كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
839

..........

____________

و بعبارة اخرى: الاعتبار بالعيلولة الشأنيّة أو الفعليّة، كلّ في مورده.

و عن الأكثر- بل المشهور- التفصيل بين الزوجة و المملوك و غيرهما بكون المناط في الأوّلين ذات الزوجة و المملوك بشرط عدم النشوز، و في غيرهما عنوان العيلولة الفعليّة.

قال في المدارك: «و أمّا المملوك فقد قطع الأصحاب بوجوب فطرته على المولى مطلقا» (1).

بل قال في المنتهى: «أجمع أهل العلم كافّة على وجوب إخراج الفطرة عن العبيد الحاضرين غير المكاتبين و المغصوبين و الآبقين و عبيد التجارة صغارا كانوا أو كبارا» (2). انتهى.

و لا ريب في أنّ الأوّل أوفق بظاهر الأخبار الواردة في المقام من حيث تعلّق الحكم فيها بمن يعول أو من يمونونه أو غيرهما من العنوانات الظاهرة في العيلولة الفعليّة، و تقتضيه الاصول، كما لا يخفى.

و لا ينافيه قوله (عليه السّلام) في خبر إسحاق بن عمّار: «الواجب عليك أن تعطي عن نفسك و أبيك و أمّك و ولدك و امرأتك و خادمك» (3) و غيره (4) ممّا دلّ على إناطة الحكم بالعنوانات الخاصّة بظاهره، فإنّ النسبة و إن كانت عموما من وجه إلّا أنّ حملها على الغالب من كون المذكورين عيالا هو المتعيّن مع أنّ دلالتها بالإطلاق، فتدبّر.

و الذي يشهد له- مضافا إلى الغلبة- عطف قوله: «جميع من يعول» في بعض‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 323.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 534.

(3). الفقيه، ج 2، ص 181؛ الوسائل، ج 9، ص 328.

(4). راجع الوسائل، ج 9، ص 327- 332.

840

..........

____________

الأخبار (1) عليها، و قوله: «و ما اغلق عليه [بابه]» في بعضها الآخر (2)، الظاهر في عطف العامّ على الخاصّ، فلا مناص من حملها على التمثيل للعيال بعد تسليم التكافؤ، هذا.

و يستدلّ للقول الثاني بوجوه:

الأوّل: أنّ قضيّة التأمّل في الأدلّة كون وجوب الفطرة تابعة لوجوب الإنفاق من حيث كونها ممّا هو من لوازم المنفق عليه و إخراجاته، فكما أنّها على المنفق بواسطة وجوب الإنفاق كذلك الفطرة عليه، أ ترى فرقا بين مصارف جماعة و الفطرة؟ حاشاك، فإذا يدور وجوب الفطرة مدار وجوب الإنفاق بحسب أصل الشرع، فما لم يسقط وجوب النفقة بأصل الشرع و إن سقط بإسقاط من تجب نفقته تجب الفطرة عنه، فإذا يفرّق بين صيرورته غنيّا في غير الزوجة و بين إسقاط النفقة، فلا تجب الفطرة في الأوّل و تجب في الثاني فيما يكون لإسقاطه تأثير في السقوط، و إلّا فتجب بالأولويّة.

الثاني: إطلاق العنوانات الخاصّة المذكورة في الروايات، كالزوجة و المملوك و نحوهما، فإنّهما يشملان من لا يكون عيالا فعلا لمن وجبت نفقتهم عليه.

الثالث: أنّ وجوب النفقة يوجب صيرورة من تجب نفقته عيالا للمكلّف شرعا و إن لم يحكم بذلك العرف مع قطع النظر عن حكم الشارع.

و الدليل عليه تعليله لوجوب النفقة في بعض الروايات المتقدّمة في طيّ المباحث السابقة بأنّهم عيال لازمون له، يستفاد منه أنّ لزوم النفقة يلازم عنوان العيال شرعا و إن لم ينفق عليه فعلا، هذا.

و يستدلّ للقول الثالث- الذي نسب إلى المشهور- تارة بما يختصّ بكلّ من‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 79. و فيهما: «و الفطرة عليك و على الناس كلّهم و على من تعول».

(2). الكافي، ج 4، ص 174؛ التهذيب، ج 4، ص 72 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 330.

841

..........

____________

الزوجة و المملوك، و اخرى بما يشترك بينهما.

أمّا الوجه المختصّ بالزوجة الفارق بينها و بين غيرها ممّن تجب نفقته فهو أنّ الزوجة تملك النفقة في ذمّة الزوج و التقاصّ إن امتنع عنها، و من هنا يجوز لها الإبراء و الإسقاط و المصالحة و معاوضة شي‌ء قبل الجزء (1) مثلا بما في ذمّة الزوج و القرض و جعل عوضه بما في ذمّة الزوج و التقاصّ، إلى غير ذلك من الأحكام المترتّبة على تملّك الشخص مالا في ذمّة غيره، فهي من جهة مالكيّتها لما في ذمّة زوجها تكون فعلا في عيلولته أو بمنزلة من يكون كذلك، أ ترى فرقا في تحقّق العيلولة بين أن يدفع إليها الزوج كلّ يوم نفقتها و إن لم تأكل منها أو ينفق على نفسها و تملك عوضها عمّا في ذمّة الزوج فضلا عمّا إذا أخذت الخبز مثلا من الخبّاز بما في ذمّة الزوج، و هذا بخلاف غيرها ممّن تجب نفقته؛ لأنّه لا يملك عوض النفقة في ذمّة من تجب نفقته عليه.

غاية ما هناك على تقدير التسليم ثبوت حقّ له غير قابل للإسقاط فضلا عن المعاوضة، و إلّا فيمكن أن يكون حكما محضا.

و التحقيق في ذلك يطلب من محلّه.

هذا هو الوجه الفارق للزوجة، و أمّا الوجه المختصّ بفرق المملوك فهو أنّ المملوك لا يتعلّق به التكليف بالزكاة أصلا ما دام مملوكا من حيث إنّه لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ، وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ، و التكليف بالفطرة و الصدقة عنه يتعلّق أصالة بالمولى من حيث إنّها توجب حفظ ماله كالصدقة عن ... (2) مثلا، فالعنوان الموجب للفطرة نفس كونه مملوكا، لا عنوان آخر كالعيلولة مثلا، و هذا بخلاف غيره ممّن تجب نفقته، فإنّ شأنيّة الفطرة موجودة بالنسبة إليه حتّى الصغير و إن لم يكلّف فعلا أو أصلا بالزكاة.

____________

(1). كذا قوله: «قبل الجزء» في الأصل.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة ممحيّة.

842

..........

____________

و القول بأنّ وجه ما دلّ (1) على وجوب الفطرة على كلّ من يعول من الحرّ و العبد و الصغير و الكبير أو عن جميع من يعول كون نسبة الفطرة إلى الجميع على نسق واحد على ما عرفت تفصيل القول فيه، و إلّا فيلزم استعمال اللفظ في معنيين، فاسد.

أمّا أوّلا: فلأنّ ثبوت الفطرة بعنوان العموم على كلّ أحد حتّى المملوك- كما في الطائفة الاولى- إنّما هو مبنيّ على ضرب من التغليب بالنسبة إلى المملوك، و إلّا فقد عرفت أنّه غير قابل لثبوت الفطرة عليه، و أمّا الطائفة الثانية فلا تنافي ما ذكرنا بالنسبة إلى المملوك جدّا، مع أنّ ما ذكرنا بالنسبة إلى الطائفة الاولى يجري بالنسبة إليه أيضا.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الإلزام بثبوت ضعفه بالنسبة إلى المملوك أيضا لا ينافي ما ذكرنا بالنسبة إلى الطائفة؛ لأنّ مقتضاه أنّ شأنيّة الفطرة موجودة بالنسبة إلى كلّ إنسان من حيث كونها موقية له عن التهلكة حتّى المملوك و الصغير بحيث لو لم يؤدّيا أو لم يؤدّ الغير عنه لوقعا في التهلكة المقدّرة لو لا الفطرة، و هذا لا ينافي كون التكليف بالفطرة عن المملوك من حيث كونه مملوكا موجبا لحفظ المال.

هذا بعض الكلام في الوجه المختصّ، و أمّا الوجه المشترك بينهما فهو أنّ المراد ممّن يعول [في] الروايات من يتّخذه الرجل عيالا، و هذا المعنى في الزوجة و المملوك يتحقّق بمجرّد الزوجيّة و التملّك ما دامت الزوجة مطيعة، و في غيرهما من أقسام العيال لا يتحقّق إلّا بالإنفاق، فلا يلزم إذا استعمال اللفظ في معنيين، كما لا يخفى، فإذا يمكن الاستدلال للتفصيل على ما ذهب إليه المشهور بالروايات الدالّة على وجوب الفطرة عمّن يعول.

هذا بعض الكلام في وجوه الأقوال، و أنت خبير بأنّ القول الأوّل أقرب إلى‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 173؛ الفقيه، ج 2، ص 178 و 182؛ الاستبصار، ج 2، ص 44- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 72- 76 و 81- 82 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 317- 320.

843

..........

____________

الصواب و إن كان قول المشهور أيضا لا يخلو عن وجه.

ثمّ إنّ هنا قولا في قبال الأقوال المتقدّمة في خصوص الزوجة ذهب إليه الحلّي في السرائر (1) مدّعيا الإجماع عليه، و هو وجوب الفطرة عنها و إن كانت ناشزة أو صغيرة، و هو في غاية الضعف.

و ردّه المصنّف في المعتبر (2) بأنّ أحدا من علماء الإسلام لم يذهب إليه.

هذا بعض الكلام في المسألة الاولى، و هو بعض مناط وجوب الفطرة عن الزوجة و المملوك و غيرهما من مطلق العيال و إن كان كلام المصنّف في خصوص الزوجة و المملوك.

و أمّا الكلام في المسألة الثانية، و هي بيان حكم فطرة الزوجة و المملوك إذا كانا عيالا للغير، و يعلم فيه حكم فطرة غيرهما من أقسام العيال في الفرض، فحاصله أنّه لا إشكال- بل لا خلاف ظاهرا في سقوط الفطرة عن الزوج و السيّد.

أمّا على المختار من دوران الحكم مدار العيلولة الفعليّة فواضح؛ لاستحالة تحقّق العنوان المزبور بالنسبة إلى شخصين، كما لا يخفى، فإذا عالهما غير الزوج و السيّد فيخرجان عن عنوان عيالهما فعلا، اللّهمّ إذا فرض أنّ الزوج و السيّد أنفقا عليهما، لكن كان أكلهما من الغير بناء على ما عرفت من عدم اشتراط الأكل في صدق عنوان العيال و كفاية مجرّد الإنفاق، فإنّه يصدق إذا أنّهما عيالان للغير و للزوج و السيّد، فإذا يمكن القول بوجوب الفطرة عليهما فعليّا إن منع من شمول نفي الثنى في الصدقة (3) للمقام أو كفاية إن سلّم شموله، أو بالنقض نظرا إلى وجود السبب بالنسبة إلى كلّ منهما، فيصير‌

____________

(1). السرائر، ج 1، ص 466.

(2). المعتبر، ج 2، ص 601- 602.

(3). إذ قال (صلى اللّه عليه و آله): «لاثنى في الصدقة». كنز العمال، ج 6، ص 332 و 466.

844

..........

____________

مفروض المسألة نظير العيال المشترك بين الشخصين، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ مقتضى التأمّل في الفرض أيضا عدم وجوب الزكاة على الزوج و السيّد؛ للمنع من صدق العيال بمجرّد الإنفاق كيف ما كان، و إنّما هو فيما إذا لم يكن أكل المنفق عليه من الغير.

و الحاصل أنّ مفهوم العيال أمر عرفي يصدق بمجرّد الإنفاق في مورد و لا يصدق في مورد آخر.

هذا كلّه على المختار، و أمّا على القول بإناطة الحكم بوجوب الإنفاق أو عنوان الزوجة و المملوك فقد يشكل الأمر نظرا إلى وجود سبب وجوب الفطرة عنهما بالنسبة إلى الزوجة و السيّد كما هو موجود بالنسبة إلى الغير المعيل فعلا فيجري فيه الوجوه المتقدّمة.

