كتاب الزكاة - ج2

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
514 /
889

..........

____________

الفطرة؟ يجوز أن أؤدّيها فضّة بقيمة هذه الأشياء التي سمّيتها؟ قال: نعم، إنّ ذلك أنفع له يشتري ما يريد» (1).

و منها: ما عنه أيضا: «لا بأس بالقيمة في الفطرة» (2).

إلى غير ذلك، فإذا لا إشكال في الإجزاء بالقيمة في الجملة و إن كان على خلاف الاصول، إنّما الإشكال بل الخلاف في أنه هل يجزئ دفع كلّ شي‌ء بدلا و قيمة عن الأجناس، أو يتعيّن الاقتصار على الذهب و الفضّة؟ ظاهر الأكثر- بل صريح جماعة منهم- الأوّل.

قال في المبسوط: «يجوز إخراج القيمة عن أحد الأجناس التي قدّمناها، سواء كان الثمن سلعة أو حبّا [أو خبزا] أو ثيابا أو دراهم أو شيئا له ثمن بقيمة الوقت» (3).

انتهى كلامه.

و عن الحلّي (4) و الأردبيلي (5) و السبزواري (6) منع التعميم، و وافقهم في المدارك (7) فأشكل فيه نظرا إلى قصور الرواية المطلقة من حيث السند عن إثبات ذلك و اختصاص الأخبار السليمة بإخراج القيمة من الدراهم. هذا.

و أمّا من وافقه فقد يحكى عنهم المنع من شمول القيمة المطلقة في الأخبار لغير الذهب و الفضّة؛ نظرا إلى كونها حقيقة فيهما أو منصرفة إليهما عند الإطلاق، هذا.

أقول: لا ينبغي الارتياب في أنّ قضيّة الاصول على تقدير عدم الدليل على‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 50؛ التهذيب، ج 4، ص 86؛ الوسائل، ج 9، ص 347.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 50؛ التهذيب، ج 4، ص 86؛ الوسائل، ج 9، ص 348.

(3). المبسوط، ج 1، ص 242.

(4). السرائر، ج 1، ص 469.

(5). مجمع الفائدة، ج 4، ص 259.

(6). ذخيرة المعاد، ج 3، ص 475؛ كفاية الأحكام، ص 42.

(7). مدارك الأحكام، ج 5، ص 337.

890

..........

____________

الحكم هو الاقتصار على ما ذكروه؛ لأنّه المتيقّن، كما أنّه لا ينبغي الارتياب في ضعف ما أفاده في المدارك من قصور الرواية المطلقة، إنّما الكلام فيما أفادوه من منع شمول القيمة لغير الذهب و الفضّة بل غير النقدين كما صرّح به بعض الأجلّة من المتأخّرين.

فنقول: إنّه لا ينبغي الارتياب في أنّه كمال المنا و الاستصابة (1)؛ لأنّ انصراف القيمة إلى الذهب و الفضّة ممّا لا شبهة فيه، بل يمكن دعوى كونها حقيقة فيهما؛ لأنّ معنى القيمة من كلّ شي‌ء ما يقوّم و يعادل به. و لا ريب أنّ معادلة كلّ شي‌ء من حيث الماليّة إنّما هو بالنقدين، ألا ترى أنّه لو اريد معادلة ثوب بثوب من حيث القيمة- مثلا- لا يمكن التعادل بينهما إلّا بإرجاع كلّ منهما إلى النقدين، و من هنا لا ارتياب في ملاحظتهما عند العرف في المعاملات إذا كان العرفيّان (2) من غيرهما، و لو كانت تلك الملاحظة بحسب الأصل من غير أن يكون ... (3) عليها فعلا في بعض الأمكنة.

و من هنا قلنا: إنّ قضيّة الأصل في باب الاتلافات و الضمانات ردّ نفس العين؛ لأنّه قضيّة السلطة، و لمّا لم يكن ممكنا تعيّن ردّ ما هو أقرب إليه المتّحد معه من حيث الصنف أو النوع، و هو المثل؛ لأنّه إذا تعذّر تدارك فوت الخصوصيّة الشخصيّة المقصودة للعقلاء يتعيّن تدارك الخصوصيّات النوعيّة أو الصنفيّة، فإذا تعذّر ردّ المثل فيستغرق الذمّة ما هو مال محض مجرّدا عن جميع التشخّصات و هو النقدين؛ لأنّه أقرب إليه بعد تعذّر تدارك الخصوصيّات الشخصيّة و الصنفيّة و النوعيّة؛ لأنّ كلّ ما فرض بدلا عن التالف فهو مباين له لإجمال الأموال؛ لأنّ ماليّة كلّ شي‌ء عوضا عن التالف يعلم بالنقدين فهما أولى بالاستقرار بالذمّة.

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). كذا في الأصل.

(3). مكان النقاط في الأصل بياض.

891

..........

____________

و من هنا روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «أنّ كلّ عرض يردّ إلى النقدين» (1)، و حكم ما تقتضيه القيمة فيما عرفت من الروايات (2) من حيث إنّه يشري بها ما يريد به، و من المعلوم فقدان هذه ... (3) من غير النقدين.

و بالجملة، كون الاصول في القيمة النقدين ممّا لا ينبغي الارتياب فيه، و من هنا حكم الشيخ (رحمه اللّه) فيما حكي عنه غيره في مسألة الصلح (4) بأنّه لو صالح ثوبا يعادل درهما بثوب آخر يعادل الدرهمين يكون ربا، و أنت خبير بأنّه لا يصحّ هذا الكلام إلّا بردّ الثوبين إلى القيمة و هي الدرهم و الدينار، فليس للقائل بالتعميم- بعد كونه على خلاف قضيّة الاصول- إلّا أن يتشبّث بذيل ما دلّ عليه في باب زكاة المال إمّا بتنقيح المناط و اتّحاد ... (5) من حيث الحرج أو بعدم القول بالفصل، فتدبّر.

فرعان:

أحدهما: لا ينبغي الارتياب في أنّ مفروض البحث فيما إذا دفع غير النقدين بعنوان القيمة عن الزكاة

من غير إرجاعه إليهما و احتسابهما عن الزكاة، فلو لم يكن دفعه على هذا الوجه، كما لو دفع إلى الفقير ثمنا من المتعدّد ... (6) إليه بأحد الأسباب، ثمّ يحتسب ذلك فطرة عنه مثلا، فلا ريب في جوازه.

ثانيهما: أنّه على القول بالتعميم و جواز دفع غير النقدين بعنوان القيمة هل يجوز دفع بعض الأجناس المنصوصة قيمة عن غيره

____________

(1). عن أبي ابراهيم (عليه السّلام): «كلّ عرض فهو مردود إلى الدراهم». الكافي، ج 3، ص 516؛ التهذيب، ج 4، ص 93؛ الاستبصار، ج 2، ص 93؛ الوسائل، ج 9، ص 139؛ و في المدارك، ج 5، ص 173، عن الشيخ محتجّا بقول الصادق (عليه السّلام): «كل عرض فهو مردود إلى الدراهم و الدنانير».

(2). كرواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(4). الخلاف، ج 3، ص 299- 300.

(5). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(6). مكان النقاط في الأصل بياض.

892

فيجوز إخراج نصف صاع من جنس أعلى قيمة يساوي صاعا من جنس آخر دون قيمة منه كنصف صاع من الحنطة مثلا بدلا عن صاع من الشعير- أو لا يجوز ذلك؟ و جهان، بل قولان، صريح المحكيّ عن العلّامة في المختلف (1) الأوّل، و عن الشهيد في البيان (2) الثاني، و وافقه السيّد في المدارك (3) و بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (4) و غيرهما.

و الأقرب- بالنظر إلى الجمود على ظاهر الأخبار من حيث إنّ المعتبر في الأجناس بمقتضى الروايات الصاع و انصراف أخبار القيمة إلى غير الأجناس- هو الثاني مؤيّدا ذلك بما دلّ من الأخبار (5) على إنكار ما وقع في زمن عثمان و معاوية من الإجزاء بنصف الصاع من الحنطة باعتبار علوّ سعرها و إن لم يكن ظاهرا في دفعه بعنوان البدليّة عن السعر بل ظاهرا في الدفع أصالة، فإنّه لا يخلو عن إشعار في عدم إجزاء الناقص عن الصاع في الأجناس و إن [كان] بعنوان البدليّة، إلّا أنّ مقتضى التأمّل و تحقيق النظر هو ما ذهب إليه العلّامة؛ لأنّ اعتبار الصاع في مقام الدفع أصالة جدّا و عدم الفرق في القيمة بعد البناء على التعميم بين الأجناس و غيرها.

ثمّ إنّ مفروض البحث كما في المسألة أيضا فيما لو اريد دفع نفس الناقص بدلا عن الصاع، لا فيما اريد جعل ثمنه ... (6) من الفقير بدلا فإنّه جائز بلا خلاف.

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 3، ص 293.

(2). البيان، ص 212.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 337.

(4). جواهر الكلام، ج 15، ص 520.

(5). كرواية ياسر القمي المتقدّمة. الاستبصار، ج 2، ص 49؛ التهذيب، ج 4، ص 83؛ الوسائل، ج 9، ص 334؛ و رواية معاوية بن وهب المتقدّمة، الاستبصار، ج 2، ص 48؛ التهذيب، ج 4، ص 83؛ الوسائل، ج 9، ص 335.

(6). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

893

[يخرج كلّ إنسان ما يغلب على قوته]

قوله (قدّس سرّه): و الأفضل إخراج التمر، ثمّ الزبيب، و يليه أن يخرج كلّ إنسان ما يغلب على قوته (1) (1).

____________

أقول: أفضليّة التمر عن جميع الأجناس، فهي لا شبهة فيها.

و يدلّ عليها من الروايات قوله (عليه السّلام) في خبر زيد الشحّام: «لئن اعطي صاعا من تمر أحبّ إليّ من أن اعطي صاعا من ذهب في الفطرة» (2).

و قوله (عليه السّلام) في رواية عبد اللّه بن سنان، بعد ذكر الأجناس: «و التمر أحبّ إليّ» (3).

و غيرهما ممّا ورد في أفضليّة التمر إلّا قول الصادق (عليه السّلام): «التمر في الفطرة أفضل [من غيره] لأنّه أسرع منفعة» (4) الحديث؛ لوجود هذا التعليل في الزبيب أيضا.

و من هنا حكي عن ابن البرّاج (5) القول بالتسوية بينهما.

و أمّا أفضليّة الزبيب بعد التمر فهي أيضا ممّا لا شبهة فيه، و يكفي فيه التعليل المتقدّم، فتدبّر، مضافا إلى قاعدة التسامح.

و أمّا أفضليّة قوت الغالب بعدهما فهي مبنيّة على حمل ما ورد في القوت الغالب على الاستحباب دون مجرّد الاجتزاء بها في مقام دفع توهّم عدمه، فتأمّل.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). التهذيب، ج 4، ص 85؛ الوسائل، ج 9، ص 351.

(3). التهذيب، ج 4، ص 86؛ الوسائل، ج 9، ص 350.

(4). الكافي، ج 4، ص 171؛ الفقيه، ج 2، ص 180؛ التهذيب، ج 4، ص 85؛ الوسائل، ج 9، ص 351.

(5). المهذّب، ج 1، ص 175.

894

[الثالث] [في وقت زكاة الفطرة]

قوله (قدّس سرّه): [الثالث: في وقتها] و تجب بهلال شوّال (1) (1).

____________

أقول: لا يخفى عليك أنّ هنا مسائل ثلاث قد تعرّض المصنّف لها:

الاولى: أوّل وقت الوجوب.

الثانية: جواز تقديم الفطرة عليه لا بعنوان القرض.

الثالثة: آخر وقت الوجوب.

و نحن [نتعرّض] لكلّ واحد منها عند ذكر المصنّف [له].

فنقول: أمّا الكلام في الاولى [أي وقت الوجوب]

فحاصله أنّهم اختلفوا في وقت الوجوب، فذهب المصنّف و جماعة منهم: الشيخ (رحمه اللّه) في أحد قوليه المحكيّ عنه في الجمل (2) و الاقتصاد (3)، و ابن حمزة (4) و ابن إدريس (5) و الفاضل (6) و الشهيدان (7) إلى أنّ وقته أوّل الهلال، بل هو المشهور بين المتأخّرين.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). الجمل و العقود (الرسائل العشر)، ص 210.

(3). الاقتصاد، ص 284.

(4). الوسيلة، ص 131.

(5). السرائر، ج 1، ص 469.

(6). قواعد الأحكام، ج 1، ص 359؛ مختلف الشيعة، ج 3، ص 296؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 539؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 391؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 290؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 427؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 440.

(7). البيان، ص 210؛ الدروس، ج 1، ص 248؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 451.

895

و ذهب جماعة منهم: ابن الجنيد (1) و المفيد (2) و المرتضى (3) و الشيخ (رحمه اللّه) في محكيّ النهاية (4) و المبسوط (5) و الخلاف (6)، و أبو الصلاح (7) و ابن البرّاج (8) و سلّار (9) و ابن زهرة (10) و ابن سعيد (11) و السيّد في المدارك (12) إلى [أنّ] وقته طلوع الفجر من يوم العيد.

