كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
689

[الوصف الرابع] [من أوصاف المستحقّين: أن لا يكونوا هاشميّين]

قوله: الوصف الرابع: أن لا يكون هاشميّا، فلو كان كذلك لم تحلّ له زكاة غيره و تحلّ له زكاة مثله في النسب. و إن لم يتمكّن الهاشمي من كفايته من الخمس جاز له أن يأخذ [من] الزكاة و لو من غير هاشميّ (1) (1).

____________

أقول: ثبوت هذا الشرط و حرمة زكاة غير بني هاشم [عليهم] في الجملة ممّا عليه إجماع المسلمين قاطبة، و ادّعاؤه بلغ حدّ التواتر.

و الأصل فيه قبل الإجماع الأخبار المتواترة بين الفريقين.

أمّا ما روي عن طريق الجمهور من الروايات:

منها: ما روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «الصدقة محرّمة على بني هاشم» (2).

و منها: ما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «هذه الصدقة أوساخ الناس فلا تحلّ لمحمّد ((صلى اللّه عليه و آله)(3).

و منها: ما روي أيضا: «أنّ الحسن أخذ تمرة من تمر الصدقة فقال له النبيّ: كخ كخ، ليطرحها، و قال: أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة» (4).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 124.

(2). حكاها العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 250- 251؛ راجع سنن أبي داود، ج 1، ص 373؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 2، ص 149.

(3). مسند أحمد، ج 4، ص 166؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 119؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 28؛ سنن النسائي، ج 5، ص 106؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 7، ص 32.

(4). مسند أحمد، ج 2، ص 409 و 467؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 373؛ صحيح بخاري، ج 2، ص 135؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 117؛ السنن الكبرى (البيهقي)، ج 7، ص 29.

690

..........

____________

و أمّا ما روي عن طريق أصحابنا فكثير جدّا.

منها: ما رواه الشيخ (رحمه اللّه) عن عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): « [قال]: إنّ اناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي و قالوا:

يكون لنا هذا السهم الذي جعله اللّه- عزّ و جلّ للعاملين عليها فنحن أولى، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا بني عبد المطّلب، إنّ الصدقة لا تحلّ لي و لا لكم، و لكنّي قد وعدت الشفاعة. ثمّ قال أبو عبد اللّه: و اللّه لقد وعدها (صلى اللّه عليه و آله) فما ظنّكم يا بني عبد المطّلب إذا أخذت بحلقة باب الجنّة أ تروني مؤثرا عليكم غيركم» (1).

و دلالته على حرمة غير سهم العاملين مضافا إلى ما فيه من العموم يكون بالفحوى أيضا، كما لا يخفى.

و منها: ما عن محمّد بن مسلم و أبي بصير و زرارة كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام): «قالا: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، و إنّ اللّه قد حرّم عليّ منها و من غيرها ما قد حرّمه، و إنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبد المطّلب» (2).

و منها: ما عن ابن سنان- يعني عبد اللّه- عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: لا تحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من بني هاشم» (3).

و منها: ما عن العيّاشي في تفسيره عن عيسى بن عبد اللّه العلوي عن أبيه عن جعفر بن محمّد (عليه السّلام) قال: «إنّ اللّه لا إله إلّا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام، و الخمس لنا فريضة، و الكرامة لنا حلال» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 58؛ التهذيب، ج 4، ص 58؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 268.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 58؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 268.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 36؛ التهذيب، ج 4، ص 59؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 269.

(4). تفسير العياشي، ج 2، ص 64؛ و كذا في الفقيه، ج 2، ص 41؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 270، بتفاوت يسير فيما عدا الأخير.

691

..........

____________

و أمّا ما يعارضها من الأخبار بظاهره مثل: ما رواه أبو خديجة- سالم بن بكرم الجمّال عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: «أعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم، فإنّها تحلّ لهم، و إنّما تحرم على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و (على) الإمام الذي من بعده و (على) الأئمّة (عليهم السّلام)» (1)- فمحمول- كما صنعه الأصحاب- على حال الضرورة، فإنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الإمام لا يضطرّون إلى الزكاة، أو على زكاة بعضهم على بعض، أو على المندوبة.

فقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ ثبوت الحرمة في الجملة ممّا لا ينبغي الارتياب فيها.

إنّما الكلام في ثبوت الحرمة بالنسبة إلى جميع السهام حتّى سهم سبيل اللّه و الرقاب و المؤلّفة، أم لا.

الذي يقتضيه التحقيق عموم المنع بالنظر إلى ما قدّمنا من الأخبار.

نعم، قد يستشكل في سهم الرقاب و سهم سبيل اللّه، إذا صرف في رقبتهم من حيث إنّ بقاء رقبتهم ليس بأولى من تناولهم الزكاة جدّا.

و من هنا اختار العلّامة في محكيّ النهاية (2) الجواز؛ معلّلا بما يقرب إلى ما ذكرنا، هذا.

و أمّا ما ذكره فقيه عصره في كشف الغطاء- من التأمّل في حرمة سهم سبيل اللّه عليهم و سهم المؤلّفة و الرقاب مع فرضهما بارتداد الهاشميّ أو كونه من ذريّة أبي لهب و لم يكن في سلسلة مسلم و بتزويجه الأمة و اشتراط رقّيّة الولد عليه على القول به (3)- فالظاهر أنّه في غير محلّه؛ لمنافاته لكلمات الأصحاب و الأخبار على ما عرفت.

نعم، لا إشكال و لا خلاف في جواز انتفاعهم عن بعض أفراد سهم سبيل اللّه ممّا لا‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 59؛ الفقيه، ج 2، ص 37؛ الاستبصار، ج 2، ص 36؛ التهذيب، ج 4، ص 60؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 269.

(2). نهاية الإحكام، ج 2، ص 398.

(3). كشف الغطاء، ج 2، ص 356.

692

..........

____________

يعدّ أنّه صدقة عليهم، كالتصرّف في بعض الأوقاف الثابتة المتّخذة من الزكاة؛ لعدم شمول الأخبار له، مضافا إلى جريان السيرة عليه، فإنّه حقيقة نظير تناول الهاشمي الزكاة من يد مستحقّها بعد الوصول إليه الذي لا ريب في جوازه، هذا.

ثمّ إنّهم ذكروا أنّه يثبت الانتساب إلى بني هاشم بالشياع، و بالبيّنة و ادّعائه مع عدم مظنّة الكذب و إن احتاط بعض (1) له أنّه يطلب الحجّة منه على دعواه احتياطا. ثمّ ذكر أنّه: «لا يبعد قبول قوله (في المقام) إلزاما له بإقراره» (2).

و ذكر شيخنا- دام ظلّه- أنّ الأقوى عدم الاحتياج إلى شي‌ء حتّى دعواه، حيث إنّ قضيّة الأصل نفي النسب الخاصّ عند الشكّ، كما هو الشأن في جميع ما يترتّب الحكم فيه على نسب خاصّ، كما في باب الحيض و الخمس و غيرهما، و لا يعارض بنفي نسب آخر؛ لأنّه أيضا مشكوك بالفرض، فإنّ نفي النسب الآخر لا يترتّب عليه أثر، و لا يمكن إثبات النسب المفروض به أيضا؛ لعدم جواز التعويل على الاصول المثبتة، و ليس المقصود من نفي النسب في مفروض البحث و أشباهه إثبات النسب الآخر حتّى يرد المحذور عليه أيضا، بل المقصود نفي مجرّد الآثار المترتّبة على المنفي، و لو فرض ترتّب أثر على المنفي في الطرف المقابل أيضا يترتّب عليه بشرط عدم إيجاب جريان الأصلين طرح العلم الإجمالي بحسب العمل كما في مفروض البحث، هذا.

و إن شئت تفصيل القول في ذلك و توضيحه فارجع إلى ما كتبه شيخنا- دام ظلّه العالي- في الاستصحاب (3)، أو إلى ما علّقناه عليه، (4) هذا.

____________

(1). و هو الشيخ كاشف الغطاء في كشف الغطاء.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 407.

(3). أي فرائد الأصول.

(4). بحر الفوائد (الاستصحاب)، ص 104 و ....

693

..........

____________

و أمّا القول بأنّ تولّد الشخص الخاصّ من بني هاشم لم يكن مسبوقا بالعدم و جريان الأصل في عدم النسب يذهب اتّصاف الرجل بعدم كونه من بني هاشم، و انطباق هذا العنوان السلبي عليه و جريان الاصول في عدم توليد بني هاشم إيّاه لا يثبت حاله بناء على نفي الاصول المثبتة، فهو كما ترى؛ لأنّه لو كان هناك واسطة لم يكن إلّا من الوسائط الحجّيّة.

هذا بعض الكلام في إثبات أصل الشرط المفروض، و هو المستثنى منه.

و أمّا الكلام في المستثنى فحاصل القول فيه أنّ المستثنى الأوّل (1) ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، كما لا يخفى على من راجع كتب الأصحاب.

و الأصل فيه قبل ذلك الأخبار المستفيضة:

مثل: ما رواه زرارة: «قلت للصادق (عليه السّلام): صدقات بني هاشم بعضهم على بعض تحلّ لهم، قال: نعم» (2).

و مثل ما رواه عنه إسماعيل بن الفضيل الهاشمي: « [سألت ابا عبد اللّه (عليه السّلام)] عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: هي الزكاة (المفروضة)، قلت: فتحلّ صدقة بعضهم على بعض؟ قال: نعم» (3).

و قريب منه ما رواه عنه زيد الشحّام (4) إلى غير ذلك من الروايات، و ما يعارضها بظاهره لا بدّ من حمله عليها.

ثمّ لا فرق في ذلك بين السهام، فلا بأس إذا باستعمال الهاشمي على صدقات‌

____________

(1). أي جواز أخذ الهاشمي الزكاة من هاشمي آخر.

(2). التهذيب، ج 4، ص 61؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 275.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 58- 59؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 275.

(4). الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 59؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 274.

694

..........

____________

بني هاشم، لكن عن الدروس جعله احتمالا؛ حيث قال: «و لو تولّى الهاشمي العمالة على قبيلة احتمل الجواز» (1) و أنت خبير بما فيه؛ لأنّ إطلاق صحيح العيص لا يعارض ما قدّمنا.

و أمّا المستثنى الثاني- و هو جواز أخذ الهاشمي من الزكاة عند [عدم] تمكّنه من كفايته من الخمس- في الجملة ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه محقّقا و منقولا.

و يدلّ عليه من الأخبار أيضا ما ستقف عليه، فلا ينبغي الارتياب في المسألة في الجملة، و إنّما الكلام في أنّه في أيّ موضوع و أيّ حال يجوز له الزكاة، فالأكثر بل الأشهر أنّه متى لم يتمكّن من سدّ خلّته من الخمس أو غيره ممّا يباح له بالذات- كزكاة الهاشمي و نحوها على الخلاف الذي ستقف عليه- يجوز له تناول الزكاة، كفقراء بني هاشم، فهو في هذا الموضوع يصير مستحقّا للزكاة، كسائر المستحقّين، فيجوز إعطاؤه ما فوق حدّ الإغناء، كما يجوز إعطاء الفقير من غيرهم.

و يظهر ما ذكرنا لمن تتّبع كتب القوم، كالشيخ (2) و السيّد (3) و العلّامة (4) و المصنّف في المعتبر (5)، بل و في الكتاب (6)، و غيرهم، بل ظاهر جماعة دعوى الإجماع عليه.

قال في محكيّ الانتصار: «و ممّا انفردت به الإماميّة القول بأنّ الصدقة إنّما تحرم على بني هاشم إذا تمكّنوا من الخمس الذي جعل لهم عوضا عن الصدقة، فإذا حرموه‌

____________

(1). الدروس، ج 1، ص 248.

(2). النهاية، ص 187؛ الاقتصاد، ص 282؛ المبسوط، ج 1، ص 259.

(3). الانتصار، ص 222؛ جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 79.

(4). قواعد الأحكام، ج 1، ص 351؛ مختلف الشيعة، ج 3، ص 220؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 526؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 273؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 412؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 399.

(5). المعتبر، ج 2، ص 586.

(6). شرائع الإسلام، ج 1، ص 124.

695

..........

____________

حلّت لهم الصدقة، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه:

الإجماع المتردّد» (1). انتهى.