لكنّك خبير بأنّ قضيّة التأمّل هو وجوب الفطرة عنهما على الغير المعيل على هذين القولين أيضا؛ لأنّ دليل وجوب الفطرة عنهما على الغير المعيل حاكم على دليل وجوب الفطرة على الزوج و السيّد، فإنّه يدلّ على وجوب تحمّله الفطرة عنهما، كما أنّه يتحمّل الفطرة عن نفس الزوج و السيّد إذا فرض صيرورتهما عيالا للغير أيضا، فهل ترى فرقا بين دليل وجوب الزكاة عن النفس و عن العيال مع اتّحاد الدليل بالنسبة إليهما؟

845

[الثالثة] [سقوط الفطرة عمّن وجبت فطرته على غيره و عدم سقوطها عنه إذا سقط عن غيره]

قوله (قدّس سرّه): الثالثة: كلّ من وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه و إن كان لو انفرد وجبت عليه كالضيف الغني و الزوجة (1) (1).

____________

أقول: هنا مسألتان.

الاولى: سقوط الفطرة عمّن وجبت فطرته على غيره.

الثانية: عدم سقوطها عنه إذا سقط وجوبها عن غيره.

أمّا المسألة الاولى [سقوط الفطرة عمّن وجبت فطرته على غيره.]

فالذي قطع به الأصحاب- غير ظاهر السرائر- سقوط الفطرة عنه مطلقا، سواء كان ضيفا أو غيره. و ذهب الحلّي (2) إلى وجوبها على الضيف [و المضيف]. هذا.

و لكنّ المحكي عن الفاضل الهندي (3) أنّه غير مخالف لما ذهب إليه الأصحاب، فإنّه إذا أوجب الفطرة عن الضيف مع إعسار المضيف، فعلى ما فهمه من عبارته تكون المسألة إجماعيّة.

و كيف كان، الحقّ ما ذهب إليه الأصحاب. و يدلّ عليه- مضافا إلى ما استدلّ به‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

(2). السرائر، ج 1، ص 468.

(3). حكاه الجواهر، ج 15، ص 505.

846

العلّامة (1) من قوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا ثنى في الصدقة» (2)- ما دلّ (3) على وجوب الفطرة على المعيل غير العيال من الأخبار المتقدّمة كما استدلّ به جماعة، فإنّ ظاهره إثبات وجوب ما يجب بالذات على العيال على المعيل، فلا معنى للحكم بالوجوب عليه بملاحظة العمومات، فلو قلنا بأنّها بالأصالة على المعيل فالأمر أوضح، فسقوط الفطرة عن العيال مع الوجوب على المعيل لا إشكال فيه في الجملة، إنّما الكلام في أنّ المسقط مجرّد وجوبها على المعيل فما دام باقيا لا يجب على العيال، أو يعتبر في السقوط إخراجها عنهم؟ ظاهر المشهور الأوّل، و هو الظاهر من المصنّف حيث أسند السقوط إلى مجرّد الوجوب (4)، و ربما يلوح من محكيّ الإرشاد (5) الثاني، و احتمله في محكيّ المسالك (6) مع العلم بعدم الإخراج، هذا.

و لكنّك قد عرفت في طيّ كلماتنا السابقة أنّ مقتضى الأدلّة ما ذهب إليه المشهور من السقوط ما دام الوجوب باقيا؛ إذ الالتزام بتوجّه التكليف إلى العيال مع إيجاب الفطرة عنه على المعيل ممّا لا معنى له و لو بنحو الوجوب الكفائي كما عرفت الإشارة إليه عن قريب.

نعم، لو فرض سقوط الوجوب عن المعيل بالعصيان مع فرض تحقّق السبب في حقّ العيال مع شرائطه في زمان ارتفاع الخطاب كان مقتضى التحقيق وجوبها على‌

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 3، ص 280. و فيه: «لا ثنى في الصدقة».

(2). كنز العمال، ج 6، ص 332 و 466. و فيه: «لا ثنى في الصدقة».

(3). الكافي، ج 4، ص 173؛ الفقيه، ج 2، ص 178 و 182؛ الاستبصار، ج 2، ص 43- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 71- 75؛ الوسائل، ج 9، ص 327- 332.

(4). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130. حيث قال: «كلّ من وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه».

(5). راجع إرشاد الأذهان، ج 1، ص 291.

(6). مسالك الأفهام، ج 1، ص 447.

847

العيال، لكنّ توجيهه في غاية الإشكال، هذا.

و لعلّ ما استظهر من الإرشاد و احتمله في المسالك [مبنيّ] على استفادة التحمّل المحض من الأخبار بالتقريب الذي عرفت تفصيل القول فيه سابقا من عدم المنافاة بين وجوب الزكاة على العيال فعلا و تكليف المعيل بإبرائها عنه، هذا.

و لكنّك قد عرفت ضعف هذا المعنى من التحمّل و أنّه خلاف ظاهر الأدلّة و ظاهر كلماتهم، بل صرّح شيخنا- دام ظلّه العالي- بأنّه لا يتعقّل له معنى، و تنظيره بالواجب الكفائي لا معنى له؛ إذ معنى وجوب الفطرة عن العيال أنّ ما يؤدّيه المعيل هو الذي كان على العيال، فلا معنى لتكليف العيال بها مع وجوده.

و كيف كان لا ينبغي بناء المسألة على التحمّل و الأصالة؛ لأنّ التحمّل بالمعنى المزبور لا يساعده دليل أصلا كما أنّه لا ينبغي ابتناء جملة من الفروع التي ذكروها عليهما، كحرمة إعطائها الهاشميّ إذا كان العيال غير هاشميّ على الأوّل، و جوازه على الثاني، و جوازه في العكس؛ لما عرفت سابقا من عدم جواز إعطائها الهاشمي إذا كان العيال غير هاشميّ و لو على القول بالأصالة؛ لأنّها وسخ غير الهاشميّ و إن كان المكلّف بالإعطاء هاشميّا، و كفاية إعطاء العيال و إسقاطه التكليف عن المعيل و لو كان بدون إذن منه على القول بالتحمّل، إلى غير ذلك ممّا عرفت تفصيل الكلام فيه.

هذا بعض الكلام في المسألة الاولى،

و أمّا الكلام في المسألة الثانية و هي عدم سقوط الفطرة عن العيال إذا كان ممّن يصحّ خطابه بها إذا لم تجب على المعيل،

فيقع الكلام فيه في موضعين:

أحدهما: فيما إذا سقط التكليف الندبي بالفطرة عن المعيل أيضا كالتكليف الوجوبي من جهة عدم قدرته بإعطائها و لو بالاقتراض و نحوه.

ثانيهما: فيما إذا سقط التكليف الوجوبي عنه لإعسار و نحوه مع توجّه الأمر‌

848

الندبي إليه بالفطرة عن عياله.

أمّا الموضع الأوّل [فيما إذا سقط التكليف الندبي بالفطرة عن المعيل أيضا]

فالحقّ فيه عدم السقوط عن العيال الموسر، وفاقا لجماعة منهم: الحلّي في السرائر (1) و المصنّف في المعتبر.

قال في الثاني: «لأنّها ممّن يصحّ أن تزكّي، و الشرط المعتبر موجود فيها، و إنّما تسقط عنها بوجوبها على الزوج، فإذا لم تجب عليه وجبت عليها».

و قال الشيخ (رحمه اللّه) في محكيّ المبسوط بسقوطها عنه كسقوطها عن المعيل، حيث قال فيما إذا كان الزوج معسرا: «و لا فطرة عليها و لا على الزوج؛ لأنّ الفطرة على الزوج، فإذا كان معسرا لا تجب عليه الفطرة و لا تلزم الزوجة؛ لأنّه لا دليل عليه» (2).

انتهى كلامه رفع مقامه.

و قوّاه فخر المحقّقين في محكيّ الإيضاح (3).

و فصّل العلّامة في المختلف بما هذا لفظه المحكيّ: «و الأقرب أن نقول: إن بلغ الإعسار بالزوج إلى حدّ يسقط عنه نفقة الزوجة بأن لا يفضل معه شي‌ء البتّة. فالحقّ ما قاله ابن إدريس، و إن لم ينته الحال إلى ذلك بأن كان الزوج ينفق عليها مع إعساره فلا فطرة هنا. و الحقّ ما قاله الشيخ (رحمه اللّه)».

ثمّ استدلّ على الأوّل بعموم الأدلّة الدالّة على وجوب الفطرة على كلّ مكلّف حتّى خرج منه زوجة الموسر لمكان العيلولة، فيبقى الباقي مندرجا في العموم، و على‌

____________

(1). السرائر، ج 1، ص 468.

(2). هذا ما حكاه عنه العاملي في المدارك، ج 5، ص 325؛ و المحقق السبزواري في الذخيرة، ج 3، ص 474؛ و البحرانى في الحدائق، ج 12، ص 274. و لكنه ليس صريح كلامه. قال في المبسوط، ج 1، ص 241: «المرأة الموسرة اذا كانت تحت معسر أو مملوك لا يلزمها فطرة نفسها ... لأنّ بالتزويج قد سقط عنه فطرتها و نفقتها و سقط عن الزوج لإعساره».

(3). إيضاح الفوائد، ج 1، ص 211.

849

الثاني بأنّها في عيلولة الزوج، فسقطت فطرتها عن نفسها و عن زوجها بفقره.

ثمّ قال: «و التحقيق أنّ الفطرة إن كانت بالأصالة على الزوج سقطت؛ لإعساره عنه و عنها، و إن كانت بالأصالة على الزوجة و إنّما يتحمّلها الزوج، سقطت عنه لفقره و وجبت عليها عملا بالأصل» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أورد الشهيد في محكيّ البيان على ما أفاده- من التفصيل قبل قوله:

«و التحقيق»- بأنّ: «النفقة لا تسقط فطرة الغني إلّا إذا تحمّلها المنفق» (2).

و ذكر في المدارك في المقام الإيراد على ما ذكره من التفصيل أخيرا بأنّ:

«ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب و إن اقتضى وجوب الفطرة بالأصالة على الزوج مع يساره إلّا أنّ ذلك لا يقتضي سقوطها عن الزوجة الموسرة مع إعساره» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أنت خبير بصحّة ما ورد في البيان و فساد ما أورده في المدارك، فإنّ معنى كون الفطرة بالعيلولة على الزوج هو خروج العيال عن خطاب التكليف بالفطرة من أوّل الأمر، فإذا لا معنى لتوجّه التكليف إليه بعد سقوط التكليف عن المعيل، هذا.

و لنا على ما ذهبنا إليه ما أشار إليه المصنّف في المعتبر (4) من أنّ المسقط هو وجوب الفطرة على المعيل؛ لأنّه المانع بمقتضى الدليل من شمول العموم له؛ لا أن تكون نفس العيلولة مانعة.

توضيح ذلك: إنّ الأدلّة الواردة في المقام على ضربين:

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 3، ص 277- 278.

(2). البيان، ص 208.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 325.

(4). المعتبر، ج 2، ص 602.

850

أحدهما: ما يدلّ (1) بعمومه على وجوب الفطرة على كلّ أحد من المكلّفين بعد اجتماع الشروط في حقّهم.

و مقتضى هذا القسم من الدليل وجوب فطرة العيال على نفسه مطلقا؛ لأنّه بمقتضاه في عرض المعيل.

ثانيهما: ما دلّ (2) على وجوب فطرة العيال على المعيل مع ثبوت المقتضي في حقّه من الأخبار التي عرفتها.

و مقتضى هذا القسم وجوب فطرة العيال على المعيل مع اجتماع الشروط في حقّه، فيخرج عن مقتضى العمومات الدالّة على وجوب الزكاة على نفس العيال فيما إذا وجبت فطرة العيال على المعيل، و يرجع في صورة انتفاء الوجوب إلى العمومات.

لا يقال: ما دلّ على وجوب فطرة العيال على المعيل قد أخرج العيال عن العمومات و خصّصت بها، و لا معنى للرجوع إليها بعد فرض انتفاء المخصّص، كما هو الشأن في سائر موارد التخصيص.