ثمّ إنّ المراد بكون وقت الوجوب الهلال أو طلوع الفجر كون السبب نفس الوقت، كلّ على مذهبه، فيكون وجود الشرائط في غير وقت الوجوب غير مؤثّر كانتفائها بعده، فيكون هناك ملازمة بين أوّل الوقت و السببيّة، كلّ على مذهبه، فيكون السبب للوجوب الجزء الأوّل من وقت الوجوب فتكون مسألة السببيّة أيضا خلافيّة، و يكون الخلاف فيها مبنيّا على الخلاف في مسألة أوّل الوجوب بل لا يكون على هذا مسألة اخرى في قبال مسألة مبدأ وقت الوجوب؛ إذ يكون المراد حدوث الوجوب فيه و إن كان السبب مقدّما عليه، فالخلاف في وقت الوجوب لا يلازم الخلاف في السببيّة، فيمكن أن تكون مسألة السببيّة اتّفاقيّة بين الأصحاب مع الخلاف في وقت الوجوب.

____________

(1). حكاه عنه في المختلف، ج 3، ص 295.

(2). المقنعة، ص 249.

(3). جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى)، ج 3، ص 80.

(4). النهاية، ص 191.

(5). المبسوط، ج 1، ص 242.

(6). الخلاف، ج 2، ص 155.

(7). الكافي في الفقه، ص 169.

(8). المهذّب، ج 1، ص 176.

(9). المراسم العلوية، ص 136.

(10). غنية النزوع، ص 127.

(11). الجامع للشرائع، ص 139.

(12). مدارك الأحكام، ج 5، ص 344.

896

الذي يظهر من المصنّف في المعتبر (1) و الفاضل في جملة من كتبه (2) و الشهيد في البيان (3) هو ثبوت التلازم بين المسألتين حتّى أنّهم صرّحوا بأنّ القائلين بأنّ وقت الوجوب طلوع الفجر يعتبرون وجود الشرائط عنده. و صريح السيّد في المدارك (4) و الأصفهاني في الشرح (5) كون مسألة سببيّة أوّل الهلال اتّفاقيّة بين أرباب القولين، و إنّما الخلاف في وقت الوجوب الذي هو المسبّب عن أوّل الهلال، فاعتبار الشرائط عند الهلال اتّفاقيّ بينهم.

و صريح جماعة من المتأخّرين منهم: شيخنا و بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (6) تخطئة الفريقين؛ نظرا إلى أنّ القائلين بأنّ وقت الوجوب طلوع الفجر صرّحوا بأنّه إذا وهب له عبد أو ولد له ولد أو أسلم أو ملك مالا قبل الهلال، وجبت الزكاة، و إن كان بعده استحبّت إلى قبل الزوال. و التكلّف بأنّ اعتبار وجود الشرائط عند الهلال لا ينافي سببيّة طلوع الفجر؛ إذ يمكن أن يجعل الشارع وقتا خاصّا سببا لحكم في موضع متّصف بوصف قبل وجود السبب، كما ترى.

و من هنا خصّ الشيخ (رحمه اللّه) و العلّامة (7) بهذا القول (8) في محكيّ المختلف (9)، فيكون هنا مسألتان خلافيّتان، هذا.

____________

(1). راجع المعتبر، ج 2، ص 611.

(2). راجع إلى ما ذكرنا من كتبه سابقا.

(3). راجع البيان، ص 210.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 320.

(5). حكاه الجواهر، ج 15، ص 527.

(6). جواهر الكلام، ج 15، ص 527.

(7). راجع الخلاف، ج 2، ص 139؛ المبسوط، ج 1، ص 241.

(8). أي بهبة العبد و ولادة الولد و مثلهما قبل الهلال.

(9). مختلف الشيعة، ج 3، ص 295- 296.

897

و لكنّك قد عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة أنّ الحقّ مع صاحب المدارك لتصريح السيّد المرتضى (1) و غيره- ممّن قال بكون وقت الوجوب طلوع الفجر- باعتبار تحقّق السبب عند الهلال.

و دعوى أنّ هذا خارج بالنصّ و الإجماع كما عرفتها عن الذخيرة، قد عرفت ما فيها، كما أنّك قد عرفت وجه استظهار التلازم من غير الشيخ (رحمه اللّه) بين وقت الوجوب و سببيته له من حيث إنّ ظاهر وقت الوجوب عدم حصوله قبل الوقت، و هذا معنى سببيّة الوقت للوجوب. و قد عرفت ما يدفعه. هذا، فليرجع إلى الكلام في أصل المسألة.

فنقول: إنّه استدلّ المصنّف في المعتبر (2) و العلّامة (3) على كون الوقت من أوّل الهلال بروايتين تقدّمتا:

الاولى: ما رواه معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السّلام): «في الولد يولد ليلة الفطر و اليهودي و النصراني يسلم ليلة الفطر (عليهم الفطرة؟) قال: ليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (4).

الثانية: ما رواه أيضا: «سألته عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه الفطرة؟ قال: لا، قد خرج الشهر. و سألته عن يهوديّ أسلم ليلة الفطر عليه فطرة؟ قال: لا» (5).

و استدلالهما بالروايتين على ما عرفت من دعوى الملازمة بين الوقت و السببيّة منهما عند المختلفين في الوقت في كمال الاستقامة؛ لأنّ الروايتين باعتبار كلّ من‌

____________

(1). راجع جمل العلم و العمل (رسائل شريف المرتضى، ج 3)، ص 80.

(2). المعتبر، ج 2، ص 611. استدلّ فيه بالرواية الثانية.

(3). مختلف الشيعة، ج 3، ص 296. استدلّ فيه بالروايتين.

(4). الفقيه، ج 2، ص 179؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

(5). الكافي، ج 4، ص 172؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

898

التعليل و المعلّل يدلّان على سببيّة الهلال عند ثبوت الملازمة و مفروغيّتها، أمّا دلالة التعليل: واضحة، و أمّا دلالة المعلّل و هو نفي الزكاة في مفروض السؤال: فلأنّ نفيها عنه ينافي سببيّة طلوع الفجر جدّا.

كما أنّه تلزم سببيّة أوّل الهلال بعد الفراغ عن نفي سببيّة غيرهما. فتدبّر. فعند ثبوت الملازمة و مفروغيّتها يثبت كون مبدأ وقت الوجوب أوّل الهلال.

و استدلّ بهما أيضا من لا يدّعي الملازمة بين الأمرين، بل منعها، منهم: بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (1).

و أنت خبير بعدم صحّة الاستدلال بهما على القول بعدم ثبوت الملازمة، إلّا أن ينضمّ إليها شي‌ء آخر، هذا.

و لكن بعض هؤلاء- كشيخنا في شرحه على الكتاب- بعد الاستدلال بالروايتين ادّعى الملازمة بين الأمرين لقضيّة الأصل و العقل و النقل و إن نفى الملازمة المدّعاة في كلام المصنّف في المعتبر و العلّامة بين المختلفين في الوقت، فلا يحصى (2) الفرق بين الملازمتين، حيث قال- بعد ما حرّر الكلام في المسألتين و حكم بكون كلّ منهما محلّ خلاف؛ الاولى في كون الهلال وقت الوجوب أو طلوع الفجر، و الثانية في أنّ وقت الإخراج هل طلوع الفجر أو وقت الوجوب، و تكلّم بجملة كلام في المسألة الاولى-: «و أمّا الثانية فالأقوى فيها اتّحاد وقتي الإخراج و الوجوب، لأنّه الأصل الذي لا معارض له هنا بعد ما عرفت من كون المراد من صحيح العيص (3) و غيره بيان‌

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 528.

(2). كذا في الأصل.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 355. عن العيص بن القاسم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الفطرة متى هى؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر. قلت: فإن بقى منه شي‌ء بعد الصلاة؟ قال: لا بأس ...».

899

الفضل الذي لا ينافي وقت الإجزاء، فما في المدارك (1) و غيره- من الاستدلال له بوجوب الاقتصار على المتيقّن و هو طلوع الفجر دون غيره ممّا هو محلّ للشكّ- في غير محلّه؛ ضرورة عدم الشكّ حينئذ بعد الأصل المزبور الذي هو مع كونه موافقا للعمل مقتضى ظاهر ما يدلّ على الوجوب» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

قال شيخنا الاستاذ العلّامة- دام ظلّه-: إنّ مراده من النقل إطلاق الوجوب، و من العقل حكمه بعدم انفكاك الوجوب عن وقته، و دفعه عنه، هذا.

و أنت خبير بأنّ الأصل الذي ادّعاه لم نقف له على أصل، و أمّا التمسّك بظاهر ما دلّ على الوجوب، ففيه:

أوّلا: أنّ كلمة «على» في هذه المقامات لا يمكن أن تحمل على الوجوب كما عرفت مرارا؛ لأنّ مورده من لم يتعلّق التكليف به، فلا بدّ من أن يحمل على إرادة مجرّد التعلّق و الشأنيّة.

و ثانيا: أنّه على تقدير التسليم ليس الوجوب مستفادا من لفظ له إطلاق ... (3) أو مادّة الوجوب مثلا، بل غاية ما هناك استفادة الوجوب من الكلمة المزبورة في الجملة في مقابل من لم يدرك الشهر، فإن كان كبيرا فيجب عليه، و إلّا فعلى وليّه، و من المعلوم عدم ثبوت الوجوب على المولى من اللفظ، بل من اللبّ، و من المعلوم أنّ الوجوب الثابت على هذا الوجه ليس له إطلاق يتمسّك به.

و أمّا التمسّك بحكم العقل، ففيه: أنّا لا نجد في عقولنا ملازمة بين وقتين من الوجوب و الواجب أصلا؛ إذ أيّ استحالة في أن يجب الشارع علينا فعلا في زمان متأخّر عن زمان الوجوب، بل هو واقع في الشرعيّات، كما في الحجّ و شبهه؟

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 344.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 529.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمتان غير مقروءتين.

900

و دعوى استحالة إطلاق الوجوب مع تأخّر زمان الفعل الواجب فلا بدّ أن يكون الوجوب مشروطا بمجي‌ء الزمان في حال اجتماع شروط المكلّف فيه ممّا أوضحنا فسادها في الاصول، فالأولى لمن ينفي الملازمة المدّعاة في كلام المصنّف في المعتبر و العلّامة (1) أن يتمسّك بالروايتين بضميمة ما دلّ (2) من العمومات و الإطلاقات على وجوب الفطرة عن كلّ من يعول، و مقتضى الجمع بينهما هو سببيّة أوّل الهلال و ثبوت الوجوب فيه ... (3) أوّل وقت الواجب أيضا من حيث إنّ التفكيك بينها بتسليم سببيّة الهلال في الوجوب. و كون الواجب الفعل بعده ينافي إطلاق الوجوب من حيث عدم التقيّد بالزمان، كما أنّ تسليم السببيّة مع الإلزام بتأخّر وقت الوجوب و الواجب معا ينافي ما تقرّر في باب المشتقّ من اعتبار التلبّس بالمبدإ في حال النسبة.

فحاصل الجمع بينهما أنّه تجب الفطرة عن كلّ من [كان] عيالا من أوّل الهلال، هذا.

فإن شئت قلت: إنّ العمومات الدالّة على وجوب الفطرة على من يعول و غيره مهملة من حيث الوقت، و الخبرين (4) يدلّان على نفي الوجوب عمّن وجد الشرائط في حقّه بعد الهلال، و الجمع بينهما يقتضي الحكم بأنّه تجب الفطرة من أوّل الهلال على من كان واجدا للشرائط في هذا الزمان، و قد ذكرنا (5) و الجمع بهذا الوجه موجب للتعارض بين العمومات و الخبرين لا محالة، هذا.

____________

(1). المشار اليها سابقا.

(2). الكافي، ج 4، ص 173؛ الفقيه، ج 2، ص 178 و 182؛ الاستبصار، ج 2، ص 44- 48؛ التهذيب، ج 4، ص 72 و 76 و 81- 82 و 332؛ الوسائل، ج 9، ص 317- 318 و 327 و 329 و 335- 336.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(4). المتقدّمين.

(5). كذا في الأصل.

901

و القول بأنّ التفكيك بين زمان التلبّس بالمبدإ في المشتقّ و زمان النسبة لازم على كلّ قول؛ إذ على القول بسببيّة الهلال و اتّحاد زماني الوجوب و الواجب يكون ... (1)

أنّ الهلال و إن انتفى عنوان العيال فيه فيلزم ما ذكر من المحذور، و كذا أفضليّة الدفع قبل الصلاة مسلّمة عند القائلين بهذا القول مع عدم بقاء العنوانات فاسد جدّا؛ إذ فرق بين بقاء التكليف الثابت حال وجود العنوان في زمان ارتفاعه و حدوث التكليف في زمان ارتفاعه، فإنّ النسبة في الصورة الاولى قد حصلت حال التلبّس بالمبدإ، فتدبّر.

