كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
789

..........

____________

وجوب الفطرة على كلّ إنسان من صغير أو كبير، حرّ أو مملوك، فإنّ المراد من الوجوب فيه ليس معناه الظاهر جدّا. و جعل كلمة «على» بمعنى «عن» كما صنعه بعض كما ترى، فلا بدّ من أن يتصرّف فيه، و يجعل المراد منه الثبوت في عهدة كلّ إنسان، بمعنى أنّ كلّ إنسان فيه مقتضي الزكاة من جهة كونها ناجية له عن المهالك و مطهّرة له عن الأوساخ.

و إذا ضممت ذلك إلى ما دلّ على نفي الزكاة عن اليتيم الظاهر في نفي الزكاة [عنه] و إلى ما دلّ على أنّ زكاة العيال على المعيل، فلا مناص لك من التفصيل بين زكاة نفسه و زكاة عياله، هذا، و سيجي‌ء مزيد بيان لذلك إن شاء اللّه تعالى.

و إلى ما دلّ (1) من الأخبار على استحباب إدارة الزكاة على العيال فيما كان المعيل و العيال فقيرين، و ستقف عليه، فإنّه يدلّ أيضا على ما ذكرنا من عدم تبعيّة وجوب زكاة العيال للحكم التكليفي، كما لا يخفى، هذا.

و لكنّ الحقّ ما ذهب إليه المشهور من نفي الزكاة عمّن نفاها عنهم المصنّف.

ثمّ إنّه تظهر الثمرة بين كون تعلّق الزكاة بالمعنى تابعة لزكاة نفسه و بين كونها غير تابعة لها هل هي من توابع الإنفاق على العيال فهي زكاة له يتحمّلها المعيل فيما لو كان العيال هاشميّا و المعيل غير هاشميّ، فعلى الأوّل لا يجوز دفع زكاة العيال إلى الهاشمي، و على الثاني يجوز.

و تظهر الثمرة في عكس الفرض فيكون الحكم بالعكس، هذا.

و لكن سيجي‌ء التأمّل في صحّة هذه الثمرة، و أنّه على القول الأوّل أيضا لا يجوز أن يدفع الهاشمي زكاة عياله الغير الهاشمي إلى الهاشمي؛ لأنّها وسخته، و إن كان‌

____________

(1). راجع الوسائل، ج 9، ص 324- 325.

790

..........

____________

المأمور بالدفع الهاشمي أصالة أيضا.

هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل، و أمّا الكلام في الموضع الثاني فحاصل القول فيه إنّ ظاهر الأصحاب الإطباق على إلحاق الإغماء بالجنون مطلقا، فلا فرق بين عروضه في بعض الوقت أو تمامه كالجنون.

و خالف فيه صاحب المدارك فاستشكل فيما [لو] لم يستوعب الوقت، مع اعترافه بأنّه ممّا اتّفق عليه الأصحاب حيث قال: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و قد ذكره العلّامة (1) و غيره مجرّدا عن الدليل، و هو مشكل على إطلاقه.

نعم، لو كان الإغماء مستوعبا لوقت الوجوب اتّجه ذلك» (2). انتهى كلامه.

و لكنّك خبير بما ذهب إليه الأصحاب، و أنّ ما ذكروه ليس خاليا عن الدليل، و لتوضيح ذلك نقدّم مقدّمة.

فنقول: إنّه إذا كان السبب لوجوب شي‌ء الزمان أو ما يلازمه فقد يكون كلّ جزء منه سببا له، فيكون إذا أجزاء الزمان سببا للوجوب و وقتا للواجب أيضا، كسببيّة الزوال لوجوب الصلاة مثلا، فإنّ كلّ جزء من أجزاء وقت الصلاة سبب لوجوبها على المكلّف، و من هنا لا يفرّق بين اجتماع شرائط التكليف في أوّل الوقت أو وسطه أو آخره، و لذا يجب على [من] صار بالغا في وسط الوقت مثلا، و قد يكون الجزء الأوّل منه سببا دون سائر الأجزاء، و إنّما يكون أوقاتا للفعل الواجب سواء كان الوقت مؤخّرا عن السبب أو متّصلا به و سواء كان الوجوب مقارنا للوقت أو مقدّما عليه حاصلا عند وجود السبب كما هو [أحد] الاحتمالين في قول من ذهب إلى أنّ وقت وجوب الزكاة‌

____________

(1). قواعد الأحكام، ج 1، ص 357؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 368؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 419؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 434.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 308.

791

..........

____________

طلوع الفجر الصادق إلى الزوال، كما ستقف على تفصيله إن شاء اللّه تعالى، و ما التزم به الجلّ أو الكلّ في موارد كثيرة على ما التزم به بعض و يقتضيه التحقيق.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مستند إشكاله (قدّس سرّه) لا يخلو من أحد الأمرين:

أحدهما: أن نقول بأنّ كلّ جزء من أجزاء الوقت سبب للوجوب في المقام، فإذا وجد الشرائط في جزء منه فيحكم بوجوب الزكاة، و هذا فاسد من وجهين:

أحدهما: ما نطقت به كلمات الأصحاب- حتّى كلامه فيما سيأتي- و تقتضيه الأدلّة من أنّ السبب في المقام هو الجزء الأوّل من الوقت، سواء قلنا بأنّ السبب هو الهلال كما ادّعي الإجماع عليه فيما سيجي‌ء، أو طلوع الفجر عند من يقول بكونه وقت الوجوب إلى الزوال، كما استظهره جماعة من القائلين بهذا القول عن الشيخ (رحمه اللّه).

و كيف ما كان لا معنى لهذا الكلام.

ثانيهما: أنّ مقتضى ما ذكر عدم الفرق بين الجنون و الإغماء، فإذا صار المجنون مفيقا في بعض أجزاء الوقت فيجب عليه الزكاة مع أنّه فرق بينهما.

ثانيهما: ما ذكره (1)- تبعا لشيخه الأردبيلي (2) في غير موضع- من الإشكال في إلحاق الإغماء بالجنون في أبواب العبادات مثل الصوم و غيره، و كونه ملحقا بالنوم على خلاف ما جزم به الأصحاب، هذا، مع أنّا فرغنا عن إبطاله في باب الصوم و غيره فإنّ منع الصائم عن دخول الحمّام بعنوان الكراهة لخوف عروض العتوه دليل على مانعيّة الصوم، كما أنّ المنع من جلوس المرأة الصائمة في الماء بهذا العنوان خوفا من دخول الماء في جوفها، دليل على كون إدخال الماء في الجوف مبطلا للصوم.

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 16.

(2). راجع مجمع الفائدة، ج 5، ص 348. و فيه تصريح على: «أنّ الإغماء كالجنون، لعدم العقل الذي هو مدار التكليف».

792

..........

____________

و القول بأنّ النهي إنّما هو من جهة عروض الضعف في الحمّام كما ترى مناف لفرقه بين استيعاب الإغماء للوقت و عدمه، فإنّ مقتضى كونه كالنوم عدم الفرق بينهما جدّا.

هذا بعض الكلام في الشرط الأوّل، و قوله: «و لا على من أهلّ شوّال» (1) بحمل البناء للفاعل و المفعول، و الظاهر أنّ كلّا منهما صحيح.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

793

[الثاني الحرية]

[تجب الفطرة بشرط الحرّيّة] قوله (قدّس سرّه): الثاني: الحرّية، فلا تجب على المملوك و لو قيل: يملك (1) (1).

____________

أقول: أمّا اشتراط الحرّيّة و عدم الوجوب على المملوك في الجملة فهو ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه، بل عليه الإجماع بقسميه، بل عن الفاضل في المنتهى (2) أنّه مذهب أهل العلم كافّة.

و الأصل فيه الأخبار المستفيضة التي ستمرّ عليك، بل ذكر شيخنا- دام ظلّه- أنّه غير محتاج إلى الاستدلال بل لا يحتاج إلى التنبيه عليه؛ لأنّه لا يتوهّم أحد وجوب الزكاة على المملوك على الإطلاق، فذكر المصنّف له إنّما هو تمهيد لقوله (قدّس سرّه): «و لو قيل:

يملك». فتدبّر.

و بالجملة، عدم وجوب الزكاة على المملوك- بعد ما بيّنّا على عدم ملكيّته بل استحالته ضرورة حكم العقل بامتناع ثبوت السلطنة لمن كان غيره مسلّطا عليه نفسا و فعلا- ممّا لا إشكال فيه.

و أمّا عدم وجوبها عليه على الإطلاق حتّى على القول بأنّه يملك فإن اريد من الملكيّة مجرّد جواز التصرّف من غير أن يكون هنا سلطنة و ملكيّة أو اريد السلطنة مع الالتزام بكونه محجورا عن التصرّف فلا ينبغي الإشكال و الارتياب في عدم وجوبها عليه، و الوجه فيه ظاهر.

و إن اريد السلطنة مع عدم كونه محجورا عن التصرّف فمقتضى القاعدة بالنظر‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 532.

794

..........

____________

إلى عموم أدلّة وجوب الزكاة و إن كان وجوبها عليه إلّا أنّ الإجماع و الأخبار المستفيضة، دلّا على نفي الزكاة عنه مطلقا، فما عن داود من وجوبها عليه فاسد جدّا.

ثمّ إنّه لو كان المملوك يملك على القول بملكيّته، فهل زكاته على مولاه، أو على المملوك، أو ليس على أحد؟ وجوه؛ لكلّ وجه. و الذي اختاره في محكيّ المنتهى الأوّل، مدّعيا الذي يقتضيه المذهب، حيث قال: « (إنّ) الذي يقتضيه المذهب وجوبها على المولى؛ لأنّه المالك حقيقة، و العبد مالك بمعنى إشاعة التصرّف، و لأنّ ملكه ناقص» (1). انتهى.

و استوجهه شيخنا- دام ظلّه- بأنّ مملوك المملوك حقيقة مملوك للمولى؛ لأنّ تملّكه يحتاج إلى مجرّد إرادته قيام السلطنة (2) موجود بالنسبة إليه، فكأنّه ملك له فعلا، هذا.

و وجه الثاني: أنّه المالك بالفرض فتجب عليه، و نفي الزكاة من المملوك في الروايات راجع بالنسبة إلى زكاة نفسه. و هو كما ترى.

و وجه الثالث واضح؛ لأنّ المولى ليس مالكا، و المالك ليس حرّا، و هذا هو الذي احتمله الشهيد (قدّس سرّه) في محكيّ البيان (3).

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 534.

(2). كذا قوله: «ارادته قيام السلطنة» في الأصل.

(3). حكاه الشيخ في الجواهر، ج 15، ص 487؛ راجع البيان، ص 205.

795

[لا تجب الفطرة على المملوك]

قوله (قدّس سرّه): و لا على المدبّر، و لا على أمّ الولد، و لا [على] المكاتب المشروط، و لا المطلق الذي لم يتحرّر منه شي‌ء (1) (1).

____________

أقول: الوجه في نفي الوجوب عن جميع من ذكره: اشتراك الجميع في إطلاق ما دلّ على نفيها عن المملوك، مضافا إلى الأصل و غيره من ذهاب الأصحاب [إليه]؛ إذ لم يخالف فيه إلّا الصدوق (2) فيما حكي عنه (3)، فأوجب فطرة المكاتب عليه؛ لصحيحة عليّ بن جعفر: «سأل أخاه موسى (عليه السّلام) عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه؟ [و تجوز عليه شهادته؟] قال: الفطرة عليه، و لا تجوز شهادته» (4) و حمل الصدوق الفقرة الأخيرة- المخالفة لمذهب الأصحاب و الأخبار- على الإنكار، و هو كما ترى.

