كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
639

..........

____________

نعم، ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه لو ثبت إرادة خصوص الجهاد من إطلاقات سبيل اللّه في الكتاب كلّا أو الأغلب، صحّ الاستدلال لهذا القول بحمله في المقام على ما اريد منه في سائر الإطلاقات، لكنّ الأمر ليس كذلك جدّا، فإنّ المراد منه في جملة منها ما يكون وسيلة إلى تحصيل رضا اللّه، كقوله تعالى: يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (1) و نحوه.

و كيف كان، لا ينبغي الإشكال في كون المراد منه مطلق ما يكون وسيلة إلى تحصيل رضا اللّه تعالى و ثوابه ممّا ذكره المصنّف و غيره من الوقف عامّا أو خاصّا، و تزويج العزّاب، أو تسبيل شي‌ء من الماء و المأكول، و مكرمة العلماء و الصلحاء، و إعطاء أهل الظلم و الشرّ بل الكفر لا يكاد يؤمن من شرّهم، أو الاستعانة بهم في انقيادهم، إلى غير ذلك، إنّما الإشكال في مواضع:

أحدها: ما يظهر من جماعة منهم: بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب من رجوع النسبة بين هذا المصرف و سائر المصارف إلى العموم و الخصوص المطلقين.

قال شيخنا المتقدّم ذكره في شرحه بعد جملة كلام له في إثبات إرادة العموم من سبيل اللّه ما هذا لفظه: «فلا ريب [حينئذ] في أنّ الأقوى عمومه لكلّ قربة، فيدخل (فيه) حينئذ جميع المصارف و يزيد عليها، و إنّما يفارقها في النيّة» (2) انتهى ما أردنا نقله من كلامه (قدّس سرّه) اللطيف.

و بالجملة، ظهور كلمات جماعة بل صراحتها في ذلك ممّا لا ينبغي إنكاره.

و قد استشكل فيه شيخنا- دام ظلّه العالي- بأنّ تشريع سائر المصارف بعد فرض تشريع هذا المصرف يعدّ كاللغو؛ لأنّ تشريع الزكاة لجميع الخيرات التي منها المصارف السبعة لا يجامع تشريعها بالخصوص جدّا، و الافتراق بالنيّة لا معنى له بعد‌

____________

(1). المائدة (5): 54.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 370.

640

..........

____________

فرض جعلها من أفراد سبيل اللّه، كما لا يخفى، مع أنّه يلزم لغويّة الخصوصيّات التي اعتبروها في المصارف و الشروط التي اشترطوها فيها إذا لم يكن هنا دليل يقضي باعتبارها في سهم سبيل اللّه، كما لا يخفى.

فإن قلت: لعلّ الوجه في تشريعها مع كونها من مطلق القرب اقتضاؤها بالنظر إلى خصوصها و حالتها مع قطع النظر عن اقتضاء الكلّي الموجود في ضمنها، فلا يلزم حينئذ اللغويّة جدّا كعدم لزوم جعل قسم الشي‌ء قسيم الشي‌ء، كما لا يخفى؛ لأنّ الاختلاف بحسب الحيثيّة كاف في صحّة التقابل.

قلت: هذا الكلام على تقدير صحّته إنّما يتمّ على تقدير الالتزام بلازمه، و هو جواز صرف الزكاة في كلّ مصرف من وجهين، مثل أنّ تملّك الفقير شيئا من الزكاة من جهة خصوص فقره و تملّكه شيئا آخر من جهة سهم سبيل اللّه، لكنّ الظاهر عدم التزامهم به.

فإن قلت: هذا الكلام يجري بعينه في تقابل سائر المصارف مع اجتماع بعضها مع بعض، كما لا يخفى.

قلت: اجتماعها في الجملة مع افتراقها في الجملة أيضا لا يقدح في صحّة التقابل، ففيها يجدي تغاير الجهة حتى في صورة الاجتماع.

نعم، يرد الإشكال بالنسبة إلى الفقراء و المساكين. و يمكن دفعه بعدم ثبوت اتّحادهما و لا أعمّيّة أحدهما عن الآخر بقول مطلق، فتدبّر.

فالأولى لمن يريد التفصّي عن هذا الإشكال أن يلتزم بأنّ المراد من سبيل اللّه هو الصرف إلى جهة القربة، فلا يكون فيه تمليك لشخص بالذات و إن اتّفق التمليك من باب المقدّمة، كتمليك الغازي من سهم سبيل اللّه، أو الظالم لاستخلاص المؤمن، إلى غير ذلك من التملّك المقدّمي، و هذا بخلاف سائر المصارف؛ فإنّ صرف الزكاة فيها بمعنى التمليك و لو كان مراعى كما في جملة منها، و ما ذكرنا لا ينافي انفكاك الصرف‌

641

..........

____________

في بعضها في الجملة من التمليك كما في صرف الزكاة في الغرم في الجملة أو في الرقاب كذلك، فإنّ وقوع الصرف المجرّد عن التمليك أحيانا و في الجملة لا يوجب جعل التقابل ... (1) كما يوجب على التقدير الذي ذكروه.

نعم، لو التزم بجواز الصرف العاري عن التملّك في جميعها حتّى في إتيانها للفقراء كما كان يذكره شيخنا- دام ظلّه- في عداد كلماته لم يكن ما ذكرنا من التفصّي مستقيما، كما لو التزم بتعميم سبيل اللّه من التملّك على وجه القربة، فتدبّر.

ثمّ إنّه بناء على ما ذكرنا لا يجوز تمليك الفقير من وجهين، و إنّما يجوز تمليكه من سهم الفقراء، و إطعامه أو ... (2) مثلا من سهم سبيل اللّه، و هكذا.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- في التفصّي عن الإشكال الذي أوقعه [ظ: أو همه].

ثانيها: أنّه لا إشكال بل لا خلاف في عدم اعتبار الفقر في هذا المصرف إذا صرف في الجهة العامّة، و منه إعطاء الغازي و من يستعان به لدفع الظلم و نحوهما ممّن يكون الدفع إليه بعنوان الخصومة، بل لا معنى لاعتبار الفقر فيه، كما لا يخفى، كما أنّه لا إشكال بل لا خلاف ظاهرا في عدم اعتبار الفقر بالمعنى الذي عرفته في الصنف الأوّل فيما إذا أعطى من هذا المصرف شخصا خاصّا و إن أوهمه بعض العبائر.

أمّا الحاجة إلى ما يدفع لأجله، فقد اختلفت كلماتهم في اعتبارها، فعن جماعة العدم، و هو صريح بعض المتأخّرين، و عن آخرين اعتبارها منهم: الشهيد (رحمه اللّه) في المسالك و الروضة (3)، بل عن الغنية (4) الإجماع عليه.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(3). الروضة البهيّة، ج 2، ص 49.

(4). غنية النزوع، ص 124. و في المخطوطة «اللمعة» بدل «الغنية» و لكن الصحيح ما أثبتناه.

642

..........

____________

قال في المسالك: «و يجب تقييده بما لا يكون فيه معونة لغنيّ مطلق بحيث لا يدخل في شي‌ء من الأصناف [الباقية] فيشترط في الحاجّ و الزائر الفقر أو كونه ابن سبيل أو ضيفا، و الفرق بينهما حينئذ و بين الفقير أنّ الفقير لا يعطى الزكاة ليحجّ بها من جهة كونه فقيرا و يعطى لكونه في سبيل اللّه» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و استظهر عنه في المدارك (2) اعتبار الفقر زيادة على الحاجة، و هو كما ترى.

و عن التذكرة التوقّف في المسألة حيث استشكل فيها و لم يرجّح شيئا من الطرفين، فإنّه بعد ما ذكر أنّه يدخل في سهم سبيل اللّه معونة الزوّار و الحجيج، قال:

«و هل يشترط حاجتهم؟ إشكال ينشأ من اعتبار الحاجة كغيره من أهل السّهمان و من اندراج إعانة الغني تحت سبيل الخير» (3). انتهى.

و تردّد في المدارك (4) في المسألة بعد ما رجّح أوّلا اعتبار الحاجة.

و المسألة و إن كانت لا تخلو عن إشكال إلّا أنّ الظاهر اعتبار الحاجة؛ لعموم ما دلّ على حرمة الصدقة لغنيّ عنها، و منافاة إعطائها الغنيّ لحكمة التشريع، فتدبّر.

و يدلّ عليه مضافا إلى ما عرفت و الأصل، ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسير سبيل اللّه (5). هذا.

ثالثها: أنّه قد اشتهر أنّ بيت المال خراج الأراضي المفتوحة عنوة، و سهم سبيل اللّه من الزكاة.

____________

(1). مسالك الأفهام، ج 1، ص 420.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 231.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 282.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 232.

(5). تفسير القمي، ج 1، ص 299. المتقدّم ذكره.

643

..........

____________

و عن ثاني المحقّقين في تعليقته على الإرشاد (1) في أحكام الموات و غيره بعد تعيين بيت المال أنّه لا يجوز صرفه إلّا فيما يتعلّق بالمصالح العامّة للمسلمين.

و هذا كما ترى بظاهره غير مستقيم، فإنّه لا ريب في جواز صرف سهم سبيل اللّه في غير ما يتعلّق بالمصالح العامّة، فلعلّ المراد بيان جواز صرف سهم سبيل اللّه في المصالح العامّة، لا تعيّن صرفه فيه كما في الخراج و إن كان ظاهر التسالم منهم في جواز صرف بيت المال أيضا في تزويج العزّاب و إنفاق من غاب عنها زوجه، إلى غير ذلك ممّا يعدّ: عدم اختصاص مصرف بيت المال أيضا بالمصالح العامّة و إن دفعه شيخنا- دام ظلّه العالي- بأنّ المراد تعلّق المصرف إليه بنوع المسلمين و لو لم يستوعب أكثرهم، فتدبّر.

____________

(1). لم نقف عليه في حاشية الإرشاد (حياة المحقّق الكركي و آثاره).

644

[ابن السبيل]

قوله: و ابن السبيل، و هو المنقطع به و لو كان غنيّا في بلده، و كذا الضيف، و لا بدّ أن يكون سفرهما مباحا، فلو كان معصية لم يعط، و يدفع إليه قدر الكفاية إلى بلده، و لو فضل منه شي‌ء أعاده، و قيل: لا (1) (1).

____________

أقول: هذا المصرف أيضا ثابت بالنصّ- كتابا و سنّة- و الإجماع، فلا يرتاب في أصل ثبوته، إنّما الكلام في المراد منه و شرط صرف الزكاة فيه، و مقدار المصروف.

فنقول: إنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ ابن السبيل بحسب اللغة و العرف هو ابن الطريق، فهل وجه الإضافة و الملابسة المعتبرة فيها مجرّد كونه مسافرا و في الطريق كما عن جماعة (2)، أو انقطاعه به زائدا عليه كما عن القاموس (3) و جماعة (4)؟

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). كما يحكى عن ابن الجنيد. راجع فتاوى ابن الجنيد، ص 98.

(3). القاموس المحيط، ج 3، ص 392.

(4). المقنعة، ص 241؛ المراسم العلوية، ص 132؛ النهاية، ص 184؛ الخلاف، ج 4، ص 236؛ المبسوط، ج 1، ص 252؛ الاقتصاد، ص 282؛ المهذب، ج 1، ص 169؛ الوسيلة، ص 128؛ غنية النزوع، ص 124؛ السرائر، ج 1، ص 458؛ اشارة السبق، ص 112؛ المعتبر، ج 2، ص 578؛ المختصر النافع، ص 59؛ الجامع للشرائع، ص 144؛ جامع الخلاف و الوفاق، ص 143؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 350؛ مختلف الشيعة، ج 3، ص 204؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 287؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 409؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 394؛ إيضاح الفوائد، ج 1، ص 197؛ المهذّب، ج 1، ص 532؛ جامع المقاصد، ج 3، ص 33؛ الروضة البهيّة، ج 2، ص 49؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 420؛ مجمع الفائدة، ج 4، ص 165؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 234؛ كشف الغطاء، ج 2، ص 355؛ رياض المسائل، ج 5، ص 12؛ غنائم الأيام، ج 4، ص 158؛ مستند الشيعة، ج 9، ص 292؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 372.

645

..........

____________

فعلى الأوّل يكون قيد الانقطاع من الامور المعتبرة في تعلّق الحكم فنلتمس قيام الدليل عليه عموما و خصوصا.

و على الثاني يكون مأخوذا في الموضوع.

و الذي استظهره شيخنا- دام ظلّه العالي- هو الأوّل، و هو الحقّ؛ لمساعدة العرف عليه.