و قال في محكيّ الغنية: «فإن كان مستحقّ الخمس غير متمكّن من أخذه، أو كان المزكّي هاشميّا مثله، جاز دفع الزكاة إليه بدليل الإجماع المشار إليه» (2). انتهى كلامه.

[و] قال في محكيّ المعتبر: «قال علماؤنا: إذا منع الهاشميّون من الخمس حلّت لهم الصدقة» (3).

و قال في المنتهى: إنّ جواز أخذ الهاشمي الزكاة مع قصور الخمس عليه علماؤنا أجمع (4). انتهى.

إلى غير ذلك من عباراتهم الظاهرة في ذلك، هذا.

و لكن ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ [ما] يقتضيه التأمّل أنّ المجمعين ليسوا إلّا في مقام دعوى الإجماع على جواز الأخذ في هذا الموضوع في الجملة.

و من هنا ادّعى في المختلف (5) الإجماع أوّلا ثمّ نسب إلى الأكثر جواز أخذ ما شاء.

نعم، ذهاب الأكثر إليه ممّا لا ينبغي الارتياب فيه، كما يظهر بالتصفّح في كلماتهم، و ممّا يوضّحه استدلال العلّامة في المختلف (6) للقول بأنّه لا يتقدّر المأخوذ‌

____________

(1). الانتصار، ص 222.

(2). غنية النزوع، ص 125.

(3). المعتبر، ص 586.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 526. و عبارته هكذا: «و إذا منع الهاشميون من الخمس جاز لهم تناول الزكاة و عليه فتوى علمائنا أجمع».

(5). مختلف الشيعة، ج 3، ص 220. و في المخطوطة «المنتهى» و لكن الصحيح ما أثبتناه كما صرّح به في مدارك الأحكام، ج 5، ص 255.

(6). الصحيح ما أثبتناه و في المخطوطة «المنتهى».

696

..........

____________

بقدر بعد نسبته إلى الأكثر (1) بأنّه: « (إذا) أبيح له الزكاة فلا يتقدّر بقدر، أمّا المقدّمة الاولى: فلأنّ التقدير ذلك، و أمّا الثانية: فلقوله (عليه السّلام) (2): «إذا أعطيته فأغنه» (3). و هذا كما ترى صريح في ذلك.

و الشهيد في الدروس ذهب إلى أنّه في هذا الموضوع يجوز له أخذ مئونة السنة تماما أو بعضا إن كان عنده بعض المؤونة لا غير، فلا يكون حاله كحال سائر الفقراء «و لا تعطى الهاشمي إلّا من قبيله أو قصور الخمس و يعطى التتمّة لا غير على الأقوى» (4). انتهى كلامه رفع مقامه.

و العجب ممّن نسب إليه أنّه لا يجوّز إلّا إعطاء ما يدفع به الضرورة مع ما عرفت منه.

و عن جماعة أنّه متى اضطرّ إلى الزكاة يجوز له تناولها بقدر ما يندفع به الضرورة، منهم: ابن سعيد في محكيّ الجامع حيث قال: « (إذا) احتاجوا حاجة شديدة» (5)، و عبّر بما يقرب منه غيره أيضا.

و جعل شيخنا- دام ظلّه العالي- الميزان في الضرورة المسوّغة ما يكون الصبر على ما دونه حرجا لا يتحمّل عادة.

ثمّ إنّه إن علم باستمرار الضرورة طول السنة يجوز له تناول مئونة السنة، و إلّا فبقدر ما يعلم استمرار الضرورة فيه، و إن ذكر بعض أنّ الأحوط إن لم يكن الأقوى‌

____________

(1). نسبه إلى الأشهر.

(2). ذكر الرواية فيه كمّلا.

(3). مختلف الشيعة، ج 3، ص 220؛ الكافي، ج 3، ص 549؛ التهذيب، ج 4، ص 64؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 259.

(4). الدروس، ج 1، ص 243.

(5). الجامع للشرائع، ص 145.

697

..........

____________

التدريج على كلّ تقدير.

و عن الآبي (1) تلميذ المحقّق أنّ تناول الزكاة للهاشمي من غيره كتناول سائر المحرّمات له عند الضرورة بقدر سدّ الرمق، فإنّما هو مقدّم- على هذا القول- على تناول الميتة و نحوها من المحرّمات الجائزة عند الضرورة، و على السؤال؛ لما فيه من الذلّ الغير المناسب لشأنهم، [و] نهيهم عن الزكاة معلّلا بأنّها من الأوساخ يدلّ على تقدّمها على السؤال من جهة وجود الذلّ فيه جدّا الذي هو أعظم من تناول الزكاة.

و عن ابن فهد (2) و ثاني الشهيدين (3) التقدير بقوت يوم و ليلة، و عن الثاني تفسير الضرورة به. و توجيهه لا يخلو عن تمحّل، و إلّا فظاهر هذا الكلام إنّما هو ينافي المقدار المأخوذ، لا بيان الموضوع الذي يجوز فيه تناول الزكاة للهاشمي، فهو ساكت عن بيانه، هذا.

و قد جعل بعض الأعلام الكلام هنا في مقامين: أحدهما: في بيان الموضوع الذي يجوز فيه أخذ الزكاة للهاشمي، ثانيهما: في بيان المقدار المأخوذ له، و حمل كلام كثير من الأصحاب على كون الموضوع عندهم حال الضرورة و إن اختلفوا في المقدار المأخوذ حال الضرورة.

ثمّ استشهد بكلام العلّامة في محكيّ المختلف، و وافق في ذلك غيره ممّن عاصره و تقدّم عليه.

و أنت خبير بما فيه؛ لأنّ الموضوع عند الأكثر عدم كفاية الخمس لمئونته، و المقدار المأخوذ هو فوق حدّ الإغناء و ما دونه على ما عرفت تفصيل القول فيه،

____________

(1). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 410.

(2). و الذي وقفنا عليه في المهذّب، ج 1، ص 536؛ تقديره بقدر الضرورة، و لعلّه مفيد معنى قوت اليوم و الليلة.

(3). مسالك الأفهام، ج 1، ص 424. و فيه: «المراد بالضرورة قوت يومه و ليلته».

698

..........

____________

و اعترف به- دام ظلّه- و إن حمل كلامهم على ما أفاده. و لا حاجة إلى تحرير الكلام في مقامين بعد ما عرفت، بل ربما يكون مخلّا بالمقصود و موقعا في الوهم.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي-.

ثمّ إنّ قضيّة الأصل الأوّلي بل الثانوي بالنظر إلى عموم ما دلّ على حرمة الزكاة على بني هاشم ممّا يساعد على قول الآبي؛ لأنّ الشكّ إنّما هو في الاستحقاق و العدم.

و استدلّ للأكثرين بالأخبار الدالّة على كون الخمس عوضا عن الزكاة في حقّ بني هاشم، مثل: ما روي عن العبد الصالح (عليه السّلام) في حديث طويل: «إنّما جعل اللّه هذا الخمس خاصّة لهم- يعني [بني] عبد المطّلب- عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من اللّه لهم و لا بأس بصدقات بعضهم على بعض» (1) و غيره ممّا هو قريب منه؛ لأنّ مقتضى البدليّة أنّه عند عدم التمكّن من الخمس يجوز له تناول الزكاة، كسائر المستحقّين من غير بني هاشم.

و بما رواه محمّد بن عبد الرحمن العرزمي عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السّلام) قال: «لا تحلّ الصدقة لبني هاشم إلّا في وجهين: إذا كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا، و صدقة بعضهم على بعض» (2).

توضيح الدلالة: أنّه لا ريب و لا إشكال في أنّ المستثنى الأوّل مبنيّ على المثال؛ إذ لا خصوصيّة له جدّا، و وجه الاستثناء ليس إلّا الحاجة العرفيّة إلى الماء، لا ما إذا بلغت الحاجة إلى ما يقرب إلى الهلاك، أو إلى ما يكون الصبر معه حرجا أو قريبا منه، فلا بدّ من أن يجعل كناية عن مطلق الحاجة إلى الشي‌ء، فيتعدّى منه إلى الحاجة إلى الأكل و اللباس بل الدار و التزويج، و هكذا.

و أمّا حمل الرواية على الزكوات المستحبّة نظرا إلى حلّيّة الماء المتصدّق به من‌

____________

(1). الكافي، ج 1، ص 540؛ التهذيب، ج 4، ص 129؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 274.

(2). وسائل الشيعة، ج 9، ص 275؛ عن الخصال (الصدوق)، ص 62.

699

..........

____________

الصدقة الواجبة و لو من غير الزكاة كما عن الحدائق (1) كما ترى؛ إذ لا داعي له جدّا، و مجرّد العلّة لا يوجب رفع اليد عمّا ذكرنا، فتدبّر.

و بما استدلّ به في المختلف (2) من قوله: «إذا أعطيته فأغنه» (3) و غيره ممّا دلّ على جواز إغناء كلّ من يجوز له أخذ الزكاة بعنوان الفقر.

و بموثّقة أبي خديجة: «أعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم فإنّها تحلّ لهم [و إنّما تحرم على النبي (صلى اللّه عليه و آله)] و (على) الإمام الذي [من] بعده و (على) الأئمّة (عليهم السّلام)» (4) بعد حملها على صورة عدم التمكّن من الخمس.

ثمّ إنّ الفاضل النراقي في المستند أسند إلى وجه آخر، فإنّه بعد ما ردّ بعض الوجوه المزبورة [قال: «و الأولي أن يستدلّ له بالأصل؛ لأنّ الاستثناء في] موثّقة زرارة (5)، خصّص أخبار حرمة الصدقة على الهاشمي، فارتفع في حقّه المانع، و الأصل عدم التقدير، فهو الأظهر؛ لذلك» (6). هذا.

و أنت خبير بما فيه؛ لأنّ المراد من الأصل إن كان هو الأصل العملي- كما هو الظاهر من كلامه فقد عرفت ما هو قضيّة الأصل، و إن كان الأصل اللفظي فليس هناك أصل لفظيّ يرجع إليه إلّا عمومات الأدلّة من الكتاب و السنّة الدالّة على عدم الفرق بين الهاشمي و غيره، و المفروض أنّها قد خصّصت بما دلّ على حرمة الزكاة على بني هاشم، فلا بدّ من إثبات المجوّز. و مع الشكّ في المقدار المجوّز يكون المخصّص‌

____________

(1). راجع الحدائق الناضرة، ج 12، ص 218- 219.

(2). المختلف، ج 3، ص 220. الصحيح ما أثبتناه و في المخطوطة «المنتهى».

(3). الكافي، ج 3، ص 549؛ التهذيب، ج 4، ص 64؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 259.

(4). الكافي، ج 3، ص 59؛ الفقيه، ج 2، ص 37؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 269.

(5). الاستبصار، ج 2، ص 36؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 277.

(6). مستند الشيعة، ج 9، ص 320.

700

..........

____________

مرجعا لا المخصّص، كما لا يخفى.

و يرد على موثّقة أبي خديجة أنّه لم يعلم أنّ المخاطب غير بني هاشم، فلعلّ المخاطب خصوص بني هاشم، و ليس للكلام ظهور في تعيين المخاطب أيضا، فتدبّر.

هذا، مضافا إلى أنّ العمل بظاهرها خلاف النصّ و الإجماع، فلا بدّ من رفع اليد عن ظاهرها، فإذا كان هناك ما يقضي بعدم الجواز إلّا مع الضرورة فلا يعارضها.

نعم، لو لم يكن هناك ما يقضي باعتبار الضرورة في الجملة و دار الأمر بين اعتبار الضرورة و كفاية عدم كفاية الخمس، أمكن الحكم باكتفاء الثاني؛ نظرا إلى الأخذ بالموثّقة في مورد الشكّ، فالرواية غير دالّة على المدّعى إلّا على هذا الوجه.

هذا، مع الغضّ عمّا دلّ على حرمة الزكاة على بني هاشم على سبيل العموم المعارض للموثّقة على تقدير تسليم ظهورها، و إلّا فمقتضى القاعدة الحكم بعدم الجواز في مورد الشكّ، كما لا يخفى، و ليست الموثّقة أخصّ ممّا دلّ على الحرمة.

نعم، على تقدير التكافؤ يكون المرجع في مورد ظهور كلّ منهما بالنسبة إليه هو العمومات الدالّة على الجواز، لكنّه مبنيّ على هذا التقدير، و هو في حيّز المنع جدّا.