و منه يظهر اندفاع توهّم التفكيك في زمان حال ثبوت الحكم الاستحبابي، فإنّ مرجعه حقيقة إلى أفضليّة تأخير امتثال الحكم الحادث في حال التلبّس بالمبدإ، فتدبّر، هذا.

و استدلّ للقول الثاني- أي كون مبدأ الوقت طلوع الفجر الصادق من يوم العيد- بخبرين أيضا:

أحدهما: ما رواه العيص بن القاسم- في الصحيح-: سألت الصادق (عليه السّلام) عن الفطر، متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر، قلت: فإن بقي منه شي‌ء بعد الصلاة؟ قال: لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه» (2).

ثانيهما: ما رواه إبراهيم بن ميمون، عن الصادق (عليه السّلام): «الفطرة إن أعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، و إن كانت بعد ما تخرج إلى العيد فهي صدقة» (3).

و قصور دلالة الثاني منهما كضعف سنده ممّا هو غنيّ عن البيان. فالعمدة هي الرواية الاولى.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 355.

(3). الكافي، ج 4، ص 171؛ الاستبصار، ج 2، ص 45؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354. و في الأخير: «إبراهيم بن منصور».

902

فنقول: إنّ ظاهر صدر الرواية إن كان السؤال عن وقت الوجوب بحيث لا يجوز التقديم عليه فهي ظاهرة بهذا اللحاظ في زمان وقت الوجوب و لا ينافيه كون ذيلها خلاف الإجماع بظاهره؛ لإمكان طرحه مع الأخذ بالرواية في الجملة كما هو الشأن في نظائرها على ما تقرّر في محلّه، فيكون التفكيك بين فقرات الرواية مع إمكان [حملها] على ما لا ينافي المذهب، بأن يكون المراد إعطاء فطرة بعض العيال قبل الصلاة و إعطاء الباقي بعد الصلاة و غير ذلك ممّا لا ينافي الإجماع، إلّا أنّه لا يجوز الاستدلال بها لمن لا يرى التحديد المذكور فيها كالسيّد في المدارك (1) و غيره؛ لأنّ قوله (عليه السّلام): «قبل الصلاة» محمول على الاستحباب عندنا و عند صاحب المدارك و جماعة ممّن تمسّك بالرواية، فكيف يمكن مع ذلك حمل قوله (عليه السّلام): «يوم الفطر» على بيان وقت الوجوب؛ لاستحالة التفكيك بين القيد و المقيّد بحمل أحدهما على الوجوب و الآخر على الاستحباب في كلام واحد، كما لا يخفى.

و بهذا ... (2) في كتاب الطهارة تمسّك صاحب الحدائق (3) على وجوب الغسل من الأعلى برواية مشتملة على الأمر بالصبّ من الأعلى، هذا، مع إمكان أن يقال: إنّ التوهّم المزبور إنّما يستقيم فيما نحن فيه على تقدير صحّته لو كان قوله بعدم القيد مقدّما، كما لا يخفى، فالاستدلال بالرواية في المقام لا يستقيم حتّى على القول بجواز التفكيك بين القيد و المقيّد في كلام واحد.

هذا كلّه على مذهب من لا يرى التحديد بقيد «قبل الصلاة»، و أمّا على مذهب من يرى تحديد آخر الوقت [كما] عليه جماعة فلا يرد عليه هذا المحذور. إلّا أنّك ستقف على بطلان هذا القول و أنّ القيد في الرواية لا بدّ من أن يحمل على إرادة‌

____________

(1). مدارك الأحكام، ج 5، ص 344- 345.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(3). راجع الحدائق الناضرة، ج 2، ص 233.

903

التفصيل، هذا كلّه، مع أنّه على تقدير تسليم ظهور الرواية في الوجوب لا بدّ من حملها على الاستحباب جمعا بينها و بين ما عرفت في دليل المختار.

و هذا الجمع كما ترى أولى من الجمع الذي ذكره في المدارك (1) من حمل الرواية على بيان وقت الوجوب و حمل ما تقدّم في دليل المختار على بيان مجرّد السببيّة؛ لاستلزامه التفكيك بين زماني الوجوب و زمان اعتبار عنوان العيال، كما أنّه أولى من الجمع الذي ارتكبه الفاضل النراقي في المستند من الأخذ بظاهر كلّ منها و التزام اعتبار الشرائط في كلّ من الروايتين، قائلا بأنّ هذا ليس قولا بالفصل؛ لأنّ الشيخ (رحمه اللّه) قائل به (2)؛ لأنّه مع كونه خلاف الظاهر قول بالفصل جدّا؛ لأنّ مرجع هذا الجمع إلى أنّ كلّا من الروايتين جزء السبب، فالسبب التامّ هو مجموع الروايتين، فلا بدّ من اعتبار وجود الشرائط في كلّ من الجزءين، و هذا كما ترى لم يقل به أحد؛ لأنّ الشيخ (رحمه اللّه) في أحد قوليه (3) قائل بمقالة السيّد في المدارك على ما عرفت تفصيل القول فيه، فكيف ينسب إليه هذا القول!؟ هذا.

____________

(1). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 345.

(2). مستند الشيعة، ج 9، ص 422. قال فيه: «و لا يتوهّم عدم القول بالفصل بين عدم الوجوب بعدم إدارك وقته و الوجوب بإدراكه، فإن الشيخ نصّ في كتبه الثلاثة- التى ذهب فيها إلى القول الأوّل- على أنّ من أسلم أو ولد له مولود ليلة الفطر لم يجب عليه إخراج الفطرة». راجع النهاية، ص 189؛ الخلاف، ج 2، ص 139؛ المبسوط، ج 1، ص 241.

(3). راجع الجمل و العقود (الرسائل العشر)، ص 210؛ الاقتصاد، ص 286. و كذا المصادر الثلاثة السابقة.

904

[الكلام في الثانية] [لا يجوز تقديم زكاة الفطرة قبل هلال شوّال إلّا على سبيل القرض]

قوله (قدّس سرّه): و لا يجوز تقديمها قبله إلّا على سبيل القرض على الأظهر، (1) إلى آخره (1).

____________

أقول: ما اختاره المصنّف هو أحد القولين في المسألة، و إليه ذهب الشيخان (2) و أبو الصلاح (3) و ابن إدريس (4) و جماعة على ما حكي عنهم، بل في المدارك (5) و عن غيره أنّه المشهور بين الأصحاب.

و القول الآخر: يجوز إخراجها فطرة من أوّل شهر رمضان إلى آخره، و اختاره ابنا بابويه (6) و الشيخ في المبسوط (7) و الخلاف (8) و النهاية (9)، و نسبه المفيد (10) و سلّار (11) و ابن‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). الاقتصاد، ص 285؛ و نسبه في المدارك، ج 5، ص 346 إلى المفيد في المقنعة. راجع المقنعة، ص 249.

(3). الكافي في الفقه، ص 173.

(4). السرائر، ج 1، ص 470.

(5). مدارك الأحكام، ج 5، ص 345.

(6). فقه الرضا (عليه السّلام)، ص 210؛ المقنع، ص 212؛ الهداية، ص 204.

(7). المبسوط، ج 1، ص 242.

(8). الخلاف، ج 2، ص 155.

(9). النهاية، ص 191.

(10). المقنعة، ص 249.

(11). المراسم العلوية، ص 136.

905

..........

____________

البرّاج (1) إلى الرواية، و اختاره المصنّف في المعتبر (2) و الفاضل في المختلف (3) و ثاني الشهيدين و غيره على ما حكي [عنهم]، و اختاره [أيضا] جماعة من المتأخّرين، بل عن الدروس (4) و المسالك (5) أنّه المشهور، بل عن الخلاف (6) الإجماع عليه.

ثمّ إنّه لا فرق على الظاهر المصرّح به في كلام جماعة على القول الأوّل بين شهر رمضان و غيره، بل لا معنى للفرق، فما قيل من اختصاص القول بالتقديم على جهة القرض لشهر رمضان لا معنى له.

و أمّا القول بجواز التقديم فطرة فيحتمل أن يكون المراد منه- كما هو الظاهر في بادئ النظر، و استظهره بعض بل جزم به- كون إدراك جزء من شهر رمضان سببا واقعيّا لتنجّز الفطرة على المكلّف، فكلّ من اجتمع الشرائط في حقّه في جزء من الشهر فقد وجبت الفطرة عليه منجّزا سواء ... (7) بعده أو ... (8) فيكون مبدأ الوقت و السبب على هذا القول أوّل شهر رمضان، فيكون- على هذا- في قبال القولين المتقدّمين في مسألة الوقت، فيخرج في المسألة قول ثالث؛ لأنّ التقديم- على هذا الوجه- على جهة التوقيت كما عرفت.

و يحتمل أن يكون المراد منه مجرّد ترخيص الشارع الدفع بعنوان الفطرة لا منجّزا بل مراعى باجتماع الشروط حين السبب، و هو هلال شوّال، أو الطلوع على‌

____________

(1). المهذّب، ج 1، ص 176.

(2). المعتبر، ج 2، ص 613.

(3). المختلف الشيعة، ج 3، ص 300- 301.

(4). الدروس، ج 1، ص 250.

(5). مسالك الأفهام، ج 1، ص 452.

(6). الخلاف، ج 2، ص 156.

(7). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(8). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

906

..........

____________

القولين، فليس هذا القول في قبال القولين في مسألة التوقيت كما هو مآل الاحتمال الأوّل، بل هو نظير جواز دفع الزكاة عند هلال ثاني عشر على أحد القولين فيه، و نظير الترخيص في تقديم غسل الجمعة مع البقاء على حقيقة التكليف في يوم الجمعة، و ليست الفطرة على هذا ... (1) يسقط بعد الفرض كما قد يتوهّم حتّى جعل هذا وجها آخر في معنى القول بجواز التقديم في قبال الوجوب الغير المستقرّ و المستقرّ، و ذكر في معنى هذا القول وجوه ثلاثة، بل فطرة واجبة على تقدير اجتماع الشروط حين وجود السبب، و ليست بفطرة حتّى فطرة مستحبّة عند عدم اجتماعها عند وجود السبب، بل الأمر كذلك في مسألة تقديم غسل الجمعة و أشباهه و إن كانت كلمة الاصوليّين في مسألة الموقّت بظاهرها ناصّة بخلاف ما ذكرنا و إنّ ذلك كلّه من المستحبّ المسقط للفرض إلّا أنّ من المعلوم أنّهم في مقام دفع الإشكال الوارد في تقديم الموقّت حيث إنّه على خلاف قضيّة التوقيت، هذا.

و قد عرفت [أنّ] الذي يظهر من القائلين بجواز التقديم في بادئ النظر و إن كان هو الاحتمال الأوّل إلّا أنّ مقتضى التأمّل و التدبّر كون المراد هو الاحتمال الثاني؛ لأنّ المختلفين في جواز التقديم في المسألة هم الذين حصروا الوقت بالهلال و الطلوع، و ذكروا فروعا على القولين، حتّى أنّ جماعة من القائلين بجواز التقديم أرجعوا القول بكون الأوّل وقتا أو الثاني إلى سببيّة و فرّعوا الفروع من حيث وجود الشرائط بعد الهلال أو انتفائها على القولين، فكيف يحتمل مع ذلك كون مرادهم من جواز التقديم هو الاحتمال الأوّل أو الرجوع إلى نفي ما عرفت منهم كلّه حسبما عرفت، فلو كان لكلامهم في عنوان المسألة ظهور فيه فلا بدّ من رفع اليد عنه بملاحظة ما عرفت من تصريحهم بما ينافيه.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

907

..........

____________

نعم، ذكر العلّامة في محكيّ المختلف (1) في طيّ كلماته ما يظهر منه كون المراد المعنى الأوّل، حيث إنّه استدلّ لجواز التقديم بأنّه أنفع للفقير لاحتمال فقر الدافع و موته.

و هذا كما ترى يشهد على تنجّز الدفع في شهر رمضان و كونه غير مراعى بإدراكه أوّل الهلال.

ثمّ أورد على نفسه بما ملخّصه أنّه لا يقال على ما ذكرت: يجوز الدفع قبل الرمضان أيضا فيقضى عند تمتّع الملازمة؛ (2) لعدم وجود السبب قبل رمضان، و هذا بخلاف الدفع في رمضان، فإنّه قد وجد له أحد السببين. ثمّ نفى استبعاد كون الفطرة ذات سببين بأنّه لا ضير فيه أصلا، ألا ترى أنّ زكاة المال لها سببان؛ أحدهما الحول، و الآخر النصاب، هذا حاصل كلامه.