توضيح ذلك: إنّه يضاف الابن كثيرا ما في لغة العرب إلى ما هو جهة تقدّم و لو بحسب الرتبة بالنسبة إلى المضاف، أو جهة أخرى من مناسبات الأبوّة، و من هنا قال عليّ بن الحسين (عليه السّلام): «أنا ابن مكّة و منى، و أنا ابن زمزم و صفا» (1). و يقال: أبناء الدهر، و أبناء الزمان، و أبناء الدنيا، كما أنّه يضاف الأب كثيرا إلى ما هو جهة تأخّر بالنسبة إلى المضاف، كما يقال: أبو الحمار، و أبو السيادة، و أبو الدار و العيال، بناء باعتبار (2)، إلى غير ذلك، كما يضاف الأخ أيضا إلى من يكون المضاف منهم و في مرتبتهم بحسب الرتبة، كما يقال: يا أخا همدان، و نحوه، و منه قوله تعالى: قٰالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ (3).

و الظاهر أنّ إضافتهم الابن إلى السبيل إنّما هو لمجرّد ملابسة كونه فيه و ملازما له، لا باعتبار انقطاعه. فما ذكره في القاموس يكذّبه التبادر العرفي بضميمة أصالة عدم النقل، فتدبّر.

و كيف كان، لا إشكال في اعتبار التلبّس بالسفر في مفهومه، فما عن الإسكافي (4) و الشهيد في اللمعة (5) و الدروس (6) من كفاية مجرّد إنشاء السفر في صدقه و إن لم يتلبّس‌

____________

(1). بحار الأنوار، ج 45، ص 138.

(2). كذا قوله: «أبو الحمار ... باعتبار» في الأصل.

(3). الشعراء (26): 124.

(4). أي ابن الجنيد. راجع فتاوى ابن الجنيد، ص 98.

(5). راجع اللمعة الدمشقية، ص 43.

(6). الدروس، ج 1، ص 242.

646

..........

____________

بعد به، فحكموا باستحقاقه الزكاة، ممّا لا نفهمه، فإنّه و إن كفت في الإضافة أدنى الملابسة إلّا أنّها مصحّحة للإضافة على تقدير ثبوته من أهل اللسان، و ليست تأسيسا، و لم تثبت إضافة الابن منهم إلى السبيل في حقّ من ينشئ السفر مع عدم تلبّسه به.

هذا كلّه، مضافا إلى مخالفته لما ورد في تفسير ابن السبيل ممّا ستقف عليه ان شاء اللّه.

ثمّ إنّ من الظاهر الذي عليه جماعة أنّ السفر المأخوذ في مفهومه هو السفر العرفي لا الشرعي، فعليه يعطى من كان غير قاصد للمسافة الشرعيّة، كالهائم، أو قاصدا ما دونه فيما يصدق عرفا السفر عليه أو المقيم عشرا في موضع إذا لم يكن بحيث يضرّ بالصدق العرفي، كالقاصد لإقامة عشرين سنة أو أزيد، فإنّه لا يصدق عليه المسافر عرفا و إن كان في حكم الشارع مسافرا في الجملة، أو المتردّد ثلاثين يوما في موضع، و من كان كثير السفر أو دائم السفر إن صدق عليه المسافر عرفا، إلى غير ذلك.

و بالجملة، المدار على السفر العرفي، و النسبة بينه و بين السفر الشرعي عموم من وجه، كما لا يخفى؛ إذ لا دليل على اعتبار السفر الشرعي في المقام كما في التقصير و إن ثبت مانعيّة العصيان بالسفر عن الاستحقاق، فإنّ القياس غير جائز في مذهبنا.

فما عن ظاهر المبسوط (1) و صريح التذكرة (2) و غيره (3) من عدم إعطاء المقيم إلّا إذا كان مقامه لضرورة، كانتظار رفقة و نحوه؛ لا يصغى إليه.

ثمّ إنّ أوّل زمان استحقاقه أوّل تلبّسه بالسفر عرفا. هذا بعض الكلام في مفهومه.

و أمّا الكلام فيما يعتبر في استحقاقه الزكاة بالخصوص- مع قطع النظر عن‌

____________

(1). راجع المبسوط، ج 1، ص 252- 253.

(2). حكاه في الجواهر. جواهر الكلام، ج 15، ص 372.

(3). كابن الفهد في المحرّر كما حكاه في جواهر الكلام، ج 15، ص 372.

647

..........

____________

الشرائط العامّة التي ستقف عليها إن شاء اللّه تعالى‌

فحاصل القول فيه أنّه يشترط فيه أمران:

أحدهما: انقطاعه و عدم تمكّنه من الوصول إلى وطنه.

ثانيهما: أن لا يكون عاصيا للسفر.

أمّا الأمر الأوّل [انقطاعه و عدم تمكّنه من الوصول إلى وطنه.]

فتفصيل القول فيه أنّ اعتباره في الجملة ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه عند الأصحاب و إن أوهم كلام كثير عدم اعتباره من جهة خلوّه عن ذكر هذا الشرط؛ لأنّ المدبّر يعلم بأنّ عدم ذكرهم له إنّما هو من جهة كون الانقطاع مأخوذا في مفهومه.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ما عرفت- الأصل، فتدبّر.

و دلّ على نفي حلّيّة الصدقة للغنيّ ما في تفسير عليّ بن إبراهيم: «و ابن السبيل، ابناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم و يذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات» (1).

و بالجملة، اعتبار الحاجة إلى الصدقة في ابن السبيل و انقطاعه في الجملة ممّا لا ينبغي الإشكال أو التأمّل فيه، إنّما الكلام في أنّه هل يكفي مجرّد حاجته الفعليّة إلى الصدقة و إن كان غنيّا في بلده بحيث يقدر على بيع بعض أمواله أو الاستدانة- على ما نسب إلى المصنّف في المعتبر (2) و إن كان فيه ما فيه؛ لأنّ اعتباره الانقطاع فيه يأبى عن ذلك جدّا، و منه تعرف ما في استظهاره من التفسير، أو لا يكتفى به مع القدرة على البيع دون القدرة على الاستدانة، كما ربما يتوهّم، أو لا يكتفى إلّا بعدم قدرته في رفع حاجته و لو بالاستدانة إلّا إذا لم يكن له في البلد ما يقابل الدّين فإنّه لا خلاف في جواز أخذه في الفرض و لا إشكال فيه؟ وجوه: خيرها: الأخير، و الوجه فيه ظاهر‌

____________

(1). تفسير القمي، ج 1، ص 299.

(2). المعتبر، ج 2، ص 578.

648

لأنّه مقتضى ما قدّمنا من الدليل على اعتبار الحاجة و الفقر، فإنّه لا يرتاب أحد في صدق الغني على من يتمكّن من الاستدانة مع وجود ما يقابله في البلد كأكثر التجّار الذين عندهم آلاف، و الحكم بجواز أخذهم ممّا لا يرتاب في فساده.

هذا بعض الكلام في أصل اعتبار الفقر.

ثمّ إنّه لو علم فقره أو غناه فممّا لا إشكال فيه، و أمّا لو جهل الحال، فهل يكتفى بالأصل فيما يكون جاريا، أو يكتفى به إلّا مع ادّعائه، أو لا يكتفى بادّعائه، أو لا يكتفى بادّعائه أيضا مطلقا، أو فيما لا يكون هناك أصل؟ وجوه، و الأوفق بالقواعد الاكتفاء بالأصل فيما يكون جاريا، و عدم الاكتفاء بالدعوى فيما لا يكون جاريا، و اللّه العالم.

هذا بعض الكلام في الأمر الأوّل،

و أمّا الأمر الثاني المعتبر في استحقاق ابن السبيل- و هو كون سفره طاعة،

بمعنى عدم كونه معصية- فهو أيضا ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ما عرفت، و ما في تفسير عليّ بن إبراهيم (1)- فحوى ما دلّ من الكتاب و السنّة على عدم حلّيّة أكل الميتة عند الضرورة للعاصي بسفره، فاعتبار أصل هذا الشرط أيضا ممّا لا ينبغي الارتياب فيه.

و الظاهر أنّه لا فرق في حدّ انتفاء الشرط بين كون السفر معصية بالذات، أو للغير، أو يكون غايته معصية، كما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- و إن كان للتأمّل في التعميم في الجملة مجال، فتدبّر، هذا.

ثمّ إنّ الرجوع من سفر المعصية إلى الوطن هل يلحق بالذهاب تكليفا نظرا إلى وحدة السفر عرفا و كون الرجوع جزءا من السفر، لا سفرا مستقلّا، أو لا يلحق بذلك‌

____________

(1). المتقدّم ذكره.

649

كما اختاره بعض المتأخّرين، فيجوز له أخذ الزكاة عند المراجعة، نظرا إلى دوران الحكم مدار الطاعة و المعصية في أجزاء السفر، أو يفصّل بين التوبة عن المعصية و عدمها، فيعطى في الصورة الاولى دون الثانية؟ وجوه، خيرها عند شيخنا- دام ظلّه العالي (1)- هذا حكم الرجوع.

و أمّا لو تاب عن المعصية في أثناء الذهاب، فالمختار عند شيخنا- دام ظلّه العالي- جواز إعطائه، هذا.

و هنا فروع ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: أنّه لا إشكال بل لا خلاف في أنّه لا يجوز إلّا دفع ما يحتاج إليه ابن السبيل حسب حاله من الملبوس و المأكول و المركوب أو ثمنها أو أجرتها أو غير ذلك، بل عليه الإجماع.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ما عرفت و إلى الأصل- ما عرفته من التفسير، فتدبّر.

الثاني: أنّ الكلام في سماع دعواه كونه ابن السبيل هو الكلام في سماع دعوى الفقر ظاهرا.

الثالث: أنّه لا إشكال في إعادة ما يدفع إليه على تقدير عدم تبيّن حاجته، أو عدم كونه ابن السبيل، أو صرفه في غير ما يحتاج إليه بحسب هذا العنوان.

و الوجه فيه ظاهر، و قد عرفت الكلام فيما يستفاد منه حكمه في طيّ كلماتنا السابقة.

كما أنّه لا إشكال- كما عليه المشهور- في إعادة الفاضل عن قدر الكفاية و لو بالتضييق على نفسه مطلقا، خلافا للشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (2)، فلم يجوّز الإعادة مطلقا، و الفاضل في النهاية (3) فلم يجوّز إعادة الدابّة، بل عن بعض الحواشي (4) إلحاق الثياب‌

____________

(1). كذا في الأصل بدون ذكر الجواب.

(2). راجع الخلاف، ج 4، ص 240- 241.

(3). نهاية الإحكام، ج 2، ص 419.

(4). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 377.

650

و الآلات بها.

و الوجه فيما ذكرنا ظاهر؛ لأنّ مقتضى كونه مصرفا خاصّا إعادة ما لم يصرف على وجهه، كما سمعته في الرقاب و الغارم.

و منه يعلم أنّ معنى الإعادة فيه عدم حصول الامتثال بالنسبة إلى الفاضل، و بقاؤه في ملك الدافع، لا بمعنى إعادة حاكم الشرع أو المالك من باب الحسبة، و خروجه عن ملك المالك و تبعيّته للزكاة كما توهّم على ما عرفت تفصيل القول فيه.

و منه يعرف فساد ما استند إليه الشيخ في الحكم بعدم الإعادة مطلقا، كما عرفت الكلام فيه في طيّ المباحث السابقة.

و هو الوجه في قول الفاضل- على ما ذكر من بعض (1)- من أنّ المزكّي يملّك المستحقّ عين ما دفعه إليه و المنافع تابعة للعين، و الواجب على المستحقّ ردّ ما زاد من العين على الحاجة، و لا زيادة في العين في الفرض و أشباهه، هذا.

الرابع: أنّ المحكيّ عن جماعة إلحاق الضيف بابن السبيل بشرط المسافرة و الحاجة، بل عن بعض تفسير ابن السبيل به، و عن بعض إلحاقه به من غير اشتراط شي‌ء من الأمرين؛ لظاهر بعض الروايات. و هذه كلّها كما ترى.

فالتحقيق أنّ الضيف إن كان من أفراد ابن السبيل فيستحقّ هذا السهم، و إلّا فلا، و إن أرادوا من الإلحاق ما ذكرنا- كما هو صريح بعض و ظاهر آخر- فهو، و إلّا فلا معنى له، و الرواية ضعيفة غير دالّة على شي‌ء في مقابل ما اقتضى حصر ابن السبيل فيما عرفت.

ثمّ إنّ هنا كلاما فيما يتحقّق به الامتثال بالنسبة إلى ما يدفع إلى الضيف من أنّه مجرّد البذل، أو مع الوضع في الفم، أو مع المضغ، و لا ثمرة فيه.

____________

(1). حكاه أيضا الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 378.