ألا ترى أنّه إن ورد: «أكرم العلماء» و ورد: «اقتل فسّاقهم» و فرض عدم القدرة على قتلهم لا يمكن العمل بوجوب إكرامهم.

و الوجه فيه: إنّ المخصّص يكشف عن عدم دخول المخرج في المراد من العامّ و إن قلنا بأنّ العموم يكشف عن وجود المقتضي للحكم في جميع الأفراد، فإنّ المخصّص أيضا كاشف عن خروج المخصّص عن المراد من جهة كشفه عن وجود‌

____________

(1). راجع الكافي، ج 4، ص 173؛ الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 78؛ الوسائل، ج 9، ص 318 و 343- 344.

(2). الكافي، ج 4، ص 173؛ الفقيه، ج 2، ص 178 و 182؛ الاستبصار، ج 2، ص 43- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 71- 75؛ الوسائل، ج 9، ص 327- 332.

851

المانع فيه، فمجرّد كون العامّ كاشفا عن وجود المقتضي لا يؤثّر في شي‌ء.

لأنّا نقول: لا معنى للقول بكشف ما دلّ على وجوب الفطرة عن العيال عن خروجه عن تحت المراد من العامّ، و إنّما الذي يقتضيه التحقيق كون وجوب الفطرة عنه على المعيل تابعا، للحكم بوجوب الفطرة عليه، بضميمة ما دلّ (1) على نفي الثنى في الصدقة، مضافا إلى ظهور ما دلّ (2) على وجوب الفطرة عنه بنفسه في كونها فطرته، و إلّا فلا مانع للقول بوجوب الفطرة عليهما مطلقا عينا، كما ذهب إليه الحلّي (3) في خصوص الضيف و المضيف؛ لعدم التنافي بينهما مع قطع النظر عمّا ذكرنا.

و الحاصل أنّ العامّ و المخصّص في المقام ناطقان بوجود المقتضي للحكم في العيال بحيث لو لا وجوب الفطرة على المعيل تنجّز التكليف به في حقّ العيال لنفس العيلولة [و هي] لا تصلح مانعا للحكم بوجوب الفطرة على العيال، و إنّما تصلح مقتضيا بمقتضى الأدلّة للحكم بوجوب تحمّل المعيل فطرته، فإذا قيّد هذا الوجوب بقيد منفيّ في بعض الصور، فلا بدّ من العيال دليل الوجوب (4) بعنوان العموم في حقّ العيال. و هذا معنى ما ذكرنا مرارا من أنّ مرجع الحكم بوجوب الفطرة عن العيال إلى نحو من التحمّل.

نعم، لو بني على أنّ ظاهر الأدلّة تعلّق التكليف بمعنى الأصالة، بحيث كان العيال كالحيوان المملوك، صحّ القول بسقوط الفطرة عن العيال كما أفاده العلّامة (قدّس سرّه) في‌

____________

(1). قال (صلى اللّه عليه و آله): «لاثنى في الصدقة». كنز العمال، ج 6، ص 332 و 466.

(2). الكافي، ج 4، ص 173؛ الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 78؛ الوسائل، ج 9، ص 318 و 343- 344.

(3). من أنّ الفطرة واجبة على الضيف و المضيف. السرائر، ج 1، ص 468.

(4). كذا قوله: «من العيال دليل الوجوب» في الأصل.

852

محكيّ المختلف (1) حسبما عرفته.

لكنّك قد عرفت ضعف المعنى و إن كان في الابتناء في كمال الاستقامة.

و ممّا ذكرنا كلّه يعرف فساد قياس المقام و أشباهه بسائر موارد التخصيص الكاشف عن خروج عنوان الخاصّ عن تحت المراد من العامّ، سيّما المثال المزبور، فإنّ التخصيص فيه كاشف عن وجود مقتضي الإهانة في العالم الفاسق، فكيف يحكم بوجوب إكرامه عند انتفاء عذر من الأعذار العقليّة أو الشرعيّة.

هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل،

و أمّا الكلام في الموضع الثاني (2) [فيما إذا سقط التكليف الوجوبي عنه لإعسار و نحوه]

فحاصل القول فيه أنّ قضيّة ظواهر كلمات من صرّح بعدم السقوط في الموضع الأوّل هو عدم السقوط في المقام أيضا، كما أنّ قضية صريح كلام من حكم بالسقوط فيه هو السقوط في المقام أيضا.

و اختار شيخنا- دام ظلّه العالي- وفاقا لبعض الأجلّة من المتأخّرين السقوط في المقام مع جزمه بعدم السقوط في الموضع الأوّل.

ثمّ إنّ هذا كلّه مع القول باستحباب الفطرة على المعيل في الفرض، كما هو ظاهر الأصحاب نظرا إلى الأخبار (3) الكثيرة الدالّة على عدم اشتراط الفقر، المتقدّمة عند الكلام في تلك المسألة في طيّ الاستدلال لقول الإسكافي، المحمولة على الاستحباب لجهة الوجوب جمعا، هذا.

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 3، ص 277- 278.

(2). أي سقوط التكليف الوجوبي عن المعيل مع توجّه الأمر الندبى إليه بالفطرة عن عياله.

(3). كرواية عبد اللّه الميمون، الاستبصار، ج 2، ص 42 و 47؛ التهذيب، ج 4، ص 75 و 81؛ الوسائل، ج 9، ص 330. و رواية زرارة، الكافي، ج 4، ص 172؛ الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 324. و رواية فضيل بن يسار، الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 73 و 87؛ الوسائل، ج 9، ص 322- 323.

853

و لكنّ المحكيّ عن الشهيد (رحمه اللّه) في البيان (1) الحكم بعدم الاستحباب نظرا إلى عدم مقاومة جهة الاستحباب لجهة وجوب الفطرة على العيال بمقتضى العمومات و عدم صلاحيّة مصلحة الاستحباب لتقريب مصلحة الواجب و إلّا فيخرج عن مفروض البحث، هذا.

و استدلّ شيخنا- دام ظلّه العالي- على السقوط في المقام: بأنّ مقتضى ما دلّ على السقوط فيما إذا فرض وجوب الزكاة عن العيال من الوجهين المتقدّمين هو السقوط في المقام أيضا، و لا معنى للقول بوجوبها على العيال و استحبابها للمعيل مع الالتزام بسقوط الفطرة بأداء كلّ واحد منهما، نظير الواجب الكفائي بعدم التنافي بين الوجوب بالأصالة على العيال و استحباب التحمّل في حقّ المعيل؛ نظرا إلى تعلّق الاستحباب بعنوان التحمّل، فلا ينافي نفي الثنى في الصدقة (2)؛ لعدم الالتزام بثبوت الفطرة عليها عينا كما هو لا ينافيه القول بوجوبها عليها لا على الوجه بل على الوجه الذي ذكرنا نظرا إلى أنّ المستحبّ بمقتضى الأدلّة ما يجب على العيال من الفطرة شرعا، فلا يجامع وجوبها على العيال نظرا إلى حكومة دليله على دليله، نظير ما عرفت في حكومة دليل وجوبها على المعيل على دليل وجوبها على العيال، و ليستا في مرتبة واحدة حتّى يجري فيه التوهّم المزبور.

نعم، هذا الكلام أيضا لا يخلو عن وجه؛ بناء على مراعاة ما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) (3) مع الالتزام بالاستحباب بأن يقال: إنّ إيجاب الاستحباب لتقريب الواجب و المصلحة الملزمة الموجودة فيه إنّما هو من جهة اشتماله على جواز الترك فلو لم تكن الفطرة‌

____________

(1). البيان، ص 209.

(2). قال (صلى اللّه عليه و آله): «لاثنى في الصدقة». كنز العمال، ج 6، ص 332 و 466.

(3). أي ما أفاده (قدّس سرّه) في البيان.

854

واجبة على العيال لزم تقريب ما كانت واجبة بمقتضى العمومات و مراعاة هذا المعنى، و دليل الاستحباب يقتضي بالحكم بالاستحباب مع الالتزام بوجوب الفطرة على العيال مع ترك المعيل للفطرة لارتفاع المنافاة بمجرّد الالتزام بهذا المعنى، كما لا يخفى.

و أمّا القول بأنّ فعل المستحبّ لا يجبر فوت مصلحة الواجب ففاسد جدّا؛ نظرا إلى أنّ المستحبّ في المقام هو الفطرة عن العيال، فكيف لا يكون فعلها مجزئا عن فطرته الواجبة عليه بالذات، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ قضيّة القواعد ما ذكرنا من عدم الفرق و سقوط الفطرة عن العيال بين ما إذا كانت واجبة على المعيل أو مستحبّة.

855

[فروع]

[الأول] [وجوب فطرة المملوك الغائب على المولى]

قوله: فروع: الأوّل: إذا كان له مملوك غائب يعرف حياته، فإن كان يعول نفسه أو في عيال مولاه، وجبت على المولى، و إن عاله غيره وجبت الزكاة على العائل (1) (1).

أقول: لا يخفى عليك أنّ هنا مسألتين:

____________

الاولى: وجوب فطرة المملوك الغائب على المولى إذا لم يعله غيره مع القطع بحياته.

الثانية: وجوب فطرته عليه مع الشكّ في بقاء حياته و إن كان ظاهر كلام المصنّف الاختصاص بالاولى، بل ربما استظهر من اعتباره معرفة الحياة مصيره إلى عدم الوجوب في المسألة الثانية، كما عليه جماعة، و إن أمكن تعميم المعرفة بحيث تشمل المعرفة بمقتضى الطرق الشرعيّة.

أمّا المسألة الاولى [وجوب فطرة المملوك الغائب على المولى إذا لم يعله غيره مع القطع بحياته.]

فالذي ظفرنا عليه من كلمات الأصحاب من غير خلاف، بل ظاهر الأدلّة: وجوب الفطرة فيها على المولى من غير فرق- فيما إذا كان عيلولته لنفسه الراجعة إلى أكله من المولى- بين أن يكون بإذن المولى و عدمه؛ لأنّ (2) نفقته تكون من جملة أموال المولى، أمّا بدون ذلك فمشكل؛ لعدم صدق العيلولة‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

(2). سياق العبارة يعلى أنّ هنا سقطا في الكلام.

856

هذا كلامه (1).

و لكنّك خبير بعدم الفرق في صدق العيلولة بين الصورتين؛ لعدم مدخليّة الإذن في تحقّق مفهومه في المقام و إن كان له مدخل في الجملة بالنسبة إلى أقسام العيال.

و منه يعلم أنّه لا مدخل للنفقة في ذلك؛ لأنّه لو كان أكله مع الخصومة أيضا بدون إذن مولاه جرى فيه الإشكال المزبور.

هذا كلّه على القول بدوران الحكم مدار العيلولة الفعليّة على الإطلاق حتّى في الزوجة و المملوك على ما قوّيناه سابقا، و أمّا على القول المشهور فالأمر أوضح كما هو واضح.

و من هنا قال في المعتبر: « (و) تجب الفطرة عن العبد الغائب الذي يعلم حياته و الآبق و المغصوب و المرهون، و به قال الشافعي [و أحمد] و أكثر أهل العلم، و قال أبو حنيفة: لا تلزمه زكاته؛ لسقوط نفقته، كما تسقط عن الناشز. لنا: أنّ الفطرة تجب على من يجب أن يعوله و بالرّقّ تلزم العيلولة» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

هذا بعض الكلام في المسألة الاولى.

و أمّا الثانية [وجوب فطرته عليه مع الشكّ في بقاء حياته]

فقد اختلفت فيها كلماتهم؛ فالمحكيّ عن الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف (3) و المصنّف في المعتبر (4) و العلّامة في المنتهى (5) هو عدم وجوب فطرته على المولى فيها.

____________

(1). هذا كلام السيد في المدارك، ج 5، ص 327. و فيه: «أمّا وجوب الزكاة على المعيل- سواء كان المولى أو الأجنبي- فلا ريب فيه؛ لأنّ العيلولة مقتضية للوجوب و إن كانت تبرّعا إجماعا. و إنّما الكلام في وجوب فطرته على المولى إذا كان في عوالة نفسه، فإنّه إنّما يتمّ ذلك إذا كان ذلك بإذن المولى؛ لأنّ نفقته تكون من جملة اموال المولى. أمّا بدون ذلك فمشكل لعدم صدق العيلولة».

