كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
739

..........

____________

و اجيب عن الدليل الأوّل بانقطاعه بما عرفت.

و عن الثاني بأنّ عدم وجوب شي‌ء على المالك بالذات زائدا على القدر المعلوم زكاة لا ينافي وجوبه عليه من باب المقدّمة لا بعنوان الزكاة، و أدلّة الزكاة لا مفهوم لها حتّى ينفي وجوب الغير لا بعنوان الزكاة، كما لا يخفى.

هذا ملخّص ما قيل من ... (1) و لمّا كانت المسألة سارية في غير المقام، و هو أجرة النقل فيما يتوقّف إيتاء الزكاة على النقل و غيرها فبالحريّ أن نشرح القول في ذلك و نوضّحه.

فنقول: إنّ الكلام يقع تارة في الاجرة المتعارفة، و اخرى في الاجرة الخارجة عن المتعارف، كما إذا فرض توقّف نقل الزكاة أو كيلها- مثلا- على صرف ألف دينار أو الزائد عليه.

أمّا الاجرة المتعارفة فمقتضى القاعدة بالنظر إلى إطلاق وجوب الإيتاء و إن كان وجوبها على المالك كما ذكروه إلّا أنّه قد يستشكل ذلك بالنظر إلى ما دلّ على أنّ المؤونة فيما بعد تعلّق الوجوب ليس على المالك كلّا كما هو المختار و عليه جماعة، فإنّ هذا الدليل بعينه يجري فيه و إن كان ربما يتوهّم المتوهّم عدم جريانه؛ نظرا إلى عدم وجوب الحفظ على المالك من باب مقدّمة الإيتاء، و إنّما يجب عليه إيتاء الزكاة على تقدير بقاء المال فيكون حفظه من باب الحسبة، فالاجرة على أرباب الزكاة.

هذا بالنسبة إلى الاجرة المتعارفة، و أمّا الزائد عليها فمقتضى ما ذكروه من حديث التوقّف و إن كان عدم الفرق إلّا أنّ الظاهر عدم التزامهم [به]، و أمّا التمسّك بقاعدة نفي الضرر و الحرج في خصوص الفرض فليس في محلّه لعدم الفرق في مفاد القاعدتين بين الصورتين، كما لا يخفى، هذا.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

740

[أقلّ ما يعطى الفقير]

قوله: (المسألة) السادسة: أقلّ ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأوّل، (و هو) عشرة قراريط أو خمسة دراهم، إلى آخره (1) (1).

____________

أقول: لا ينبغي الإشكال في أنّ الأوفق بحسب الروايات ما اختاره المصنّف و ذهب إليه الأكثر (2)، و لا يحتاج إلى ما أطال به المقام بعض المشايخ (3) في ملاحظة النسبة بين الروايات.

إنّما الكلام في أنّ ما ذكروه على كلّ قول في المسألة هل هو مختصّ بصورة اجتماع زكوات كثيرة عند الوليّ أو المالك بحيث يمكن مراعاته مع ما أطلقوا من القول باستحباب البسط على الأصناف، أو عامّ لصورة عدم إمكان مراعاتهما مع إمكان مراعاة أحدهما، و أمّا صورة عدم إمكان مراعاة ما ذكروه في المقام على تقدير عدم البسط أيضا فهو خارج عن محلّ الكلام جدّا؟ الذي يقتضيه التحقيق على ما صرّح به في الحدائق (4) اختصاص ما ذكروه بصورة إمكان مراعاتهما، و عليه تحمل الأخبار و إن كان ظاهر ثاني الشهيدين (5) بل صريحه و سبطه في المدارك و بعض آخر‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 126.

(2). الانتصار، ص 218؛ المقنعة، ص 243؛ النهاية، ص 189؛ كشف الرموز، ج 1، ص 261؛ مختلف الشيعة، ج 3، ص 228؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 416؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 467؛ رياض المسائل، ج 5، ص 196.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 448- 451.

(4). راجع الحدائق الناضرة، ج 12، ص 249- 250.

(5). مسالك الأفهام، ج 1، ص 432.

741

..........

____________

تعميم النزاع.

قال في المدارك: «و لو كان عند المالك نصابان: أوّل و ثاني، فقد ذكر الشارح (1) و غيره (2) أنّه يجوز إعطاء ما في الأوّل لواحد، و ما في الثاني لآخر، من غير كراهة و لا تحريم على القولين، و هو مشكل؛ لإطلاق النهي عن إعطاء ما دون الخمسة، و إمكان الامتثال بدفع الجميع إلى الواحد، و طريق الاحتياط واضح» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هذا الكلام كما ترى صريح في أنّ البحث يعمّ كلّ زكاة اريد إعطاؤها مع فرض إمكان مراعاة أقلّ ما يعطى فيها من غير نظر إلى مسألة البسط حتّى على القول بوجوبه و استحباب الحكم في المقام.

و على ما ذكرنا يسقط هذا الكلام و غيره في الفرض و غيره من الفروض، كما لا يخفى، و اللّه العالم.

____________

(1). أي الشهيد في المسالك.

(2). كالمصنف في المعتبر، ج 2، ص 590.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 282.

742

[القول في وقت تسليم الزكاة]

قوله (قدّس سرّه): القول في وقت التسليم: إذا أهلّ الثاني عشر وجب دفع الزكاة، و لا يجوز التأخير إلّا لمانع أو لانتظار من له قبضها، و إذا عزلها جاز له تأخيرها إلى شهر أو شهرين، و الأشبه: أنّ التأخير إن كان لسبب مبيح دام بدوامه و لا يتحدّد، و إن كان اقتراحا لم يجز، (1) إلى آخره (1).

____________

أقول: لا يخفى أنّ تعرّض المصنّف لوقت التسليم في المقام مع تعرّضه له فيما تقدّم إنّما هو مقدّمة لتفريع عدم جواز التأخير عليه، فليس الفرض متعلّقا بذكره أصالة حتّى يتوجّه عليه لزوم التكرار.

ثمّ إنّ المسألة ذات أقوال.

فعن الأكثر كما في المدارك (2)، و المشهور [كما] عن غيره (3): فوريّة دفع الزكاة و عدم جواز تأخيرها عن وقت الوجوب على القولين فيه، إلّا لمانع، و مال إليه شيخنا- دام ظلّه-.

و عن الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية عدم جواز التأخير إلّا في صورة العزل فيجوز التأخير إلى شهر و شهرين.

قال في محكيّه: «و إذا حال الحول فعلى الإنسان أن يخرج ما يجب عليه على الفور و لا يؤخّره» ثمّ قال: «و إذا عزل ما يجب عليه [من الزكاة] فلا بأس أن يفرّقه ما‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 126- 127.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 289.

(3). كما نسبه اليه في الحدائق، ج 12، ص 229.

743

بينه و بين شهر و شهرين، و لا يجعل ذلك أكثر منه» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و نسب إلى آخر أيضا نافيا الخلاف عنه.

و في المسالك (2) الحكم بجواز التأخير شهرا و شهرين مطلقا خصوصا للبسط أو لذي المزيّة، و اختاره في المدارك (3)، و نسب إلى جماعة أيضا، بل في المدارك (4) جواز التأخير أربعة أشهر.

و عن الحلّي في السرائر جواز التأخير لإيثار غير من حضر من المستحقّين، نافيا الخلاف عنه، حيث قال: «و إذا حال الحول فعلى الإنسان أن يخرج ما يجب عليه إذا حضر المستحقّ، فإن أخّر ذلك إيثارا به مستحقّا غير من حضر، فلا إثم عليه بغير خلاف، إلّا أنّه إن هلك قبل وصوله إلى من يريد إعطاءه إيّاه يجب على ربّ المال الضمان. و قال بعض أصحابنا: إذا حال الحول فعلى الإنسان أن يخرج ما [يجب] عليه على الفور و لا يؤخّره، فإن أراد (على الفور) وجوبا مضيّقا، فهذا بخلاف إجماع أصحابنا؛ لأنّه لا خلاف بينهم أنّ للإنسان أن يخصّ بزكاته فقيرا دون فقير، و (أنّه) لا يكون مخلّا بواجب، و لا فاعلا لقبيح، و إن أراد بقوله: (على الفور) أنّه إذا حضر المستحقّ وجب عليه إخراج الزكاة فإن لم يخرجها طلبا و إيثارا [بها] لغير من حضر من مستحقّها و هلك المال فإنّه يكون ضامنا [و تجب عليه الغرامة للفقراء]، فهذا الذي ذهبنا إليه و اخترناه» (5). انتهى كلامه رفع مقامه.

فالتحديد بالشهر و الشهرين لم يعلم منه، بل ظاهره خلافه، فما نسب إليه في غير محلّه.

____________

(1). النهاية، ص 183.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 428.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 289.

(4). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 290.

(5). السرائر، ج 1، ص 454.

744

و عن الشهيد (رحمه اللّه) في الدروس (1) جواز التأخير لانتظار الأفضل أو التعميم.

و عن البيان (2) بعد الحكم بجواز التأخير للأفضل الحكم بجواز التأخير بلا رجوع، و مفاده الطلب منه بما لا يؤدّي إلى الإهمال.

و عن العلّامة في محكيّ التذكرة (3) و النهاية (4) و المنتهى (5) و التحرير (6) الحكم بجواز التأخير للتعميم خاصّة بشرط دفع نصيب الموجودين فورا.

إلى غير ذلك من كلماتهم المختلفة.

و قد استفاد بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (7) من العبارة الفوريّة و عدم جواز التأخير مطلقا، و هو لا يخلو من تأمّل.

و كيف كان، الذي يظهر من الجميع أنّ الزكاة ليست من الواجبات الموسّعة التي يكون وقتها العمر، و أنّ المراد من الأمر هنا ليس طلب الطبيعة على الإطلاق كيف اتّفق، كما في كثير من الواجبات، كما أنّ المستفاد من أخبار الباب أيضا ذلك حسبما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى، فما عسى ربما يوهمه كلمات بعض ليس في محلّه جدّا.

ثمّ إنّه لا بدّ من أن يعلم أنّ النزاع في المسألة هل هو في فوريّة الزكاة من حيث كونها عبادة،

بمعنى أنّ الإيتاء الواجب عادة فوريّ فيجب عليه الإعطاء فورا، أو في فوريّة الزكاة من حيث المعاملة و حقّ الناس فيجب إيصال الزكاة إلى أربابها فورا‌

____________

(1). الدروس: ج 1، ص 245. و فيه: «و لا يجوز تأخيرها إلّا لعذر كانتظار المستحق و حضور المال».

(2). البيان، ص 203.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 292.

(4). نهاية الإحكام، ج 1، ص 404.

(5). منتهى المطلب، ج 1، ص 511.

(6). تحرير الأحكام، ج 1، ص 392.

(7). جواهر الكلام، ج 15، ص 457.

745

و يحرم منعهم عنها في أوّل أزمنة الإمكان؟ و الثمرة بينهما تظهر فيما بعد، كما أنّ تحقّق ما هو محلّ النزاع منها يظهر من الرجوع إلى أدلّتهم و كلماتهم،

و بالحريّ أن نذكر أوّلا أكثر ما ورد في الباب من الأخبار،

ثمّ نذكر أدلّة الأقوال، و ما هو المختار في المقام، فنقول:

منها: ما رواه سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام): «قال: سألته عن الرجل تحلّ عليه الزكاة في السنة في ثلاث أوقات، أ يؤخّرها حتّى يدفعها في وقت واحد؟ فقال: متى حلّت أخرجها». (1)

و منها: ما عن أبي بصير: «قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إذا أردت أن تعطي زكاتك قبل حلّها بشهر أو شهرين فلا بأس، و ليس لك أن تؤخّرها بعد حلّها» (2).

و منها: ما رواه حمّاد بن عثمان عن الصادق (عليه السّلام): « [قال:] لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين و تأخيرها شهرين» (3).

و منها: ما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السّلام) أيضا: « [أنّه قال:] في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها و يبقى بعض يلتمس لها المواضع، فيكون بين أوّله و آخره ثلاثة أشهر، قال: لا بأس» (4).

و منها: ما رواه يونس بن يعقوب- و قد تقدّم ذكره قبل ذلك-: «قلت للصادق (عليه السّلام):

زكاتي تحلّ [عليّ] في شهر أ يصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني من يسألني؟ فقال: إذا حال الحول فأخرجها من مالك (و) لا تخلطها بشي‌ء، ثمّ أعطها كيف شئت، قال: قلت: فإن أنا كتبتها و أثبتّها (أ) يستقيم لي؟ قال: نعم، لا يضرّك» (5).