نعم، يقدح في صحّة الاستدلال بالرواية ما بيّنّاه [بنينا] عليه الأمر في الاصول.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). الفقيه، ج 2، ص 179. قال الصدوق (رحمه اللّه) بعد نقل خبر المذكور: «قال مصنف هذا الكتاب (رحمه اللّه): و هذا على الإنكار لا على الإخبار يريد بذلك [أنّه] كيف تجب عليه الفطرة و لا تجوز شهادته أى أنّ شهادته جائزة كما أنّ الفطرة عليه واجبة».

(3). قال العاملي في المدارك، ج 5، ص 309، بعد نقل كلام الصدوق (رحمه اللّه): «و مقتضى ذلك وجوب الفطرة عليه».

(4). الفقيه، ج 2، ص 179؛ و في التهذيب، ج 8، ص 277؛ الوسائل، ج 9، ص 365، ج 23، ص 167.

796

..........

____________

لكنّه لا يصلح تقييدا لما عرفت من جهة إعراض الأصحاب عنه، مضافا إلى معارضته [بما] عن محمّد بن أحمد بن يحيى [رفعه] عن الصادق (عليه السّلام): «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه و رقيق امرأته و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق عليه بابه» (1) الراجح عليه من وجوه لا يخفى.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 174؛ التهذيب، ج 4، ص 72 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 330.

797

[لو تحرّر من العبد شي‌ء وجبت الفطرة عليه بالنسبة]

قوله (قدّس سرّه): و لو تحرّر منه شي‌ء وجبت عليه بالنسبة (1) (1).

____________

أقول: هذا أحد الأقوال في المسألة، و إليه ذهب أكثر الأصحاب، بل كلّهم.

الثاني: أنّ فطرته لا تكون عليه و لا على مولاه، و هو المحكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) (2)، و مال إليه في المدارك (3).

الثالث: كون فطرة الجزء الحرّ على المكاتب، و لا يكون على مولاه شي‌ء بالنسبة إلى جزئه المملوك.

و لكلّ وجه، مقتضى الجمود على ظاهر الأدلّة هو ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه)؛ لأنّ ظاهر ما دلّ على [نفي] وجوب الزكاة عن المملوك (4) في بادئ النظر هو الذي يكون مملوكا بتمامه و بقول مطلق، و من الظاهر أنّه لا يطلق المملوك على المبعّض بقول [مطلق] كما أنّ الحرّ أيضا لا يطلق عليه كذلك، فيكون ما دلّ على وجوب الزكاة على الحرّ ظاهرا في غير الفرض، فيرجع إلى الأصل في نفي الزكاة عن كلّ منهما، هذا.

و لكن بالنظر إلى أحكام المبعّض في غير المقام كالنفقة و غيرها و التأمّل في الأدلّة يعلم شمولها للفرض أيضا، فيستفاد منها أنّ الحرّيّة و لو كانت قائمة بالحرّ سبب‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). الفقيه، ج 2، ص 179.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 310.

(4). أي ما حكاه في الفقيه، ج 2، ص 179، عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السّلام).

798

..........

____________

لوجوب الزكاة على الحرّ، و الرقّيّة و إن كانت قائمة بالرّقّ سبب لوجوب الزكاة على المولى، فإذا وجد السببان فلا بدّ أن يعمل بمقتضاهما، و مقتضاه هو الحكم بتأثير كلّ سبب بمقداره، هذا، و سيأتي لذلك مزيد بيان عند تعرّض المصنّف لحكم فطرة المملوك المشترك، فإنّ المخالف هنا مخالف فيه أيضا.

799

[الثالث: الغنى]

[تجب الفطرة بشرط الغنى] قوله (قدّس سرّه): الثالث: الغنى، فلا تجب على الفقير (1) (1).

____________

أقول: اشتراط هذا الشرط أيضا ممّا لا ينبغي الإشكال بل لا خلاف فيه، إلّا ما حكي عن الإسكافي (2) في ظاهر كلامه، فأوجبها على من فضل عن مئونته ليومه و ليلته مقدار الفطرة، و إن حمله بعض المتأخّرين (3) على الخلاف الآتي في معنى الغنى.

و من هنا ادّعي (4) الإجماع عليه بقسميه، و نسبة ما اختاره [الإسكافي] في الخلاف (5) إلى كثير من الأصحاب فهي ممّا لم نتحقّقه، بل المتحقّق خلافه، فلعلّها مبنيّة على حمل كلامه على ما حمله عليه بعض المتأخّرين.

و يدلّ على ما ذكرنا- مضافا إلى ما عرفت و الأصل- روايات:

منها: ما رواه الشيخ (رحمه اللّه)- في الصحيح- عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سئل عن رجل يأخذ [من] الزكاة، عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا» (6). و الظاهر أنّ المراد أخذ الزكاة للفقر، فيستفاد منه الملازمة بين جواز أخذ الزكاة و عدم وجوب الفطرة.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). حكاه عنه العلامة في المنتهى، ج 1، ص 532.

(3). راجع الجواهر، ج 15، ص 488.

(4). أي الشيخ في جواهره.

(5). الخلاف، ج 2، ص 146- 147.

(6). الاستبصار، ج 2، ص 40؛ التهذيب، ج 4، ص 73؛ و كذا في الوسائل، ج 9، ص 321.

800

..........

____________

و مثله ما دلّ (1) على أنّ من حلّت له لم تحلّ عليه، فيدلّ بالعكس النقيض على أنّ من حلّت عليه لا تحلّ له، فيدلّ على ثبوت الملازمة من الطرفين، فيستفاد منه شرطيّة الغنى، كما لا يخفى.

و منها: ما رواه صفوان بن يحيى- في الصحيح- عن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السّلام): على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: ليس عليه فطرة» (2).

و منها: ما رواه أبان بن عثمان- في الصحيح- عن يزيد بن فرقد النهدي قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل يقبل الزكاة، هل عليه [صدقة] الفطرة؟ قال: لا» (3).

إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع.

و في مقابل هذه الروايات روايات تدلّ على مذهب الإسكافي.

منها: ما رواه عبد اللّه الميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) [عن أبيه (عليه السّلام)] قال: زكاة الفطرة صاع [من] تمر أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، أو صاع من أقط عن كلّ إنسان حرّ أو عبد، صغير أو كبير، و ليس على من لا يجد ما يتصدّق به حرج» (4).

و منها: ما رواه زرارة، قال: « [قلت:] الفقير الذي يتصدّق عليه، هل (تجب) عليه‌

____________

(1). عن الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: لمن تحلّ الفطرة؟ فقال: لمن لا يجد، و من حلّت له لم تحل عليه و من حلّت عليه لم تحل له». الاستبصار، ج 3، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73؛ الوسائل، ج 9، ص 322.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 322.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 322.

(4). الاستبصار، ج 2، ص 42 و 47؛ التهذيب، ج 4، ص 75 و 81؛ الوسائل، ج 9، ص 330 و 321، قال في لسان العرب، ج 7، ص 257: «الأقط و الإقط و الأقط و الأقط: شي‌ء يتّخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل». انتهى. و هذا ما يقال بالفارسيّة: (كشك).

801

..........

____________

صدقة الفطرة؟ قال [فقال]: نعم، يعطي ممّا يتصدّق به عليه» (1).

و منها: ما رواه الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أعلى من قبل الزكاة زكاة؟ فقال: أمّا من قبل زكاة المال فإنّ عليه زكاة الفطرة، و ليس عليه لما قبله زكاة، و ليس على من يقبل الفطرة فطرة» (2).

و هذه الروايات كما ترى لا تقاوم ما عرفت من الأخبار.

أمّا الاولى: فلأنّ دلالتها بالإطلاق فتحمل على من وجد مقدار الفطرة زائدا على أوّل مرتبة الغنى، بقرينة ما عرفت من الأخبار، هذا بعد تسليم عدم صدق الوجدان فيما إذا كان واجدا لقوت يومه و ليلته دون مقدار الزكاة أو قوت يوميه فقط، و إلّا فلمانع أن يمنعه؛ لأنّ الروايات المذكورة خالية عن التحديد بما ذكره، بل ظاهرها أعمّ ممّا أفاده الإسكافي. و القول بأنّه يرجع في تحديد الوجدان إلى ما تقرّر في مسبّبات الدين كما ترى، هذا، مع أنّ الرواية ظاهرة في الوجوب، و الأخبار المتقدّمة الدالّة على نفي الوجوب صريحة فيه، فتحمل على الاستحباب جمعا، هذا.

و أمّا الثانية و الثالثة: فلا يعتمد عليهما؛ لضعف السند في قبال الاصول و القواعد فضلا عن الأخبار المتقدّمة؛ لاشتمال سند الثانية على محمّد بن عيسى عن يونس، و قد نقل ابن بابويه عن شيخه محمّد بن الحسن بن وليد (3) أنّه كان يقول: «ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس حديثه لا يعتمد عليه» (4). و هذا و إن لم يكن قدحا في‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 172؛ الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 324.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73 و 87؛ الوسائل، ج 9، ص 322- 323.

(3). قال النجاشي: «أبو جعفر- محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد- شيخ القميين و فقيههم و متقدّمهم و وجههم ... ثقة ثقة، عين مسكون إليه ... مات سنة 343 (ه‍)». رجال النجاشي، ص 383.

(4). عدة الاصول (الشيخ الطوسي)، ج 1، ص 366؛ رجال النجاشي، ص 333.

802

..........

____________

محمّد بن عيسى على الإطلاق و لا في كتب يونس إلّا أنّه قدح في المجموع المقيد لما ذكره بعض أنّ محمّد بن عيسى حين تحمّل الأخبار عن كتب يونس كان صغيرا أو غيره، و مثل هذا التضعيف و إن لم يوجب القدح في الرواية عندنا؛ لما قرّرنا في محلّه من كون عدالة الراوي يكفي في رفع هذا الضعف، و التحمّل في حال الصغر لا يقدح في شي‌ء، مضافا إلى أنّ المناط الوثوق بالرواية، فلا ينظر إلى أمثال هذه المناقشات في سند الروايات، إلّا أنّه يصلح وهنا في الرواية في قبال فتوى المعظم و الاصول و الروايات المعتبرة، فتأمّل.

و اشتمال سند الثالثة على إسماعيل بن سهل، و قد ذكر النجاشي (رحمه اللّه) أنّ: «إسماعيل بن سهل الدهقان ضعّفه أصحابنا» (1).

هذا كلّه، مضافا إلى ما عرفت في الرواية الاولى من أنّ الأخبار النافية للوجوب صريحة في النفي و هذه ظاهرة في الوجوب، و الحمل على الاستحباب جمعا هو المتعيّن على تقدير تسليم سلامة السند.

هذا كلّه، مضافا إلى ترجيح الروايات النافية عليها من وجوه اخر غير مخفيّة، فلا بدّ من طرحها أيضا على تقدير عدم الترجيح من حيث الدلالة المقتضي للجمع بينها.

____________

(1). رجال النجاشي، ص 28.

803

[لا تجب الفطرة على الفقير]

قوله (قدّس سرّه): و هو من لا يملك أحد النصب الزكاتيّة. و قيل: من تحلّ له الزكاة (لحاجته). و ضابطه أن لا يملك قوت سنة له و لعياله، و هو الأشبه (1) (1).