651

[القسم الثاني في أوصاف المستحق]

[الوصف الأول من] [أوصاف المستحقّ: الإيمان]

قوله (قدّس سرّه): القسم الثاني: في أوصاف المستحقّ.

[الوصف] الأوّل: الإيمان، فلا يعطى كافرا و لا معتقدا لغير الحقّ (1) (1).

____________

أقول: لا إشكال عند الأصحاب في اشتراط الإيمان بالمعنى الأخصّ في مصرف الزكاة في الجملة، و عليه الإجماع المكرّر و الأخبار المتواترة التي ادّعوا دلالتها عليه.

فلا يعطى من لا يكون مؤمنا بالمعنى المذكور مطلقا، فعلى ما ذكروه لا يعطى من كان واسطة بين المؤمن و الكافر، أو مجهولا حاله عندنا من حيث الإيمان و الكفر.

و يعبّر عن الأوّل بالواسطة الواقعيّة، و عن الثاني بالواسطة الذهنيّة؛ لأنّ مقتضى شرطيّة الإيمان عدم استحقاق الأوّل منها واقعا، و الثاني بمقتضى الأصل.

لكن ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه لا ينبغي التأمّل في مانعيّة جملة من الاعتقادات الباطلة و استفادتها من الأخبار الكثيرة بحيث يعلم منها أنّها مستقلّة في منع الزكاة و إن لم يكن الإيمان شرطا.

إنّما الكلام في استفادة شرطيّة الإيمان بالمعنى الأخصّ من الأخبار على ما هو قضيّة كلماتهم،

حتّى يحكم بعدم استحقاق من كان واسطة بين المؤمن و الكافر، فلا بدّ من ذكر جملة من الأخبار الواردة في المقام ... (2) قناع الاجمال عن وجه المرام:

فمنها: ما رواه إسماعيل بن سعد الأشعري: «سألت الرضا (عليه السّلام) عن الزكاة، هل‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمات غير مقروءة.

652

توضع في من لا يعرف؟ قال: لا و اللّه و لا زكاة الفطرة» (1).

و منها: ما رواه ضريس، قال: «سأل المدائني أبا جعفر (عليه السّلام): إنّ لنا زكاة نخرجها من أموالنا، ففي من نضعها؟ فقال: في أهل ولايتك، فقال: إنّي في بلاد ليس فيها أحد من أوليائك؟ فقال: ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم و لا تدفعها إلى قوم إن دعوتهم [غدا] إلى أمرك لم يجيبوك، فكان- و اللّه- الذبح» (2).

و منها: ما عن ابن بلال، قال: «كتبت إليه أسأله: هل يجوز أن أدفع زكاة المال و الصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب: لا تعط الصدقة و الزكاة إلّا لأصحابك» (3).

و منها: ما عن عمر بن يزيد، قال: «سألته عن الصدقة على النّصاب و على الزيديّة؟ فقال: لا تتصدّق عليهم بشي‌ء، و لا تسقهم [من] الماء إن استطعت، و قال:

الزيديّة هم النّصاب» (4).

و منها: ما عن ابن أبي يعفور، قال لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): «جعلت فداك، ما تقول في الزكاة لمن هي؟ [قال:] فقال: هي لأصحابك، قال: قلت: فإن فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم، قال: قلت: فإن فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم، قال: [قلت:] فإن فضل عنهم؟

قال: فأعد عليهم، [قال:] قلت: فيعطى السّؤّال منها شيئا؟ [قال:] فقال: لا و اللّه إلّا التراب، إلّا أن ترحمه، فإن رحمته فأعطه كسرة، ثمّ أومأ بيده فوضع ابهامه على اصول أصابعه» (5).

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 547؛ التهذيب، ج 4، ص 52؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 221. و ليس فيها ذكر:

«و اللّه».

(2). الكافي، ج 3، ص 555؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 222.

(3). التهذيب، ج 4، ص 53؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 222.

(4). التهذيب، ج 4، ص 53؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 222.

(5). التهذيب، ج 4، ص 53؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 222- 223.

653

و منها: ما عن المقنعة عن زرارة و بكير و الفضيل و محمّد بن مسلم و بريد، كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام) أنّهما قالا: «موضع الزكاة أهل الولاية» (1).

و منها: ما عن الشيخ (رحمه اللّه)- في الصحيح- بما يقرب من هذا الإسناد عنهما (عليهما السّلام) أيضا كذلك، قال: «قالا: الزكاة لأهل الولاية، قد بيّن اللّه لكم موضعها في كتابه» (2).

و منها: ما عن قرب الإسناد عن عليّ بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى (عليه السّلام) عن الزكاة هل هي لأهل الولاية؟ قال: «قد بيّن (اللّه) لكم ذلك في طائفة من الكتاب» (3).

و منها: ما عن يونس بن يعقوب: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السّلام): أعطي هؤلاء الذين يزعمون أنّ أباك حيّ من الزكاة شيئا؟ قال: لا تعطهم، فإنّهم كفّار مشركون زنادقة» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار، و دلالة كثير منها على مانعيّة جملة من الاعتقادات الباطلة بالمعنى الذي عرفته لا شبهة فيها، فإنّ مجرّد عدم استحقاق الزكاة من جهة فقد الشرط- و هو الإيمان- لا يناسب التأكيدات الواردة في تلك الأخبار، فلا بدّ أن يكون المنع على الوجه المذكور فيها مستندا إلى الاعتقادات الباطلة الخاصّة و إن كان أصل المنع مستندا إلى نفس عدم الإيمان في الواقع.

و دعوى أنّه لا مانع من أن يكون فقدان هذا الشرط بعد خصوصيّة مقصودة في فقد سائر الشرائط، كما ترى، فهذه الأخبار لا تدلّ على شرطيّة الإيمان في الواقع بالمعنى المقصود منها في المقام.

و منه يعلم النظر في الأخبار الحاصرة لموضع الزكاة في أهل الولاية، فإنّ من‌

____________

(1). المقنعة، ص 242. و كذا في وسائل الشيعة، ج 9، ص 225.

(2). التهذيب، ج 4، ص 52؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 224.

(3). قرب الأسناد، ص 228؛ و كذا في وسائل الشيعة، ج 9، ص 225.

(4). وسائل الشيعة، ج 9، ص 229.

654

المحتمل قريبا أن يكون الحصر فيه في مقابل العامّة و النّصاب و الفرق المختلفة من الشيعة غير الاثني عشريّة على ما هو مورد المنع ممّا عرفته من الأخبار المختلفة.

و أمّا ما رواه الشيخ (رحمه اللّه) (1) الدالّ على بيان مواضعها في كتابه مع حصره موضع الزكاة في أهل [الولاية]، فمن المحتمل قريبا إرادة بيان تفصيل مواضعها في كتابه و هو قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ الآية (2)، مع بيان الإجمال من الإمام (عليه السّلام) و أنّ موضعها أهل الولاية، لا ما ذكره بعض (3) من أنّ المراد بيانها في آية المحادّة (4) و نظائرها.

و أمّا ما عن قرب الإسناد فلا ظهور له في إرادة مثل الآية المحادّة و أشباهها؛ إذ ليس له ظهور في بيان الموضع و أنّه أهل الولاية في الكتاب حتّى يقال: إنّ المراد آية المحادّة، أو ما دلّ (5) على أنّ الصدقة لِلْفُقَرٰاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً، الوارد في حقّ أهل الصفّة، المحمول على الندب و الكمال كيفا، فتدبّر.

هذا كلّه، مضافا إلى اقتضاء تشريع الزكاة لسدّ خلّة الفقراء من مال الأغنياء: كون الفقر مقتضيا لاستحقاق الزكاة، إلّا أن يمنع منه مانع، و لم يثبت المانع في حقّ الواسطة بين المؤمن و الكافر.

____________

(1). في رواية المتقدّمة.

(2). التوبة (9): 60.

(3). و هو الشيخ في الجواهر، ج 15، ص 379.

(4). أي آية النهى عن موادة من حاد اللّه. المجادلة (58): 22: لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولٰئِكَ حِزْبُ اللّٰهِ أَلٰا إِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

(5). البقرة (2): 273: لِلْفُقَرٰاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً الآية.

655

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه العالي- من الإشكال في شرطيّة الإيمان بالمعنى الذي ذكروه، و هو لا يخلو من تأمّل.

ثمّ إنّ هنا كلاما آخر في استحقاق المستضعفين من الشيعة للزكاة،

و هم الذين يعتقدون للإيمان بالمعنى الأخصّ، أي المذهب الاثني عشريّة على الإجمال من دون أن يكونوا عالمين بعدد الأئمّة على التفصيل فضلا عن أسمائهم الشريفة و أنسابهم المعروفة عليهم آلاف الصلاة و السلام، أو بشي‌ء آخر و المعارف الخمسة على التفصيل، فإنّ ظاهر المشهور كونهم من أهل الولاية و مستحقّون للزكاة كالعارفين بهم على التفصيل.

و صريح المحكيّ عن صاحب الحدائق (1) و الفاضل النراقي في المستند (2) عدم استحقاقهم للزكاة و خروجهم عن الأخبار الحاصرة لموضع الزكاة في أهل الولاية، يحتمله كلام ثاني الشهيدين في المسالك (3) و إن كان الظاهر خلافه.

و هذا الخلاف ليس مبنيّا على أنّ الإيمان يحصل بأيّ شي‌ء، و إنّما هو مبنيّ على أنّ المستفاد بما ورد من الأخبار في المقام أيّ شي‌ء؟

قال في المستند- بعد نقل ترجيح عدم إعطاء المستضعفين من الشيعة من الحدائق- ما هذا لفظه: «أقول: و هو كذلك؛ إذ موضع الزكاة من يعرف صاحب هذا الأمر، و من كان من أهل الولاية، و من لم يعرف الأئمّة أو واحدا منهم أو النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لا يصدق عليه أنّه يعرف صاحب هذا الأمر و لا يعلم أنّه من أهل الولاية و أنّه العارف.

بل و كذلك لو عرف الكلّ بأسمائهم فقط- يعني مجرّد اللفظ- و لم يعرف أنّه من هو و ابن من؛ إذ لا يصدق عليه أنّه يعرفه و لا يتميّز عن غيره. و الحاصل أنّه يشترط‌

____________

(1). الحدائق الناضرة، ج 12، ص 206.

(2). مستند الشيعة، ج 9، ص 299.

(3). مسالك الأفهام، ج 1، ص 421.

656

معرفته بحيث يعيّنه في شخصه و يميّزه عن غيره، و كذا من لا يعرف الترتيب في خلافتهم. و لو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا، فهل يشترط في الإعطاء الفحص عنه؟ الظاهر نعم، إذا احتمل في حقّه عدم المعرفة، و لا يكفي الإقرار الإجمالي بأنّي مسلم مؤمن و اثنا عشريّ» (1). انتهى كلامه.

و الذي يقتضيه التحقيق ما ذهب إليه المشهور من جواز الإعطاء؛ لأنّ حصر موضع الزكاة في أهل الولاية إنّما هو في مقابل من لا يعدّ منه، و لا ريب أنّ من المتديّنين بدين الإماميّة على الإجمال يعدّ من أهل الولاية، و من أهل هذا الأمر.

هذا كلّه، مضافا إلى إمكان استفادته من بعض الروايات.

مثل: ما عن ابن أبي عمير عن ابن اذينة عن عبيد اللّه الحلبي قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و سأله إنسان، فقال: إنّي كنت أنيل البهميّة من زكاة مالي حتّى سمعتك تقول فيهم، فأعطيهم أم أكفّ؟ قال: بل أعطهم، فإنّ اللّه حرّم أهل هذا الأمر على النار» (2).

و مثل ما عن الإمام الحسن بن عليّ العسكري (عليه السّلام) في تفسيره عن آبائه (عليهم السّلام) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في حديث: «أنّه قيل له: من يستحقّ الزكاة؟ فقال: المستضعفون من شيعة محمّد و آله الذين لم تقو بصائرهم، فأمّا من قويت بصيرته و حسنت بالولاية لأوليائه و البراءة من أعدائه معرفته فذلك أخوكم في الدين، أمسّ بكم رحما من الآباء و الأمّهات، أمّا المخالفون فلا تعطوهم زكاة و لا صدقة، فإنّ موالينا و شيعتنا منّا و كلّنا كالجسد الواحد يحرم على جماعتنا الزكاة و الصدقة و لكن ما تعطونه إخوانكم المستبصرين من البرّ، و ارفعوهم عن الزكوات و الصدقات، و نزّهوهم عن أن تصبّوا عليهم أوساخكم، أ يحبّ أحدكم أن يغسل وسخ بدنه ثمّ يصبّه على أخيه [المؤمن]؟

____________

(1). مستند الشيعة، ج 9، ص 299- 300.

