البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
51

ذي القعدة.

محمد بن الحسين‏

ابن محمد بن جعفر، أبو الفتح الشيباني العطار، و يعرف بقطيط، سافر الكثير إلى البلاد، و سمع الكثير، و كان شيخا ظريفا، سلك طريق التصوف، و كان يقول: لما ولدت سميت قطيطا على أسماء البادية، ثم سماني بعض أهلي محمدا.

ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين و أربعمائة

فيها ردت الجوالى إلى نواب الخليفة. و فيها ورد كتاب من الملك طغرلبك إلى جلال الدولة يأمره بالإحسان إلى الرعايا و الوصاة بهم، قبل أن يحل به ما يسوءه.

ذكر ملك أبى كاليجار بغداد بعد وفاة أخيه جلال الدولة

و فيها توفى جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة، فملك بغداد بعده أخوه سلطان الدولة أبو كاليجار بن بهاء الدولة، و خطب له بها عن ممالأة أمرائها، و أخرجوا منها الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة، فتنقل في البلاد و تسرب من مملكته إلى غيرها حتى توفى سنة إحدى و أربعين، و حمل فدفن عند أبيه بمقابر قريش. و فيها أرسل الملك مودود بن مسعود عسكرا كثيفا إلى خراسان فبرز إليهم ألب أرسلان بن داود السلجوقي فاقتتلا قتالا عظيما، و في صفر منها أسلم من الترك الذين كانوا يطرقون بلاد المسلمين نحو من عشرة آلاف خركاة، و ضحوا في يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس من الغنم، و تفرقوا في البلاد، و لم يسلم من خطا و التتر أحد و هم بنواحي الصين. و فيها نفى ملك الروم من القسطنطينية كل غريب له فيها دون العشرين سنة. و فيها خطب المعز أبو تميم صاحب إفريقية ببلاده للخليفة العباسي، و قطع خطبة الفاطميين و أحرق أعلامهم، و أرسل إليه الخليفة الخلع و اللواء المنشور، و فيه تعظيم له و ثناء عليه. و فيها أرسل القائم بأمر اللَّه أبا الحسن على بن محمد ابن حبيب الماوردي قبل موت جلال الدولة إلى الملك طغرلبك ليصلح بينه و بين جلال الدولة و أبى كاليجار، فسار إليه فالتقاه بجرجان فتلقاه الملك على أربعة فراسخ إكراما للخليفة، و أقام عنده إلى السنة الآتية. فلما قدم على الخليفة أخبره بطاعته و إكرامه لأجل الخليفة.

و فيها توفى من الأعيان‏

الحسين بن عثمان‏

ابن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف العجليّ، أبو سعد أحد الرحالين في طلب الحديث إلى البلاد المتباعدة، ثم أقام ببغداد مدة و حدث بها، و روى عنه الخطيب، و قال: كان صدوقا، ثم انتقل في آخر عمره إلى مكة فأقام بها حتى مات في شوال منها.

عبد اللَّه بن أبى الفتح‏

أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم الأزهري، الحافظ المحدث المشهور، و يعرف‏

52

بابن السواري، سمع من أبى بكر بن مالك و خلق يطول ذكرهم، و كان ثقة صدوقا، دينا، حسن الاعتقاد و السيرة، توفى ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر منها عن ثمانين سنة و عشرة أيام.

الملك جلال الدولة

أبو طاهر بن بهاء الدولة بن بويه الديلميّ، صاحب العراق، كان يحب العباد و يزورهم، و يلتمس الدعاء منهم، و قد نكب مرات عديدة، و أخرج من داره، و تارة أخرج من بغداد بالكلية، ثم يعود إليها حتى اعتراه وجع كبده فمات من ذلك في ليلة الجمعة خامس شعبان منها، و له من العمر إحدى و خمسين سنة و أشهر، تولى العراق من ذلك ستة عشرة سنة و إحدى عشر شهرا و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ست و ثلاثين و أربعمائة

فيها دخل الملك أبو كاليجار بغداد و أمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، و لم تكن الملوك تفعل ذلك، إنما كان يضرب لعضد الدولة ثلاث أوقات، و ما كان يضرب في الأوقات الخمس إلا للخليفة، و كان دخوله إليها في رمضان، و قد فرق على الجند أموالا جزيلة، و بعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار، و خلع على مقدمي الجيوش و هم البساسيري، و النشاورى، و الهمام أبو اللقاء، و لقبه الخليفة محيي الدولة، و خطب له في بلاد كثيرة بأمر ملوكها، و خطب له بهمذان، و لم يبق لنواب طغرلبك فيها أمر. و فيها استوزر طغرلبك أبا القاسم عبد اللَّه الجويني، و هو أول وزير و زر له.

و فيها ورد أبو نصر أحمد بن يوسف الصاحب مصر، و كان يهوديا فأسلم بعد موت الجرجرائي. و فيها تولى نقابة الطالبيين أبو أحمد بن عدنان بن الرضى، و ذلك بعد وفاة عمه المرتضى. و فيها ولى القضاء أبو الطيب الطبري، قضاء الكرخ، مضافا إلى ما كان يتولاه من الفضاء بباب الطلق، و ذلك بعد موت القاضي الصيمري. و فيها نظر رئيس الرؤساء أبو القاسم ابن المسلم في كتاب ديوان الخليفة، و كان عنده بمنزلة عالية. و لم يحج فيها أحد من أهل العراق.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الحسين بن على‏

ابن محمد بن جعفر، أبو عبد اللَّه الصيمري نسبة إلى نهر البصرة يقال له صيمر، عليه عدة قرى، أحد أئمة الحنفية، ولى قضاء المدائن ثم قضاء ربع الكرخ، و حدث عن أبى بكر المفيد، و ابن شاهين و غيرهما، و كان صدوقا وافر العقل، جميل المعاشرة، حسن العبادة، عارفا بحقوق العلماء.

توفى في شوال عن خمس و ثمانين سنة.

عبد الوهاب بن منصور

ابن أحمد، أبو الحسن المعروف بابن المشترى الأهوازي، كان قاضيا بالأهواز [ (1)] و نواحيها،

____________

[ (1)] في ابن الأثير: قاضى خوزستان و فارس.

53

شافعيّ المذهب، كان له منزلة كبيرة عند السلطان، و كان صدوقا كثير المال، حسن السيرة.

الشريف المرتضى‏

على بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، الشريف الموسوي، الملقب بالمرتضى، ذي المجدين، كان أكبر من أخيه ذي الحسبين و كان جيد الشعر على مذهب الإمامية و الاعتزال، يناظر على ذلك، و كان يناظر عنده في كل المذاهب، و له تصانيف في التشيع، أصولا و فروعا، و قد نقل ابن الجوزي أشياء من تفرداته في التشيع، فمن ذلك أنه لا يصح السجود إلا على الأرض أو ما كان من جنسها، و أن الاستجمار إنما يجزئ في الغائط لا في البول، و أن الكتابيات حرام، و كذا ذبائح أهل الكتاب، و ما ولدوه هم و سائر الكفار من الأطعمة حرام، و أن الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين، و المعلق منه لا يقع و إن وجد شرطه، و من نام عن صلاة العشاء حتى انتصف الليل وجب قضاؤها، و يجب عليه أن يصبح صائما كفارة لما وقع منه. و من ذلك أن المرأة إذا جزت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ، و من شق ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة اليمين، و من تزوج امرأة لها زوج لا يعلمه وجب عليه أن يتصدق بخمسة دراهم، و أن قطع السارق من رءوس الأصابع. قال ابن الجوزي: نقلته من خط أبى الوفاء ابن عقيل. قال: و هذه مذاهب عجيبة، تخرق الإجماع، و أعجب منها ذم الصحابة رضى اللَّه عنهم. ثم سرد من كلامه شيئا قبيحا في تكفير عمر بن الخطاب و عثمان و عائشة و حفصة رضى اللَّه عنهم و أخزاه اللَّه و أمثاله من الأرجاس الأنجاس، أهل الرفض و الارتكاس، إن لم يكن تاب، فقد روى ابن الجوزي قال: أنبأنا ابن ناصر عن أبى الحسن بن الطيوري قال سمعت أبا القاسم بن برهان يقول:

دخلت على الشريف المرتضى و إذا هو قد حول وجهه إلى الجدار و هو يقول: أبو بكر و عمر وليا فعدلا و استرحما فرحما، فأنا أقول ارتدا بعد ما أسلما؟ قال فقمت عنه فما بلغت عتبة داره حتى سمعت الزعقة عليه. توفى في هذه السنة عن إحدى و ثمانين سنة. و قد ذكره ابن خلكان فملس عليه على عادته مع الشعراء في الثناء عليهم، و أورد له أشعارا رائقة. قال و يقال: إنه هو الّذي وضع كتاب نهج البلاغة

محمد بن أحمد

ابن شعيب بن عبد اللَّه بن الفضل، أبو منصور الروياني، صاحب الشيخ أبى حامد الأسفراييني قال الخطيب: سكن بغداد و حدث بها، و كتبنا عنه، و كان صدوقا يسكن قطيعة الربيع. توفى في ربيع الأول منها، و دفن بباب حرب.

أبو الحسين البصري المعتزلي‏

محمد بن على بن الخطيب، أبو الحسين البصري المتكلم، شيخ المعتزلة و المنتصر لهم، و المحامي‏

54

عن ذمهم بالتصانيف الكثيرة، توفى في ربيع الآخر منها، و صلى عليه القاضي أبو عبد اللَّه الصيمري، و دفن في الشونيزى، و لم يرو من الحديث سوى حديث واحد،

رواه الخطيب البغدادي في تاريخه: حدثنا محمد بن على بن الطيب قرئ على هلال بن محمد بن أخى هلال الرأى، بالبصرة و أنا أسمع، قيل له حدثكم أبو مسلم الكجي و أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ و الغلابي و المازني و الزريقى قالوا: حدثنا القعنبي عن شعبة عن منصور عن ربعي عن أبى مسعود البدري. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

و الغلابي اسمه محمد، و المازني اسمه محمد بن حامد، و الزريقى أبو على محمد بن أحمد بن خالد البصري.

ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة

فيها بعث السلطان طغرلبك السلجوقي أخاه إبراهيم إلى بلاد الجبل فملكها، و أخرج عنها صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، فالتحق بالأكراد، ثم سار إبراهيم إلى الدينور فملكها أيضا، و أخرج صاحبها و هو أبو الشوك، فسار إلى حلوان فتبعه إبراهيم فملك حلوان قهرا، و أحرق داره و غنم أمواله، فعند ذلك تجهز الملك أبو كاليجار لقتال السلاجقة الذين تعدوا على أتباعه، فلم يمكنه ذلك لقلة الظهر، و ذلك أن الآفة اعترت في هذه السنة الخيل فمات له فيها نحو من اثنى عشر ألف فرس، بحيث جافت بغداد من جيف الخيل. و فيها وقع بين الروافض و السنة ثم اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، و إحراق الكنيسة العتيقة، التي لهم، و اتفق موت رجل من أكابر النصارى بواسط فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك و أخرجوا جنازته جهرا، و معها طائفة من الأتراك يحرسونها، فحملت عليهم العامة فهزموهم و أخذوا الميت منهم و استخرجوه من أكفانه فأحرقوه، و رموا رماده في دجلة، و مضوا إلى الدير فنهبوه، و عجز الأتراك عن دفعهم. و لم يحج فيها أحد من أهل العراق.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

فارس بن محمد بن عناز

صاحب الدينور و غيرهم، توفى في هذا الأوان.

خديجة بنت موسى‏

ابن عبد اللَّه الواعظة، و تعرف ببنت البقال، و تكنى أم سلمة، قال الخطيب: كتبت عنها و كانت فقيرة صالحة فاضلة.

أحمد بن يوسف السليكى المنازى‏

الشاعر الكاتب، وزير أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميافارقين و ديار بكر، كان فاضلا بارعا لطيفا، تردد في الترسل إلى القسطنطينية غير مرة، و حصل كتبا عزيزة أوقفها على جامعى آمد

55

و ميافارقين، و دخل يوما على أبى العلاء المعرى فقال له: إني معتزل الناس و هم يؤذوننى، و تركت لهم الدنيا، فقال له الوزير: و الآخرة أيضا. فقال و الآخرة يا قاضى؟ قال: نعم. و له ديوان قليل النظير عزيز الوجود، حرص عليه القاضي الفاضل فلم يقدر عليه، توفى فيها. و من شعره في وادي تزاعة.

وقانا لفحة الرمضاء واد* * * وقاه مضاعف النبت العميم‏

نزلنا دوحه فحنا علينا* * * حنو المرضعات على الفطيم‏

و أرشفنا على ظمأ زلالا* * * ألذ من المدامة للنديم‏

يراعى الشمس أنى قابلته* * * فيحجبها ليأذن للنسيم‏

تروع حصاه حالية العذارى* * * فتلمس جانب العقد النظيم‏

قال ابن خلكان: و هذه الأبيات بديعة في بابها.

ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين و أربعمائة

استهلت هذه السنة و الموتان كثير في الدواب جدا، حتى جافت بغداد. قال ابن الجوزي: و ربما أحضر بعض الناس الأطباء لأجل دوابهم فيسقونها ماء الشعير و يطببونها. و فيها حاصر السلطان بن طغرلبك أصبهان فصالحه أهلها على مال يحملونه إليه، أن يخطب له بها، فأجابوه إلى ذلك. و فيها ملك مهلهل قرميسين و الدينور. و فيها تأمر على بنى خفاجة رجل يقال له رجب بن أبى منيع بن ثمال، بعد وفاة بدران بن سلطان بن ثمال، و هؤلاء الأعراب أكثر من يصد الناس عن بيت اللَّه الحرام، فلا جزاهم اللَّه خيرا.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الشيخ أبو محمد الجويني‏

إمام الشافعية: عبد اللَّه بن يوسف بن محمد بن حيسويه الشيخ أبو محمد الجويني، و هو والد إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبى محمد، و أصله من قبيلة يقال لها سنبس، و جوين من نواحي نيسابور، سمع الحديث من بلاد شتى على جماعة، و قرأ الأدب على أبيه، و تفقه بابي الطيب سهل ابن محمد الصعلوكي، ثم خرج إلى مرو إلى أبى بكر عبد اللَّه بن أحمد القفال، ثم عاد إلى نيسابور و عقد مجلس المناظرة، و كان مهيبا لا يجرى بين يديه إلا الجد، و صنف التصانيف الكثيرة في أنواع من العلوم و كان زاهدا شديد الاحتياط لدينه حتى ربما أخرج الزكاة مرتين. و قد ذكرته في طبقات الشافعية و ذكرت ما قاله الأئمة في مدحه، توفى في ذي القعدة منها. قال ابن خلكان: صنف التفسير الكبير المشتمل على أنواع العلوم، و له في الفقه التبصرة و التذكرة، و صنف مختصر المختصر، و الفرق و الجمع، و السلسلة و غير ذلك، و كان إماما في الفقه و الأصول و الأدب و العربية. توفى في هذه السنة، و قيل سنة أربع و ثلاثين. قاله السمعاني في الأنساب، و هو في سن الكهولة.

56

ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين و أربعمائة

فيها اصطلح الملك طغرلبك و أبو كاليجار، و تزوج طغرلبك بابنته، و تزوج أبو منصور بن كاليجار، بابنة الملك داود أخى طغرلبك. و فيها أسرت الأكراد سرخاب أخا أبى الشوك و أحضروه بين يدي أميرهم ينال، فأمر بقلع إحدى عينيه. و فيها استولى أبو كاليجار على بلاد البطيحة و نجا صاحبها أبو نصر بنفسه. و فيها ظهر رجل يقال له الأصفر التغلبي، و ادعى أنه من المذكورين في الكتب، فاستغوى خلقا، و قصد بلادا فغنم منها أموالا تقوى بها، و عظم أمره. ثم اتفق له أسر و حمل إلى نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر، فاعتقله و سد عليه باب السجن. و فيها كان وباء شديد بالعراق و الجزيرة، بسبب جيف الدواب التي ماتت، فمات فيها خلق كثير، حتى خلت الأسواق و قلّت الأشياء التي يحتاج إليها المرضى، و ورد كتاب من الموصل بأنه لا يصلى الجمعة من أهلها إلا نحو أربعمائة، و أن أهل الذمة لم يبق منهم إلا نحو مائة و عشرين نفسا. و فيها وقع غلاء شديد أيضا و وقعت فتنة بين الروافض و السنة ببغداد، قتل فيها خلق كثير. و لم يحج فيها أحد من ركب العراق‏

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن أحمد

أبو الفضل القاضي الهاشمي، الرشيديّ، من ولد الرشيد، ولى القضاء بسجستان، و سمع الحديث من الغطريفى. قال الخطيب: أنشدنى لنفسه قوله:

قالوا اقتصد في الجود إنك منصف* * * عدل و ذو الإنصاف ليس يجور

فأجبتهم إني سلالة معشر* * * لهم لواء في الندى منشور

تاللَّه إني شائد ما قدموا* * * جدي الرشيد و قبله المنصور

عبد الواحد بن محمد

بن يحيى بن أيوب أبو القاسم الشاعر المعروف بالمطرز، و من شعره قوله‏

يا عبدكم لك من ذنب و معصية* * * إن كنت ناسيها فاللَّه أحصاها

لا بد يا عبد من يوم تقوم به* * * و وقفة لك يدمي القلب ذكراها

إذا عرضت على قلبي تذكرها* * * و ساء ظني فقلت استغفر اللَّه‏

محمد بن الحسن بن على‏

ابن عبد الرحيم أبو سعد الوزير، و زر للملك جلال الدولة ست مرات، ثم كان موته بجزيرة ابن عمر فيها عن ست و خمسين سنة.