و هو كما ترى و إن كان ظاهرا فيما استظهرنا منه صدرا و ذيلا المراعى إلّا أنّ من المعلوم عدم إرادته ظاهره و عدم مصيره إليه، كيف!؟ و قد ادّعي الإجماع في الكتاب (3) و في التذكرة (4) فيما لو مات الولد في شهر رمضان أو اعتق المملوك أو خرج الضيف عن عنوان الضيفيّة على أنّه لا تجب فطرتهم على الوالد و المملوك و المضيف، فلا بدّ إذا من توجيه كلامه هذا بما لا ينافي ما عرفت من دعواه الإجماع،

فإذا تبيّن كون المراد هو الاحتمال الثاني فلنحرّر الكلام في دليله، و عمدة ما يتمسّك به صحيحة الفضلاء (5) عن أبي جعفر (عليه السّلام) و أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قالا: «على الرجل‌

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 3، ص 301- 302.

(2). كذا قوله: «فيقضى ... الملازمة» في الأصل.

(3). لم نقف عليه، راجع مختلف الشيعة، ج 3، ص 301- 302.

(4). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 393.

(5). أي زرارة و بكير بنى اعين و الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية.

908

..........

____________

أن يعطي عن كلّ من يعول من حرّ و عبد [و] صغير و كبير، يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل، و هو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من في شهر رمضان» الحديث (1)، منضمّة إلى ما دلّ على سببيّة أوّل الهلال (2) أو الطلوع (3) على الخلاف السابق.

و هنا وجه للتمسّك بها مستقلّا من دون انضمام سيجي‌ء بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و قد يستدلّ ببعض وجوه اخر، مثل قوله فيما عرفت: «ليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (4). و تعليله عدم وجوب الفطرة عن المولود ليلة الهلال فيما عرفت بقوله:

«قد خرج الشهر» (5) حيث إنّ في الأوّل دلالة على أنّ إدراك كلّ جزء سبب كالثاني؛ حيث إنّ تعليل عدم الوجوب بخروج الشهر ظاهر في كون إدراك الشهر و بعد (6) ... (7) من ظاهرهما من الوجوب المنجّز للإجماع و غيره يدلّان على الوجوب و أنّه مصلحة للفقراء بتعجيل الإعانة لهم و رفع الحاجة عنهم و نحوهما، و قد جعلها بعض مشايخنا في شرحه مؤيّدا للصحيحة، حيث قال: «لصحيح الفضلاء السابق المؤيّد بما في خبري معاوية بن عمّار السابقين من تعليق الحكم على إدراك الشهر و تعليل عدم الوجوب عن المولود ليلة الهلال بأنّه: «قد خرج الشهر» المشعر خصوصا الأوّل بأنّ‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 45- 46؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354.

(2). كروايتا معاوية بن عمّار المتقدّمين. الكافي، ج 4، ص 172؛ الفقيه، ج 2، ص 179؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

(3). كصحيح عيص بن القاسم. الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 355. و رواية ابراهيم بن ميمون [أو منصور]. الكافي، ج 4، ص 171؛ الاستبصار، ج 2، ص 45؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354.

(4). الفقيه، ج 2، ص 179؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

(5). الكافي، ج 4، ص 172؛ التهذيب، ج 4، ص 72؛ الوسائل، ج 9، ص 352.

(6). كذا قوله: «كون إدراك الشهر و بعد» في الأصل.

(7). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

909

..........

____________

إدراك الشهر هو السبب في الوجوب و إن كان يتحقّق ذلك بإدراك آخره، فالفرد الأكمل حينئذ منه إدراكه تامّا، فهو على حسب قوله (عليه السّلام): «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كلّه» (1) و قوله (عليه السّلام): «من أدرك الإمام راكعا فقد أدرك الجماعة» (2) و غيرهما، فإنّ في لفظ الإدراك رمزا إلى كونه هو الغاية التي لا بدّ لها من بداية و ليست [هنا] نصّا و فتوى إلّا أوّل الشهر، مضافا إلى ما في ذلك من المصلحة للفقراء بتعجيل الإعانة لهم و رفع الحاجة عنهم» (3). انتهى ما أردنا نقله من كلامه، هذا.

و لكنّك خبير بعدم استقامة الاستدلال بهذه الوجوه.

أمّا الأخير: فواضح من حيث كونه مجرّد اعتبار لا يصلح إلّا للتأييد كما عرفت من كلام بعض مشايخنا، فلعلّه أيضا مراد من جعله دليلا في ظاهر كلامه كالفاضل (4) و غيره.

[و] أمّا الخبران فيرد على الاستدلال بهما- بعد تسليم ظهورهما في العلّيّة حتّى الأوّل نظرا إلى الحصر المستفاد من ... (5) الأشياء و إن كنّا نمنع دلالته عليها فيما عرفت سابقا في طيّ المسائل المتقدّمة النقض بما يرد على الأوّل من كون التعبير بالإدراك من جهة ثبوت الملازمة بينه و بين ما هو السبب و العلّة و هو الهلال من الشوّال كما عرفته مفصّلا.

و على الثاني من أنّ جعل الخروج علّة و سببا لنفي وجوب الزكاة لا يدلّ على‌

____________

(1). ليس في المصادر و لكن نقل في المعتبر، ج 2، ص 47؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 209؛ مدارك الأحكام، ج 3، ص 93.

(2). ليس في المصادر هذا اللفظ. راجع الوسائل، ج 8، ص 382- 384. و فيه ما يشابهه.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 530.

(4). مختلف الشيعة، ج 3، ص 301.

(5). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

910

..........

____________

سببيّة الإدراك للوجوب، غاية الأمر دلالته على مدخليّته في الوجوب، مع أنّ دلالته على المدخليّة في الجملة أو السببيّة أيضا مهملة من حيث احتمال كون الإدراك للجزء الأوّل أو الوسط أو الأخير، و لا معيّن في الرواية كما أنّه لا تعميم، مضافا إلى ما عرفت سابقا من احتمال دلالة الرواية على سببيّة الهلال احتمالا قريبا من حيث استناد انتفاء الوجوب في الرواية إلى مقتضى الخروج المحقّق بالهلال لا بنفس الخروج أوّلا؛ إذ كون سببيّة كلّ جزء من الشهر مراعى باجتماع الشروط عند الهلال لا ثمرة له، فلا معنى له؛ لقيام الإجماع و غيره على سببيّة الهلال على سبيل الاستقلال، فيعتبر وجود الشرائط و انتفاؤها عنده، و من هنا أجمعنا على وجوب الفطرة عمّن ولد قبل الهلال و لو بلحظة أو عن مملوك ملكه كذلك، و على عدمه عمّن ولد قبل الهلال فمات قبله أيضا في شهر رمضان بالنسبة إلى الهلال كالحجر الموضوع في جنب الإنسان، فإنّه ليس بسبب و لا له مدخليّة فيه بوجه من الوجوه.

و من هنا يعلم أنّه ليس كالبيع في باب الفضولي بالنسبة إلى الإجازة، بناء على القول بكونها سببا من حيث مدخليّته فيه جدّا؛ لعدم تحقّق مفهومها بدونه، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ للقائل بجواز التقديم- على الوجه الذي عرفته- الالتزام بوجود سببين في المقام، أحدهما: الهلال، ثانيهما: إدراك جزء من رمضان مشروطا بإدراك الهلال مع الشرائط، و الأوّل و إن كان مستقلّا في السببيّة إلّا أنّه إنّما يكون مستقلّا بالنسبة إلى ما بعده لا ما قبله، و أمّا بالنسبة إليه فهو شرط للسبب الآخر و هو إدراك جزء من رمضان، فلمّا كان السبب يتمّ به اعتبر وجود الشرائط عنده.

و الحاصل أنّه لا استحالة في أن يجعل الشارع الهلال سببا تامّا لوجوب الفطرة و شرطا في سببيّة شهر رمضان، و لازمه كون التقديم قبله مراعى، فلا نقول في من حلّه شهر رمضان في سببيّة الهلال حتّى يمنع و يقال: إنّه كالحجر الموضوع في جنب الإنسان بل نقول بالعكس.

911

..........

____________

و ثانيا: إنّ غاية ما يستفاد من الرواية الدلالة على سببيّة جزء من رمضان مراعى، فيلزمها وجوب كذلك، و أين هذا من المدّعى، و هو جواز الإخراج مراعى قبل الإدراك.

فإن شئت قلت: إنّ المنساق له الرواية بيان سببيّة جزء من رمضان مشروطا بإدراك شهر شوّال، فيكون كلّ جزء من شهر رمضان جزءا من السبب التامّ و إن كان سببا ناقصا، و ليس من لوازم هذا المعنى جواز الإخراج حتّى يقال باستفادته من باب اللزوم، بل قد يقال: إنّ قضيّة العقل عدم جوازه؛ نظرا إلى استحالة تقدّم المسبّب على السبب، و لا يمكن استفادته من الرواية بالمنطوق بعد فرض كونها مسوقة لبيان السببيّة.

و دعوى أنّ السبب التامّ هو جزء من شهر رمضان منضمّا بجزء من شوّال جامعا للشرائط، و هذا العنوان الانتزاعي يتحقّق قبل تحقّق الشوّال أيضا كما ذكره غير واحد في باب الفضولي في دفع الإشكال الوارد على كون نفس الإجازة شرطا على ما يقتضيه ظاهر كلماتهم من حيث لزوم تأخّر الشرط عن المشروط، و هو محال، و من هنا جوّز بعض هؤلاء جواز التصرّف مع العلم بتحقّق الإجازة من المالك و أنّ منعه بعض آخر، مدفوعة أوّلا بأنّ جعل الأمر الانتزاعي شرطا يحتاج إلى دليل، و مقتضى الأدلّة كون نفس إدراك أوّل الهلال شرطا، فتدبّر، [هذا أوّلا].

و ثانيا: أنّ غاية ما هناك على تقدير صحّة هذه الدعوى إمكان تحقّق الشرط في الواقع في شهر رمضان و لا يجدي هذا في الحكم بجواز الإخراج على الإطلاق كما هو المدّعى.

و دعوى إمكان إجزاء الشرط في مفروض البحث بالاصول- حيث إنّ محلّ الكلام فيما كانت الشرائط موجودة في زمان الإخراج في شهر رمضان، فيحكم ببقائها إلى مجي‌ء شوّال بمقتضى الاستصحاب، و به يفرّق بين المقام- الذي حكموا فيه بجواز‌

912

..........

____________

الإخراج على الإطلاق- و الفضولي حيث إنّ قضيّة الأصل عدم تحقّق الإجازة من المالك، و لهذا لا يجوز التصرّف إلّا فيما يفرض نادرا من العلم بتحقّق الإجازة منه- مدفوعة على تقدير تسليم ترتّب جواز الإخراج على الأصل بأنّه خروج عن الاستدلال بالرواية مستقلّا، و اعتراف بعدم تماميّتها و احتياجها إلى ضمّ بعض الامور إليها، فتدبّر.

فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ العمدة في المقام صحيح الفضلاء (1) المتقدّم بضميمة ما عرفت (2)، بل قد يقال، بل قيل (3) بإمكان تطبيقه على المدّعى من غير حاجة إلى الضميمة بتقريب أنّه قد حكم في الرواية أوّلا بوجوب إعطاء الفطرة عن جميع أقسام من يعول، و هذا لا دخل له بمسألة وقت الإعطاء و أنّه موسّع أو مضيّق، ثمّ بيّن وقت الفضيلة بقوله: «يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل» (4) ثمّ بيّن المفضول له [و] وقت الفضيلة بقوله (عليه السّلام): «و هو في سعة». إلى آخره، و القدر الثابت ثبوت الفضيلة لمن أدرك الهلال، فيدلّ- على هذا- على أنّ هذا الذي حكم بأفضليّة التأخير في حقه يجوز له الإعطاء من أوّل شهر رمضان.

و بعبارة اخرى: الرواية- باعتبار كون المرجع للضمير في قوله: «و هو في سعة» الشخص الذي يبيّن له وقت الفضيلة- تدلّ على ثبوت الملازمة بين وقت الفضيلة و المفضوليّة، بمعنى أنّ الموضوع للتوسعة الشخص الذي حكم في حقّه بأفضليّة التأخير، فيصير حاصل مفاد الرواية أنّ الشخص الذي يكون له التأدية بتقديم الفطر قبل الصلاة يكون له وقت موسّع، فتدلّ على نفي التوسعة في حقّ من لم‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 45- 46؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354.

(2). أي ما دلّ على سببية الهلال أو الطلوع.

(3). قال به شيخنا- دام ظلّه- في مجلس البحث (منه (قدّس سرّه)).

(4). في صحيح الفضلاء.

913

..........

____________

يدرك وقت الفضيلة، و هذا معنى المراعى؛ إذ لو كان الوجوب مستقرّا لم يكن معنى لتخصيص الحكم بإدراك زمان الفضيلة، هذا بعض الكلام في تقريب الاستدلال بالرواية على هذا الوجه.

و قد يورد على الاستدلال بالرواية في المقام بأنّ الرواية في شي‌ء من فقراتها في ... (1) غير ناظرة إلى بيان وقت الوجوب و الواجب، أمّا الفقرة الاولى: فواضحة؛ لعدم كونها مسوقة لبيان وجوب الفطرة عن العيال في الجملة من غير أن يكون بعد دلالة على أحد الوقتين و أنّ له شرطا و أنّ اعتبار الشروط (2).