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 523؛ الوسائل، ج 9، ص 307 (مع اختلاف يسير فيهما).

(2). الوسائل، ج 9، ص 308.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 32؛ التهذيب، ج 4، ص 44؛ الوسائل، ج 9، ص 302.

(4). التهذيب، ج 4، ص 45؛ الوسائل، ج 9، ص 308.

(5). الكافي، ج 3، ص 522؛ التهذيب، ج 4، ص 46؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

746

و منها: ما رواه معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السّلام): «قال: قلت له: الرجل تحلّ عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخّرها إلى المحرّم؟ قال: لا بأس، قال: قلت: فإنّها لا تحلّ عليه إلّا في المحرّم فيعجّلها في شهر رمضان؟ قال: لا بأس» (1). إلى غير ذلك.

إذا عرفت ما تلونا عليك من الأخبار فنقول: إنّه استدلّ للقول بالفور بوجوه من الأدلّة:

الأوّل: ظهور الأوامر الواردة في الكتاب و السنّة،

حيث إنّ الأمر ظاهر في الفور.

و هذا الوجه فاسد جدّا؛ لما قد حقّق في محلّه من عدم ظهور الأمر في الفور و لا التراخي، و إنّما هو ظاهر في طلب الطبيعة.

الثاني: ما تمسّك به الفاضلان (2) و جماعة من أنّ المستحقّ مطالب بشاهد الحال، فيجب التعجيل،

كالوديعة و الدّين، و هذا معنى كون مقتضى القاعدة فوريّة الزكاة و إن كان مقتضى الأصل عدمها، هذا.

و أورد عليه شيخنا- دام ظلّه العالي- بوجوه:

أحدها: المنع من القطع بوجود المطالبة من المستحقّ؛ إذ غاية ما هناك كون الفقر مقتضيا للمطالبة، مع أنّ لنا أن نفرض العلم بعدم مطالبة الموجودين من الفقراء في البلد. هذا، مع أنّ مطالبة بعضهم لا يجدي؛ لعدم كونه مستحقّا بالخصوص، فتأمّل.

نعم، لو طالبها الفقراء لكان مجديا، لكنّ الشأن في إثباته و مجرّد فقر المولّى عليهم لا يوجب مطالبتهم؛ إذ ربما يكون في التأخير نفع لهم، فتدبّر.

ثانيها: المنع من كون مطالبة المستحقّ أو وليّه مجديا؛ إذ لا ينحصر صرف الزكاة في الفقراء خاصّة، بل له أن يصرفه في سبيل اللّه و وجوه البرّ، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المستحقّ في سبيل اللّه حقيقة المسلمون، فهم أيضا مطالبون، أو يقال: إنّ مطالبة بعض‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 32؛ التهذيب، ج 4، ص 44؛ الوسائل، ج 9، ص 302.

(2). المعتبر، ج 2، ص 553؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 290.

747

المستحقّين كاف في عدم جواز حبس الزكاة، و لو كان المالك هو الحابس.

ثالثها: إنّ غاية ما يستفاد من هذا الدليل عدم جواز الامتناع من أداء الزكاة عند مطالبة المستحقّ كسائر حقوق الناس، و هذا لا يقضي بوجوب الإيصال و الإيتاء فورا، كما هو المدّعى ظاهرا.

توضيح ذلك: إنّ مقتضى القاعدة في جميع الأمانات الشرعيّة بل المالكيّة في الجملة حرمة الامتناع عن أداء الأمانة في أوّل أزمنة إمكانه مطلقا كما في الأمانات الشرعيّة غير الغصب، أو بعد مطالبة المالك، فيكفي في الأمانات الشرعيّة إذا عدم المالك و إن كان ظاهر قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (1) في بادئ النظر هو وجوب التأدية و الإيصال، لكن قد تبيّن في محلّه أنّ المراد من التأدية هو عدم الامتناع من قبل الأمين، فإذا لا تدلّ القاعدة المزبورة على فوريّة الزكاة من حيث العادة.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه- ثمّ قال: لكنّ الذبّ ممّا أوردنا على هذا الدليل بأنّ مرجعه في الحقيقة إلى قاعدة سلطنة الناس على أموالهم و حرمة التصرّف في مال الغير بغير إذنه؛ لأنّ جواز التأخير مع المطالبة موجب لنقض في السلطنة، و إلّا فهذه القاعدة بمنزلة الصغرى، فليست المطالبة حقيقة شرطا؛ لأنّ الزكاة على هذا كسائر الأمانات الشرعيّة، فالإيرادان الأوّلان الراجعان إلى منع الصغرى يسقطان على هذا التقدير، و مراد من تمسّك (2) أيضا ما ذكرنا؛ إذ قد عرفت أنّه لا مدرك لهذه القاعدة إلّا قاعدة السلطنة و شبهها و إن كان الأولى التعبير بنفس القاعدة.

و الإيراد الثالث الراجع إلى منع الكبرى حقيقة فهو و إن لا يسقط ما ذكر إلّا أنّ ما ذكر في الإيراد الثالث مفروغ عن بطلانه في خصوص المقام، فالعمدة إثبات الفوريّة‌

____________

(1). النساء (4): 58.

(2). كذا في الأصل.

748

في الجملة في مقابل القول بجواز التأخير و الامتناع عن الأداء حتّى مع المطالبة.

نعم، هنا شي‌ء آخر يمكن من جهة منع جريان قاعدة السلطنة، و هو أن يقال: إنّ مرجع جواز التأخير إلى ثبوت حقّ للمالك، فيكون أصل ملكيّة الفقراء ... (1) بحسب أصل جعلها نظير تملّك الوقف، فليس التأخير موجبا لنقض في سلطنتهم؛ لأنّ ملكهم ليس تامّا من أصله، فتأمّل، هذا.

و سيجي‌ء لهذا الكلام مزيد بيان عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

الثالث: ما تمسّك به شيخنا- دام ظلّه العالي- [من الأخبار الدالّة على الضمان في مسألة نقل الزكاة مع وجود المستحقّ في البلد،]

و لم أر من تمسّك به غيره إلّا الفاضل (2) على ما حكاه- دام ظلّه العالي- من الأخبار الدالّة على الضمان في مسألة نقل الزكاة مع وجود المستحقّ في البلد، و قد تقدّمت عند التكلّم في المسألة، حيث إنّ الحكم بالضمان مع ثبوت الملازمة بمقتضى القاعدة الثابتة من الأخبار الواردة في باب الأمانات بين الأمانة و عدم الضمان مستلزم لانتفاء الأمانة شرعا مع ثبوت الضمان، و هذا معنى فوريّة وجوب الزكاة.

أمّا ما قيل من أنّ الضمان ثابت على كلّ مخلّ في المسألة السابقة بل في المقام أيضا على القول بجواز التأخير على ما عرفته من الحلّي حيث ادّعى الإجماع عليه، ففيه: أنّ التسالم على الضمان لا يضرّنا؛ لأنّا نتمسّك بهذا التلازم المسلّم نصّا و فتوى على انتفاء الأمانة شرعا و إن كانت الملازمة غير ثابتة عند جماعة في خصوص المقام، فتدبّر.

الرابع: ما عرفته في طيّ الأخبار من رواية سعد بن سعد الأشعري (3) و رواية أبي بصير (4)،

فإنّ ظهورهما في الفوريّة ممّا لا ينكر.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). راجع منتهى المطلب، ج 1، ص 511.

(3). الكافي، ج 3، ص 523؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

(4). الوسائل، ج 9، ص 308.

749

و أمّا ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «الرجل يكون عنده المال، أ يزكّيه إذا مضى (عليه) نصف السنة؟ قال: لا، و لكن حتّى يحول عليه الحول، و يحلّ عليه، إنّه ليس لأحد أن يصلّي صلاة إلّا لوقتها، و كذلك الزكاة، و لا يصوم أحد شهر رمضان إلّا في شهره، إلّا قضاء و [كلّ فريضة] إنّما تؤدّى إذا حلّت» (1) فلا دلالة له على المدّعى أصلا؛ لأنّ المستفاد منه عدم جواز التقديم بعنوان الزكاة، لا التأخير الذي محلّ للكلام، كما لا يخفى على من عنده ذوق مستقيم. و إن استدلّ به بعض عليه باعتبار التشبيه و التسوية.

هذا ملخّص ما قيل في توجيه القول بالفوريّة على الإطلاق.

ثمّ إنّ هذه الوجوه لمّا كانت معارضة بأكثر الأخبار المتقدّمة [تصدّى شيخنا- دام ظلّه العالي- لدفع المعارضة]

الدالّة على جواز التأخير في الجملة على ما فيها من الاختلاف تصدّى شيخنا- دام ظلّه العالي- لدفع المعارضة و ترجيح دليل القول بالفوريّة عليها.

و حاصل ما أفاده- دام ظلّه- أنّ ما تقدّم من الخبرين (2) الدالّين على التضيّق و عدم جواز التأخير نصّ بالنسبة إلى الأخبار الدالّة على الجواز، حيث إنّهما مختصّان بصورة التمكّن من أداء الزكاة و نصّان فيه، و تلك ظاهرة فيها، حيث إنّها شاملة صورة عدم التمكّن أيضا، فيجب حملها على صورة التمكّن حملا للظاهر على النصّ، و اختلافهما من حيث التحديد بالزمان لا ينافي الحمل المذكور إن لم يكن مؤيّدا له؛ لأنّه مبنيّ على اختلاف مراتب تحقّق التمكّن، و لمّا لم يكن في الغالب أزيد ممّا ذكر فيها فاقتصر عليه. هذا، مع أنّ التصرّف في جواز تقدّم الزكاة الذي دلّ عليه بعض الأخبار الموسّعة يوجب الوهن في ظهوره جدّا، هذا.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 523- 524؛ الاستبصار، ج 2، ص 31- 32؛ التهذيب، ج 4، ص 43؛ الوسائل، ج 9، ص 305.

(2). أي روايتا سعد الأشعري و أبي بصير.

750

سلّمنا تساوي الأخبار من الجانبين من حيث كون الخبرين و إن كانا نصّين من الجهة المزبورة إلّا أنّها نصوص من جهة اخرى، و هي التصريح بجواز التأخير، فيمكن حمل الخبرين على أولويّة عدم التأخير، لكنّ المرجع بعد التكافؤ ما قدّمنا من القاعدتين في الدليل الثالث و الثاني إن لم نقل بالترجيح بهما.

سلّمنا ترجيح الأخبار المزبورة عليهما من حيث الدلالة من حيث اختصاصها بصورة التمكّن أيضا فيكون أخصّ منهما من الجهة التي عرفتها، و تعيّن رفع اليد بها عن القاعدة المستدلّ بها في الوجه الثالث؛ لأنّه ثبت في الشرعيّات اجتماع الضمان على الأمانة في كثير من الموارد، و دليل الملازمة ليس إلّا العمومات، فيرفع اليد عنها بهذه الأخبار الحكم الحاكمة، بل قد يظهر من كلماتهم أنّ المقبوض لمصلحة القابض مقتضى القاعدة فيه الضمان و أنّ نفي الضمان مختصّ بالمقبوض لمصلحة المالك، إلّا أنّ رفع اليد بها عن قاعدة السلطنة في غاية الإشكال؛ لأنّها من الاصول و قواعد المذهب التي لا يخرج عنها بمثل هذه الأخبار و إن كانت قابلة للتخصيص و ليس ممّا يستقلّ العقل بقبح التخصيص فيها من جهة قبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه و رضاه، حيث إنّ تجويز الشارع إذن من المالك الحقيقي المتقدّم على المالك المجازي، و من هنا وقع في الشرع إكراه المالك و نحوه ممّا ينافي بظاهره قاعدة السلطنة و حرمة التصرّف في مال الغير بغير إذنه، إلّا أنّها من جهة استحقاقها لا يجوز رفع اليد عنها بمثل الأخبار الواردة في الباب.

نعم، لو ورد هناك ما يقضي بثبوت حقّ للمتصرّف و نقض في سلطنة المالك- كما ورد في جواز أكل المارّة و نحوه- حكم بمقتضاه؛ لأنّه ليس في الحقيقة منافيا لقاعدة السلطنة، و هذا بخلاف ما يدلّ على حجر المالك عن التصرّف في ماله العامّ و تسلّط الغير عليه، فإنّه مناف لها جدّا، و الأخبار المتقدّمة من هذا القبيل، كما لا يخفى.