(2). المعتبر، ج 2، ص 598.

(3). الخلاف، ج 2، ص 136.

(4). المعتبر، ج 2، ص 598.

(5). منتهى المطلب، ج 1، ص 534.

857

و استدلّوا عليه تارة بأنّه لا يعلم أنّ له مملوكا فلا تجب عليه زكاته.

و اخرى بأنّ الإيجاب شغل للذمّة، فيقف على ثبوت المقتضي و هو الحياة و هي غير معلومة.

و ثالثة بأنّ الأصل عصمة مال الغير فيقف انتزاعه على العلم بالسبب.

و المحكيّ عن الحلّي في السرائر (1) وجوب فطرته على المولى محتجّا تارة بأنّ الأصل البقاء، و اخرى بأنّه يصحّ عتقه في الكفّارة إذا لم يعلم بموته، و هو إنّما يتحقّق مع الحكم ببقائه فتجب فطرته، هذا.

و أوردوا على دليله الأوّل بالمعارضة بأنّ أصل البقاء معارض بأصالة البراءة.

و على دليله الثاني ثانيا بالمنع من الإجزاء في الكفّارة.

و اخرى بالفرق بأنّ العتق إسقاط ما في الذمّة من حقوق اللّه تعالى، و هي مبنيّة على التخفيف، بخلاف الفطرة؛ لأنّها إيجاب مال على المكلّف لم يثبت سبب وجوبه.

و الذي عليه السيّد في المدارك و بعض مشايخنا المتأخّرين في شرحه على الكتاب (2) هو التفصيل بين الغيبة مع انقطاع الخبر و بينها لا معه، فاختار القول الأوّل، في الأوّل و القول الثاني في الثاني.

قال في المدارك بعد نقل الخلاف في المسألة بما عرفته: «و أقول: إنّ محلّ الخلاف في هذه المسألة غير محرّر، فإنّه إن كان المملوك الذي انقطع خبره كما ذكره الشهيد في البيان (3)، اتّجه القول بعدم لزوم فطرته؛ للشكّ في السبب» و ساق الكلام إلى‌

____________

(1). السرائر، ج 1، ص 467.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 509.

(3). البيان، ص 206.

858

أن قال: «و إن كان محلّ الخلاف مطلق المملوك الغائب الذي لا يعلم حياته، فينبغي القطع بالوجوب مع تحقّق العيلولة إذا لم ينقطع خبره و إن لم تكن حياته معلومة، بل و لا مظنونة كما في الولد الغائب و غيره؛ إذ لو كان العلم بالحياة معتبرا لم يجب إخراج الفطرة عن غائب، و هو معلوم البطلان» (1). هذا كلامه.

ثمّ استدلّ عليه- بعد العمومات- بما ستعرفه من الرواية الخاصّة.

هذا ملخّص ما ذكروه في المقام، و الذي ينبغي أن يقال: إنّه لا ارتياب في أنّ الغيبة في الفرض بمجرّدها مع اجتماع شرائط الوجوب لا تقرّبه؛ إذ لا مدخل للغيبة و الحضور، كما أنّه لا ارتياب في عدم قدح الشكّ في الحياة بنفسها فيه.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الاستصحاب المسلّم في المقام على ما قيل حتّى عند من نفى اعتباره مطلقا كالسيّد في المدارك، و إلّا لزم سدّ باب وجوب الفطرة عن الغائب، و العلم بالحياة لا يحصل إلّا للقائم بالغيب، و هو معلوم البطلان، و إن كان فيه [نظر]؛ نظرا إلى أنّ الظاهر من كلام الشيخ (رحمه اللّه) (2) و تابعيه منع اعتبار الاستصحاب في المقام، فتدبّر، و إن كان مقتضى جواب بعضهم عنه بالمعارضة ظاهرا في تسليمه له، كما لا يخفى، و دعوى أنّ الاستصحاب في المقام من الاصول المثبتة، أو الحكم تعلّق بعنوان العيال كما ترى- ما رواه الكليني- في الصحيح- عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا بأس بأن يعطي الرجل عن عياله و هم غيّب عنه، و يأمرهم فيعطون عنه و هو غائب عنهم» (3).

و دعوى أنّ الرواية مسوقة لبيان عدم اشتراط الحضور و صحّة الزكاة مع غيبة‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 328.

(2). الخلاف، ج 2، ص 136- 137.

(3). الكافي، ج 4، ص 171؛ و كذا في التهذيب، ج 4، ص 331؛ الوسائل، ج 9، ص 366.

859

المزكّى عنه فتكون حياة الغائب فيها مفروضة كما ترى أيضا؛ إذ هو حمل للرواية على الفرد النادر، فتدبّر.

و أمّا لو فرض الشكّ في تحقّق موضوع الحكم مع الغيبة و هو العيلولة على ما اخترناه وفاقا لجماعة من كونها مناط الحكم، أو على المشهور من إناطة الحكم بنفس المملوكيّة، لا معنى للشكّ فيه كما لا يخفى، فإن كان الشكّ راجعا إلى الشكّ في مفهوم العيال كما إذا فرض الشكّ في صدقه مع الغيبة الطويلة الموجبة لانقطاع الخبر و إن كان سائر الشروط على تقدير الحياة محرزة، فلا ينبغي الإشكال في تعيين الرجوع إلى أصالة البراءة [لا] إلى استصحاب الحياة؛ لأنّه لا يجدي جدّا؛ إذ في هذا الفرض لا يجدي القطع بالحياة فضلا عن استصحابها؛ لأنّ المفروض أنّ الشكّ في صدق عنوان العيال ليس مسبّبا عن الشكّ في الحياة، بل لو فرض اختصاص الشكّ بصورة الشكّ في الحياة لم يجد الاستصحاب جدّا؛ لما عرفت. و أمّا استصحاب عنوان العيال فممّا لا معنى له في المقام جدّا؛ لأنّ المفروض كون الشكّ مسبّبا عن الشكّ في المفهوم الموجب للشكّ في الحكم الشرعي الكلّي و إن كان راجعا إلى الشكّ في المصداق، فيمكن القول بجريان الاستصحاب في عنوان العيلولة، بناء على التسامح العرفي كما هو الشأن في نظائر المقام، و إلّا فالبراءة محكّمة.

و أمّا معارضة الاستصحاب فيما يجري بأصالة البراءة كما عرفتها من تابعي الشيخ (رحمه اللّه) (1) فلا يعلم لها معنى محصّل؛ إذ الاستصحاب وارد على أصالة البراءة، لكن هذه الدعوى ليست بعيدة من المحقّق (قدّس سرّه) في المعتبر، فإنّه إذا عارض استصحاب الطهارة باستصحاب اشتغال الذمّة بالصلاة، فلا بدّ أن يعارض على أصل الاستصحاب‌

____________

(1). كالمصنّف في المعتبر، ج 2، ص 598؛ و العلّامة في المنتهى، ج 1، ص 534.

860

بأصالة البراءة في المقام، بل ليست بعيدة من العلّامة أيضا؛ لوجود نظيره في كلماته أيضا، هذا.

و قد أسمعناك في مطاوي ما ذكرنا أنّ الشكّ إنّما يفرض على تقدير كون المناط هي العيلولة، و أمّا لو كان المناط هي الملكيّة على ما عليه المشهور فلا ريب في وجوب الفطرة على المولى؛ لأنّ الملكيّة ليست كالعيلولة حتّى يشكّ في مفهومها تارة و في موضوعها اخرى، كما لا يخفى.

861

[الثاني] [العبد المشترك تجب فطرته على الموالي بالحصص]

قوله (قدّس سرّه): الثاني: إذا كان العبد بين شريكين فالزكاة عليهما، فإن عاله أحدهما فالزكاة على العائل (1) (1).

____________

أقول: ما اختاره المصنّف- من أنّ العبد المشترك تجب فطرته على الموالي بالحصص إلّا أن يختصّ أحدهم بإعالته، فتجب عليه خاصّة- و هو قول أكثر الأصحاب بل المشهور.

و خالف فيه ابن بابويه، فقال: «إنّه لا فطرة عليهم إلّا أن يكمل لكلّ واحد منهم رأس تام» (2).

و تبعه السيّد في المدارك، فإنّه بعد ذكر مستند ابن بابويه من الرواية التي ستقف عليها قال: «و هذه الرواية و إن كانت ضعيفة السند إلّا أنّه لا يبعد المصير إلى ما تضمّنته؛ لمطابقته لمقتضى الأصل، و سلامتها عن المعارض» (3). انتهى كلامه.

و استدلّ للمشهور بوجوه:

الأوّل: إطلاق ما دلّ (4) على وجوب زكاة المملوك على المالك أو عمومه، و عموم‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

(2). هذا ما حكاه عنه العاملي في المدارك، ج 5، ص 329. و لكن صريح كلامه هكذا: «و إذا كان المملوك بين نفرين فلا فطرة عليه إلّا أن يكون لرجل واحد». الهداية، ص 205.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 329.

(4). راجع الوسائل، ج 9، ص 365- 366.

862

..........

____________

ما دلّ (1) على وجوب زكاة العيال على المعيل؛ إذ لا فرق في مفادهما بين اتّحاد المعيل و تعدّده و كون العيال إنسانا أو بعض إنسان، و دعوى أنّ المنساق منهما خلاف ذلك، خلاف الإنصاف، هكذا ذكروه.

و لكنّك قد عرفت عند الكلام في العبد المحرّر بعضه أنّ هذه الاستفادة على خلاف ظاهر الأدلّة فلا بدّ أن يستند إلى استفادة المناط من الأدلّة.

الثاني: ما عرفته في طيّ المسائل السابقة من الرواية (2) الدالّة على وجوب فطرة خادم الزوجة و رقيقها على الزوج، فإنّه بإطلاقها يشمل ما إذا كان لها رقيق في ضمن عبد مشترك بالحصص، و لعدم القول بالفصل.

ثمّ المدّعى فيما إذا كان له بعض الرقيق، أو يدّعى شموله للكلّ و البعض على أضعف الوجهين في تقريب الدلالة. هذا.

و لكنّك خبير بأنّ الرواية لا إطلاق لها يجدي في المقام؛ لورودها في مقام حكم آخر، فتدبّر.

الثالث: ما أفاده بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) من فحوى مكاتبة محمّد بن القاسم بن الفضيل البصري المتقدّمة في مطاوي المسائل المتقدّمة، و هي ما رواه الكليني- في الصحيح- عن محمّد بن القاسم بن الفضيل البصري، قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) (أسأله عن) الوصي يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 173؛ الفقيه، ج 2، ص 178 و 182؛ الاستبصار، ج 2، ص 43- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 71- 75؛ الوسائل، ج 9، ص 327- 332.

(2). عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه و رقيق امراته و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق عليه بابه. الكافي، ج 4، ص 174؛ التهذيب، ج 4، ص 71 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 330- 331.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 510.

863

..........

____________

لهم مال؟ فكتب: و لا زكاة على يتيم، و عن [مملوك يموت مولاه و هو عنه غائب في بلد آخر و في يده مال لمولاه و يحضر الفطر، أ يزكّي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى؟ فقال [قال]: نعم» (1).

تقريب الاستدلال: إنّها دلّت على ثبوت الفطرة على العبد المشترك بين اليتامى مع أنّه لا فطرة عليهم لا فطرة أنفسهم و لا فطرة عيالهم، فتدلّ بالأولويّة على المدّعى في المقام، كما لا يخفى، و لا فرق في ذلك بين إرجاع الضمير في قوله: «و قد صار لليتامى» إلى المال أو المملوك، فإنّ المفروض في الرواية أداء الفطرة بعد موت المولى فيكون العبد أيضا كما في يده لليتامى، هذا.

و لكنّك خبير بضعف الاستدلال بفحوى هذه الرواية أيضا؛ لأنّ منطوق الرواية على خلاف الاصول و القواعد و لم يعمل به الأصحاب على ما اعترف به (قدّس سرّه) فيما سبق (2) أيضا، فكيف يستدلّ بمفهومه!؟

أمّا مخالفته للأصول و القواعد فأوضح من أن يبيّن؛ لأنّه دالّ على الإجزاء بأداء المملوك الفطرة عن اليتامى بدون إذنهم و على وجوب الفطرة على اليتامى، و هذا كما ترى.

