقات، و على تسليم التعارض لا مناص من الرجوع إلى أصالة عدم الاستحقاق و الجواز، كما لا يخفى.

و أورد- دام ظلّه- على الثاني- مضافا إلى عدم صلاحيّته دليلا و إن صلح‌

____________

(1). التهذيب، ج 4، ص 51؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 233- 234 و 239.

(2). الكافي، ج 3، ص 563؛ الفقيه، ج 3، ص 177؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 231- 233.

(3). راجع الكافي، ج 3، ص 498؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 10- 14 و 29.

629

..........

____________

تأييدا- بأنّا أيضا نسلّم مفاد ما دلّ على أنّ مشروعيّة الزكاة لسدّ الخلّة و الحاجة، لكنّه لا ينافي ما نقول به في الفرض؛ لأنّا لم نقل بجواز صرفها في غير الحاجة، فتدبّر.

و على الثالث بأنّ الرواية لا دلالة لها على تكليف المعطي و لا على تكليف الآخذ من حيث أخذ الزكاة، و إنّما تدلّ على وجوب أداء الدّين عند المطالبة أو استحبابه عند عدمها من قوت السنة، فإذا أدّاه يأخذ الزكاة إذا اتّفقت له، فلا تدلّ على حرمة إعطاء الزكاة على المعطي و الحال هذه، و لا حرمة أخذها على الغارم في هذه الحاجة حتّى تدلّ بالملازمة على عدم جواز الاستحقاق و الإعطاء، فالرواية ليست لها دلالة عرفيّة على المدّعى، غاية الأمر إشعارها في هذا المعنى، و من المعلوم عدم الاكتفاء [به] في رفع [اليد] عن مقتضى ما قدّمناه، كما لا يخفى، هذا بعض الكلام في هذا الشرط.

و هنا فروع ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: أنّه لا إشكال في كلّ ما يجوز إعطاء الغارم في أنّه لا يجوز إعطاء الزائد على غرمه،

بل لا خلاف فيه.

هذا على ما ذكرنا من عدم جعل الغرم جزءا للمئونة، و أمّا على ما ذكره بعض مشايخنا (1) فيما عرفت منه تبعا لشيخه في الكشف (2) فلازمه جواز إعطاء الزائد، كما يستفاد من كلامه؛ لأنّه بواسطة الغرم يدخل في الفقير الشرعي موضوعا فيراعى حكمه، لكنّه كما ترى.

و قد صرّح (قدّس سرّه) بظهور الثمرة بين ما بنى عليه خلافه في مواضع.

منها: ما أفاده- بعد ذكر الإشكال على قول المصنّف في إطلاق القول بجواز‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 356- 357.

(2). كشف الغطاء، ج 2، ص 353 و 355.

630

صرف الزكاة إلى الغارم- الصارف غرمه في المعصية- إذا تاب من سهم الفقراء و كلام له- من قوله: «بل قد يقال: [إنّه] بناء على ما قدّمنا من تحقّق الفقر بالغرم لا حاجة إلى تقييد [كلام] المصنّف بما ذكره، فإنّه يعطى المالك لقوت سنته من حيث الفقر بسبب ما عليه من الدّين و إن كان قد صرفه في معصية لكن بشرط التوبة، بناء على ما عرفت، فإنّ دين المعصية و إن كان لا يقضى من سهم الغارمين لكنّه يؤثّر في الغارم صفة الفقر فيعطى من هذه الجهة، فتأمّل جيّدا فإنّه دقيق» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و لكنّك خبير بأنّ ما أفاده خلاف قضيّة كلماتهم.

الثاني: أنّه لا إشكال في أنّ المراد بالغرم مطلق ما اشتغلت الذمّة به و لو بالإتلاف،

لا خصوص الاستدانات، بالنصّ كتابا و سنّة و فتوى.

و يدلّ عليه قول الحسنين (عليهما السّلام) في خبر عبد الرحمن المتقدّم ذكره: «إنّ الصدقة لا تحلّ إلّا في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع» (2).

كما أنّه [لا] إشكال في عدم اعتبار حلول الأجل في الدّين المؤجّل؛ لما عرفت من النصّ و الفتوى.