هذا حاصل ما استفدناه من إفادات شيخنا- دام ظلّه العالي- في توجيه هذا القول.

751

و نحن نلاحظ أوّلا النسبة بين مجموع الأخبار المرخّصة على اختلافها مع وجوه القول بالمنع كما هو الملحوظ فيما أفاده- دام ظلّه- من الجواب عن المعارضة، ثمّ نلاحظ النسبة بينها لكي يعلم وجود التعارض بينها و عدمه، ثمّ نشير في طيّه إلى وجوه سائر الأقوال المحكيّة في المسألة.

فنقول: أمّا ما أفاده- دام ظلّه- من كون الخبرين (1) نصّين بالنسبة إلى الأخبار المتقدّمة بالتقريب الذي أفاده- دام ظلّه- ففيه ما لا يخفى.

أمّا أوّلا: فلأنّ ما ذكره من ظهور الأخبار المرخّصة في صورة التمكّن إنّما يتمشّى جدّا في ما فيه الترخيص من حيث الزمان، و أمّا في رواية يونس (2) و أشباهها فلا يتمشّى جدّا؛ لصراحتها في صورة التمكّن.

بل التحقيق أنّ الطائفة الاولى أيضا كالنصّ لأنّ تقييدها بصورة عدم التمكّن- مع إبائها عنه في نفسها جدّا، كما لا يخفى- موجب للتقييد بالصورة النادرة الملحقة بالعدم منه.

و أمّا ثانيا: فلأنّ مجرّد اختصاص الأخبار المجوّزة بصورة التمكّن لا يجدي مع نصوصيّة الأخبار المرخّصة من وجه آخر، كما لا يخفى، و من المعلوم أنّ الأخبار المرخّصة نصّ في جواز التأخير، و تلك ظاهرة في المنع، فتحمل على أولويّة التعجيل، كما صنعه بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3)، هذا.

و أمّا ما أفاده في تقريب [ظ: ترجيح] قاعدة السلطنة على الأخبار الخاصّة المرخّصة، ففيه أوّلا: أنّه لا مانع من العمل بتلك الأخبار المعمول بها مع صراحتها بعد الاعتراف بكونها قابلة للتخصيص، و الفرق الذي أفاده بين ما يرد على خلافها ممّا‌

____________

(1). أي روايتا سعد الأشعري و أبي بصير.

(2). المتقدّمة. الكافي، ج 3، ص 522؛ التهذيب، ج 4، ص 46؛ الوسائل، ج 9، ص 307.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 460.

752

يثبت الحقّ للمتصرّف و ما لا يثبته غير نقيّ عن النظر أيضا؛ لأنّه لا مناص لتخصيص القاعدة بالأوّل أيضا؛ لأنّ ثبوت حقّ للغير في مال الغير عين نقصان سلطنته المنافي للقاعدة.

و ثانيا: أنّه لا مانع من جعل هذه الأخبار أيضا كاشفة عن ثبوت حقّ للمالك في التأخير و إن [لم] تكن ظاهرة فيه؛ لأنّ مجرّد الدوران بين طرح هذه الأخبار و حملها على ما ذكر يوجب الحمل عليه على ما هو مطّرد في سائر المقامات أيضا، و عليه بناؤه- دام ظلّه-.

فالإنصاف أنّ الإشكال في جواز التأخير في الجملة ليس في محلّه، فضلا عن الجزم بعدمه.

هذا كلّه في ملاحظة الأخبار المرخّصة مع الأخبار المانعة رأسا، و أمّا ما يقتضيه التحقيق في ملاحظة الأخبار المرخّصة بعضها مع بعض فهو العمل بكلّ واحد منها؛ لعدم التنافي بينها، و تقييد ما دلّ على جواز التأخير من حيث الزمان على صورة العزل لا وجه له أيضا، فلا بدّ من القول به على الإطلاق، فلعلّ من فصّل في المسألة فأخذ ببعضها فهم التعارض بينها فحمل بعضها على الآخر، أو عمل ببعضها و طرح غيره؛ لعدم اعتباره عنده، فإذا لا حاجة إلى ذكر وجوه التفاصيل في المسألة بعد ما عرفت.

نعم، بقي هنا شي‌ء، و هو أنّ المراد من الالتماس الواقع في بعض الأخبار المتقدّمة هل هو التماس الغبطة أو المواضع المعدّة بحسب اعتياده، أو التماس مواضع الفضيلة؟

الظاهر: الأوّل.

فقد علم ممّا ذكرنا أنّ التأخير إفراطا لا يجوز إلّا بمقدار دلّ عليه ما تقدّم من الأخبار المرخّصة من حيث الزمان، و أمّا التأخير من غير جهة الزمان فيدوم بدوامه إلّا أن يوجب الإهمال، لحمل الأخبار المرخّصة على الفروض الغالبة دون النادرة، و اللّه العالم.

753

هذا بعض الكلام في مسألة تأخير الزكاة،

و أمّا الكلام في جواز تقديمها و التعجيل بها

فالمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا ما أفاده المصنّف- (قدّس سرّه) اللطيف- من أنّه: «لا يجوز تقديمها قبل وقت الوجوب، فإن آثر ذلك دفع مثلها قرضا، و لا يكون ذلك زكاة، و لا يصدق عليها اسم التعجيل» (1).

و نسب الخلاف في ذلك إلى ابن عقيل (2) و سلّار (3)، مدّعيا أوّلهما تواتر الأخبار بجوازه و رجحانه، و ثانيهما ورود الرسم به.

و أنت خبير بأنّ الأخبار الدالّة على جواز التعجيل غير بالغة حدّ التواتر جدّا، و ما يدلّ منها بظاهره عليه لا يقاوم ما يدلّ على المنع، فلا بدّ إمّا من حمله على ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) (4) و جماعة (5) من التقديم بعنوان القرض، أو التقيّة؛ لذهاب جماعة كثيرة من العامّة- على ما حكاه العلّامة في محكيّ التذكرة (6)- إليه، فإذا لا فائدة في إطالة البحث في ذلك كما صنعه غير واحد، كما أنّه يعلم منه أنّه لا فائدة في ذكر الفروع المتفرّعة على العمل المذكور كما صنعوه إلّا التنبيه على ما تقتضيه القواعد على العمل المشهور الغير المختفي على المتدبّر.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 127.

(2). قال العلامة في المختلف: «و قال ابن أبي عقيل: يستحب إخراج الزكاة و إعطاؤها في استقبال السنة الجديده ...». مختلف الشيعة، ج 3، ص 237.

(3). المراسم العلوية، ص 128. و فيه: «و قد ورد الرسم بجواز تقدّم الزكاة عند حضور المستحق».

(4). النهاية، ص 183؛ الخلاف، ج 2، ص 43؛ المبسوط، ج 1، ص 227.

(5). فقه الرضا (عليه السّلام)، ص 198؛ المقنع، ص 164؛ المقنعة، ص 240؛ جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 78؛ المهذّب (ابن البراج)، ج 1، ص 173؛ السرائر، ج 1، ص 453؛ كشف الرموز، ج 1، ص 252؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 352؛ المهذب البارع، ج 1، ص 521؛ رياض المسائل، ج 5، ص 131؛ مستند الشيعة، ج 9، ص 373؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 461.

(6). راجع تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 294- 295.

754

نعم، هنا شي‌ء أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- ينبغي التعرّض له، و هو أنّ التقديم على قول المشهور كما لا يعقل أن يكون بعنوان الزكاة بل يكون بعنوان القرض كما صرّحوا به، كذلك لا يعقل على قول ابن أبي عقيل و سلّار.

و الوجه فيه: أنّ الزمان في باب الزكاة مأخوذ على وجه القيديّة، فلا معنى لإلغائه، فلا بدّ أن يكون مرادهم تقديم ما هو في حكم الزكاة، و لا يقاس ذلك بالفعل المطلوب في زمان على وجه الظرفيّة حتّى يحكم بجواز تقديمه عليه؛ لورود الدليل، كما في غسل الجمعة؛ إذ المفروض [أنّ] تجويز التقديم الحقيقي في الزكاة موجب للقول بعدم اشتراط إبقاء الشرائط طول الحول، و هو ممّا لا يلتزم به.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه العالي- و لكنّك خبير بأنّ جعل الزمان ظرفا لا يتعدّى عنه الفعل مساوق لجعله قيدا لا يحكم بجواز التقديم مع عدم دليل عليه من الشارع، و يحكم به مع ورود الدليل عليه.

و حاصل القول المقبول في المقام أنّ التقديم مراعى- كالقول بحلول الزكاة- وجوبا بمجرّد دخول شهر ثاني عشر، و من هنا اعتبر القائل به بقاء الآخذ على صفة الاستحقاق، كما حكاه غير واحد، و هذا لا يلزم ما أفاده- دام ظلّه العالي- و اللّه العالم.

755

[القول في النيّة]

[المراعى نيّة الدافع إن كان مالكا، و إن كان ساعيا أو الإمام أو وكيلا جاز أن يتولّى النية كلّ واحد من الدافع و المالك]

قوله (قدّس سرّه): القول في النيّة: و المراعى نيّة الدافع إن كان مالكا، و إن كان ساعيا أو الإمام أو وكيلا جاز أن يتولّى النية كلّ واحد من الدافع و المالك (1) (1).

أقول: الكلام في النيّة يقع في مقامات:

____________

الأوّل: في اعتبار قصد عنوان الزكاة، و هو المقصود بالبحث في المقام.

الثاني: اعتبار قصد القربة.

الثالث: اعتبار الإخلاص بقيد الضميمة، و هذا يرجع إلى اعتبار قصد التقرّب في وجه، فلا نتكلّم فيه.

الرابع: اعتبار قصد الوجه.

أمّا اعتبار قصد الزكاة

فممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه بقسميه، كما لا يخفى على من راجع كتب القوم، بل أقول: إنّه ممّا يقضي العقل به؛ لأنّ اتّصاف الموجود بكونه زكاة لا معنى له بدون قصده بعد فرض عدم معيّن له إلّا هو، ضرورة كون الدفع من العناوين المشتركة الغير المميّزة إلّا بالقصد، فبعض الأخبار الواردة في باب الوصيّة مع معارضته مطّرح.

فما يحكى عن الأوزاعي (2) من عدم اعتبار النيّة قياسا لها بالدّين، لا يصغى إليه إن كان مانعا لاعتبار أصل النيّة، و إن كان مخالفا في اعتبار قصد التصرّف فسيجي‌ء ما فيه.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

(2). حكاه عنه الشيخ في الخلاف، ج 2، ص 49؛ راجع المجموع (النووي)، ج 2، ص 180؛ المغني (ابن قدامة)، ج 2، ص 505.

756

هذا كلّه، مع أنّ حصول الامتثال المعتبر في الزكاة من جهة كونها من العبادات بدون قصد في عنوانها ممّا لا يعقل؛ لأنّ تحقّق العنوان الغير المقصود لا يكون اختياريّا، فتأمّل.

و بالجملة، إنّ المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر.

هذا كلّه فيما إذا لم تكن معزولة، و أمّا إذا كانت معزولة فلا تحتاج إلى قصد عنوان الزكاة حين الدفع، لتعيين المعزول فيها.

نعم، لا ينبغي الارتياب في عدم حصول العزل المعتبر إلّا بقصد عنوان الزكاة، فالقصد معتبر حين القول بعدم حصول اليقين بمجرّد أخذ مقدار من المال و وضعه في مكان لا بقصد عنوان الزكاة، بل دفعه مع الالتفات إلى عنوانه لا ينفكّ عن قصد إيتاء الزكاة أيضا، كما لا يخفى، هذا.

و أمّا اعتبار قصد التقرّب

فهو أيضا ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه بقسميه، كما لا يخفى، فلا يصغى إلى مخالفة الأوزاعي لشبهة فاسدة.

و لا فرق في ذلك بين القول بكون الحكم التكليفي تابعا للحكم الوضعي في باب الزكاة أو عكسه.

أمّا على الثاني فظاهر، و أمّا على الأوّل فيقال: إنّ تحقيق الأمر الوضعي يتوقّف على الإيتاء بالزكاة بقصد الامتثال، إنّما الكلام في استفادته من الأدلّة السمعيّة غير الإجماع؛ لأنّ نفس أوامر الزكاة قاصرة عن إفادة هذا المرام، كما هو الشأن في غير المقام، بل ظاهر أوامرها كونها توصّليّة، كما هو الشأن في جميع الأوامر اللفظيّة، بل قد يدّعى خصوصيّة للأوامر الواردة في المقام من حيث تعلّقه بإيتاء المال الموجود في الخارج على وجه الإشاعة للفقير، و ليس مثل الأمر المتعلّق بزكاة الفطرة حتّى يقال إنّ تعيين ما في الذمّة في العين يحتاج إلى قصد القربة.