و يرد على ما استدلّ به في المختلف (1) بأنّه لا معنى للرجوع إلى تلك الأخبار بعد وجود ما دلّ على الحرمة عموما، فإنّه لا بدّ من الرجوع إليه، إلّا فيما دلّ الدليل على الجواز، فلا بدّ من التماس دليل من الخارج على الجواز؛ لأنّ حال هذه الأخبار على تقدير تسليم ظهورها و عدم المنع عنه بكونها مسوقة لبيان حكم الإغناء فيما فرض جواز الإعطاء، كحال عمومات الأدلّة الدالّة على الجواز حتّى في حقّ بني هاشم.

و يرد على ما رواه محمّد بن عبد الرحمن (2) بأنّه على تقدير تسليم ظهوره في‌

____________

(1). المختلف، ج 3، ص 220. و الصحيح ما أثبتناه و في المخطوطة: «المنتهى».

(2). أي ما تقدّم عن محمّد بن عبد الرحمن العرزمي. وسائل الشيعة، ج 9، ص 275؛ الخصال (الصدوق)، ص 62.

701

..........

____________

المعنى المذكور في تقريب الاستدلال و عدم المنع عنه- لظهوره عنه التأمّل في اعتبار الحاجة الشديدة، أو رفع اليد عنه بما سيجي‌ء ممّا هو أظهر منه ممّا يدلّ على اعتبار شدّة الحاجة- أنّه لا دخل لمفاده بمقالة الأكثرين من جواز إعطاء ما فوق حدّ الإغناء، كما لا يخفى، هذا.

و يرد على ما دلّ على عوضيّة الخمس عن الزكاة (1) بأنّه لا ظهور لها في الجواز أصلا، فضلا عن ظهورها في مقالة الأكثرين؛ لأنّها ناظرة إلى وجه تشريع الخمس في خصوص السادات و منعهم عن الزكاة من جهة كونها من الأوساخ.

هذا كلّه، مضافا إلى ما ربما يقال من أنّ مقتضى تبرئة بني هاشم عن الزكاة- من جهة كونها من أوساخ الناس و أراد اللّه أن يذهبها عنهم- عدم جواز تناولها لهم إلّا بقدر الضرورة و إن كان ربما يقول شيخنا- دام ظلّه- بأنّ مقتضى هذا سدّ خلّتهم منها إذا لم يكفهم الخمس، هذا.

و استدلّ لما ذهب إليه الشهيد في الدروس (2) بأنّ مقتضى عوضيّة الخمس عن الزكاة كون تجويز الزكاة لهم عند عدم كفاية الخمس كمشروعيّة الخمس لهم، فلا يتعدّى عن مقدار مئونة السنة كما هو الشأن في الخمس. هذا، و أنت خبير بما فيه.

و استدلّ للقول الثالث- الذي ذهب إليه جماعة- و القول الرابع- الذي ذهب إليه تلميذ المصنّف (3)- بما رواه إبراهيم بن هاشم عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «مواليهم منهم، و لا تحلّ الصدقة من الغريب لمواليهم، و لا‌

____________

(1). كما تقدّم عن العبد الصالح (عليه السّلام). الكافي، ج 1، ص 540؛ التهذيب، ج 4، ص 129؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 274.

(2). من جواز أخذ مئونة السنة تماما أو بعضا، إن كان عنده بعض المؤونة لا غير. الدروس، ج 1، ص 243.

(3). أي الفاضل الآبي فيما تقدّمت الإشارة اليه. راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 410.

702

..........

____________

بأس بصدقات مواليهم عليهم. ثمّ قال: إنّه لو كان العدل ما احتاج هاشميّ و لا مطّلبيّ إلى صدقة، إنّ اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم. ثمّ قال: إنّ الرجل إذا لم يجد شيئا حلّت له الميتة، و الصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلّا أن لا يجد شيئا و يكون ممّن تحلّ له الميتة» (1).

صدر الرواية إمّا محمول على ما ذكره الشيخ (2) من أنّ المراد من مواليهم مماليكهم، و المملوك لا يعطى من الزكاة، و جواز الصدقة من مواليهم عليهم إنّما هو من جهة أنّ الصدقة ترجع منهم إليهم، و إمّا محمول على الكراهة، كما ذكره شيخنا- دام ظلّه- و في الوسائل (3)، بناء على أنّ المراد من مواليهم من كان معتقا، لا مماليكهم كما ذكره الشيخ (رحمه اللّه)، فيكون نفي البأس عن صدقات مواليهم عليهم مقدّما بما ذكره في التنزيل.

و ذكر في الوسائل (4) أنّه يمكن الحمل على التقيّة أيضا.

و كيف كان ظاهر ذيل الرواية- و هو قوله: «إنّ الرجل إذا لم يجد شيئا» إلى آخره، الذي هو بمنزلة القياس المركّب من صغرى و كبرى- هو ما ذهب إليه الآبي في المحكيّ عنه (5)، فإنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ ظاهره اعتبار شدّة الضرورة في جواز تناول الزكاة لبني هاشم بحيث يبلغ إلى مرتبة تحلّ لهم الميتة، كما لا يخفى. فصحّ إذا تناول ما يسدّ رمقه فقط، هذا ما يقضي به ذيل الرواية في النظر الظاهر.

____________

(1). التهذيب، ج 4، ص 59؛ و في الاستبصار، ج 2، ص 36- 37؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 279- 278 و 276- 277.

(2). حكى عنه في وسائل الشيعة، ج 9، ص 279.

(3). وسائل الشيعة، ج 9، ص 279.

(4). لم نقف عليه.

(5). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 410. و قد تقدّم ذكره.

703

..........

____________

لكن ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ مقتضى التأمّل في الرواية عدم ظهورها في مقالة من اعتبر شدّة الحاجة.

أمّا أوّلا: فلأنّ حمله نفي البأس في صدره على ما ذكر بعيد جدّا.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الظاهر من قوله: «لو كان العدل» إلى آخره: نفي الحاجة المتعارفة التي يكون الصبر على ما دونها حرجا، لا نفي خصوص الحاجة التي تسوّغ أكل الميتة.

فإذا نقول: إنّ الظاهر منه- سواء كان نفي الحاجة على الإطلاق أو الحاجة في حالة الاضطرار كما يقال- كون الحاجة عند عدم العدل صار مسوّغا لجواز تناول الزكاة لبني هاشم، فلا بدّ من أن يحمل ذيلها- على تقدير تسليم ظهوره فيما ذكر- على إرادة التشبيه لا الحقيقة.

و أمّا ثالثا: فلأنّ التأمّل في نفس الذيل قاض بأنّ المراد منه ليس ما يتراءى من ظاهره، بل التشبيه، فإذا لا بدّ من الأخذ بما هو الأقرب عرفا، و ليس إلّا شدّة الحاجة.

هذا كلّه، مضافا إلى معارضة الرواية لرواية محمّد بن عبد الرحمن (1) المتقدّمة؛ بناء على ظهورها في هذا القول على ما عرفت، فإنّ هذه الرواية و إن كانت أظهر منها، لأنّ دلالتها بالإطلاق، إلّا أنّها توجب الوهن في ظهورها، و إلى أنّ تخصيص تناول الزكاة لهم بصورة جواز تناول الميتة لهم ممّا يأبى عنه شأنهم، فإنّ الزكاة و إن كانت من الأوساخ إلّا أنّ علوّ شأنهم يأبى عن التضيّق عليهم بهذه المرتبة.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- و لا يخلو عن قرب، هذا.

ثمّ إنّه قد علم من إناطة الحكم بشدّة الحاجة و الضرورة أنّه لا يجوز لبني هاشم تناول الزكاة إلّا مع عدم تمكّن كفايته من الخمس أو ما هو بمنزلته من المحلّلات‌

____________

(1). أي رواية محمّد بن عبد الرحمن العرزمي المتقدّمة. الوسائل: ج 9، ص 275؛ الخصال (الصدوق):

ص 62.

704

..........

____________

الذهنيّة، كزكاة أنفسهم و الصدقات المندوبة و الواجبة غير الزكاة، بناء على جوازها لهم، إلى غير ذلك؛ لأنّ قوله في الموثّقة: «و الصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلّا أن لا يجد شيئا» (1) صريح في ذلك، بل الأمر على ذلك على سائر الأقوال أيضا، فإنّ ظاهر كلمات الأكثر و إن كان في بادئ النظر كفاية مجرّد عدم كفاية الخمس- و هو الذي يقتضيه في بادئ النظر دليل العوضيّة- إلّا أنّ مقتضى التأمّل فيها كون عدم كفاية الخمس من باب المثال.

هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي-.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّه على تقدير إناطة الحكم بالضرورة أيضا يجوز له تناول زكاة السنة فضلا عن ما دونها إن علم باستمرار حاجته طول السنة فضلا عن سائر الأقوال غير قول الآبي (2).

و إن حصل له التمكّن من الخمس أو غيره في أثناء المدّة فهل يستردّ منه أم لا؟

و جهان، بل قولان مبنيّان على أنّ تملّكه لما يأخذه هل هو مراعى و مبنيّ على عدم التمكّن من الخمس و الحاجة الواقعيّة في طول المدّة أم لا؟ لا إشكال على قولنا في الاسترداد، و أمّا على قول المشهور (3) و الشهيد في الدروس (4) فقد اشكل، و إن كان الظاهر عدم الاسترداد على قولهم، فتأمّل.

ثمّ إنّ مبنى القول المحكيّ عن ابن فهد (5) و ثاني الشهيدين (6) يحتمل أن يكون الموثّقة، بناء على دعوى كونه أقرب المجازات، فتدبّر.

____________

(1). في رواية زرارة المتقدّمة.

(2). المتقدّم ذكره. حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 410.

(3). أي جواز إعطاء الهاشمي من الصدقات ما فوق حد الإغناء.

(4). من جواز أخذ مئونة السنة تماما أو بعضا إن كان عنده بعض المؤونة لا غير. الدروس، ج 1، ص 243.

(5). من الاكتفاء بإعطاء قوت اليوم و ليلته. المهذّب، ج 1، ص 536.

(6). مسالك الأفهام، ج 1، ص 424.

705

..........

____________

هذا كلّه بالنسبة إلى الزكاة الواجبة، و أمّا الصدقات الواجبة غير الزكاة فهل هي محرّمة على بني هاشم مطلقا؟ أو لا تحرم عليهم كذلك؟ أو يفصّل بين أقسام الصدقة الواجبة؟ لأنّ الصدقة الواجبة غير الزكاة قد تكون واجبة بالأصالة كالكفّارة و الهدي الواجب و نحوهما، و قد تكون واجبة بالعرض، و هذا على قسمين؛ لأنّه قد يتعلّق الوجوب بنفس الصدقة بالعرض على من يأتي بها كالصدقة الواجبة بالنذر و أخويه و نحوها. و قد يتعلّق الوجوب بإتيانها من جانب الغير و إن لم يكن واجبا على الغير كالصدقة الموصى بها و ردّ المظالم و نحوهما.

و قد استظهر من جماعة- كالسيّد (1) و الشيخ (رحمهما اللّه) (2) و المصنّف (3) و الفاضل في جملة من كتبه (4)- الحكم بالحرمة في جميع هذه الأقسام و إلحاقها بالزكاة الواجبة، بل ربما استظهر من الانتصار (5)، و الخلاف (6)، و المعتبر (7) الإجماع عليه.

و المحكيّ عن جماعة من المتأخّرين- كالفاضل في القواعد (8)، و المقداد في التنقيح (9)، و الكركي في جامعه (10)، و ثاني الشهيدين في المسالك (11) و الروضة (12)،

____________

(1). الانتصار، ص 221- 222؛ جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 79.

(2). النهاية، ص 186؛ الخلاف، ج 3، ص 540؛ المبسوط، ج 1، ص 259.

(3). شرائع الإسلام، ج 1، ص 124؛ المعتبر، ج 2، ص 583.

(4). مختلف الشيعة، ج 3، ص 218؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 524؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 268؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 397.

(5). الانتصار، ص 221.

(6). الخلاف، ج 3، ص 540.

(7). المعتبر، ج 2، ص 583. الذي يستفاد من المخطوطة «المقنع» و لكن الصحيح ما أثبتناه أي «المعتبر» كما صرح به في جواهر الكلام، ج 15، ص 411.