محمد بن أحمد بن موسى‏

أبو عبد اللَّه الواعظ الشيرازي، قال الخطيب: قدم بغداد و أظهر الزهد و التقشف و الورع، و عزوف النفس عن الدنيا، فافتتن الناس به، و كان يحضر مجلسه خلق كثير، ثم إنه بعد حين كان‏

57

يعرض عليه الشي‏ء فيقبله، فكثرت أمواله، و لبس الثياب الناعمة، و جرت له أمور، و كثرت أتباعه و أظهر أنه يريد الغزو فاتبعه نفر كثير، فعسكر بظاهر البلد، و كان يضرب له الطبل في أوقات الصلوات و سار إلى ناحية أذربيجان، فالتف عليه خلق كثير، و ضاهى أمير تلك الناحية، و كانت وفاته لك في هذه السنة. قال الخطيب: و قد حدث ببغداد و كتبت عنه أحاديث يسيرة، و حدثني بعض أصحابنا عنه بشي‏ء يدل على ضعفه، و أنشد هو لبعضهم:

إذا ما أطعت النفس في كل لذة* * * نسبت إلى غير الحجى و التكرم‏

إذا ما أجبت الناس في كل دعوة* * * دعتك إلى الأمر القبيح المحرم‏

المظفر بن الحسين‏

ابن عمر بن برهان، أبو الحسن الغزال، سمع محمد بن المظفر و غيره، و كان صدوقا.

محمد بن على بن إبراهيم‏

أبو الخطاب الحنبلي الشاعر، من شعره قوله:

ما حكم الحب فهو ممتثل* * * و ما جناه الحبيب محتمل‏

يهوى و يشكو الضنى و كل هوى* * * لا ينحل الجسم فهو منتحل‏

و قد سافر إلى الشام فاجتاز بمعرة النعمان فامتدحه أبو العلاء المعرى بأبيات، فأجابه مرتجلا عنها.

و قد كان حسن العينين حين سافر، فما رجع إلى بغداد إلا و هو أعمى. توفى في ذي القعدة منها و يقال إنه كان شديد الرفض فاللَّه أعلم.

الشيخ أبو على السنجى‏

الحسين بن شعيب بن محمد شيخ الشافعية في زمانه، أخذ عن أبى بكر القفال، و شرح الفروع لابن الحداد، و قد شرحها قبله شيخه، و قبله القاضي أبو الطيب الطبري، و شرح أبو على السنجى كتاب التلخيص لابن القاص، شرحا كبيرا، و له كتاب المجموع، و منه أخذ الغزالي في الوسيط.

قال ابن خلكان: و هو أول من جمع بين طريقة العراقيين و الخراسانيين. توفى سنة بضع و ثلاثين و أربعمائة

ثم دخلت سنة أربعين و أربعمائة

في هذه السنة توفى الملك أبو كاليجار في جمادى الأولى منها، صاحب بغداد، مرض و هو في برية، ففصد في يوم ثلاث مرات، و حمل في محفة فمات ليلة الخميس، و نهبت الغلمان الخزائن، و أحرق الجواري الخيام، سوى الخيمة التي هو فيها، و ولى بعده ابنه أبو نصر، و سموه الملك الرحيم، و دخل دار الخلافة فخلع عليه الخليفة سبع خلع، و سوره و طوقه و جعل على رأسه التاج و العمامة السوداء، و وصاه الخليفة، و رجع إلى داره و جاء الناس ليهنئوه. و فيها دار السور على شيراز، و كان دوره اثنى عشر

58

ألف ذراع، و ارتفاعه ثمانية أذرع، و عرضه ستة أذرع، و فيه أحد عشر بابا. و فيها غزا إبراهيم ابن نيال بلاد الروم فغنم مائة ألف رأس، و أربعة آلاف درع، و قيل تسع عشرة ألف درع. و لم يبق بينه و بين القسطنطينية إلا خمسة عشر يوما، و جمل ما غنم على عشرة آلاف عجلة. و فيها خطب لذخيرة الدين أبى العباس أحمد بن الخليفة القائم بأمر اللَّه، على المنابر بولاية العهد بعد أبيه، و حيي بذلك. و فيها اقتتل الروافض و السنة، و جرت ببغداد فتن يطول ذكرها. و لم يحج أحد من أهل العراق.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن عيسى بن المقتدر

أبو محمد العباسي، ولد في المحرم سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة، و سمع من مؤدبه أحمد بن منصور السكرى، و أبى الأزهر عبد الوهاب الكاتب، و كان فاضلا دينا، حافظا لأخبار الخلفاء، عالما بأيام الناس صالحا، أعرض عن الخلافة مع قدرته عليها، و آثر بها القادر. توفى فيها عن سبع و تسعين سنة. و أوصى أن يدفن بباب حرب، فدفن قريبا من قبر الامام أحمد بن حنبل.

هبة اللَّه بن عمر بن أحمد بن عثمان‏

أبو القاسم الواعظ المعروف بابن شاهين، سمع من أبى بكر بن ملك، و ابن ماسى و البرقاني. قال الخطيب: كتبت عنه و كان صدوقا، ولد في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة، و توفى في ربيع الآخر منها، و دفن بباب حرب‏

على بن الحسن‏

ابن محمد بن المنتاب أبو محمد القاسم، المعروف بابن أبى عثمان الدقاق. قال الخطيب: سمع القطيعي و غيره، و كان شيخا صالحا، صدوقا دينا، حسن المذهب.

محمد بن جعفر بن أبى الفرج‏

الوزير الملقب بذي السعادات، وزر لأبى كاليجار بفارس و بغداد، و كان ذا مروءة غزيرة، مليح الشعر و الترسل، و من محاسنه أنه كتب إليه في رجل مات عن ولد له ثمانية أشهر و له من المال ما يقارب مائة ألف دينار، فكتب إليه الموصى، و قيل غيره: إن فلانا قد مات و خلف ولدا عمره ثمانية أشهر، و له من المال ما يقارب مائة ألف دينار، فان رأى الوزير أن يقترض هذا المال إلى حين بلوغ الطفل. فكتب الوزير على ظهر الورقة: المتوفى (رحمه اللَّه)، و اليتيم جبره اللَّه، و المال ثمره اللَّه، و الساعي لعنه اللَّه، و لا حاجة بنا إلى مال الأيتام. اعتقل ثم قتل في رمضان منها، عن إحدى و خمسين سنة.

محمد بن أحمد بن إبراهيم‏

ابن غيلان بن عبد اللَّه بن غيلان بن حليم بن غيلان، أخو طالب البزار، يروى عن جماعة و هو آخر من حدث عن أبى بكر الشافعيّ، كان صدوقا دينا صالحا، قوى النفس على كبر السن، كان يملك ألف دينار، و كان يصبها كل يوم في حجره فيقبلها ثم يردها إلى موضعها، و قد خرج له‏

59

الدار قطنى الأجزاء الغيلانيات، و هي سماعنا. توفى يوم الاثنين سادس شوال منها عن أربع و تسعين سنة، و يقال إنه بلغ المائة فاللَّه أعلم.

الملك أبو كاليجار

و اسمه المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، توفى عن أربعين سنة و أشهر، ولى العراق نحوا من أربع سنين، و نهبت له قلعة كان له فيها من المال ما يزيد على ألف ألف دينار، و قام بالأمر من بعده ابنه الملك الرحيم أبو نصر.

ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و أربعمائة

في عاشر المحرم تقدم إلى أهل الكرخ أن لا يعملوا بدع النوح، فجرى بينهم و بين أهل باب البصرة ما يزيد على الحد، من الجراح و القتل، و بنى أهل الكرخ سورا على الكرخ، و بنى أهل السنة سورا على سوق القلائين، ثم نقض كل من الفريقين أبنيته، و حملوا الآجر إلى مواضع بالطبول و المزامير، و جرت بينهم مفاخرات في ذلك، و سخف لا تنحصر و لا تنضبط، و إنشاد أشعار في فضل الصحابة. و ثلبهم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. ثم وقعت بينهم فتن يطول ذكرها، و أحرقوا دورا كثيرة جدا. و فيها وقعت وحشة بين الملك طغرلبك و بين أخيه، فجمع أخوه جموعا كثيرة فاقتتل هو و أخوه طغرلبك، ثم أسره من قلعة قد تحصن بها، بعد محاصرة أربعة أيام، فاستنزله منها مقهورا، فأحسن إليه و أكرمه، و أقام عنده مكرما، و كتب ملك الروم إلى طغرلبك في فداء بعض ملوكهم ممن كان أسره إبراهيم بن نيال، و بذل له مالا كثيرا، فبعثه إليه مكرما من غير عوض، اشترط عليه فأرسل إليه ملك الروم هدايا كثيرة، و أمر بعمارة المسجد الّذي بالقسطنطينية، و أقيمت فيه الصلاة و الجمعة، و خطب فيه للملك طغرلبك، فبلغ هذا الأمر العجيب سائر الملوك فعظموا الملك طغرلبك تعظيما زائدا، و خطب له نصر الدولة بالجزيرة. و فيها ولى مسعود بن مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين الملك بعد وفاة أبيه، و كان صغيرا، فمكث أياما ثم عدل عنه إلى عمه على بن مسعود، و هذا أمر غريب جدا. و فيها ملك المصريون مدينة حلب و أجلوا عنها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس. و فيها كان بين البساسيري و بين بنى عقيل حرب. و فيها ملك البساسيري الأنبار من يد قرواش فأصلح أمورها. و في شعبان منها سار البساسيري إلى طريق خراسان و قصد ناحية الدوران و ملكها، و غنم مالا كثيرا كان فيها، و قد كان سعدى بن أبى الشوك قد حصنها، قال ابن الجوزي: في ذي الحجة منها ارتفعت سحابة سوداء فزادت على ظلمة الليل، و ظهر في جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس و خافوا و أخذوا في الدعاء و التضرع، فانكشف في أثناء الليل بعد ساعة، و كانت قد هبت ريح شديدة جدا قبل ذلك، فأتلفت شيئا كثيرا من الأشجار، و هدمت رواشن كثيرة في دار الخلافة و دار المملكة. و لم يحج أحد من أهل العراق.

60

و فيها توفى من الأعيان.

أحمد بن محمد بن منصور

أبو الحسن المعروف بالعتيقي، نسبة إلى جدله كان يسمى عتيقا، سمع من ابن شاهين و غيره، و كان صدوقا. توفى في صفر منها و قد جاوز التسعين.

على بن الحسن‏

أبو القاسم العلويّ و يعرف بابن محيي السنة. قال الخطيب: سمع من ابن مظفر و كتب عنه، و كان صدوقا دينا حسن الاعتقاد، يورق بالأجرة و يأكل منه، و يتصدق. توفى في رجب منها و قد جاوز الثمانين.

عبد الوهاب بن القاضي الماوردي‏

يكنى أبا الفائر شهد عند ابن ماكولا في سنة إحدى و ثلاثين فأجاز شهادته احتراما لأبيه، توفى في المحرم منها.

الحافظ أبو عبد اللَّه الصوري‏

محمد بن على بن عبد اللَّه بن محمد أبو عبد اللَّه الصوري الحافظ، طلب الحديث بعد ما كبر و أسن، و رحل في طلبه إلى الآفاق، و كتب الكثير و صنف و استفاد على الحافظ عبد الغنى المصري، و كتب عن عبد الغنى شيئا من تصانيفه، و كان من أعظم أهل الحديث، همه في الطلب و هو شاب ثم كان من أقوى الناس على العمل الصالح عزيمة في حال كبره، كان يسرد الصوم إلا يومى العيدين و أيام التشريق، و كان مع ذلك حسن الخلق جميل المعاشرة، و قد ذهبت إحدى عينيه، و كان يكتب بالأخرى المجلد في جزء. قال أبو الحسن الطيوري: يقال إن عامة كتب الخطيب سوى التاريخ مستفادة من كتب أبى عبد اللَّه الصوري كان قد مات الصوري و ترك كتبه اثنى عشر عدلا عند أخيه، فلما صار الخطيب أعطا أخاه شيئا و أخذ بعض تلك الكتب فحولها في كتبه، و من شعره:

تولى الشباب بريعانه* * * و أتى المشيب بأحزانه‏

فقلبي لفقدان ذا مؤلم* * * كئيب لهذا و وجدانه‏

و إن كان ما جار في حكمه* * * و لا جاء في غير إبانه‏

و لكن أتى مؤذنا بالرحيل* * * فويلى من قرب إيذانه‏

و لو لا ذنوب تحملتها* * * لما راعني إتيانه‏

و لكن ظهري ثقيل بما* * * جناه شبابي بطغيانه‏

فمن كان يبكى شبابا مضى* * * و يندب طيب زمانه‏

فليس بكائي و ما قد ترون* * * منى لوحشة فقدانه‏

و لكن لما كان قد جره* * * عليّ بوثبات شيطانه‏

فويلى و ويحى إن لم يجد* * * على مليكى برضوانه‏

61

و لم يتغمد ذنوبي و ما قد* * * جنيت برحمته و غرانه‏

و يجعل مصيري إلى جنة* * * يحل بها أهل رضوانه و غفرانه‏

فان كنت ما لي من طاعة* * * سوى حسن ظني بإحسانه‏

و إني مقر بتوحيده* * * عليم بعزة سلطانه‏

أخالف في ذاك أهل الهوى* * * و أهل الفسوق و عدوانه‏

و أرجو به الفوز في منزل* * * معد مهيا لسكانه‏

و لن يجمع اللَّه أهل الجحود* * * د و من أقر بنيرانه‏

فهذا ينجيه إيمانه* * * و هذا يبوء بخسرانه‏

و هذا ينعم في جنة* * * و ذاك قرين لشيطانه‏

و من شعره أيضا:

قل لمن عاند الحديث و أضحى* * * عائبا أهله و من يدعيه‏

أ بعلم تقول هذا أبن لي* * * أم بجهل فالجهل خلق السفيه‏

أ يعاب الذين هم حفظوا الدين* * * من الترهات و التمويه‏

و إلى قولهم و ما قد رووه* * * راجع كل عالم و فقيه‏

كان سبب موته أنه افتصد فورمت يده، و على ما ذكر أن ريشة الفاصد كانت مسمومة لغيره فغلط ففصده بها، فكانت فيها منيته، فحمل إلى المارستان فمات به، و دفن بمقبرة جامع المدينة، و قد نيف على الستين (رحمه اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة

فيها فتح السلطان طغرلبك أصبهان بعد حصار سنة، فنقل إليها حواصله من الري و جعلها دار إقامته، و خرب قطعة من سورها، و قال: إنما يحتاج إلى السور من تضعف قوته، و إنما حصننى عساكري و سيفي، و قد كان فيها أبو منصور قرامز بن علاء الدولة أبى جعفر بن كلويه، فأخرجه منها و أقطعه بعض بلادها. و فيها سار الملك الرحيم إلى الأهواز و أطاعه عسكر فارس. و فيها استولت الخوارج على عمان و أخربوا دار الامارة، و أسروا أبا المظفر بن أبى كاليجار. و فيها دخلت العرب بأذن المستنصر الفاطمي بلاد إفريقية، و جرت بينهم و بين المعز بن باديس حروب طويلة، و عاثوا في الأرض فسادا عدة سنين. و فيها اصطلح الروافض و السنة ببغداد، و ذهبوا كلهم لزيارة مشهد على و مشهد الحسين، و ترضوا في الكرخ على الصحابة كلهم، و ترحموا عليهم، و هذا عجيب جدا، إلا أن يكون من باب التقية، و رخصت الأسعار ببغداد جدا. و لم يحج أحد من أهل العراق.

62

و ممن توفى فيها من الأعيان.