و أمّا الفقرة الثانية: فلأنّها ناظرة إلى بيان مجرّد وقت الفضيلة فتكون ساكتة عن بيان وقت الوجوب و الواجب و زمان اعتبار الشروط.

و أمّا الفقرة الثالثة: فلأنّها ليست مسوقة إلّا لبيان وقت التوسعة، أمّا أنّ الوجوب مستقرّ و مراعى و أنّ الشرائط يعتبر وجودها في أيّ زمان فلا يستفاد منها، فتحصّل أنّ الرواية لا تدلّ إلّا على الوجوب في أوّل شهر رمضان في الجملة.

و القول بظهورها في الوجوب المستقرّ نظرا إلى أنّ لازم الوجوب المراعى تقييده بإدراك جزء من شوّال مستجمعا للشرائط فإذا لم يقيّد فيحكم بعدم مدخليّته، و هذا معنى الوجوب المستقرّ، فاسد جدّا. فإنّا قد ذكرنا إهمال الرواية من حيث زمان القيود و الشروط.

فإن شئت قلت: إنّ الرواية مسوقة لبيان توسعة وقت الفعل و هو الواجب، و ليس لها دلالة على وقت الوجوب حتّى يكون مطلقا يدفع القيد به، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ الزمان ليس كسائر الشروط و القيود حتّى يحكم بالإهمال بالنسبة إليه فيما حكم فيه بجواز إيقاع الفعل فيه، فإذا حكم بجواز الفعل في زمان من‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). كذا قوله: «أن يكون بعد ... اعتبار الشروط» في الأصل.

914

..........

____________

غير تقييده بشي‌ء فيستظهر منه تحقّق الوجوب؛ لثبوت التلازم- من حيث القاعدة- بين زمان الوجوب و الواجب؛ إذ تقديم زمان الواجب على زمان الوجوب يحتاج إلى دليل مفقود في المقام، فتكون الرواية إذا ظاهرة في الاستقرار، و لمّا كان هذا المعنى خلاف ما يظهر منهم و منافيا للفروع المذكورة في كلامهم كما عرفتها- و إن كان ظاهر بعض المتأخّرين كالفاضل النراقي في المستند (1) الاستقرار- فلا مناص من حمل الرواية على التقديم فرضا، و ليس حملها على ذلك أبعد من حمله على الوجوب المتزلزل، فإنّه و إن كان أمرا ممكنا- بل واقعا في الجملة، و منه تقديم غسل الجمعة على ما قيل حيث إنّ المستحبّ كالواجب و إن كان فيه نظر لا يخفى وجهه- إلّا أنّه لا يبعد أن يكون الحمل على التقديم أظهر.

هذا كلّه، مضافا إلى ما في الرواية من الوهن من جهة لزوم حمل ذيلها على التقيّة، فإنّ العامّة و إن لم يقولوا بكفاية نصف الصاع في الشعير- بل قالوا بذلك في خصوص الحنطة- إلّا أنّه يكفي في التقيّة- على ما ذكره في الحدائق (2) و غيره- مجرّد تعلّق القصد بإيقاع الخلاف كي لا يعرف الأئمّة و الشيعة فيؤخذ برقابهم على ما في بعض الروايات.

و التفكيك بين فقرات الحديث و إن كان أمرا ممكنا كما قرّر في محلّه إلّا أنّه يوجب الوهن فيه جدّا، فيشكل الخروج به عن قضيّة الأصل و القواعد، و من هنا توقّف في المسألة صاحب المدارك (3) مع أنّه يعمل بالخبر الصحيح حتّى فيما لو كان على خلاف الشهرة فلا يلتفت إليها و إن ذكر أنّ ترك العمل بالخبر الصحيح مشكل‌

____________

(1). راجع مستند الشيعة، ج 9، ص 424- 428.

(2). الحدائق الناضرة، ج 6، ص 144.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 347.

915

..........

____________

و مخالفة الأصحاب أشكل (1)، إلّا أنّ من المعلوم أنّ مراده ما لو وصلت الشهرة إلى حدّ يقرب من الإجماع، لا مجرّد معروفيّة الفتوى أو ذهاب الأكثر، و لذا طرح الشهرة كثيرا في مقابل الخبر الصحيح كما يعلم من الرجوع إلى المدارك، فلا وجه لتوقّفه في مفروض البحث إلّا ما أشرنا إليه على ما صرّح به في كلامه، و مع ما عرفت كيف يمكن رفع اليد عن قضيّة القاعدة المحكّمة الحاكمة بعدم جواز أداء الفريضة قبل وقتها بمثل هذا الخبر، خصوصا بملاحظة ما ورد في باب الزكاة من أنّ تقديمها كتقديم الصلاة على وقتها، و من هنا ... (2) عمل الصلاة به، و طرحوا ما دلّ من الأخبار على خلافه، إلّا قليل منهم على ما عرفت تفصيل القول، فإذا يتعيّن حمل الخبر على التقديم بعنوان القرض و إن كان هذا خارجا عن موضوع التقديم حقيقة.

و أمّا ما قيل من أنّ لازم ذلك جواز التقديم قبل رمضان إذ ذلك شي‌ء تقضي به القاعدة المستفادة من العمومات المرخّصة ... (3) مطلقا و إن زعم بعض التخصيص بشهر رمضان فلا وجه للتخصيص برمضان، فيدفعه أنّ النكتة في التخصيص ليس اختصاص الحكم بمورد الخبر، بل من جهة أفضليّة الصدقة في شهر رمضان و الإقدام بالخيرات فيه، و لا ريب أنّ إعانة الفقراء و إيصالهم و لو بالقرض خصوصا مثل هذا القرض الذي ينفعه الاحتساب من الصدقة الواجبة، صدقة و عمل خير.

هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- و لا يخلو بعض موافقه من النظر.

____________

(1). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 409.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

916

[الكلام في الثالثة] [حكم إخراج الفطرة بعد هلال شوال، و تأخيرها إلى قبل صلاة العيد]

قوله: و يجوز إخراجها بعده، و تأخيرها إلى قبل صلاة العيد أفضل (1) (1).

أقول: الكلام يقع تارة في وقت الفضيلة، و قد يقع في وقت الإجزاء أي الوقت الذي لا يجوز التأخير عنه.

أمّا الكلام من الجهة الاولى [في وقت الفضيلة]

____________

فحاصل القول فيها: إنّه لا إشكال بل لا خلاف في أفضليّة اعتبار قبل الصلاة على سائر الأوقات، و قد ادّعي (2) الإجماع عليه، و هو مقتضى الروايات أيضا.

و أمّا ما يحكى عن ابن بابويه (3) من [أنّ] أفضل وقتها آخر يوم من شهر رمضان، فالظاهر أنّه لا مستند له أصلا.

و كيف ما كان، قد يقال: إنّ ظاهر العبارة اتّحاد زمان الفضيلة و ... (4)، فيكون الأصل تأخيرها إلى آخر وقتها.

و نسب القول بأنّ آخر الوقت قبل فعلها إلى المصنّف.

و لكنّك خبير بفساد هذا التوهّم، فإنّ قوله: « [فإن] خرج وقت الصلاة و قد‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). كما ادّعاه الشهيد في الدروس، ج 1، ص 205؛ و العاملي في المدارك، ج 5، ص 347.

(3). المقنع، ص 212؛ الهداية، ص 205.

(4). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

917

..........

____________

عزلها» (1) إلى آخره، صريح في امتداد الوقت عنده إلى الزوال، بناء على ما ستعرف من استظهار ذلك منه، فلا يلزم على هذا أن يكون المفضول تقديمها في الليل مثلا، بل يكون بعد الصلاة و قبل انقضاء الوقت مفضولا أيضا، فتدبّر، هذا.

و أمّا الكلام من الجهة الثانية [في وقت الإجزاء]

فملخّص القول فيه أنّ الموجود في كلمة الأصحاب الكثيرين التحديد بقبل الصلاة، بل هو المشهور. و ظاهر جماعة: التحديد باليوم، و هو خيرة المنتهى (2)، و مال إليه في المدارك (3) و الذخيرة (4). و المحكيّ عن الدروس (5) و البيان (6) التحديد بالزوال، و استظهره شيخنا- دام ظلّه- من ثاني المحقّقين في حاشية له على قول العلّامة (7) بعد التحديد بقبل الصلاة: «و لو أخّر بعده أثم» حيث قال: «إنّ مرجع الضمير القبل، أي بعد قبل الصلاة» ثمّ قال: «يشكل بأنّ المحرّم إنّما هو بعد الزوال». بل ربما يستظهر منه أنّ مذهب العلّامة ذلك أيضا؛ إذ الإيراد لا بدّ من أن يكون إمّا مبنيّا على ما اعترف به، أو ما اتّفق عليه الأصحاب، فتأمّل.

ثمّ إنّ هذه الكلمة أي «قبل الصلاة» موجودة في كلمات الأصحاب و الأخبار، و كانت ذات احتمالات من حيث ما يعتبر الفضيلة بالنسبة إليه و المضاف إليه، فلا بدّ‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 541. و فيه: «و لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد اختيارا فإن أخّرها أثم و به قال علمائنا أجمع». ثم قال بعد أسطر: «و الأقرب عندي جواز تأخيرها عن الصلاة و تحريم التأخير عن يوم العيد».

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 349.

(4). ذخيرة المعاد، ج 3، ص 476.

(5). الدروس، ج 1، ص 250.

(6). البيان، ص 210.

(7). في كتاب الزكاة (الأنصاري)، ص 438: «... و هو ظاهر المحقّق في الشرائع، و المحقّق الثاني في حاشيته [حاشية الشرائع] و في حاشية الإرشاد».

918

من التكلّم [فيها] قبل تحقيق الحقّ في المقام.

فنقول: إنّ القبليّة قد تعتبر مطلقا فتشمل قبل صلاة الصبح مثلا أيضا؛ لأنّه يصدق عليه أنّه قبل صلاة العيد، و قد يوكل إلى العرف، و قد تعتبر بالنسبة إلى تحرير الأوّل من الصلاة، و قد تعتبر بالنسبة إلى شهادة الصلاة، و الظاهر هو الأخير، و هو الذي استظهره شيخنا- دام ظلّه العالي- لأنّه المتبادر من أمثال المقامات.

و المضاف إليه قد يجعل قبل الصلاة بمعنى أنّها زمانه، و قد يجعل الزمان المتّصل بالوقت المتّفق للصلاة. فهذه وجوه في المضاف إليه.

و الأصل فيها:- أنّه إذا اضيف شي‌ء إلى فعل محدود بزمان في ظاهر القضيّة فهل الكلام ظاهر في أنّ المضاف إليه نفس الفعل كما هو ظاهر القضيّة، أو زمانه ... (1) و هذا لا يختصّ بأصالة كلمة «قبل» بل يجري في إضافة البعد بالنسبة إلى الصلاة أيضا.

و منه يظهر حال نافلة العصر حيث إنّها محدودة بقبل العصر و بعد الظهر، فهل تكون محدودة بقبل فعل العصر أو قبل زمانه، و الثمرة بهما ظاهرة و إن كان قد يقوى في مسألة النافلة أنّ المراد قبل انقضاء زمانه؛ لما ورد من أنّه (عليه السّلام) صلّى الظهرين في يوم و ذهب وراء شغل له فحكم المأمومين بالنفل.

و كيف ما كان، الظاهر أنّ المراد من «قبل الصلاة» قبل فعل الصلاة على ما يقتضيه اللفظ، فيكون التحديد بذلك من جهة كونه مطلوبا في زمان الأئمّة و زمان ورود الروايات عند العامّة و الخاصّة؛ لأنّه كان له وقت متعارف في جميع البلدان، و التفاوت اليسير لا يقدح جدّا، فلو فرض أنّ بلدا أو زمانا لا تقع الصلاة [فيه]؟ أو لا يكون متعارفا ... (2) لم تكن كلماتهم شاملة له، فكلماتهم ناظرة لما كان متعارفا في تلك‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمات غير مقروءة.

(2). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

919

الأزمنة، فلا يرد على ظواهر كلماتهم من التحديد بالفعل بأنّه لا معنى له، أو ربما لا تقام الصلاة في بلد أو زمان كان بالنسبة إلى بعض البلدان أو يخلف زمان قبلها، هذا.

و يمكن أن يكون المقصود التحديد بالقبل، و يكون التحديد من جهة كونه معرّفا للوقت فيما لا يتعارف فيه فعل الصلاة من الأزمنة أو من الأمكنة [و] لا بدّ من الأخذ بالزمان المتعارف في الأزمنة السابقة.

فقد علم ممّا ذكرنا كلّه أنّ ظاهر المشهور التحديد بقبل فعل الصلاة؛ إذ لا يرد عليهم ما أورده بعض.

و أمّا المصنّف فيمكن أن يكون مراده أيضا هذا المعنى، و لذا لم ينسب إليه القول بالزوال.