(2). وسائل الشيعة، ج 9، ص 225- 226.

657

إنّ وسخ الذنوب أعظم من وسخ البدن، فلا توسّخوا بها إخوانكم المؤمنين، و لا تقصدوا أيضا بصدقاتكم و زكواتكم المعاندين لآل محمّد المحبّين لأعدائهم، فإنّ المتصدّق على أعدائنا كالسارق في حرم ربّنا- عزّ و جلّ- و حرمي، قيل: يا رسول اللّه و المستضعفون من المخالفين الجاهلين لا هم في مخالفتنا مستبصرون و لا هم لنا معاندون؟ قال: فيعطى الواحد من الدراهم ما دون الدرهم و من الخبز ما دون الرغيف، ثمّ قال: و كلّ معروف بعد ذلك و ما وقيتم به أعراضكم و صنتموها عن ألسنة كلاب الناس كالشعراء و الوقّاعين في الأعراض تكفّونهم فهو محسوب لكم في الصدقات» (1)

و الرواية الشريفة و إن كانت محمولة على الاستحباب مع عدم الضرورة بشرط إعطائهم من غير الزكاة كما ذكروه في الوسائل و غيره إلّا أنّها صريحة في جواز إعطاء المستضعفين، اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ المراد من المستضعفين في الرواية هو أعلى مرتبة بحسب المرتبة ممّن هو مقصود بالبحث عنه، فتأمّل.

و أمّا الرواية الاولى فالاستدلال بها مبنيّ على إثبات صدق أهل هذا الأمر على المستضعف من الشيعة، فلا يعدّ دليلا، مضافا إلى العمومات الحاصرة؛ لأنّ الكلام إنّما هو في صدق أهل هذا الأمر و نحوه من العنوانات عليه، فتدبّر.

و ذكر شيخنا الاستاذ العلّامة- أدام اللّه أظلاله و إفضاله- أنّ صدق أهل الولاية و نحوه من العنوانات و إن لم يتوقّف على المعرفة التفصيليّة على ما ذكره في الحدائق (2) و المستند (3) بلا ارتياب إلّا أنّ صدقه بمجرّد الالتزام بمفهوم مذهب الشيعة و نحوه كمذهب العالم الفلاني الذي هو من الشيعة الاثني عشريّة من غير العلم بعدد الأئمّة أصلا و لا أشخاصهم في غاية الإشكال.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 9، ص 299- 230؛ تفسير الامام العسكري (عليه السّلام)، ص 79- 80.

(2). الحدائق الناضرة، ج 12، ص 206.

(3). مستند الشيعة، ج 9، ص 299.

658

ثمّ إنّه لا يمكن الإيراد على صاحب الحدائق و الفاضل المتقدّم ذكره: بأنّ من يعطى من الصدقة في زمان أمير المؤمنين (عليه السّلام) أو غيره من الأئمّة غير زمان القائم- (عجّل اللّه فرجه)- لم يكن يقبضه بالأئمّة الاثني عشر، فإنّ الاعتقاد بإمامة من لم يأت من الأئمّة لم يكن لازما على أهل تلك الأزمنة، و لذا يعطى في زمان النبيّ من كان موحّدا قائلا بنبوّة نبيّنا، هذا.

مع أنّ هذا الكلام لا دخل له بما ذكره، كما لا يخفى، هذا.

هنا فروع ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: أنّه لا إشكال بناء على شرطيّة الإيمان في عدم جواز إعطاء مجهول الحال لو لم يكن هناك طريق شرعيّ إلى إيمانه،

كما إنّه لا إشكال في جواز الإعطاء عند وجود الطريق الشرعيّ على إيمانه، إنّما الكلام في ما يكون طريقا.

فنقول: إنّه لا إشكال في طريقيّة ادّعائه كإقراره، بل لا خلاف فيه، و ما سمعته من المستند لا يصغى إليه، كعدم الإشكال في قيام البيّنة المطلقة على إيمانه، إنّما الكلام و الإشكال فيما أفاده بعض مشايخنا- طاب ثراه- في شرحه على الكتاب (1) تبعا لشيخه في كشف الغطاء (2) من طريقيّة دخوله في أرض المسلمين، فإنّه لا دليل عليه إلّا ما دلّ على إناطة الحكم بغلبة المسلمين على الأرض في مسألة الحلّيّة، و استفادة حجّيّة الغلبة منه على الإطلاق حتّى تنفع المقام في غاية الإشكال، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

الثاني: أنّه لا إشكال بل لا خلاف يعتدّ به في عموم هذا الشرط لغير المؤلّفة و سهم سبيل اللّه،

كما أنّه لا إشكال في عدم اشتراطه في المؤلّفة، إنّما الكلام في اشتراطه في من يعطى من سهم سبيل اللّه من غير أن يكون مقدّمة لتحصيل مصلحة المؤمن‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 380.

(2). كشف الغطاء، ج 2، ص 355.

659

كالغازي أو الظالم الذي يعطى لدفع ظلمه عن المؤمن، إلى غير ذلك، فإنّ الدفع فيه حقيقة صرف لها في المؤمن، فالمحكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) في كشف الغطاء عدم اعتباره، حيث قال: «لا يعتبر في المدفوع إليه إسلام و لا إيمان و لا عدالة و لا فقر و لا غير ذلك» (1) للصدق.

و التحقيق خلافه؛ لعموم ما قضى بحصر الزكاة في أهل الولاية، هذا.

مضافا إلى انتفاء قصد القربة في الإعطاء بغير المؤمن، بل التحقيق عموم هذا الشرط، بمعنى اعتبار الإيمان في من يصرف إليه الزكاة حتّى في الغازي و المؤلّفة، فإنّ الآخذ [منهما] و إن لم يكن مؤمنا إلّا أنّ الدفع إليهما لما كان من جهة رجوع النفع إلى المسلمين، إلّا أن يقال بمنع رجوع النفع إلى المسلمين، و إنّما يرجع إلى الإسلام، فتدبّر.

الثالث: أنّه لا إشكال بل لا خلاف في وجوب حفظ الزكاة فيما تعذّر صرفها إلى المؤمن لكلّ وجه في البلد و غيره،

و يدلّ عليه الأخبار الكثيرة.

و أمّا ما دلّ (2) من الأخبار على طرحها في البحر عند فقدان المؤمن، محمول على المبالغة في اعتبار الإيمان، و أنّ طرحها في البحر و إعدامها أولى من إعطائها المخالف و الناصب، كما لا يخفى.

بقي هنا شي‌ء ينبغي التنبيه عليه، و هو أنّه استدلّ العلّامة على اعتبار الإيمان بأنّ: «الإمامة من أركان الدين و أصوله، و قد علم ثبوتها من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ضرورة، فالجاحد بها لا يكون مصدّقا للرسول (صلى اللّه عليه و آله) في جميع ما جاء به، فيكون كافرا فلا يستحقّ الزكاة» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

(1). كشف الغطاء، ج 2، ص 355.

(2). التهذيب، ج 4، ص 53؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 223- 224.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 522.

660

و تنظّر فيه من تأخّر عنه (1)، و استحسنه المحدّث البحراني (2) فيما حكي عنه، و جعله موافقا لما اختاره في أمر العامّة من الحكم بكفرهم.

و أنت خبير بأنّ كلماته في غير موضع صريحة في عدم كفرهم عنده، و هذا الكلام منه محمول على ضرب من التوجيه.

____________

(1). كالمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة، ج 4، ص 166.

(2). الحدائق الناضرة، ج 12، ص 203.

661

[صرف الزكاة إلى المستضعف]

قوله (قدّس سرّه): و مع عدم المؤمن يجوز صرف الفطرة- خاصّة- إلى المستضعفين، إلى آخره (1).

____________

أقول: لا خلاف في عدم جواز صرف الزكاة إلى غير المؤمن مع انتفاء أحد القيود المذكورة، و أمّا مع اجتماعها- أي صرف زكاة الفطرة مع عدم المؤمن إلى المستضعف من المخالفين- فقد اختلفوا فيه.

فعن الأكثر المنع أيضا، منهم: المفيد (2) و المرتضى (3) و ابن الجنيد (4) و ابن إدريس (5)، بل عن المشهور، بل عن الغنية (6) و الانتصار (7) الإجماع عليه.

و عن الشيخ (رحمه اللّه) (8) و أتباعه الجواز.

و استدلّ للقول الأوّل- مضافا إلى العمومات- قوله (عليه السّلام) في صحيحة سعد الأشعري المتقدّمة: «و لا زكاة الفطرة» (9).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). حكاه عنه العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 239؛ راجع المقنعة، ص 242 و 252.

(3). الانتصار، ص 217.

(4). فتاوى ابن الجنيد، ص 102.

(5). السرائر، ج 1، ص 471.

(6). غنية النزوع، ص 124.

(7). الانتصار، ص 217.

(8). النهاية، ص 192؛ المبسوط، ج 1، ص 242.

(9). الكافي، ج 3، ص 547؛ التهذيب، ج 4، ص 52؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 221.

662

..........

____________

و استدلّ للقول الثاني بروايات دالّة على الجواز في الفرض بعد حمل مطلقها على مقيّدها، و عامّها على خاصّها.

منها: عن ابن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السّلام)، قال: «سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي من [فقراء] جيراني؟ قال: [نعم] الجيران أحقّ بها لمكان الشهرة» (1).

و منها: ما عن مالك الجهني، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن زكاة الفطرة، فقال:

تعطيها المسلمين، فإن لم تجد مسلما فمستضعفا» (2).

قال شيخنا- دام ظلّه العالي-: لم نجد في الروايات إطلاق المسلم بقول مطلق و إرادة خصوص المؤمن منه، إلّا في هذه الرواية، و فيه بحث.

و منها: ما عن ابن بابويه، عن عليّ بن يقطين: «أنّه سئل أبا الحسن الأوّل (عليه السّلام) عن زكاة الفطرة أ يصلح أن تعطى الجيران و الظؤورة (3) ممّن لا يعرف و لا ينصب؟ فقال: لا بأس عليك» (4). هذا.

و أنت خبير بعدم مقاومة ما دلّ على المنع لما دلّ على الجواز؛ لرجوع التعارض بينهما إلى تعارض الظاهر و الأظهر، و حمل الأخبار المجوّزة على التقيّة خلاف القاعدة.

و المراد بالمستضعف هنا من كان من المخالفين لا يعرف و لا ينصب، كما ذكره الأصحاب و دلّت عليه الروايات المتقدّمة.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 174؛ الاستبصار، ج 2، ص 51؛ التهذيب، ج 4، ص 88؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 360.

(2). الكافي، ج 4، ص 173؛ التهذيب، ج 4، ص 87؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 359.

(3). الظؤورة: جمع ظئر و هي المرضعة.

(4). الفقيه، ج 2، ص 180- 181. و فيه: «لا بأس بذلك إذا كان محتاجا». و كذا في وسائل الشيعة، ج 9، ص 361.

663

[صرف الزكاة إلى أطفال المؤمنين]

قوله (قدّس سرّه): و تعطى الزكاة أطفال المؤمنين دون أطفال غيرهم (1) (1).

____________

أقول: الحكمان ممّا أجمع عليه الأصحاب، و يدلّ عليه- مضافا إلى ذلك و إلى الإجماع في إلحاق أطفال المؤمنين بهم فيما يترتّب من الحكم على الإيمان، و إلحاق أطفال الكفّار بهم ممّا يترتّب على الكفر، و إلى العمومات في حقّ أطفال المؤمنين بعد القول بطروء دليل المنع عن إعطاء غير المؤمن إلى غيرهم، فتدبّر- روايات:

منها: ما رواه الشيخ (رحمه اللّه) عن أبي بصير، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرجل يموت و يترك العيال [أ] يعطون من الزكاة؟ قال: نعم» (2).

و منها: ما عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «ذريّة الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة و الفطرة كما كان يعطى أبوهم حتّى يبلغوا، فإذا بلغوا و عرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوا، و إن نصبوا لم يعطوا» (3).

و منها: ما رواه عبد الرحمن: «قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): رجل مسلم مملوك و مولاه رجل مسلم و له مال يزكّيه و للمملوك ولد حرّ صغير، أ يجزئ مولاه أن يعطي ابن عبده من الزكاة؟ قال: لا بأس» (4).

و منها: ما رواه في قرب الإسناد عن يونس بن يعقوب: «قلت للصادق (عليه السّلام): عيال‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). الكافي، ج 3، ص 548- 549؛ التهذيب، ج 4، ص 102؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 226.

(3). الكافي، ج 3، ص 549؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 227.

(4). الكافي، ج 3، ص 563؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 294.

664

..........

____________

المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما، و أرى أنّ ذلك خير لهم؟

قال: [فقال]: لا بأس» (1).