(8). قواعد الأحكام، ج 1، ص 351.

(9). راجع التنقيح الرائع، ج 1، ص 325- 326.

(10). جامع المقاصد، ج 3، ص 33.

(11). مسالك الأفهام، ج 1، ص 424.

(12). الروضة البهيّة، ج 2، ص 52.

706

..........

____________

و سبطه في المدارك (1)- عدم الحرمة في جميعها، و اختاره جماعة من [متأخّري] المتأخّرين، هذا.

و ليس من البعيد جدّا أن يكون مراد من أطلق القول بحرمة الصدقات الواجبة خصوص الواجبة بالذات على تقدير عدم ظهورها في خصوص الزكاة، فإنّه و إن صرّح بعض بحرمة الصدقة الواجبة بالنذر إلّا أنّه لا يجدي في تعيين مراد المطلقين، كما لا يخفى، هذا.

ثمّ إنّ قضيّة الأصل بالنظر إلى العمومات بل الأصل العملي في الجملة هو الجواز مطلقا، كما لا يخفى، فلا بدّ للمانع في الجملة او مطلقا إقامة الدليل على المنع على أحد الوجهين، هذا.

و استدلّ للقول بالحرمة بوجوه من الروايات:

منها: ما رواه زيد الشحّام عن الصادق (عليه السّلام): «سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم، فقال: هي الصدقة المفروضة» (2).

و رواه بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) إلّا أنّه زاد قيد «المطهّرة للمال» بعد «المفروضة» لكنّا لم نقف على هذا القيد بعد الفحص التامّ في كتب الأخبار و الاستدلال (4).

و منها: ما رواه جعفر بن إبراهيم الهاشمى عن الصادق (عليه السّلام): « [قال:] قلت له:

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 256.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 59؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 274. و فيها: «الزكاة المفروضة».

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 412.

(4). نعم اضافه الشيخ الأنصاري في كتاب الزكاة، ص 350؛ و من المتأخرين السيد الحكيم في مستمسك العروة، ج 9، ص 404؛ و السيد الخوانساري في جامع المدارك، ج 2، ص 80. و ليس في كتب الاخبار كما قال (قدّس سرّه).

707

..........

____________

[أ] تحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال: إنّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا، فأمّا غير ذلك فلا بأس به، و لو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكّة، (و) هذه المياه عامّتها صدقة» (1).

إلى غير ذلك من الأخبار، هذا.

و استدلّ للقول بالجواز- مضافا إلى انصراف الصدقة الواجبة في تلك الأخبار إلى خصوص الزكاة؛ لأنّها الشائعة من إطلاق الصدقة الواجبة في الكتاب و السنّة بالأخبار الحاصرة للصدقة المحرّمة في الزكاة، أو الزكاة المفروضة.

مثل: ما رواه زيد الشحّام عن الصادق (عليه السّلام): «سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم (ما هي)؟ قال: هي الزكاة المفروضة» (2).

و مثل ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي: «سألت الصادق (عليه السّلام) عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: هي الزكاة» (3). إلى غير ذلك.

و هذه الأخبار الحاصرة للحرمة في الزكاة المفروضة أظهر جدّا من تلك الأخبار، لا لمجرّد أنّ مرجع التعارض بينهما إلى تعارض مفهوم هذه لإطلاق منطوق تلك، فإنّه لا تعارض بين منطوقها مع قطع النظر عن المفهوم حتّى يقال: إنّ [مرجع] التعارض بينهما إلى تعارض العموم من وجه؛ لأنّ مفهوم هذه أعمّ من الصدقة الواجبة غير الزكاة و المندوبة، و منطوق تلك أعمّ من الزكاة المفروضة و غيرها من الصدقة الواجبة، فكما يمكن التصرّف في تلك بحملها على الزكاة المفروضة، كذلك يمكن حمل هذه على كون الحصر فيها إضافيّا بالنسبة إلى الصدقات المندوبة و إن كان ذلك أيضا حقّا؛ لأنّ‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 59؛ التهذيب، ج 4، ص 62؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 272- 273.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 59؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 274.

(3). الكافي، ج 4، ص 59؛ الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 58- 59؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 275.

708

..........

____________

ظهور الحصر في عموم المفهوم- مضافا إلى أنّ السؤال عن جميع ما كان محرّما على بني هاشم من الصدقات يأبي عن حملها على العموم الإضافي- أقوى بمراتب جدّا عن دلالة منطوق تلك؛ لأنّها من باب الإطلاق، فهي بالنسبة إليها في حكم الخاصّ المطلق و إن كانت النسبة عموما من وجه، بل لأنّ الحصر في المقيّد عرفا مع قطع النظر عن المفهوم مناف للحصر في المطلق و قرينة بالنسبة إليه، و لذا يكون القيد قرينة للمطلق كما في قوله: «أعتق رقبة» و «أعتق رقبة مؤمنة» من غير ابتنائه على المفهوم للوصف، كما لا يخفى، هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه-.

لكن للقائل أن يقول: إنّ تنافي الحصرين إنّما هو من باب المفهوم؛ إذ لا تنافي بين النسبتين فلو قطع النظر عن ظهور الحصر في المفهوم لم يكن مناص من العمل بها، كما لا يخفى.

هذا ملخّص ما قيل أو يقال من الجانبين، فقد تلخّص منه قوّة: القول بعدم التحريم على الإطلاق بالنظر إلى ما عرفت، هذا.

و لكنّ الذي يقتضيه التأمّل التفصيل في المقام، توضيحه: إنّ الموجود في بعض الروايات الواردة في باب الزكاة على ما هو ينافي الحكم بحرمة الصدقة بعد الحكم بحرمة الزكاة على بني هاشم و الموجود في روايتين في باب الخمس الحكم بحرمة الصدقة على بني هاشم، قال في أحدهما في ذيل حديث طويل: «و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) الذين لا تحلّ لهم الصدقة و لا الزكاة» (1)، و مثله في الآخر، فدلالة هذه الروايات على حرمة الصدقة غير الزكاة ليس من باب الإطلاق، فإذا يقع التعارض بين ظهور العطف في المغايرة و ظهور رواية زيد (2) و غيرها في الحصر في الزكاة، فكما يمكن التصرّف في ظهور العطف و جعله من العطف‌

____________

(1). التهذيب، ج 4، ص 127؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 515 و 521.

(2). أي رواية زيد الشحّام المتقدّمة.

709

..........

____________

التفسيري، كذلك يمكن التصرّف في الحصر و جعله إضافيّا بالنسبة إلى الصدقات المندوبة و إن كان ظاهر السؤال آبيا عنه، كما لا يخفى، هذا.

و المسألة لا تخلو عن إشكال ينشأ من الإشكال في رجحان أحد الظهورين على الآخر و إن كان مقتضى القاعدة الحكم بالتحريم بالنظر إلى عموم ما دلّ على تحريم الزكاة على بني هاشم على ما عرفت مفصّلا، هذا.

ثمّ إنّه بعد التعدّي عن الزكاة إلى الصدقات الواجبة فالظاهر اختصاص التعدّي بالنسبة إلى ما تكون واجبة بالأصالة من الصدقات، لا ما تكون واجبة بالعرض؛ لأنّ الظاهر من الصدقة الواجبة على الناس في الأخبار ما تكون واجبة في أصل الشرع، كما لا يخفى.

هذا كلّه في الواجبة، و أمّا المندوبة فلا إشكال في جواز تناولها لهاشميّ غير النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السّلام)، بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه محقّقا و منقولا (1) فوق حدّ الاستفاضة، و تدلّ عليه مضافا [إلى ذلك] الأخبار الكثيرة القريبة من التواتر إن لم تكن متواترة، و في خبر عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: «لو حرمت علينا الصدقة لم يحلّ [لنا] أن نخرج إلى مكّة لأنّ كلّ ما (هو) بين مكّة و المدينة فهو صدقة» (2) من غير فرق في ذلك كلّه فتوى و نصّا بين الزكاة المندوبة.

و قد صرّح جماعة بذلك، منهم: الشهيد (رحمه اللّه) في الروضة (3) و إن كان ظاهر تعليل تحريم الزكاة في الأخبار بكونها من أوساخ الناس التعميم، لكنّه غير منظور إليه بعد ما عرفت.

____________

(1). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 255؛ الحدائق، ج 12، ص 217؛ المستند، ج 9، ص 321.

(2). التهذيب، ج 4، ص 61؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 272. و في الثاني: «لأنّ كلّ ماء ...».

(3). الروضة البهيّة، ج 2، ص 52.

710

[القسم الثالث] [المتولّي للإخراج: المالك و الإمام (عليه السّلام) و العامل]

قوله: القسم الثالث: في المتولّي للإخراج، و هم ثلاثة: المالك و الإمام (عليه السّلام) و العامل (1) (1).

____________

أقول: ذكر جماعة (2): الأولى جعل المتولّي للإخراج أربعة: الإمام و نائبه و المالك و نائبه.

و أنت خبير بأنّ الغرض إن كان التعرّض لمن كان له ولاية الإخراج بالأصالة، فالحقّ ما ذكره المصنّف إن قلنا بأنّ للعامل ولاية على التقسيم، و أنّ التقسيم أيضا ممّا يقتضيه العمّاليّة على الزكاة كما يظهر من بعض الأخبار، و إن كان أصل العمّاليّة بنصب الإمام (عليه السّلام) و جعله، فإنّه لا ينافي كونه مصرفا بالأصالة؛ إذ فرق واضح بين النصب و النيابة و الإذن و إن قلنا بأنّه ليس له ولاية التقسيم كما يظهر من المصنّف (3) و الفاضل (4) و غيرهما، حيث ذكروا أنّه ليس له التقسيم إلّا بإذن الإمام (عليه السّلام).

فالحقّ الاقتصار على المالك و الإمام (عليه السّلام).

و أمّا ما ذكره في المدارك (5) و غيره (6) فليس بمستقيم؛ لأنّ المقصود في المقام ليس‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 124.

(2). كالعاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 258؛ و الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 415.

(3). شرائع الإسلام: ج 1، ص 124.

(4). قواعد الأحكام، ج 1، ص 353.

(5). من جعله المتولّى للإخراج أربعة. مدارك الأحكام، ج 5، ص 258.

(6). كالشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 415.

711

..........

____________

ذكر كلّ من يجوز له التقسيم، و إلّا لكان الأقسام أكثر ممّا ذكروه، كما لا يخفى.

نعم، الإيراد على ظاهر كلام المصنّف بناء على ما يظهر منه من عدم جواز التقسيم للعامل بدون إذن الإمام لا يخلو عن وجه.

ثمّ إنّه لا إشكال بل لا خلاف بين المسلمين في جواز تولّي المالك إخراج الزكاة بنفسه و وكيله، و يمكن استفادته من الأخبار أيضا، بل قد يقال بأنّه الأصل بالنسبة إلى الإمام (عليه السّلام)؛ لكونه مأمورا بالإيتاء، و تولية الإمام إنّما هي جهة ولايته على مال الفقراء، فتأمّل.

712

[وجوب صرف الزكاة إلى الإمام (عليه السّلام) لو طلبها]

قوله: و لو طلبها الإمام (عليه السّلام) وجب صرفها إليه، و لو فرّقها [المالك] في أهلها و الحال هذه قيل: لا يجزئ، و قيل: يجزئ (1) [و إن أثم] (1).

____________

أقول: أمّا أصل وجوب الصرف إلى الإمام (عليه السّلام) لو طلب الزكاة بنفسه أو بساعيه على وجه الإلزام فممّا لا يعتريه ريب؛ لدلالة الأدلّة العقليّة و النقليّة على وجوب طاعته، بل هو من ضروريّات المذهب. و أمّا إجزاء ما فرّقها في أهلها على تقدير معصيته بترك صرفها إلى الإمام (عليه السّلام)، ففيه خلاف بين الأصحاب.

فعن جماعة منهم: الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (2) و الخلاف (3)، و ابن حمزة في الوسيلة (4)، و الشهيد (رحمه اللّه) في اللمعة (5) و الدروس (6)، و الفاضل في المختلف (7): عدم الإجزاء.

و ذهب [إليه] جماعة من المتأخّرين (8).

و عن المختلف أنّه: «هو الذي يقتضيه قول كلّ من أوجب الدفع إليه ابتداء» (9).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 124.