و يمكن أن يكون مراده التحديد بوقت الصلاة، أي قبل انقضائه كما عرفت أنّه أحد الأقوال لا بهذا التركيب، و الذي يكشف عن ذلك قوله بعد ذلك: «فإن خرج وقت الصلاة و قد عزلها أخرجها [واجبا] بنيّة الأداء» (1) حيث علّق الحكم بنفس خروج الوقت؛ ضرورة أنّ الظاهر منه خروج الوقت الشرعي، لا ما هو المتعارف في البلدان، فيكون في جمع الأقوال و الفروع التي يذكرها كالقول و غيره، (2) هذا.

و لكن ربما يؤيّد الاحتمال الأوّل و وهن الثاني ما ذكره قبل ذلك: «من بلغ قبل الهلال أو أسلم أو زال جنونه أو ملك ما يصير به غنيّا وجبت عليه، و لو كان بعد ذلك ما لم يصلّ العيد استحبّت» (3)؛ إذ من الظاهر أنّ مراده بيان انتهاء الاستحباب و تحديده بقبل فعل الصلاة، هذا.

و لكن يمكن أن يقال: إنّه لا تلازم بين إرادة قبل فعل في السابق و إرادته في‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). كذا في الأصل.

(3). شرائع الإسلام، ج 1، ص 130.

920

المقام، فتأمّل.

هذا، مضافا إلى منع كون مراده فيما حكم باستحباب الفطرة التحديد بالفعل و إن كان يقتضيه ظاهر اللفظ، فإنّه قد صرّح في المعتبر (1) بالاستحباب إلى الزوال، مضافا إلى أنّ مستند هذا الحكم و هي الرواية المحمولة على الاستحباب قد صرّح فيها بالتحديد إلى الزوال كما سيجي‌ء، هذا.

و الحقّ في المسألة كون آخر الوقت الزوال كما عرفت أنّه الظاهر من المصنّف (2) و ثاني المحقّقين (3)، و هو الظاهر من العلّامة في الإرشاد أيضا حيث قال: «و وقتها وقت صلاة العيد، و لو أخّر عن الصلاة أثم» (4) إذ قد عرفت أنّ الظاهر من وقت الصلاة هو الوقت المقرّر لها في الشرع لا الوقت المتعارف لها في البلدان.

و الذي يدلّ على ما ذكرنا طوائف من الروايات.

منها: الأخبار الدالّة على التحديد بقبل الصلاة.

و منها: الأخبار الدالّة بالصراحة على التحديد بالظهر [و] أوّل الزوال.

و منها: الأخبار الدالّة على الاستحباب إلى الزوال.

و منها: الأخبار الدالّة على حكم العزل.

فإنّه يستفاد من الأخيرتين أيضا حكم المقام بالبيان الذي ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

أمّا الطائفة الاولى: فمنها: ما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السّلام)، قال فيه:

____________

(1). المعتبر، ج 2، ص 611.

(2). كما استفاد من كلامه.

(3). جامع المقاصد، ج 3، ص 47.

(4). ليست في الإرشاد هذه العبارة. راجع إرشاد الأذهان، ج 1، ص 291. و لكن في المنتهى، ج 1، ص 541 ما بمعناه.

921

«إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل و بعد الصلاة صدقة» (1) فإنّ قوله: «قبل الصلاة أفضل» و إن كان محتملا لإرادة حصر الأفضليّة بالنسبة إلى قبل فعل الصلاة فيكون قبل الصلاة آخر الوقت، إلّا أنّ قوله: «و بعد الصلاة صدقة» ظاهر في كون الفطرة بعد الصلاة أيضا واقعة في وقتها؛ لأنّ معناه أنّ إعطاء الفطرة بعد الصلاة صدقة، فالمفضول على هذا إمّا أن يكون خصوص بعد الصلاة [الذي هو] أظهر الوجهين المستفاد من الرواية، أو الأعمّ منه و من قبل فعل الصلاة [و] على هذا يمكن استفادة المدّعى من الرواية من وجهين:

أحدهما: الحكم بأفضليّة إعطاء الفطرة قبل الصلاة، الظاهر في نفسه في كون المفضول خصوص بعد الصلاة أو الأعمّ منه و من قبل فعل الصلاة.

ثانيهما: من جهة حكمه بأنّ إعطاء الفطرة بعد الصلاة صدقة، فإنّ عنوان الفطرة لا يتحقّق فيه إلّا بعد فرض كونه وقتا أيضا. و أمّا إطلاق الصدقة عليه فلا ينافي كونه فطرة.

و من هنا اتّفق على ما يعطى بعد الزوال أيضا في الروايات؛ إذ لا ريب في أنّ الفطرة أيضا قسم من الصدقة. نعم، الفرق في التسمية ربما يكون ظاهرا في إرادة غير الفطرة من الصدقة من جهة التقابل إلّا أنّ النكتة في المقام الإشارة إلى أنّ الفعل في زمان المفضول كأنّه خارج عن حقيقته من جهة وقوعه في هذا الزمان. و فيه كمال المبالغة في الإعطاء بوقت الفضيلة و مراعاته، كما لا يخفى.

و منها: ما رواه إبراهيم بن ميمون، عن الصادق (عليه السّلام): «الفطرة إن أعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، و إن كان بعد ما تخرج إلى العيد فهي صدقة» (2).

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 170؛ التهذيب، ج 4، ص 71؛ الوسائل، ج 9، ص 353.

(2). الكافي، ج 4، ص 171؛ الاستبصار، ج 2، ص 45؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354. و في سند الأخير: «ابراهيم بن منصور».

922

و لا تنافي بينه و بين ما تقدّم من خبر عبد اللّه بن سنان، حيث إنّ الظاهر منه أنّ المستحبّ إعطاء الفطرة قبل فعل الصلاة، و الظاهر من هذا كون المستحبّ إعطاءها قبل الخروج من المنزل للصلاة؛ لاحتمال كونه مبنيّا على الغالب المتعارف من إعطاء المتعارف قبل الصلاة، و الظاهر من هذا كون المستحبّ إعطاءها قبل الخروج إلى الجبّانة فالعبرة قبل فعل الصلاة، و إن احتمل العكس. و حمل الإطلاق في قوله: «قبل (فعل) الصلاة» (1) على قبل الخروج إلى صلاة العيد من جهة الغلبة و المتعارف، هذا.

و يحتمل في هذه أن يكون هذا مستحبّا في مستحبّ آخر، بمعنى أنّ إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل مطلقا، و إعطاءها قبل الخروج آكد من أزمنة قبل فعل الصلاة، و هذا ممّا لا ضير في الالتزام به أصلا كما لا يخفى.

و تقريب الدلالة ما عرفت في الرواية الاولى، و إطلاق الفطرة على ما يعطى بعد الخروج و إن كان قبل الصلاة مبنيّ على كونه مقصودا بالنسبة إلى إعطائها قبل الخروج على ما عرفت.

و يزيده وضوحا أنّه لو لم تحمل الرواية على ما ذكرنا لم يكن معنى (2) على ترك المستحبّ. أو بناء على ما يقول به القائل بالتحديد قبل فعل الصلاة، اللّهمّ إلّا أن يقال:

إنّ ذلك مبنيّ على حمل الصدقة على غير الفطرة، و أنّ الزمان الذي حكم باستحبابها فيه هو آخر الوقت لا بدّ أن يكون التفريع مبنيّا على ترك المستحبّ، و هذا لا معنى له في الرواية، لاتّفاقهم على الجواز قبل الشروع في الصلاة، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذلك مبنيّ على الغالب المتعارف من عدم إعطاء الفطرة بعد الخروج إلى الصلاة و قبل الشروع في الصلاة، إلّا أنّه ليس بأولى من السابق، بناء على مراعاة هذه الغلبة؛ لأنّ إطلاق الصدقة بناء على ما هو الظاهر منه في بادئ النظر من إرادة غير الفطرة أيضا‌

____________

(1). في خبر عبد اللّه بن سنان.

(2). العبارة في الأصل: «لم يكن معنى لنفى على الحرام». و هي كما ترى مشوّشة.

923

مبنيّ على الغالب من امتداد الصلاة بعد الشروع فيها في الوقت المتعارف إلى الزوال، و لذا يكون إعطاؤها بعد الصلاة صدقة، فتدلّ الروايتان و غيرهما ممّا أطلق فيه الصدقة على المدّعى، بناء على الأخذ بظاهر إطلاق الصدقة أيضا.

هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- و لكنّك خبير بأنّ المتعارف الذي ذكره في غير محلّه؛ لمنع المتعارف الذي ادّعاه من شغل الزمان بفعل الصلاة عند الشروع في الوقت المتعارف إلى الزوال كما لا يخفى على من له خبرة بما هو المتعارف في البلاد.

و منها: ما رواه ابن طاوس في الإقبال بإسناده إلى الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: «ينبغي أن يؤدّى الفطرة قبل أن يخرج [الناس] إلى الجبّانة فإذا أدّاها بعد ما يرجع فإنّما هي صدقة و ليست فطرة» (1).

و لا ريب في ظهوره في المدّعى من وجوه:

أحدها: ظهور قوله (عليه السّلام): «ينبغي» بحسب المادّة في الاستحباب.

ثانيها: ظهور قوله (عليه السّلام): «يؤدّى» من حيث ظهوره في كون ما يؤدّى فطرة بعد الصلاة أيضا.

هذا، مع أنّ الإجماع قائم على كفاية العزل قبل الصلاة على كون ما يعطيه بعدها فطرة مطلقا حتّى بعد اليوم، فلا يجامع إطلاق الرواية مع هذا الإجماع إلّا ما يحمل على ما نقول.

و أمّا دعوى كون المراد من الأداء براءة الذمّة فيكون أعمّ من أداء نفس الفطرة فيشمل القول أيضا، كما ترى.

ثالثها: تعلّق الفطرة بكون أدائها قبل الخروج إلى الجبّانة، فإنّه يكشف عن الأفضليّة و الاستحباب؛ إذ الإجماع قائم على عدم التحديد؛ إذ لا خلاف في الإجزاء‌

____________

(1). إقبال الأعمال، ج 1، ص 483؛ و كذا في الوسائل، ج 9، ص 355.

924

بأدائها بعد الخروج و قبل الصلاة.

و هذه ظهورات تدلّ على عدم التحديد بقبل فعل الصلاة، هذا.

و ربما عارض ما عرفت من الظهورات ما أسمعناك في طيّ كلماتنا السابقة من ظهور لفظ «الصدقة» بقرينة المقابلة في الصدقة المستحبّة و إن كانت بحسب الأصل أعمّ منها و من الواجبة. و من هنا اريد من قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ (1) خصوص الزكاة، فيكون النفي في قوله في رواية الإقبال: «ليست فطرة» راجعة إلى الوجوب، و إثبات الصدقة إلى الاستحباب.

هذا، مضافا إلى ظهور لفظ «الفطرة» في الفطرة الواجبة بحسب الشرع، فيكون نفيها ظاهرا في نفي أصل الفطرة فيما يعطى بعد الخروج على ما هو ظاهر لفظها، أو نفي صحّتها على أضعف الوجهين، و أيّاما كان يتمّم المدّعى و يدور الأمر بين التصرّف في ظاهر ما عرفت بحمل قوله (عليه السّلام): «ينبغي» على الوجوب، و حمل التفضيل على خصوص ما قبل الفعل لا بعده، و لا الأعمّ، و حمل التأدية و الإعطاء على الأعمّ و العزل فإنّه نوع من التأدية عرفا، و التصرّف فيما ادّعي من الظهور لا يوجب تقييد قوله (عليه السّلام):

«بعد ما يرجع» أو: «بعد ما تخرج» أو: «بعد الصلاة» (2) بالزوال، فيكون ما أعطاه بعد الصلاة مثلا صدقة مستحبّة إذا كان بعد الزوال، و إمّا بالتصرّف في الصدقة و حمل النفي على الكمال، فهذه أقوال متعارضة لا بدّ من ملاحظة ما هو الأظهر، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّ المعارضة المذكورة في كمال الضعف؛ لأنّ المقابلة ليس لها ظهور يقاوم ما عرفت، و كذا ظهور النفي في نفي الذات لأنّه في غاية الضعف، بل ربما قيل نفي الكمال من جهة كثرة الاستعمال، و لا أقلّ من التسوية، فكيف يقاوم ما عرفت.

____________

(1). التوبة (9): 60.

(2). في الروايات الثلاث المتقدّمة.

925

هذا كلّه مضافا إلى عدم إمكان ... (1) في قوله (عليه السّلام): «قبل أن يخرج [الناس] إلى الجبّانة» فيلزم تفريع الحرام على ترك المستحبّ و هو كما ترى.

فإن شئت قلت: إنّ لازم حمل الرواية على الوجوب انتفاؤه بعد الخروج إلى الجبّانة و قبل الصلاة مع أنّه واجب على مذهب المشهور أيضا جدّا.

و أمّا دعوى الالتزام بالتصرّف في لفظ «ينبغي» و حمل قوله (عليه السّلام): «قبل أن يخرج [الناس] إلى الجبّانة» على الغالب المتعارف من عدم أداء الفطرة بعد الخروج إليها و قبل الصلاة خصوصا بالأعيان التي يستحبّ إعطاء الفطرة منها، فلا يلزم محذور أصلا، فقد عرفت ضعفها و كونها معارضة بغلبة امتداد قبل الصلاة إلى الزوال، فيبقى ما ذكرنا من الظهورات سليما.