فالتشكيك إذا في المسألة لا وجه له جدّا.

ثمّ إنّه لا فرق في جواز إعطاء أطفال المؤمنين بين عدالة آبائهم و فسقهم، كما صرّح به جماعة، و يقضي به ما عرفت من الأدلّة، و دليل تبعيّة الأبناء إنّما هو في خصوص الإيمان، و استحقاقهم ليس من جهة استحقاق أبيهم أيضا، كما أنّه لا فرق في ذلك بين القول باشتراط العدالة فيما سيجي‌ء في مستحقّ الزكاة و مانعيّة فسقه، أو عدم اشتراط الأوّل و مانعيّة الثاني؛ لعدم الفرق فيما عرفت.

و من هنا صار أرباب جميع الأقوال فيما سيجي‌ء إلى الجواز في المقام، فمن يجعل العدالة شرطا فإنّما يشرطه في من له شائبة الاتّصاف بالعدالة و الفسق، فما ذكره ثاني الشهيدين في المسالك (2) غير خال عن البحث و النظر، هذا.

ثمّ إنّ المراد من إعطاء الأطفال في النصّ و الفتوى الإيصال إليهم على الوجه الشرعي فيعمّ التمليك و الصرف إليهم على الوجه الشرعيّ.

لكن إن اريد تمليكهم فلا بدّ من إعطاء الوليّ إن كان لهم؛ لأنّ قبضهم كعدمه.

و إن اريد الصرف إليهم فيجوز ذلك له مباشرة كما دلّت عليه الرواية، و بتوسيط الغير أيضا، فلا يجوز الدفع إلى غير الوليّ إلّا بهذا العنوان، بل صريح بعض مشايخنا (قدّس سرّه) (3) جواز الدفع إلى نفس الأطفال بهذا العنوان، و هو لا بأس [به] إلّا أن يراد به أنّ براءة الذمّة موقوفة على إحراز الفرق فيما يعطى الطفل و غيره و لو بالطريق الشرعيّ.

____________

(1). قرب الإسناد، ص 49؛ و كذا في وسائل الشيعة، ج 9، ص 168.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 422.

(3). و هو صاحب مدارك الأحكام، ج 5، ص 242.

665

..........

____________

فما ربما يظهر من جماعة (1) من جواز إعطاء غير الوليّ لا على الوجه الثاني حتّى مع وجود الوليّ كما استظهره بعض، كما ترى.

و يعلم إرادة ما ذكرنا و عليه يرتفع النزاع.

نعم، هنا كلام في جواز الصرف مع وجود الوليّ و إن كان الحقّ ذلك، هذا.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ التخيير بين الإيصال و التمليك لا يختصّ بالمقام، بل يجري في غيره، فيجوز صرف الزكاة إلى الفقير البالغ كما يجوز تمليكه، هذا.

و لكنّك خبير بأنّه هدم لما بنى عليه الأمر في بيان مقابلة سبيل اللّه كسائر الأصناف في الآية (2) فيما أسمعناك.

ثمّ إنّ حكم المجنون حكم الطفل في جميع ما سمعت، كما صرّح به جماعة من غير نقل خلاف.

____________

(1). كما حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 385، عن بعض المعاصرين.

(2). التوبة (9): 60.

666

[صرف المخالف زكاته لأهل نحلته ثمّ استبصاره]

قوله (قدّس سرّه): و لو أعطى مخالف زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر، أعاد (1) (1).

____________

أقول: هذا الحكم ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل عن صريح جماعة كونه إجماعيّا، و هو كذلك ظاهرا.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ما عرفت، و إلى الأصل فيما يكون من أعماله مطابقا للواقع فضلا عمّا إذا كان مخالفا للواقع سيّما بالنسبة إلى المقام الذي هو من حقوق الناس، و من هنا لم يحكم فيه بالإجزاء فيما أتى به بمقتضى الأمر الظاهري كما أسمعناك في طيّ كلماتنا السابقة- جملة من الروايات:

منها: ما رواه الفضلاء (2) عن الصادقين (عليهما السّلام) قال: [قالا]: «في الرجل يكون في بعض الأهواء الحروريّة و المرجئة و العثمانيّة و القدريّة ثمّ يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه، أ يعيد كلّ صلاة صلّاها أو صوم أو زكاة أو حجّ، أو ليس عليه إعادة شي‌ء من ذلك؟ قال ليس عليه إعادة شي‌ء من ذلك غير الزكاة (فإنّه) لا بدّ أن يؤدّيها؛ لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها، و إنّما موضعها أهل الولاية» (3).

و منها: ما عن بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث، قال: «كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلّا الزكاة، فإنّه يعيدها؛ لأنّه وضعها في غير موضعها؛ لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحجّ و الصيام فليس عليه قضاء» (4).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). أي زرارة و بكير و فضيل و محمد بن مسلم و يريد العجلي.

(3). الكافي، ج 3، ص 545؛ التهذيب، ج 4، ص 54؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 216.

(4). الاستبصار، ج 2، ص 145؛ التهذيب، ج 5، ص 9؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 216.

667

..........

____________

و منها: ما عن ابن أذينة: قال: «كتب إليّ أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ كلّ عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه هذا الأمر فإنّه يؤجر عليه و يكتب له إلّا الزكاة، فإنّه يعيدها لأنّه وضعها في غير موضعها، و إنّما موضعها أهل الولاية، و أمّا الصلاة و الصوم فليس عليه قضاؤهما» (1).

إلى غير ذلك من الروايات، فهذه الروايات هي الفارقة بين الزكاة و غيرها من الأعمال إذا أوقعها على طبق مذهبه، مع أنّ قضيّة الأصل- كما عرفت- عدم الفرق.

ثمّ إنّ مقتضى ما عرفت من التعليل في الروايات هو التعدّي عن الزكاة إلى غيرها ممّا فيه جهة حقوق الناس كالكفّارة و نحوها من العبادات الماليّة مثل الحجّ كما توهّم، فإنّ التعليل لا يشمله جدّا، مضافا إلى التصريح بعدم القضاء فيه فيما عرفت من الروايات، فما عن الفاضل في المقام لا يخلو عن بحث، حيث إنّه قال بعد نقل صحيح الفضلاء المتقدّم: «و هذا الحديث حسن الطريق، و هل هو مطلق؟ نصّ علماؤنا على أنّه في الحجّ إذا لم يخلّ بشي‌ء من أركانه لا تجب عليه اعادته، (و) أمّا الصلاة و الصوم ففيهما إشكال من حيث إنّ الطهارة لم تقع على الوجه [المشروع] و الإفطار قد يقع منهم في غير وقته. و يمكن الجواب بأنّ الجهل عذر كالتقيّة فصحّت الطهارة و الإفطار قبل الغروب إذا كان لشبهة قد لا يستعقب القضاء كالظلمة الموهمة، فكذا هنا، و بالجملة، فالمسألة مشكلة» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

ثمّ إنّ المحكيّ عن غير واحد من غير نقل خلاف أنّه لو أعطى المخالف الزكاة أهل الولاية باعتقاد الصحّة لا يعيد؛ لظاهر التعليل، و هو كذلك، فإنّ مقتضاه كون الإعادة مسبّبا عن الوضع في غير الموضع، فإذا فرض وضعها في موضعها فينتفي الإعادة؛ نظرا إلى العلّة.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 546؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 217.

(2). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 263- 264.

668

..........

____________

توضيح ذلك: أنّ للزكاة جهتين: جهة وضع، و جهة تكليف، و المستفاد من الروايات أنّ المانع عن صحّة زكاة المخالف إذا أعطاها أهل نحلته انتفاء الجهة الاولى، و لمّا كانت الثانية تابعة لها فيلزم الإعادة عليه، فإذا كانت العلّة ما ذكر لا جهة اقتضاء التكليف الإعادة، فيلزمه انتفاء الإعادة في مفروض البحث، هذا.

و ذكر بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب هنا كلاما لا يخلو عن بحث، حيث قال ما هذا لفظه: «و ذكر هنا غير واحد أنّه لو أعطى الزكاة أهل الولاية لا يعيد إذا استبصر، تمسّكا بظاهر التعليل. و فيه بحث؛ لمعارضته بإطلاق المعلّل، فتأمّل جيّدا، فإنّ فيه كلاما ليس ذا محلّ ذكره؛ إذ هو كالبحث في اقتضاء اختصاص الضمير العائد إلى العامّ تخصيص العامّ كقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ (1)، و مبنى البحث هنا عدم ما يقتضي في اللفظ مطابقة التعليل لجميع أفراد المعلّل فيبقى العامّ على دلالته اللفظيّة، اللّهمّ إلّا أن يدّعى الفهم العرفي، و هو غير بعيد» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى؛ إذ كون البحث في المقام كالبحث فيما ذكره كما ترى.

و المعلول عموما و خصوصا تابع للعلّة عموما و خصوصا، فقد يكون المعلول عامّا بحسب اللفظ فيحكم بإرادة الخصوص منه لخصوص العلّة، و قد يكون الأمر بالعكس، و هذا أمر واضح قد نبّهنا عليه في محلّه، فإذا لا تعلّق للمقام بالبحث المعروف، فلعلّه (قدّس سرّه) أراد بالفهم العرفي ما ذكرنا في جميع القضايا المعلّلة قبله لا ... (3). هذا.

ثمّ إنّه يعلم ممّا ذكرنا حكم ما لو دفع الزكاة إلى الشيعة باعتقاد كونه من أهل نحلته، فإنّه لا إشكال في صحّته و إلحاقه بما عرفت، و إن أمكن الفرق بينهما، فتدبّر.

____________

(1). البقرة (2): 228.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 388.

(3). في الأصل مكان النقاط كلمة غير مقروءة.

669

[الوصف الثاني] [من أوصاف المستحقّين: العدالة]

قوله (قدّس سرّه): الوصف الثاني: العدالة، و قد اعتبرها كثير، و اعتبر آخرون مجانبة الكبائر كالخمر و الزنا دون الصغائر [و إن دخل بها في جملة الفسّاق]، و الأوّل أحوط (1).

أقول: اختلف الأصحاب في المقام على أقوال:

أحدها: اعتبار العدالة و اشتراطها في مستحقّ الزكاة.

____________

و نسب هذا القول إلى كثير من القدماء، منهم: الثلاثة (2) و أتباعهم (3) و أبو الصلاح (4) و ابن إدريس (5) و ابن البرّاج (6)، بل عن الخلاف: «الظاهر من أصحابنا أنّ زكاة الأموال لا تعطى إلّا العدول من أهل الولاية دون الفسّاق منهم، و خالف جميع الفقهاء (7) في ذلك و قالوا: إذا أعطى الفسّاق برئت ذمّته. و به قال قوم من أصحابنا» (8)، بل عن الغنية (9)

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). المفيد في المقنعة، ص 252؛ و السيد المرتضى في الانتصار، ص 218؛ جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 79؛ و الشيخ في المبسوط، ج 1، ص 247؛ النهاية، ص 185؛ الجمل و العقود (الرسائل العشر)، ص 206.

(3). كما حكاه في جواهر الكلام، ج 15، ص 388.

(4). الكافي في الفقه، ص 172.

(5). السرائر، ج 1، ص 459.

(6). المهذّب، ج 1، ص 169.

(7). كما حكي عنهم الشريف المرتضى في الانتصار، ص 218.

(8). الخلاف، ج 4، ص 224.

(9). غنية النزوع، ص 124.

670

..........

____________

الإجماع على ذلك كما عن المرتضى في الانتصار (1)، و لكنّ المحكيّ عنه دعوى الإجماع على عدم إعطائها الفسّاق (2)، و لم يظهر منه في الانتصار دعوى الإجماع على اعتباره العدالة و إن كان قائلا باعتبارها فيما حكاه عنه في محكيّ المختلف (3)، فإنّه حكى عنه أنّه يعتبر في آخذ الزكاة بعد الإيمان أن يكون ذا صيانة و ذا نزاهة (4).

و منه يظهر أنّ عدم دلالة كلامه في مقام دعوى الإجماع على اعتباره العدالة لا ينافي مصيره إليه، كما عرفت فيما حكاه عنه في المختلف.

فما ذكره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (5) من أنّ احتمال مصيره إلى اعتبارها في غير هذا الموضع تعويل على المنى و اتّكال على الهباء، كما ترى.

كما أنّه يظهر ممّا ذكرنا النظر فيما ذكره غيره ممّن تأخّر من القدح في النسبة.

ثانيها: ما حكاه في الكتاب (6) من اعتبار مجانبة الكبائر دون الصغائر.