(2). المبسوط، ج 1، ص 244.

(3). الخلاف، ج 2، ص 51.

(4). الوسيلة، ص 130.

(5). راجع اللمعة الدمشقية، ص 43.

(6). الدروس، ج 1، ص 246.

(7). مختلف الشيعة، ج 3، ص 233.

(8). جامع المقاصد، ج 3، ص 37؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 426؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 456؛ كفاية الأحكام، ص 40؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 422؛ كتاب الزكاة (الأنصاري)، ص 356.

(9). مختلف الشيعة، ج 3، ص 233. و فيه: «من غير الطلب». بدل «ابتداء».

713

..........

____________

لكنّك خبير بأنّه يمكن القول بخروج هذا القول عن محلّ الفرض و إن كان شيخنا- دام ظلّه العالي- في مجلس البحث وجّه القول المزبور تصحيحا لما في المختلف بما يرجع إلى محلّ البحث، لكنّه كما ترى.

و عن جماعة منهم: المصنّف في النافع (1)، و الفاضل في التذكرة (2)، و ولده في شرح الإرشاد (3): الإجزاء.

استدلّوا للقول بعدم الإجزاء: بالنهي المفسد للعبادة باعتبار كون الدفع حينئذ إتيانا بالمأمور على غير وجهه المطلوب شرعا.

و للقول بالإجزاء: تارة بصدق امتثال أمر الإيتاء بالدفع إلى غير الإمام (عليه السّلام) و إن أثم بترك امتثال طلب الإمام (عليه السّلام). و النهي المفسد للعبادة إن أراد به النهى النفسي فليس موجودا في المقام جدّا، و لا يقول به الخصم أيضا، و إن أراد به النهي الغيري فهو مبنيّ على القول باقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه، الخاصّ، و فيه أوّلا: منع اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه الخاص. و ثانيا: منع الضدّيّة؛ لأنّه إذا دفع الزكاة إلى غير الإمام (عليه السّلام) فقد أدّى الحقّ إلى مستحقّه، فخرج عن العهدة، و الإمام (عليه السّلام) إنّما يطلبه لإيصاله إلى المستحقّين، فلا يكون الدفع إليهم ضدّا للدفع إليه، بل موافقة لغرضه، بل الدفع إلى الفقير ليس ضدّا للدفع إلى الإمام (عليه السّلام) بداية؛ إذ يمكن الدفع إليه بعد الدفع إليهم و إنّما عرضت له الضدّيّة لاستلزامه هنا التمليك، و إن قلنا بالنهي عنه؛ لاستلزامه التمليك لزم من وصفه صحّة الدفع، فإنّه لا نهي إذا لم يكن يملك، و لا يملك إذا كان نهي.

و اخرى بأنّه في الحقيقة كالعبد الذي يطيع اللّه و يعصي سيّده؛ ضرورة عدم‌

____________

(1). المختصر النافع، ص 60.

(2). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 317.

(3). حاشية الارشاد لفخر المحققين مخطوطة.

714

..........

____________

اقتضاء طلب الإمام (عليه السّلام) لها بقيد أوامر الإيتاء، هذا.

و أنت خبير بأنّ منع الاقتضاء ممّا لا معنى له، و أفسد منه منع الضدّيّة بأحد الوجهين المتقدّمين؛ ضرورة التضادّ بين الدفع إلى الإمام (عليه السّلام) و الدفع إلى غيره، و كون مقصود الإمام (عليه السّلام) من طلب الزكاة إيصالها إلى مستحقّها لا يقضي بجواز الدفع إلى غيره، مع أنّه خلاف المفروض، و سقوط الأمر بحصول الغرض إنّما يتصوّر في التوصّليّات، لا في مثل المقام.

و بالجملة، لا ينبغي التأمّل في ثبوت التضادّ بين الدفعين.

نعم، من كان مذهبه اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه الخاصّ مع القول باقتضاء هذا النهي الفساد مع ذهابه إلى الصحّة في مفروض البحث كالفاضل، فلا مناص عن منع الضدّيّة.

و أمّا القائل بالفساد فيكفيه الدليل الذي عرفته، لكن من المعلوم للخبير أنّ كلّ من قال بالفساد ليس مبناه الدليل المذكور؛ لأنّ جماعة منهم لا يقولون بالاقتضاء، فلا بدّ أن يكون لهم مدرك آخر. و الذي يصلح أن يكون مدركا آخر أحد وجوه على سبيل مانعة الخلوّ:

أحدها: أنّ قضيّة ولاية النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السّلام) على الأنفس على ما يقتضيه دليل مساواة الإمام (عليه السّلام) و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) كما يقتضيه قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (1)، و قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (2): كون المالك مسلوب السلطة عند اختيار الإمام دفع الزكاة و طلبها منه و إن كان مأمورا بالزكاة، و له دلالة على إعطائها عند طلب الإمام (عليه السّلام).

فمرجع هذا عند التحقّق إلى نحو من ارتكاب التقييد أو التخصيص في أدلّة الزكاة‌

____________

(1). الأحزاب (33): 6.

(2). الأحزاب (33): 36.

715

..........

____________

بالنسبة إلى المالك عند مطالبة الإمام (عليه السّلام)، كما لا يخفى.

ثانيها: أنّ قضيّة ولايته على مال الفقراء على ما تدلّ عليه الأخبار الكثيرة مثل ما دلّ على (1) أنّ أمر الزكاة بيده، و أنّه لا يحلّ للفقير أن يختلج بماله شي‌ء إذا دفع مجموع الزكاة إلى شخص غيره. (2)

ثالثها: أنّ قضيّة طلب الإمام (عليه السّلام) دفع الزكاة إليه عرفا هو النهي عن الدفع إلى غيره، حيث إنّ الأمر هنا مسوق لطلب الدفع إليه لا لطلب أصل دفع الزكاة، فضدّ العامّ على هذا التقدير أيضا و إن كان ترك الدفع إليه و يكون الدفع إلى غيره من الضدّ الخاصّ إلّا أنّ المدّعى ثبوت الدلالة العرفيّة من غير أن تكون مبنيّة على الملازمة العقليّة في مسألة الضدّ، فهو نظير ما دلّ على وجوب الحكم بالحقّ، مثل قوله تعالى: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ (3)، و نحوه (4).

و من هنا أوردنا على من تمسّك بإطلاقه في بعض المسائل في باب القضاء. (5)

هذا حاصل ما يذكر دليلا للقول بالفساد، و مع ذلك كلّه لا يخلو عن مناقشة، لكنّ الخطب في ذلك سهل؛ لعدم ترتّب ثمرة عليه.

نعم، هنا كلام في أنّ طلب المجتهد في زمان الغيبة كطلب الإمام (عليه السّلام)، فتجب إطاعته فيفسد الدفع إلى غيره، بناء على أحد الوجوه المتقدّمة، أم لا؟ و هذا كلام معلّق بعموم ولاية المجتهد و خصوصه، ليس المقام مقام التعرّض له، و قد ذكرنا بعض الكلام‌

____________

(1). راجع الكافي، ج 3، ص 566؛ الفقيه، ج 2، ص 50؛ الاستبصار، ج 2، ص 53؛ التهذيب، ج 4، ص 117؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص 149.

(2). كذا قوله: «للفقير ... شخصى و غيره» في الأصل.

(3). سورة ص (38): 26.

(4). كقوله تعالى: وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، النساء (4): 58.

(5). راجع كتاب القضاء، ج 1، ص 45- 46.

716

..........

____________

فيه في باب القضاء (1)، و قد استوفاه شيخنا- دام ظلّه العالي- في باب المكاسب (2)، فليراجع إليه.

و لمّا لم يكن العموم ثابتا عندنا، و إنّما القدر الثابت ولايته على الامور الحسبيّة- أي ما قضى العقل بلزوم وجودها من باب اللطف- و إن كان هناك ما يقضي بظاهره في بادئ النظر على العموم فالمقايسة ليست في محلّها.

____________

(1). راجع كتاب القضاء (الآشتياني)، ج 1، ص 48- 85. و راجع صفحة 69 خاصة.

(2). راجع كتاب المكاسب (الأنصاري)، ج 3، ص 545- 560.

717

[صرف الزكاة على مجموع الأصناف الثمانية]

قوله: و الأفضل قسمتها في الأصناف (1) (1).

____________

أقول: هذا الحكم ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه بين الأصحاب، بل الإجماع عليه بقسميه (2)، كما لا يخفى على من له أدنى خبرة بكتب الأصحاب و كلماتهم، إلّا أنّه ربما يستشكل في استفادته ممّا ذكروه دليلا له، فإنّهم قد تمسّكوا فيه ببعض الوجوه الاعتباريّة، و قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الآية (3)، و جملة من الأخبار (4) الدالّة على البسط من حيث إنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يبسطها و يقسّمها ثمانية أقسام؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ الآية و قوله (عليه السّلام) في بعض المسائل المتقدّمة: «إذا يظلم قوما آخرين» (5) بناء على عدم إرادة خصوص الفقراء منه و حمله على أولويّة عدم صرف الزكاة في شراء العبد تمامه لا عدم جوازه على ما عرفت استظهاره، هذا.

و ربما يورد على الاستدلال بالآية الشريفة بأنّها إن بقيت على ظاهرها فتدلّ على البسط لكن على سبيل الوجوب الذي لا يقول به أحد، و إن صرفت عن ظاهرها‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 124.

(2). راجع المسالك، ج 1، ص 427.

(3). التوبة (9): 60.

(4). راجع وسائل الشيعه، ج 9، ص 267.

(5). الكافي، ج 3، ص 557؛ التهذيب، ج 4، ص 100؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 292.

718

..........

____________

أو بني على كونها مسوقة لبيان المصرف فلا ريب في عدم دلالتها إذا على رجحان البسط و استحبابه.

و منه يعلم الإشكال في استفادته من الروايات الواردة على التقسيم من جهة إجمال الآية الشريفة.

كما أنّه يعلم منه الإشكال في دلالة قوله (عليه السّلام): «إذا يظلم قوما آخرين» فإنّ الظلم على قوم آخرين يتفرّع على ثبوت ما يدلّ على ثبوت الحقّ لهم، و ليس إلّا الآية و الروايات التي قد عرفت حالها، اللّهمّ إلّا أن يقال بدلالته بنفسه على ثبوت حقّ لهم من حيث إنّ الظلم له يكشف عن ثبوت الحقّ، كما أنّه يمكن أن يقال بدلالة الروايات المتقدّمة عليه أيضا و إن لم يعلم كيفيّة دلالة الآية عليه، هذا.

و الذي يحسم الإشكال أن يقال: إنّه لا ضير في التزام دلالة الآية عليه بأن يقال:

إنّها مسوقة لبيان أمرين:

أحدهما: إنّ الصدقات مختصّة بمجموع الأصناف الثمانية في مقابل غيرهم.

ثانيها: إنّه يستحبّ الصرف في مجموعهم، فتدبّر، هذا.

و كان شيخنا- دام ظلّه العالي- في مجلس البحث متأمّلا في هذا الحكم من حيث إنّ تشريع الزكاة لسدّ خلّة الفقراء، فلعلّ التقسيم الذي ذكروه إنّما هو في صورة اجتماع الزكوات عند وليّ الفقراء كالنبيّ و الإمام (عليه السّلام) و من هو منصوب من قبله، هذا.

و لكنّك خبير بأنّه مناف لكلماتهم سيّما كلام الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1)، و اللّه العالم.

____________

(1). راجع المبسوط، ج 1، ص 246.

719

[جواز نقل الزكاة إلى غير أهل البلد و عدمه]

قوله (قدّس سرّه): و لا يجوز أن يعدل بها إلى غير الموجود و [لا] إلى غير أهل البلد مع وجود المستحقّ في البلد (1) (1).

____________

أقول: هذا القول ذهب إليه جماعة، بل عن الحدائق (2) أنّ هذا هو المشهور، بل عن التذكرة (3) الإجماع عليه، و اختاره الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (4) مدّعيا الإجماع عليه في ظاهر كلامه أو محتمله.

و عن آخرين: الجواز مع الضمان أو بدونه، و اختاره في محكيّ الوسيلة (5) و المنتهى (6) و المختلف (7) و التحرير (8) على كراهية.