____________

أقول: اختلف الأصحاب في باب الفطرة في الغني، فالمشهور هو أن يكون مالكا لقوت سنته فعلا أو قوّة، على ما تقدّم في زكاة المال، فالغني في المقامين بمعنى واحد.

و خصّه الشهيد (رحمه اللّه) في الدروس بملك السنة فعلا (2).

و عنه أنّه من يملك [أحد النصب الزكوية أو قوت سنته] (3) فإنّه و إن ذكر وجوبها على المالك أحد النصب الزكويّة أو قوت سنته على الأقوى، إلّا أنّ الظاهر إرادته الإشارة إلى القولين لا الجمع بينهما، فتدبّر.

و عن الشيخ (رحمه اللّه) (4) أنّه من يملك أحد النصب الزكويّة أو قيمتها.

و عن الحلّي (5) أنّه من يملك أحد النصب الزكويّة، و لم يعتبر القيمة، هذا.

و الحقّ ما ذهب إليه المشهور من اتّحاد الضابط في الغنى في الموضعين؛ لما عرفت من الأخبار الدالّة بظاهرها على المذهب في باب زكاة المال، مضافا إلى ما عرفته في أصل اشتراط الغنى من الروايات، هذا.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). لم نعثره عليه في الدروس.

(3). الدروس، ج 1، ص 248.

(4). الخلاف، ج 2، ص 146.

(5). السرائر، ج 1، ص 465.

804

..........

____________

و أمّا مستند الشهيد فما عرفت من الأخبار الدالّة بظاهرها على مذهب الإسكافي (1)، و قد عرفت ما فيها.

و أمّا قول الشيخ (رحمه اللّه) و الحلّي فلم نعرف لهما مستندا ظاهرا كما اعترف به المصنّف في المعتبر (2)، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك له بما يستفاد من الأخبار المتقدّمة (3) من الملازمة بين الحلول و الحرمة وجودا و عدما بعد التعميم لزكاة المال، اللّهمّ إلّا أن يكون جواز أخذه للفطرة مسلّما، فتدبّر.

و قد أشار إلى هذا الدليل المصنّف في ما ستسمعه من المعتبر مبالغا في تضعيفه و إن ذكره هنا مع كمال مراعاة شأنه كما هو دأبه.

قال في محكيّ المعتبر: «و ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) لا أعرف به حجّة و لا قائلا من قدماء الأصحاب، فإن كان تعويله على ما احتجّ به أبو حنيفة فقد بيّنّا ضعفه. و بالجملة، فإنّا نطالبه من أين قاله، و بعض المتأخرين ادّعى عليه الإجماع و خصّ الوجوب بمن معه أحد النصب الزكاتيّة، و منع القيمة، و ادّعى اتّفاق الإماميّة على قوله، و لا ريب أنّه وهم.

و لو احتجّ بأنّ [مع] ملك النصاب تجب الزكاة بالإجماع منعنا ذلك، فإنّ من ملك النصاب و لا يكفيه لمئونة عياله يجوز له أن يأخذ الزكاة، و إذا أخذ الزكاة لم تجب عليه الفطرة؛ لما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في عدّة روايات، منها: رواية الحلبي (4)

____________

(1). المتقدّم ذكره من ايجاب الفطرة على كلّ من فضل عن مئونة يومه و ليلته مقدار الفطره. حكاه المنتهى، ج 1، ص 532.

(2). المعتبر، ج 2، ص 594.

(3). كما رواه الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قلت له: لمن تحلّ الفطرة؟ فقال: لمن لا يجد، و من حلّت له لم تحل عليه و من حلّت عليه لم تحلّ له». الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73؛ الوسائل، ج 9، ص 322.

(4). الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73؛ الوسائل، ج 9، ص 321.

805

..........

____________

و يزيد بن فرقد (1) و معاوية (2) بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه: «سئل عن الرجل [رجل] يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا» (3). انتهى كلامه رفع مقامه. و هو كما ترى في كمال الجودة.

و ينبغي التنبيه على أمرين:

الأوّل: أنّه هل يعتبر زيادة على مئونة السنة- قوّة أو فعلا- تملّك الصاع أو مقدار الفطرة في وجوبها، أو لا يعتبر ذلك؟

قيل: إنّ ظاهر النصّ و معقد الإجماع عدم اعتباره. و عن الدروس (4) اعتباره في الغنى قوّة، و نحوه في محكيّ البيان (5)، و لكن اعتبار زيادة قدر الفطرة كما في محكيّ المنتهى (6) و التحرير (7) مع احتمالهما الاختصاص بالأخير، و عن المعتبر (8) و التذكرة (9) اعتبار زيادة الصاع كما عن الدروس (10)، هذا.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ ظاهر الأخبار في بادئ النظر و إن كان عدم اعتبار زيادة مقدار الفطرة على مئونة السنة في وجوب الفطرة كظهور معقد الإجماع‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 322.

(2). قال ابن عمار: إنّ ابا عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لا فطرة على من أخذ من الزكاة». الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73؛ الوسائل، ج 9، ص 322.

(3). المعتبر، ج 2، ص 594- 595.

(4). الدروس، ج 1، ص 248.

(5). البيان، ص 206.

(6). منتهى المطلب، ج 1، ص 532.

(7). تحرير الأحكام، ج 1، ص 420.

(8). المعتبر، ج 2، ص 594.

(9). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 370.

(10). الدروس، ج 1، ص 248.

806

في ذلك؛ نظرا إلى أنّ الغني مأمور بمقتضاهما بأداء الفطرة و من المعلوم أنّ الموضوع يلاحظ تحقّقه مع قطع النظر عن الحكم فتملّك مقدار الفطرة لا ربط له في تعلّق الوجوب، إلّا أنّ مقتضى النظر العميق فيها خلافه؛ لأنّ الغنى الذي شرط في وجوب الفطرة بمقتضى الأخبار هو تملّك جميع ما يحتاج المكلّف في السنة كإعطاء الصدقات المتعارفة له و ما يلزمه باللزوم العرفي كالصدقات و المخارج المتعارفة بحسب أحوال المكلّف كإعطاء الصدقات المتعارفة، أو اللزوم الشرعي كالنفقات، فالفطرة ... (1) داخلة في مئونة السنة.

هذا، مضافا إلى عدم الفائدة في دفع الفطرة فيصير فقيرا و يأخذ الفطرة، و إلى ما عرفته في ذيل رواية عبد اللّه الميمون من أنّه: «ليس على من لا يجد ما يتصدّق به حرج» (2) بعد عدم حمله على معناه الحقيقي لكونه خلاف الإجماع، و على مذهب الإسكافي (3)؛ لما عرفت، فإنّه لا بدّ على هذا من حمله على مذهب المشهور، فيصير معناه أنّ من لا يجد بعد مئونة السنة ما يتصدّق به حرج، هذا.

و لكن لازمه القول بجواز أخذ الفطرة لمن يملك مئونة السنة دون مقدار الفطرة بملاحظة ما عرفته من الملازمة- المستفادة من غير واحد من الروايات- بين عدم حلول الفطرة و حلّيّتها، و الالتزام به في غاية الإشكال.

هذا حاصل ما أفاده- دام ظلّه- و هو لا يخلو عن تأمّل، فعدم اعتبار الزيادة لا يخلو عن قوّة بالنظر إلى ما اعترف به- دام ظلّه- من ظهور الأدلّة، و دخول الفطرة في‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 42 و 47؛ التهذيب، ج 4، ص 75 و 81؛ الوسائل، ج 9، ص 330.

(3). المتقدّم بيانه و ذكره من ايجاب الفطرة على كلّ من فضل عن مئونة يومه و ليلته مقدار الفطرة. حكاه المنتهى، ج 1، ص 532.

807

موضوع مئونة السنة كما ترى، كمنع عدم صدق الواجد على من ملك مئونة السنة دون مقدار الفطرة، هذا.

فقد علم ممّا ذكرنا وجه القول بالاعتبار مطلقا و عدمه كذلك.

و أمّا القول بالتفصيل فإن كان المراد منه اعتبار زيادة ما يكسبه طول السنة على مئونة سنته مقدار الفطرة فلا وجه له.

و إن كان المراد منه اعتبار زيادة الصاع على مئونة يوم الفطرة فلعلّ وجهه ما عرفته في ذيل رواية عبد اللّه الميمون (1) بالتقريب الذي عرفته عند الاستدلال به لقول الإسكافي، أو ما قيل من أنّه لو لم يعتبر ذلك احتيج في أداء الفطرة إلى الاقتراض و نحوه، و الأصل عدم وجوبها عليه، و هذا بخلاف المالك فعلا لمئونة السنة، هذا.

و لكنّك خبير بما فيها.

الثاني: أنّه لا إشكال في أنّ هذا الشرط كسائر الشرائط إنّما يعتبر وجوده حين وجود السبب،

فلا اعتبار بوجوده قبله و لا بوجوده بعده، فمن كان غنيّا في أوّل جزء من هلال شوّال تجب عليه الفطرة و إن زال غناه بعده.

و الظاهر أنّه موضع وفاق، إلّا أنّه قد يستشكل فيه بملاحظة ما دلّ على الملاحظة بين حلّيّة الفطرة و عدم حلولها و العكس، فإنّ من صار فقيرا بعد وجود السبب تكون الفطرة له حلالا فيلزمه عدم حلول الفطرة عليه.

لكن يدفعه أنّ زمان الحكم بالحلول غير زمان الحكم بالحلّيّة و ظاهر ما دلّ على الملازمة عند التأمّل أنّ من تحلّ عليه الفطرة لا تكون الفطرة له حلالا من [حيث] كونه ممّن تحلّ عليه و قد زال هذا العنوان في زمان الحكم بالحلّيّة.

____________

(1). المتقدّمة.

808

نعم، قد يستشكل ذلك بأنّ لازمه عدم الحكم بحلّيّة الفطرة له بعد الحكم بحلولها عليه.

و لكن يدفعه أيضا أنّ الحلول في الرواية و إن اعتبر مفيدا فيصدق في زمان ارتفاع الغنى أيضا، إلّا أنّ من الظاهر إرادة إثبات التلازم بين الحلول و عدم الحلّيّة من حيث وصف الغنى، فإذا زال فلا مانع من الحكم بالحلّيّة، فتدبّر.

809

[استحباب زكاة الفطرة على الفقير]

قوله: و يستحبّ للفقير إخراجها، و أقلّ ذلك أن يدير صاعا على عياله، ثمّ يتصدّق به (1) (1).

____________

أقول: أمّا استحباب الفطرة في حقّ الفقير فهو ممّا انعقد عليه الإجماع ظاهرا، و لا يضرّه خلاف الإسكافي (2).

و يدلّ على الاستحباب- مضافا إلى ما عرفت- الأخبار المتقدّمة (3) عند ذكر الاستدلال على قول الإسكافي، فأصل الحكم بالاستحباب ممّا لا ينبغي الارتياب فيه حتّى في حقّ من لا يجد قوت يومه و ليلته و مقدار الزكاة، و إنّما الكلام في أقلّ ما يتأتّى به الاستحباب، و أنّ ما ذكره المصنّف في ظاهر كلامه منطبق على الرواية الواردة في المسألة، أم لا؟

فنقول: إنّ الظاهر من العبارة بالنظر إلى ظاهر الإدارة و وحدة الفاعل في قوله:

«يدير»، و قوله: «ثمّ يتصدّق به» أن يعطي الشخص زكاة نفسه بعض عياله ثمّ يدفع العيال إلى الآخر و هكذا ثمّ يدفع من أخذه أخيرا إلى الأوّل و هو المعيل ثمّ يتصدّق به.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). المتقدّم ذكره.