و أوضح من ذلك ما لو كانت معزولة.

757

اللّهمّ إلّا أن يقال بعدم حصول القول بدون قصد التقرّب، و هو محلّ تأمّل، بل منع؛ إذ لا دليل على عدم انفكاك تعيين الزكاة عن قصد التقرّب في جميع المقامات، و من هنا لا يأبي عن القول بعدم التوقّف على قصد القربة فيما لو ادّعى دفع الزكاة، فقد يستدلّ له بوجوه من الآيات و الروايات:

منها: ما استدلّوا به في غير واحد من المقامات لإثبات أنّ مقتضى القاعدة في الواجب أن يكون تعبّديّا، مثل قوله تعالى: وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ (1) الآية، و:

«إنّما الأعمال بالنيّات» (2) و قوله (عليه السّلام): «لكلّ امرئ ما نوى» (3) إلى غير ذلك.

و قد فرغنا عن إثبات بطلان كون الأصل الثانوي في الواجب أن يكون تعبّديّا بمقتضى هذه في محلّه، كما أنّا فرغنا عن إبطال كون الأصل الأوّلي ذلك في مسألة الأقلّ و الأكثر من مسائل أصالة البراءة.

و منها: ما دلّ (4) على نفي الصدقة ذاتا، كما هو ظاهره أو صفة الصحّة عمّا لا يقصد به وجه ... (5)، كما في غير واحد من الروايات، بضميمة ما دلّ على أنّ كلّ زكاة صدقة، مثل قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً الآية (6) الذي ورد في أصل تشريع الزكاة، فإنّ أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بأخذ الصدقة منهم و حصر المأخوذ في الصدقة ينافي وقوع الزكاة منهم على غير وجه الصدقة، كما لا يخفى، فهذا يكشف عن أنّ ما امروا به لا بدّ أن‌

____________

(1). البيّنة (98): 5.

(2). التهذيب، ج 1، ص 83، ج 4، ص 186؛ الوسائل، ج 1، ص 48- 49، ج 6، ص 5، ج 10، ص 13.

(3). التهذيب، ج 4، ص 186؛ الوسائل، ج 10، ص 13.

(4). راجع الوسائل، ج 9، ص 384.

(5). مكان النقاط في الأصل كلمتان غير مقروءتين.

(6). التوبة (9): 103.

758

يكون منحصرا فيما تحقّق بكونه صدقة في الخارج، و قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الآية (1)، فإنّ حصر الصدقات في من ذكر في الآية الواردة في خصوص الزكاة ينافي وقوع الزكاة على غير وجه الصدقة [و] إلّا لزم عدم كون الحصر حاصرا؛ إذ يلزم حينئذ عدم دخول الزكاة التي لا يقصد بها التقرّب، فإنّها لا تكون صدقة، و المفروض أنّ المحصور هي الصدقة فيلزم ما ذكرنا، إلى غير ذلك ممّا دلّ بظاهره على حصر الزكاة في الصدقة، هذا.

و أورد عليه شيخنا- دام ظلّه العالي- بعد التأمّل في دلالة الآيتين و أشباههما على الحصر: بأنّ هذا الوجه لا يدلّ على كون الزكاة من العبادات بالمعنى المقصود في المقام الذي انعقد عليه الإجماع.

توضيح ذلك: أنّ معنى كون الزكاة من العبادات كسائر العبادات أن يكون الداعي على إتيانها امتثال الأمر المتعلّق به، و هذا المعنى لا يستفاد من هذا الوجه؛ إذ غاية ما يدلّ عليه حصر الزكاة في الصدقة مع كونها محصورة فيما يقصد به وجه، و هذا لا يستلزم المعنى المزبور؛ إذ يكفي فيه كون الداعي لإيتاء الزكاة رجحان مطلق التصدّق عقلا و شرعا، و أين هذا من المعنى المزبور؟ فالزكاة نظير التصدّق بمجهول المالك الذي هو مورد الأمر، فكما أنّ التصدّق به يحصل بمجرّد ملاحظة رجحان الصدقة و إن لم يكن المكلّف ملتفتا إلى الأمر بالتصدّق حتّى يقصد امتثاله، كذلك اتّصاف الزكاة بكونها صدقة لا يفتقر إلّا إلى ما ذكر.

و بعبارة اخرى: اتّصاف الموجود بكونه صدقة إنّما يفتقر إلى قصد التقرّب بالتصدّق، و هذا لا يلزم كون الداعي الأمر المتعلّق بإيتاء الزكاة على ما هو معنى كونها من العبادات، فإنّ الأمر المتعلّق بالعبادات- كالصلاة و الصوم و نحوهما- و إن كان‌

____________

(1). التوبة (9): 60.

759

قاصرا عن إفادة هذا المطلب إلّا أنّه قد قام الدليل على عدم حصول الغرض من الأمر المتعلّق بها إلّا بكون الداعي لاتّحادها الأمر المتعلّق بها، و هذا المعنى لا يمكن استفادته من الوجه المزبور كما عرفت أنّه لا يستفاد من الأمر في جميع المقامات القول بأنّ هذا المقدار يكفي في الزكاة؛ لأنّها أشبه شي‌ء بالدّين، و قد عرفت قضيّة ما أسمعناك من أنّ ظاهرهم قيام الإجماع على كون الزكاة كالصلاة، و دعوى أنّ كون الداعي رجحان الفعل و التقرّب به يكفي في كلّ مقام و في جميع العبادات إذا علم رجحانها الذاتي و إن لم يقصد خصوص الأمر المتعلّق به، غاية الأمر أنّه لم يعلم ذلك في أكثر العبادات.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه-.

و منها: إطلاق الفريضة على الزكاة في بعض الروايات (1)، فإنّ هذا الإطلاق ظاهر في كونها من العبادات، حيث إنّ إطلاق الفريضة على غيرها غير معهود، هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي-.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من اعتبار قصد التقرّب بين أفراد المكلّف، غاية الأمر أنّه قد يقوم مقام المكلّف غيره، كما إذا كان ممتنعا عن أداء الزكاة، أو امتنع منه قصد التقرّب، كما إذا كان كافرا، فإنّ السلطان يقصد التقرّب.

فما يظهر من بعض و صرّح به آخر من سقوط قصد القربة في الفرض لا وجه له.

ثمّ إنّه بقي هنا شي‌ء قد أسمعناك في طيّ كلماتنا السابقة إشارة، و هو أنّه هل يفتقر العزل إلى قصد التقرّب كما يفتقر إلى قصد العنوان، أم لا؟ و جهان: من أنّ المال لا يخرج عن ملك المالك إلّا بصيرورته زكاة كما هو المقصود بالعزل، و الزكاة لا تحصل‌

____________

(1). عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلّا بأدائها و هي الزكاة». الكافي، ج 3، ص 498 و 556؛ الوسائل، ج 9، ص 14 و 32 و 289.

760

إلّا بقصد القربة، و من عدم دليل على كلّيّة المدّعى و لم لا يكون العزل كإتلاف المال مع إبقاء مقدار الزكاة أو تلفه كذلك، و المسألة لا تخلو عن إشكال و إن كان الأوّل أقرب، و اللّه العالم.

و أمّا قصد الوجه

فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم اعتباره، كما هو الشأن في سائر العبادات؛ إذ لا دليل عليه من عقل و نقل، بل العقل مستقلّ بحصول الامتثال بدونه و إن كان مقتضى الأصل على تقدير الشكّ اعتباره، هذا، و تفصيل الكلام يطلب من محلّ آخر، هذا.

و هنا امور ينبغي التنبيه عليها.

الأوّل: إنّ مقتضى القاعدة [المباشرة]

بعد كون الزكاة من العبادات و إن كان عدم مشروعيّة التوكيل و النيابة فيها- بل الأصل ذلك في جميع الواجبات، فإنّ ظاهر الأمر المباشرة- إلّا أنّه لا إشكال في مشروعيّة النيابة فيها؛ لقيام الإجماع عليه قولا و عملا، و بهذا افترقت الزكاة عن أكثر العبادات، بل كلّها؛ لأنّ ما تجري النيابة فيه كالحجّ ليس في حقّ القادر.

الثاني: إنّه لا إشكال ظاهرا في جواز توكيل الفقير لأخذ الزكاة من الغنيّ

و حصول البراءة له بدفعها إليه كالدفع إلى الموكّل، و هو الذي تقتضيه كلمات الأكثر أيضا، خلافا للسيّد في المدارك تبعا لابن إدريس (1) و ابن برّاج (2) على ما حكاه ابن إدريس عنه.

قال في المدارك في مسألة اعتبار بقاء النيّة للدفع و عدم جواز تقديمها عليه بعد كلام له: « (و) لكنّ الأظهر عدم الجواز كما اختاره ابن إدريس في سرائره و نقله عن ابن البرّاج؛ لأنّ إقامة الوكيل مقام الموكّل في ذلك يحتاج إلى دليل و لم يثبت. و استدلّ عليه ابن إدريس أيضا بأنّ الذمّة مرتهنة بالزكاة، و لا خلاف بين الأمّة أنّ بتسليمها إلى‌

____________

(1). السرائر، ج 2، ص 82.

(2). حكاه السرائر عنه.

761

مستحقّها تبرأ الذمّة بيقين، و ليس كذلك إذا سلّمت إلى الوكيل؛ لأنّه ليس من الثمانية الأصناف بلا خلاف، و بأنّ التوكيل إنّما يثبت فيما يستحقّ الموكّل المطالبة [به] و الزكاة لا يستحقّها واحد بعينه، و لا يملكها إلّا بعد القبض» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أنت خبير بأنّ قضيّة الأصل و إن كانت ما ذكروه إلّا أنّ مورد الوكالة أعمّ ممّا أفاده الحلّي (قدّس سرّه)، فإنّه ليس لأحد أن يشترط في صحّة التوكيل استحقاق الموكّل المطالبة فيما وكّله فيه، كيف! و أكثر موارد التوكيل الثابتة بالإجماع قولا و عملا خالية من الشرط الذي ذكروه، هذا.

الثالث: إنّه لا ينبغي الإشكال في عدم كفاية التبرّع في المقام؛

لأنّ مقتضى كونها عبادة عدم جواز النيابة على ما عرفت، فضلا عن كفاية دفع المتبرّع كما في الدّين، فإنّ حصول امتثال المكلّف بالزكاة بفعل المتبرّع ممّا لا يعقل له معنى، كما هو واضح، و إسقاط فعله عن فعله و إن كان أمرا معقولا لكنّه يحتاج إلى دليل و ليس في المقام بل و في غيره من العبادات.

و أمّا إسقاط صلاة المتبرّع أو صومه الصلاة أو الصوم عن الوليّ فإنّما هو من جهة كونهما من مقولة الدّين بالنسبة إليه، كما لا يخفى.

نعم، لو ثبت إسقاط حجّ المتبرّع عن المستطيع فيما يكون له أخذ الأجير كان نقضا لما ذكرنا، لكنّه لم يثبت بل الثابت خلافه، فالقول بأنّه بعد مشروعيّة النيابة لا بدّ من القول بكفاية فعل المتبرّع أيضا؛ لأنّه بمقتضى التنزيل التبرّعي يصير نفس المكلّف.

و من هنا لا إشكال في جواز التبرّع في العبادات المستحبّة كالزيارة مثلا، مع أنّ حصول الثواب للمنوب عنه بدون الامتثال منه غير معقول فاسد جدّا؛ لأنّ مرجع‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 301.

762

الاستنابة إلى امتثال الأمر ببدل الأجير، و قد عرفت استحالة حصول الامتثال بفعل المتبرّع للمنوب عنه؛ لأنّه لا ربط له بوجه من الوجوه، و مشروعيّة التبرّع في بعض العبادات المستحبّة و حصول الثواب للمنوب عنه كما في الزيارات لا يقتضي ثبوت الملازمة- كما لا يخفى- بمقتضى تحصيل الامتثال، بل قد عرفت أنّه غير معقول، بل إنّما هو تفضّل من اللّه تعالى.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين المقام و الفطرة، فما أفاده بعض مشايخنا في شرحه (1)- تبعا لبعض من تقدّم عليه- من كفاية التبرّع لا يصغى إليه.