الثالث: أنّه لا إشكال بل لا خلاف في أنّه لا يتعيّن دفع الزكاة إلى الغارم ليصرفه في غرمه،

بل يجوز له الصرف فيه من غير أن يدفعه إليه أو المقاصّة عنه و احتسابه عن الزكاة فيما لو كان الدّين من المزكّي و إن لم يكن بتوكيل من الفقير، كما أنّه لا فرق في ذلك كلّه بين أن يكون الغارم حيّا أو ميّتا، كان المزكّى وارثه في الثاني أولا، كلّ ذلك للأخبار الكثيرة الدالّة عليه التي مرّ ذكر بعضها.

نعم، هنا كلام في أنّه هل يعتبر قصور التركة عن أداء الدّين أم لا؟

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 360.

(2). الكافي، ج 4، ص 47؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 211.

631

فعن المبسوط (1) و الوسيلة (2) و التذكرة (3) و الدروس (4) و البيان (5) و المدارك (6) و غيرها الاعتبار؛ نظرا إلى دلالة خبرين (7) عليه:

أحدهما: ما رواه زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين، أ يؤدّي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير؟ فقال: إن كان [أبوه] أورثه مالا ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه [قضاه] من [جميع] الميراث و لم يقضه من زكاته، و إن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، فإذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه» (8).

و هما حاكمان على الإطلاق في جملة من الروايات؛ لما عرفت.

و عن جماعة عدم اعتباره نظرا إلى الإطلاقات الواردة في مقام البيان.

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 229.

(2). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 365.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 282.

(4). الدروس، ج 1، ص 241.

(5). البيان، ص 196.

(6). مدارك الأحكام، ج 5، ص 228.

(7). صرّح المصنّف بدلالة الخبرين، و لكن لم يكن في المتن من الخبر الثاني أثر و لعلّه أسقطه الكاتب.

و كيف كان مراده من الخبر الثاني إمّا خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السّلام) و إمّا خبر يونس بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام).

و في الاول: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن رجل عارف فاضل توفي و ترك عليه دينا قد ابتلى به لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة الالف و الالفان؟ قال: نعم».

الكافي، ج 3، ص 549؛ التهذيب، ج 4، ص 102، ج 9، ص 170؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 259 و 295.

و في الثاني: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: قرض المؤمن غنيمة و تعجيل اجر إن أيسر قضاك و إن مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة». الكافي، ج 3، ص 558؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 299.

(8). الكافي، ج 3، ص 553؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 250.

632

و التحقيق هو الأوّل؛ لما عرفت، مضافا إلى ما قيل من اقتضاء القاعدة له أيضا من حيث بقاء التركة في حكم مال الميّت.

نعم، لا يبعد القول بالجواز فيما إذا لم يمكن الأداء من التركة بسبب من الأسباب، كما صرّح به جماعة.

الرابع: أنّه فيما يدفع الزكاة إلى الغارم للصرف في غرمه لا يجوز له صرفه في غيره

بلا إشكال و خلاف، إنّما الكلام في أنّ دفع الزكاة إليه هل هو إباحة له على جهة خاصّة أو تمليك على وجه خاصّ؟ ظاهر كلماتهم هو الثاني، و قد صرّح به في محكيّ التذكرة (1) و غيرها، فإنّه قد جعل فيها التملّك للأصناف على ضربين:

أحدهما: التملّك المستقرّ، كما في تملّك الفقير للزكاة.

ثانيهما: المراعى، كما في المقام و شبهه بالبيان الذي ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

و كون الغارم مصرفا و ظرفا للزكاة من حيث الغرم كما تقضي به الآية الشريفة، لا ينافي تملّكه؛ لأنّ الظرفيّة تجامع التملّك جدّا، كما لا يخفى، هذا.

و لكن ناقش فيه شيخنا- دام ظلّه العالي- بأنّ التمليك في المقام و شبهه إن رجع إلى التمليك المشروط بالصرف في الغرم فعند عدم الصرف ثبت الخيار، لا ما ذكروه من الاسترجاع، و إن رجع إلى التمليك المنجّز و إن كان الداعي الصرف في الغرم، فلا معنى للاسترجاع في الفرض المزبور أصلا.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ التمليك في المقام إنّما هو تمليك على نحو خاصّ، فهذا و إن كان منجّزا إلّا أنّه لا يقضي بعدم الاسترجاع، بل مقتضاه الاسترجاع؛ لانتفاء الخصوصيّة، فتدبّر.