فإن قيل: المراد من اليتيم في الرواية الأعمّ من الصغير و الكبير مسامحة أو خصوص الأخير على وجه التسامح.

قلنا: مع أنّ المحذور وارد عليه أيضا أنّه لا وجه على هذا للاستدلال بالمفهوم؛ إذ لا مفهوم لها على هذا، بل لا بدّ من الاستدلال بالمنطوق، هذا.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 172- 173. و في صدره: «عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: كتبت إليه: ...».

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 485.

864

..........

____________

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أنّ الأولى التمسّك للمطلب بعموم ما دلّ (1) على وجوب الزكاة على كلّ أحد حرّا كان أو مملوكا، صغيرا كان أو كبيرا، فإنّ هذا العموم بعد صرفه عن ظاهره يدلّ على ثبوت الزكاة على المملوك من حيث إنّه مملوك، و من المعلوم أنّ الحكم اللاحق للشي‌ء بحيثيّة من الحيثيّات لا حق لنفس الحيثيّة حقيقة؛ إذ مقتضاه كون الزكاة مانعا لنفس الملكيّة، فإن كانت ثابتة لواحد فتجب الفطرة بتمامها عليه، و إن كانت ثابتة لاثنين فتجب عليهما بنسبة ملكيّتهما، و هكذا.

و من هنا نقول: فطرة العبد المشترك كنفقته على الشريكين أو الشركاء.

و دعوى أنّ الموضوع في العمومات ليس المملوك من حيث هو مملوك، بل الموضوع الأوّلي هو الإنسان، و إنّما المقصود من ذكر المملوك و الحرّ و الصغير و الكبير فيها التّعميم و عدم اختصاص الحكم ببعض أفراد الإنسان، كما ترى.

و ممّا ذكرنا يعلم حكم الضيف لاثنين أو العيال لاثنين.

هذا حاصل ما أفاده دام ظلّه. و أنت خبير بأنّ الدعوى المزبورة ليست بعيدة، فتحتاج في إثبات الحكم في مفروض البحث إلى دليل آخر.

هذا على تقدير أن لا يكون ذكر المملوك من باب التغليب و إلّا- كما مال إليه شيخنا- دام ظلّه- فيما أسمعناك سابقا- فلا مناص من التشبّث بما دلّ على وجوب زكاة المملوك على المالك بالتقريب الذي عرفته، هذا.

و [أمّا] استدلال ابن بابويه على مطلبه (2) بما رواه في كتابه من لا يحضره الفقيه عن محمّد بن مسعود العياشي قال: «حدّثنا سهل بن زياد، قال: حدّثني منصور بن العبّاس، قال: حدّثنا إسماعيل بن سهل عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: قلت (له): عبيد [رقيق] بين قوم عليهم فيه زكاة الفطرة؟ قال:

____________

(1). راجع الكافي، ج 4، ص 173؛ الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 78؛ الوسائل، ج 9، ص 318 و 343- 344.

(2). المسبوق ذكره. الهداية، ص 205.

865

..........

____________

إذا كان لكلّ انسان رأس فعليه أن يؤدّي عنه فطرته، و إن [إذا] كان عدّة العبيد و عدّة الموالي سواء و [كانوا جميعا فهم سواء أدّوا] زكاتهم كلّ [لكل] واحد منهم على قدر حصّته، و إن كان لكلّ إنسان منهم أقلّ من رأس فلا شي‌ء عليهم» (1). فالرواية صدرا لا دلالة [لها] على مطلبه منطوقا، و الفقرة الثانية منها تدلّ على أنّ كلّ إنسان إذا كان مالكا لرأس و لو بطريق الإشاعة بقرينة قوله: «على قدر حصّته» تجب عليه الفطرة عنه، و هي أيضا لا دلالة لها على مطلبه بل على خلافه أدلّ.

نعم، ذيلها يستظهر منه المطلب، و هو مفهوم الصدر، لكنّ الرواية ضعيفة من حيث السند، مضافا إلى إعراض الأصحاب عنها، فلا تصلح صارفة و مخصّصة للعمومات، هذا.

و أمّا مستند السيّد في المدارك (2) فقد عرفت أنّه الأصل في الحقيقة؛ لأنّه لا يصلح جابرا لضعف السند جدّا، و هو كما ترى محكوم بمقتضى العمومات.

ثمّ إنّ هذا كلّه إذا لم يختصّ أحد الشريكين أو الشركاء بإعالته، و أمّا إذا اختصّ بها فلا إشكال بل لا خلاف في وجوب فطرته عليه خاصّة، و قد عرفت وجهه من مطاوي ما أسمعناك في طيّ المسائل السابقة، لكن قيّده بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) بما إذا لم يكن ذلك من جهة مصادفة نوبته لليلة الفطر اتّفاقا إذا بنوا على التناوب في تحمّل نفقته، و مال إليه شيخنا- دام ظلّه- في مجلس البحث و بعض المتأخّرين، و إن اختار خلافه بمقتضى القواعد، و هو الحقّ؛ لعدم الفرق في مقتضى العمومات بين أفراد العيال، و دعوى أنّه يخرج عن عنوان العيال في الفرض واضحة الضعف.

____________

(1). الفقيه، ج 2، ص 182- 183.

(2). في تأييده ابن بابويه. مدارك الأحكام، ج 5، ص 329.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 512.

866

[الثالث] [لو مات المولى قبل الهلال و بعد الهلال]

قوله (قدّس سرّه): لو مات المولى و عليه دين، فإن كان بعد الهلال وجبت زكاة مملوكه في ماله (1) (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ هذا من فروع سببيّة الهلال، فإن كانت مسلّمة عند الأصحاب- حتّى عند القائلين بأنّ وقت الوجوب طلوع الفجر- يكون هذا الفرع محلّ وفاق، و إلّا كان مبنيّا على مسألة السببيّة، و من هنا زعم الخلاف في المسألة، أي مسألة السببيّة على الخلاف.

فالعجب من بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (2) حيث إنّه صرّح في المقام بعدم الفرق في ما ذكره المصنّف بين القول بأنّ وقت الوجوب الهلال أو طلوع الفجر، مع زعمه- وفاقا لجماعة ممّن تقدّم عليه- أنّ القائلين بأنّ وقت الوجوب طلوع الفجر يقولون بأنّه السبب للوجوب إلّا الشيخ (رحمه اللّه) (3) في أحد قوليه.

ثمّ إنّ التركة لو كانت وافية فلا إشكال في المسألة، و إن ضاقت من الدّين و الفطرة قسّمت بالحصص كسائر الديون؛ لأنّ زكاة الفطرة متعلّقة بالذمّة كالدّين، و ليست كزكاة المال متعلّقة بالعين حتّى تكون مقدّمة على الدّين و الفطرة بعد وجود السبب.

هذا كلّه لو مات المولى بعد الهلال، و لو مات قبل الهلال فإن قلنا بأنّ التركة مع‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 512.

(3). الاقتصاد، ص 284؛ الجمل و العقود (الرسائل العشر)، ص 209.

867

..........

____________

الدّين في حكم مال الميّت فليست فطرته على أحد؛ لا على الميّت؛ لعدم القابليّة، و لا على الورثة؛ لعدم الملكيّة، و إن قلنا بأنّها تنقل إلى الوارث و إن كانت متعلّقة بحقّ الدّيّان فيمكن أن يقال- كما قيل- بكون فطرته على الورثة.

ثمّ إنّ من المعلوم أنّ الكلام في المسألة مع قطع النظر عن صيرورة المملوك عيالا لأحد، و إلّا فتجب فطرته على من عاله و من الورثة، لكنّه لا ربط له بمفروض البحث كما لا يخفى. كما أنّ أصل المسألة أيضا ليس لها كمال ربط بالمقام كالمسألة الآتية و أشباهها من المسائل.

868

[الرابع] [وجوب الفطرة على الموصى له فيما الوصيّة]

قوله: الرابع: إذا أوصي له بعبد ثمّ مات الموصي، فإن قبل الوصيّة قبل الهلال [وجبت عليه، و إن قبل بعده سقطت، و قيل: تجب على الورثة، و فيه تردّد] (1) (1).

____________

أقول: أمّا وجوب الفطرة على الموصى له فيما لو قبل الوصيّة قبل الهلال فممّا لا إشكال فيه، و أمّا عدم وجوبها عليه فيما لو قبل الوصيّة بعد الهلال بناء على كونه السبب- حسبما عرفت و ستعرف- فعلى القول بكون القبول ناقلا في باب الوصيّة فلا إشكال فيه أيضا، و أمّا على القول بالكشف فقد صرّح ثاني الشهيدين (2) بكونها عليه.

لكن يمكن الخدشة فيه بأنّ الكشف الحقيقي ... (3) كما حقّقنا في محلّه، و إن كان هو الظاهر من القائلين به، و الحكميّ لا يجدي في المقام؛ لأنّه يتوقّف على دليل ينزّل غير الملك منزلة الملك مطلقا، و هو في حيّز المنع في المقام.

و الحاصل أنّ الحكم بأنّ الفطرة على الموصى له مع عدم تملّكه في زمان وجود السبب يحتاج إلى دليل، و مجرّد القول بالكشف لا يقضي بذلك مع انتفاء الدليل العامّ.

و من هنا ذهب الشيخ (رحمه اللّه) (4) إلى السقوط مطلقا.

هذا بالنسبة إلى الموصى له، و أمّا وجوبها على الوارث فيما لا تجب على الموصى له فيمكن القول به؛ نظرا إلى وجود السبب في حقّه مع اجتماع الشروط، و إن‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 449.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة ممحيّة.

(4). المبسوط، ج 1، ص 240؛ الخلاف، ج 2، ص 145.

869

..........

____________

أمكن منعه نظرا إلى أنّ الموصى به في حكم مال الميّت فيما يفرض نفوذ الوصيّة، فتدبّر، هذا.

و أمّا عدم وجوب الفطرة على الموهوب له مع عدم القبض على القول بكونه شرطا للصحّة فلا إشكال فيه، فتجب على الواهب أو وارثه، و من هنا أوردوا على الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1) حيث ذهب إلى هذا القول مع قوله بالوجوب على الموهوب له.

و أمّا على القول بعدم شرطيّته في الصحّة- على ما ذهب إليه في الخلاف- فلا إشكال في وجوبها على الموهوب له أو وارثه.

نعم، هنا كلام في الوجوب على ورثة الموهوب له على تقدير عدم قبضه قبل الهلال و قبضهم مبنيّ على الكلام في تأثير قبضهم، و ليس المقام محلّ التكلّم فيه.

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 240.

870

[الثاني] [في جنس زكاة الفطرة و قدرها]

قوله (قدّس سرّه): الثاني: في جنسها و قدرها.

و الضابط إخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة و الشعير و دقيقهما و خبزهما و التمر و الزبيب و الأرز و الأقط و اللبن (1) (1).

____________

أقول: اختلفت كلمة الأصحاب فيما يجب إخراجه في الفطرة. فذهب جماعة إلى وجوب الاقتصار على الأشياء الخاصّة، و اخرى إلى كون المناط أمرا كلّيا.

ثمّ المقتصرين على العنوانات الخاصّة اختلفوا بين من جعل المدار على الأربعة:

الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و هو الظاهر من جماعة من القدماء منهم: عليّ بن بابويه (2) و ولده (3) و ابن أبي عقيل (4).

و من جعل المدار على الخمسة بزيادة الأقط كالسيّد في المدارك (5).

و من جعل المدار على السبعة كالشيخ (رحمه اللّه) في محكيّ المبسوط و الخلاف، حيث قال في الثاني: «يجوز إخراج صاع من الأجناس السبعة: التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الأرز أو الأقط أو اللبن، دليلنا إجماع الفرقة، و أيضا فالأجناس التي اعتبرناها لا خلاف أنّها تجزئ، و ما عداها ليس على جوازه دليل» (6). انتهى.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131. و فيه: «و اللبن و الأقط».

(2). فقه الرضا (عليه السّلام)، ص 210.