الرابع: إنّه لا إشكال بل لا خلاف ظاهرا في عدم جريان الفضولي في الزكاة بمعناه المعروف،

بل لا يعقل له معنى؛ لأنّ التصرّف في مال المكلّف بالزكاة بإعطائه الفقير من دون رضاه محرّم، فكيف تؤثّر الإجازة في تحقّق الإطاعة به، فالفضولي بالمعنى المبحوث عنه في المعاملات غير جار في المقام جدّا حتّى يتكلّم في أنّ الإجازة كاشفة كما هو المشهور، أو ناقلة.

نعم، لا ينبغي الإشكال- فضلا عن الخلاف بناء على ما سيجي‌ء من عدم اعتبار مقارنة النيّة لزمان الدفع- في تحقّق امتثال أمر الزكاة بنفس الإجازة.

فما أفاده بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2) من عدم جريان الفضولي في الزكاة مع جزمه بكفاية التبرّع إن كان مقصوده ما ذكرنا أوّلا فهو في محلّه كما عرفت، و إن كان الحكم بلغويّة الإجازة و أنّه لا بدّ من الدفع ثانيا فقد عرفت فساده.

هذا كلّه فيما لو أعطى الفضولي من مال المكلّف بالزكاة، و أمّا لو أعطى من مال نفسه بقصد الرجوع إلى المالك المكلّف بها فلا دخل له بعنوان الفضولي و لا إشكال في عدم كفايته بعد رضا المالك به، كما هو واضح.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 473.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 473.

763

هذا [تمام] الكلام في النيّة،

و أمّا الكلام في الناوي و هو الذي تراعى نيّته

فقد عرفت ما أفاده المصنّف (قدّس سرّه)، و الإشكال فيه من وجهين:

أحدهما: من حيث إنّ المفروض إن كان فيما إذا كان الإمام و الساعي وكيلين عن المالك فلا معنى لذكر وكيل المالك بعدهما، بل لا معنى لذكرهما بعنوان خاصّ.

و بالجملة، هذا المعنى خلاف ظاهر العبارة، بل صريحها جدّا.

و دعوى كون المراد من الوكيل وكيل الإمام، كما ترى.

و إن كان فيما إذا لم يكونا وكيلين، فلا دليل على الاجتزاء بنيّتهما عن نيّة المالك؛ لأنّ القدر الثابت هو ولاية الإمام (عليه السّلام) على الفقراء لا على المالك، و ثبوت ولايته على الممتنع لا يقضي بثبوتها مع الإطلاق.

و من هنا جزم بعض المتأخّرين (1) تبعا للشيخ (2) بعدم ثبوت ولاية للإمام (عليه السّلام) على المالك و أنّه لا تكفي نيّته بدون الوكيل، بل عن الشيخ (رحمه اللّه) (3) و المصنّف في المعتبر (4) عدم الاجتزاء بنيّة الوكيل أيضا؛ لأنّه غير مالك و إن كان الحقّ الاجتزاء به وفاقا للأكثر، و لا فرق بين الوكالة في الدفع فقط أو فيه مع النيّة.

و بالجملة، الاكتفاء بنيّة الإمام (عليه السّلام) في الفرض لا دليل عليه و إن كان ظاهر المصنف (5) و تبعه الفاضل في محكيّ جملة من كتبه (6) و ثاني الشهيدين (7) [الاكتفاء] لكونه وليّا عن المالك، و لذا يأخذها منه مع الامتناع اتّفاقا، و لأنّه كالقاسم بين‌

____________

(1). راجع الجواهر، ج 15، ص 473.

(2). المبسوط، ج 1، ص 233.

(3). المبسوط، ج 1، ص 233.

(4). المعتبر، ج 2، ص 559.

(5). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

(6). قواعد الأحكام، ج 1، ص 354.

(7). مسالك الأفهام، ج 1، ص 438.

764

الشركاء فلم يحتج إلى نيّة، و لأنّه لو لم يجز المالك ذلك لما أخذها، و لأخذها ثانيا و ثالثا حتّى ينفد ماله؛ لأنّ أخذها إن كان لإجزائها لم يحصل بدون النيّة، و إن كان لوجوبها فهو باق بعد أخذها، و لأنّه لا يدفع إلى السلطان إلّا الفرض، و هو لا يفرّق على أهل السّهمان إلّا الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النيّة، و لأنّ الإمام (عليه السّلام) كالوكيل و هذه عبادة تصحّ فيها النيابة فاعتبرت نيّة النائب كالحجّ، إلى غير ذلك ممّا لا يخفى للمتأمّل ما فيها.

و الظاهر أنّه لا يدفع هذا الإشكال إلّا الالتزام بثبوت ولاية للإمام على المالك، كما يقضي به ما دلّ على أولويّته على النفس (1) و يقتضيه كلام المصنّف بعد ذلك.

ثانيهما: أنّ المراد بالدفع إن كان الدفع الذي يحصل به الامتثال فلا معنى له؛ لأنّ معنى العبارة حينئذ أنّه إن دفع المالك إلى الفقير فالمراعى نيّته، و إن دفع إلى الإمام أو الساعي أو الوكيل جاز أن يتولّى المالك النيّة حين دفعهم إلى الفقير و جاز للثلاثة تولّي النيّة حين الدفع إلى الفقير بحيث تكون نيّة كلّ منهم مجزئة عن الآخرين. و مقتضاه كما ترى أنّه لو دفع إلى الإمام (عليه السّلام) مع النيّة لم يجزئه، بل لا بدّ في الامتثال إمّا من نيّة المالك حين دفع الإمام (عليه السّلام) أو نيّة الإمام (عليه السّلام)، و هذا فاسد جدّا؛ لأنّ مقتضى ولاية الإمام أو من يقوم مقامه على الفقراء حصول الامتثال بمجرّد الدفع إليه.

و إن كان المراد بالدفع هو الدفع إلى المستحقّ فلا معنى له أيضا؛ لأنّ معناه حينئذ إنّ المراعى منه إلى المالك (2) إن دفع إلى الفقير، و إن دفع إلى الإمام (عليه السّلام) أو الساعي أو الوكيل جاز التولّي لكلّ واحد من الدافع إلى الفقير، و المالك حين الدفع إلى الفقير، فحاصله- كما ترى- جعل الإمام كالوكيل، و هو فاسد.

و إن كان المراد الدفع الذي يحصل به الامتثال و لو بالدفع إلى الإمام (عليه السّلام) فهو فاسد‌

____________

(1). الأحزاب (33): 6.

(2). كذا قوله: «إنّ المراعى منه إلى المالك» في الأصل.

765

جدّا أيضا؛ لأنّه يرد عليه- مضافا إلى ما هو» رد على الاحتمال الأوّل- أنّ لازمه الاجتزاء بنيّة الوكيل حين الدفع إلى الوكيل و إن لم يتولّ الموكّل النيّة حين الدفع إلى الفقير، و هو فاسد جدّا و إن كان يظهر من بعض، هذا.

و قد يذبّ عن هذا الإشكال بأنّ المراد الاحتمال الثاني، و يدفع الإشكال الوارد عليه بأنّه ليس المراد أخذ الإمام (عليه السّلام) من المالك بعنوان الولاية على الفقراء، بل بعنوان الولاية على المالك فقط، و المقصود استقصاء صور المسألة، فلا يرد بعد وقوعه و ندرته. هذا.

و يمكن تقرير الإشكالين بما يرجع إلى إشكال واحد، و الخطب سهل، و إن كانت كلماتهم لا تخلو عن الاضطراب في المقام.

فقد علم من مطاوي ما أسمعناك في تقرير الإشكال و دفعه ما هو المختار [في] صور المسألة، و حاصله أنّ الدافع إمّا أن يكون هو المالك أو من يدفع إليه.

فإن كان المالك، فإن كان من يدفع إليه مستحقّا أو وليّا فيه فلا إشكال إلّا إذا كان الوليّ كالإمام (عليه السّلام) وليّا على المالك أيضا قهرا و لم يقصد إلّا الأخذ عنه؛ إذ هو حينئذ كوكيل المالك في الدفع إلى من هو وليّ عليه كالمقالة (1) إذا قصد الأخذ عنه و لم يقصد الأخذ بعنوان الولاية عليهم. و إن كان وكيلا خاصّا عن المالك فلا إشكال في عدم مراعاة نيّته فقط و عدم حصول الامتثال بها و إن كان ظاهر جماعة و صريح بعض ذلك، فلا بدّ من نيّة الوكيل أيضا، و إن كان من يدفع إليه فالظاهر الاجتزاء بنيّته مطلقا، سواء نوى المالك حين الدفع أيضا أو لا.

و كذا الكلام في المسألة بذكر ما أفاده في المسالك لاعتناء بعض الفوائد (2) و موافقته لكثير ممّا أسمعناك.

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). كذا في الأصل.

766

قال (قدّس سرّه): «اعلم أنّ النيّة معتبرة في الزكاة عند الدفع، لكنّ الدفع قد يكون إلى المستحقّ و قد يكون إلى من يدفعه إليه، و هو إمّا وكيل المالك لا غير، أو وكيله و وكيل المستحقّ و هو الإمام و ساعيه و الفقيه عند تعذّرهما، و الدافع إلى المستحقّ إمّا المالك أو أحد الأربعة، فإن دفع المالك الزكاة إلى المستحقّ ابتداء و نوى عنده أجزأ قطعا، و إن دفعها إلى أحد الأربعة و نوى عند الدفع اليه و نوى المدفوع إليه عند الدفع إلى المستحقّ أجزأ أيضا، بل هو الأفضل. و إن اقتصر على نيّة أحدهما فإن كان الناوي هو المالك عند الدفع إلى أحدهم ففي الاجتزاء به قولان، أجودهما ذلك في غير وكيله المختصّ به؛ لأنّ يده كيده، فنيّته عند الدفع إليه كنيّته و هي في يده، و إن كان الناوي هو الدافع إلى المستحقّ ففي الاجتزاء به و جهان أيضا، و الأصحّ: الاجتزاء به مطلقا. و كذا لو لم ينو الدافع إلى المستحقّ و لكن نوى المالك عنده. و في حكم نيّة المالك عند الدفع إلى الإمام نيّة الساعي خاصّة عند الدفع إليه» (1). انتهى.

____________

(1). مسالك الأفهام، ج 1، ص 438- 439.

767

[تتعين النيّة عند الدفع]

قوله (قدّس سرّه): و تتعيّن عند الدفع (و لا يجزئ التقدّم) و لو نوى بعد الدفع لم أستبعد جوازه، و حقيقتها القصد إلى القربة، و (نيّة) الوجوب أو الندب، و كونها زكاة مال أو فطرة (1) (1).

____________

أقول: قد تلخّص ممّا قدّمنا لك أنّ حقيقة النيّة في المقام و غيره من العبادات ليست بعد قصد العنوان إلّا كون الداعي إلى الفعل هو التقرّب به إلى اللّه تعالى من غير اعتبار قصد الوجه؛ لعدم الدليل عليه من عقل أو نقل، بل المشاهد بالعيان و الوجدان حصول الإطاعة و الامتثال في حكم العقلاء بدونه إذا كان هناك عنوان يقصد به- و لو إجمالا- العنوان الذي صار المعنون به مفروضا للحكم بسببه و يشير به إليه؛ إذ مجرّد هذا المقدار يكفي في اختياريّة العنوان المزبور كما يكفي قصد الحكم العارض بسببه.

نعم، هنا شي‌ء آخر لم ننبّه عليه سابقا، و هو أنّه هل يكتفى في النيّة الداعي أو يعتبر الإخطار؟

و هذا الكلام أيضا لا اختصاص له بالمقام، بل يجري في جميع العبادات، ضرورة وحدة حقيقة النيّة بالنسبة إلى الجميع.

و التعرّض لهذا البحث و إن كان له محلّ آخر إلّا أنّ تعرّض شيخنا- دام ظلّه العالي- دعاني إليه.

فنقول: إنّ المشهور بين القدماء بل المتقدّمين و جماعة من المتأخّرين اعتبار‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

768

..........

____________

الإخطار الذي يكون عبارة عن حديث النفس و إحضار العمل عندها في نيّة العبادات، فاعتبروا مقارنة أوّل جزء من العمل له، إلّا في بعض العبادات، كالصوم على قول جماعة منهم، و لم يعتبروا استدامة النيّة بهذا المعنى، بل اكتفوا على مجرّد عدم قصد الخلاف في الأثناء أو ما يقرب إليه، فذكروا أنّه لا تعتبر الاستدامة الحقيقيّة، بل تكفي الاستدامة الحكميّة، و حاصله يرجع إلى أنّ الضرورة قضت بعدم اعتبار استدامة الإخطار و إن كان مقتضى القاعدة اعتباره نظرا إلى عدم إمكان اقتران جميع أجزاء العمل بالإخطار.