(3). أي رواية عبد اللّه الميمون. الاستبصار، ج 2، ص 42 و 47؛ التهذيب، ج 4، ص 75 و 81؛ الوسائل، ج 9، ص 330. و رواية زرارة. الكافي، ج 4، ص 172؛ الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 324. و رواية فضيل بن يسار. الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73 و 87؛ الوسائل، ج 9، ص 322- 323.

810

..........

____________

و هذا كما ترى لا ينطبق مع ظاهر الرواية، و هو ما رواه الشيخ- في الموثّق- عن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرجل لا يكون عنده شي‌ء من الفطرة إلّا ما يؤدّي عن نفسه وحدها، أ يعطيه غريبا أو يأكل هو و عياله؟ قال: يعطي بعض عياله ثمّ يعطي الآخر عن نفسه، يتردّدونها فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة» (1).

و المراد من ذيلها أنّ مقدار فطرة واحدة فطرة عن الجميع بطريق التبادل، لا أنّ الفطرة واحدة، بل الفطرة بعدد رءوس تردّدت بينهم.

و الرواية كما ترى لا دلالة لها على الدفع إلى الأجنبي بل ظاهرها حصول الفرض مع عدم الدفع أيضا؛ لأنّ ظاهرها تعليم الاحتيال الشرعي لعدم إخراج الفطرة عن النفس و العيال إلى الأجنبي، و مضمونه مطابق للقواعد؛ لأنّك قد عرفت في تضاعيف ما أسمعناك في زكاة المال أنّه لا ينبغي الارتياب في جواز دفع الزكاة إلى العيال مع فقرهم دون غنائهم و إن كان ظاهر بعض مشايخنا (2) جواز الدفع مع غنائهم أيضا، لإطلاق الرواية، لكنّه كما ترى، هذا.

و يمكن تطبيق كلام المصنّف عليها بأن يقال: إنّ الإدارة تستعمل استعمالا شائعا بطريق المسامحة على التردّد بين أشخاص من دون أن يردّ الأخير إلى الأوّل، و كذلك يقال عند دفع الأخير إلى المتصدّق: إنّ الأوّل تصدّق به؛ لأنّه السبب، فتدبّر.

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 42؛ التهذيب، ج 4، ص 74- 75. و كذا في الكافي، ج 4، ص 172؛ الفقيه، ج 2، ص 177؛ الوسائل، ج 9، ص 325. (مع اختلاف يسير في بعضها).

(2). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 397- 399.

811

[وجوب فطرة العيال على المعيل]

قوله: و مع الشروط يخرجها عن نفسه، و عن جميع من يعوله فرضا أو نفلا من زوجة و ولد و ما شاكلهما، و ضيف و ما شابهه، صغيرا كان أو كبيرا، حرّا أو عبدا، مسلما أو كافرا (1) (1).

____________

أقول: المراد بما شاكل الزوجة و الولد هو مطلق واجب النفقة كالأب و الأمّ و الجدّ و المملوك، و ما شابه الضيف هو مستحبّ النفقة.

ثمّ إنّه لا ريب بل لا خلاف في وجوب فطرة العيال على المعيل في الجملة، بل الإجماع عليه.

و تدلّ عليه الأخبار الكثيرة (2)، فأصل وجوبها عليه ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في مواضع:

الأوّل: في أنّ التكليف المتعلّق بالمعيل بالنسبة إلى فطرة العيال هل هو من قبيل التكليف المتعلّق به بالنسبة إلى فطرة نفسه؟

فيكون متعلّقا به أصالة كتكليف نفسه، فلا ربط على هذا للعيال بالنسبة إلى هذا التكليف أصلا و لو شأنا، فيكون الأمر بالفطرة عنه حقيقة كالأمر بالتصدّق عن حيواناته، و مرجع هذا إلى إخراج العيال عن أصل عمومات الفطرة و مقتضياتها، و يقرّبه ما في بعض الروايات الآمرة بأداء الزكاة عن‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(2). الكافي، ج 4، ص 170- 174؛ الفقيه، ج 2، ص 178 و 181- 182؛ الاستبصار، ج 2، ص 42 و 47؛ التهذيب، ج 4، ص 71- 72 و 75 و 81 و 86 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 317- 318 و 327- 332.

812

عيال الإمام (عليه السّلام) من قوله الوارد في مقام التعليل و بيان حكمة الحكم: «إنّي أخاف عليهم الفوت» (1)، حيث إنّ فوت العيال موجب لورود الضرر على المعيل كفوت نفسه، أو يكون من قبيل تكليف الشخص بأداء ما وجب على غيره و تحمّله عنه؟ فيكون كأمر شخص بأداء [قرض] غيره، و لازمه تعلّق الزكاة أصالة بالعيال و كون تكليف المعيل بأداء الفطرة عنه من باب إيجاب التحمّل ... (2) التكليف بالتأدية عن الغير. و هذا هو التحمّل الصرف، أو ليس من الأوّل، أي الأصالة المحضة، و لا من الثاني، أي التحمّل المحض بحيث يكون تكليف المعيل في طول تكليف العيال، بل هو أمر بين الأمرين، بمعنى وجود شأنيّة التكليف و مقتضيه في حقّ العيال من دون أن يكون مكلّفا فعلا به و كون المعيل مكلّفا فعلا بها من حيث إنّ الفطرة كسائر إخراجات العيال ممّا لا بدّ منه كنفقة و نحوها من حيث إنّها موقية له عن المهالك و مزيلة لوسخها، فكما أنّه يتحمّل المخارج العرفيّة و ما به قوام نفسه عنه كذلك كلّف شرعا تحمّل الفطرة عنه أيضا؟ وجوه، قيل: إنّ ظاهر الأكثر الأوّل، و الفاضل في غير واحد من كتبه (3) و غيره الحكم (4) في بعض الفروع الآتية على الأصالة و التحمّل.

و المختار عند شيخنا- دام ظلّه العالي- هو الأخير، بل ذكر أنّا لا نظنّ بالقائل بالتحمّل أن يقول بالتحمّل المحض، بل ظاهرهم إرادة المعنى الثاني للتحمّل الذي‌

____________

(1). عن اسحاق بن عمار عن معتب عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قال (عليه السّلام): اذهب فأعط عن عيالنا الفطرة و أعط عن الرقيق و اجمعهم و لا تدع منهم أحدا فإنّك إن تركت منهم انسانا تخوّفت عليه الفوت.

قلت: و ما الفوت؟ قال: الموت». الكافي، ج 4، ص 174؛ الفقيه، ج 2، ص 181؛ الوسائل، ج 9، ص 328.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(3). راجع قواعد الأحكام، ج 1، ص 357- 359؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 533؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 375.

(4). كذا قوله: «و الفاضل ... و غيره الحكم» في الأصل.

813

خارج عن التحمّل المحض.

و استدلّ بأنّه مقتضى الجمع بين ما رواه ابن بابويه- في الصحيح- عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدّي عنه الفطرة؟ قال [فقال]: نعم، الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك» (1) و نحوه ممّا دلّ بظاهره على وجوب الفطرة على كلّ أحد و لو كان عيالا لغيره.

و جعل كلمة «على» في الرواية بمعنى «عن» كما صنعه بعض أفاضل من تأخّر (2)، لا شاهد له جزما.

و ما رواه الشيخ (رحمه اللّه)- في الصحيح- عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في صدقة الفطرة، قال: [فقال]: تصدّق عن جميع من تعول من صغير أو كبير أو حرّ أو مملوك» الحديث (3).

و نحوه ممّا يكون الجارّ الداخل على متعلّق الفعل فيه كلمة «عن» الظاهرة في التحمّل عن العيال، فتحمل الطائفة الاولى على ثبوت الفطرة شأنا على كلّ أحد بحمل الوجوب بمعنى الثبوت الشأني، فإنّ إبقاءه على ظاهره خلاف الإجماع و الأخبار جدّا، سيّما مع ملاحظة أنّ في الرواية من لا يكون مكلّفا بالزكاة قطعا، كالصغير و المملوك، و الثانية على وجوب التحمّل فعلا عن العيال، فينتج ما ذكرنا من الواسطة بين الأصالة و التحمّل المحض، كما لا يخفى، غاية ما هناك لزوم التصرّف فيما إذا كان المعيل صغيرا أو نحوه على مذهب المشهور بما دلّ على نفي الزكاة عنه حتّى‌

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 178؛ و كذا في الكافي، ج 4، ص 173؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 327.

(2). راجع الحدائق الناضرة، ج 12، ص 266.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 47؛ التهذيب، ج 4، ص 81.

814

بالنسبة إلى عياله، لكنّه لازم على كلّ تقدير، و ليس ورودا على خصوص ما ذكرنا، كما لا يخفى.

نعم، لو قيل بعدم ثبوت الشأنيّة في حقّ المملوك و الصغير تعيّن جعل كلمة «على» بمعنى «عن» و إبقاء الوجوب على ظاهره؛ لعدم القدر الجامع على هذا الفرض، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذكر الصغير و المملوك من باب التغليب و الاستطراد، فتدبّر.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه-.

لكن يمكن أن يقال: إنّ الحكم بوجوب الفطرة على كلّ من يعول غير الحكم بوجوب الفطرة على كلّ أحد، فإنّه ربما يستظهر من الأوّل أنّ الحكم من حيث عنوان العيلولة، فلا يمكن استكشاف الثبوت الشأني في حقّ العيال مع قطع النظر عن عنوانه، فتدبّر، هذا.

و سيأتي بعض الكلام في ذلك زيادة على هذا إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّه تظهر الثمرة بين الوجهين الأخيرين و الوجه الأوّل فيما إذا كان العيال موسرا و المعيل معسرا، فإنّه لا يجب على العيال على الأوّل و يجب على الأخيرين، و فيما إذا كان العيال هاشميّا و المعيل عاميّا أو العكس.

لكنّك قد عرفت التأمّل في هذه الثمرة، و ستعرف بعض الكلام فيه فيما سيأتي و بين الوجهين الأخيرين في جواز إعطاء العيال مع يسار المعيل، فإنّه يجوز على الوجه الثاني مطلقا، و لا يجوز على الوجه الأخير إلّا مع إذن المعيل كما سيأتي، فإنّ الفطرة بالنسبة إلى العيال و المعيل بناء على التحمّل المحض كنسبة الواجب الكفائي بالنسبة إلى أفراد المكلّفين و إن كان بينهما فرق من حيث إنّ الأمر بالتحمّل ليس في عرض تكليف العيال، بخلاف التكليف بالنسبة إلى أفراد المكلّفين، و هذا بخلاف الوجه الأخير، فإنّك قد عرفت أنّ مرجعه إلى انتفاء التكليف الفعلي بالنسبة إلى العيال‌

815

ما دام المعيل مكلّفا بالفطرة عنه.

و تظهر الثمرة بينهما أيضا فيما إذا كان المعيل مع يساره عاصيا و بانيا على عدم إطاعة أمر الفطرة فإنّه [على] التحمّل المحض يتعيّن على العيال.

و على الثالث مبنيّ على أنّ الرافع لتكليف العيال هل هو تكليف المعيل أو امتثاله؟ فعلى الأوّل لا يجب عليه، و على الثاني [يجب].