على بن عمر بن الحسن‏

أبو الحسن الحربي المعروف بالقزويني، ولد في مستهل المحرم في سنة ستين و ثلاثمائة، و هي الليلة التي مات فيها أبو بكر الآجري، و سمع أبا بكر بن شاذان و أبا حفص بن حيويه، و كان وافر العقل، من كبار عباد اللَّه الصالحين، و له كرامات كثيرة، و كان يقرأ القرآن و يروى الحديث، و لا يخرج إلا إلى الصلاة. توفى في شوال منها. فغلقت بغداد لموته يومئذ، و حضر الناس جنازته، و كان يوما مشهودا (رحمه اللَّه).

عمر بن ثابت‏

الثمانيني النحويّ الضرير. شارح اللمع، كان في غاية العلم بالنحو، و كان يأخذ عليه. و ذكر ابن خلكان أنه اشتغل على ابن جنى، و شرح كلامه، و كان ماهرا في صناعة النحو، قال و نسبته إلى قرية من نواحي جزيرة ابن عمر عند الجبل الجودي، يقال لها ثمانين، باسم الثمانين الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة.

قرواش بن مقلد

أبو المنيع، صاحب الموصل و الكوفة و غيرها، كان من الجبارين، و قد كاتبه الحاكم صاحب مصر في بعض الأحيان فاستماله إليه، فخطب له ببلاده ثم تركه، و اعتذر إلى الخليفة فعذره، و قد جمع هذا الجبار بين أختين في النكاح، و لامته العرب، فقال: و أي شي‏ء عملته؟ إنما عملت ما هو مباح في الشريعة [ (1)] و قد نكب في أيام المعز الفاطمي و نهبت حواصله، و حين توفى قام بالأمر بعده ابن أخيه قريش بن بدران بن مقلد.

مودود بن مسعود

ابن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة: توفى فيها و قام بالأمر من بعده عمه عبد الرشيد بن محمود

ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة

في صفر منها وقع الحرب بين الروافض و السنة، فقتل من الفريقين خلق كثير، و ذلك أن الروافض نصبوا أبراجا و كتبوا عليها بالذهب: محمد و على خير البشر، فمن رضى فقد شكر، و من أبى فقد كفر. فأنكرت السنة إقران على مع محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) في هذا، فنشبت الحرب بينهم، و استمر القتال بينهم إلى ربيع الأول، فقتل رجل هاشمي فدفن عند الامام أحمد، و رجع السنة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر و أحرقوا ضريح موسى و محمد الجواد، و قبور بنى بويه، و قبور من هناك من الوزراء و أحرق قبر جعفر بن المنصور، و محمد الأمين، و أمه زبيدة، و قبور كثيرة جدا، و انتشرت الفتنة و تجاوزوا الحدود، و قد قابلهم أولئك الرافضة أيضا بمفاسد كثيرة، و بعثروا قبورا قديمة، و أحرقوا من فيها من الصالحين، حتى هموا بقبر الامام أحمد، فمنعهم النقيب، و خاف من غائلة ذلك، و تسلط على الرافضة عيار يقال له القطيعي، و كان يتبع رءوسهم و كبارهم فيقتلهم جهارا و غيلة، و عظمت المحنة بسببه جدا، و لم يقدر عليه أحد، و كان في غاية الشجاعة و البأس و المكر، و لما بلغ ذلك دبيس بن‏

____________

[ (1)] و في النجوم الزاهرة «خبروني، ما الّذي نستعمله مما تبيحه الشريعة؟ فهذا من ذاك».

63

على بن مزيد- و كان رافضيا- قطع خطبة الخليفة، ثم روسل فأعادها. و في رمضان منها جاءت من الملك طغرلبك رسل شكر للخليفة على إحسانه إليه بما كان بعثه له من الخلع و التقليد، و أرسل إلى الخليفة بعشرين ألف دينار، و إلى الحاشية بخمسة آلاف، و إلى رئيس الرؤساء بألفي دينار، و قد كان طغرلبك حين عمر الري و خرب فيها أماكن وجد فيها دفائن كثيرة من الذهب و الجوهر، فعظم شأنه بذلك، و قوى ملكه بسببه.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

محمد بن محمد بن أحمد

أبو الحسن الشاعر البصروي، نسبة إلى قرية دون عكبرا يقال لها بصرى باسم المدينة التي هي أم حوران، و قد سكن بغداد، و كان متكلما مطبوعا، له نوادر، و من شعره قوله:

نرى الدنيا و شهوتها فنصبوا* * * و ما يخلو من الشهوات قلب‏

فلا يغررك زخرف ما تراه* * * و عيش لين الأعطاف رطب‏

فضول العيش أكثرها هموم* * * و أكثر ما يضرك ما تحب‏

إذا ما بلغة جاءتك عفوا* * * فخذها فالغنى مرعى و شرب‏

إذا اتفق القليل و فيه سلم* * * فلا ترد الكثير و فيه حرب‏

ثم دخلت سنة أربع و أربعين و أربعمائة

فيها كتبت تذكرة الخلفاء المصريين و أنهم أدعياء كذبة لا نسب لهم صحيحة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، نسخا كثيرة، و كتب فيها الفقهاء و القضاة و الأشراف. و فيها كانت زلازل عظيمة في نواحي أرجان و الأهواز و تلك البلاد، تهدم بسببها شي‏ء كثير من العمران و شرفات القصور، و حكى بعض من يعتد قوله أنه انفرج إيوانه و هو يشاهد ذلك، حتى رأى السماء منه ثم عاد إلى حاله لم يتغير.

و في ذي القعدة منها تجددت الحرب بين أهل السنة و الروافض، و أحرقوا أماكن كثيرة، و قتل من الفريقين خلائق، و كتبوا على مساجدهم: محمد و على خير البشر، و أذنوا بحي على خير العمل، و استمرت الحرب بينهم، و تسلط القطيعي العيار على الروافض، بحيث كان لا يقر لهم معه قرار، و هذا من جملة الأقدار.

و فيها توفى من الأعيان.

الحسن بن على‏

ابن محمد بن على بن أحمد بن وهب بن شنبل بن قرة بن واقد، أبو على التميمي الواعظ، المعروف بابن المذهب، ولد سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة، و سمع مسند الامام أحمد من أبى بكر بن مالك القطيعي عن عبد اللَّه بن الامام أحمد، عن أبيه، و قد سمع الحديث من أبى بكر بن ماسى و ابن شاهين و الدار قطنى و خلق، و كان دينا خيرا، و ذكر الخطيب أنه كان صحيح السماع لمسند أحمد من القطيعي‏

64

غير أنه ألحق اسمه في أجزاء. قال ابن الجوزي: و ليس هذا بقدح في سماعه، لأنه إذا تحقق سماعه جاز أن يلحق اسمه فيما تحقق سماعه له، و قد عاب عليه الخطيب أشياء لا حاجة إليها.

على بن الحسين‏

ابن محمد، أبو الحسن المعروف بالشاشي البغدادي، و قد أقام بالبصرة و استحوذ هو و عمه على أهلها، و عمل أشياء من الحيل يوهم بها أنه من ذوى الأحوال و المكاشفات، و هو في ذلك كاذب قبحه اللَّه و قبح عمه، و قد كان مع هذا رافضيا خبيثا قرمطيا، توفى في هذا العام فلله الحمد و الشكر و الانعام.

القاضي أبو جعفر

محمد بن أحمد بن أحمد، أبو جعفر السمناني القاضي، أحد المتكلمين على طريقة الشيخ أبى الحسن الأشعري، و قد سمع الدار قطنى و غيره، كان عالما فاضلا سخيا، تولى القضاء بالموصل، و كان له في داره مجلس للمناظرة، و توفى لما كف بصره بالموصل و هو قاضيها، في ربيع الأول منها و قد بلغ خمسا و ثمانين سنة، سامحه اللَّه.

ثم دخلت سنة خمس و أربعين و أربعمائة

فيها تجدد الشر و القتال و الحريق بين السنة و الروافض، و سرى الأمر و تفاقم الحال. و فيها و ردت الأخبار بأن المعز الفاطمي عازم على قصد العراق. و فيها نقل إلى الملك طغرلبك أن الشيخ أبا الحسن الأشعري يقول بكذا و كذا، و ذكر بشي‏ء من الأمور التي لا تليق بالدين و السنة، فأمر بلعنه، و صرح أهل نيسابور بتكفير من يقول ذلك، فضج أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن من ذلك، و صنف رسالة في شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة، و استدعى السلطان جماعة من رءوس الأشاعرة منهم القشيري فسألهم عما أنهى إليه من ذلك. فأنكروا ذلك، و أن يكون الأشعري قال ذلك. فقال السلطان: نحن إنما لعنا من يقول هذا. و جرت فتنة عظيمة طويلة. و فيها استولى فولا بسور الملك أبى كاليجار على شيراز، و أخرج منها أخاه أبا سعد، و في شوال سار البساسيري إلى أكراد و أعراب أفسدوا في الأرض فقهرهم و أخذ أموالهم. و لم يحج فيها أحد من أهل العراق.

و فيها توفى من الأعيان‏

أحمد بن عمر بن روح‏

أبو الحسن النهرواني، كان ينظر في العيار بدار الضرب، و له شعر حسن، قال: كنت يوما على شاطئ النهروان، فسمعت رجلا يتغنى في سفينة منحدرة يقول:

و ما طلبوا سوى قتلى* * * فهان على ما طلبوا

قال فاستوقفته و قلت: أضف إليه غيره فقال:

على قتلى الأحبة* * * في التمادي، بالجفا غلبوا

65

و بالهجران من عيني* * * طيب النوم قد سلبوا

و ما طلبوا سوى قتلى* * * فهان على ما طلبوا

إسماعيل بن على‏

ابن الحسين بن محمد بن زنجويه، أبو سعيد الرازيّ، المعروف بالسمان، شيخ المعتزلة، سمع الحديث الكثير و كتب عن أربعة آلاف شيخ، و كان عالما عارفا فاضلا مع اعتزاله، و من كلامه: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام، و كان حنفي المذهب، عالما بالخلاف و الفرائض و الحساب و أسماء الرجال، و قد ترجمه ابن عساكر في تاريخه فأطنب في شكره و الثناء عليه.

عمر بن الشيخ أبى طالب المكيّ‏

محمد بن على بن عطية، سمع أباه و ابن شاهين، و كان صدوقا يكنى بأبي جعفر.

محمد بن أحمد

ابن عثمان بن الفرج الأزهر، أبو طالب المعروف بابن السوادى، و هو أخو أبى القاسم الأزهري توفى عن نيف و ثمانين سنة.

محمد بن أبى تمام‏

الزينبي نقيب النقباء، قام ببغداد بعد أبيه مقامه بالنقابة.

ثم دخلت سنة ست و أربعين و أربعمائة

فيها غزا السلطان طغرلبك بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم و سبى و عمل أشياء حسنة، ثم عاد سالما فأقام بأذربيجان سنة. و فيها أخذ قريش بن بدران الأنبار، و خطب بها و بالموصل لطغرلبك، و أخرج منها نواب البساسيري. و فيها دخل البساسيري بغداد مع بنى خفاجة منصرفه من الوقعة، و ظهرت منه آثار النفرة للخلافة، فراسله الخليفة لتطيب نفسه، و خرج في ذي الحجة إلى الأنبار فأخذها، و كان معه دبيس بن على بن مزيد، و خرب أماكن و حرق غيرها ثم أذن له الخليفة في الدخول إلى بيت النوبة ليخلع عليه، فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة فقبل الأرض و انصرف إلى منزله، و لم يعبر، فقويت الوحشة. و لم يحج أحد من أهل العراق فيها.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الحسين بن جعفر بن محمد

ابن داود، أبو عبد اللَّه السلماسي، سمع ابن شاهين و ابن حيويه و الدار قطنى، و كان ثقة مأمونا مشهورا باصطناع المعروف، و فعل الخير، و افتقاد الفقراء، و كثرة الصدقة، و كان قد أريد على الشهادة فأبى ذلك، و كان له في كل شهر عشرة دنانير نفقة لأهله.

66

عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن‏

أبو عبد اللَّه الأصبهاني، المعروف بابن اللبان، أحد تلامذة أبى حامد الأسفراييني، ولى قضاء الكرخ، و كان يصلى بالناس التراويح، ثم يقوم بعد انصرافهم فيصلي إلى أن يطلع الفجر، و ربما انقضى الشهر عنه و لم يضطجع إلى الأرض (رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة سبع و أربعين و أربعمائة

فيها ملك طغرلبك بغداد، و هو أول ملوك السلجوقية، ملكها و بلاد العراق. و فيها تأكدت الوحشة بين الخليفة و البساسيري، و اشتكت الأتراك منه، و أطلق رئيس الرؤساء عبارته فيه، و ذكر قبيح أفعاله، و أنه كاتب المصريين بالطاعة، و خلع ما كان عليه من طاعة العباسيين، و قال الخليفة و ليس إلا إهلاكه. و فيها غلت الأسعار بنواحي الأهواز حتى بيع الكر بشيراز بألف دينار. و فيها وقعت الفتنة بين السنة و الرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالا مستمرا، و لا تمكن الدولة أن يحجزوا بين الفريقين. و فيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة و الحنابلة، فقوى جانب الحنابلة قوة عظيمة، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة و لا الجماعات.

قال الخطيب: كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري قد عظم أمره و استفحل، لعدم أقرانه من مقدمي الأتراك، و استولى على البلاد و طار اسمه، و خافته أمراء العرب و العجم، و دعي له على كثير من المنابر العراقية و الأهواز و نواحيها، و لم يكن للخليفة قطع و لا وصل دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، و شهد عنده جماعة من الأتراك أنه عازم على نهب دار الخلافة، و أنه يريد القبض على الخليفة، فعند ذلك كاتب الخليفة محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البساسيري و عادوا إلى بغداد سريعا، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البساسيري و هي في الجانب الغربي فأحرقوها، و هدموا أبنيتها، و وصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في رمضان سنة سبع و أربعين، و قد تلقاه إلى أثناء الطريق الأمراء و الوزراء و الحجاب، و دخل بغداد في أبهة عظيمة جدا، و خطب له بها ثم بعده للملك الرحيم، ثم قطعت خطبة الملك الرحيم، و رفع إلى القلعة معتقلا عليه، و كان آخر ملوك بنى بويه، و كانت مدة ولايتهم قريب المائة و العشر سنين، و كان ملك الملك الرحيم لبغداد ست سنين و عشرة أيام، و نزل طغرلبك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها، و نزل أصحابه دور الأتراك و كان معه ثمانية أفيلة، و وقعت الفتنة بين الأتراك و العامة، و نهب الجانب الشرقي بكمله، و جرت خبطة عظيمة. و أما البساسيري فإنه فر من الخليفة إلى بلاد الرحبة و كتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة الدعوى له بالعراق، فأرسل إليه بولاية الرحبة و نيابته بها، ليكون على أهبة الأمر الّذي يريده.

67

و في يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة قلد أبو عبد اللَّه محمد بن على الدامغانيّ قضاء القضاة، و خلع عليه به، و ذلك بعد موت ابن ماكولا، ثم خلع الخليفة على الملك طغرلبك بعد دخوله بغداد بيوم، و رجع إلى داره و بين يديه الدبادب و البوقات.

و في هذا الشهر توفى ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن الخليفة القائم بأمر اللَّه، و هو ولى عهد أبيه فعظمت الرزية به. و فيها استولى أبو كامل على بن محمد الصليحى الهمدانيّ على أكثر أعمال اليمن، و خطب للفاطميين، و قطع خطبة العباسيين. و فيها كثر فساد الغز و نهبوا دواب الناس حتى بيع الثور بخمسة قراريط. و فيها اشتد الغلاء بمكة و عدمت الأقوات، و أرسل اللَّه عليهم جرادا فتعوضوا به عن الطعام. و لم يحج أحد من أهل العراق.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن على‏

ابن جعفر بن على بن محمد بن دلف بن أبى دلف العجليّ قاضى القضاة، المعروف بابن ماكولا الشافعيّ، و قد ولى القضاء بالبصرة، ثم ولى قضاء القضاة ببغداد سنة عشرين و أربعمائة في خلافة المقتدر، و أقره ابنه القائم إلى أن مات في هذه السنة، عن تسع و سبعين سنة، منها في القضاء سبع و عشرون سنة، و كان صينا دينا لا يقبل من أحد هدية و لا من الخليفة، و كان يذكر أنه سمع من أبى عبد اللَّه بن مندة، و له شعر حسن فمنه:

تصابى برهة من بعد شيب* * * فما أغنى المشيب عن التصابي‏

و سود عارضيه بلون خضب* * * فلم ينفعه تسويد الخضاب‏

و أبدى للأحبة كل لطف* * * فما زادوا سوى فرط اجتناب‏

سلام اللَّه عودا بعد بدئ* * * على أيام ريعان الشباب‏

تولى عزمه يوما و أبقى* * * بقلبي حسرة ثم اكتئاب‏

على بن المحسن بن على‏

ابن محمد بن أبى الفهم أبو القاسم التنوخي، قال ابن الجوزي: و تنوخ اسم لعدة قبائل اجتمعوا بالبحرين، و تحالفوا على التناصر و التآزر، فسموا تنوخا. ولد بالبصرة سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة، و سمع الحديث سنة سبعين، و قبلت شهادته عند الحكام في حداثته، و ولى القضاء بالمدائن و غيرها، و كان صدوقا محتاطا، إلا أنه كان يميل إلى الاعتزال و الرفض.

ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و أربعمائة

في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم عقد الخليفة على خديجة بنت أخى السلطان طغرلبك على صداق مائة ألف دينار، و حضر هذا العقد عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، و بقية العلويين‏

68

و قاضى القضاة الدامغانيّ و الماوردي، و رئيس الرؤساء ابن المسلمة. فلما كان شعبان ذهب رئيس الرؤساء إلى الملك طغرلبك و قال له: أمير المؤمنين يقول لك قال اللَّه تعالى‏ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها) و قد أمرنى أن أنقل الوديعة إلى داره العزيزة، فقال: السمع و الطاعة، فذهبت أم الخليفة لدار الملك لاستدعاء العروس، فجاءت معها و في خدمتها الوزير عميد الملك و الحشم، فدخلوا داره و شافه الوزير الخليفة عن عمها و سأله اللطف بها و الإحسان إليها، فلما دخلت إليه قبّلت الأرض مرارا بين يديه، فأدناها إليه و أجلسها إلى جانبه، و أفاض عليها خلعا سنية و تاجا من جوهر ثمين، و أعطاها من الغدمائة ثوب ديباجا، و قصبات من ذهب، و طاسة ذهب قد نبت فيها الجوهر و الياقوت و الفيروزج، و أقطعها في كل سنة من ضياعه ما يغل اثنا عشر ألف دينار، و غير ذلك.

و فيها أمر السلطان طغرلبك ببناء دار الملك العضدية فخربت محال كثيرة في عمارتها، و نهبت العامة أخشابا كثيرة من دور الأتراك، و الجانب الغربي، و باعوه على الخبازين و الطباخين، و غيرهم.

و فيها رجع غلاء شديد على الناس و خوف و نهب كثير ببغداد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بحيث دفن كثير من الناس بغير غسل و لا تكفين، و غلت الأشربة و ما تحتاج إليه المرضى كثيرا، و اعترى الناس موت كثير، و اغبر الجو و فسد الهواء. قال ابن الجوزي: و عم هذا الوباء و الغلاء مكة و الحجاز و ديار بكر و الموصل و بلاد بكر و بلاد الروم و خراسان و الجبال و الدنيا كلها. هذا لفظه في المنتظم. قال:

و ورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوجدوا عند الصباح موتى أحدهم على باب النقب، و الثاني على رأس الدرجة، و الثالث على الثياب التي كورها ليأخذها فلم يمهل.

و فيها أمر رئيس الرؤساء بنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج أهلها لذلك، و كان كثير الأذية للرافضة، و إنما كان يدافع عنهم عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك. و فيها هبت ريح شديدة و ارتفعت سحابة ترابية و ذلك ضحى، فأظلمت الدنيا، و احتاج الناس في الأسواق و غيرها إلى السرج.

قال ابن الجوزي: و في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر كوكب له ذؤابة طولها في رأى العين نحو من عشرة أذرع، و في عرض نحو الذراع، و لبث كذلك إلى النصف من رجب، ثم اضمحل. و ذكروا أنه طلع مثله بمصر فملكت و خطب بها للمصريين. و كذلك بغداد لما طلع فيها ملكت و خطب بها للمصريين. و فيها ألزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، و أمروا أن ينادى مؤذنهم في أذان الصبح، بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، و أزيل ما كان على أبواب المساجد و مساجدهم من كتابة: محمد و على خير البشر، و دخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، و ذلك أن نوء الرافضة اضمحل، لأن بنى بويه كانوا حكاما، و كانوا يقوونهم و ينصرونهم، فزالوا و بادوا، و ذهبت دولتهم، و جاء بعدهم قوم آخرون‏

69

من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة و يوالونهم و يرفعون قدرهم، و اللَّه المحمود، أبدا على طول المدى. و أمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبى عبد اللَّه بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض و الغلو فيه، فقتل على باب دكانه، و هرب أبو جعفر الطوسي و نهبت داره.

و فيها جاء البساسيري قبحه اللَّه إلى الموصل و معه نور الدولة دبيس، في جيش كثيف، فاقتتل مع صاحبها قريش و نصره قتلمش بن عم طغرلبك، و هو جد ملوك الروم، فهزمهما البساسيري، و أخذ البلد قهرا، فخطب بها للمصريين، و أخرج كاتبه من السجن، و قد كان أظهر الإسلام ظنا منه أنه ينفعه، فلم ينفعه فقتل، و كذلك خطب للمصريين فيها بالكوفة و واسط و غيرها من البلاد. و عزم طغرلبك على المسير إلى الموصل لمناجزة البساسيري فنهاه الخليفة عن ذلك لضيق الحال و غلاء الأسعار، فلم يقبل فخرج بجيشه قاصدا الموصل بجحافل عظيمة، و معه الفيلة و المنجنيقات، و كان جيشه لكثرتهم ينهبون القرى، و ربما سطوا على بعض الحريم، فكتب الخليفة إلى السلطان ينهاه عن ذلك، فبعث إليه يعتذر لكثرة من معه، و اتفق أنه رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام فسلم عليه فأعرض عنه، فقال:

يا رسول اللَّه لأى شي‏ء تعرض عنى؟ فقال: يحكمك اللَّه في البلاد ثم لا ترفق بخلقه و لا تخاف من جلال اللَّه عز و جل. فاستيقظ مذعورا و أمر وزيره أن ينادى في الجيش بالعدل، و أن لا يظلم أحد أحدا.

و لما اقترب من الموصل فتح دونها بلادا، ثم فتحها و سلمها إلى أخيه داود، ثم سار منها إلى بلاد بكر ففتح أماكن كثيرة هناك.

و فيها ظهرت دولة الملثمين ببلاد المغرب، و أظهروا إعزاز الدين و كلمة الحق و استولوا على بلاد كثيرة منها سجلماسة و أعمالها و السوس، و قتلوا خلقا كثيرا من أهلها، و أول ملوك الملثمين رجل يقال له أبو بكر بن عمر، و قد أقام بسجلماسة إلى أن توفى سنة ثنتين و ستين كما سيأتي بيانه، ثم ولى بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين، و تلقب بأمير المؤمنين، و قوى أمره، و علا قدره ببلاد المغرب.

و فيها ألزم أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، عن أمر السلطان. و فيها ولد لذخيرة الدين بعد موته من جارية له ولد ذكر، و هو أبو القاسم عبد اللَّه المقتدى بأمر اللَّه. و فيها كان الغلاء و الفناء أيضا مستمرين على الناس ببغداد و غيرها من البلاد، على ما كان عليه الأمر في السنة الماضية، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و لم يحج أحد من أهل العراق فيها.

و فيها توفى من الأعيان‏

على بن أحمد بن على بن سلك‏

أبو الحسن المؤدب، المعروف بالفالي [ (1)]، صاحب الأمالي، و فالة قرية قريبة من إيذج، أقام‏

____________

[ (1)] لان صاحب الأمالي اسمه أبو على إسماعيل بن القاسم و وفاته سنة 356 فجعله صاحب الأمالي خطأ بلا شك و انما هو الفالى بالفاء كما في النجوم الزاهرة.

70

بالبصرة مدة، و سمع بها من عمر بن عبد الواحد الهاشمي و غيره، و قدم بغداد فاستوطنها، و كان ثقة في نفسه، كثير الفضائل. و من شعره الحسن:

لما تبدلت المجالس أوجها* * * غير الذين عهدت من علمائها

و رأيتها محفوفة بسوى الأولى* * * كانوا ولاة صدورها و فنائها

أنشدت بيتا سائرا متقدما* * * و العين قد شرقت بجاري مائها

أما الخيام فإنها كخيامهم* * * و أرى نساء الحي غير نسائها

و من شعره أيضا:

تصدر للتدريس كل مهوس* * * بليد تسمى بالفقيه المدرس‏

فحق لأهل العلم أن يتمثلوا* * * ببيت قديم شاع في كل مجلس‏

لقد هزلت حتى بدا من هزالها* * * كلاها و حتى سامها كل مفلس‏

محمد بن عبد الواحد بن محمد الصباغ‏

الفقيه الشافعيّ، و ليس بصاحب الشامل، ذاك متأخر و هذا من تلاميذ أبى حامد الأسفراييني، كانت له حلقة للفتوى بجامع المدينة، و شهد عند قاضى القضاة الدامغانيّ الحنفي فقبله، و قد سمع الحديث من ابن شاهين و غيره، و كان ثقة جليل القدر.

هلال بن المحسن‏

ابن إبراهيم بن هلال، أبو الخير الكاتب الصابئ، صاحب التاريخ، و جده أبو إسحاق الصابئ صاحب الرسائل، و كان أبوه صابئيا أيضا، أسلم هلال هذا متأخرا، و حسن إسلامه، و قد سمع في حال كفره من جماعة من المشايخ، و ذلك أنه كان يتردد إليهم يطلب الأدب، فلما أسلم نفعه ذلك، و كان ذلك سبب إسلامه على ما ذكره ابن الجوزي: بسنده مطولا، أنه رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام مرارا يدعوه إلى اللَّه عز و جل، و يأمره بالدخول في الإسلام، و يقول له: أنت رجل عاقل، فلم تدع دين الإسلام الّذي قامت عليه الدلائل؟ و أراه آيات في المنام شاهدها في اليقظة، فمنها أنه قال له:

إن امرأتك حامل بولد ذكر، فسمه محمدا، فولدت ذكرا، فسماه محمدا، و كناه أبا الحسن، في أشياء كثيرة سردها ابن الجوزي، فأسلم و حسن إسلامه، و كان صدوقا. توفى عن تسعين سنة، منها في الإسلام نيف و أربعون سنة.

ثم دخلت سنة تسع و أربعين و أربعمائة

فيها كان الغلاء و الفناء مستمرين ببغداد و غيرها من البلاد، بحيث خلت أكثر الدور و سدت على أهلها أبوابها بما فيها، و أهلها موتى فيها، ثم صار المار في الطريق لا يلقى الواحد بعد الواحد و أكل الناس الجيف و النتن من قلة الطعام، و وجد مع امرأة فخذ كلب قد أخضر و شوى رجل صبية

71

في الأتون و أكلها، فقيل و سقط طائر ميت من حائط فاحتوشته خمسة أنفس فاقتسموه و أكلوه، و ورد كتاب من بخارى أنه مات في يوم واحد منها و من معاملتها ثمانية عشر ألف إنسان، و أحصى من مات في هذا الوباء من تلك البلاد إلى يوم كتب فيه هذا الكتاب بألف ألف، و خمسمائة ألف و خمسين ألف إنسان، و الناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة و طرقات خالية، و أبوابا مغلقة، و وحشة و عدم أنس. حكاه ابن الجوزي. قال: و جاء الخبر من أذربيجان و تلك البلاد بالوباء العظيم، و أنه لم يسلم من تلك البلاد إلا العدد اليسير جدا. قال: و وقع وباء بالأهواز و بواط و أعمالها و غيرها، حتى طبق البلاد، و كان أكثر سبب ذلك الجوع، كان الفقراء يشوون الكلاب و ينبشون القبور و يشوون الموتى و يأكلونهم، و ليس للناس شغل في الليل و النهار إلا غسل الأموات و تجهيزهم و دفنهم، فكان يحفر الحفير فيدفن فيه العشرون و الثلاثون، و كان الإنسان بينما هو جالس إذا انشق قلبه عن دم المهجة، فيخرج منه إلى الفم قطرة فيموت الإنسان من وقته، و تاب الناس و تصدقوا بأكثر أموالهم فلم يجدوا أحدا يقبل منهم، و كان الفقير تعرض عليه الدنانير الكثيرة و الدراهم و الثياب فيقول: أنا أريد كسرة أريد ما يسد جوعي، فلا يجد ذلك، و أراق الناس الخمور و كسروا آلات اللهو، و لزموا المساجد للعبادة و قراءة القرآن، و قل دار يكون فيها خمر إلا مات أهلها كلهم، و دخل على مريض له سبعة أيام في النزع فأشار بيده إلى مكان فوجدوا فيه خابية من خمر فأراقوها فمات من وقته بسهولة، و مات رجل في مسجد فوجدوا معه خمسين ألف درهم، فعرضت على الناس فلم يقبلها أحد فتركت في المسجد تسعة أيام لا يريدها أحد، فلما كان بعد ذلك دخل أربعة ليأخذوها فماتوا عليها، فلم يخرج من المسجد منهم أحد حي، بل ماتوا جميعا. و كان الشيخ أبو محمد عبد الجبار بن محمد يشتغل عليه سبعمائة متفقه، فمات و ماتوا كلهم إلا اثنى عشر نفرا منهم، و لما اصطلح السلطان دبيس بن على رجع إلى بلاده فوجدها خرابا لقلة أهلها من الطاعون، فأرسل رسولا منهم إلى بعض النواحي فتلقاه طائفة فقتلوه و شووه و أكلوه.

قال ابن الجوزي: و في يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة احترقت قطيعة عيسى و سوق الطعام و الكنيس، و أصحاب السقط و باب الشعير، و سوق العطارين و سوق العروس و الانماطيين و الخشابين و الجزارين و التمارين، و القطيعة و سوق مخول و نهر الزجاج و سويقة غالب و الصفارين و الصباغين و غير ذلك من المواضع، و هذه مصيبة أخرى إلى ما بالناس من الجوع و الغلاء و الفناء، ضعف الناس حتى طغت النار فعملت أعمالها،، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و فيها كثر العيارون ببغداد، و أخذوا الأموال جهارا، و كبسوا الدور ليلا و نهارا، و كبست دار أبى جعفر الطوسي متكلم الشيعة، و أحرقت كتبه و مآثره، و دفاتره التي كان يستعملها في ضلالته و بدعته، و يدعو إليها أهل‏

72

ملته و نحلته، و للَّه الحمد. و فيها دخل الملك طغرلبك بغداد عائدا إليها من الموصل فتلقاه الناس و الكبراء إلى أثناء الطريق، و أحضر له رئيس الرؤساء خلعة من الخليفة مرصعة بالجوهر فلبسها، و قبل الأرض ثم بعد ذلك دخل دار الخلافة، و قد ركب إليها فرسا من مراكب الخليفة، فلما دخل على الخليفة إذا هو على سرير طوله سبعة أذرع، و على كتفه البردة النبويّة، و بيده القضيب، فقبل الأرض و جلس على سرير دون سرير الخليفة، ثم قال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له أمير المؤمنين حامد لسعيك شاكر لفعلك، آنس بقربك، و قد ولاك جميع ما ولاه اللَّه تعالى من بلاده، فاتق اللَّه فيما ولاك، و اجتهد في عمارة البلاد و إصلاح العباد و نشر العدل، و كف الظلم، ففسر له عميد الدولة ما قال الخليفة فقام و قبل الأرض و قال: أنا خادم أمير المؤمنين و عبده، و متصرف على أمره و نهيه، و متشرف بما أهلني له و استخدمنى فيه، و من اللَّه أستمد المعونة و التوفيق. ثم أمره الخليفة أن ينهض للبس الخلعة فقام إلى بيت في ذلك البهو، فأفيض عليه سبع خلع و تاج، ثم عاد فجلس على السرير بعد ما قبل يد الخليفة، و رام تقبيل الأرض فلم يتمكن من التاج، فأخرج الخليفة سيفا فقلده إياه و خوطب بملك الشرق و الغرب، و أحضرت ثلاثة ألوية فعقد منها الخليفة لواء بيده، و أحضر العهد إلى الملك، و قرئ بين يديه بحضرة الملك و أوصاه الخليفة بتقوى اللَّه و العدل في الرعية، ثم نهض فقبل يد الخليفة ثم وضعها على عينيه، ثم خرج في أبهة عظيمة إلى داره و بين يديه الحجاب و الجيش بكماله، و جاء الناس للسلام عليه، و أرسل إلى الخليفة بتحف عظيمة، منها خمسون ألف دينار، و خمسون غلاما أتراكا، بمراكبهم و سلاحهم و مناطقهم، و خمسمائة ثوب أنواعا، و أعطى رئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار، و خمسين قطعة قماش و غير ذلك.