____________

(1). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 283- 284.

633

ثمّ إنّه بعد البناء على كونه على وجه التمليك، فهل امتثال أمر الزكاة يحصل بمجرّد هذا التمليك، سواء صرفه الغارم في غرمه أم لا- غاية الأمر أنّه إذا لم يصرفه في غرمه يسترجع منه حسبة إمّا خصوص حاكم الشرع أو كلّ من يقدر عليه، سواء في ذلك المالك، و غيره، على المشهور؛ لأنّ التمليك إنّما هو على وجه خاصّ، فلا يجوز الصرف في غيره، خلافا للشيخ (رحمه اللّه) في محكيّ مبسوطه (1) و جمله (2)، فلا يسترجع؛ لحصول الملك بالقبض- أو يكون مراعى بالصرف في الغرم و يكون التمليك من باب المقدّمة، فإذا لم يصرفه في الغرم كان الأمر باقيا؛ لعدم تحقّق الامتثال- و هو الصرف في الغرم- و إن تحقّق بعض طرفه و هو تملّك الغارم؟ و جهان، بل قولان، صريح المشهور الثاني، و صريح بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) الأوّل، و هذا هو الحقّ؛ لما عرفت من أنّ الدفع إلى الغارم حقيقة ليس إيتاء للزكاة، و إنّما الإيتاء الدفع إليه بعنوان غرمه بحيث يصرفه فيه، فالمقصود هو الصرف في الغرم، و ليس هذا تكليف الغارم بحيث لم يكن له دخل بالمعطى حتّى يحصل الإجزاء بمجرّد الدفع، كما زعمه شيخنا المتقدّم ذكره.

و من هنا كان الحكم نصّا و فتوى جواز الصرف من دون الدفع إليه، و حكموا بكون التملّك مراعى، فما لم يصرف في الغرم كان المال باقيا في ملك مالكه، فيسترجعه من هذه الجهة، فالمقصود من وجوب الاسترجاع هو هذا المعنى، لا الحكم التكليفي، فتأمّل.

الخامس: أنّه لو لم يعلم أنّ الغارم صرفه في غرمه أم لا، لم يكن خلاف ظاهرا في الحكم بحصول براءة الذمّة ظاهرا،

و لعلّه لأصالة الصحّة في أمر المسلم، فتأمّل.

____________

(1). راجع المبسوط، ج 1، ص 246.

(2). راجع الجمل و العقود (الرسائل العشر- للطوسي)، ص 206.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 367.

634

السادس: أنّه لو ادّعى الغرم فهل تسمع دعواه مطلقا، أو لا تسمع كذلك،

فلا بدّ من إثباتها، أو يفصّل بين ما لو صدّقه الغريم و بين ما لم يصدّقه مطلقا، أو فيما كذّبه؟

وجوه، ظاهر المشهور الأوّل، و صريح المحكيّ عن العلّامة في التذكرة (1) الثاني، و هذا هو الحقّ بالنظر إلى قضيّة القاعدة.

نعم، لا وجه لمطالبة اليمين و كفايتها، كما أسمعناك في بعض المباحث السابقة.

السابع: أنّه لا فرق فيما سمعت كلّه ظاهرا بين الدين المؤجّل و الحالّ،

كما صرّح به جماعة؛ لإطلاق النصّ و الفتوى.

الثامن: ما سمعت كلّه إنّما هو إذا كان الدّين أو الغرم راجعا إلى نفس الغريم،

و أمّا الغارم لإصلاح ذات البين- كما لو وجد قتيل لا يدرى من قتله و كاد تقع بسببه فتنة فتحمّل رجل ديته، أو بأن تلف مال لا يدرى من أتلفه و كاد تقع بسببه فتنة فتحمّل رجل قيمته- فالمصرّح به في كلام الشيخ (رحمه اللّه) (2) و من تأخّر عنه (3) أنّه داخل في الغارم أيضا، فيعطى ما تحمّله من الدية و القيمة، فقيرا كان أو غنيّا على المشهور.

و إن استشكل فيه في محكيّ النهاية (4) للفاضل مع قطعه بجواز الإعطاء مع الفقر إذا لم يؤدّها من ماله و لم يخالف فيه أحدا ممّن تعرّض له.

و استدلّوا له مضافا إلى عموم الغارم في الآية (5) بقوله: «لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلّا‌

____________

(1). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 282.