و لمّا كان المختار كون التكليف رافعا دون الامتثال فإن فرض ارتفاع الخطاب بالعصيان فيجب عليه، و إلّا- و بأن كان فرضه مشكلا من حيث عدم قابليّة سبب الوجوب للاعتداد (1)- فلا، هذا.

و لكنّ الحقّ طروّ تطرّق المناقشة إلى بعض هذه الثمرات، و سيجي‌ء الإشارة إليها إن شاء اللّه تعالى.

هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل.

الثاني: أنّ الضيف هل هو عنوان مستقلّ في قبال العنوانات المستفادة من الروايات المتقاربة، أو راجع إلى أحدها

كما هو صريح المصنّف في الكتاب (2) و في محكيّ المعتبر (3)؟

ظاهر جماعة و صريح بعض كثاني الشهيدين (4) و غيره: الأوّل. و ظاهر اخرى و صريح آخر: الثاني.

و إلى الأوّل يرجع ظاهرا اختلافهم في قدر الضيافة الموجبة لوجوب الفطرة على‌

____________

(1). كذا قوله: «للاعتداد» في الأصل.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

(3). المعتبر، ج 2، ص 603.

(4). راجع مسالك الأفهام، ج 1، ص 445- 446.

816

المضيف، فاشترط الشيخ (رحمه اللّه) (1) و المرتضى (2) الضيافة طول الشهر، و اكتفى المفيد (3) بالنصف الأخير منه، و أجزأ ابن إدريس (4) بليلتين في آخره، و العلّامة (5) بالليلة الواحدة، إلى غير ذلك من الأقوال التي يقف عليها المتتبّع في كلمات الأصحاب و إن أمكن إرجاعها إلى الخلاف في تحديد مقدار يصدق معه عنوان العيال على الضيف كما صنعه جماعة.

و إلى الثاني يرجع ظاهرا ما حكاه المصنّف في المعتبر عن بعض الأصحاب من القول باكتفاء مسمّى الضيافة في جزء من الشهر بحيث يهلّ الهلال و هو في ضيافته مختارا له بقوله: «و هذا هو الأولى؛ لقوله (عليه السّلام): «ممّن تمونون» (6) و هو يصلح للحال و الاستقبال، لكنّ تنزيله على الحال أولى؛ لأنّه وقت الوجوب و الحكم المعلّق على الوصف يتحقّق عند حصوله لا مع مضيّة و لا مع توقّعه» (7). انتهى كلامه رفع مقامه.

و تحقيق المرام يتوقّف على ذكر جملة من الأخبار الواردة في المقام و بيان ما يستفاد منها.

فمنها: ما رواه ابن بابويه (8)، و قد عرفته في الموضع الأوّل.

____________

(1). النهاية، ص 189؛ الخلاف، ج 2، ص 133.

(2). الانتصار، ص 228.

(3). المقنعة، ص 265.

(4). السرائر، ج 1، ص 466.

(5). منتهى المطلب، ج 1، ص 536؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 380؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 424.

راجع أيضا: مختلف الشيعة، ج 3، ص 280؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 290.

(6). الوسائل، ج 9، ص 331. و فيه: «ممّن يمونون».

(7). المعتبر، ج 2، ص 604.

(8). أي ما رواه (رحمه اللّه) عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد في الفقيه، ج 2، ص 178. و جاء أيضا في:

الكافي، ج 4، ص 173؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 327.

817

و منها: ما رواه الشيخ (1)، و قد عرفته أيضا فيه.

و ظاهرهما إناطة الحكم بعنوان من يعول و إن كان السؤال في الأوّل عن الضيف.

و منها: ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: كلّ من ضممت إلى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه» (2).

هذه الرواية كما ترى تدلّ على أنّ من ضمّه الرجل إلى عياله و جعله مثل العيال في القيام بمؤونته فهو أيضا كالعيال.

و منها: ما عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه سأله عن صدقة الفطرة، فقال: «على كلّ من يعول الرجل، على الحرّ و العبد، و الصغير و الكبير، صاع من تمر أو نصف صاع من برّ، و الصاع أربعة أمداد» (3).

و هذه كالروايتين الأوّلتين في الدلالة على إناطة الحكم بالعيلولة.

و منها: ما رواه جماعة من الثقات (4) عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام) أنّهما قالا:

«على الرجل أن يعطي عن كلّ من يعول [من حرّ و عبد و صغير و كبير، يعطي] يوم الفطر» الحديث (5).

و هذه أيضا مثل الروايات السابقة في الدلالة على إناطة الحكم بعنوان العيلولة.

و منها: ما عن محمّد بن أحمد بن يحيى (6) رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه و رقيق امرأته و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق‌

____________

(1). أي ما رواه (رحمه اللّه) عن عبد اللّه بن سنان في الاستبصار، ج 2، ص 47؛ التهذيب، ج 4، ص 81.

(2). الكافي، ج 4، ص 170؛ التهذيب، ج 4، ص 71؛ الوسائل، ج 9، ص 329.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 47؛ التهذيب، ج 4، ص 81؛ الوسائل، ج 9، ص 336.

(4). أي زرارة و بكير ابنى أعين و الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية.

(5). الاستبصار، ج 2، ص 45؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354.

(6). في الكافي و الوسائل: «محمّد بن يحيى عن محمّد بن احمد ...».

818

عليه بابه» (1).

قال في محكيّ المعتبر بعد نقل الحديث: «و هذا و إن كان مرسلا إلّا أنّ فضلاء الأصحاب أفتوا بمضمونه» (2).

و هذه الرواية كما ترى تدلّ على عنوان آخر غير ما عرفته في الأخبار المتقدّمة.

إلى غير ذلك من الأخبار المشتمل بعضها على وجوب الفطرة عمّن تمونونه (3).

ثمّ إنّ هذه الأخبار من جهة ورودها في مقام التحديد و إن كانت متعارضة في ظاهر النظر إلّا أنّه لا مناص من الأخذ بما هو أعمّ من الجميع و إن كان لكلّ منها جهة عموم يؤخذ به أيضا؛ لأنّ عموم اللفظ لا يعارضه الظهور في مقام البيان؛ لأنّه بيان كما ترى لا يخفى، فنقول: إنّ قوله: «و ما أغلق عليه بابه» و إن كان أعمّ من الجميع إلّا أنّ العموم فيه حسبما يقتضيه اللفظ ليس بمراد جدّا؛ لأنّه يشمل الحيوانات و من هو غير مراد جدّا.

و دعوى إرادة العموم مع الالتزام بخروج ما خرج كما ترى؛ لأنّها في غاية الركاكة و الشناعة، فلا بدّ من أن يكون المراد منه العهد، فلا بدّ من تعيين المعهود من الخارج بمعونة الأخبار الاخر، فالمرجع إذا غيره من الأخبار.

و أمّا عنوان «من يعول» في الأخبار فهو و إن كان مبيّنا إلّا أنّه ربما يدّعى اختصاصه بمن كان كسوته على المعيل أيضا و إن كان فاسدا جدّا.

و أمّا قوله: «و من ضممته إلى عيالك» (4) فهو و إن كان نصّا في الضيف و أشباهه إلّا‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 174؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 330.

(2). المعتبر، ج 2، ص 597.

(3). الوسائل، ج 9، ص 331.

(4). أي قوله (عليه السّلام) في رواية عبد اللّه بن سنان: «كلّ من ضممت إلى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه». الكافي، ج 4، ص 170؛ التهذيب، ج 4، ص 71؛ الوسائل، ج 9، ص 329.

819

أنّه لا عموم له بالنسبة إلى أفراد العيال، فالأعمّ من الجميع الذي لا ينبغي الارتياب فيه قوله (عليه السّلام) في بعض الأخبار: «و من يمونون» (1) فلا بدّ من أن يكون هو المتّبع و إن كان قوله: «كلّ من يعول» (2) عند التحقيق منطبقا عليه.

و أمّا عنوان الضيف فلم نقف عليه في كلام الإمام (عليه السّلام) في الأخبار، بل إنّما هو موجود في سؤال السائل.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه لا ينبغي الارتياب في صدق عنوان الأعمّ المستفاد من الروايات على الضيف في غالب أفراده، و ليس الضيف من حيث هو عنوانا في الروايات، و إنّما هو واقع في السؤال، بل ظاهر الجواب عنه بعنوان «من يعوله» ظاهر في أنّ العبرة به، لا بعنوان الضيف من حيث هو، بل لو كان واقعا في الأخبار كان منصرفا إلى غالب أفراده الصادق عليها العيال، كما لا يخفى.

فإن قلت: إنّما نمنع من صدق العيال على مجرّد من يتكفّله الرجل في أوّل هلال شوّال كما هو المدّعى، بل صدق العيال عرفا على من يتكفّله في نصف الشهر أيضا محلّ إشكال، و من هنا اختلفت كلمتهم في ما يعتبر في الضيافة من الزمان. و صرّح بعض كالسيّد في المدارك (3) و غيره بعد الاعتراف بأنّ المعتبر هو صدق العيلولة على الضيف أنّه لا يصدق عليه مطلقا.

قلت: أوّلا: إنّ دعوى عدم صدق العيال عليه في حيّز المنع جدّا؛ لأنّ المراد من العيال ليس ما هو الظاهر منه عند عرف العجم، فإنّه مختصّ بالزوجة أو هي مع الأولاد، فلا يشمل الضيف أصلا، بل المراد منه من يتكفّل الرجل قوته و لو في جزء من‌

____________

(1). الوسائل، ج 9، ص 331.

(2). في كثير من الروايات السابقه.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 317.

820

الزمان بحيث لا يفرق في هذا [بين] الزوجة و بين من يتكفّله سنة أو أزيد، هذا مع أنّ لازمه عدم صدقه على من يولد أوّل الهلال أو [من] يملكه في أوّله، كما أنّ لازمه الفرق [بينه و] بين من بنى على تكفّله من أوّل الشهر إلى سنة ليلا، و هو كما ترى.

و ثانيا: سلّمنا عدم صدق العيال، لكن فرق واضح بين من يعوله و يمونه؛ لأنّ صدق الأوّل ربما يحتاج إلى تكرّر، بخلاف الثاني، كما هو الشأن في بعض المشتقّات و الأفعال، بل في كثير منها، فلا ينبغي قياس الفعل على المشتقّ.

و ثالثا: سلّمنا عدم صدق العنوان المزبور أيضا، إلّا أنّه لا إشكال في صدق قوله:

«و من يمونون» عليه، و هو كاف في إثبات المدّعى، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المتّبع صدق عنوان «من يعوله» لأنّه الواقع في الجواب عنه، هذا.

و أمّا دعوى عدم صدق العيال على مجرّد الالتزام بالقوت، بل يتوقّف على الالتزام بجميع نفقته، ففاسد جدّا؛ لأنّها مع مصادمتها للوجدان خلاف صريح الرواية التي اقتصر في الجواب عن حكم الضيف بوجوب الفطرة عن كلّ من يعول، و قد عرفتها في طيّ الأخبار.

فإن قلت: إنّ المسلّم هو صدق عنوان العيال أو غيره من العناوين العامّة على الضيف مقيّدا لا مطلقا، فإنّه يصدق عليه أنّه عيال ليلة الفطر و لا يصدق عليه أنّه عيال بقول مطلق، و العبرة بالثاني بمقتضى الروايات لا بالأوّل، كما لا يخفى.