و بالجملة، لا ينبغي رفع اليد من جهة ظهورات متعدّدة قويّة. هكذا أفاده شيخنا- دام ظلّه- و قد عرفت بعض الكلام فيه.

هذا بعض الكلام في الطائفة الاولى. و أمّا الطائفة الثانية:

فمنها: ما رواه أبو الحسن الأحمسي عن الصادق (عليه السّلام)- المرويّ في الإقبال نقلا عن كتاب عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري- قال: «الفطرة عن كلّ حرّ و مملوك» إلى أن قال:

«قلت له: أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال: إن أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة، و إن أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة [و] لا تجزئك، قلت: فاصلّي الفجر فأعزلها فتمكث يوما أو بعض يوم [آخر] ثمّ أتصدّق بها؟ قال: لا بأس، هي فطرة إذا أخرجتها قبل الصلاة» (2).

و قد رماه الفاضل النراقي في المستند (3) بما يضعف دليله من جهة ما قاله ابن‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). إقبال الاعمال، ج 1، ص 465؛ و كذا في الوسائل، ج 9، ص 332.

(3). راجع المستند، ج 9، ص 426.

926

الغضائري في حقّ عبد اللّه بن حمّاد (1) من أنّه: «يقبل روايته تارة و ينكر اخرى» (2).

و لكنّك خبير بأنّ الراوي في كمال الوثاقة و أنّ تضعيفه في غاية الإشكال؛ لأنّ عبد اللّه كان من المشايخ الأجلّاء، و هو من أصحاب الكاظم (عليه السّلام) أو أبو الحسن من أصحاب الصادق (عليه السّلام)، فكيف يظنّ به الاعتماد بالرواية الضعيفة و إيداعها في كتابه مع أنّه في حال وجود الاصول و الكتب المعتمدة و الرواية المعتبرة و إدراك الإمام (عليه السّلام) و مع أن لا ... (3) كتابه ليس على جمع جميع الأخبار من الصحاح و غيرها، كيف!؟ و هو من الكتب المعتمدة عند الفرقة كما يكشف عنه بقاؤه إلى زمان السيّد رضي الدين بن طاوس (4) الكاشف عن المخاطبة عليه، هذا.

و أمّا ما ذكره ابن الغضائري- مع أنّ من المشهور عدم قادحيّة قدحه- فليس قدحا في الراوي، فإنّ بناء القدماء من الأصحاب- كما تبيّن في محلّه- على الأخذ بما هو موثوق الصدور و لو كان من جهة القرائن، كموافقة الكتاب و السنّة و القاعدة و غيرها، فأخذهم و طرحهم للخبر إنّما يناط بحمل (5) الوثوق به و عدمه من غير أن يكون لأوصاف الراوي مدخليّة فيه كما عليه آخرون، فكما أنّ أخذهم لا يوجب الوثوق بالراوي كذلك طرحهم لا يوجب القدح فيه، بل الظاهر أنّ مبنى أصحاب الأئمّة أيضا كان ذلك، و من هنا روى مهزيار رواية لزرارة عن الصادق (عليه السّلام) و يقبل غيره أيضا‌

____________

(1). في المخطوطة: «في حق أبي الحسن الأحمسى» و لكن الصحيح ما أثبتناه بقرينة تصريح المصنّف به في كلامه الآتي.

(2). راجع خلاصة الأقوال (العلامة الحلّى)، ص 200- 201؛ جامع الرواة (محمد على الأردبيلي)، ج 1، ص 482.

(3). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(4). أي صاحب الإقبال الذي يروي في كتابه عن كتاب عبد اللّه بن حمّاد.

(5). كذا في الأصل.

927

على خلافه، فأخذ برواية مهزيار معلّلا بأنّ فيه (1).

و منها: مرسلة ابن الجنيد (2) الدالّ صريحا على التوسعة إلى زوال الشمس، إلى غير ذلك، و لو سلّم عدم ترجيح الأخبار المتقدّمة من حيث القوّة على ما عرفت، فلا إشكال في الاعتماد على هذه الطائفة في مقابل ما عرفت، هذا.

و أمّا الطائفة الثالثة- و هي أخبار العزل- فستقف عليها عند الكلام في مسألة العزل عن قريب.

و أمّا الطائفة الرابعة، فمنها: ما أرسله في التهذيب (3) فيمن ولد له قبل الزوال و أنّه يخرج عنه الفطرة، و كذلك من أسلم قبل الزوال.

و منها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام): «سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد [أو] صغير أو كبير، من أدرك منهم الصلاة» (4) بناء على إرادة وقت الصلاة الشرعي لا العرفي، فيشمل ما لو أدرك جزءا آخر منه كما هو وجه الإطلاق، فيدلّ على التعدية بالزوال، و على تقدير إرادة نفس الصلاة لا وقتها يمكن التمسّك بالإطلاق أيضا، فتدبّر.

و هذه و إن كانت محمولة على الاستحباب- كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) (5) و غيره من الأصحاب- إلّا أنّها تدلّ على تحديد ما هو وقت للفطرة من غير فرق بين استحبابها‌

____________

(1). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(2). حكاه عنه العلّامة في المختلف، ج 3، ص 302.

(3). التهذيب، ج 4، ص 72. و فيه: «و قد روي أنّه إن ولد قبل الزوال تخرج عنه الفطرة و كذلك من أسلم قبل الزوال».

(4). الفقيه، ج 2، ص 182؛ الوسائل، ج 9، ص 329.

(5). راجع الاستبصار، ج 2، ص 42؛ التهذيب، ج 4، ص 75.

928

و وجوبها؛ ضرورة أنّ ما يعطى بعنوان الاستحباب من الفطرة هو الذي يكون واجبا لو أدرك الهلال، هذا.

و ربما يتمسّك للمختار أيضا ببعض أخبار اخر، مثل ما ورد من خطبة مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد صلاة العيد في الكوفة، و فيها: «أيّها الناس، أدّوا زكاتكم و زكاة عيالكم عن كلّ رأس بصاع» (1) و من الظاهر إرادة أداء الزكاة في ذلك اليوم، و أنّه من باب بيان التكليف و الإرشاد إلى الحكم الشرعي لا الوعظ.

هذا بعض الكلام في دليل المختار، و أمّا دليل المشهور القائلين بالتحديد قبل الصلاة فهو ما عرفت و ما يقرب منها، و قد عرفت عدم دلالتها على مذهب المشهور، بل ظهورها في مذهب المختار و أنّه على تسليم دلالتها صارفة بما هو أظهر منها جدّا إن لم يكن صريحه، هذا.

و أمّا مستند القول الثالث- و هو التحديد تمام اليوم الذي قوّاه العلّامة (2) و تبعه في المدارك (3)- فأمران:

أحدهما: الأصل، أي استصحاب الوقت الكلّي، أو الوجوب المردّد بين كونه إلى الزوال أو إلى الليل بناء على جواز استصحاب القدر المشترك، هذا.

و لكنّك خبير بأنّ قضيّة الأصل البراءة، و أمّا الاستصحاب بأحد التقريرين فقد حقّقنا في محلّه عدم جريانه على المختار في باب الاستصحاب، فقضيّة الأصل الأوّلي حقيقة يوافق المشهور، إلّا أنّك قد عرفت ما يقضي بخروجه.

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 517؛ الوسائل، ج 9، ص 329. و فيها: «و أدّوا فطرتكم فإنّها سنّة نبيّكم و فريضة واجبة من ربّكم فليؤدّها كلّ امرئ منكم عنه و عن عياله كلّهم ذكرهم و انثاهم، صغيرهم و كبيرهم و حرّهم و مملوكهم، عن كلّ انسان منهم صاعا من برّ، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير».

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 541.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 349.

929

الثاني: الأخبار:

منها: ما رواه عيص بن القاسم- في الصحيح-: «سألت الصادق (عليه السّلام) عن الفطرة متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر، قلت: فإن بقي منه شي‌ء بعد الصلاة؟ فقال: لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه» (1).

و منها: صحيح الفضلاء (2): «قالا: على الرجل أن يعطي عن كلّ من يعول حرّ و عبد و صغير و كبير، يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل، و هو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل في شهر رمضان» (3). هذا.

و اجيب عن الأوّل: بأنّه لا ظهور له في جواز الإعطاء بعد الصلاة في كلّ جزء من أجزاء اليوم؛ لأنّ الذي يستفاد منه الرخص في اعطاء الفطرة بعد الصلاة في الجملة مهملة، فليس له ظهور في هذا القول، هذا، مضافا إلى أنّ قوله (عليه السّلام): «فإن بقي» ظاهر في العزل، فلا ربط له بالمدّعى على هذا، كما لا يخفى.

و عن الثاني: بأنّه لا ظهور له في المدّعى أصلا؛ لأنّ ظاهره بيان أفضليّة اعتبار الإعطاء عنه قبل الصلاة مقابل سابقه، و على تقدير تسليم ظهوره في إرادة الأفضليّة ... (4) مطلقا فليس له ظهور إلّا في جواز إعطاء الفطرة بعد الصلاة في الجملة، و ليس الإطلاق بالنسبة إلى أجزاء ... (5) كما عرفت في الجواب عن الأوّل و لا على الجواز بعد اليوم أيضا، هذا.

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 44؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 355.

(2). أي زرارة و بكير ابنى أعين و الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية.

(3). الاستبصار، ج 2، ص 45- 46؛ التهذيب، ج 4، ص 76؛ الوسائل، ج 9، ص 354.

(4). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

(5). مكان النقاط في الأصل كلمة غير مقروءة.

930

و قد اورد على هذا القول- مضافا إلى ما عرفت من ... (1) في مستندهم و معارضته لما عرفت- تارة بأنّه مناف للإجماع الذي ادّعاه العلّامة (2) على الإثم فيما لو أخّر بعد الزوال، و لا ينافيه حكمه في موضع بأنّ الوقت تمام اليوم لأنّ ذلك لعلّه لا يقاوم الدليل (3) عنده على الأداء بعد الزوال و إن كان آثما بالتأخير عن الزوال كما عليه المحكي في السرائر (4)؛ لعدم التلازم بين الإثم و التأخير و انتفاء عنوان الفطرة عند التأخير، و نحن نأخذ بإجماعه على الإثم الملازم لمقتضى القاعدة لو لا قيام الدليل على التمسّك على انتفاء عنوان الفطرة بعد الزوال و نطالبه بدليل التفكيك و الخروج عن مقتضى القاعدة، هذا.

و لكنّ الذي ... (5) هذا الإجماع أنّه ليس المراد منه الإجماع الاصطلاحي على الإثم، و إنّما الغرض منه تشخيص محلّ النزاع بين الفريقين المختلفين في المسألة بين من حدّده بقبل الصلاة و بين من حدّده بالزوال، فمقتضى الإجماع أنّ عدم جواز التأخير من الزوال لازم كلّ من الجانبين، فليس نزاعهم فيه، و إنّما هو في شي‌ء آخر.

و اخرى بما رواه أبو الحسن الأحمسي (6) الدالّ صريحا على نفي الإجزاء عمّا يعطى بعد الظهر، هذا.

____________

(1). مكان النقاط في الأصل بياض.

(2). مختلف الشيعة، ج 3، ص 302.

(3). كذا قوله: «لعله ... الدليل».

(4). السرائر، ج 1، ص 469.

(5). مكان النقاط في الأصل بياض.

(6). إقبال الاعمال، ج 1، ص 465؛ الوسائل، ج 9، ص 332.

931

[أحكام العزل في زكاة الفطرة]

قوله (قدّس سرّه): فإن خرج وقت الصلاة و قد عزلها، أخرجها واجبا بنيّة الأداء. (1) (1)

____________

أقول: قد تقدّم الكلام تفصيلا في مسألة عزل زكاة المال بما يعلم منه بعض أحكام العزل في زكاة الفطرة و نقول هنا على سبيل الإجمال: إنّه لا ريب في جواز العزل و أنّه لو عزل و أدّى قبل خروج وقت الزكاة- على الاختلاف الذي عرفت فيه- كان أداء، و هذا ممّا لا كلام فيه أصلا، إنّما الكلام في موضعين:

أحدهما: في أنّه لو أدّى المعزول بعد خروج الوقت فهل يكون قضاء أو يكون أداء أيضا؟

ثانيهما: في أنّه على كلّ من القولين فهل يكون أداؤه واجبا فورا بعد الوقت، أو يكون موسّعا كما في الوقت بالنسبة إلى أجزائه؟

أمّا الكلام في الموضع الأوّل [في أنّه لو أدّى المعزول بعد خروج الوقت فهل يكون قضاء أو يكون أداء أيضا؟]

فحاصل القول فيه: إنّه لا إشكال في أنّ قضيّة القاعدة بالنظر إلى الوقت كون أدائها بعد الوقت المضروب لها على كلّ قول فيه قضاء، إلّا أنّ ظاهر بعض الأخبار كونه أداء، مثل ما رواه إسحاق بن عمّار- في الصحيح-:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الفطرة، قال: إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها» (2) فإنّه لا إشكال في ظهوره في إجزاء ما هو واجب عليه و الأداء بعنوان الفطرة المأمور بها في‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). الفقيه، ج 2، ص 181؛ الاستبصار، ج 2، ص 45؛ التهذيب، ج 4، ص 77؛ الوسائل، ج 9، ص 357.