(3). المقنع، ص 210- 211؛ الهداية، ص 203.

(4). حكاه عنه العلامة في المختلف، ج 3، ص 281.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 333.

(6). الخلاف، ج 2، ص 150.

871

..........

____________

و قال في المبسوط: «و الفطرة يجب صاع وزنه تسعة أرطال بالعراقي و ستّة أرطال بالمدني من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الأرز أو الأقط أو اللبن».

قال: «و الأصل في ذلك أنّه فضلة أقوات البلد الغالب على قوتهم».

ثمّ ذكر اختصاص كلّ ناحية بشي‌ء منها، فقال: «و إن أخرج واحد من هؤلاء من غير ما قلناه كان جائزا له إذا كان من أحد الأجناس التي قدّمنا ذكرها» (1). انتهى كلامه.

و أمّا المعمّمين فقد اختلفوا بين من جعل المدار على ما كان قوتا غالبا للجنس- أي جنس الإنسان- فيصدق فيما لو كان قوتا غالبا لبعض الأفراد منه، و هو الظاهر من المصنّف (2) و العلّامة (3) و غيرهما ممّن جعل المدار [و] المناط على القوت الغالب للكلّ مطلقا كما استظهر.

و بين من جعل المدار على ما كان قوتا غالبا للنوع، أي أهل بلد المزكّي و لو لم يكن قوتا له في الغالب.

و بين من جعل المدار على ما كان قوتا غالبا للشخص، أي شخص المزكّي.

و بين من جعل المدار على أحد الأخيرين، كما صرّح به جماعة من المتأخّرين.

هذه وجوه على القول بالتعميم، و إن كان وجود القول على طبق بعضها ممّا لم نحقّقه من الأصحاب.

ثمّ إنّ مرادهم من القوت الغالب- سواء اعتبرت للجنس أو النوع أو الشخص- ما كان التقوّت به غالبا بحسب الزمان للجنس أو غيره بمعنى قلّة التقوّت بغيره، لا ما كان‌

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 241.

(2). راجع شرائع الإسلام، ج 1، ص 131؛ المعتبر، ج 2، ص 605.

(3). راجع منتهى المطلب، ج 1، ص 536؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 381؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 425.

872

..........

____________

قوتا للأغلب كما قد يتوهّم، و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا.

ثمّ إنّ القول بأنّ المدار على القوت الغالب لا ينافيه القول بعدم كفاية دفع الفروع أصالة كما صرّح به الفاضل (1) و غيره (2)؛ لما ستعرف من وجهه.

نعم، كلام بعض القائلين بهذه المقالة لا يخلو عن اضطراب، كالمصنّف في المعتبر و العلّامة في المنتهى، حيث ادّعيا الإجماع على الضابط المذكور في الكتاب أوّلا، ثمّ اختارا قول الشيخ (رحمه اللّه) (3)، اللّهمّ إلّا أن يكون مرادهما من الإجماع الإجماع على كفاية القوت الغالب في الجملة، كما قيل، و إن كان خلاف الظاهر من كلامهما.

قال في محكيّ المنتهى: «الجنس ما كان قوتا غالبا كالحنطة و الشعير و التمر و الزبيب [و الأرز] و الأقط و اللبن، ذهب إليه علماؤنا أجمع» (4). انتهى كلامه رفع مقامه، و مثله ما عن المعتبر (5).

و اختارا (6) بعد ذلك ما اختاره الشيخ (رحمه اللّه) (7) من عدم إجزاء الدقيق و السويق و الخبز على أنّها اصول، معلّلين ذلك بأنّ النصّ على الأجناس المذكورة فيجب الاقتصار عليها، أو على قيمتها، و لو لم يكن هذا التعليل في كلامهما لم يكن كلامهما هذا منافيا لدعوى الإجماع، فتأمّل.

إلّا أنّ هذا التعليل ربما يستظهر منه المنافاة بل جعله بعض- بضميمة نسبة‌

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 536.

(2). كالمصنف في المعتبر، ج 2، ص 605؛ و الشيخ في الجواهر، ج 15، ص 518.

(3). المشار إليه فيما يأتى.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 536.

(5). المعتبر، ج 2، ص 605.

(6). منتهى المطلب، ج 1، ص 538؛ المعتبر، ج 2، ص 610.

(7). الخلاف، ج 2، ص 151.

873

..........

____________

الشهيد (رحمه اللّه) في الدروس (1) الاقتصار على العنوانات الخاصّة [إلى أكثر الاصحاب]- قرينة على أنّ المراد من الضابط في كلامهم ليس ما يتراءى من ظاهره من العموم بحيث تكون الامور المذكورة في كلامهم من باب التعليل، بل المراد منه بيان الضابط في الجملة الشامل لما ذكروه من العنوانات الخاصّة و إن كان كما ترى.

و يظهر ممّا عرفت في المنافاة ما صرّح به في محكيّ المعتبر (2) من أنّ السلت لو كان شعيرا يكفي دفعه أصالة، و إلّا فلا يكفي إلّا قيمته- مع أنّ السلت كما عرفت في باب زكاة المال طعام أهل صنعاء- كالعلّامة أيضا في محكيّ المنتهى و المختلف، فإنّه قال في المنتهى (3): إنّ المناط هو قوت الغالب، ثمّ نقل قول الشافعي بأنّ المدار على قوت الشخص و نفسه. و قال في موضع آخر: إنّه ليس المدار على قوت غالب أهل البلد (4)، و هذا الكلام منه (قدّس سرّه) كما ترى يدلّ على أنّ المدار عنده هو الجنس.

و قال في المختلف (5): يدفع المكلّف قوت غالب نفسه.

و هذا الكلام كما ترى يباين (6) بظاهره ما في المنتهى، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ كلامه في المنتهى مسوق لنفي تعيين قوت غالب الشخص أو البلد و كفاية قوت غالب الجنس، و كلامه في المختلف مسوق لبيان كفاية دفع ما يكون قوتا غالبا للشخص‌

____________

(1). الدروس، ج 1، ص 251.

(2). راجع المعتبر، ج 2، ص 610.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 536.

(4). حيث قال: «و لو اخرج أحد هذه الأجناس و كان غالب قوت أهل البلد غيرها جاز». منتهى المطلب، ج 1، ص 536.

(5). مختلف الشيعة، ج 3، ص 287. و الحق خلافه.

(6). لا يخفى عليك أنّه لا تباين بين كلامه في المنتهى و المختلف لأنّ المصنّف (رحمه اللّه) نقل كلام المختلف على خلافه. راجع المختلف، ج 3، ص 386- 387.

874

..........

____________

و عدم تعيين غيره.

و الذي يدلّ على ما ذكرنا استدلاله لما ذكره في المختلف بحديث نفي الحرج (1) و الضرر (2)، هذا.

ثمّ إنّ الأخبار الواردة في المسألة مختلفة ككلمات الأصحاب حيث اقتصر في جملة منها بالامور المخصوصة و العنوانات الخاصّة على اختلافها من حيث الاشتمال عليها و دلّت في جملة اخرى على الضابطة فيها، أنا أذكرها أوّلا ثمّ نتكلّم فيما يستفاد منها، و ما هو الحقّ في المسألة.

فنقول: أمّا الأخبار المقتصرة على العنوانات الخاصّة فكثيرة جدّا:

فمنها: [ما عن] سعد بن سعد الأشعري، عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام): «سألته عن الفطرة كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب؟ قال: صاع بصاع النبي (صلى اللّه عليه و آله)» (3).

و منها: ما عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «يعطي أصحاب الإبل و الغنم و البقر في الفطرة من الأقط صاعا» (4).

و منها: ما عن عبد اللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) في الفطرة، قال: «يعطى من الحنطة صاع و من الشعير (صاع) و من الأقط صاع» (5).

____________

(1). قال اللّه تعالى: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. الحج (22)، 78.

(2). راجع الكافي، ج 5، ص 292- 294؛ التهذيب، ج 7، ص 146- 147؛ الوسائل، ج 18، ص 32، ج 25، ص 400 و 420 و 427- 429.

(3). الكافي، ج 4، ص 171؛ الفقيه، ج 2، ص 176؛ الاستبصار، ج 2، ص 46؛ التهذيب، ج 4، ص 80؛ الوسائل، ج 9، ص 333.

(4). الاستبصار، ج 2، ص 46؛ التهذيب، ج 4، ص 81؛ الوسائل، ج 9، ص 333.

(5). الاستبصار، ج 2، ص 46؛ التهذيب، ج 4، ص 80؛ الوسائل، ج 9، ص 333.

875

..........

____________

و منها: ما عن ياسر القمّي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام)، قال: «الفطرة صاع من حنطة، و صاع من شعير، و صاع من تمر، و صاع من زبيب، و إنّما خفّف الحنطة معاوية [لعنه اللّه]» (1).

و منها: ما عن جعفر بن معروف، قال: «كتبت إلى أبي بكر الرازي في زكاة الفطرة و سألناه أن يكتب في ذلك إلى مولانا- يعني عليّ بن محمّد (عليهما السّلام)- فكتب: إنّ ذلك قد خرج لعليّ بن مهزيار أنّه يخرج من كلّ شي‌ء التمر و البرّ و غيره صاع، و ليس عندنا بعد جوابه علينا في ذلك اختلاف» (2). و ذكر الحديث في عداد هذه الأخبار إنّما هي بناء [على] دلالة لفظ الغير [ظ: الخبر] على العموم كما هو الظاهر.

و منها: ما عن معاوية بن وهب، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول في الفطرة:

جرت السنّة بصاع [من] تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير، فلمّا كان زمن عثمان و كثرت الحنطة قوّمه الناس فقال: نصف صاع من برّ [بصاع من شعير]» (3) أي كثرت الحنطة بالنسبة إلى ما قبله من الأزمنة التي لا توجد فيها، فشقّ عليهم إعطاء صاع منها لعزّة وجوده.

و عليه يحمل الحديث المشتمل على ما فعل معاوية بصاع من شعير (4).

و قريب منه ما عن سلمة أبي حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) (5).

و منها: ما عن أبي المغراء عن أبي عبد الرحمن الحذّاء: «عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 49؛ التهذيب، ج 4، ص 83؛ الوسائل، ج 9، ص 334.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 47؛ التهذيب، ج 4، ص 81؛ الوسائل، ج 9، ص 333- 334.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 48؛ التهذيب، ج 4، ص 83؛ الوسائل، ج 9، ص 335.

(4). أي ما مرّ عن ياسر القمي.

(5). الاستبصار، ج 2، ص 48؛ التهذيب، ج 4، ص 82؛ الوسائل، ج 9، ص 335.

876

..........

____________

ذكر صدقة الفطرة أنّها على كلّ صغير و كبير من حرّ أو عبد، ذكر أو انثى، صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرّة، قال: فلمّا كان زمن معاوية و خصب الناس عدل الناس عن ذلك إلى نصف صاع من حنطة» (1).

و منها: ما عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك» إلى أن قال: «عن كلّ إنسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين» (2).

و منها: ما عن ابن مسكان عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن [صدقة] الفطرة، فقال: على كلّ من يعول الرجل، على الحرّ و العبد و الصغير و الكبير صاع من تمر أو نصف صاع من برّ، و الصاع أربعة أمداد» (3).

و منها: ما عن محمّد بن مسلم، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: الصدقة لمن لا يجد الحنطة و الشعير يجزئ عنه القمح (و العلس) و العدس و السلت و الذرّة نصف صاع من ذلك كلّه أو صاع من تمر أو زبيب» (4).

و منها: ما عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري عن عبد اللّه بن حمّاد، عن إسماعيل بن سهل، عن حمّاد و بريد و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام)، قالوا:

«سألناهما (عليهما السّلام) عن زكاة الفطرة، قالا: صاع من تمر أو زبيب أو شعير، أو نصف ذلك كلّه حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرّة أو سلت، عن الصغير و الكبير، و الذكر و الانثى،

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 48؛ التهذيب، ج 4، ص 82- 83؛ الوسائل، ج 9، ص 335- 336.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 42؛ التهذيب، ج 4، ص 75؛ الوسائل، ج 9، ص 336.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 47؛ التهذيب، ج 4، ص 81؛ الوسائل، ج 9، ص 336.