و هذا القول محكيّ عن ابن الجنيد (7)، و قد أرجعه ثاني الشهيدين (8) إلى القول الأوّل؛ نظرا إلى أنّ الإصرار بالصغيرة يلحقها بالكبيرة، و مع عدم الإصرار لا تأثير لها‌

____________

(1). الانتصار، ص 218.

(2). لأنه قال: «و ممّا انفردت به الامامية القول بان الزكاة لا تخرج إلى الفسّاق و إن كانوا معتقدين الحق».

(3). مختلف الشيعة، ج 3، ص 207.

(4). و هذا صريح كلامه حيث قال: «و لا تحل أيضا إلّا لأهل الإيمان و الاعتقاد الصحيح و ذوي الصيانة و النزاهة دون الفساق و اصحاب الكبائر». جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 79.

(5). جواهر الكلام، ج 15، ص 389.

(6). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(7). حكاه عنه العلامة في المختلف، ج 3، ص 207؛ و في الإيضاح، ج 1، ص 198؛ و العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 243؛ فتاوى ابن الجنيد، ص 98.

(8). راجع الروضة البهيّة، ج 2، ص 51؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 423.

671

و إن كان غير خال عن البحث و النظر.

ثمّ إنّ هذا القول لا يلزم أن يكون مبنيّا على اعتبار ملكة العدالة إلّا إذا [كان] مبناه على اعتبار الاجتناب عن ملكة، و إلّا فمرجعه إلى اعتبار عدم الفسق بفعل الكبيرة.

ثالثها: ما حكي عن السيّد في الانتصار (1) و الجمل (2) و الشيخ (رحمه اللّه) في المصباح (3) من اعتبار عدم الفسق،

و مرجع هذا القول كما ترى إلى مانعيّة الفسق، كما أنّ مرجع الأوّل بل الثاني في وجه إلى اشتراط العدالة.

رابعها: ما حكاه في الخلاف (4) عن قوم من أصحابنا و عليه جمهور المتأخّرين منهم: المصنّف (5) و العلّامة (6) من عدم اعتبار شي‌ء منها.

ثمّ إنّ الظاهر من جماعة من القائلين باشتراط العدالة- كالشيخ (رحمه اللّه) (7) و ابن حمزة (8) و ابن إدريس (9) و غيرهم (10)- و إن كان هو اعتبار عدم المعروفيّة و أنّه معنى العدالة عندهم إلّا أنّا ذكرنا في محلّه أنّ مرجع جميع الأقوال المختلفة في العدالة- سيّما من القدماء‌

____________

(1). الانتصار، ص 218.

(2). جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 79.

(3). مصباح المتهجد، ص 858.

(4). الخلاف، ج 4، ص 224.

(5). المعتبر، ج 2، ص 580.

(6). مختلف الشيعة، ج 3، ص 208؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 523؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 264؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 411؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 396.

(7). المبسوط، ج 1، ص 247؛ النهاية، ص 185؛ الجمل و العقود (الرسائل العشر)، ص 206.

(8). الوسيلة: ص 129.

(9). السرائر، ج 1، ص 459.

(10). كالحلبي في الكافي، ص 172؛ و ابن زهره في الغنية، ص 124.

672

حيث بلغ اختلافهم إلى أن قيل: لا يتّفق كلام اثنين منهم على أمر واحد- إنّما هو إلى طريق العدالة، و إلّا فالعدالة عندهم هي الملكة الباعثة على التقوى و الاجتناب عن فعل الكبيرة، أو الإصرار بالصغيرة، أو مطلق الذنب- على القول بأنّ كلّ ذنب كبيرة- و إلّا فقد اشترط الشيخ (رحمه اللّه) (1) الفحص في باب الشهادة، مع أنّ المعنى المذكور متحقّق بدون الفحص جدّا، فتدبّر.

نعم، عدم فعل ما ينافي المروءة غير معتبر في المقام، بل هو غير معتبر في مفهوم العدالة في جميع المقامات، غاية الأمر قيام الدليل في المقامات على اعتباره زائدا على العدالة.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّه تظهر ثمرة القول باشتراط العدالة و القول بمانعيّة الفسق في موضعين:

أحدهما: في الواسطة الواقعيّة، كالبالغ في أوائل أزمنة بلوغه إذا لم يصدر عنه معصية، و كالكافر الذي أسلم قبل صدور المعصية منه، ثانيهما: في الواسطة الذهنيّة- و بعبارة اخرى: مجهول الحال- فإنّه على القول باشتراط العدالة بمعنى الملكة- على ما بنينا عليه الأمر في مراد الكلّ- يحكم بعدم جواز الإعطاء في الموضعين و إن كان الحكم في الأوّل واقعيّا و في الثاني ظاهريّا، و على القول بمانعيّة الفسق يحكم بجواز الإعطاء في الموضعين واقعا في الأوّل و ظاهرا في الثاني، إمّا مطلقا و إمّا بعد الفحص على ما اختاره شيخنا- دام ظلّه العالي- مع العمل، نظرا إلى لزوم المخالفة الكثيرة من الرجوع إلى الأصل قبل الفحص، هذا.

و الذي يقتضيه التحقيق هو ما ذهب إليه المتأخّرون من عدم اعتبار شي‌ء من الأمرين.

و يدلّ عليه وجوه من الروايات عموما و إطلاقا و خصوصا، مضافا إلى قوله‌

____________

(1). راجع المبسوط، ج 8، ص 217.

673

تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الآية (1) على ما استدلّ به جماعة و إن أمكن المناقشة فيه.

و إلى الأخبار (2) الحاصرة لموضع الزكاة في أهل الولاية و الشيعة و نحوهما من العنوانات الواردة في مقام البيان و إن نوقش فيها بكون الحصر فيها إضافيّا و أنّها وردت لبيان عدم جواز إعطاء من لا يكون من أهل الولاية، و يكون متعصّبا، و ليست في مقام بيان أنّ المستحقّ من أهل الولاية كلّها أو طائفة خاصّة منها، و لذا لا تنافي بينها و بين ما دلّ على شرطيّة جملة من الأمور المسلّمة هذا.

و إن كان الإنصاف فساد هذه المناقشة في الجملة؛ لأنّ بعض هذه الأخبار في مقام البيان جدّا، كقول الصادق (عليه السّلام): «من وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه» (3) و غيره.

و إلى الأخبار (4) الدالّة على جواز الإعطاء للقرابة خصوصا مع استبعاد العدالة في جميع القرابة حتّى النساء، و إن نوقش فيها أيضا بأنّها واردة في مقام دفع توهّم عدم جواز إعطائها القرابة كما هو الثابت ممّن تجب نفقته على المزكّي، فلا إطلاق فيها.

أمّا ما يدلّ على المدّعى من الروايات عموما قول أبي جعفر (عليه السّلام) فيما تقدّم في خبر مالك الجهني: «تعطيها المسلمين، فإن لم تجد مسلما فمستضعفا» (5).

____________

(1). التوبة (9): 60.

(2). راجع الكافي، ج 3، ص 545- 547؛ الاستبصار، ج 2، ص 51؛ التهذيب، ج 4، ص 52- 54؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 216- 217، 221- 225.

(3). الكافي، ج 3، ص 496؛ الفقيه، ج 2، ص 5؛ التهذيب، ج 4، ص 49؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 209.

(4). راجع الكافي، ج 3، ص 551- 552؛ الاستبصار، ج 2، ص 33- 35؛ التهذيب، ج 4، ص 54- 57؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 245- 248.

(5). الكافي، ج 4، ص 173؛ التهذيب، ج 4، ص 87؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 359.

674

وجه الدلالة: أنّه لو كان المراد من المسلمين المسلمين العدول لم يكن معنى لقوله (عليه السّلام): «فإن لم تجد فمستضعفا» لأنّ فاسق الشيعة مقدّم على مستضعف المخالف جدّا، فلا بدّ أن يكون المراد من المسلمين كلّ عارف بمذهب الحقّ، سواء كان عادلا أو فاسقا.

و منه يعلم اندفاع ما ربما يقال بل قيل من أنّ الرواية إنّما هي في بيان مصرف الفطرة في الجملة، و شرطه الإيمان، فلا ينافي اشتراط امور اخر.

و من هنا لا تنافي بينها و بين ما دلّ على اعتبار الفقر و نحوه من الشروط.

توضيح الاندفاع: أنّ الرواية و إن لم تكن في مقام بيان جميع ما يعتبر في استحقاق الزكاة، و لذا لا تنافي بينها و بين ما دلّ على اعتبار الفقر و نحوه، إلّا أنّها تدلّ على اعتبار العدالة جدّا، و إلّا توجّه عليها المحذور المزبور، و هو تقديم المستضعف على الفاسق من الشيعة.

ثمّ إنّ الروايات و إن كانت واردة في الفطرة إلّا أنّ اتّحاد الشروط في المقامين يسوّغ الاستدلال بها في المقام أيضا، فافهم.

و منه أيضا ما ورد (1) في حقّ البهميّة، و قد تقدّم نقله في طيّ كلماتنا السابقة في الشرط الأوّل، و فيه دلالة واضحة على المدّعى، فإنّه لو اغمض عن ظهور قول الإمام فيهم- الذي أوجب ردع السائل عن إعطائهم الزكاة- في تفسيقهم و قلنا بكونه مجملا لم يكن إشكال في دلالة التعليل فيه بعدم مسّ النار أهل الولاية على عدم اعتبار العدالة.

و منه أيضا ما تقدّم في الشرط الأوّل من الرواية الدالّة على استحقاق من قويت بصيرته (2) عن الزكاة و اختصاص من لم يقو بصيرته بها، ضرورة عدم انفكاك قوّة‌

____________

(1). الوسائل، ج 9، ص 225- 226.

(2). تفسير الامام العسكري (عليه السّلام)، ص 79؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 229.

675

البصيرة عن العدالة؛ لأنّ العادل من الناس أقلّ قليل بل هو كالكبريت الأحمر.

إلى غير ذلك، و هذه و إن كانت عمومات إلّا أنّ الإنصاف بلوغها في الدلالة مرتبة الخصوصات و التنصيصات، كما لا يخفى على من أعطى حقّ النظر فيها.

و ممّا يدلّ على المطلب خصوصا، المرسل المرويّ عن العلل عن أبي الحسن (عليه السّلام): «ما حدّ المؤمن الذي يعطى الزكاة؟ قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال: أو عشرة آلاف، و يعطى الفاجر بقدر؛ لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة اللّه، و الفاجر في معصية اللّه» (1) و دلالته على عدم مانعيّة الفسق فضلا عن عدم اعتبار العدالة ممّا لا ينبغي الإشكال فيه كاعتبار سنده و إن كان مرسلا بعد اعتضاده بعمل المتأخّرين [أيضا]. فما صدر من بعض الأجلّة (2) من المناقشة فيه سندا و دلالة، لا يصغى إليه سيّما المناقشة في الدلالة، هذا.

و استدلّ على القول باعتبار العدالة بوجوه كثيرة، كلّها ضعيفة:

منها: الأصل.

و فيه: أنّه لا يقاوم شيئا ممّا تقدّم.

و منها: الإجماع الذي حكاه في محكيّ الخلاف (3) و الغنية (4).

و فيه:- مضافا إلى ما حقّقنا في محلّه من عدم اعتبار الإجماع المنقول خصوصا مثل هذا الإجماع الذي حكى الناقل مخالفة قوم معه، و إلى كونه موهونا بمصير جلّ المتأخّرين على الخلاف- أنّه لا يقاوم ما قدّمنا أيضا، كما لا يخفى.

____________

(1). علل الشرائع، ج 2، ص 372؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 249.

(2). كالسيد في الرياض، ج 5، ص 176؛ و الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 391.

(3). الخلاف، ج 4، ص 224.

(4). غنية النزوع، ص 124.

676

و منها: الأخبار (1) الحاصرة موضع الزكاة في أهل الولاية، بناء على ما ذكره الشهيد (2) من أنّ كلّ من لم يكن عادلا فهو خارج عن أهل الولاية.

و فيه أيضا ما لا يخفى؛ لأنّه و إن كان معتضدا ببعض الأخبار الدالّة على هذا المطلب، إلّا أنّه موهون بأكثر الأخبار و الإجماع، كما لا يخفى.

هذا، مع أنّ هذا الدليل لا يقضي باعتبار العدالة، غاية الأمر اقتضاؤه مانعيّة الفسق ككثير من أدلّتهم ممّا لم نذكره.

و منها: قول الصادق (عليه السّلام) في خبر أبي خديجة: «فليقسمها- أي الزكاة- في قوم ليس بهم بأس أعفّاء عن المسألة لا يسألون أحدا شيئا» الحديث (3).