قال في محكيّ (9) المنتهى: «قال بعض علمائنا: يحرم نقل الصدقة من بلدها مع وجود المستحقّ فيه، و [به] قال عمر بن عبد العزيز، و سعيد بن جبير [و طاوس و النخعي]، و مالك، [و الثوري] و أحمد. [و] قال أبو حنيفة: يجوز (10)، و به قال المفيد (11) من‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 125.

(2). الحدائق الناضرة، ج 12، ص 239.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 341.

(4). الخلاف، ج 4، ص 228.

(5). الوسيلة: ص 130.

(6). منتهى المطلب، ج 1، ص 529.

(7). مختلف الشيعة، ج 3، ص 247.

(8). تحرير الأحكام، ج 1، ص 416.

(9). الحاكي هو السيّد في المدارك، ج 5، ص 268.

(10). منتهى المطلب، ج 1، ص 529.

(11). المقنعة، ص 240.

720

..........

____________

علمائنا و الشيخ في بعض كتبه (1)، و هو الأقرب عندي. (2)

و قال في المختلف: «و الأقرب عندي جواز النقل على كراهية مع وجود المستحقّ، و يكون صاحب المال ضامنا، كما اختاره صاحب الوسيلة» (3). انتهى كلامه.

و عن الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (4) و الاقتصاد (5) الجواز مع الضمان، و قوّاه الشهيدان في الدروس و المسالك (6) و محكيّ حواشي القواعد (7) و محكيّ حواشي الإرشاد (8).

قال في الدروس: «و لا يجوز نقلها مع وجود المستحقّ فيضمن. و قيل: يكره و يضمن، و قيل: يجوز بشرط الضمان، و هو قويّ» (9). انتهى كلامه رفع مقامه.

و القول بأنّ المراد بالضمان نقل المال إلى الذمّة بإقراض و نحوه فيكون حاصله عدم جواز النقل إلّا إذا أخرجه عن الزكاة بالضمان، كما ترى؛ إذ هو عين القول بالجواز، إذ مع عدمه لا يجوز له أن يضمن و ينقل، هذا.

و ممّا ذكرنا كلّه يعرف ضعف الإجماع المنقول في التذكرة (10)؛ لأنّ المدّعي بنفسه قد اختار الجواز في غير واحد من كتبه كما عرفت، هذا.

و استدلّ للقول بعدم الجواز بوجوه:

____________

(1). راجع النهاية، ص 186؛ المبسوط، ج 1، ص 242؛ الاقتصاد، ص 279.

(2). هذا ما قاله السيّد في المدارك، ج 5، ص 268، عقيب كلام العلّامة في المنتهى، و الظاهر أنّ المصنّف توهم كونه في امتداد كلام المنتهى.

(3). مختلف الشيعة، ج 3، ص 247.

(4). المبسوط، ج 1، ص 242.

(5). الاقتصاد، ص 279.

(6). مسالك الأفهام، ج 1، ص 428.

(7). حكاه الجواهر، ج 15، ص 430.

(8). حاشية الإرشاد المطبوعة مع غاية المراد، ج 1، ص 265.

(9). الدروس، ج 1، ص 246.

(10). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 341.

721

..........

____________

الأوّل: أنّ النقل يلزم التأخير المنافي للفوريّة.

الثاني: أنّه موجب للتغرير بالمال و التعريض لتلفه.

الثالث: قول الصادق (عليه السّلام) في صحيح عبد الكريم بن عتبة الهاشمي: «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر» (1).

و قوله (عليه السّلام) في صحيح الحلبي: «لا تحلّ صدقة المهاجرين للأعراب، و لا صدقة الأعراب للمهاجرين» (2). هذا.

و استدلّ للقول بالجواز بدون الضمان- مضافا إلى إطلاق ما دلّ على التخيير للمالك في جهات الدفع، فتأمّل بجملة من الروايات:

منها: ما عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في الرجل يعطي الزكاة يقسمها، أله أن يخرج الشي‌ء منها من البلدة التي هو فيها إلى غيرها؟ قال: لا بأس» (3).

و منها: ما عن أحمد بن حمزة، قال: «سألت أبا الحسن الثالث (عليه السّلام) عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر [و] يصرفها في إخوانه، فهل يجوز ذلك؟ قال: نعم» (4).

و منها: ما رواه درست عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غير بلده؟ فقال: لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع»- و الشكّ من أبي أحمد (5)» (6) هذا.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 554، ج 5، ص 27؛ الفقيه، ج 2، ص 31؛ التهذيب، ج 4، ص 103، ج 6، ص 151؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 265 و 285.

(2). الكافي، ج 3، ص 555؛ التهذيب، ج 4، ص 108؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 284.

(3). الكافي، ج 3، ص 554؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 282.

(4). التهذيب، ج 4، ص 46؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 283- 284.

(5). الترديد بين الثلث أو الربع وقع عن الراوي و هو أبو أحمد المعروف بابن أبي عمير.

(6). الكافي، ج 3، ص 554؛ الفقيه، ج 2، ص 31؛ التهذيب، ج 4، ص 46؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 283.

722

..........

____________

و للقول بالجواز مع الضمان بجملة اخر من الروايات أيضا، فيجمع بينها و بين ما دلّ على الجواز مطلقا:

منها: ما رواه زرارة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت؟ فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان، قلت: فإنّه لم يجد لها أهلا ففسدت و تغيّرت أ يضمنها؟ قال: لا، و لكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى أخرجها» (1).

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتّى يدفعها، و إن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان؛ لأنّها [قد] خرجت من يده، و كذلك الوصيّ الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه فإن لم يجد فليس عليه ضمان» (2) (و كذلك من وجّه إليه زكاة مال ليفرّقها و وجد لها موضعا فلم يفعل ثمّ هلكت كان ضامنا) (3).

إلى غير ذلك من الأخبار، هذا، و أنت خبير بأنّ أدلّة المنع لا تقاوم أدلّة الجواز، هذا.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 553- 554؛ التهذيب، ج 4، ص 48؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 286.

(2). الكافي، ج 3، ص 553؛ الفقيه، ج 2، ص 30؛ التهذيب، ج 4، ص 47؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 285- 286.

(3). ما جعلناه بين الهلالين كلام للشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب بعد نقل الرواية، و ذكره العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 269؛ و الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 433، عقيب الرواية بلا فصل، و تبعهما المصنف (قدّس سرّه) هنا، و لعلّهم خلطوا بين الرواية و كلام الشيخ (رحمه اللّه).

723

..........

____________

ثمّ إنّه يظهر من السيّد في المدارك مع قوله بالجواز: نفي القول بالجواز بدون الضمان، حيث قال بعد الفراغ عن المسألة: «و هنا مباحث: الأوّل: لو نقلها مع وجود المستحقّ ضمن إجماعا، قاله في المنتهى (1)؛ لأنّ المستحقّ موجود و الدفع ممكن، فالعدول إلى الغير يقتضي وجوب الضمان» (2).

ثمّ استدلّ له بما عرفته من الأخبار و أجاب به قبل هذا عن الاستدلال بالتغرير الظاهر في التسالم على الضمان أيضا.

و كان شيخنا- دام ظلّه العالي- متأمّلا فيما ادّعاه من الإجماع في مجلس البحث، و إن كنّا لم نقف صريحا على القول بالجواز من دون الضمان، فيكون حاصل هذا القول إذا أنّه و إن كان مأذونا في نقل الزكاة شرعا إلّا أنّه ضامن له، كما في بعض الأمانات الشرعيّة بل المالكيّة.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه يمكن الاستدلال له- بعد فرض كون القول بعد العزل- بالقاعدة المقرّرة في مسألة تلف المبيع قبل القبض فإنّها لا تختصّ بالبيع، بل تجري في جميع المعاوضات بل ما يشبه المعاوضة، و من هنا حكموا بأنّ تلف المهر قبل القبض من الزوج، هذا.

و سيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء اللّه، هذا حاصل ما ذكروه.

و الذي يقتضيه التحقيق: أنّ جهات الكلام لم تتحرّر في كلماتهم على ما ينبغي تحريره، و كلّ دليل منهم كما ترى ينظر إلى ما لا ينظر إليه غيره.

و ملخّص القول في المقام أنّ الكلام قد يقع من حيث الزمان، بمعنى أنّه هل يجب إعطاء الزكاة فورا، أو لا؟

و قد يقع من حيث المكان، بمعنى أنّه هل يجب صرف الزكاة في بلد المال، أو‌

____________

(1). راجع منتهى المطلب، ج 1، ص 529. و ليس فيه القول بالإجماع.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 265.

724

..........

____________

يجوز نقلها إلى غيره؟

و قد يقع من حيث الأهل، بمعنى أنّه هل يجب إعطاء الزكاة خصوص أهل بلد المال، أو يجوز إعطاؤها غيرهم؟

و النسبة بين هذه الجهات كما ترى عموم من وجه؛ إذ قد يتحقّق النقل بطريق لا ينافي الفوريّة العرفيّة، كما إذا نقلها ... (1) و زمان مثلا، و قد يكون في البلد و هو خارج عن أهل البلد، كما أنّه قد يكون في الخارج من هو منهم.

إذا عرفت تلك الجهات تعلم أنّ ما أقاموه دليلا للمنع من الوجوه المتقدّمة لا ينطبق على شي‌ء واحد من تلك الجهات، فالذي نسلّمه من هذه الجهات الجهة الاولى من جهة اقتضاء القاعدة الفوريّة في الأمانات الشرعيّة بالمعنى الذي ستقف عليه و إن كان في المقام- ممّا عرفت من الأخبار و ما سيجي‌ء في طيّ المباحث الآتية- ما يقضي برفع اليد عنها، و سوف نسمعك حقيقة الحال في ما يتعلّق بذلك عند تعرّض المصنّف له بعد ذلك.

فالنقل من مكان إلى مكان من حيث هو لا غبار عليه و لا محذور فيه.

نعم، هو في الغالب مناف للفوريّة؛ لأنّ النقل المتعارف لا ينفكّ عن الإخلال به، لكنّه لا يجدي للحكم بعدم الجواز على فرض وجود الدليل للنقل من حيث هو على الإطلاق، كما لا يخفى، و إن هو إلّا نظير نقل الموتى من بلد إلى بلد، فإنّه من حيث هو لا ضير فيه، و الذي يكون محذورا هو الإخلال بفوريّة وجوب الدفن عند صيرورة الميّت مثلة، فلا يجوز و لو إلى المشاهد المشرّفة، و إن زعم فقيه عصره (2) في [كشفه] جوازه متمسّكا ببعض الوجوه الاعتباريّة الذي لا يصلح للاتّكال عليه، ككونه موجبا لإنقاذ الميّت عن النار و سخط الجبّار، و هو راض بذلك جدّا و إن أصابه‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). راجع كشف الغطاء، ج 1، ص 156- 157.

725

..........

____________

ما أصابه من الذلّ و خلاف الاحترام، و تبعه في ذلك بعض من تأخّر عنه. و الحيلة في ذلك بجعل الميّت أمانة لا تجدي جدّا؛ لأنّه إن كان دفنا فيحرم النبش، و إن لم يكن- كما هو الواضح- فهو أيضا إخلال بالدفن الواجب.

نعم، لو نبش قبر الميّت من لا تكليف له بعد مدّة مديدة، لم يكن إشكال في جواز النقل و لكن التسبيب في ذلك أيضا لا يخلو عن إشكال، و اللّه العالم.

و أمّا الاستدلال له بما عرفت من التغرير و تعريض الزكاة للتلف فهو اعتبار يصلح حكمة للحكم بعدم الجواز على فرض وجود الدليل عليه، و إلّا فربّما يكون في تركه مظنّة التلف، و ربما يكون الأمر مساويا بالنسبة إلى الإبقاء و النقل في خصوصيّات المقامات.

و بالجملة، النقل مع ظنّ السلامة لا ضير فيه، هذا مع أنّه لا ينفي القول بالنقل مع الضمان، كما لا يخفى، هذا.

و أمّا الاستدلال له بما عرفت من الروايتين (1) ففيه ما لا يخفى من عدم الدلالة، كما أنّ صرف الزكاة في غير أهل البلد ممّا لا إشكال و لا خلاف في جوازه و إن كان ربما يستظهر من الروايتين لكن بالنظر إليه بعد ما عرفت، و غاية ما هناك فهو عنهما دليلا للحكم بالاستحباب. (2)

ثمّ إنّ من العجب [ما] ربما يسمع من عدم جواز نقل مال الإمام (عليه السّلام) إلى المجتهد مع أنّه مال من هو منصوب من قبله، فلا بدّ من وصوله إليه أو يد وكيله.