(4). الاستبصار، ج 2، ص 47- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 82؛ الوسائل، ج 9، ص 337.

877

..........

____________

و البالغ و من تعول في ذلك سواء» (1).

و الظاهر كون (الحنطة) منصوبا على التميز، فيكون الحكم بكفاية نصف الصاع مختصّا بالحنطة.

لكنّه لا يخلو عن تكلّف؛ لأنّه يحتاج إلى جعل المشار إليه في قوله (عليه السّلام): «أو نصف ذلك» الصاع، و جعل قوله (عليه السّلام): «كلّه» بيانا، و قراءته بالجرّ لحديث العطف كما ترى، هذا.

و يمكن أن يلتزم بقرينة الأخبار الاخر الظاهرة في الاكتفاء بالنصف من غير الحنطة ... (2) في الحديث بأن يكون قوله (عليه السّلام): «حنطة» مقدّما على قوله (عليه السّلام): «أو نصف ذلك كلّه» فحذف اشتباها من الراوي حرف العطف، فإذا تعيّن حمله على التقيّة على كلّ تقدير كسائر الأخبار المشتملة على الاكتفاء بنصف الصاع من الأجناس و إن لم يكن خلاف العامّة إلّا في الحنطة، بناء على عدم اشتراط وجود المخالف في الحمل على التقيّة، كما ذكره في الحدائق.

و منها: ما رواه أيضا في المعتبر، قال: «روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه سئل عن الفطرة، فقال: صاع من طعام. فقيل: أو نصف صاع (من طعام)؟ فقال: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمٰانِ (3)».

و منها: ما رواه الصدوق مرسلا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) حيث قال: «و (في حديث) قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من لم يجد الحنطة و الشعير أجزأ عنه القمح و السلت و العلس و الذرّة» (4).

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 82؛ الوسائل، ج 9، ص 338.

(2). مكان النقاط في الأصل بياض.

(3). المعتبر، ج 2، ص 607- 608؛ و كذا في الوسائل، ج 9، ص 339. الحجرات (49)، 11.

(4). الفقيه، ج 2، ص 176.

878

..........

____________

و هذه الرواية و إن رواها في الوسائل (1) مسندة إلّا أنّ من المعلوم لكلّ أحد أنّه من مراسيل الصدوق، و الذي أوقعه في هذا الوهم هو ذكر الصدوق هذا المرسل عقيب الحديث المسند بالسند الذي أورده في الوسائل، فزعم (قدّس سرّه) أنّه مسند، و من كان له أدنى تدبّر يعلم بفساد هذا الوهم، و أنّه لا يقبل أن يكون مسندا بالسند الذي أورده. و من هنا أسند الأصحاب هذا الحديث إلى الصدوق، و قد وقع نظير هذا منه (قدّس سرّه) في غير موضع؛ لأنّ الإنسان غير المعصوم يساوق الاشتباه و النسيان، هكذا ذكره شيخنا دام ظلّه العالي.

و منها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في خطبة العيد يوم الفطرة، قال (عليه السّلام): «أدّوا فطرتكم فإنّها سنّة نبيّكم و فريضة واجبة من ربّكم، فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن عياله كلّهم ذكرهم و أنثاهم، (و) صغيرهم و كبيرهم، و حرّهم و مملوكهم، عن كلّ إنسان منهم صاعا من تمر أو صاعا من برّ أو صاعا من شعير» (2).

إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الوسائل و غيره من كتب الأخبار المشتملة على الامور المخصوصة.

و أمّا ما يستفاد منه الضابط فجملة من الأخبار:

فمنها: ما عن زرارة و ابن مسكان جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «الفطرة على كلّ قوم ممّا يغذّون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره» (3).

و منها: ما عن إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: «اختلفت الروايات في الفطرة، فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السّلام) أسأله عن ذلك، فكتب: إنّ الفطرة صاع من‌

____________

(1). الوسائل، ج 9، ص 344- 345.

(2). الفقيه، ج 1، ص 517؛ الوسائل، ج 9، ص 329.

(3). الوسائل، ج 9، ص 343.

879

..........

____________

قوت بلدك على أهل مكّة و اليمن و الطائف و أطراف الشام و اليمامة و البحرين و العراقين و فارس و الأهواز و كرمان تمر و على (أهل) أوساط الشام زبيب، و على أهل الجزيرة و الموصل و الجبال كلّها برّ أو شعير، و على أهل طبرستان الأرز، و على أهل خراسان البرّ- إلّا أهل مرو و الرّي فعليهم الزبيب- و على أهل مصر البرّ، و من سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، و من سكن البوادي من الأعراب فعليهم الأقط، و الفطرة عليك و على الناس كلّهم» الحديث (1).

و منها: ما عن يونس عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «قلت له: جعلت فداك، هل على أهل البوادي الفطرة؟ قال: [فقال:] الفطرة على كلّ من اقتات قوتا فعليه أن يؤدّي (الفطرة) من ذلك القوت» (2).

ثمّ إنّك قد عرفت اختلاف الطائفة الاولى من الأخبار من حيث الاشتمال على عدد الامور المخصوصة، فقد ذكر في بعضها الأقط خاصّة كما في صحيحة معاوية بن عمّار، و في آخر الثلاثة منها، و في ثالث الأربعة منها، إلى غير ذلك ممّا عرفته.

و أمّا الطائفة الثانية فهي أيضا مختلفة من حيث الدلالة على أنّ المناط هو قوت الغالب بحسب النوع و الصنف أو المناط ما هو القوت الغالب للشخص، فإنّ الظاهر من رواية زرارة و ابن مسكان، كما استظهره شيخنا- دام ظلّه العالي- و صدر رواية إبراهيم بن محمّد، هو الاعتبار بما يكون قوتا للنوع أو الصنف، و الظاهر من ذيل الرواية المزبورة- كما قيل- و مرسلة يونس، هو الاعتبار بما يكون قوتا غالبا للشخص، فالحريّ أن نجرّ الكلام في موضعين:

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 79؛ الوسائل، ج 9، ص 343- 344.

(2). الكافي، ج 4، ص 173؛ الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 78؛ الوسائل، ج 9، ص 344.

880

..........

____________

أحدهما: في بيان النسبة و العلاج بين الطائفتين من الأخبار.

ثانيهما: في بيان العلاج بين القسمين من الطائفة الثانية.

و أمّا اختلاف الطائفة الاولى فلا يتعلّق لنا غرض في رفعه مع أنّ مرجعه إلى الإطلاق و التقييد فيجمع بينهما بالحمل لو كان المشتمل على ما هو الأكثر عددا معتبرا، أو على ما ستعرفه من الوجه.

أمّا الموضع الأوّل فحاصل القول فيه أنّه و إن كان للطائفة الاولى على فرض التسليم في بادئ النظر ظهور في عدم الإجزاء بغير الامور المذكورة فيها إلّا أنّ هذا الظهور مستند إلى عدم البيان فلا يعارض ما صرّح فيه بالإجزاء لكلّ ما يكون قوتا غالبا، فلا بدّ من رفع اليد عنها.

و دعوى انصراف ما هو المستفاد من الطائفة الثانية [إلى] ما هو الغالب الشائع من القوت و هو الامور المذكورة في الطائفة الاولى، أو الحمل عليها حملا للمطلق على المقيّد كما ترى؛ إذ الطائفة الثانية شاملة لكلّ ما يكون قوتا غالبا ... (1) و ليس مطلقا حتّى يرفع الانصراف فيها، كما لا يخفى.

هذا، مضافا إلى عدم معنى لدعوى العلّة (2) في المقام كما لا يخفى على من له أدنى دراية.

و منه يعلم فساد الدعوى المزبورة، مضافا إلى عدم تعارض عند القائلين بين الطائفتين أصلا، و ممّا يوهن الأخذ ... (3) أمر الطائفة الاولى و جعل الامور المخصوصة جدّا (4) اختلافها على ما عرفت، و من هنا جعله بعض دليلا على أنّ المناط مطلق القوت‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). كذا قوله: «العلّة» في الأصل.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(4). كذا قوله: «يوهن الأخذ ... جدّا» في الأصل.

881

..........

____________

و أنّ الامور المذكورة في الطائفة من باب المثال كما مثّل بجملة منها في الطائفة الثانية أيضا، و إن كان مقتضى التأمّل الأخذ بها و حملها على الأفضليّة حتّى جعل الإجزاء ببعض الامور مرتّبا على فقدان الآخر، فإنّه يحمل أيضا على بيان الفضل؛ لأنّه كما ترى أولى من الحمل على التمثيل المحض كما صنعه بعض حتّى احتمل كونه مرادا من كلام الأصل (1) أيضا، هذا.

و أمّا الأخذ بما يكون من الطائفة الاولى أكثر اشتمالا على الامور المخصوصة و حمل غيره عليه على تقدير البناء على الأخذ بها على ما عرفت الإشارة إليه في طيّ ما قدّمنا لك، فهو و إن كان مقتضى القاعدة عند التعارض في نفسه إلّا أنّه ربما ... (2)

ورودها في مقام التبيين. فتأمّل.

فقد علم ممّا ذكرنا أنّ ما أفاده الشيخ (رحمه اللّه) (3) و غيره من أنّ ما ذكرنا لا خلاف في الإجزاء بها، و غيره لم يقم على الاكتفاء به دليل [غير] منظور فيه، فإنّ قضيّة الاصول و إن كانت الاقتصار على الأمور المخصوصة في الجملة- لأنّها موارد للنصّ و الإجماع و مقتضى الأصل فساد دفع غيرها- إلّا أنّك قد عرفت قيام الدليل على الإجزاء بكلّ ما كان قوتا غالبا.

كما أنّه قد علم منه مستند المختلفين في الاقتصار على الامور المخصوصة، فإنّ كلامهم ... (4) بل بعض الأخبار المذكورة و طرح غيره لعدم صحّة السند أو غيره كما صرّح به في المدارك (5) و غيره، و فساده، مضافا إلى ما يرد على ما في‌

____________

(1). كذا قوله: «الأصل» في الأصل.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(3). الخلاف، ج 2، ص 151.

(4). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 335.

882

..........

____________

المدارك (1) من الاقتصار على الامور الخمسة من أنّ اللازم عليه زيادة الذرّة؛ لاشتمال صحيح أبي المغراء عليها، و ما أورده عليه بعض ممّا ذكره لم يقل به أحد و إن كان فيه ما فيه إن كان مقصوده أيضا بخرق الإجماع.

هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل، و أمّا الموضع الثاني فحاصل القول فيه أنّه قد يقال بلزوم حمل [ما] جعل الميزان فيه قوت البلد على ما جعل الميزان [فيه] قوت الشخص؛ لأنّ الغالب اتّحاد قوت البلد لقوت الشخص.

و دعوى العكس أيضا من أنّ التلازم الغالبى من الجانبين، مدفوعة بأنّ ما اعتبر فيه قوت الشخص عامّ فلا يحمل على الغالب، بخلاف ما اعتبر فيه قوت البلد، فعلى هذا لا يجزئ قوت البلد إذا لم يكن من أحد الامور المذكورة في الأخبار إذا لم يكن قوتا لشخص المكلّف، هذا.

و لكنّ التحقيق الأخذ بكلّ من الطائفتين، فيكون الشخص إذا مخيّرا بين أن يعطي أحد الامور المذكورة في الأخبار الخاصّة من السبعة التي ذكرها الشيخ (رحمه اللّه) (2) و غيرها ممّا لم يذكرها؛ لأنّها تقتضيه و إن لم يكن قوت بلده و لا قوت نفسه و أن يعطي قوت بلده و أن يعطي ما هو الغالب من قوت نفسه.

فقد تبيّن من مطاوي ما ذكرنا مستند جميع الأقوال غير القول بالاجتزاء بما يكون قوتا غالبا للجنس كما عزي إلى جماعة (3) على ما عرفت، فإنّ الأخبار المذكورة‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 333 و 335.

(2). الخلاف، ج 2، ص 150؛ المبسوط، ج 1، ص 241.