(2). المبسوط، ج 1، ص 254.

(3). كما في الوسيلة، ص 129؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 528؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 259؛ البيان، ص 198؛ الدروس، ج 1، ص 241؛ مجمع الفائدة، ج 4، ص 164؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 455؛ الحدائق الناضرة، ج 12، ص 194.

(4). نهاية الإحكام، ج 2، ص 392.

(5). التوبة (9): 60.

635

لخمس: غاز في سبيل اللّه، و عامل عليها، أو غارم» (1) و إن نوقش فيه بأنّ الاستثناء غير موجود في شي‌ء من اصولها، و من هنا أجمعوا على اشتراط الفقر و الحاجة في الغارم.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الأولى الاستدلال له بقول الحسنين (عليهما السّلام) في خبر عبد الرحمن المتقدّم ذكره: «إنّ الصدقة لا تحلّ إلّا في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع» (2) الحديث.

و بما ورد (3) في بعض الأخبار من منع الزكاة ممّن ينادي نداء الجاهليّة، فإنّ ظاهره مشروعيّة الزكاة فيما لو لم يكن النداء من نداء الجاهليّة، فتدبّر، هذا.

و قد ألحق بها الضامن مالا عن غيره الفاضل في جملة من كتبه، بل عن المنتهى (4) و التحرير (5) و النهاية (6) أنّه لو استدان لعمارة المسجد أو قرى الضيف اعطي مع الفقر، بل عن بعض الحواشي (7) الإعطاء مع الغنى أيضا.

و المسألة لا تخلو عن إشكال، و اللّه العالم.

____________

(1). مسند أحمد، ج 3، ص 56؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 7، ص 15 و 17 (مع اختلاف).

(2). الكافي، ج 4، ص 47؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 211.

(3). عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، أنّ محمّد بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الصدقات؟ فقال: أقسمها في من قال اللّه عزّ و جلّ، و لا تعطين من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهلية شيئا. قلت: و ما نداء الجاهلية؟ قال: هو الرجل يقول لبني فلان فيقع بينهما القتل و الدماء فلا يؤدّوا ذلك من سهم الغارمين». الوسائل، ج 9، ص 298، حاكيا عن السرائر، ج 3، ص 607.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 521.

(5). تحرير الأحكام، ج 1، ص 408.

(6). نهاية الإحكام، ج 2، ص 392.

(7). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 363.

636

[سبيل اللّه]

قوله (قدّس سرّه): و في سبيل اللّه، و هو الجهاد [خاصّة]. و قيل: يدخل فيه المصالح كبناء القناطر و الحجّ و مساعدة الزائرين و بناء المساجد، و هو الأشبه (1) (1).

____________

أقول: أصل هذا المصرف للزكاة ثابت بالنصّ- كتابا و سنّة- و الإجماع، فلا ينبغي الارتياب فيه، إنّما الإشكال بل الخلاف في المراد من سبيل اللّه في المقام، و إلّا لم يستشكل أحد في غيره، و من هنا أجمعوا على أنّه لو أوصى بصرف ثلثه في سبيله صرف في كلّ ما له أجر و ثواب.

توضيح ذلك: أنّ السبيل في الأصل بمعنى الطريق، و لا بدّ له من غاية، فإنّها مأخوذة في مفهومه جدّا، فإن كان حقيقة في الطريق الحسّي مع كون غايته أيضا حسّيّة، فلا إشكال في كون استفادته في المقام مبنيّا على ضرب من التوسّع.

و إن اريد منه الطريق الحسّي كالجهاد و الحجّ و الزيارة و نحوها، و إن كان حقيقة في الطريق الحسّي و إن لم تكن غايته حسّيّة فلا إشكال في كون استعماله حقيقة لو اريد منه خصوص ما كان بحسب الطريق حسّيّا كالمذكورات. و إن كان حقيقة في الأعمّ من الطريق الحسّي كان استعماله في مطلق التقرّب أيضا حقيقة، كما لا يخفى.

ثمّ إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المحكيّ عن المقنعة (2) و النهاية (3) و المراسم (4)

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 122.

(2). المقنعة، ص 241.

(3). النهاية، ص 184.

(4). المراسم العلوية: ص 132.

637

..........