932

الشرع بالأوامر الأوّليّة، فلعلّ المستفاد منه أنّ العزل يوجب تعيين الحقّ في المعزول، فأداؤه أداء لحقّ الناس فهو أداء دائما، فتأمّل، هذا.

و أمّا الكلام في الموضع الثاني [في أنّه على كلّ من القولين فهل يكون أداؤه واجبا فورا بعد الوقت، أو يكون موسّعا كما في الوقت بالنسبة إلى أجزائه؟]

فالظاهر ابتناء حكم المسألة من حيث الفوريّة و العدم من حيث القاعدة على أنّ حكم المعزول من حيث التكليف تابع للوضع بأن يكون مجرّد العزل موجبا لدخول المعزول في ملك الفقراء، و يترتّب عليه آثار الملك، فيصير مورد أداء الفطرة بعد عزل مال الغير، فيرجع أمره إلى أداء مال الغير كالأمر بأداء دينه و نحوه، أو يكون الأمر بالعكس فيكون الحكم الوضعي تابعا للتكليفي، كما هو الشأن في الكفّارات و النذر و العهد و شبهها من الجعليات فعلى الأوّل يجب أداؤها فورا؛ لأنّه الأصل في الأمانات الشرعيّة، بخلاف الأمانات المالكيّة التي لا يلزم أداؤها فورا إلّا بعد مطالبة المالك.

نعم، هنا توهّم أنّه لو جعل بالأوّل (1) أيضا لم يجب فورا لعدم تفضيله (2) في زكاة المال، فراجع.

و على الثاني يجب موسّعا، و الظاهر أنّ المقام من الأوّل، فيجب فورا، إلّا أنّ مقتضى رواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة: كون الوجوب موسّعا، فيمكن أن يستظهر منها أنّ أمر الفطرة من قبيل الثاني و إن كان مقتضى القاعدة كونه من قبيل الأوّل، فتأمّل.

ثمّ إنّ الكلام في العزل من حيث اللزوم و الجواز فيجوز التبديل، و من حيث كون النماء للفقراء أو المالك، قد تقدّم و غيرهما من الفروع في زكاة المال، و أنّ الحقّ هو صيرورة المعزول للفقراء بالعزل، فيترتّب عليه جميع أحكامه.

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). كذا في الأصل.

933

تنبيه: لا إشكال ظاهرا في عدم حصول العزل المعتبر إلّا بوضع شي‌ء معيّن يساوي مقدار الفطرة، فلو عزل ما يكون زائدا عليه لم يترتّب عليه حكم العزل و إن سمّي عزلا في العرف مسامحة، فإنّ الغرض من العزل تعيين الحقّ في المعيّن و الخروج عن الإشاعة فيما يكون الحقّ مشاعا و المفروض عدم فرق الحال (1) قبل العزل و بعده فيما لم يكن معيّنا بالمعنى الذي عرفته.

نعم، قد يقال: إنّ هذا في زكاة المال مسلّم؛ لتعلّق الحقّ فيها بالعين على سبيل الإشاعة الحقيقيّة أو غيرها، لا في المقام، فإنّ الحقّ فيه معلّق بالذمّة بحيث لا ربط للخارج فيه أصلا فيثمر العزل في تعيين ما في الذمّة في الأعيان، هذا.

و لكن قد يورد عليه بأنّ معنى العزل و أشباهه ممّا لا تعلّق له بالأعيان تعيين الكلّي في ضمن فرد منه، فلا يصحّ إلّا مع الانطباق لكن يتحقّق معنى العزل، هذا.

____________

(1). كذا في الأصل.

934

[فإن لم يعزل زكاة الفطرة، ففيه أقوال]

قوله (قدّس سرّه): و إن لم يكن عزلها قيل: سقطت. و قيل: يأتي بها قضاء. و قيل: أداء، و الأوّل أشبه (1) (1).

____________

أقول: الأوّل حكي عن جماعة منهم المفيد (2) و ابنا بابويه (3) و أبو الصلاح (4) و ابنا البرّاج (5) و زهرة (6)، بل عن الأخير دعوى الإجماع عليه؛ لأنّ قضيّة التوقيت انتفاء الموقّت بانتفاء الوقت، و ليس هنا دليل يقضي بالثبوت في خارج الوقت، بل الدليل على خلافه؛ لأنّ الظاهر من الأخبار الدالّة على كونها صدقة بعد الوقت: انتفاؤها عند انتفاء الوقت، و أمّا قوله (عليه السّلام) في صحيحة زرارة: «و إلّا فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها» إلى آخره (7) إنّما هو في صورة العزل الخارجة عن محلّ النزاع و إن كان المراد من الضمان معناه المعروف لا مجرّد الإيصال و الإخراج كما ذكره في المدارك (8) في دفع منافاة صيرورتها أمانة بعد العزل الخارجي مع الضمان.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 131.

(2). المقنعة، ص 249.

(3). فقه الرضا (عليه السّلام)، ص 210؛ المقنع، ص 212؛ الهداية، ص 204- 205.

(4). الكافي في الفقه، ص 169.

(5). المهذّب، ج 1، ص 176.

(6). غنية النزوع، ص 127.

(7). التهذيب، ج 4، ص 77؛ الوسائل، ج 9، ص 356.

(8). مدارك الأحكام، ج 5، ص 351.

935

..........

____________

و الثاني حكي عن الشيخ (رحمه اللّه) (1) و الفاضل (2) و ثاني الشهيدين (3) و غيرهم.

و استدلّ في محكيّ المختلف (4) عليه تارة ب‍: «أنّه لم يأت بالمأمور به فيبقى في عهدة التكليف» و اخرى ب‍: «أنّ المقتضي للوجوب قائم و المانع لا يصلح للمانعيّة». أمّا الاولى فللعموم الدالّ على إخراج الفطرة عن كلّ رأس صاع، و أمّا الثانية فلأنّ المانع ليس إلّا خروج وقت الأداء لكنّه لا يصلح للمانعيّة؛ إذ خروج الوقت لا يسقط الحقّ كالدّين و زكاة المال و الخمس. و ثالثة بصحيحة زرارة المتقدّمة، هذا.

و الثالث حكي عن الحلّي في السرائر (5) حاكيا له عن الشيخ (رحمه اللّه)؛ حملا لما دلّ بظاهره على التوقيت على الندب و الفضيلة، فإنّ زكاة الفطرة كزكاة المال و الخمس في امتداد الوقت و صلاحيّته للفعل، و اختاره بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب، حيث قال بعد نقل ما عرفت عن الحلّي: «و يمكن تحصيل الإجماع على خلافه بل عن بعضهم دعواه عليه. نعم، قد يقال: إنّ تلك النصوص لا صراحة فيها على التوقيت على وجه ينتفي التكليف بانتفائه، بل أقصاها الوجوب فيه، فيمكن حينئذ كونه تكليفا آخر زائدا على أصل وجوب الفطرة الذي دلّ عليه إطلاق كثير من النصوص و معاقد الإجماعات مؤيّدا ذلك بثبوت أحكام غير الموقّت لها، كما لو مات من وجبت عليه قبل التمكّن من أدائها، فإنّ الظاهر تعلّقها بتركته كسائر ديونه و إن خرج الوقت، و ما ذاك إلّا بملاحظة تسبيب الشغل منها من غير ملاحظة التوقيت فيها كالزكاة‌

____________

(1). الخلاف، ج 2، ص 155؛ الاقتصاد، ص 285.

(2). قواعد الأحكام، ج 1، ص 359؛ مختلف الشيعة، ج 3، ص 304؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 541؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 396؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 291؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 421؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 441.

(3). مسالك الأفهام، ج 1، ص 452.

(4). مختلف الشيعة، ج 3، ص 304- 305.

(5). السرائر، ج 1، ص 469.

936

..........

____________

الماليّة» و ساق الكلام إلى أن قال: «و بالجملة، لا يخفى على من لاحظ النصوص الدالّة على وجوب الفطرة و النصوص المستفاد منها التوقيت قصورها عن التقييد على وجه يكون الحال فيه كالموقّت الذي هو كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1) و إنّما أقصاها الوجوب في نفسه، كقضاء شهر رمضان بين الشهرين و غيره، سيّما بعد ما عرفت من إرادة الندب في أكثر تلك النصوص، بل لو لا إمكان تحصيل الإجماع على الوجوب في هذا الوقت لأمكن حملها جميعا على الندب؛ لقوة تلك المطلقات، و يتّجه حينئذ ما سمعته من ابن إدريس (2) حاكيا له عن الشيخ (رحمه اللّه) و مع الإغضاء عن ذلك كلّه فلا أقلّ من الشكّ في التقييد على الوجه المزبور و العمل (حينئذ) على الإطلاقات حتى يثبت التقييد و على استصحاب الوجوب الذي لم يعلم كونه مغيّرا بالوقت المزبور على وجه يرتفع التكليف بانتهاء الوقت، مضافا إلى موافقة الإخراج للاحتياط الذي لا ينبغي تركه في المقام» (3). انتهى، هذا.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه العالي- أيضا أنّ مقتضى القواعد أن لا تكون ساقطة و تكون أداء كما ذكره الحلّي، أمّا عدم السقوط: فلعموم ما دلّ على وجوب الفطرة على كلّ أحد صغيرا كان أو كبيرا، حرّا كان أو مملوكا؛ بناء على ما ذكرنا سابقا في معناه من أنّ المراد من الوجوب هو مجرّد الثبوت الشأني، و من هنا قلنا بوجوبها على العيال إذا لم يقدر المعيل عليها، فيه هذا المعنى يقيّد بشي‌ء، (4) و إنّما الموقّت حكم الشارع بإبراء الذمّة في الوقت المعيّن، فإذا مضى الوقت المزبور كان أصل الثبوت في الذمّة- الذي هو أمر وضعيّ- باقيا، فهو و إن كان قضاء بالنسبة إلى حكم الشارع‌

____________

(1). الإسراء (17): 78.

(2). السرائر، ج 1، ص 469.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 536- 538.

(4). كذا في الأصل.

937

..........

____________

بالإجزاء إلّا أنّه ليس قضاء بالنسبة إلى هذه العمومات.

و الحاصل أنّه لو فرض هنا أمر مطلقا و أمر مقيّدا فلا معنى لكونه فعلا ثابتا أداء، سواء قلنا بأنّ القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأوّل، فإنّ المفروض أنّ الأمر المطلق يقيّد بالمقيّد قلنا بكونه أداء (1) لا محالة، و لكنّ الأمر في المقام ليس كذلك.

هذا كلّه، مضافا إلى ما عرفت من رواية محمّد بن مسلم (2) المحمولة على الاستحباب، فإنّ الاستحباب بمقتضى إطلاق الرواية ثابت في حقّ من أدرك جزءا آخر من الصلاة بحيث يقع إعطاء الفطرة بعد الزوال، فتكون الفطرة بعد الزوال أيضا فطرة، و الفرق بين الاستحباب و الوجوب كما ترى، هذا.

و لكن ظاهر كلام الحلّي (3) كونه من باب تعدّد المطلوب فيكون الأداء مبنيّا عليه كما يستظهر من كلام بعض المشايخ المتقدّم ذكره، فيكون أداؤه في الوقت مطلوبا آخر غير المطلوبيّة المطلقة، فيرد عليه أنّ هذا المطلوب لا يصحّح القول بالأداء، فإنّ المفروض انتفاء الوقت، و لا فرق في الحكم بالقضاء من استفادة المطلوبيّة من الأمر الأوّل أو من الدليل الخارجي، كما يدلّ عليه اختلافهم في أنّ القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر ضعف القول بالسقوط على الإطلاق كما أنّه يظهر منه القول بكونه قضاء على الإطلاق، و أداء كذلك.

و أمّا ما تمسّك به العلّامة من الرواية فيرد عليه أنّها لا إطلاق لها من الجهة المبحوث عنها في المقام، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الفروع التي ذكرها المصنّف إلى آخر الكتاب قد علم حكمها ممّا ذكرنا في‌

____________

(1). كذا في الأصل.

(2). الفقيه، ج 2، ص 182؛ الوسائل، ج 9، ص 329.

(3). المشار إليه سابقا.

938

..........

____________

باب زكاة المال، فلا يحتاج إلى إعادة الكلام.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و له الشكر ظاهرا و باطنا، و له الثناء على ما أنعم علينا من النعم التي لا تحصى، التي منها التوفيق لإتمام هذا الكتاب.

و صلّى اللّه على نبيّه محمّد و أهل بيته الطاهرين الّذين أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.