(3). نسبه المصنف سابقا إلى ظاهر المحقق و العلّامة و غيرهما. راجع الشرائع الإسلام، ج 1، ص 131؛ المعتبر، ج 2، ص 605؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 536؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 381؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 425.

883

..........

____________

على ما عرفت غير دالّة عليه عند التحقيق، و إن أمكن تنقيح المناط منها لكنّه لا شاهد له بحيث يعتمد عليه، فينحصر الدليل له عند التحقيق بقيام الإجماع على جواز دفع ما لا يكون قوتا غالبا للشخص إذا كان قوتا غالبا لغيره، فبالإجماع على عدم الفرق يستدلّ على هذا بضميمة ما استفيد من الأخبار، لكنّه يتوقّف على العلم بوجود الإجماع، هذا.

و ربما يستدلّ له بوجهين آخرين:

أحدهما: إطلاق ما دلّ (1) على أنّ الفقير يتصدّق ممّا يتصدّق عليه في جواب السؤال على الصدقة عليه، فإنّه و إن كان محمولا على الاستحباب إلّا أنّه يجدي في المقام جدّا.

ثانيهما: ما رواه المصنّف في المعتبر (2)، و قد عرفته في طيّ الأخبار؛ بناء على كون المراد من الطعام البرّ و كلّ ما يؤكل كما عن ... (3) لا خصوص الأوّل كما عن الصحاح، هذا.

و في كلا الوجهين نظر ظاهر.

هذا بعض الكلام في المسألة، و بقي هنا أمران ينبغي التنبيه عليهما:

الأوّل: أنّه لا إشكال في الاكتفاء بما يكون قوتا غالبا فعلا؛ لأنّه المتيقّن من الفتاوى و الأخبار، فهل يكتفى بدفع ما يكون قوتا غالبا بالقوّة و الشأن كالباقلاء- مثلا- أو لا؟ الظاهر لا؛ لظهور الأخبار فيما يكون قوتا غالبا فعلا لا بالقوّة و الشأن.

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 172؛ الاستبصار، ج 2، ص 41؛ التهذيب، ج 4، ص 74؛ الوسائل، ج 9، ص 324 و 340.

(2). المعتبر، ج 2، ص 607- 608.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة ممحيّة.

884

..........

____________

الثاني: أنّه هل يكتفى بدفع الفروع أصالة كالأصول ... (1) أو لا؟ صريح جماعة و منهم: الشيخ (رحمه اللّه) (2) و المصنّف في المعتبر (3) و العلّامة (4) فيما عرفت من كلامهما عدم جواز الاكتفاء به، و صريح اخرى منهم: المصنّف في الكتاب (5) جواز الاكتفاء به، و نحن نورد الكلام تارة في الخبز و أشباهه، و اخرى في الدقيق و السويق اللّذين قد ورد النصّ بجواز الاكتفاء بهما.

أمّا الكلام في الأوّل فحاصله أنّ الظاهر عدم الاجتزاء به؛ للأصل، و عدم دليل يصلح للخروج عنه به إلّا ما يتوهّم من عموم قوله (عليه السّلام) فيما تقدّم من الروايات: «من اقتات قوتا» (6) أو إطلاقه، و نحوه، و هو فاسد عند التأمّل؛ لأنّه لا ينبغي الارتياب في أنّ أفراد هذا العامّ ليست الاصول و الفروع معا؛ لأنّ العموم على هذا الوجه مستهجن جدّا، بل الاصول فقط؛ لأنّ شموله لها يقينىّ، فلا يمكن العكس، فإذا ثبت فساد الحكم بإرادتهما معا بمقتضى ظاهر اللفظ، فلا بدّ من الحكم بخروج الفروع عن العموم و عدم شموله لها، فالمراد بالقوت في الروايات أعمّ ممّا كان كذلك فعلا بالقوّة و الشأن في الغالب بمعنى صيرورته قوتا بعد تغيير صورة النوعيّة.

فإن شئت قلت: إنّ قوتية كلّ شي‌ء بحسبه، فقوتيّة الحنطة ليست في مرتبة قوتيّة الزبيب و التمر، فإنّ قوتيّة الحنطة إنّما تتحقّق بصيرورتها دقيقا ثمّ خبزا، فإنّ الالتزام‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). الخلاف، ج 2، ص 151.

(3). المعتبر، ج 2، ص 610.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 538.

(5). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(6). الكافي، ج 4، ص 173؛ الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 78؛ الوسائل، ج 9، ص 344.

885

..........

____________

بكون المراد من القوت هذا المعنى ممّا لا مناص عنه؛ لأنّ إرادة الاصول حتّى الحنطة و شبهها كالأرز نفسه، (1) فلا يجعل ظهور القوت في الفعليّة دليلا على إرادة الخبز و نحوه.

و الذي يؤيّد ما ذكرنا إن لم يدلّ عليه الخبر المكاتب المتقدّم (2) الذي هو كالمفسّر للرواية المطلقة، و هو كما ترى لم تذكر فيه من العناوين الخاصّة في مقام الحاجة إلّا الاصول، هذا.

نعم، لو لم يكن المناط عنوانات الامور المذكورة في الأخبار كالحنطة- مثلا- بل موادّها، صحّ الحكم بإجزاء الفروع كالأصول و لو لم تكن هناك أخبار عامّة لكنّه لعدم تغيير المادّة بتغيير الصورة، لكنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ ظاهر الأخبار إناطة الحكم بعنوانات القوت لا موادّها.

و منه يعلم فساد تمسّك بعضهم للإجزاء بأنّ الخبز حنطة، فإنّه إن أراد منه أنّه حنطة حقيقة فهو مخالف للوجدان، و إن أراد اتّحادهما من حيث الجنس و المادّة فهو و إن كان مسلّما لكنّه لا يجدي؛ لما عرفت من عدم إناطة الحكم بمورد العنوانات في ظاهر الأدلّة في المقام، فلا يجوز التعدّي عنه بغير الصورة النوعيّة أو الصنفيّة.

نعم، ربما يحكم بالتعدّي في مثل النجاسة و نحوها من الأحكام، فإنّه يحكم ببقاء نجاسة الحنطة النجسة إذا صارت دقيقا أو خبزا، بل رمادا في وجه قويّ دون ما إذا صارت دخانا. و التحقيق يطلب من محلّه.

لا يقال: إنّ قوله (عليه السّلام): «كلّ من اقتات قوتا» و نحوه من العمومات و إن لم يشمل‌

____________

(1). كذا قوله: «لأنّ إرادة الاصول ... نفسه» في الأصل.

(2). أي ما تقدّم عن إبراهيم بن محمّد الهمدانى. الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 79؛ الوسائل، ج 9، ص 343- 344.

886

..........

____________

الفروع إلّا أنّ قوله (عليه السّلام): «فعليه أن يؤدّي من ذلك القوت» (1) يقتضي جواز دفع الخبز و أشباهه، فإنّ «من» كلمة من النشوء (2).

لأنّا نقول: ظاهر قوله (عليه السّلام): «من ذلك القوت» أي من نفسه، لا منه و ممّا ينشأ منه بأن يكون المراد وجوب الفطرة من جانب القوت، فتدبّر، هذا.

ثمّ إنّه قد يمنع العموم للخبز و أشباهه ممّا لا يدخل فيه الصاع من وجه آخر، و هو أنّ الواجب بمقتضى الأخبار الواردة في الباب هو الصاع من كلّ جنس، و هو و إن كان محدودا بالوزن من جهة تغيير الحنطة، و اختلاف الأجناس من حيث الخفّة و الثقالة إلّا أنّه لا ارتياب في كونه مكيلا بحسب الأصل، فلا بدّ أن يكون ما يدفع للفطرة ممّا يدخل فيه الصاع، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ التحديد بنفس الوزن أيضا قد ورد في الأخبار، كما لا يخفى لمن راجع ما قدّمنا من الروايات.

هذا بعض الكلام في الخبز و أشباهه.

و أمّا الكلام في السويق و الدقيق فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في جوازهما أصالة كسائر [الأمور] المنصوصة و إن كانا من الفروع؛ لرواية حمّاد و محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السّلام) (3) المتقدّمة في عداد الروايات، و الخدشة في السند كالخدشة في الدلالة ضعيفة جدّا، فإنّه ما هناك حمل بعض فقرات الرواية على التقيّة و هو غير قادح في الاستدلال بما هو عار عن شائبة التقيّة من فقرات الرواية، كما هو الشأن في كثير من الأخبار على ما تبيّن تحقيقه في الاصول، هذا.

____________

(1). في نفس الرواية.

(2). كذا في الأصل.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 43؛ التهذيب، ج 4، ص 83؛ الوسائل، ج 9، ص 338.

887

..........

____________

و قد تقدّم بعض الكلام في معنى الرواية و أنّ قوله (عليه السّلام): «أو نصف كلّ ذلك حنطة» يحتمل فيه وجهان من المعنى، فراجع، هذا.

و ممّا يدلّ على المدّعى مضافا إلى الرواية، ما رواه عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السّلام):

«سألته: [أ] يعطى الفطرة دقيقا مكان الحنطة؟ قال: لا بأس، يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة و الدقيق» (1).

وجه الدلالة: أنّ مفروض السؤال هو إعطاء الدقيق مكان الحنطة و كونه في مرتبتها، فيكون حاصل الجواب كفاية صاع من الدقيق و كون صاع منه مكان صاع من الحنطة، و قد دفع توهّم عدم الكفاية بزيادة الصاع من الدقيق بأنّ الزائد عوض عن الاجرة، هذا.

و للرواية معنى آخر يستدلّ بها من جهة في المسألة الآتية، أي الاجتزاء بالقيمة بأن يكون مفروض السؤال إعطاء الدقيق قيمة عن الحنطة، فيكون المراد من المكان بدليّة الدقيق عن الحنطة، هذا.

و ربما يستدلّ بها على مطلب آخر بعد حملها على المعنى الآخر، و هو كفاية دفع الناقص من الصاع [من] بعض الأجناس بقيمة الآخر إذا كان تساوي الناقص قيمة الصاع منه، هذا، و سيأتي تحقيق القول في المسألة.

____________

(1). التهذيب، ج 4، ص 332؛ الوسائل، ج 9، ص 347.

888

[الإجزاء بالقيمة السوقيّة في زكاة الفطرة]

قوله (قدّس سرّه): و (تجزئه) من غير ذلك (أن) يخرج بالقيمة السوقيّة (1) (1).

____________

أقول: أمّا أصل الإجزاء بالقيمة في الجملة مع التمكّن من دفع الأجناس المنصوصة فهو ممّا لا خلاف فيه، بل الإجماع عليه بقسميه (2)، و الأصل فيه قبل ذلك الأخبار المستفيضة.

منها: ما روي عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع: «بعثت إلى [أبي الحسن] الرضا (عليه السّلام) بدراهم لي و لغيري و كتبت إليه أخبره أنّها من فطرة العيال. فكتب (عليه السّلام): بخطه: قبضت و قبلت» (3).

و منها: ما عن ابن نوح: «كتب إلى أبي الحسن [الثالث] (عليه السّلام): أنّ قوما يسألوني عن الفطرة و يسألوني أن يحملوا قيمتها إليك، و قد بعث إليك هذا الرجل عام أوّل و سألني أن أسألك فنسيت ذلك و قد بعثت إليك العام عن كلّ رأس من عيالي بدرهم على قيمة تسعة أرطال بدرهم، فرأيك- جعلني اللّه فداك- في ذلك؟ فكتب (عليه السّلام): الفطرة قد كثر السؤال عنها و أنا أكره كلّ ما أدّى إلى الشهرة، فاقطعوا ذكر ذلك و اقبض ممّن دفع لها و أمسك عمّن لم يدفع» (4).

و منها: ما عن إسحاق بن عمّار: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك، ما تقول في‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). كما ادّعاه العاملي في المدارك، ج 5، ص 336؛ و الشيخ في الجواهر، ج 15، ص 518.

(3). الكافي، ج 4، ص 174؛ الفقيه، ج 2، ص 183؛ التهذيب، ج 4، ص 91؛ الوسائل، ج 9، ص 345.

(4). الكافي، ج 4، ص 174- 175؛ التهذيب، ج 4، ص 91؛ الوسائل، ج 9، ص 346.