و فيه: أنّ الرواية محمولة على الفضل و الأولى، أو على محامل اخر جدّا؛ لأنّ اعتبار الامور المذكورة في مستحقّ الزكاة خلاف الإجماع و الأخبار و لو تشبّث بقوله:

«ليس بهم بأس» و حمل ما بعده على الفضل و الأولى كان فاسدا جدّا؛ لعدم ظهور نفي البأس في نفي الفسق؛ إذ من المحتمل قريبا نفي البأس في الدين، مع أنّه لا يدلّ أيضا على اعتبار العدالة، بل على مانعيّة الفسق، إلى غير ذلك، هذا.

و استدلّ للقول بمانعيّة الفسق بوجوه أيضا:

منها: الأصل.

و قد عرفت ما فيه.

و منها: ما حكي عن السيّد في الانتصار (4) من دعوى الإجماع على عدم جواز‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 545- 547؛ الاستبصار، ج 2، ص 51؛ التهذيب، ج 4، ص 52- 54؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 216- 217، 221- 225.

(2). لم نقف عليه.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 34؛ التهذيب، ج 4، ص 57؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 244.

(4). الانتصار، ص 218.

677

إعطائها الفسّاق من أهل الحقّ.

و فيه ما عرفت من دعوى الإجماع في الخلاف (1) و الغنية (2) على اشتراط العدالة.

و منها: ما رواه داود الصرمي: «سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟

قال: لا» (3) بناء على عدم القول بالفصل بين شرب الخمر و غيره من الكبائر، و إن احتمله في المدارك (4) و يستظهر من الوسائل (5).

و فيه: أنّ الرواية على تقدير عدم القول بالفصل بين شارب الخمر- الذي يكون عادته ذلك، كما هو الظاهر من إطلاق هذا اللفظ- و غيره ممّن اعتاد سائر المعاصي أو ارتكبها من غير اعتياد على تقدير كون المراد منه المنع، محمولة على الكراهة و لو بملاحظة ما قدّمنا، فلا بدّ من تأويلها، فإنّ لشارب الخمر أحكاما خاصّة مثل عدم إجابة خطبته، و غير ذلك.

و بالجملة، الرواية على تقدير تسليم ظهورها لا تقاوم ما قدّمنا، فلا بدّ من تأويلها إن لم يمكن طرحها، هذا.

و منها: ما دلّ على حرمة الإعانة على الإثم و العدوان (6) و إعانة الظالمين، من الكتاب و السنّة، و حرمة الموادّة لمن حادّ اللّه و رسوله (7) و الركون إلى الظالمين (8).

و فيه أيضا ما لا يخفى.

____________

(1). الخلاف، ج 4، ص 224.

(2). غنية النزوع، ص 124.

(3). الكافي، ج 3، ص 563؛ التهذيب، ج 4، ص 52؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 249.

(4). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 245.

(5). وسائل الشيعة، ج 9، ص 249. تأمّل في عنوان بابه.

(6). قال اللّه تعالى: وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ، المائدة (5): 2.

(7). قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ، المجادلة (58): 22.

(8). قال اللّه تعالى: وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، هود (11): 113.

678

إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المراجع إلى كتبهم، و إن كانت العمدة ما ذكرنا، فالإنصاف أنّ ما عليه المتأخّرين ممّا لا ينبغي الارتياب [فيه] و إن كان مراعاة الاحتياط طريق النجاة.

ثمّ إنّهم ذكروا أنّ محلّ النزاع في اشتراط العدالة أو مانعيّة الفسق إنّما هو في غير العامل و المؤلّفة، فإنّه لا خلاف في اشتراط العدالة في الأوّل، كما أنّه لا خلاف في عدم اعتبار شي‌ء في الثاني.

و أمّا سهم سبيل اللّه فيما يعطى شخصا فهل يعتبر فيه العدالة، أو يمنع من الفاسق على القول بها، أو هو أيضا خارج عن محلّ النزاع؟ و الظاهر عموم النزاع و إن كان يظهر من بعض الأعلام خروجه، هذا.

679

[الوصف الثالث] [من أوصاف المستحقّين: أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المالك]

قوله (قدّس سرّه): الوصف الثالث: أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المالك، كالأبوين و إن علوا، و الأولاد و إن سفلوا، و الزوجة و المملوك، إلى آخره (1) (1).

____________

أقول: هذا الشرط أيضا ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الظاهر الإجماع عليه، كما حكاه جماعة.

و الأصل فيه قبل ذلك الأخبار المستفيضة.

منها: ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك لأنّهم عياله لازمون له» (2).

و منها: ما عن إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام) في حديث: «قال:

قلت: فمن ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتّى لا أحتسب الزكاة عليهم؟ فقال: أبوك و أمّك. قلت: أبي و أمّي، قال: الوالدان و الولد» (3).

و منها: ما رواه إبراهيم بن هاشم عن أبي طالب عبد اللّه [بن] الصلت عن عدّة من‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 123.

(2). الكافي، ج 3، ص 552؛ الاستبصار، ج 2، ص 34؛ التهذيب، ج 4، ص 56؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 240.

(3). الكافي، ج 3، ص 551؛ التهذيب، ج 4، ص 56 و 101؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 241؛ و في الاولى: «لا أحسب».

680

..........

____________

أصحابنا يرفعونه إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: «خمسة لا يعطون من الزكاة: الولد و الوالدان و المرأة و المملوك؛ لأنّه يجبر على النفقة عليهم» (1).

إلى غير ذلك من الأخبار و لا ينافي ما اقتصر فيه على ذكر الاثنين أو الثلاث أو الأربع من الخمسة لما أثبت الحكم فيه للخمسة؛ لوجوب حمله عليه، لرجوع النسبة بينها إلى الإطلاق و التقييد على تقدير تسليم ظهور الأوّل في النفي بأن كان في مقام التحديد، و إلّا فقد يمنع من ذلك فلا تنافي أصلا، هذا، مضافا إلى وجود التعليل فيما أثبت الحكم للخمسة، فتدبّر.

ثمّ إنّ المستفاد من الروايتين المعلّلتين- و هما الرواية الاولى و الثالثة- كون جهة المنع أحد امور:

أحدها: عدم كون الدفع إلى من تجب نفقته على الدافع إخراجا للزكاة من حيث إنّه يرجع إلى نفسه، فكان مثل إخراج الزكاة من موضع من ملكه و وضعها في موضع آخر من ملكه.

ثانيها: أنّه موجب لتقوية ماله و ازدياده من حيث إنّه يوجب سقوط النفقة عنه، فهو نظير ما دلّ على عدم جعل الزكاة وقاية للمال و إن كان محمولا على الكراهة، فإنّ مورده ما لا يكون المدفوع إليه واجب النفقة شرعا إلّا أنّه ممّن يلزم الرجل عرفا، و إن شئت قلت: إنّه يرجع إلى إعانة الغنى، و هو نفسه.

ثالثها: أنّه موجب لإعانة الغني و هو الآخذ، حيث إنّه غنيّ باعتبار وجوب نفقته على الدافع فيكون كالكسوب. فالأوّلان يرجعان إلى عيب في الدافع، و الأخير إلى عيب في الآخذ.

و ربما يستظهر من الرواية الاولى أحد الأوّلين، و من الرواية الأخيرة الثالث، و لا‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 9، ص 241؛ عن العلل، ج 2، ص 371.

681

..........

____________

تخلو عن بحث و نظر، هذا، و لعلّه ينفعك في الفروع الآتية، هذا.

ثمّ إنّك قد عرفت ممّا أسمعناك أنّ قضيّة الأخبار- كالفتاوى- ثبوت الحكم- و هو المنع- في جميع الخمسة، لكن حكي عن فقيه عصره في كشفه (1) أنّ الحكم في غير الزوجة و المملوك- أو المملوك وحده كما عن بعض نسخه- محمول على الاستحباب، و هو بظاهره ممّا لا معنى له جدّا؛ إذ ما ذكرنا وجها له من الجمع بين النصوص المذكورة و مكاتبة عمران (2) و مرسل محمّد بن جزّك (3) لا يرجع إلى محصّل جزما، كما لا يخفى.

فالأولى الالتزام بفساده على تقدير كون المراد ظاهره، فإن أمكن إرجاعه إلى ما عرفت بنحو من التوجيه و لو كان بعيدا- لأنّ المحكيّ عن بعض رسائله المعمولة في الزكاة موافقته لما ذكرنا و إن كان ما ذكره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (4) في توجيهه لا يرجع إلى محصّل أيضا- فهو، و إلّا تعيّن اطّراحه.

و كيف كان، لا ينبغي الارتياب و الإشكال في الحكم المذكور جدّا، إنّما الكلام في جملة من الفروع التي ذكروها في المقام:

أحدها: أنّه هل يجوز لغير من تجب النفقة عليه إعطاء الزكاة [إلى] من تجب نفقته على غيره في صورة يسار من تجب النفقة عليه و بذله (5)، أم لا يجوز له أيضا؟

و هذه هي المسألة المشكلة من بين فروع هذه المسألة، و محلّ الكلام في هذه المسألة‌

____________

(1). كشف الغطاء، ج 2، ص 355- 356.

(2). الكافي، ج 3، ص 552؛ الاستبصار، ج 2، ص 34؛ التهذيب، ج 4، ص 56؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 243.

(3). الكافي، ج 3، ص 552؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 243.

(4). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 396- 397.

(5). بمعنى أن يكون المزكّي غير من عليه النفقة.

682

..........

____________

إنّما هو في غير الزوجة و المملوك ممّن يجب نفقته،

و الذي عليه الفاضل في المنتهى (1) و التذكرة (2)، و يحيى بن سعيد في الجامع (3)؛ و ثاني المحقّقين في فوائده (4)، و الشهيد في الدروس (5)، و السيّد في المدارك (6)، و بعض مشايخنا المتأخّرين (7) و بعض آخر ممّن تأخّر على ما حكي عن بعضهم: الجواز، و إن تنظّر شيخنا- دام ظلّه العالي- في نسبته إلى الفاضل في كتبه الثلاثة و ابن سعيد في الجامع و ثاني المحقّقين، فإنّ المصرّح به في كلماتهم عدم الجواز و كونه غنيّا.

نعم، صرّحوا بجواز إعطائه للتوسعة، و هذا لا دخل له بمسألتنا، و لعلّ الحاكي اشتبه عليه الأمر في الفرق بين المسألتين و إن كان في غاية الوضوح.

نعم، كلام الشهيد في الدروس دالّ عليه، هذا.

أقول: كلام الفاضل في كتابيه- أي التذكرة و النهاية (8)- و إن لم يكن له دلالة على ذلك، بل دالّ على خلافه، كما ذكره شيخنا- دام ظلّه العالي- لكنّ كلامه في المنتهى (9) في مسألة الفقر له ظهور في ذلك، فراجع.

و كيف كان، وجود القول بالجواز و إن لم يكن محلّ إنكار في مفروض البحث إلّا أنّ نسبته إلى كثير ممّن نسبوه إليه مبنيّة على الخلط بين المسألتين.

____________

(1). راجع منتهى المطلب، ج 1، ص 519، 523- 524.

(2). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 266.

(3). راجع الجامع للشرائع: ص 145.

(4). حاشية الشرائع، ج 1، ص 269 (حياة المحقّق الكركي و آثاره، المجلد 10).

(5). الدروس، ج 1، ص 242.

(6). مدارك الأحكام، ج 5، ص 247.

(7). راجع رياض المسائل، ج 5، ص 178- 179؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 399.

(8). نهاية الإحكام، ج 2، ص 397.

(9). منتهى المطلب، ج 1، ص 519.

683

..........

____________

و الذي عليه المصنّف في محكيّ المعتبر (1)، و العلّامة في جملة من كتبه (2)، و ابن سعيد في الجامع (3)، و المولى الفريد البهبهاني (4)، و بعض آخر: عدم الجواز، هذا.

و استدلّ على المنع بكونه غنيّا مع فرض وجوب نفقته على الفقير، و إن هو إلّا كالكسوب أو الزوجة و المملوك، هذا.

و استدلّ على الجواز بمنع الخروج بمجرّد وجوب الإنفاق عن حدّ الفقر، و دعواه مصادرة إن لم تكن مكابرة، هذا.

و ربما يستدلّ عليه أيضا بصحيح ابن الحجّاج عن أبي الحسن الأوّل (عليه السّلام): « [قال:] سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمّه أو أخوه يكفيه مئونته، أ يأخذ من الزكاة فيتوسّع به إذا كانوا لا يوسّعون عليه في كلّ ما يحتاجون إليه؟ قال: لا بأس به» (5). هذا.

و لكنّك خبير بأنّ الرواية لا دخل لها بمفروض البحث؛ لما أسمعناك في تحرير محلّ النزاع من أنّ الإعطاء للتوسعة خارج عن محلّ الكلام، فإنّه يجوز لمن تجب النفقة عليه فضلا عن غيره.