قلت: هذا الكلام و إن صدر عن بعض المشايخ إلّا أنّا لا نفهمه؛ لأنّه نشأ من الاشتباه بين كون الزمان الخاصّ قيدا أو ظرفا، و الذي يضرّ في الصدق على وجه الإطلاق هو الأوّل لا الثاني؛ إذ المشاهد بالعيان و الوجدان كون الزمان الخاصّ في المقام ظرفا؛ لأنّه يصدق في جزء من أوّل الهلال أنّ الضيف عيال، لا قيدا، فلا يقال:

إنّه عيال ليلة الفطر إلّا على وجه التسامح.

821

ثمّ إنّه لا فرق في صدق ما عرفته من العناوين العامّة المستفادة من الروايات على الضيف بين كونه مدعوّا في ليلة الفطر أو نازلا على الشخص بدون سبق وعد مع البناء على ضيافته بعد نزوله، كما أنّه لا فرق بعد حضوره في أوّل ليلة الفطر بين أكله و عدمه إذا بذل له الطعام و لم يأكل لمانع كمرض و نحوه و إن كان ربما يزعم خلاف ما ذكرنا من التعميم، لكنّه بمكان من الضعف و السقوط.

ثمّ إنّ الثمرة بين كون الضيف عنوانا مستقلّا أو داخلا في أحد العناوين العامّة المستفادة من الروايات السابقة- على ما زعمه جماعة من عدم صدق العيال و نحوه عليه إذا كان ضيفا في خصوص ليلة الفطر- فظاهرة، و أمّا على المجاز فلا تظهر الثمرة إلّا إذا فرض صدق الضيف على من يبذل له خصوص البيت و المكان مع عدم إنفاق الطعام. و بعبارة اخرى لم يكن نزوله للأكل، فإنّه ربما يقال: صدق الضيف عليه؛ لأنّه من «ضاف» بمعنى «مال» فلا يعتبر نزوله للأكل و إن كان لا يساعده العرف، فإنّه بناء على كونه عنوانا مستقلّا تجب الفطرة عنه. اللّهمّ إلّا أن يدّعى انصرافه إلى غيره بعد تسليم صدقه عليه، و بناء على المختار لا تجب الفطرة عنه.

هذا بعض الكلام في الموضع الثاني،

و أمّا الموضع الثالث فهو أنّ وجوب زكاة الضيف على المضيف إنّما هو مع يساره و غنائه،

و أمّا لا معه فلا وجوب عليه قطعا كما سنسمعك مفصّلا.

كما أنّه لا إشكال في عدم سقوطها عن الضيف عند سقوطه عن المضيف وجوبا و استحبابا، كما سيأتي تفصيل القول فيه عند التعرّض لحكم مطلق العيال، إنّما الكلام في سقوطها عنه إذا أعطاها مع الإعسار. و هذا الكلام و إن لم يكن له خصوصيّة بالضيف و لا بمطلق العيال بل يجري في كلّ من أعطى فطرة غيره و لو لم يكن عيالا له مع غناء المعطي و فقره و سيأتي الكلام فيه بالعنوان الكلّي أيضا إلّا أنّ تعرّض بعض‌

822

الأصحاب له دعانا إلى التكلّم فيه هنا بعض الكلام.

قال في محكيّ المسالك: «و لو تبرّع المعسر بإخراجها عنه، ففي الإجزاء قولان، و جزم الشهيد (1) بعدمه، و هو حسن مع عدم إذن الضيف، و إلّا فالإجزاء أحسن. و الظاهر أنّ موضع الإشكال ما لو كان الإخراج بغير إذنه، و لو تبرّع الضيف بإخراجها عن الموسر توقّف الإجزاء على إذنه، و كذا القول في الزوجة و غيرها» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و قال في المدارك بعد نقله: «و هو مشكل جدّا؛ فإنّ إسقاط الواجب بفعل من لم يتعلّق به الوجوب مع الإذن و بدونه يتوقّف على الدليل و حمله على الدّين أو الزكاة الماليّة لا يخرج عن القياس» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

توضيح الكلام: إنّ دفع الغير الزكاة عن المكلّف- سواء كان عيالا أو لا- لا يخلو إمّا أن يكون من ماله أو مال المدفوع عنه، و على التقديرين إمّا أن يكون بإذن المدفوع أو لا معه.

فإن كان مع إذنه فلا إشكال في الإجزاء؛ لأنّ مرجع الإذن في المفروض إلى التوكيل في الدفع، و قد أسمعناك في الزكاة الماليّة أنّ قضيّة الأصل الأوّلي و إن كان فساد النيابة في باب الزكاة نظرا إلى كونها من العبادات إلّا أنّك قد عرفت ثمّة ما يقتضي مشروعيّتها في باب الزكاة على الإطلاق، مضافا إلى بعض الأخبار الواردة في المقام الصريح في مشروعيّتها و الإجزاء بها، و الظاهر أنّ كلام السيّد في المدارك‌

____________

(1). البيان، ص 209.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 446.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 319.

823

غير شامل للفرض؛ لأنّ المفروض في كلامه الدفع عن مال المعطي و إن كان ربما يستظهر من تعليله العموم، فتدبّر.

و إن لم يكن مع إذنه مع تعقيب الإذن بعده؛ إذ مع عدم لحوق إذنه لا إشكال في فساده، كما لا يخفى، فالظاهر أنّه لا إشكال في الإجزاء و حصول الفطرة بنفس الإذن؛ إذ قد عرفت في طيّ المباحث المتقدّمة في الزكاة الماليّة الإجزاء بمثله و أنّ اعتبار الدفع إنّما هو من باب المقدّمة.

و من هنا يعلم أنّه لا ربط للمقام بمسألة الفضولي.

هذا كلّه إذا كان الدفع من مال المدفوع عنه، و إن كان من مال الغير الدافع فإن كان على وجه التبرّع من دون إذن من المدفوع عنه، فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم الإجزاء كما عرفته من الشهيدين، و هو ظاهر كثير من الأصحاب، و إن كان ظاهر جمع من المتأخّرين ممّن قارب عصرنا أو عاصرنا، بل صريحهم الإجزاء به؛ لأنّك قد عرفت غير مرّة أنّ قضيّة الأصل عدم الإجزاء بفعل الغير في باب العبادات مطلقا، غاية ما هناك قيام الدليل على الإجزاء بالنيابة و التوكيل، فلا يتعدّى إلى غيرها إلّا بدليل، و هو متصوّر في المقام، و الزكاة و إن كانت له جهة حقّ الناس أيضا إلّا أنّ لها جهة العبادة أيضا، فلا معنى لإلحاقها بالدّين و نحوه من التوصّليّات المحضة، هذا.

و إن كان بإذن منه، فقد عرفت كلام ثاني الشهيدين (1) الصريح في الإجزاء به، كما أنّك [عرفت] كلام سبطه (2) الصريح في عدم الإجزاء به، فارقا بين المقام و الزكاة الماليّة.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ قضيّة الأصل و إن كان عدم الإجزاء بدفع الغير‌

____________

(1). مسالك الأفهام، ج 1، ص 446.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 319.

824

مطلقا إلّا أنّ المستفاد ممّا ورد في باب الزكاة الماليّة في مسألة الاقتراض فيما إذا شرط الزكاة [على] المقترض بعد حمله على ما هو المشروط من الشرط و غيره، هو الاكتفاء بدفع الغير مع الإذن من المدفوع عنه لأنّ مرجعه إلى نحو سبب من المكلّف، و به يفرّق بين صورة الإذن و التبرّع بدون إذن؛ لأنّ مع الإذن يشبه دفع الوكيل، و هذا بخلاف صورة التبرّع، و أمّا الفرق بين المقام و زكاة المال مع اتّحادهما في نظر الشارع فلا معنى له.

825

[اعتبار النيّة في زكاة الفطرة]

قوله (قدّس سرّه): و النيّة معتبرة في أدائها، و لا يصحّ إخراجها من الكافر و إن وجبت عليه، (1) إلى آخره (1).

____________

أقول: أمّا اعتبار النيّة في زكاة الفطرة بعد فرض كونها من العبادات فممّا لا يعتريه ريب، و قد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلا في زكاة المال؛ ضرورة اتّحادهما من هذه الجهة كأكثر المباحث، كما أنّ عدم صحّة إخراجها من الكافر مع وجوبها عليه ممّا لا يعتريه ريب أيضا بعد الفراغ عن شرطيّة الإسلام في العبادات، كعدم الارتياب في سقوطها عنه لو أسلم بعد تحقّق السبب، كما سمعته مفصّلا في الزكاة الماليّة على ما تقتضيه قاعدة الجبّ الجارية في المقام و أشباهه ممّا يكون حقّ اللّه محضا أو هو مع حقّ الناس مع تبعيّته لحقّ اللّه.

هذا بعض الكلام في حكم الكافر بالنظر إلى تكليف نفسه.

و لو كان له عيال مسلم فعلى القول بأنّ الفطرة تتعلّق بالأصالة على المعيل، فلا ينبغي الارتياب في سقوطها عن عياله المسلم، كما أنّه لا ينبغي الارتياب في عدم سقوطها عنه بناء على القول بالتحمّل.

و أمّا على ما اختاره شيخنا- دام ظلّه- من الواسطة بين الأمرين ففي السقوط و عدمه إشكال من أنّ الكافر لمّا كان مكلّفا بالزكاة عنه و [كانت] واجبة عليه بالفرض‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 129.

826

..........

____________

فلا تجب على عياله المسلم، و من أنّه و إن كان مكلّفا إلّا أنّه يشبه من ارتفع التكليف عنه بعصيانه.

و قد عرفت أنّه لا ينبغي الارتياب في وجوبها على العيال في الفرض، و هذا هو الأقرب، فتدبّر.

هذا كلّه في حكم الكافر، و أمّا المخالف فقد أسمعناك سابقا في الزكاة الماليّة أنّ حكمه في باب الزكاة غير حكمها في سائر المقامات، فإنّه يجب عليه الإعادة في المقام بعد الإيمان، إلّا إذا صرفها فيما يصحّ صرفها فيه عندنا مع تحقّق قصد القربة منه، بخلاف سائر العبادات إذا أوقعها على وفق مذهبه.

هذا بالنسبة إلى تكليف نفسه، و أمّا بالنسبة إلى عياله سواء كان مسلما أو مؤمنا فحكمه حكم عيال المؤمن؛ لأنّ المفروض وجوب الفطرة عليه و تمكّنه من تأديتها على الوجه الصحيح مع فرض عدم إيمانه.

نعم، في مورد لا يتحقّق ذلك يكون حكم فطرة عياله المؤمن حكم فطرة عيال المؤمن للكافر، و قد عرفته.

827

[مسائل ثلاث]

[الأولى] [من بلغ أو أسلم أو زال جنونه قبل الهلال وجبت عليه زكاة الفطرة]

قوله (قدّس سرّه): مسائل ثلاث:

الاولى: من بلغ قبل الهلال، أو أسلم، أو زال جنونه، أو ملك ما به يصير غنيّا، وجبت عليه (1) (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ هذه المسألة و أشباهها من فروع السببيّة، و من المعلوم لكلّ من له أدنى خبرة بكلماتهم أنّها مختلفة في التعبير عن السبب في المقام، فظاهر جملة- بل كثير منها في بادئ النظر- أنّ السبب هو الجزء الأخير من رمضان ككلام المصنّف في بادئ النظر، و صريح جملة اخرى أنّه هو الجزء الأوّل من شوّال، و من المعلوم للعارف أنّ مراد الكلّ هو ما صرّح به جماعة؛ لأنّ في كلماتهم قرائن تنادي بذلك، ككلام المصنّف فيما سيأتي و نحوه؛ لأنّه قد صرّح بأنّ وقت الوجوب هو هلال شوّال، كغيره ممّن عبّر بما هو يظهر منه كون السبب الجزء الأخير.