و فيها قبض صاحب مصر على وزيره أبى محمد الحسن بن عبد الرحمن البازرى، و أخذ خطه بثلاثة آلاف دينار، و أحيط على ثمانين من أصحابه، و قد كان هذا الوزير فقيها حنفيا، يحسن إلى أهل العلم و أهل الحرمين، و قد كان الشيخ أبو يوسف القزويني يثنى عليه و يمدحه.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان‏

ابن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحرث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة بن تيم اللَّه بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أبو العلاء المعرى التنوخي الشاعر، المشهور بالزندقة، اللغوي، صاحب الدواوين و المصنفات في الشعر و اللغة، ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة و أصابه جدري و له أربع سنين أو سبع، فذهب بصره، و قال الشعر و له إحدى عشرة أو ثنتا عشرة سنة، و دخل‏

73

بغداد سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة، فأقام بها سنة و سبعة أشهر، ثم خرج منها طريدا منهزما، لأنه سأل سؤالا بشعر يدل على قلة دينه و علمه و عقله فقال:

تناقض فما لنا إلا السكوت له* * * و أن نعوذ بمولانا من النار

يد بخمس مئين عسجد وديت* * * ما بالها قطعت في ربع دينار

و هذا من إفكه يقول: اليد ديتها خمسمائة دينار، فما لكم تقطعونها إذا سرقت ربع دينار، و هذا من قلة عقله و علمه، و عمى بصيرته. و ذلك أنه إذا جنى عليها يناسب أن يكون ديتها كثيرة لينزجر الناس عن العدوان، و أما إذا جنت هي بالسرقة فيناسب أن تقل قيمتها و ديتها لينزجر الناس عن أموال الناس و تصان أموالهم، و لهذا قال بعضهم: كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت.

و لما عزم الفقهاء على أخذه بهذا و أمثاله هرب و رجع إلى بلده، و لزم منزله فكان لا يخرج منه. و كان يوما عند الخليفة و كان الخليفة يكره المتنبي و يضع منه، و كان أبو العلاء يحب المتنبي و يرفع من قدره و يمدحه، فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس فذمه الخليفة، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أولها

لك يا منازل في القلوب منازل‏

لكفاه ذلك. فغضب الخليفة و أمر به فسحب برجله على وجهه و قال: أخرجوا عنى هذا الكلب. و قال الخليفة: أ تدرون ما أراد هذا الكلب من هذه القصيدة؟ و ذكره لها؟ أراد قول المتنبي فيها:

و إذا أتتك مذمتى من ناقص* * * فهي الدليل على أنى كامل‏

و إلا فالمتنبى له قصائد أحسن من هذه، و إنما أراد هذا. و هذا من فرط ذكاء الخليفة، حيث تنبه لهذا. و قد كان المعرى أيضا من الأذكياء، و مكث المعرى خمسا و أربعين سنة من عمره لا يأكل اللحم و لا اللبن و لا البيض، و لا شيئا من حيوان، على طريقة البراهمة الفلاسفة، و يقال إنه اجتمع براهب في بعض الصوامع في مجيئه من بعض السواحل آواه الليل عنده، فشكّكه في دين الإسلام، و كان يتقوت بالنبات و غيره، و أكثر ما كان يأكل العدس و يتحلى بالدبس و بالتين، و كان لا يأكل بحضرة أحد، و يقول: أكل الأعمى عورة، و كان في غاية الذكاء المفرط، على ما ذكروه، و أما ما ينقلونه عنه من الأشياء المكذوبة المختلقة من أنه وضع تحت سريره درهم فقال: إما أن تكون السماء قد انخفضت مقدار درهم أو الأرض قد ارتفعت مقدار درهم، أي أنه شعر بارتفاع سريره عن الأرض مقدار ذلك الدرهم الّذي وضع تحته، فهذا لا أصل له. و كذلك يذكرون عنه أنه مر في بعض أسفاره بمكان فطأطأ رأسه فقيل له في ذلك فقال: أما هنا شجرة؟ قالوا: لا، فنظروا فإذا أصل شجرة كانت هناك في الموضع الّذي طأطأ رأسه فيه، و قد قطعت، و كان قد اجتاز بها قديما مرة فأمره من كان معه بمطأطأة رأسه لما جازوا تحتها، فلما مر بها المرة الثانية طأطأ رأسه خوفا من أن يصيبه شي‏ء منها، فهذا

74

لا يصح. و قد كان ذكيا، و لم يكن زكيا، و له مصنفات كثيرة أكثرها في الشعر، و في بعض أشعاره ما يدل على زندقته، و انحلاله من الدين، و من الناس من يعتذر عنه و يقول: إنه إنما كان يقول ذلك مجونا و لعبا، و يقول بلسانه ما ليس في قلبه، و قد كان باطنه مسلما. قال ابن عقيل لما بلغه:

و ما الّذي ألجأه أن يقول في دار الإسلام ما يكفره به الناس؟ قال: و المنافقون مع قلة عقلهم و علمهم أجود سياسة منه، لأنهم حافظوا على قبائحهم في الدنيا و ستروها، و هذا أظهر الكفر الّذي تسلط عليه به الناس و زندقوه، و اللَّه يعلم أن ظاهره كباطنه. قال ابن الجوزي: و قد رأيت لأبى العلاء المعرى كتابا سماه الفصول و الغايات، في معارضة السور و الآيات، على حروف المعجم في آخر كلماته و هو في غاية الركاكة و البرودة، فسبحان من أعمى بصره و بصيرته. قال: و قد نظرت في كتابه المسمى لزوم ما لا يلزم، ثم أورد ابن الجوزي من أشعاره الدالة على استهتاره بدين الإسلام أشياء كثيرة فمن ذلك قوله:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل* * * و ترزق مجنونا و ترزق أحمقا

فلا ذنب يا رب السماء على امرئ* * * رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا

و قوله‏

ألا إن البرية في ضلال* * * و قد نظر اللبيب لما اعتراها

تقدم صاحب التوراة موسى* * * و أوقع في الخسار من افتراها

فقال رجاله وحي أتاه* * * و قال الناظرون بل افتراها

و ما حجّى إلى أحجار بيت* * * كروس الحمر تشرف في ذراها

إذا رجع الحليم إلى حجاه* * * تهاون بالمذاهب بالمذاهب و ازدراها

و قوله‏

عفت الحنيفة و النصارى اهتدت* * * و يهود جارت و المجوس مضلله‏

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا* * * دين و آخر ذو دين و و لا عقل له‏

و قوله‏

فلا تحسب مقال الرسل حقا* * * و لكن قول زور سطروه‏

فكان الناس في عيش رغيد* * * فجاءوا بالمحال فكدروه‏

و قلت أنا معارضة عليه:

فلا تحسب مقال الرسل زورا* * * و لكن قول حق بلغوه‏

و كان الناس في جهل عظيم* * * فجاءوا بالبيان فأوضحوه‏

و قوله‏

إن الشرائع ألقت بيننا إحنا* * * و أورثتنا أفانين العداوات‏

و هل أبيح نساء الروم عن عرض* * * للعرب إلا بأحكام النبوات‏

و قوله‏

و ما حمدي لآدم أو بنيه* * * و أشهد أن كلهم خسيس‏

75

و قوله‏

أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما* * * دياناتكم مكرا من القدما

و قوله‏

صرف الزمان مفرق الألفين* * * فاحكم إلهي بين ذاك و بيني‏

نهيت عن قتل النفوس تعمدا* * * و بعثت تقبضها مع الملكين‏

و زعمت أن لها معادا ثانيا* * * ما كان أغناها عن الحالين‏

و قوله‏

ضحكنا و كان الضحك منا سفاهة* * * و حق لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنا الأيام حتى كأننا* * * زجاج و لكن لا يعود له سبك‏

و قوله‏

أمور تستخف بها حلوم* * * و ما يدرى الفتى لمن الثبور

كتاب محمد و كتاب موسى* * * و إنجيل ابن مريم و الزبور

و قوله‏

قالت معاشر لم يبعث إلهكم* * * إلى البرية عيساها و لا موسى‏

و إنما جعلوا الرحمن مأكلة* * * و صيروا دينهم في الناس ناموسا

و ذكر ابن الجوزي و غيره أشياء كثيرة من شعره تدل على كفره، بل كل واحدة من هذه الأشياء تدل على كفره و زندقته و انحلاله، و يقال إنه أوصى أن يكتب على قبره:

هذا جناه أبى على* * * و ما جنيت على أحد

معناه أن أباه بتزوجه لأمه أوقعه في هذه الدار، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار، و هو لم يجن على أحد بهذه الجناية، و هذا كله كفر و إلحاد قبحه اللَّه. و قد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كله و تاب منه، و أنه قال قصيدة يعتذر فيها من ذلك كله، و يتنصل منه، و هي القصيدة التي يقول فيها:

يا من يرى مد البعوض جناحها* * * في ظلمة الليل البهيم الأليل‏

و يرى مناط عروقها في نحرها* * * و الملخ في تلك العظام النحل‏

امنن على بتوبة تمحو بها* * * ما كان منى في الزمان الأوّل‏

توفى في ربيع الأول من هذه السنة بمعرة النعمان، عن ست و ثمانين سنة إلا أربعة عشر يوما، و قد رثاه جماعة من أصحابه و تلامذته، و أنشدت عند قبره ثمانون مرثاة، حتى قال بعضهم في مرثاة له‏

إن كنت لم ترق الدماء زهادة* * * فلقد أرقت اليوم من جفني دما

قال ابن الجوزي: و هؤلاء الذين رثوه و الذين اعتقدوه: إما جهال بأمره، و إما ضلال على مذهبه و طريقه. و قد رأى بعضهم في النوم رجلا ضريرا على عاتقه حيتان مدليتان على صدره، رافعتان رءوسهما إليه، و هما ينهشان من لحمه، و هو يستغيث، و قائل يقول: هذا المعرى الملحد و قد ذكره ابن خلكان فرفع في نسبه على عادته في الشعراء، كما ذكرنا. و قد ذكر له من المصنفات كتبا كثيرة، و ذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتابه المسمى بالأيك و الغصون،

76

و هو المعروف بالهمز و الردف، و أنه أخذ العربية عن أبيه و اشتغل بحلب على محمد بن عبد اللَّه بن سعد النحويّ، و أخذ عنه أبو القاسم على بن المحسن التنوخي، و الخطيب أبو زكريا يحيى بن على التبريزي، و ذكر أنه مكث خمسا و أربعين سنة لا يأكل اللحم على طريقة الحكماء، و أنه أوصى أن يكتب على قبره:

هذا جناه أبى على* * * و ما جنيت على أحد

قال ابن خلكان: و هذا أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون اتخاذ الولد و إخراجه إلى هذا الوجود جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث و الآفات. قلت: و هذا يدل على أنه لم يتغير عن اعتقاده، و هو ما يعتقده الحكماء إلى آخر وقت، و أنه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، و اللَّه أعلم بظواهر الأمور و بواطنها، و ذكر ابن خلكان أن عينه اليمنى كانت ناتئة و عليها بياض، و عينه اليسرى غائرة، و كان نحيفا ثم أورد من أشعاره الجيدة أبياتا فمنها قوله:

لا تطلبن بآلة لك رتبة* * * قلم البليغ بغير جد مغزل‏

سكن السما كان السماء كلاهما* * * هذا له رمح و هذا أعزل‏

الأستاذ أبو عثمان الصابوني‏

إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن عامر بن عابد النيسابورىّ، الحافظ الواعظ المفسر، قدم دمشق و هو ذاهب إلى الحج فسمع بها و ذكّر الناس، و قد ترجمه ابن عساكر ترجمة عظيمة، و أورد له أشياء حسنة من أقواله و شعره، فمن ذلك قوله:

إذا لم أصب أموالكم و نوالكم* * * و لم آمل المعروف منكم و لا البرا

و كنتم عبيدا للذي أنا عبده* * * فمن أجل ما ذا أتعب البدن الحرا؟

و روى ابن عساكر عن إمام الحرمين أنه قال: كنت أتردد و أنا بمكة في المذاهب فرأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقول: عليك باعتقاد أبى عثمان الصابوني. (رحمه اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة خمسين و أربعمائة

فيها كانت فتنة الخبيث البساسيري، و هو أرسلان التركي، و ذلك أن إبراهيم ينال أخا الملك طغرلبك ترك الموصل الّذي كان قد استعمله أخوه عليها، و عدل إلى ناحية بلاد الجبل، فاستدعاه أخوه و خلع عليه و أصلح أمره، و لكن في غضون ذلك ركب البساسيري و معه قريش بن بدران أمير العرب إلى الموصل فأخذها، و أخرب قلعتها، فسار إليه الملك طغرلبك سريعا فاستردها و هرب منه البساسيري و قريش خوفا منه، فتبعهما إلى نصيبين، و فارقه أخوه إبراهيم، و عصى عليه، و هرب إلى همذان، و ذلك بإشارة البساسيري عليه، فسار الملك طغرلبك وراء أخيه و ترك عساكره وراءه فتفرقوا و قل من لحقه منهم، و رجعت زوجته الخاتون و وزيره الكندري إلى بغداد، ثم جاء الخبر

77

بأن أخاه قد استظهر عليه، و أن طغرلبك محصور بهمذان، فانزعج الناس لذلك، و اضطربت بغداد، و جاء الخبر بأن البساسيري على قصد بغداد، و أنه قد اقترب من الأنبار، فقوى عزم الكندري على الهروب، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحول عنها إلى الجانب الغربي، و نهبت داره و قطع الجسر الّذي بين الجانبين، و ركبت الخاتون في جمهور الجيش، و ذهبت إلى همذان لأجل زوجها، و سار الكندري و معه أنوشروان بن تومان و أم الخاتون المذكورة، و معها بقية الجيش إلى بلاد الأهواز و بقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة، فعزم الخليفة على الخروج منها، وليته فعل، ثم أحب داره و المقام مع أهله، فمكث فيها اغترارا و دعة، و لما خلى البلد من المقاتلة قيل للناس: من أراد الرحيل من بغداد فليذهب حيث شاء، فانزعج الناس و بكى الرجال و النساء و الأطفال، و عبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي، و بلغت المعبرة دينارا و دينارين لعدم الجسر. قال ابن الجوزي: و طار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحا مزعجا، و قيل لرئيس الرؤساء المصلحة أن الخليفة يرتحل لعدم المقاتلة فلم يقبل، و شرعوا في استخدام طائفة من العوام، و دفع إليهم سلاح كثير من دار المملكة، فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة جاء البساسيري إلى بغداد و معه الرايات البيض المصرية، و على رأسه أعلام مكتوب عليها اسم المستنصر باللَّه أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقاه أهل الكرخ الرافضة و سألوه أن يجتاز من عندهم، فدخل الكرخ و خرج إلى مشرعة الروايا، فخيم بها و الناس إذ ذاك في مجاعة و ضر شديد، و نزل قريش بن بدران في نحو من مائتي فارس على مشرعة باب البصرة، و كان البساسيري قد جمع العيارين و أطمعهم في نهب دار الخلافة، و نهب أهل الكرخ دور أهل السنة بباب البصرة، و نهبت دار قاضى القضاة الدامغانيّ، و تملك أكثر السجلات و الكتب الحكمية، و بيعت للعطارين، و نهبت دور المتعلقين بخدمة الخليفة، و أعادت الروافض الأذان بحي على خير العمل، و أذن به في سائر نواحي بغداد في الجمعات و الجماعات و خطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي، على منابرها و غيرها، و ضربت له السكة على الذهب و الفضة، و حوصرت دار الخلافة، فجاحف الوزير أبو القاسم بن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء، بمن معه من المستخدمين دونها فلم يفد ذلك شيئا، فركب الخليفة بالسواد و البردة، و على رأسه اللواء و بيده سيف مصلت، و حوله زمرة من العباسيين و الجواري حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن، معهن المصاحف على رءوس الرماح، و بين يديه الخدم بالسيوف، ثم إن الخليفة أخذ ذماما من أمير العرب قريش ليمنعه و أهله و وزيره ابن المسلمة، فأمنه على ذلك كله، و أنزله في خيمة، فلامه البساسيري على ذلك، و قال: قد علمت ما كان وقع الاتفاق عليه بيني و بينك، من أنك لا تبت برأي دوني، و لا أنا دونك، و مهما ملكنا بيني و بينك. ثم إن البساسيري أخذ القاسم بن مسلمة