و من هنا أمر الفاضل في المنتهى (6) بالتأمّل في تأييده المدّعى بالرواية، هذا، مع أنّ الرواية غير وافية بالمدّعى، بل ظاهرها ينافيه في الجملة، كما لا يخفى، فليس المستند في الحكم بالجواز عند التحقيق إلّا عدم تحقّق الغنى المانع عن الاستحقاق في حقّ من تجب نفقته من الأرقاب في محلّ الفرض، كما أنّه ليس المستند في المنع أيضا إلّا تحقّقه.

____________

(1). راجع المعتبر، ج 2، ص 582- 583.

(2). راجع إرشاد الأذهان، ج 1، ص 287؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 411.

(3). راجع الجامع للشرائع، ص 145.

(4). مصابيح الظلام، ج 10، ص 498.

(5). الكافي، ج 3، ص 561؛ التهذيب، ج 4، ص 108؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 238.

(6). منتهى المطلب، ج 1، ص 519.

684

..........

____________

نعم، يمكن الاستدلال للمنع بقوله فيما سمعت من الروايات في أصل المسألة «لأنه يجبر على النفقة عليهم» (1) بناء على ظهوره في وجود المانع و القصور في حقّ الآخذ من حيث كونه غنيّا على ما عرفت أنّه أحد محتملات التعليل و إن كان شيخنا- دام ظلّه- يقول بظهوره في وجود المانع في حقّ المعطى و أنّه كالتعليل بأنّهم عيال لازمون له في الرواية الاولى من حيث ظهوره في قصور المعطى، فتدبّر.

و بالحريّ صرف الكلام إلى تحقيق هذا المطلب، فنقول توضيحا للمرام في المقام: إنّه قد يستحقّ الرجل مطالبة شي‌ء لا بعنوان كونه فقيرا، بل بعنوان آخر اتّفق مصادفته مع فقره، كالمنذور له مثلا إذا كان المنذور الفعل لا الغاية كالمملوك، و قد يصير مالكا لشي‌ء على ذمّة غيره لا بعنوان الفقر و إن اتّفق مصادفته مع عنوان الفقر، كالزوجة مثلا، و قد يستحقّ مطالبة شي‌ء بعنوان الفقر إمّا لوجود سبب لاستحقاقه بالخصوص، و إمّا لوجود سبب لاستحقاق نوع الفقير و قد تملّك شيئا بعنوان الفقر على أحد الوجهين، و قد يستحقّ شيئا لا بعنوان الفقر بل بعنوان أخصّ منه، و هو عدم الطريق إلى المعاش و لو كان حكم الشارع بوجوب الإعطاء من حيث عنوان الفقير، و إن شئت قلت: إنّ استحقاقه بعنوان الفقر بمعنى الحاجة إلى المعاش و عدم الطريق إليه و لو كان هو الطريق المعدّ للفقير.

و بعد ذلك فنقول: إنّه لا ريب و لا إشكال في أنّ استحقاق كلّ من الإنفاق و الزكاة في مفروض البحث إنّما هو من حيث الحاجة و الفقر، كما أنّه لا ريب في عدم مانعيّة استحقاق الزكاة لاستحقاق الإنفاق و إن كان أخذ الزكاة مانعا عن استحقاقه و رافعا لوجوبه على المكلّف، إنّما الكلام في أنّ استحقاق الإنفاق و حكم الشارع بوجوبه مانع عن استحقاق الزكاة قبل أخذ النفقة أم لا؟ و توهّم إمكان العكس مدفوع.

و تحقيق القول في مانعيّته أنّه إن كان الحكم باستحقاق الزكاة مترتّبا على عنوان‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 9، ص 241؛ عن العلل، ج 2، ص 371.

685

..........

____________

الفقر- كما هو قضيّة ظاهر الأدلّة في بادئ النظر- لم يكن الحكم بوجوب الإنفاق مانعا عن دفع الزكاة إليه و استحقاقه لها؛ لأنّه مع هذا الحكم فقير جدّا، غاية الأمر ثبوت طريق آخر له أيضا بعنوان فقره.

نعم، لو صار مالكا لشي‌ء و لو بعنوان الفقر لم يستحقّ الزكاة؛ لأنّ تملّكه أوجب خروجه عن عنوان الفقير و إن كان السبب مترتّبا على عنوان الفقر، و هذا لا يقاس به المقام، فإنّ المفروض أنّ استحقاق الإنفاق و حكم الشارع به في كلّ زمان مانع للفقر.

و إن كان مترتّبا على عدم الطريق إلى سدّ الخلّة، و لو كان هو الشارع المترتّب على عنوان الفقر- كما يقتضيه التأمّل و عميق النظر في أدلّة الزكاة- كان الحكم بوجوب الإنفاق مانعا جدّا، فإنّ أوّل زمان الحكم بوجوب الإنفاق و إن لم يكن له طريق و كان فقيرا بأيّ معنى إلّا أنّ حكم الشارع بوجوب الإنفاق الغير المنافي له استحقاق الزكاة بالفرض يرفع هذا الموضوع جدّا، فهو نظير ما ذكرنا في أمر أصل البراءة في الاصول من أنّ موضوعه الجهل بالحكم في جميع المراتب، أي الجهل بالحكم الأوّلي و الثانوي، و هكذا.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر فساد قياس المقام- في كلام بعض المتأخّرين- بالمنذور له؛ فإنّه إن لم يؤخذ في عنوان النذر فقر المنذور له و أنّ الفسق فقره كما هو كلامه، فلا إشكال في فساد القياس به، فإنّ استحقاقه ليس من حيث الفقر، فلا بدّ من أن يكون مانعا عن استحقاق الزكاة، فهو نظير الحكم الواقعي الأوّلي المتعلّق بالموضوعات مع قطع النظر عن الجهل، و إن أخذ فقره فيه فيكون كمن تجب نفقته على غيره بشرط الفقر، فاستحقاقه الزكاة و عدمه مبنيّ على الوجهين اللّذين ذكرناهما في مبنى مانعيّة استحقاق الإنفاق عن استحقاق الزكاة.

فالحقّ بناء على ما استظهرنا عدم استحقاقه الزكاة أيضا، فلا مناص للقياس عليه، كما أنّه لا مناص للقياس على استحقاق الحلال بعنوان الفقر من جهة الوقف‌

686

..........

____________

المطلق بعنوان الفقراء ... (1) ما ذكرنا ينبغي تحرير المقام، فلعلّ إليه يرجع كلام من ادّعى غناءه، فتدبّر.

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ قضيّة القاعدة عدم جواز الإعطاء في الفرض، فلو فرض الشكّ في جواز الاستحقاق و العدم من جهة الشكّ في تحقّق الفقر المعتبر في استحقاق الزكاة لم يكن مناص أيضا عن القول بالمنع، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا كلّه يعلم أنّ هذا الشرط- أي عدم كون الآخذ ممّن تجب نفقته على المعطي- ليس في قبال سائر الشروط، و إنّما مرجعه إلى تحقّق فقدان الفقر في من تجب [نفقته] على غيره، و ليس الغرض منه إلّا التنبيه على هذا المطلب تبعا للنصّ، هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- فتأمّل.

و قال- دام ظلّه- أيضا: إنّه لا يمكن استفادة جواز الإعطاء في مفروض البحث من كلماتهم في عنوان هذا الشرط، فإنّهم أحالوا حكم جواز دفع الغير و عدمه إلى ما ذكروا في مسألة الفقر، و من تعرّض له في المقام فإنّما هو للتنبيه على الفرق أو عدمه.

هذا كلّه في عدم جواز دفع الغير للزكاة إلى غير الزوجة و المملوك من الأقارب الذين تجب نفقتهم، و أمّا عدم جواز دفع الزكاة إليهما فهو ممّا لا خلاف فيه، و الوجه فيه ظاهر ممّا قدّمنا، فإنّك قد عرفت أنّ استحقاقهما الإنفاق ليس من حيث عنوان الفقر.

و من هذا يظهر لك ما في كلام بعض مشايخنا من عدم الفرق لو لم يكن هناك إجماع عليه، هذا.

ثانيها: أنّ ما عرفت كلّه في الفرع الأوّل إنّما هو مع يسار من تجب النفقة عليه و بذله، و أمّا مع فقد أحد الأمرين فالظاهر أنّه لا إشكال بل لا خلاف يعتد به في جواز إعطاء من تجب نفقته على الغير؛ لعدم المانع عنه.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

687

..........

____________

نعم، ربما يستشكل فيما إذا كان الدافع قادرا على محلّ (1) من تجب النفقة عليه على الإنفاق في صورة يساره و عدم بذله.

هذا كلّه بالنسبة إلى الغير، و أمّا من تجب النفقة عليه فهل يجوز له دفع زكاته إليه في صورة امتناعه عن الإنفاق أم لا؟ فيه إشكال من حيث تحقّق الامتناع الرافع للتمكّن العرفي من المؤونة عرفا فيجوز دفع الزكاة و إن كان الامتناع محرّما، و من حيث وجود ما كان مانعا في حقّه من الأخبار المتقدّمة المعلّلة في الفرض، و هذا هو الأقرب.

ثالثها: أنّه هل يجوز دفع الزكاة إلى من تجب نفقته على الغير بقدر التوسعة إذا لم يكن لمن تجب النفقة عليه ما توسّع عليه، أم لا؟ لا ينبغي الإشكال في جوازه بالنسبة إلى غير من تجب النفقة عليه؛ لأنّه مورد الصحيح (2) المتقدّم ذكره في الفرع الأوّل، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب أيضا، هذا مضافا إلى كفاية العمومات في ذلك، حيث إنّه داخل في عنوان الفقير في مفروض البحث، بناء على ما ستقف عليه في المراد من قدر التوسعة.

و أمّا بالنسبة إلى من تجب النفقة عليه فالظاهر أنّه لا إشكال في جوازه أيضا؛ لوجود المقتضي و عدم المانع.

أمّا وجود المقتضي: فظاهر، بناء على ما أشرنا إليه في تقرير التمسّك بالعمومات بالنسبة إلى غيره.

و أمّا عدم المانع: فلأنّه ليس ما يصلح للمانعيّة إلّا ما أسمعناك من الأخبار المستفيضة الدالّة على المنع في أصل المسألة، و من الظاهر أنّ مواردها غير مفروض البحث و إن كان قد يتوهّم من التعليل عموم المنع، لكنّه خلاف الإنصاف عند‌

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). أي صحيح ابن الحجاج. الكافي، ج 3، ص 561؛ التهذيب، ج 4، ص 108.

688

..........

____________

عميق النظر.

و منه ينقدح عدم الإشكال في جواز إعطاء من تجب نفقته على الغير إذا كان الغير قائما بإنفاقه بقدر المتعارف إذا كان محتاجا بالنسبة إلى ما هو خارج عن نفقته، كما إذا كان عليه دين مثلا، من غير فرق في ذلك بين من تجب النفقة عليه و غيره.

ثمّ إنّ المراد من قدر التوسعة هو الذي يجب على من تجب الإنفاق عليه القيام به عند تمكّنه منه، فإذا لم يتمكّن من القيام به، كما إذا تمكّن في طول السنة من القيام بإعطاء الخبز فقط مثلا و لم يتمكّن من القيام ... (1) بالإدام يجوز إعطاء الزكاة بقدر ما يفي به، كما أنّه يجوز لنفس من تجب النفقة عليه في الفرض تناول الزكاة و إن كانت واجبة عليه أيضا؛ لعدم التنافي بينهما، بل كان شيخنا- دام ظلّه العالي- في مجلس البحث ربما يقول بجواز أكله من زكاة نفسه في ما يفرض، و إن كان محلّ المناقشة.

هذا هو الذي ظهر لنا من كلمات الأكثر في المراد من قدر التوسعة، و صرّح به في المسالك (2).

و أمّا ما ترى من كلمات بعض المتأخّرين من أنّ المراد منه ما كان زائدا على القدر المتعارف الواجب على من يجب الإنفاق عليه إذا لم يبلغ حدّ الإسراف و الإضرار بالفقراء، فإنّه إذا بلغ هذه المرتبة فلا يجوز قولا واحدا؛ لأنّه موجب لعدم إقدام أحد بإعطاء الزكاة، فإنّه يصرفها في عياله من باب التوسعة فيلزم نقض الغرض من تشريع الزكاة، ففاسد جدّا؛ لعدم الدليل عليه؛ لأنّ ما دلّ على جواز التوسعة من الصحيح المتقدّم فقد قيّده بالحاجة، هذا.

ثمّ إنّ هنا جملة فروع اخر لا فائدة في التعرّض لها؛ لوضوحها، و العمدة ما تعرّضنا له، و عمدتها الفرع الأوّل.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 423.