و دعوى أنّ التعبير بأوّل هلال شوّال من جهة كونه معرّفا للجزء الأخير من رمضان، و لا يمكن العكس؛ ضرورة عدم إمكان جعل الأمر الخفي معرّفا للأمر الواضح كما ترى، فإنّ هذا الحمل و إن كان أمرا ممكنا بل لا بدّ منه على تقدير الدوران لكنّ الإنصاف وجود قرائن في كلماتهم تأبى عن الحمل المزبور غير مجرّد التعبير عن الوقت بأوّل الهلال، و إن كان شيخنا- دام ظلّه- ربما يأبى عن ذلك في بعض كلماته‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

828

..........

____________

في مجلس البحث، هذا.

نعم، ربما يدّعى- بل ادّعي- أنّ ظاهر الأخبار كون السبب الجزء الأخير من رمضان.

مثل: ما رواه [معاوية بن] عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في المولود يولد ليلة الفطر و اليهودي و النصراني يسلم ليلة الفطر؟ قال: ليس عليهم فطرة، [ليس الفطرة] إلّا على من أدرك الشهر» (1) ضرورة أنّ المراد من الشهر في الرواية، المعتبر إدراكه في وجوب الفطرة هو رمضان، و لا يضرّه صدق إدراكه بإدراك جزء من أوّله أو وسطه، فيدلّ بالمفهوم على وجوب الفطرة حينئذ، فلا يدلّ على سببيّة خصوص الجزء الأخير أو عدم إرادة مطلق إدراك الشهر المعلوم.

و مثل خبره الآخر: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟

قال: لا، قد خرج الشهر» (2) ضرورة أنّ المراد من الشهر فيه أيضا المعتبر عدم خروجه في وجوب الفطرة شهر رمضان لا شوّال.

و قد عرفت أنّ حمل آخر الشهر على المعرّفة لأوّل الشهر لا معنى له، هذا.

ثمّ إنّ الثمرة بين كون السبب الجزء الأخير من رمضان أو الجزء الأوّل من شوّال في الجعليّات واضحة كما لو ملك شخص بعقد أو إيقاع فإنّه يصير غنيّا في أوّل هلال شوّال، كما لو نذر له شخص مالا على تقدير حياته في أوّل الشهر أو ملك مملوكا كذلك في أوّل الهلال أو تزوّج بعقد الانقطاع امرأة يكون آخر مدّتها أوّل هلال شوّال مع اشتراط النفقة عليه؛ بناء على دخولها في عياله بالشرط المزبور، أو شرط شخص في عقد لازم نفقة غيره على أحد إلى آخر شهر رمضان، إلى غير ذلك من الفروض، فإنّه على الأوّل لا تجب الفطرة عليه في غير الفرضين الأخيرين، و تجب عليه فيهما،

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 179؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

(2). الكافي، ج 4، ص 172؛ التهذيب، ج 4، ص 72 و 331؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

829

..........

____________

و على الثاني يكون الأمر بالعكس.

و كذلك في الواقعيّات، كما لو بلغ شخص في آخر رمضان فإنّه تجب الفطرة عليه على الأوّل، و لا تجب عليه على الثاني، و لو عكس الأمر انعكس الأمر، إلى غير ذلك، و إن كان حصول العلم بالواقع و أنّه حصل في آخر الشهر دون أوّل الشهر الآخر في غاية القلّة، هذا.

و لكن ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الأخبار في بادئ النظر و إن كان هو ما في ظاهر كلمات جماعة من أنّ السبب هو الجزء الأخير من رمضان إلّا أنّ التأمّل فيها يقضي بعدم دلالتها عليه.

أمّا الرواية الاولى: فلأنّه لا صراحة بل لا ظهور فيها على السبب [و] هو إدراك شهر رمضان؛ لأنّه ليس فيها [سوق] للتعليل، غاية ما هنا إشعارها في ذلك و حملها على كون إدراك الجزء الأخير معرفا لإدراك الجزء الأوّل من شوّال و إن لم يكن ممكنا لكونه أخفى منه جدّا، إلّا أنّ النكتة في التعبير هو التلازم بينه و بين الجزء الأوّل و عدم انفكاكه عنه، أو غير ذلك.

و أمّا الثانية: فلأنّ قوله: «قد خرج الشهر» و إن كان مسوقا للتعليل إلّا أنّه يدلّ على أنّ معنى الخروج أوجب عدم وجوب الفطرة على مورد الرواية، فيدلّ على أنّ الخروج علّة، فكلّما تحقّقت الشرائط حال الخروج فتجب الفطرة لأنّه السبب، و من المعلوم أنّ خروج الشهر إنّما يتحقّق بهلال الشهر الذي بعده لا بنفس الجزء الأخير منه، فلا يرد على هذا أنّ خروج الشهر يصدق في مورد الرواية؛ نظرا إلى كون الأمر المتحقّق في زمان يوجب صدق الحكم بتحقّقه في أيّ زمان من الأزمنة المتأخّرة عن زمان تحقّقه؛ لأنّ السبب ليس هو صدق العنوان المزبور، و إنّما هو تحقّقه، و من المعلوم أنّ الشي‌ء المتحقّق في زمان لا يتعدّى عنه، فالسبب إنّما هو خروج الشهر، فكلّما وجد الشرائط بأن تحقّقت وجبت الفطرة، لا صدق قولنا: «الشهر قد خرج» و الفرق‌

830

..........

____________

بينهما لا يكاد أن يخفى.

فإن شئت قلت: إنّ الإمام (عليه السّلام) علّل انتفاء وجوب الفطرة في الرواية بتحقّق عنوان العيال حال عدم السبب و هو خروج الشهر، فإنّه إذا فرض معنى الخروج يصدق عدمه حال وجود الشرط، فيلزمه انتفاء المسبّب، هذا، مع أنّ التوهّم المزبور لا يفرّق فيه بين جعل الخروج متحقّقا بالجزء الأخير من شهر رمضان أو بالجزء الأوّل من هلال شوّال، كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا كلّه يعلم أنّه لو كان للرواية الاولى ظهور في سببيّة الجزء الأخير من شهر رمضان تعيّن رفع اليد عنه بمقتضى الرواية الثانية؛ لكونها أظهر منها في الدلالة على مناط الحكم، كما هو واضح، هذا.

ثمّ إنّه قد أورد شيخنا- دام ظلّه العالي- على الثمرة المزبورة بين الاحتمالين بأنّ لازم القول بكون السبب هو أوّل هلال شوّال عدم وجوب الفطرة عمّن حصل عنوان العيلولة بأوّل الهلال؛ لتقدّم الموضوع على الحكم، فكلّ من كان عيالا مع قطع النظر عن الهلال يحكم بوجوب الفطرة عنه بسبب الهلال، لا من صار عيالا بالهلال.

فإن شئت قلت: إنّما يشمل خطاب وجوب الفطرة عن العيال في أوّل الشهر من كان له عيال قبل زمان هذا الخطاب بمعنى كون هلال زمان وجوده قبله، لا من كان عيالا له بملاحظة السبب، و إلّا لزم اتّحاد مرتبة الحكم و الموضوع باعتبار وحدة سببها.

فإن قلت: على هذا يلزم عدم وجوب الفطرة من الشخص المزبور رأسا، أمّا على القول بكون السبب هو الجزء الأخير فواضح؛ لأنّ المفروض عدم وجود عنوان العيال حال وجود الجزء الأخير، و أمّا على القول الآخر فلما ذكرته من لزوم تقدّم عنوان العيال على زمان السبب، و هو كما ترى.

قلت: يمكن القول بوجوب الفطرة عن هذا الشخص على القول بكون السبب هو‌

831

..........

____________

الجزء الأوّل من الهلال، بناء على كفاية تقدّم الموضوع طبعا، و وحدة السبب لا تقضي باتّحاد المرتبة طبعا.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- لكنّك خبير بأنّه رجوع عن القول بعدم صحّة الثمرة و التزام بصحّتها.

ثمّ إنّ قضيّة صريح كلام السيّد في المدارك (1) و الفاضل الهندي (2) إجماع الأصحاب على سببيّة الهلال حتّى من القائلين بكون وقت الوجوب طلوع الفجر إلى الزوال أو الغروب من يوم الفطر فليعتبر وجود الشرائط عنده فلا ينفع وجود الشرائط قبله أو بعده، كما لا يضرّ انتفاؤها بعده؛ لأنّ سببيّة الزمان في المقام ليس كسببيّة الزوال حتّى يكون كلّ جزء منه سببا و وقتا للفعل، بل السبب هو الجزء الأوّل على ما نبّهنا عليه في طيّ ما أسلفنا.

قال في المدارك في شرح ما عرفته من كلام المصنّف ما هذا لفظه: «أمّا الوجوب مع استكمال الشرائط قبل رؤية الهلال- و المراد به غروب الشمس من ليلة الفطر كما نصّ عليه في المعتبر (3)- فموضع وفاق بين العلماء» (4). انتهى كلامه رفع مقامه.

فعلى ما ذكراه يكون الخلاف بين العلماء في مسألة واحدة، و هو وقت الوجوب، و أمّا سببيّة الهلال فهي مسلّمة عند الكلّ، و من هنا ذهب في المدارك (5) في مسألة وقت الوجوب إلى كونه من طلوع الفجر إلى الزوال مع ما عرفت منه من دعوى الإجماع على سببيّة الهلال، هذا.

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 320.

(2). حكاه الجواهر، ج 15، ص 527.

(3). المعتبر، ج 2، ص 611.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 320.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 344.

832

..........

____________

و لكن غير واحد من المتأخّرين، منهم ... المحقّق السبزواري في الذخيرة (1) و السيّد في الرياض (2) و بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) أوردوا على السيّد في المدارك و طعنوا في دعواه الإجماع بأنّ الواضح للمتتبّع وجود الخلاف في مسألتين، إحداهما: سببيّة الهلال، فإنّها إنّما مسلّمة عند من قال بأنّ وقت الوجوب هو أوّل الهلال، و أمّا القائلون بأنّ وقت الوجوب هو طلوع الفجر إلى الزوال فهم قائلون بأنّ السبب هو طلوع الفجر غير الشيخ (رحمه اللّه) في كتبه الذي اختار هذا القول، فإنّه سلّم سببيّة الهلال (4) مع قوله فيها بأنّ الوقت هو طلوع الفجر (5)، و لو لا قوله بذلك لكان الخلاف في السبب مبنيّا على الخلاف في الوقت، فتكون الأقوال في المسألة ثلاثة.

هذا حاصل ما ذكره أكثرهم، و كأنّ بعضهم لم يتفطّن لكلام الشيخ (رحمه اللّه) فجعل إحدى المسألتين عين الاخرى.

ثمّ إنّ من الظاهر أنّ هذا الكلام منهم مأخوذ من المحقّق في المعتبر (6) و العلّامة في المختلف (7) و المنتهى (8) و الشهيد في البيان (9)، فإنّهم ذكروا وجود الشرائط بعد الهلال‌

____________

(1). راجع ذخيرة المعاد، ج 3، ص 473- 474.

(2). رياض المسائل، ج 5، ص 222.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 527.

(4). الاقتصاد، ص 284؛ الجمل و العقود (الرسائل العشر)، ص 209.