____________

و الاشارة (1) أنّ المراد منه في خصوص المقام خصوص الجهاد، و عن المشهور أنّ المراد منه مطلق القرب، بل عن الخلاف (2) و الغنية (3) الإجماع عليه. و هذا هو الحقّ.

و يدلّ عليه- مضافا إلى أنّه الظاهر من إضافة السبيل إلى اللّه تعالى، كما قيل- وجوه من الروايات:

منها: ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق (عليه السّلام) أو عن العالم- المراد منه الصادق (عليه السّلام) كما قيل و إن تأمّل شيخنا- دام ظلّه العالي- فيه؛ نظرا إلى إطلاق العالم على غير موسى بن جعفر (عليه السّلام) غير معهود، و من هنا أورد في الوسائل (4) ما رواه الشيخ (رحمه اللّه) عن عليّ بن إبراهيم عن العالم مع نقله ما عن تفسيره عن الصادق (عليه السّلام)، و لعلّه من جهة العلّة (5) في نسخ كتاب الشيخ (رحمه اللّه) أو ما أخذ الرواية عنه و إن كان المحكي عن رجال أبو علي (6) شيوع إطلاق العالم على الصادق (عليه السّلام) بل انصرافه إليه و أنّه قد يطلق على موسى (عليه السّلام)-: «و في سبيل اللّه قوم يخرجون إلى الجهاد و ليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به، و في جميع سبل الخير، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتّى يقووا على الحجّ و الجهاد» (7).

و منها: ما عن عليّ بن يقطين في الصحيح: «قال لأبي الحسن [الأوّل] (عليه السّلام): يكون‌

____________

(1). اشارة السبق، ص 112.

(2). الخلاف، ج 4، ص 236.

(3). غنية النزوع، ص 124.

(4). وسائل الشيعة، ج 9، ص 213.

(5). كذا في الأصل.

(6). منتهى المقال، ج 1، ص 26 و الموجود فيه: «أقول: في الأكثر يراد بالعالم ... الكاظم (عليه السّلام)، لنهاية شدة التقية في زمانه (صلوات اللّه عليه)».

(7). تفسير القمي، ج 1، ص 299.

638

..........

____________

عندي المال من الزكاة أ فأحجّ به مواليّ و أقاربي؟ قال: نعم» (1) و ترك الاستفصال فيه عن كيفيّة الإحجاج كاف.

و منها: ما رواه في مستطرفات السرائر عن ابن أبي نصر عن جميل: «قال: سألت الصادق (عليه السّلام) عن الصرورة أ يحجّه الرجل من الزكاة؟ قال: نعم» (2).

و يدلّ عليه أيضا جميع الروايات (3) الواردة في بيان المراد من سبيل اللّه في الوصيّة و أنّه مطلق خير أو الحجّ، بعد عدم دليل على إرادة خصوص الجهاد فيه في المقام، هذا.

و استدلّ للقول بكون المراد منه خصوص الحجّ بما عن يونس بن يعقوب: «إنّ رجلا كان بهمدان ذكر أنّ أباه مات و كان لا يعرف هذا الأمر، فأوصى بوصيّة عند الموت و أوصى أن يعطى شي‌ء في سبيل اللّه، فسئل عنه أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و كيف نفعل به؟

و أخبرناه أنّه كان لا يعرف هذا الأمر، فقال: لو أنّ رجلا أوصى إليّ (بوصيّة) أن أضع في يهوديّ أو نصرانيّ لوضعته فيهما، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ (4) فانظروا إلى من يخرج إلى هذه الوجوه- يعني (بعض) الثغور- فابعثوا [به] إليه» (5). هذا.

و أنت خبير بعدم مقاومته على تقدير ظهوره في حصر السبيل في الجهاد؛ لما قدّمناه، فلا يصلح الاستناد إليه.

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 35- 36؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 290. (مع اختلاف في الاول).

(2). مستطرفات السرائر، ص 560.

(3). الكافي، ج 7، ص 14- 15؛ الفقيه، ج 4، ص 206؛ الاستبصار، ج 4، ص 130؛ التهذيب، ج 9، ص 203- 204؛ وسائل الشيعة، ج 19، ص 339- 340.

(4). البقرة (2): 181.

(5). الفقيه، ج 4، ص 200- 201؛ الاستبصار، ج 4، ص 128- 129؛ التهذيب، ج 9، ص 202؛ وسائل الشيعة، ج 19، ص 341.