و الذي يقتضيه التحقيق وفاقا للمحقّقين عدم اعتباره بالمعنى الذي ذكروه و كفاية الداعي؛ إذ المشاهد بالعيان و الوجدان حصول الامتثال في حكم العقلاء بدون إخطار العمل، و ليس هناك ما يدلّ على اعتبار أمر زائد في الامتثال عند الشارع، و كون طريقه في باب الإطاعة وراء طريقة العقلاء قطعا و لم يدّعه أحد؛ إذ دعوى ظهور ما دلّ (1) على نفي العمل عمّا لا يكون مقرونا بالنيّة من الأخبار فيه كما ترى.

و دعوى أنّه لا إشكال في اعتبار اختياريّة الفعل- في حكم الفضلاء- في حصول الإطاعة و الامتثال كما مرّت الإشارة إليه مرارا، و لا يمكن أن يكون الفعل اختياريّا للفاعل بدون قصده و تصوّره و إحضاره في الذهن. بل التحقيق استحالة انفكاك الداعي عن الإخطار و نتيجة هذا اعتبار الإخطار، فكيف يدّعى حصول الإطاعة بدونه، و لا يكتفى به حتّى يدّعى الوجدان عليه، فاسدة؛ لأنّ ما ذكر أخيرا من استحالة تحقّق الداعي بدون الإخطار و إن كان مسلّما عندنا بل لا يرتاب فيه ذو مسكة عند الرجوع إلى حال أفعاله الاختياريّة إلّا أنّه لا يقضي باعتبار اقتران الإخطار لأوّل جزء من العمل؛ لأنّ الذي يلزم عقلا في تحقّق الداعي هو سبق الإخطار، فحينئذ يكفي‌

____________

(1). الكافي، ج 8، ص 234؛ عوالي اللئالي، ج 2، ص 11.

769

..........

____________

الإخطار حين الشروع بمقدّمات الفعل أو إرادة المقدّمات بل قبله مع عدم تخلّل ما هو بحيث يزيل الداعي.

فقد ظهر ممّا ذكرنا فساد ما ذكروه وجها لاعتبار الإخطار.

و الذي يدلّ على ما ذكرنا- مضافا إلى قضاء العقل- أنّ الدليل على اعتباره عندهم- على ما يفصح عنه كلماتهم- ليس إلّا ما عرفت من توقّف عنوان الاختيار على إخطار الفعل الاختياري و تصوّره عقلا، و هذا المعنى على تقدير صحّته لا يعقل الفرق فيه بين ابتداء الفعل و وسطه و آخره، و عدم إمكان حصول الإخطار في جميع أجزاء العمل لا يقتضي تخصّص حكم العقل، بل يكشف عن فساد الدعوى المذكورة و استقامة ما ذكرنا، ضرورة وحدة تسمية الاختيار بالنسبة إلى جميع أجزاء العمل، هذا.

و يمكن أن يستدلّ لما ذكرنا أيضا بما دلّ على اعتبار تلبّس العمل بالنيّة، كقوله (عليه السّلام): «لا عمل إلّا بنيّة» (1) و نحوه ممّا دلّ على ما ذكر، ضرورة ظهوره في إيجاد معنى النيّة المعتبر [في] تلبّس تمام العمل به، كما لا يخفى، هذا.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من تسليم توقّف حصول عنوان الاختيار للفعل المتوقّف على الداعي على وجود الإخطار و لو قبل العمل بشرط عدم توسّط الأجنبي المانع لتحقّق العمل بمقتضى الإخطار السابق قد يختفي أمره في بادئ النظر على الأوائل فيمنع لأجله التوقّف الذي تسالمنا عليه، إمّا بمنع قدح الأجنبي و من هنا اتّفقوا على عدم قدح ايجاد المفطر في ليالي شهر رمضان و غيرها ممّا يجب صوم أيّامها أو يريده الإنسان في النيّة السابقة، و إمّا بمنع أصل توقّف تحقّق الداعي على الإخطار في زمان ما، نظرا إلى ما يشاهد من الحكم باعتباريّة الأفعال الموجودة بمقتضى الاعتياد من‌

____________

(1). الكافي، ج 8، ص 234؛ عوالي اللئالي، ج 2، ص 11.

770

..........

____________

غير التفات إليها تفصيلا أصلا فضلا عن إخطارها قبل العمل، كقراءة سورة خاصّة بعد الفاتحة في الصلاة من دون التفات إليها حتّى بعد الفراغ عنها إذا كانت معتادة، فإنّه لا ريب في الحكم بإجزائها و كونها اختياريّا.

و من هنا حكم القائلون بوجوب تعيين البسملة قبل الشروع في السورة بأنّه لو رأى نفسه بعد البسملة على غفلة في سورة اعتادها لم تجب عليه، هذا.

و لكنّك خبير بأنّه مجرّد توهّم؛ لأنّ قدح الأجنبي ممّا لا ينبغي الارتياب فيه؛ لأنّ الاشتباه إنّما هو في تشخيص الأجنبي لا في قدحه؛ لأنّه ضروريّ عند العقل، و ليس إيجاد المفطر في جميع أجزاء الليل أجنبيّا، و إنّما الأجنبي إيجاده في آخر جزئه، و لذا لا يكف الثاني على صوم النهار عنه (1) إلّا بإخطار الصوم، و هكذا. هذا.

و أمّا وجود الفعل بمقتضى الاعتياد فلا يوجب صوم ما ذكرنا؛ لأنّه فيما يكون اختياريّا و لا يكون من سبق اللسان و موجودا بمقتضى العادة لا يعقل انفكاكه عن الداعي و إن لم يكن ملتفتا إليه، و تحقّق الداعي يستحيل انفكاكه عقلا عن الإخطار، فلا بدّ من تحقّق الإخطار و لو بعنوان الإجمال قبل العمل، ضرورة كون الباعث على اعتبار الفعل عنوانا لم يخطر الفاعل أصلا.

هذا بعض الكلام في المطلب، و قد ظهر منه سقوط فرع عدم إجزاء التقدّم على مذهبنا إلّا فيما إذا توسّط الأجنبي.

و أمّا نفي البعد عن جواز النيّة بعد الدفع فيما لم ينو ماله فهو في محلّه جدّا، بل لم نقف على من يظهر منه المخالفة، فالدفع على هذا قد يتحقّق به الزكاة و لا ربط له بأصل حقيقتها، و إنّما هي عبارة عن فعل اختياريّ مشترك بين الالتفات و الإحداث و دفع المال و إيتائه بنيّة الزكاة، و هو الكون في يد المستحقّ مستندا إلى المالك‌

____________

(1). كذا قوله: «و لذا لا يكف ... النهار عنه» في الأصل.

771

..........

____________

المكلّف بها بداعي الزكاة، و من هنا لم يكن إشكال في جواز احتساب الدّين- على ما تقدّم تفصيل القول [فيه]- مع عدم مقارنة النيّة بزمان الدفع فيه بمقتضى الفرض، كما أنّه يظهر منه عدم الفرق في المسألة بين بقاء المال و تلفه في يد المستحقّ إذا كان عالما بالحال؛ لاشتغال ذمّته بالعوض حينئذ.

772

[لا يفتقر إلى نيّة الجنس الذي يخرج منه]

قوله (قدّس سرّه): و لا يفتقر إلى نيّة الجنس الذي يخرج منه (1) (1).

____________

أقول: إطلاق العبارة كما ترى يقتضي عدم الفرق بين اتّحاد محلّ الوجوب و تعدّده، و اتّحاد نوع الحقّ و عدمه كنصاب من النقدين و واحد من النعم. هذا إذا لم يلاحظ القيمة و الماليّة أو قلنا بعدم جواز دفع القيمة و إلّا فلا اختلاف أصلا كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المسألة بإطلاقها محلّ إجماع ظاهرا كما ادّعاه العلّامة في محكيّ المنتهى (2)، و إن علّلوه بأنّ الاختلاف في زكاة المال بين الأجناس إنّما يرجع إلى الاختلاف من حيث الصنف بخلاف تغاير زكاة المال و الفطرة، فإنّه يرجع إلى الاختلاف من حيث النوع. و من هنا اعتبروا التعيين من جهة.

ثمّ بعد البناء على عدم اعتبار التعيين، فإن عيّن فلا إشكال، و إن لم يعيّن فهل يحكم بالتوزيع كما اختاره في محكيّ البيان (3) و في فوائد الشرائع (4)، و استجوده في المسالك (5)، أو التخيير و أنّ له صرفه إلى ما شاء، كما اختاره في محكيّ التذكرة (6)؟

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 516.

(3). البيان، ص 201.

(4). فوائد الشرائع، ج 1، ص 251؛ حكاه الجواهر، ج 15، ص 481.

(5). مسالك الأفهام، ج 1، ص 440.

(6). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 329.

773

..........

____________

و توضيح الكلام بحيث يرفع القناع عن وجه المقصود في المقام و ينفع في غيره من المقامات يتوقّف على تقديم مقدّمة شريفة، و هي أنّه كلّما فرض هناك شي‌ء منتسب إلى شيئين تكون نسبتهما إليه على حدّ سواء من غير فرق بين أن يكون من مقولة السبب بالنسبة إليه كما في العقدين الواقعين في زمان واحد على شي‌ء إذا فرض تسويتهما من حيث الافتقار، سواء كانا بيعين أو نكاحين أو غيرهما، أو لا كما في المقام و أشباهه و فرض عدم ترجيح في البين بحيث يكون الترجيح من الترجيح بلا مرجّح، يوجد فيه احتمالات أربعة بحسب العقل لا خامس لها إلّا في المقام كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى:

أحدها: البطلان.

ثانيها: الرجوع إلى القرعة.

ثالثها: التخيير.

رابعها: التوزيع.

فهذه الاحتمالات كما ترى تجري بحسب العقل في كلّ مورد يكون من مقولة الفرض و إن لم يجر بعضها في بعض المقامات من جهة خصوصيّة فيه أو قيام الدليل من الخارج على عدم جريانه فيه، كما في العقدين الواقعين على أمر واحد، فإنّه لا يحتمل فيه التوزيع كما لا يحتمل التخيير أيضا، و هكذا. و يكون مقتضى القاعدة في بعض مقام غيره في مقام آخر، فإنّ مقتضى القاعدة في البيعين الواقعين على مال واحد من الوكيل و الموكّل: البطلان.

إذا عرفت ما مهّدنا لك، فنقول: بعد ما قام الدليل على نفي الاحتمال الأوّل في المقام و لم يجر الاحتمال الثاني من جهة أنّ التمسّك بعمومات القرعة من جهة وهنها يحتاج إلى جبره بعمل جماعة من الأصحاب، و لم نقف على من قال بالقرعة في المقام، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين اللّذين ذهب إلى كلّ واحد منها فريق.

774

..........

____________

و الذي يقتضيه التحقيق في الدوران بينهما في المقام و أشباهه الاحتمال الأخير، فإنّ التخيير و ثبوت حقّ للغير على سبيل الإبهام في الواقع و إن كان أمرا ممكنا بل واقعا في التشريع كما في باب العتق كما إذا أعتق أحد عبيده، و غيره، إلّا أنّ الحكم بالرجوع يحتاج إلى دليل؛ لأنّ أصل تعلّق الحقّ بالمبهم خلاف القاعدة و في غاية البعد عن هذا في الشرع، ضرورة أنّ لازم القول بالتخيير كون حقّ الفقراء مبهما، و إذا ثبت من كون التخيير خلاف القاعدة في المقام و أشباهه و فرضنا عن الكلّ احتمال البطلان و الرجوع إلى القرعة قبيح ما ذكرنا من التوزيع بعد كون تسويتهما و بطلان الترجيح بلا مرجّح مسلّما و مفروضا، فإنّ المفروض أنّ مال المدفوع نسبته إلى النصابين على نهج سواء، و لا مزيّة لأحدهما على الآخر لمزيّة من المزايا فيحكم بتسوية اقتضاء كلّ منهما، و لازمه الحكم بالتوزيع، هذا.