(5). راجع النهاية، ص 189؛ الخلاف، ج 2، ص 139 و 144؛ المبسوط، ج 1، ص 240؛ التهذيب، ج 4، ص 75.

(6). راجع المعتبر، ج 2، ص 611- 612.

(7). راجع مختلف الشيعة، ج 3، ص 274 و 276- 278 و 294- 295.

(8). راجع منتهى المطلب، ج 1، ص 539- 540.

(9). راجع البيان، ص 206- 207.

833

..........

____________

و انتفاءها بعده، و هو الخلاف فيها (1) على الخلاف في الوقت.

نعم، في الذخيرة (2) استظهر من تعبيرهم بوقت الوجوب أيضا، فلمّا رأوا أنّ الشيخ (رحمه اللّه) مع قوله في بعض كتبه بأنّ وقت الوجوب هو طلوع الفجر، و اعتبروا وجود الشرائط في أوّل الهلال فاعتبروا بوجود (3) الخلاف في المسألتين و إن كان ما ذكره هؤلاء الأعلام على عكس ما ذكره في المدارك.

قال في محكيّ المنتهى: « (الفرع) الثالث: لو ولد له ولد بعد الهلال، أو تزوّج زوجة، أو اشترى مملوكا بعد الهلال، لم تجب عليه زكاته. و لو كان قبله وجبت و لو كان قبل الغروب بشي‌ء يسير. و على القول الآخر لأصحابنا الاعتبار بطلوع الفجر، و كذا البحث لو مات له ولد أو مملوك أو طلّق زوجته أو باع عبده، فإن كان قبل الغروب فلا زكاة عليه إجماعا، و إن كان بعده فعلى الخلاف إن قلنا: إنّ الزكاة تجب بالغروب- كما اخترناه- وجبت، و إن قلنا: إنّها تجب بطلوع الفجر كان الاعتبار به» (4).

انتهى كلامه رفع مقامه.

و ذكر في المختلف (5)- بعد ما حكى قولين عن الشيخ (رحمه اللّه) أحدهما القول بأنّ وقت الوجوب هو أوّل الهلال، و ثانيها: القول بأنّه طلوع الفجر- الفرع الذي ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في المولود بعد الهلال أو المسلم بعده و قال: «إنّه يشعر بقوله المتقدّم في الكتابين» (6) أي القول بأنّ وقت الوجوب طلوع الفجر. ثمّ استدلّ على القول المشهور الذي اختاره‌

____________

(1). كذا قوله: «و هو الخلاف فيها» في الأصل.

(2). ذخيرة المعاد، ج 3، ص 472.

(3). كذا قوله: «فاعتبروا بوجود» في الأصل.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 539.

(5). مختلف الشيعة، ج 3، ص 294- 296.

(6). مختلف الشيعة، ج 3، ص 295. و فيه: «و هذا يشعر بقوله في كتابيه المتقدّمين».

834

..........

____________

في المختلف بما تقدّم من الرواية (1) الدالّة على عدم وجوب الفطرة عن المولود بعد الهلال و نحوه، كما استدلّ به في المعتبر (2)، و هو أيضا صريح فيما حكينا عنهما.

و قال في محكيّ المعتبر: «الشروط المعتبرة [في الوجوب] تعتبر آخر جزء من الشهر و استمرارها حتّى يهلّ الهلال، فلو أسلم الكافر أو بلغ الصبيّ أو ملك الفقير ما تجب معه الفطرة و أهلّ الهلال و هي باقية وجبت الفطرة، و لو زالت قبل الهلال أو حدثت بعده لم تجب، و لكن تستحبّ لو حصلت ما بين الهلال إلى الزوال من يوم العيد، و كذا لو ولد له (ولد) أو ملك عبدا أو تزوّج امرأة، و تحرير هذا عند بيان وقت الوجوب» (3). انتهى كلامه.

و لم يذكر عند تحرير وقت الوجوب إلّا الخلاف في أصل وقت الوجوب، فإذا ضممت ذلك إلى هذا الكلام منه تعلم أنّه مطابق لما في المختلف و المنتهى (4).

و قال الشهيد (قدّس سرّه) في محكيّ البيان: «و تجدّد الشرائط مبنيّ على الوقت، و تستحبّ فيما بين الوقت إلى الزوال» (5). انتهى كلامه رفع مقامه، هذا.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الحقّ مع السيّد في المدارك و أنّ دعواه الإجماع في محلّها؛ إذ يكفي في ردّ هؤلاء الأعلام- مضافا إلى ما سمعته في ردّ المتأخّرين- تصريح الشيخ (رحمه اللّه) (6) بنفي الوجوب فيما اختاره في كتبه القول بأنّ وقت‌

____________

(1). أي صحيحة معاوية بن عمار: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن مولود ولد ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال:

لا، قد خرج الشهر». الكافي، ج 4، ص 172؛ التهذيب، ج 4، ص 72 و 331؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

(2). المعتبر، ج 2، ص 611.

(3). المعتبر، ج 2، ص 604.

(4). المتقدّم كلامهما.

(5). البيان، ص 210.

(6). الخلاف، ج 2، ص 138؛ المبسوط، ج 1، ص 241.

835

..........

____________

الوجوب طلوع الفجر، فيما توجد الشروط بعد الهلال، كما لو ولد له ولد بعد الهلال أو أسلم يهودي.

و يكفي في ردّ المتأخّرين تصريح من وافق الشيخ (رحمه اللّه) في الجمل بأنّ وقت الوجوب طلوع الفجر كالمفيد (1) و المرتضى (2) و ابن زهرة (3) و ابن البرّاج (4): بأنّه تجب فطرة الضيف في أوّل الهلال و إن خرج بعده (5)، و هذا كما ترى يلازم سببيّة الهلال، و إلّا فلا بدّ من اعتبار عنوان الضيف على قول هؤلاء الأعلام في وقت طلوع الفجر كما لا يخفى؛ إذ لا معنى للفرق بينه و بين الولد و المملوك و الزوجة و نحوها.

و كأنّ صاحب الذخيرة (6) تفطّن لورود هذا عليه فذكر أنّ الضيف إنّما خرج بالنصّ و الإجماع بعد ما ضمّ إليه ظهور كلامهم في سببيّة الطلوع من حيث كونه أوّل وقت حدوث الوجوب عندهم ظاهرا.

و فيه: أنّ النصّ الوارد في حكم الضيف بعد الهلال هو النصّ الوارد فيما لو ولد له ولد بعد الهلال أو أسلم الكافر بعد الهلال.

و بالجملة، الفرق بين الامور المزبورة- المتّحدة من حيث الحكم في الفتاوى و الأخبار بالنصّ و الإجماع- لا معنى له، غاية ما هناك عدم تصريح غير الشيخ (رحمه اللّه)- ممّن وافقه في القول- بحكم غير الضيف.

____________

(1). المقنعة، ص 249.

(2). جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 80.

(3). غنية النزوع، ص 127.

(4). المهذّب، ج 1، ص 176.

(5). التصريح بأنّ وقت الوجوب هو طلوع الفجر في المصادر الأربعة، و لكن الحكم المذكور بالنسبة إلى الضيف فليس فيها.

(6). راجع ذخيرة المعاد، ج 3، ص 472، و لم نقف على التصريح بذلك.

836

..........

____________

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي-.

ثمّ إنّ القول بسببيّة الهلال مع كون وقت الوجوب طلوع الفجر أيضا- على ما ادّعاه في المدارك (1)- يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يكون المراد منه حدوث الوجوب أوّل جزء من الهلال الذي يكون سببا و كون وقت الواجب- و هو الإخراج- طلوع الفجر إلى الزوال أو إلى الغروب على الخلاف.

ثانيهما: أن يكون المراد منه سببيّة الهلال لحدوث الواجب في طلوع الفجر فيكون زمان الوجوب أيضا مؤخّرا كزمان الواجب.

و كلّ منهما أمر معقول واقع نظيره في الشرعيّات و العرفيّات، إلّا أنّ الثاني أقرب بظاهر تعبيرهم عن طلوع الفجر بوقت الوجوب، و الأوّل أقرب بالنظر إلى الأدلّة الدالّة على وجوب الفطرة عن المملوك أو الولد أو الزوجة أو نحوها من عناوين العيال، حيث إنّ ظاهر الخطاب وجود العنوان في زمان التكليف بالفطرة عنه، و هذا لا ينطبق على الاحتمال الثاني جدّا، فإنّ لازمه أن يجعل معنى وجوب الفطرة عن العيال وجوب الفطرة عمّن كان عيالا في أوّل الهلال، و هو كما ترى، فبهذا الاعتبار يمكن أن يقال بأنّ مرادهم هو الاحتمال الأوّل و إن كان خلاف ظاهر قولهم.

ثمّ إنّه قد يتوهّم الثمرة بين الاحتمالين فيما لو مات العيال في ليلة الفطر، أو مات الشخص نفسه أو انتفى بعض الشروط الاخر بعد الهلال، فإنّه تجب على الأوّل الفطرة عنه، و على الثاني لا تجب؛ لعدم حدوث الواجب و اشتغال الذمّة.

لكنّه فاسد جدّا؛ لأنّه و إن لم يتحقّق اشتغال الذمّة- مثلا- على الثاني إلّا أنّ‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 320.

837

..........

____________

تحقّق سببه كاف في الحكم بالوجوب عند وقته، كما هو الشأن في سائر الأسباب لأمور متأخّرة كما في الإتلافات و الجنايات و الحيازات، و من هنا يحكم بمقتضى الإتلاف فيما حفر بئرا و دفع مال شخص فيه بعد موت الحافر، و هكذا، هذا.

و أمّا القول بكون وقت الواجب و الوجوب الهلال لا الزوال كما هو المشهور فتصويره واضح.

ثمّ إنّ هذا بعض الكلام في تصوير القولين و تحرير محلّ الخلاف في المسألة و تعيينه، و أمّا تحقيق الحقّ من القولين في وقت الوجوب فسيجي‌ء تفصيل الكلام عند تعرّض المصنّف له إن شاء اللّه تعالى.

838

[الثانية] [هل الاعتبار بالعيلولة الشأنيّة أو الفعليّة؟]

قوله (قدّس سرّه): الثانية: الزوجة و المملوك تجب الزكاة عنهما و لو لم يكونا في عياله إذا لم يعلهما غيره. و قيل: لا تجب إلّا مع العيلولة، و فيه تردّد (1) (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك اشتمال كلام المصنّف على مسألتين.

أمّا المسألة الاولى فمحصّل القول فيها أنّه اختلفت كلمة الأصحاب فيما هو المناط في وجوب فطرة الغير على الشخص بحيث يدور الحكم مداره وجودا و عدما بعد اتّفاقهم على وجوب الفطرة عمّن كان عيالا فعلا.

فعن جماعة إناطة الحكم بالعيلولة الفعليّة مطلقا، و صرّح به جماعة من المتأخّرين.

و عن جماعة إناطة الحكم بوجوب الإنفاق في من تجب نفقته، سواء كان المكلّف ممتنعا عن الإنفاق أو لا، و بالعيلولة الفعليّة مطلقا، و صرّح به جماعة من المتأخّرين (2).

و عن جماعة إناطة الحكم بوجوب الإنفاق في من لا تجب نفقته، منهم الشيخ (رحمه اللّه) (3).

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

(2). كالعاملي في المدارك، ج 5، ص 322.

(3). راجع الخلاف، ج 2، ص 147. و فيه: «فالفطرة على الزوج بالزوجية». المبسوط، ج 1، ص 239.

و فيه إناطة الحكم على العيلولة.