78

فوبخه توبيخا مفضحا، و لامه لوما شديدا، ثم ضربه ضربا مبرحا، و اعتقله مهانا عنده، و نهبت العامة دار الخلافة، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر و النفائس، و الديباج و الذهب و الفضة، و الثياب و الأثاث، و الدواب و غير ذلك، مما لا يحد و لا يوصف. ثم اتفق رأى البساسيري و قريش على أن يسيروا الخليفة إلى أمير حديثة عانة، و هو مهارش بن مجلى الندوى، و هو من بنى عم قريش بن بدران، و كان رجلا فيه دين و له مروأة. فلما بلغ ذلك الخليفة دخل على قريش أن لا يخرج من بغداد فلم يفد ذلك شيئا، و سيّره مع أصحابهما في هودج إلى حديثة عانة، فكان عند مهارش حولا كاملا، و ليس معه أحد من أهله، فحكى عن الخليفة أنه قال لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثم دعوت اللَّه عز و جل بما سنح لي، ثم قلت: اللَّهمّ أعدنى إلى وطني، و اجمع بيني و بين أهلي و ولدى، و يسر اجتماعنا، و أعد روض الانس زاهرا، و ربع القرب عامرا، و فلفل العزا و برج الجفا، قال: فسمعت قائلا على شاطئ الفرات يقول: نعم نعم، فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال و الابتهال، فسمعت ذلك الصائح يقول: إلى الحول إلى الحول، فقلت: إنه هاتف أنطقه اللَّه بما جرى الأمر عليه، و كان كذلك، خرج من داره في ذي القعدة من هذه السنة، و رجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة، و قد قال الخليفة القائم بأمر اللَّه في مدة مقامه بالحديثة شعرا يذكر فيه حاله فمنه:

ساءت ظنوني فيمن كنت آمله* * * و لم يجل ذكر من و البيت في خلدي‏

تعلموا من صروف الدهر كلهم* * * فما أرى أحدا يحنو على أحد

فما أرى من الأيام إلا موعدا* * * فمتى أرى ظفري بذاك الموعد

يومى يمر و كلما قضيته* * * عللت نفسي بالحديث إلى غد

أقبح بنفس تستريح إلى المنى* * * و على مطامعها تروح و تغتدي‏

و أما البساسيري و ما أعتمده في بغداد: فأنه ركب يوم عيد الأضحى و ألبس الخطباء و المؤذنين البياض، و كذلك أصحابه، و على رأسه الألوية المصرية، و خطب للخليفة المصري، و الروافض في غاية السرور، و الأذان بسائر العراق بحي على خير العمل، و انتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقاما عظيما، و غرق خلقا ممن كان يعاديه، و بسط على آخرين الأرزاق ممن كان يحبه و يواليه، و أظهر العدل. و لما كان يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة أحضر إلى بين يديه الوزير ابن المسلمة الملقب رئيس الرؤساء، و عليه جبة صوف، و طرطور من لبد أحمر، و في رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، فأركب جملا أحمر و طيف به في البلد، و خلفه من يصفعه بقطعة جلد، و حين اجتاز بالكرخ نثروا عليه خلقان المداسات، و بصقوا في وجهه و لعنوه و سبوه، و أوقف بإزاء دار الخلافة و هو

79

في ذلك يتلو قوله تعالى‏ (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ) ثم لما فرغوا من التطواف به جي‏ء به إلى المعسكر فألبس جلد ثور بقرنيه، و علق بكلوب في شدقيه، و رفع إلى الخشبة، فجعل يضطرب إلى آخر النهار فمات (رحمه اللَّه). و كان آخر كلامه أن قال: الحمد للَّه الّذي أحيانى سعيدا، و أماتنى شهيدا.

و فيها وقع برد بأرض العراق أهلك كثيرا من الغلات، و قتل بعض الفلاحين، و زادت دجلة زيادة كثيرة، و زلزلت بغداد في هذه السنة قبل الفتنة بشهر زلزالا شديدا، فتهدمت دور كثيرة، و وردت الأخبار أن هذه الزلزلة اتصلت بهمذان و واسط، و تكريت، و عانة، و ذكر أن الطواحين وقفت من شدتها. و فيها كثر النهب ببغداد حتى كانت العمائم تخطف عن الرءوس، و خطفت عمامة الشيخ أبى نصر الطباع، و طيلسانه و هو ذاهب إلى صلاة الجمعة.

و في أواخر السنة خرج السلطان طغرلبك من همذان فقاتل أخاه و انتصر عليه، ففرح الناس و تباشروا بذلك، و لم يظهروا ذلك خوفا من البساسيري، و استنجد طغرلبك بأولاد أخيه داود- و كان قد مات- على أخيه إبراهيم فغلبوه و أسروه في أوائل سنة إحدى و خمسين، و اجتمعوا على عمهم طغرلبك، فسار بهم نحو العراق، فكان من أمرهم ما سيأتي ذكره في السنة الآتية إن شاء اللَّه.

و فيها توفى من الأعيان.

الحسن بن محمد أبو عبد اللَّه الونى‏

الفرضيّ، و هو شيخ الحربي، و كان شافعيّ المذهب، قتل في بغداد في فتنة البساسيري، و دفن في يوم الجمعة يوم عرفة منها.

داود أخو طغرلبك‏

و كان الأكبر منهم، توفى فيها و قام أولاده مقامه.

أبو الطيب الطبري‏

الفقيه، شيخ الشافعية، طاهر بن عبد اللَّه بن طاهر بن عمر، ولد بآمل طبرستان سنة ثمان و أربعين و ثلاثمائة، سمع الحديث بجرجان من أبى أحمد الغطريفى، و بنيسابور من أبى الحسن الماسرجسي، و عليه درس الفقه أيضا و على أبى على الزجاجي، و أبى القاسم بن كج، ثم اشتغل ببغداد على أبى حامد الأسفراييني، و شرح المختصر و فروع ابن الحداد، و صنف في الأصول و الجدل، و غير ذلك من العلوم الكثيرة النافعة، و سمع ببغداد من الدار قطنى و غيره، و ولى القضاء بربع الكرخ بعد موت أبى عبد اللَّه الصيمري، و كان ثقة دينا ورعا، عالما بأصول الفقه و فروعه، حسن الخلق سليم الصدر مواظبا على تعليم العلم ليلا و نهارا. و قد ترجمته في طبقات الشافعية، و حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عنه- و كان شيخه، و قد أجلسه بعده في الحلقة- أن أبا الطيب أسلم خفا له- و كان متقللا من الدنيا فقيرا- عند خفاف ليصلحه له فأبطأ عليه فكان كلما مر عليه أخذه فغمسه في الماء و قال: أيها الشيخ الساعة

80

أصلحه، فقال الشيخ: أسلمته لتصلحه و لم أسلمه لتعلمه السباحة. و حكى ابن خلكان أنه كان له و لأخيه عمامة واحدة، و قميص واحد، إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت لا يخرج منه، و إذا لبسهما هذا احتاج الآخر أن يقعد في البيت و لا يخرج منه، و إذا غسلاهما جلسا في البيت إلى أن ييبسا و قد قال في ذلك أبو الطيب:

قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم* * * لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل‏

و قد توفى في هذه السنة عن مائة سنة و سنتين، و هو صحيح العقل، و الفهم، و الأعضاء، يفتى و يشتغل إلى أن مات، و قد ركب مرة سفينة فلما خرج منها قفز قفزة لا يستطيعها الشباب فقيل له:

ما هذا يا أبا الطيب؟ فقال: هذه أعضاء حفظناها في الشبيبة تنفعنا في الكبر (رحمه اللَّه).

القاضي الماوردي‏

صاحب الحاوي الكبير، على بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري، شيخ الشافعية، صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول و الفروع و التفسير و الأحكام السلطانية، و أدب الدنيا و الدين. قال: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، يعنى الاقناع. و قد ولى الحكم في بلاد كثيرة، و كان حليما وقورا أديبا، لم ير أصحابه ذراعه يوما من الدهر من شدة تحرزه و أدبه، و قد استقصيت ترجمته في الطبقات، توفى عن ست و ثمانين سنة، و دفن بباب حرب.

رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة

على بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر، وزير القائم بأمر اللَّه، كان أولا قد سمع الحديث من أبى أحمد الفرضيّ و غيره، ثم صار أحد المعدلين، ثم استكتبه القائم بأمر اللَّه و استوزره، و لقبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الوزراء، كان متضلعا بعلوم كثيرة مع سداد رأى، و وفور عقل، و قد مكث في الوزارة ثنتى عشرة سنة و شهرا، ثم قتله البساسيري بعد ما شهره كما تقدم، و له من العمر ثنتان و خمسون سنة و خمسة أشهر.

منصور بن الحسين‏

أبو الفوارس الأسدي، صاحب الجزيرة، توفى فيها و أقاموا ولده بعده.

ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و أربعمائة

استهلت هذه السنة و بغداد في حكم البساسيري، يخطب فيها لصاحب مصر الفاطمي، و الخليفة العباسي بحديثة عانة، ثم لما كان يوم الاثنين ثانى عشر صفر أحضر القضاة أبا عبد اللَّه الدامغانيّ و جماعة من الوجوه و الأعيان و الأشراف، و أخذ عليهم البيعة لصاحب مصر المستنصر الفاطمي، ثم دخل دار الخلافة و هؤلاء المذكورون معه و أمر بنقض تاج دار الخلافة، فنقض بعض الشراريف، ثم‏

81

قيل له إن القبح في هذا أكثر من المصلحة. فتركه، ثم ركب إلى زيارة المشهد بالكوفة، و عزم على عبور نهر جعفر ليسوق إلى الحائر لوفاء نذر كان عليه، و أمر بأن تنقل جثة ابن مسلمة إلى ما يقارب الحريم الظاهري، و أن تنصب على دجلة. و كتبت إليه أم الخليفة- و كانت عجوزا كبيرة قد بلغت التسعين و هي مختفية في مكان- تشكو إليه الحاجة و الفقر و ضيق الحال، فأرسل إليها من نقلها إلى الحريم، و أخدمها جاريتين، و رتب لها كل يوم اثنى عشر رطلا من خبز، و أربعة أرطال من لحم.

فصل‏

و لما خلص السلطان طغرلبك من حصره بهمذان و أسر أخاه إبراهيم و قتله، و تمكن في أمره، و طابت نفسه، و لم يبق له في تلك البلاد منازع، كتب إلى قريش بن بدران يأمره بأن يعيد الخليفة إلى وطنه، و داره و توعده على أنه إن لم يفعل ذلك و إلا أحل به بأسا شديدا، فكتب إليه قريش يتلطف به و يدخل عليه، و يقول: أنا معك على البساسيري بكل ما أقدر عليه، حتى يمكنك اللَّه منه، و لكن أخشى أن أتسرع في أمر يكون فيه على الخليفة مفسدة، أو تبدر إليه بادرة سوء يكون على عارها، و لكن سأعمل على ما أمرتنى به بكل ما يمكنني، و أمر برد امرأة الخليفة خاتون إلى دارها و قرارها، ثم إنه راسل البساسيري بعود الخليفة إلى داره، و خوفه من جهة الملك طغرلبك، و قال له فيما قال: إنك دعوتنا إلى طاعة المستنصر الفاطمي، و بيننا و بينه ستمائة فرسخ، و لم يأتنا رسول و لا أحد من عنده، و لم يفكر في شي‏ء مما أرسلنا إليه، و هذا الملك من ورائنا بالمرصاد، قريب منا، و قد جاءني منه كتاب عنوانه: إلى الأمير الجليل علم الدين أبى المعالي قريش بن بدران، مولى أمير المؤمنين، من شاهنشاه المعظم ملك المشرق و المغرب طغرلبك، أبى طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق، و على رأس الكتاب العلامة السلطانية بخط السلطان. حسبي اللَّه و نعم الوكيل. و كان في الكتاب: و الآن قد سرت بنا المقادير إلى هلاك كل عدو في الدين، و لم يبق علينا من المهمات إلا خدمة سيدنا و مولانا القائم بأمر اللَّه أمير المؤمنين، و إطلاع أبهة إمامته على سرير عزه، فان الّذي يلزمنا ذلك، و لا فسحة في التقصير فيه ساعة من الزمان، و قد أقبلنا بجنود المشرق و خيولها إلى هذا المهم العظيم، و نريد من الأمير الجليل علم الدين إبانة النجح الّذي وفق له و تفرد به، و هو أن يتم وفاءه من إقامته و خدمته، في باب سيدنا و مولانا أمير المؤمنين، إما أن يأتى به مكرما في عزه و إمامته إلى موقف خلافته من مدينة السلام، و يتمثل بين يديه متوليا أمره و منفذا حكمه، و شاهرا سيفه و قلمه، و ذلك المراد، و هو خليفتنا و تلك الخدمة بعض ما يجيب له، و نحن نوليك العراق بأسرها و نصفى لك مشارع برها و بحرها، لا يطؤها حافر خيل من خيول العجم‏

82

شبرا من أراضى تلك المملكة، إلا ملتمسا لمعاونتك و مظاهرتك، و إما أن تحافظ على شخصه الغالي بتحويله من القلعة إلى حين تحظى بخدمته، فليمتثل ذلك و يكون الأمير الجليل مخيرا بين أن يلقانا أو يقيم حيث شاء فنوليه العراق كلها، و نستخلفه في الخدمة الإمامية، و نصرف أعيننا إلى الممالك الشرقية، فهمتنا لا تقتضي إلا هذا.

فعند ذلك كتب قريش إلى مهاوش بن مجلى الّذي عنده الخليفة يقول له: إن المصلحة تقتضي تسليم الخليفة إلى، حتى آخذ لي و لك به أمانا، فامتنع عليه مهارش و قال قد غرني البساسيري و وعدني بأشياء لم أرها، و لست بمرسله إليك أبدا، و له في عنقي أيمان كثيرة لا أغدرها، و كان مهارش هذا رجلا صالحا، فقال للخليفة: إن المصلحة تقتضي أن نسير إلى بلد بدر بن مهلهل، و ننظر ما يكون من أمر السلطان طغرلبك، فان ظهر دخلنا بغداد، و إن كانت الأخرى نظرنا لأنفسنا، فانى أخشى من البساسيري أن يأتينا فيحصرنا. فقال له الخليفة: افعل ما فيه المصلحة. فسارا في الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا بقلعة تل عكبرا، فتلقته رسل السلطان طغرلبك بالهدايا التي كان أنفذها، و جاءت الأخبار بأن السلطان طغرلبك قد دخل بغداد، و كان يوما مشهودا، غير أن الجيش نهبوا البلد غير دار الخليفة، و صودر خلق كثير من التجار، و أخذت منهم أموال كثيرة، و شرعوا في عمارة دار الملك، و أرسل السلطان إلى الخليفة مراكب كثيرة من أنواع الخيول و غيرها، و سرادق و ملابس، و ما يليق بالخليفة في السفر، أرسل ذلك مع الوزير عميد الملك الكندري، و لما انتهوا إلى الخليفة أرسلوا بتلك الآلات إليه قبل أن يصلوا إليه، و قالوا: اضربوا السرادق و ليلبس الخليفة ما يليق به، ثم نجي‏ء نحن و نستأذن عليه فلا يأذن لنا إلا بعد ساعة طويلة، فلما فعلوا ذلك دخل الوزير و من معه فقبلوا الأرض بين يديه، و أخبروه بسرور السلطان بسلامته، و بما حصل من العود إلى بغداد، و كتب عميد الملك كتابا إلى السلطان يعلمه بصفة ما جرى، و أحب أن يضع الخليفة علامته في أعلا الكتاب ليكون أقر لعين السلطان. و أحضر الوزير دواته و معها سيف و قال: هذه خدمة السيف و القلم، فأعجب الخليفة ذلك، و ترحلوا من منزلهم ذلك بعد يومين، فلما وصلوا النهروان خرج السلطان لتلقى الخليفة، فلما وصل السلطان إلى سرادق الخليفة قبل الأرض سبع مرات بين يدي الخليفة، فأخذ الخليفة مخدة فوضعها بين يديه فأخذها الملك فقبلها، ثم جلس عليها كما أشار الخليفة، و قدم إلى الخليفة الحبل الياقوت الأحمر الّذي كان لبني بويه، فوضعه بين يديه، و أخرج اثنتي عشرة حبة من لؤلؤ كبار، و قال أرسلان خاتون- يعنى زوجة الملك- تخدم الخليفة، و سأله أن يسبح بهذه المسبحة، و جعل يعتذر من تأخره عن الحضرة بسبب عصيان أخيه فقتله، و اتفق موت أخى الأكبر أيضا، فاشتغلت بترتيب أولاده من بعده، و أنا شاكر لمهارش بما كان منه من خدمة

83

أمير المؤمنين، و أنا ذاهب إن شاء اللَّه خلف الكلب البساسيري، فأقتله إن شاء اللَّه، ثم أدخل الشام و أفعل بصاحب مصر ما ينبغي أن يجازى به من سوء المقابلة، فدعا له الخليفة، و أعطى الخليفة للملك سيفا كان معه، لم يبق معه من أمور الخلافة سواه، و استأذن الملك لبقية الجيش أن يخدموا الخليفة، فرفعت الأستار عن جوانب الحركات، فلما شاهد الأتراك الخليفة قبلوا الأرض، ثم دخلوا بغداد يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، و كان يوما مشهودا: الجيش كله معه و القضاة و الأعيان و السلطان آخذ بلجام بغلته، إلى أن وصل باب الحجرة، ثم إنه لما وصل الخليفة إلى دار مملكته استأذنه السلطان في الذهاب وراء البساسيري، فأرسل جيشا من ناحية الكوفة ليمنعوه من الدخول إلى الشام، و خرج هو و الناس في التاسع و العشرين من الشهر. و أما البساسيري فإنه مقيم بواسط في جمع غلات و أمور يهيئها لقتال السلطان، و عنده أن الملك طغرلبك و من عنده ليسوا بشي‏ء يخاف منه، و ذلك لما يريده اللَّه تعالى من إهلاكه إن شاء اللَّه.