فإن قلت: إنّ مقتضى كلّ من النصابين كخمس من الإبل و أربعين من الشياه هي الشاة بمقتضى ظاهر الأدلّة لا نصفها، و لذا لو أعطى جزءا من الشاة لامتثال الأمر بالزكاة لم تبرأ ذمّته بالنسبة جزما، فالحكم بالتوزيع بالنظر إلى النصابين طرح لها حقيقة، فتعيّن إذا التخيير؛ لأنّه عمل بمقتضى أحد النصابين لا محالة، سلّمنا كون التوزيع نحوا من العمل بمقتضى النصابين كالعمل بالبيّنتين المتعارضتين على هذا الوجه لكنّه ليس راجحا على التخيير إن لم يكن مرجوحا بالنسبة إليه.

و أمّا كون التخيير مرجوحا فيما مثّلنا لك من البيّنتين المتعارضتين فإنّما هو من جهة عدم ارتفاع الخصومة به و إن كان مساويا للنقص بالنظر إلى أصل دليل اعتبار البيّنتين، و كيف كان لا يقاس المقام به.

قلت: نمنع من اقتضاء دليل النصاب ما ذكرته، فإن مقتضاه أنّ مقدار ماليّة الشاة يتعلّق بالعين، و أمّا أنّه لا بدّ من أن يدفع دفعة فلا، و من هنا لا يأبى من القول بحصول براءة الذمة فيما أعطى فقيرا نصفا من الشاة و آخر نصفها الآخر، أو أعطى فقيرا نصفين‌

775

..........

____________

من الشاتين سواء كانا مختصّين به أو مشاعين بينه و بين غيره، فتدبّر.

و أمّا دعوى كون التخيير مساويا للتوزيع ففيها ما عرفت من أنّ التخيير في المقام يوجب تعلّق حقّ الغير بالمبهم الذي هو خلاف القاعدة، و هذا بخلاف التوزيع فإنّه مقتضى المقدّمات المزبورة جدّا، لا إشكال في انتقال الفرض إلى الكسر فيما تلف بعض النصاب قبل التمكّن من الأداء.

ثمّ إنّه تظهر الثمرة بين الوجهين فيما لو تلف أحد النصابين بعد إخراج شاة بالعنوان المبحوث عنه مع عدم إمكان إخراج شاة اخرى لعدم المستحقّ مثلا، فإنّه على التخيير لو عيّن المدفوع من التالف تكون عليه شاة اخرى، و إن عيّنها من الباقي فليس عليه شي‌ء؛ لأنّ تلف التالف من التلف قبل التمكّن من الأداء. و هكذا فيما تلف بعض النصاب في الفرض، فإنّه على التخيير ليس عليه بنسبة التالف من النصاب إن عيّن المدفوع للباقي؛ لما عرفت، و على التوزيع عليه نصف شاة اخرى؛ لأنّ المدفوع نصفه من التالف و نصفه من الباقي فقد تلف التالف [و] يكون النصف المعلّق على الباقي باقيا و في عهدته، هذا.

ثمّ إنّه قد احتمل قويّا بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب وجها آخر، و هو جعل النصابين المنصّفين للشاتين بمنزلة نصاب واحد منصّف للشاتين كعشر من الإبل مثلا، حيث قال ما هذا لفظه: «و يحتمل قويّا كون الحاصل من سببي الوجوب مثلا كالحاصل من السبب الواحد الذي يوجب التعدّد [و] كأفراد الدّين الواحد، ففي صورة وجوب الشاتين عليه لخمس من الإبل و أربعين من الغنم لو أدّى شاة عن أحدهما و لم يتمكّن من إخراج الثانية لتعذّر المصرف أو غيره بتلف أحد النصابين سقط عنه الشاة الاخرى و إن لم يعيّن المدفوعة عن الموجود، ضرورة اعتبار التمكّن من كلّ النصابين في وجوب كلّ من الشاتين إلى حال الإخراج، فتلف أحدهما مسقط‌

776

..........

____________

لأحدهما، و لو اختلفت القيمة خيّر فيما بقي عليه، إلى غير ذلك من الأحكام التي لا يخفى عليك جريانها، فتأمّل جيّدا، أو يدّعى وجوب التعيين مع اختلاف الثمرات إذا لم يكن يؤدّي الجميع دفعة» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى؛ إذ هو مخالف جدّا لظاهر ما دلّ على سببيّة كلّ من النصابين بانفراده، هذا، مع أنّ لازم جعل السببين منزلة السبب الواحد عدم تصوّر قصد التعيين، فلعلّ أمره (قدّس سرّه) بالتأمّل إشارة إلى ما ذكر.

و أمّا ما التزم به أخيرا من وجوب التعيين مع اختلاف الثمرات فهو أيضا مخالف لما هو الأمر عليه من عدم وجوب التعيين على الإطلاق، و حمله على صورة عدم اختلاف الثمرة كما ترى.

هذا بعض الكلام في المقام، و إن أردت شرح القول فيه فاستمع لما يتلى عليك.

فنقول: إنّ تصوير المسألة من ملاحظة النصابين و المسبّب عنهما لا يخلو عن وجوه ثلاثة يتفرّع على كلّ منها أحد الأقوال المتقدّمة في المسألة:

أحدها: أنّ سبب كلّ واحد من الشاتين مثلا إلى كلّ واحد من السببين.

ثانيها: أنّ سبب مجموع الشاتين إلى كلّ واحد من السببين.

ثالثها: أنّ سبب مجموع الشاتين إلى مجموع النصابين.

و لازم الأوّل التخيير، و الثاني التوزيع، و الثالث ما أفاده شيخنا المتقدّم ذكره.

فيقال في توضيح الوجه الأوّل: إنّ مقتضى الدليل كون أربعين شاة مثلا سببا لشاة فيها فيكون حقّ المستحقّين للزكاة جزءا من أربعين شاة، و لذا تملّك خمس من الإبل سبب تعلّق حقّهم بجزء منها تكون ماليّتها مقدار ماليّة شاة واحدة، فكلّ واحد‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 481.

777

..........

____________

من النصابين سببا تامّا في نفسه، فكما أنّ المحلّ المشغول للزكاة معه كذلك الزكاة متعدّدة (1)، و لازمه أنّه لو دفع من عليه شاتان شاة من غير تعيين أنّه لأربعين شاة أو لخمس من الإبل و فرضنا الفراغ عن إبطال احتمال البطلان و القرعة أن يكون مخيّرا بعد الدفع؛ لأنّه قد دفع على هذا أحد المسبّبين لأحد السببين، و هي شاة، فإنّه جزء لأربعين شاة أو لخمس من الإبل، فيكون مدفوعه مردّدا بينهما، فكما أنّ للمالك التعيين ابتداء فكذلك ثابت له استدامة لو لم يعيّن من أوّل الأمر، فهذا أشبه شي‌ء بما إذا دفع المديون للدائنين بعشرة من كلّ منهما إلى وكيل واحد منهما في استيفاء الدّين عشرة و لم يعيّنها أنّها لأيّ الموكّلين أو لهما معا، فإنّه لا يحتمل التوزيع في الفرض، بل لا بدّ إمّا من الحكم بالبطلان كما هو الوجه، أو التخيير.

و هذا الوجه كما ترى لا مبعد له إلّا ما عرفت من كون تعلّق الحقّ و الملك بالمبهم خلاف القاعدة و الأصل.

و يقال في توضيح الوجه المختار: إنّ السببين و إن كانا متعدّدين و مسبّبهما متعدّدا أيضا فيقتضي أحدهما شاة مثلا، و الآخر شاة اخرى، إلّا أنّ التغاير بينهما إنّما هو بوصف الاخرويّة ليس إلّا؛ لأنّ تعدّد السبب لا يقتضي أزيد منه، كما أنّ الدّينين من الدائن الواحد بسبب تعدّد العقد لا يصيران متعدّدين و متغايرين زائدا على المعنى الذي ذكرناه، و من هنا لو اشترى شخص أوّلا عبدا مثلا بعشرة ثمّ اشترى حمارا مثلا بعشرة أيضا مع اتّحاد البائع و دفع العشرة يوزّع على المثمنين فتبقى [في] ذمّته عشرة، خمسة من ثمن العبد و خمسة من ثمن الحمار مع تعدّد السبب فيه بالفرض، و إن كان الحكم بالتغاير أزيد ممّا ذكرنا لا يجدي في الفرض.

نعم، لو كان لأحد الدّينين رهن مثلا، أشكل الحكم فيه بما عرفت. و مقتضى هذا‌

____________

(1). كذا قوله: «فكما أنّ المحل ... متعدّدة» في الأصل.

778

..........

____________

كما ترى بعد الفراغ عن إبطال احتمال البطلان و القرعة هو التوزيع.

و يقال في توضيح الوجه الثالث الذي جنح إليه شيخنا (1) المتقدّم ذكره: إنّ قضيّة ظاهر الأدلّة و إن كانت تعدّد السبب و المسبّب إلّا أنّ التأمّل فيها يقضي بعدم إرادة هذا المعنى الظاهر فيها بعد وحدة المستحقّ و أنّ المقصود فيها استحقاق شاتين لمستحقّي الزكاة عند تملّك أربعين شاة و خمس إبل كاستحقاقهم لهما عند تملّك النصاب الثاني في الغنم أو الإبل من غير فرق بينهما في عالم اللبّ، و لازم هذا كما ترى هو الحكم بملاحظة السبب و المسبّب مجموع الأمرين، فإذا تلف- في الفرض الذي عرفته في بيان الثمرة بين الوجهين السابقين- أحد النصابين، سقط عنه الشاة الاخرى، و لم يكن عليه شي‌ء بعده، هذا.

و لكنّك قد عرفت أنّه لا محصّل لهذا الكلام بعد ظهور الثمرة و فرضنا الأدلّة بتعدّد السبب بل المسبّب بالمعنى الذي عرفته، هذا.

ثمّ إنّه قد يقاس بالمقام في الحكم بالتخيير ما لو كانت على أحد صلاتان لشخصين بالإجارة أو بغيرها، فأدّى صلاة من غير تعيين، فإنّه على التخيير له التعيين بعد ذلك، و على التوزيع توزّع بشرط القابليّة، و ما لو كان عليه قضاء لشهري رمضان فصام بلا تعيين ثمّ أراده بعد ذلك تخلّفا من كفّارة رمضان المقبل، و نحوهما من الفروض.

و لكنّك خبير بما فيه؛ لأنّ المتعيّن في الفرع الأوّل الحكم بالبطلان؛ لأنّ جعل الشخص نفسه نائبا عن الغير بالنيّة في العبادة عنه من مقوّمات العبادة، فلا معنى لانعقادها بدون التنزيل، فعلى هذا لو كان شخص أجيرا للصلاة لجماعة على الترتيب ثمّ نسي الترتيب فلا بدّ أن ينوي النيابة للجميع، و لا يكفي الإتيان بقصد القربة المحضة‌

____________

(1). أي صاحب الجواهر في كلامه المتقدّم.

779

..........

____________

بدون قصد النيابة، و طريق قصدها أن ينوي الصلاة أوّلا لمن لا يسبقه أحد في اشتغال ذمّته بالصلاة عنه ثمّ ينوي الصلاة لمن لا يسبقه بعد الأوّل، و هكذا. و هذا طريق قصد النيابة، و أمّا لو كان مقدار بعض الأعمال و هي الصلاة (1)، أو كلّها غير معلوم له من جهة نسيانه فالتكلّم فيه لا ربط له بمحلّ البحث فيرجع إمّا إلى قاعدة الشغل أو البراءة، و في الثاني (2) عدم الكفّارة على الإطلاق و إن عيّنه للسنة السابقة، و اللّه أعلم.

____________

(1). كذا قوله: «و هي الصلاة» في الأصل».

(2). أي المتعيّن في الفرع الثاني.

780

[فروع]

[الترديد في النيّة]

قوله (قدّس سرّه): فروع: لو قال: إن كان مالي الغائب باقيا فهذه زكاته، و إن كان تالفا فهي نافلة، صحّ. و لا كذا لو قال: أو نافلة (1) (1).

____________

أقول: أمّا الصحّة في المسألة الاولى فهي ممّا لا خلاف فيه بينهم، بل عن الشيخ (2) دعوى الإجماع عليه، و في محكيّ فوائد الشرائع (3): لا مانع من صحّته بوجه من الوجوه.

و أمّا عدم الصحّة في الثانية فهو أيضا ممّا لا خلاف فيه ظاهرا.