ثمّ إنّ ما أسمعناك كلّه إنّما هو مع وجود المستحقّ في البلد، و أمّا لو لم يوجد فلا إشكال بل لا خلاف في جواز النقل في الجملة، بل عن العلّامة في التذكرة (3) و المنتهى (4)

____________

(1). أي روايتي زرارة و محمّد بن مسلم المذكورتين.

(2). كذا قوله: «و إن كان ربما يستظهر ... للحكم بالاستحباب» في الأصل.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 343.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 529.

726

..........

____________

الإجماع عليه، و يدلّ عليه ما عرفت من الروايات، فإذا لا ضمان عليه على تقدير التلف.

نعم، قيّده غير واحد (1) بما إذا لم يكن الطريق مخوفا، و إلّا فيكون مفرّطا و ضامنا للزكاة.

و عن الحلبي (2) و ابن زهرة (3) استثناء صورة إذن الفقير مدّعيا الأخير الإجماع عليه.

و ردّه بعض المشايخ (4) بعدم انحصار الحقّ فيه، فكيف يؤثّر إذنه. ثمّ وجّهه بإرادتهما إذن المجتهد مؤيّدا ذلك بما عن كشف الغطاء (5) من دوران جواز النقل و عدمه- على الإطلاق- على إذن المجتهد و عدمه.

و فيه ما ترى [فكأنّه] أراد توكيل الفقير للمالك في قبض الزكاة عنه ثمّ نقله، فتأمّل، هذا.

ثمّ إنّ هنا امورا ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: أنّ نقل الزكاة يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن ينقلها في ضمن النصاب بأن ينقل مجموع المال الذي تعلّق به الزكاة.

الثاني: أن ينقل الزكاة معيّنا مميزا عن غيره، و هذا لا يتصوّر إلّا على القول بكون العزل معيّنا، أو على تقدير انعدام ما سوى ما يقابل الزكاة من ماله بحيث لا يرد النقص على الزكاة.

____________

(1). كالشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 434.

(2). الكافي في الفقه، ص 183.

(3). غنية النزوع، ص 126.

(4). جواهر الكلام، ج 15، ص 434.

(5). كشف الغطاء، ج 2، ص 356.

727

الثالث: أن ينقل ما يقابل الزكاة من غير أن يعيّن الزكاة فيه بالعزل بقصد إعطائه زكاة في البلد الذي ينقله إليه.

فهل النزاع يجري في جميع هذه الصور أو يختصّ بالثانية؟ الظاهر عدم الفرق بين هذه الصور و إن كان ظاهر بعض وجوه المانعين جواز الأخير، و اللّه العالم.

الثاني: أنّه على تقدير القول بحرمة النقل لو نقله و أعطاه الفقير أجزأ بلا إشكال و خلاف،

بل الإجماع عليه بقسميه، و خالف فيه بعض العامّة لوجه ضعيف.

الثالث: أنّه نصّ غير واحد على فوريّة الدفع على كلّ من عنده مال لغيره مع مطالبته،

و كذا على فوريّة الصرف على من اوصي إليه بصرف الزكاة أو غيرها من الأموال.

و الأوّل ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه بقسميه، هذا، مضافا إلى بعض وجوه اخر.

و أمّا الثاني فقد استشكل فيه بعض المتأخّرين بناء على عدم الفوريّة في المقام؛ لأنّ رواية محمّد بن مسلم (1) السابقة دلّت على الضمان، و لا ينافي جواز التأخير، كما في روايات المقام، هذا.

و لكنّ الذي يقتضيه التحقيق الفوريّة بالنظر إلى قضيّة القاعدة، كما هو الشأن في العمل بجميع الوصايا ما لم يكن هناك ما يقضي بالتراخي في جانب الموصى كما هو المفروض في المقام، فما قيّده به كلام المصنّف جماعة لا وجه له ظاهرا.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 553؛ الفقيه، ج 2، ص 30؛ التهذيب، ج 4، ص 47؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 285- 286.

728

[القسم الرابع في اللواحق و فيه مسائل]

[حكم العزل إذا لم يجد المالك مستحقّا للزكاة]

قوله (قدّس سرّه): (المسألة) الثانية: إذا لم يجد المالك لها مستحقّا (يدفعها إليه) فالأفضل له عزلها (1) (1).

أقول: الكلام في حكم العزل قد يقع مع عدم وجود المستحقّ، و قد يقع مع وجوده.

____________

أمّا الكلام في الأوّل فإنّما يقع في وجوبه و عدمه، و إلّا فجوازه محلّ إجماع.

و في الثاني يقع في جوازه و عدمه.

و أمّا أنّ المراد من القول في المقامين أيّ شي‌ء و أي أثر يترتّب عليه فنتكلّم فيه بعد الفراغ عن التكلّم فيما عرفت.

فنقول: أمّا الكلام في المقام الأوّل: [فإنّما يقع في وجوبه و عدمه]

فالذي عليه جلّ الأصحاب هو عدم وجوب العزل، بل رجحانه و أفضليّته، و عن الشيخين (2) و غيرهما (3) في محتمل كلامهم وجوب العزل، و لم ينقل من أحد القول به على سبيل الجزم أو الظهور. و لا إشكال في أنّ مقتضى الأصل عدم الوجوب؛ لأنّ الشكّ في التكليف.

إنّما الكلام في مستند احتمال الوجوب ممّا يستدلّ له بوجوه:

أحدها: ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- في مجلس البحث و لم يسبقه إليه أحد‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 125.

(2). المقنعة، ص 240؛ النهاية، ص 186؛ المبسوط، ج 1، ص 234.

(3). كابن البرّاج في المهذّب، ج 1، ص 172.

729

فيما أعلم، من أنّ قضيّة القاعدة بالنظر إلى ما دلّ على وجوب الإتيان بالميسور (1) من التكليف و نحوه سيّما رواية عبد الأعلى (2) هو وجوب العزل في المقام نظرا إلى أنّ العزل في المقام أقصى ما يتمكّن منه الرجل في مقام امتثال أمر الزكاة، و العزل و إن لم يكن له دخل بإعطاء الزكاة المأمور به من حيث النظريّة به، إلّا أنّه في الغالب لمّا كان من مقدّماته فهو نحو من امتثال أمر الزكاة عرفا عند عدم التمكّن من إيصالها إلى مستحقّها.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- و هو كما ترى؛ إذ وجوب الإتيان بالميسور ممّا تعلّق به التكليف في الجملة و إن لم يكن محلّ إشكال بل و لا خلاف إلّا أنّ الإشكال كلّه في تسرية القاعدة في المقام و أشباهه.

ثانيها: ما رواه يونس: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): زكاتي تحلّ عليّ في شهر أ يصلح لي أن أحبس شيئا منها مخافة أن يجيئني من يسألني؟ فقال (له): إذا حال (عليها) الحول فأخرجها عن مالك (و) لا تخلطها بشي‌ء ثمّ أعطها كيف شئت، قال: قلت: فإن أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي؟ قال: لا يضرّك» (3).

ثالثها: ما رواه أبو حمزة [عن أبيه] عن أبي جعفر (عليه السّلام): « [قال:] سألته عن الزكاة تجب عليّ في موضع لا يمكنني أن أؤدّيها؟ قال: اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن و لها الربح، و إن تويت (4) في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس‌

____________

(1). عوالي اللئالي، ج 4، ص 58. عن النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «لا يترك الميسور بالمعسور».

(2). هكذا في المخطوطة و لم نقف عليه في أخبار الباب، و الظاهر كون الصحيح «خبر أبي حمزة» كما يستفاد من الجواهر، ج 15، ص 440؛ الكافي، ج 4، ص 60- 61؛ الوسائل، ج 9، ص 307- 308.

(3). الكافي، ج 3، ص 522؛ التهذيب، ج 4، ص 46؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

(4). تويت أي هلكت.

730

عليك، فإن لم تعزلها و اتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح و لا وضيعة عليها» (1). هذا.

و اجيب عن الرواية الاولى بأنّها مسوقة لبيان الإرشاد إلى جواز التأخير حتّى مع وجود المستحقّ، فلا ربط لها بالمقام، و منه ينقدح الإشكال في استدلال جماعة بها على الندب.

و عن الثانية بأنّ ظاهر الأمر فيها و إن كان هو الوجوب إلّا أنّ قوله في ذيلها: «و إن لم تعزل لها» إلى آخره، قرينة على إرادة الأفضليّة؛ لأنّ فيه دلالة على جواز الاتّجار، بل يمكن جعله قرينة على الإرشاد، فتسقط عن الاستدلال بها للاستحباب أيضا و إن كان أمره مبيّنا، هذا.

و أورد شيخنا- دام ظلّه العالي- على الجواب عن الرواية الثانية بأنّ قوله في ذيلها لا إشعار فيه أصلا على عدم الوجوب؛ لأنّه مسوق لبيان حكم الاتّجار من دون العزل و إن كان ترك العزل حراما و إن هو إلّا نظير ما ورد في الاتّجار بمال الطفل.

و منه يعلم الجواب عن الإيراد على الرواية كلّها للإرشاد لما ذكر أو قوله (عليه السّلام) فيه:

«و إن تويت في حال ما عزلتها» إلى آخره، هذا.

و لكنّ التكلّم في المسألة قليل الجدوى بعد ما عرفت من عدم قائل بالوجوب و التسالم على الأفضليّة.

هذا بعض الكلام في المقام الأوّل.

و أمّا الكلام في المقام الثاني: [يقع في جوازه و عدمه.]

فالذي ذهب إليه جماعة- كالفاضل في جملة من كتبه (2) و الشهيدين (3) و غيرهم، بل الأكثر هو- جواز العزل.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 60- 61؛ الوسائل، ج 9، ص 307- 308. مع اختلاف في الثاني.

(2). منتهي المطلب، ج 1، ص 511؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 392.

(3). الدروس، ج 1، ص 247؛ الروضة البهيّة، ج 2، ص 40- 41؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 428- 429.

731

و منعه بعض الأصحاب؛ نظرا إلى كون الزكاة كالدّين، فلا يتعيّن إلّا بقبض المالك أو ما في حكمه مع الإمكان.

و استشكل فيه آخر؛ نظرا إلى كون الحكم على خلاف الضوابط، و القدر المتيقّن من النصوص صورة عدم وجود المستحقّ، هذا.

و استدلّ المجوّزون بوجوه:

منها: إطلاق كثير من الروايات الواردة في المقام أو عمومها.

منها: رواية يونس (1)، المتقدّمة في المقام الأوّل.

و منها: ما رواه عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: «إذا أخرجها من ماله فذهب و لم يسمّها لأحد فقد برئ منها» (2).

و منها: ما رواه أبو بصير عن الباقر (عليه السّلام): «إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شي‌ء عليه» (3).

إلى غير ذلك من الروايات، و الخدشة فيها ممّا لا يصغى إليها.

و منها: الأخبار الدالّة عليه في الفطرة (4) مع أنّها في الذمّة.

و منها: أنّ للمالك ولاية الإخراج فيكون [له] ولاية المعيّن.

و منها: أنّه أمين على حفظها فيكون أمينا على تعيينها و إفرازها.

و منها: أنّ له دفع القيمة و تملّك العين فله إفرازها.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 522؛ التهذيب، ج 4، ص 46؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

(2). الكافي، ج 3، ص 533؛ الوسائل، ج 9، ص 286.

(3). الكافي، ج 3، ص 553؛ الفقيه، ج 2، ص 30- 31؛ التهذيب، ج 4، ص 47؛ الوسائل، ج 9، ص 286.

(4). الفقيه، ج 2، ص 181؛ الاستبصار، ج 2، ص 45؛ التهذيب، ج 4، ص 77؛ الوسائل، ج 9، ص 356- 357.

732

و منها: أنّ منعه من إفرازها يقتضى منعه من التصرّف في النصاب، و ذلك ضرر عظيم، هذا.