صفة مقتل البساسيري و أخذه على يدي السلطان طغرلبك‏

لما سار السلطان وراءه وصلت السرية الأولى فلقوه بأرض واسط و معه ابن مزيد، فاقتتلوا هنالك و انهزم أصحابه عنه، و نجا البساسيري بنفسه على فرس، فتبعه بعض الغلمان فرمى فرسه بنشابة فألقته إلى الأرض، فجاء الغلام فضربه على وجهه و لم يعرفه، و أسره واحد منهم يقال له كمسكين، فخر رأسه و حمله إلى السلطان، و أخذت الأتراك من جيش البساسيري من الأموال ما عجزوا عن حمله، و لما وصل الرأس إلى السلطان أمر أن يذهب به إلى بغداد، و أن يرفع على رمح، و أن يطاف به في المحال و أن يطوف معه الدبادب و البوقات و النفاطون، و أن يخرج الناس و النساء للفرجة عليه، ففعل ذلك، ثم نصب على الطيارة تجاه دار الخليفة، و قد كان مع البساسيري خلق من البغاددة خرجوا معه، ظانين أنه سيعود إلى بغداد، فهلكوا و نهبت أموالهم، و لم ينج من أصحابه إلا القليل، و فر ابن مزيد في ناس قليل إلى البطيحة، و معه أولاد البساسيري و أمهم، و قد سلبتهم الأعراب فلم يتركوا لهم شيئا.

ثم استؤمن لابن مزيد من السلطان و دخل معه بغداد، و قد نهبت العساكر ما بين واسط و البصرة و الأهواز، و ذلك لكثرة الجيش و انتشاره و كثافته. و أما الخليفة فإنه حين عاد إلى دار الخلافة جعل للَّه عليه أن لا ينام على وطاء و لا يأتيه أحد بطعام إذا كان صائما، و لا يخدمه في وضوئه و غسله أحد، بل يتولى ذلك كله بنفسه لنفسه، و عاهد اللَّه أن لا يؤذى أحدا ممن آذاه، و أن يصفح عن من ظلمه، و قال: ما عاقبت من عصى اللَّه فيك بمثل أن تطيع اللَّه فيه.

و فيها تولى الملك ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بلاد حران بعد وفاة أبيه، بتقرير عمه طغرلبك، و كان له من الإخوة سليمان و قاروت بك، و ياقوتى، فتزوج طغرلبك بأمّ سليمان.

84

و فيها كان بمكة رخص لم يسمع بمثله، بيع التمر و البر كل مائتي رطل بدينار. و لم يحج أحد من أهل العراق فيها

ترجمة أرسلان أبو الحارث البساسيري التركي‏

كان من مماليك بهاء الدولة، و كان أولا مملوكا لرجل من أهل مدينة بسا، فنسب إليه فقيل له البساسيري، و تلقب بالملك المظفر، ثم كان مقدما كبيرا عند الخليفة القائم بأمر اللَّه، لا يقطع أمرا دونه، و خطب له على منابر العراق كلها، ثم طغى و بغى و تمرد، و عنا و خرج على الخليفة و المسلمين و دعا إلى خلافة الفاطميين، ثم انقضى أجله في هذه السنة، و كان دخوله إلى بغداد بأهله في سادس ذي القعدة من سنة خمسين و أربعمائة، ثم اتفق خروجهم منها في سادس ذي القعدة أيضا من سنة إحدى و خمسين، بعد سنة كاملة، ثم كان خروج الخليفة من بغداد في يوم الثلاثاء الثاني عشر من كانون الأول،

و اتفق قتل‏

البساسيري في يوم الثلاثاء الثامن عشر من كانون الأول، بعد سنة شمسية، و ذلك في ذي الحجة منها.

الحسن بن الفضل‏

أبو على الشرمقانى المؤدب المقري الحافظ للقرآن و القراءات، و اختلافها، كان ضيق الحال فرآه شيخه ابن العلاف ذات يوم و هو يأخذ أوراق الخس من دجلة و يأكلها، فأعلم ابن المسلمة بحاله، فأرسل ابن المسلمة غلاما له و أمره أن يذهب إلى الخزانة التي له بمسجده فيتخذ لها مفتاحا غير مفتاحه، ثم كان كل يوم يضع فيها ثلاثة أرطال من خبز السميد، و دجاجة، و حلاوة السكر، فظن أبو على الشرمقانى أن ذلك كرامة أكرمه اللَّه بها، و أن هذا الطعام الّذي يجده في خزانته من الجنة، فكتمه زمانا و جعل ينشد:

من أطلعوه على سر فباح به* * * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

و أبعدوه فلم يظفر بقربهم* * * و أبدلوه فكان الأنس إيحاشا

فلما كان في بعض الأيام ذاكره ابن العلاف في أمره، و قال له فيما قال: أراك قد سمنت فما هذا الأمر، و أنت رجل فقير؟ فجعل يلوح و لا يصرح، و يكنى و لا يفصح، ثم ألح عليه فأخبره أنه يجد كل يوم في خزانته من طعام الجنة ما يكفيه، و أن هذا كرامة أكرمه اللَّه بها، فقال له: ادع لابن المسلمة فإنه الّذي يفعل ذلك، و شرح له صورة الحال، فكسره ذلك و لم يعجبه.

على بن محمود بن إبراهيم بن ماجره‏

أبو الحسن الروزنى، شيخ الصوفية، و إليه ينسب الرباط الروزنى، و قد كان بنى لأبى الحسن شيخه، و قد صحب أبا عبد الرحمن السلمي، و قال: صحبت ألف شيخ، و أحفظ عن كل شيخ حكاية توفى في رمضان عن خمس و ثمانين سنة.

85

محمد بن على‏

ابن الفتح بن محمد بن على بن أبى طالب الحربي، المعروف بالعشاري، لطول جسده، و قد سمع الدار قطنى و غيره، و كان ثقة دينا صالحا، توفى في جمادى الأولى منها، و قد نيف على الثمانين‏

الونى الفرضيّ‏

الحسين بن محمد بن عبد اللَّه أبو عبد اللَّه الونى، نسبة إلى ون قرية من أعمال جهستان، الفرضيّ شيخ الحربي، و هو أبو حكيم عبد اللَّه بن إبراهيم، كان الونى إماما في الحساب و الفرائض، و انتفع الناس به، توفى فيها ببغداد شهيدا في فتنة البساسيري و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة

في يوم الخميس السابع عشر من صفر، دخل السلطان بغداد مرجعه من واسط، بعد قتل البساسيري، و في يوم الحادي و العشرين جلس الخليفة في داره و أحضر الملك طغرلبك، و مد سماطا عظيما فأكل الأمراء منه و العامة، ثم في يوم الخميس ثانى ربيع الأول عمل السلطان سماطا للناس، و في يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة قدم الأمير عدة الدين أبو القاسم عبد اللَّه بن ذخيرة الدين بن أمير المؤمنين القائم بأمر اللَّه. و عمته، و له من العمر يومئذ أربع سنين، صحبة أبى الغنائم، فتلقاه الناس إجلالا لجده، و قد ولى الخلافة بعد ذلك، و سمى المقتدى بأمر اللَّه. و في رجب وقف أبو الحسن محمد بن هلال العتابى دار كتب، و هي دار بشارع ابن أبى عوف من غربي بغداد، و نقل إليها ألف كتاب، عوضا عن دار ازدشير التي أحرقت بالكرخ. و في شعبان ملك محمود بن نصر حلب و قلعتها فامتدحه الشعراء. و فيها ملك عطية بن مرداس الرحبة، و ذلك كله منتزع من أيدي الفاطميين. و لم يحج أحد من أهل العراق فيها، غير أن جماعة اجتمعوا إلى الكوفة و ذهبوا مع الخفراء.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أبو منصور الجيلي‏

من تلاميذ أبى حامد، ولى القضاء بباب الطاق. و بحريم دار الخلافة، و سمع الحديث من جماعة. قال الخطيب: و كتبنا عنه و كان ثقة.

الحسن بن محمد

ابن أبى الفضل أبو محمد الفسوي، الوالي، سمع الحديث، و كان ذكيا في صناعة الولاية، و معرفة التهم و المتهومين من الغرماء، بلطيف من الصنيع، كما نقل عنه أنه أوقف بين يديه جماعة اتهموا بسرقة فأتى بكوز يشرب منه، فرمى به فانزعج الواقفون إلا واحدا، فأمر به أن يقرر، و قال السارق يكون جريئا قويا، فوجد الأمر كذلك، و قد قتل مرة رجلا في ضرب بين يديه فادعى عليه عند القاضي أبى الطيب، فحكم عليه بالقصاص، ثم فادى عن نفسه بمال جزيل حتى خلص.

86

محمد بن عبيد اللَّه‏

ابن أحمد بن محمد بن عروس، أبو الفضل البزار، انتهت إليه رياسة الفقهاء المالكيين ببغداد، و كان من القراء المجيدين، و أهل الحديث المسندين، سمع ابن حبانة و المخلص و ابن شاهين، و قد قبل شهادته أبو عبد اللَّه الدامغانيّ، و كان أحد المعدلين.

قطر الندى‏

و يقال الدجى، و يقال علم، أم الخليفة القائم بأمر اللَّه، كانت عجوزا كبيرة، بلغت التسعين، و هي التي احتاجت في زمان البساسيري فأجرى عليها رزقا، و أخدمها جاريتين، ثم لم تمت حتى أقر اللَّه عينها بولدها، و رجوعه إليها، و استمر أمرهم على ما كانوا عليه، ثم توفيت في هذه السنة، فحضر ولدها الخليفة جنازتها، و كانت حافلة جدا.

ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة

فيها خطب الملك طغرلبك ابنة الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، و قال: هذا شي‏ء لم تجر العادة بمثله، ثم طلب شيئا كثيرا كهيئة الفرار. من ذلك ما كان لزوجته التي توفيت من الاقطاعات بأرض واسط، و ثلاثمائة ألف دينار، و أن يقيم الملك ببغداد لا يرحل عنها و لا يوما واحدا، فوقع الاتفاق على بعض ذلك، و أرسل إليها بمائة ألف دينار مع ابنة أخيه داود زوجة الخليفة، و أشياء كثيرة من آنية الذهب و الفضة، و النثار و الجواري، و من الجواهر ألفان و مائتي قطعة، من ذلك سبعمائة قطعة من جوهر، وزن القطعة ما بين الثلاث مثاقيل إلى المثقال، و أشياء أخرى. فتمنع الخليفة لفوات بعض الشروط، فغضب عميد الملك الوزير لمخدومه السلطان، و جرت شرور طويلة اقتضت أن أرسل السلطان كتابا يأمر الخليفة بانتزاع ابنة أخيه السيدة أرسلان خاتون، و نقلها من دار الخلافة إلى دار الملك، حتى تنفصل هذه القضية، فعزم الخليفة على الرحيل من بغداد، فانزعج الناس لذلك، و جاء كتاب السلطان إلى رئيس شحنة بغداد برشتق يأمره بعدم المراقبة و كثرة العسف في مقابلة رد أصحابه بالحرمان، و يعزم على نقل الخاتون إلى دار المملكة، و أرسل من يحملها إلى البلد التي هو فيها، كل ذلك غضبا على الخليفة. قال ابن الجوزي: و في رمضان منها رأى إنسان من الزمنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و هو قائم و معه ثلاثة أنفس، فجاءه أحدهم فقال له: ألا تقوم؟ فقال: لا أستطيع، أنا رجل مقعد، فأخذ بيده فقال قم فقام و انتبه، فإذا هو قد برأ و أصبح يمشى في حوائجه. و في ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست الأهوازي، و خلع عليه و جلس في مجلس الوزارة. و في جمادى الآخرة لليلتين بقيتا منه كسفت الشمس كسوفا عظيما، جميع القرص غاب، فمكث الناس أربع ساعات حتى بدت النجوم و آوت الطيور إلى أوكارها، و تركت الطيران‏

87

لشدة الظلمة. و فيها ولى أبو تميم بن معز الدولة بلاد إفريقية. و فيها ولى ابن نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي ديار بكر. و فيها ولى قريش بن بدران بلاد الموصل و نصيبين. و فيها خلع على طراد ابن محمد الزينبي الملقب بالكامل نقابة الطالبيين، و لقب المرتضى. و فيها ضمن أبو إسحاق بن علاء اليهودي، ضياع الخليفة من صرصر إلى أواثى، كل سنة ستة و ثمانين ألف دينار، و سبع عشرة ألف كر من غلة. و لم يحج أحد من أهل العراق هذه السنة.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن مروان‏

أبو نصر الكردي، صاحب بلاد بكر و ميافارقين، لقبه القادر نصر الدولة، و ملك هذه البلاد ثنتين و خمسين سنة، و تنعم تنعما لم يقع لأحد من أهل زمانه، و لا أدركه فيه أحد من أقرانه، و كان عنده خمسمائة سرية سوى من يخدمهن، و عنده خمسمائة خادم، و كان عنده من المغنيات شي‏ء كثير كل واحدة مشتراها خمسة آلاف دينار، و أكثر، و كان يحضر في مجلسه من آلات اللهو و الأواني ما يساوى مائتي ألف دينار، و تزوج بعدة من بنات الملوك، و كان كثير المهادنة للملوك، إذا قصده عدو أرسل إليه بمقدار ما يصالحه به، فيرجع عنه.

و قد أرسل إلى الملك طغرلبك بهدية عظيمة حين ملك العراق، من ذلك حبل من ياقوت كان لبني بويه اشتراه منهم بشي‏ء كثير، و مائة ألف دينار، و غير ذلك، و قد وزر له أبو القاسم المعرى مرتين، و وزر له أيضا أبو نصر محمد بن محمد بن حمير، و كانت بلاده آمن البلاد، و أطيبها و أكثرها عدلا، و قد بلغه أن الطيور تجوع فتجمع في الشتاء من الحبوب التي في القرى فيصطادها الناس، فأمر بفتح الاهراء و إلقاء ما يكفيها من الغلات في مدة الشتاء، فكانت تكون في ضيافته طول الشتاء مدة عمره، توفى في هذه السنة و قد قارب الثمانين. قال ابن خلكان: قال ابن الأزرق في تاريخه: إنه لم يصادر أحدا من رعيته سوى رجل واحد، و لم تفته صلاة مع كثرة مباشرته للذات، و كان له ثلاثمائة و ستون حظية، يبيت عند كل واحدة ليلة في السنة، و خلف أولادا كثيرة، و لم يزل على ذلك إلى أن توفى في التاسع و العشرين من شوال منها.