إنّما الكلام في وجه الفرق بين المسألتين، فقد وجّهوه بما ينطبق على القاعدة من خلوّ الاولى من الترديد في النيّة، بخلاف الثانية، فإنّ لها الترديد في النيّة، أمّا الترديد في النيّة في الثانية فظاهر، و أمّا عدمه في الاولى لأنّ الزكاة إنّما قصد على تقدير بقاء المال، فهي على هذا التقدير مقصودة و إن كان نفس المقدّر غير معلوم، و إن كان مقتضى الاستصحاب تردّده، إلّا أنّه لا يحتاج إليه بعد عدم ترديد في النيّة كما أنّ النفل قصد على تقدير تلفه، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ الفرق بين المسألتين إنّما هو بحسب صورة النيّة، و إلّا فعند التحقيق و اللبّ لا فرق بين المسألتين، فالفارق إنّما هو إطباقهم على قدح الترديد‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

(2). المبسوط، ج 1، ص 232.

(3). فوائد الشرائع، ج 1، ص 274- 275؛ حكاه الجواهر، ج 15، ص 479.

781

..........

____________

الصوري في العبادة، بل في المعاملة، بل الأمر في المعاملات أضيق عندهم من الأمر في العبادات، و لذا لا يكتفون بالإنشاء إذا كان من قبيل النيّة في المسألة الاولى.

و كيف كان الفارق لا بدّ من أن يكون هو الإجماع، و من هنا اتّفقت كلمة الأكثر على فساد صوم يوم الشكّ إذا نواه من رمضان أو شعبان دون ما إذا نواه من رمضان على تقدير كونه أوّل الهلال و من شعبان على تقدير كونه آخر الشهر.

و أمّا حكم بعضهم بالفساد في الفرض الثاني أيضا فإنّما هو من [جهة] ورود بعض الأخبار الظاهرة فيه، مثل ما ورد من: «إنّا امرنا في يوم الشكّ أن نصوم من شعبان و نهينا أن نصوم من رمضان» (1) و إن كان المختار عندنا كفاية الصوم بقصد القربة المطلقة، وفاقا لجماعة من المتأخّرين، كما أنّ التحقيق في المقام بناء على ما اخترناه في النيّة من كفاية الداعي صحّة الزكاة كلّما كان الداعي للدفع إيتاء الزكاة، هذا.

و لقد أجاد بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب حيث قال بعد ذكر الفرق بين المسألتين ما هذا لفظه: «و التحقيق أنّ هذا و إن كان ترديدا لكن بعد الإجماع المزبور عليه و شدّة الحاجة إليه في كثير من المقامات و ثبوت شرعيّته في الفائتة المجهولة و في ركعات الاحتياط، بل و في كثير من موارد الاحتياط، لا مناص من القول به مع الاضطرار دون الاختيار، كما صرّح به في المسالك (2)، بخلاف الصورة الاخرى التي لا دليل على صحّتها، بل ما دلّ على اعتبار النيّة يقتضي العدم؛ ضرورة منافاة الترديد‌

____________

(1). عن محمد بن شهاب الأزهري قال: «سمعت علي بن الحسين (عليه السّلام) يقول: يوم الشك أمرنا بصيامه و نهينا عنه أمرنا أن يصومه الانسان على أنّه من شعبان و نهينا عنه أن يصومه على أنّه من شهر رمضان و هو لم ير الهلال». الاستبصار، ج 2، ص 80؛ التهذيب، ج 4، ص 164 و 183- 184؛ الوسائل، ج 9، ص 27.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 440.

782

..........

____________

للجزم المتوقّف عليه صدق امتثال الأمر المخصوص، فإنّ حاصلها الترديد بين الزكاة و النفل على تقدير واحد، و هو بقاء المال، كما هو واضح» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى و إن كان محلّ مناقشة من وجوه إلّا أنّه مطابق للمختار في الجملة، و اللّه العالم.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 479- 480.

783

[الترديد في نيّة الجنس]

قوله (قدّس سرّه): و لو كان له مالان متساويان حاضر و غائب فأخرج زكاة و نواها عن أحدهما أجزأته (1) (1).

____________

أقول: الفرق بين هذه المسألة و ما تقدّم من حكمه بعدم الافتقار [إلى] نيّة الجنس، هو أنّ مفروض الكلام في هذه المسألة فيما إذا قصد عدم التعيين [و] في المسألة السابقة فيما إذا لم يقصد التعيين و لا خلافه، فالمسألتان و إن كانتا مشتركتين في الخلوّ عن قصد التعيين إلّا أنّ الثانية مفروضة فيما إذا قصد الخلاف، فكلامه فيها مسوق للترقّي عن حكمه بعدم الافتقار إلى قصد التعيين في تلك المسألة.

نعم، كلامه في هذه المسألة ربما يكون له ظهور في الحكم بالتخيير، و في تلك المسألة لا ظهور له في شي‌ء من الوجوه المتقدّمة، و إنّما هو مسوق لبيان الحكم بعدم اعتبار قصد التعيين و الحكم بالصحّة مع عدمه.

و يمكن أن يكون كلامه في هذه المسألة أيضا- وفاقا للبيان- الحكم بالصحّة مع قصد الخلاف من غير أن يكون نظره إلى شي‌ء آخر، هذا.

و الذي يقتضيه التحقيق في حكم المسألة هو ما تقدّم في المسألة الاولى؛ لأنّ الحكم الشرعي ليس تابعا لقصد المكلّف في المقام، فإنّ ما ذكرنا من الدليل للتوزيع آت فيها بعينه، و إن أمكن الفرق بين المسألتين بالحكم بالتوزيع في الاولى و التخيير في الثانية متابعة لقصد الآتي، فتدبّر.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

784

[لو نوى عن مال يرجو وصوله إليه]

قوله: و لو نوى عن مال يرجو وصوله إليه لم يجزئ (1) (1).

____________

أقول: وجه عدم الإجزاء في مفروض المسألة في كلام المصنّف واضح؛ لعدم أمر على كلّ تقدير حتّى نفرض امتثاله.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

785

[لو لم ينو ربّ المال]

قوله: و لو لم ينو ربّ المال و نوى الساعي أو الإمام (عليه السّلام) (1) (1).

____________

أقول: قد تقدّم الكلام في المسألة، و حاصله عدم الإشكال فيما لو أخذ الإمام أو الساعي أو المجتهد الزكاة كرها و فيما لو أخذوه بعنوان التوكيل، و الإشكال فيما لو أخذه الإمام (عليه السّلام) بأحد العنوانين، بل بعنوان الولاية من جانب المالك.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 128.

786

القسم الثاني في زكاة الفطرة: [و أركانها أربعة]

[الأول في من تجب عليه]

[تجب الفطرة بشروط ثلاثة:]

[الأوّل: التكليف]

[تجب الفطرة بشرط التكليف] قوله (قدّس سرّه): القسم الثاني: في زكاة الفطرة. و أركانها أربعة:

الأوّل: فيمن تجب عليه.

تجب الفطرة بشروط ثلاثة:

الأوّل: التكليف، فلا تجب على الصبيّ و لا على المجنون، و لا على من أهل شوّال و هو مغمى عليه (1) (1).

____________

أقول: أمّا وجوب الفطرة فهو ممّا يدلّ عليه الأدلّة الثلاثة.

أمّا الإجماع فيظهر لمن راجع كتب الأصحاب، بل لم يخالف فيه من العامّة إلّا بعض سادتهم.

أمّا الكتاب فيدلّ عليه منه قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى* وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى (2)، و قد نصّ الصادق على أنّ المراد بالزكاة هنا زكاة الفطرة، روى ذلك أبو بصير و زرارة، قالا: «قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إنّما من تمام الصوم إعطاء الزكاة- يعني الفطرة- كما أنّ الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من تمام الصلاة، لأنّه من صام و لم يؤدّ الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمّدا، و لا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لأنّ اللّه عزّ و جلّ بدأ بها قبل الصلاة فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى* وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى (3)».

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). الأعلى (87): 14- 15.

(3). الفقيه، ج 2، ص 183؛ الاستبصار، ج 1، ص 343؛ التهذيب، ج 2، ص 159، ج 4، ص 109؛ الوسائل، ج 6، ص 407، ج 9، ص 318.

787

..........

____________

و أمّا السنّة فأكثر من أن يذكر و سيتلى عليك أكثر ما في مطاوي المسائل الآتية.

ثمّ إنّ الفطرة هنا إمّا بمعنى الخلقة أو الدين و الإسلام، أو الفطر من الصوم. و الكلّ مناسب. و المعنى على الأوّل زكاة الخلقة أي البدن، و على الثاني زكاة الدين و الإسلام، و على الثالث زكاة الفطرة من الصيام، و لكلّ شاهد من الأخبار [و] الظاهر أنّ الإضافة يناسبه.

و أمّا اشتراط التكليف في الوجوب و نفيه عن غير المكلّف فيدلّ عليه- مضافا إلى الإجماع و غيره- ما رواه الكليني- في الصحيح- عن محمّد بن القاسم بن الفضيل البصري: «قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) أسأله عن الوصيّ [أ] يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ فكتب (عليه السّلام): لا زكاة على يتيم» (1) و غيره، فأصل انتفاء وجوب الزكاة عن غير المكلّف ممّا لا إشكال فيه، إنّما الإشكال في موضعين:

أحدهما: في أنّ انتفاء الزكاة هل يكون مختصّا بزكاة نفسه فيجب على الوليّ أن يعطي الفطرة من عياله أو ... (2) و زكاة ماله.

ثانيهما: أنّ الإغماء هل هو مساو للصبا و الجنون على الإطلاق، أو قد يكون بينهما فرق في الجملة؟

أمّا الكلام في الموضع الأوّل فحاصله بعد الفراغ عن عدم كون الزكاة عن العبد و عن الحيوانات أنّ قضيّة كلمات الأصحاب و إن كان انتفاء التكليف عن غير المكلّف مطلقا إلّا أنّ مبنى الإشكال في أنّ الحكم الوضعي في المقام تابع للحكم التكليفي، فكلّ من لا يتوجّه إليه تكليف فلا زكاة عليه، أو أنّ الأمر بالعكس، فلا يدلّ انتفاء الحكم التكليفي على انتفاء الحكم الوضعي؛ لأنّ التبعية إنّما هي في المورد القابل له،

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 541، ج 4، ص 172. و كذا في الفقيه، ج 2، ص 177؛ التهذيب، ج 4، ص 334؛ الوسائل، ج 9، ص 84 و 326. (مع اختلاف في بعضها).

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

788

..........

____________

فإذا لم يكن فلا يتوجّه تكليف، فتكون الزكاة إذا مستقرّة في عهدة الصغير مثلا، فيكلّف الوليّ بالإخراج؟ لا إشكال في أنّ مقتضى قوله (عليه السّلام): «لا زكاة على يتيم» هو نفي الزكاة عن اليتيم مطلقا، و إن كان مورد السؤال الزكاة عن نفسه، فإنّ ظاهره أنّ انتفاء الزكاة عنه من جهة كونه يتيما غير قابل للتكليف، هذا.

مع أنّ قضيّة الأصل هو نفيها عنه على الإطلاق، كما لا يخفى، هذا.

و قد يقال بالثاني؛ نظرا إلى منع ظهور الرواية صدرا إلّا في نفي زكاة نفسه؛ لأنّه المنساق منها، و ظهورها ذيلا في ثبوت الزكاة عليهم بالنسبة إلى من يعولون به حيث قال فيها: « (و) عن المملوك يموت [عنه] مولاه و هو عنه غائب في بلد آخر و في يده مال لمولاه و يحضر الفطر أ يزكّي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى؟ فقال:

نعم» (1).

هذا، مضافا إلى ما يستفاد من الأخبار من أنّ الزكاة تابعة للإنفاق، فكما أنّ النفقة لا تسقط عنهم كذلك الزكاة لا تسقط عنهم أيضا.

و إلى ما ذكروا- كما ستقف عليه مفصّلا- من وجوب الزكاة على العيال إذا كان المعيل فقيرا، حيث إنّه يدلّ على أنّ زكاة العيال ليست تابعة للحكم التكليفي المتوجّه على المعيل كزكاة نفسه، بل هي شي‌ء لا بدّ منها، فلا بدّ أن يخرج من مال المعيل إن كان غنيّا، و إلّا فيكلّف به العيال مع ضمانه.

و إلى ما دلّ (2) من الأخبار- التي ستمرّ عليك في طيّ المباحث الآتية- على‌

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 180؛ الوسائل، ج 9، ص 326.

(2). في حديث عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السّلام): «الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو انثى أو صغير أو كبير حرّ أو مملوك». الكافي، ج 4، ص 173؛ الفقيه، ج 2، ص 178؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 327. و كذا مثله عن غيره في: الاستبصار، ج 2، ص 42 و 47- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 75 و 81- 82 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 330 و 335 و 339.