و أنت خبير بواسطة النظر و المناقشة في غير الأخبار من هذه الوجوه (1)، و إن استند إليه الفاضل (2) مضافا إلى الأخبار، لكنّ في الأخبار غنى و كفاية، فالحكم و إن كان على خلاف الأصل و القاعدة إلّا أنّه لا مناص عن الخروج عنه بعد ما عرفت، فإذا لا ينبغي التكلّم فيه زائدا على ذلك.

إنّما الذي ينبغي التكلّم فيه ما أوعدناك سابقا من بيان المراد من العزل في المقام و ما يترتّب عليه.

فنقول: إنّ فيه وجوها:

أحدها: أن يكون المراد منه في المقام ما لا ينفكّ غالبا عن إيتاء الزكاة

على ما عرفته سابقا فلا يترتّب عليه إلّا سقوطه عنه عند إرادة الإيتاء، كسائر المقدّمات التي يؤتى بها قبل زمان إرادة ذيها.

نعم، يترتّب عليه الثواب في صورة عدم وجود المستحقّ، بناء على ما عرفت من استحبابه شرعا في الفرض، و أمّا غير ذلك ممّا ستقف عليه فلا يترتّب عليه حتى يتعيّن دفعه زكاة فضلا عن صيرورته مال الفقير، و هذا ممّا لا ينبغي النزاع فيه، بل الظاهر من كلمات الأكثر إرادة غير هذا المعنى و إن ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّه محتمل كلام الشيخ (رحمه اللّه) و ظاهر الفاضل في بعض كتبه.

ثانيها: أن يكون المراد منه المعنى الزائد

على ما عرفت، و هو تعيين المعزول للدفع و إن لم يخرج عن ملك المالك، فليس له إبداله، و لكن لو نما كان له و تلفه منه لا من الفقير.

____________

(1). كذا قوله: «بواسطة ... من هذه الوجوه» في الأصل.

(2). راجع منتهي المطلب، ج 1، ص 511.

733

و ربما يجعل هذا المعنى وجها لما ذكره في الدروس حيث قال: «و لو عيّن الماليّة أو الفطرة في مال تعيّن مع عدم المستحقّ، و الأقرب: التعيين مع وجوده، فليس له إبداله في الموضعين في وجه. نعم، لو نما كان له» (1). انتهى كلامه.

بل ربما يستظهر من تفريعه أنّ المسلّم من الفوائد ما ذكره.

ثالثها: أن يكون المراد منه خروج المال عن الإشاعة إلى التعيين بواسطة العزل في المعزول،

إذ له كما كان في السابق قبل العزل يجوز له دفع البدل مع كون هذا الإفراز جائزا كالعقد الجائز، فللمالك الإبدال، و له النماء من جهة تعلّق الحقّ بالقدر المشترك بين العين و القيمة، و ليس التلف من الفقير أيضا بهذا الاعتبار، و هذا أيضا يظهر من بعض.

رابعها: أن يكون المراد منه المعنى الثالث

مع إلغاء بعض ما عرفت فيه، و إليه نظر آخر.

خامسها: أن يكون المراد منه خروج المال عن الإشاعة إلى البعض

كما في صورة قبض الفقير أو وليّه، فليس للمالك الإبدال، و النماء و التلف من الفقير إن كان من غير تفريط من المالك، و هذا يظهر من السيّد في المدارك (2) و جماعة من المتأخّرين.

و لمّا لم يكن النزاع منهم متوجّها إلى معنى واحد ممّا عرفت، فلا بدّ من الأخذ بما يستفاد من الروايات في تحقيق المقام؛ لأنّك قد عرفت أنّها المدرك للحكم لتشريع القول، فنقول: إنّه لا ينبغي الارتياب في أنّ الظاهر منها هو المعنى الأخير كما اختاره في المدارك و غيره، فإنّ ظاهر قوله (عليه السّلام) في رواية أبي حمزة المتقدّمة: «اعزلها» (3) هو كون المشروع العزل المنطبق على المعنى الأخير جدّا.

____________

(1). الدروس، ج 1، ص 247.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 272.

(3). الكافي، ج 4، ص 61؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

734

و دعوى أنّ المراد منه العزل الغير المنفكّ في الغالب عن إيتاء الزكاة كما ادّعاها شيخنا- دام ظلّه العالي- خلاف الظاهر جدّا كما اعترف به- دام ظلّه- و لا يضرّنا اختصاص الرواية بصورة عدم وجود المستحقّ، فإنّ المقام عامّ للصورتين كما لا يخفى.

و كذلك قوله (عليه السّلام) في رواية يونس: «و لا تخلطها بشي‌ء» (1) و نفي الضمان في روايتي عبيد بن زرارة (2) و أبي بصير (3) حيث إنّها من لوازم هذا المعنى جدّا، فتدبّر.

و بالجملة، ظهور هذه الأخبار و أمثالها في مشروعيّة العزل بالمعنى الذي عرفت ممّا لا ينبغي إنكاره. هذا، مع أنّ قضيّة القواعد بعد فرض حصول الإفراز و التعيين بالعزل هو عدم جواز الإبدال للمالك، كما لا يخفى؛ لأنّه مناف لسلطنة الفقراء على المعزول و كون النماء لهم من جهة قاعدة تبعيّة النماء للملك الراجعة إلى عموم السلطنة في وجه، و كون التلف منهم لا من المالك لقاعدة الأمانة و إن كان ربما قيل، بل مال إليه شيخنا- دام ظلّه العالي-: إنّ التلف من المالك بمقتضى القاعدة الحاكمة على قاعدة نفي الضمان بتلف المال عند الأمين، و هي القاعدة المقرّرة عندهم في مسألة تلف المبيع قبل الفحص، فإنّها ليست مختصّة بالبيع، بل تجري في جميع المعاوضات، بل ما يشبه المعاوضة، و من هذه حكموا بأنّ تلف المهر قبل القبض من الزوج مع أنّ المقام أولى منه جدّا، حيث إنّ العزل سنّة، و قد ذهب بعض إلى كونها بيعا، و إن كان القول فاسدا عندنا لكنّها لا تنفكّ عن معاوضة جدّا، و إن كان حقيقتها الإفراز و التعيين، فعلى هذا يكون مقتضى القاعدة الضمان على المالك، فلعلّه الوجه لقول من ذهب إلى كون‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 522؛ التهذيب، ج 4، ص 46؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

(2). المتقدّمة. الكافي، ج 3، ص 553؛ الوسائل، ج 9، ص 286.

(3). المتقدّمة. الكافي، ج 3، ص 553؛ الفقيه، ج 2، ص 30- 31؛ التهذيب، ج 4، ص 47؛ الوسائل، ج 9، ص 286.

735

الضمان عليه في الفرض.

و القول بأنّ الضمان في تلف المهر و أشباهه بل في تلف المبيع من جهة قاعدة اليد ففاسد جدّا.

أمّا أوّلا: فلأنّ المفروض كون اليد أمانة في موارد القاعدة.

و أمّا ثانيا: فلأنّ اليد موجودة في الفرض أيضا في الفارق.

بل التحقيق أنّ تعلّق الحكم بالعزل فيما عرفت لا دلالة [له] على هذه الامور بنفسها، بل إنّما يدلّ عليه بضميمة ما عرفت و إن كان ظاهر شيخنا في مجلس البحث القول بدلالته بنفسه عليه في مطاوي كلماته، لكنّه ليس مراده إلّا ما ذكرنا جدّا.

فقد تلخّص ممّا ذكرنا كلّه مشروعيّة العزل بالمعنى الذي عرفت مطلقا، سواء تمكّن من صرف الزكاة في مصارفها أو لا، و أمّا من قيّده بعدم وجود المستحقّ فلا بدّ أن يكون مراده منه مطلق الصرف حتّى سبيل اللّه؛ إذ لا خصوصيّة للفقراء في هذا الحكم و لا مدرك لها و إن احتمل بعض مشايخنا إرادة خصوصيّة الفقراء، لكنّه كما ترى، و من هنا تنظّر فيه أيضا.

و من هنا يظهر وجه ضعف هذا القول؛ إذ حمل ما عرفت من الأخبار على خصوص صورة عدم التمكّن من صرف الزكاة في شي‌ء من مصارفها حمل لها على فرض نادر جدّا.

736

[وجوب الوصيّة بالزكاة كغيرها من الأمانات و الديون]

قوله: و لو أدركته الوفاة أوصى بها وجوبا (كغيرها من الأمانات و الديون) (1) (1).

____________

أقول: وجوب الوصيّة بالزكاة كغيرها من الأمانات و الديون ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل في المدارك (2): لا ريب فيه؛ لعموم الأمر بالوصيّة بالحقوق اللازمة، مضافا إلى ما قيل من كونه مفرّطا و خائنا بدونها، بل ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الحقّ وجوب الوصيّة بجميع الحقوق الواجبة الإلهيّة فيما ثبت مشروعيّة النيابة فيه في الجملة، حتّى الواجبات التعبّديّة، حيث إنّ المستفاد من الأوامر- بضميمة ما دلّ على مشروعيّة النيابة- كون العمل مطلوبا للآمر مطلقا و لو بنحو التشبّث المتحقّق بالوصيّة عند عدم التمكّن من المباشرة و لو لم يكن هذا المعنى مدلولا لفظا و ممّا استعمل فيه اللفظ، و إنّما يستفاد كون المراد النفساني هو الأعمّ؛ إذ كما استفيد في كثير من المحرّمات أنّ وجودها في الخارج مبغوض للّه تبارك و تعالى و لو كان المباشر الموجود معذورا من جهة خطئه في الاعتقاد أو غير مكلّف كالصبي و المجنون، فيجب على المكلّف المنع من إيجاده و لو بالقهر و الإكراه، كذا استفيد من أدلّة الواجبات بضميمة ما دلّ على مشروعيّة النيابة فيما ثبتت مشروعيّته عنه أنّ التعرّض لوجودها مطلوب للآمر بأيّ وجه يمكن و لو بنحو من التشبّث المتحقّق بالوصيّة.

هذا، مضافا إلى ما هو وارد في مساق التعليل في باب الحجّ من قوله (صلى اللّه عليه و آله): «إنّ‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 125. و ما بين الهلالين أضافه الشيخ في الجواهر، ج 15، ص 443 توضيحا لكلام المصنّف.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 275.

737

..........

____________

دين اللّه أحقّ بالقضاء» (1)، هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي-.

و في دلالة الرواية على وجوب الوصيّة تأمّل مذكور في محلّه، كدلالة الخطابات المتعلّقة بالأفعال على وجوب الوصيّة بها بضميمة ما دلّ على مشروعيّة النيابة، هذا.

و تفصيل القول في ذلك يطلب من باب الوصيّة، و اللّه العالم.

____________

(1). السنن الكبرى (البيهقي)، ج 4، ص 255.

738

[اجرة الكيل و الوزن على المالك إذا احتاجت الصدقة إليهما]

قوله: الرابعة: إذا احتاجت الصدقة إلى كيل أو وزن كانت الاجرة على المالك، و قيل: تحتسب من الزكاة. و الأوّل أشبه (1) (1).

____________

أقول: القول بكون الاجرة على المالك هو ما ذهب إليه الأكثر، بل المشهور، و القول باحتسابها من الزكاة محكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) في موضع من المبسوط (2).

و استدلّ المشهور بأنّ دفع الاجرة ممّا يتوقّف عليه الواجب المطلق و هو إيتاء الزكاة، فيجب.

و استدلّ للشيخ (رحمه اللّه) بوجهين:

أحدهما: أصالة براءة ذمّة المالك.

ثانيهما: ما احتجّ له به في محكيّ المختلف من: «أنّ اللّه (تبارك و) تعالى أوجب على أرباب الزكاة قدرا معلوما من الزكاة، فلا تجب الاجرة عليهم، و إلّا لزم أن يزاد على الذي وجب عليهم» (3).

و مقتضى هذا الدليل كما ترى: أنّ الواجب المالي على المالك ليس إلّا قدر مخصوص من المال، و هو العشر مثلا، فلا يجب على المالك تحمّل الاجرة أيضا، فلو فعله بقصد الرجوع إلى الاجرة كان له الاجرة؛ لعدم الفرق بين المال و العمل؛ لأنّ العمل أيضا نوع من المال و إن لم يظهر من الشيخ الالتزام به، هذا.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 125- 126.

(2). المبسوط، ج 1، ص 257. حيث قال: «و يعطى الحاسب و الوزّان و الكاتب من سهم العاملين».

(3). مختلف الشيعة، ج 3، ص 254.