ثم دخلت سنة أربع و خمسين و أربعمائة

فيها وردت الكتب الكثيرة من الملك طغرلبك يشكو من قلة إنصاف الخليفة، و عدم موافقته له، و يذكر ما أسداه إليه من الخير و النعم إلى ملوك الأطراف، و قاضى القضاة الدامغانيّ، فلما رأى الخليفة ذلك، و أن الملك أرسل إلى نوابه بالاحتياط على أموال الخليفة، كتب إلى الملك يجيبه إلى ما سأل، فلما وصل ذلك إلى الملك فرح فرحا شديدا، و أرسل إلى نوابه أن يطلقوا أملاك الخليفة، و اتفقت الكلمة بعد أن كادت تتفرق، فوكل الخليفة في العقد. فوقع العقد بمدينة تبريز بحضرة

88

الملك طغرلبك، و عمل سماطا عظيما، فلما جي‏ء بالوكلة قام لها الملك و قبل الأرض عند رؤيتها، و دعا للخليفة دعاء كثيرا، ثم أوجب العقد على صداق أربعمائة ألف دينار، و ذلك في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، ثم بعث ابنة أخيه الخاتون زوجة الخليفة في شوال بتحف كثيرة، و جوهر و ذهب كثير، و جواهر عديدة ثمينة، و هدايا عظيمة لأم العروس و أهلها، و قال الملك جهرة للناس: أنا عبد الخليفة ما بقيت، لا أملك شيئا سوى ما على من الثياب. و فيها عزل الخليفة وزيره و استوزر أبا نصر محمد بن محمد بن جبير، استقدمه من ميافارقين. و فيها عم الرخص جميع الأرض حتى بيع بالبصرة كل ألف رطل تمر بثمان قراريط، و لم يحج فيها أحد.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

ثمال بن صالح‏

معز الدولة، صاحب حلب، كان حليما كريما وقورا. ذكر ابن الجوزي أن الفراش تقدم إليه ليغسل يده فصدمت بلبلة الإبريق ثنيته فسقطت في الطست، فعفا عنه‏

الحسن بن على بن محمد

أبو محمد الجوهري، ولد في شعبان سنة ثلاث و ستين، و سمع الحديث على جماعة، و تفرد بمشايخ كثيرين، منهم أبو بكر بن مالك القطيعي، و هو آخر من حدث عنه، توفى في ذي القعدة منها

الحسين بن أبى زيد

أبو على الدباغ. قال رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام. فقلت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يميتني على الإسلام. فقال: و على السنة

سعد بن محمد بن منصور

أبو المحاسن الجرجاني، كان رئيسا قديما، وجه رسولا إلى الملك محمود بن سبكتكين في حدود سنة عشر، و كان من الفقهاء العلماء، تخرج به جماعة، و روى الحديث عن جماعة، و عقد له مجلس المناظرة ببلدان كثيرة، و قتل ظلما بأستراباذ في رجب منها (رحمه اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة خمس و خمسين و أربعمائة

فيها دخل السلطان طغرلبك بغداد، و عزم الخليفة على تلقيه، ثم ترك ذلك و أرسل وزيره أبا نصر عوضا عنه، و كان من الجيش أذية كثيرة للناس في الطريق، و تعرضوا للحريم حتى هجموا على النساء في الحمامات، فخلصهن منهم العامة بعد جهد. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.

ذكر دخول الملك طغرلبك على بنت الخليفة

لما استقر السلطان ببغداد أرسل وزيره عميد الملك إلى الخليفة يطالبه بنقل ابنته إلى دار المملكة فتمنع الخليفة من ذلك و قال: إنكم إنما سألتم أن يعقد العقد فقط بحصول التشريف و التزمتم لها بعود المطالبة، فتردد الناس في ذلك بين الخليفة و الملك، و أرسل الملك زيادة على النقد مائة ألف دينار

89

و مائة و خمسين ألف درهم، و تحفا أخر، و أشياء لطيفة، فلما كان ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر زفت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة، فضربت لها السرادقات من دجلة إلى دار المملكة، و ضربت الدبادب و البوقات عند دخولها إلى الدار، فلما دخلت أجلست على سرير مكلل بالذهب، و على وجهها برقع، و دخل الملك طغرلبك فوقف بين يديها فقبل الأرض، و لم تقم له و لم تره، و لم يجلس حتى انصرف إلى صحن الدار، و الحجاب و الأتراك يرقصون هناك فرحا و سرورا، و بعث لها مع الخاتون زوجة الخليفة عقدين فاخرين، و قطعة ياقوت حمراء، كبيرة هائلة، و دخل من الغد فقبّل الأرض و جلس على سرير مكلل بالفضة بإزائها ساعة، ثم خرج و أرسل لها جواهر كثيرة ثمينة و فرجية نسج بالذهب مكلل بالحب، و ما زال كذلك كل يوم يدخل و يقبل الأرض و يجلس على سرير بإزائها، ثم يخرج عنها و يبعث بالتحف و الهدايا، و لم يكن منه إليها شي‏ء، مقدار سبعة أيام، و يمد كل يوم من هذه الأيام السبعة سماطا هائلا، و خلع في اليوم السابع على جميع الأمراء، ثم عرض له سفر و اعتراه مرض فاستأذن الخليفة في الانصراف بالسيدة معه إلى تلك البلاد، ثم يعود بها، فأذن له بعد تمنع شديد، و حزن عظيم، فخرج بها و ليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة، برسم خدمتها، و قد تألمت والدتها لفقدها ألما شديدا، و خرج السلطان و هو مريض مدنف مأيوس منه، فلما كانت ليلة الأحد الرابع و العشرين من رمضان جاء الخبر بأنه توفى في ثامن الشهر، فثار العيارون فقتلوا العميدي و سبعمائة من أصحابه، و نهبوا الأموال، و جعلوا يأكلون و يشربون على القتلى نهارا، حتى انسلخ الشهر و أخذت البيعة بعده لولد أخيه سليمان بن داود، و كان طغرلبك قد نص عليه و أوصى إليه، لأنه كان قد تزوج بأمه، و اتفقت الكلمة عليه، و لم يبق عليه خوف إلا من جهة أخى سليمان، و هو الملك عضد الدولة ألب أرسلان، محمد بن داود، فان الجيش كانوا يميلون إليه، و قد خطب له أهل الجبل و معه نظام الملك أبو على الحسن بن على بن إسحاق وزيره، و لما رأى الكندري قوة أمره خطب له بالري، ثم من بعده لأخيه سليمان بن داود.

و قد كان الملك طغرلبك حليما كثير الاحتمال، شديد الكتمان للسر، محافظا على الصلوات، و على صوم الاثنين و الخميس، مواظبا على لبس البياض، و كان عمره يوم مات سبعين سنة، و لم يترك ولدا، و ملك بحضرة القائم بأمر اللَّه سبع سنين و إحدى عشر شهرا، و اثنى عشر يوما، و لما مات اضطربت الأحوال و انتقضت بعده جدا، و عاثت الأعراب في سواد بغداد و أرض العراق، ينهبون، و تعذرت الزراعة إلا على المخاطرة، فانزعج الناس لذلك.

و فيها كانت زلزلة عظيمة بواسط و أرض الشام، فهدمت قطعة من سور طرابلس. و فيها وقع بالناس موتان بالجدري و الفجأة، و وقع بمصر وباء شديد، كان يخرج منها كل يوم ألف جنازة. و فيها

90

ملك الصليحى صاحب اليمن مكة، و جلب الأقوات إليها، و أحسن إلى أهلها. و في أوائلها طلبت الست أرسلان زوجة الخليفة النقلة من عنده إلى عمها، و ذلك لما هجرها و بارت عنده، فبعثها مع الوزير الكندري إلى عمها، فلما وصلت إليه كان مريضا مدنفا، فأرسل إلى الخليفة يعتب عليه في تهاونه بها، فكتب الخليفة إليه ارتجالا:

ذهبت شرّتى و ولى الغرام* * * و ارتجاع الشباب ما لا يرام‏

أذهبت منى الليالي جديدا* * * و الليالي يضعفن و الأيام‏

فعلى ما عهدته من شبابي* * * و على الغانيات منى السلام‏

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

زهير بن على بن الحسن بن حزام‏

أبو نصر الحزامي، ورد بغداد و تفقه على الشيخ أبى حامد الأسفراييني، و سمع بالبصرة سنن أبى داود على القاضي أبى عمر، و حدث بالكثير، و كان يرجع إليه في الفتاوى، و حل المشكلات، و كانت وفاته بسرخس فيها.

سعيد بن مروان‏

صاحب آمد، و يقال إنه سم، فانتقم صاحب ميافارقين ممن سمه، فقطعه قطعا.

الملك أبو طالب‏

محمد بن ميكائيل بن سلجوق طغرلبك، كان أول ملوك السلاجقة، و كان خيّرا مصليا، محافظا على الصلاة في أول وقتها، يديم صيام الاثنين و الخميس، حليما عمن أساء إليه، كتوما للاسرار سعيدا في حركاته، ملك في أيام مسعود بن محمود عامة بلاد خراسان، و استناب أخاه داود و أخاه لأمه إبراهيم بن نيال، و أولاد إخوته، على كثير من البلاد، ثم استدعاه الخليفة إلى ملك بغداد كما تقدم ذلك كله مبسوطا. توفى في ثامن رمضان من هذه السنة، و له من العمر سبعون سنة، و كان له في الملك ثلاثون سنة، منها في ملك العراق ثمان سنين إلا ثمانية عشر يوما.

ثم دخلت سنة ست و خمسين و أربعمائة

فيها قبض السلطان ألب أرسلان على وزير عمه عميد الملك الكندري، و سجنه ببيته ثم أرسل إليه من قتله، و اعتمد في الوزارة على نظام الملك، و كان وزير صدق، يكرم العلماء و الفقراء، و لما عصى الملك شهاب الدولة قتلمش، و خرج عن الطاعة، و أراد أخذ ألب أرسلان، خاف منه ألب أرسلان فقال له الوزير: أيها الملك لا تخف، فانى قد استدمت لك جندا ما بارزوا عسكرا إلا كسروه، كائنا ما كان. قال له الملك: من هم؟ قال: جند يدعون لك و ينصرونك بالتوجه في صلواتهم و خلواتهم، و هم العلماء و الفقراء الصلحاء. فطابت نفس الملك بذلك، فحين التقى مع قتلمش لم ينظره أن كسره، و قتل خلقا من جنوده، و قتل قتلمش في المعركة، و اجتمعت الكلمة على ألب أرسلان.

91

و فيها أرسل ولده ملك شاه و وزيره نظام الملك هذا في جنود عظيمة إلى بلاد الكرخ، ففتحوا حصونا كثيرة، و غنموا أموالا جزيلة، و فرح المسلمون بنصرهم، و كتب كتاب ولده على ابنة الخان الأعظم صاحب ما وراء النهر، و زفت إليه، و زوج ابنه الآخر بابنة صاحب غزنة، و اجتمع شمل الملكين السلجوقي و المحمودي.

و فيها أذن ألب أرسلان لابنة الخليفة في الرجوع إلى أبيها، و أرسل معها بعض القضاة و الأمراء فدخلت بغداد في تجمل عظيم، و خرج الناس لينظروا إليها، فدخلت ليلا، ففرح الخليفة و أهلها بذلك، و أمر الخليفة بالدعاء لألب أرسلان على المنابر في الخطب، فقيل في الدعاء: اللَّهمّ و أصلح السلطان المعظم، عضد الدولة، و تاج الملة، ألب أرسلان أبا شجاع محمد بن داود، ثم أرسل الخليفة إلى الملك بالخلع و التقليد مع الشريف نقيب النقباء، طراد بن محمد، و أبى محمد التميمي، و موفق الخادم و استقر أمر السلطان ألب أرسلان على العراق. قال ابن الجوزي: و في ربيع الأول شاع في بغداد أن قوما من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية خياما سودا، سمعوا بها لطما شديدا، و عويلا كثيرا، و قائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، و أي بلد لم يلطم به عليه، و لم يقم له مأتم فيه. قال: فخرج النساء العواهر من حريم بغداد إلى المقابر يلطمن ثلاثة أيام، و يخرقن ثيابهن و ينشرن شعورهن، و خرج رجال من الفساق يفعلون ذلك، و فعل هذا بواسط و خوزستان و غيرها من البلاد، قال: و هذا من الحمق لم ينقل مثله. قال ابن الجوزي: و في يوم الجمعة ثانى عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبد الصمد على أبى على بن الوليد، المدرس للمعتزلة فسبوه و شتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع، و تدريسه للناس بهذا المذهب، و أهانوه و جروه، و لعنت المعتزلة، في جامع المنصور، و جلس أبو سعيد بن أبى عمامة و جعل يلعن المعتزلة. و في شوال ورد الخبر أن السلطان غزا بلدا عظيما فيه ستمائة ألف دنليز، و ألف بيعة و دير، و قتل منهم خلقا كثيرا، و أسر خمسمائة ألف إنسان.

و في ذي القعدة حدث بالناس وباء شديد ببغداد و غيرها من بلاد العراق، و غلت أسعار الأدوية، و قل التمرهندى، و زاد الحر في تشارين، و فسد الهواء، و في هذا الشهر خلع على أبى الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد اللَّه العلويّ بنقابة الطالبيين، و ولاية الحج و المظالم، و لقب بالظاهر ذي المناقب، و قرئ تقليده في الموكب. و حج أهل العراق في هذه السنة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

ابن حزم الظاهري‏

هو الإمام الحافظ العلامة، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معد بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبى سفيان صخر بن حرب الأموي، أصل جده من فارس، أسلم و خلف المذكور، و هو أول من دخل بلاد المغرب منهم، و كانت بلدهم قرطبة، فولد ابن‏

92

حزم هذا بها في سلخ رمضان، سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة، فقرأ القرآن و اشتغل بالعلوم النافعة الشرعية، و برز فيها و فاق أهل زمانه، و صنف الكتب المشهورة، يقال إنه صنف أربعمائة مجلد في قريب من ثمانين ألف ورقة، و كان أديبا طبيبا شاعرا فصيحا، له في الطب و المنطق كتب، و كان من بيت وزارة و رياسة، و وجاهة و مال و ثروة، و كان مصاحبا للشيخ أبى عمر بن عبد البر النمري، و كان مناوئا للشيخ أبى الوليد سليمان بن خلف الباجي، و قد جرت بينهما مناظرات يطول ذكرها.

و كان ابن حزم كثير الوقيعة في العلماء بلسانه و قلمه، فأورثه ذلك حقدا في قلوب أهل زمانه، و ما زالوا به حتى بغضوه إلى ملوكهم، فطردوه عن بلاده، حتى كانت وفاته في قرية له في شعبان من هذه السنة و قد جاوز التسعين. و العجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول: بشي‏ء من القياس لا الجلي و لا غيره، و هذا الّذي وضعه عند العلماء، و أدخل عليه خطأ كبيرا في نظره و تصرفه و كان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، و آيات الصفات و أحاديث الصفات، لأنه كان أولا قد تضلع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي، ذكره ابن ماكولا و ابن خلكان، ففسد بذلك حاله في باب الصفات.

عبد الواحد بن على بن برهان‏

أبو القاسم النحويّ، كان شرس الأخلاق جدا، لم يلبس سراويل قط و لا غطى رأسه و لم يقبل عطاء لأحد، و ذكر عنه أنه كان يقبّل المردان من غير ريبة. قال ابن عقيل: و كان على مذهب مرجئة المعتزلة و ينفى خلود الكفار في النار، و يقول: دوام العقاب في حق من لا يجوز عليه التشفي لا وجه له، مع ما وصف اللَّه به نفسه من الرحمة، و يتأول قوله تعالى‏ (خالِدِينَ فِيها أَبَداً) أي أبدا من الآباد. قال ابن الجوزي: و قد كان ابن برهان يقدح في أصحاب أحمد و يخالف اعتقاد المسلمين لأنه قد خالف الإجماع، ثم ذكر كلامه في هذا و غيره و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة سبع و خمسين و أربعمائة

فيها سار جماعة من العراق إلى الحج بخفارة، فلم يمكنهم المسير فعدلوا إلى الكوفة و رجعوا.

و في ذي الحجة منها شرع في بناء المدرسة النظامية، و نقض لأجلها دور كثيرة من مشرعة الزوايا، و باب البصرة. و فيها كانت حروب كثيرة بين تميم بن العزيز و باديس، و أولاد حماد، و العرب و المغاربة بصنهاجة و زناتة. و حج بالناس من بغداد النقيب أبو الغنائم.

و فيها كان مقتل عميد الملك الكندري، و هو منصور بن محمد أبو نصر الكندري، وزير طغرلبك، و كان مسجونا سنة تامة، و لما قتل حمل فدفن عند أبيه بقرية كندرة، من عمل طريثيث، و ليست بكندرة التي هي بالقرب من قزوين. و استحوذ السلطان على أمواله و حواصله، و قد كان‏

93

ذكيا فصيحا شاعرا، لديه فضائل جمة، حاضر الجواب سريعه. و لما أرسله طغرلبك إلى الخليفة يطلب ابنته، و امتنع الخليفة من ذلك و أنشد متمثلا بقول الشاعر

ما كل ما يتمنى المرء يدركه‏

فأجابه الوزير تمام قوله‏

تجرى الرياح بما لا يشتهي السفن‏

فسكت الخليفة و أطرق. قتل عن نيف و أربعين سنة. و من شعره قوله:

إن كان في الناس ضيق عن منافستى* * * فالموت قد وسع الدنيا على الناس‏

مضيت و الشامت المغبون يتبعني* * * كل لكاس المنايا شارب حاسى‏

و قد بعثه الملك طغرلبك يخطب له امرأة خوارزم شاه فتزوجها هو، فخصاه الملك و أمره على عمله فدفن ذكره بخوارزم، و سفح دمه حين قتل بمروالروذ، و دفن جسده بقريته، و حمل رأسه فدفن بنيسابور، و نقل قحف رأسه إلى كرمان، و أنا أشهد أن اللَّه جامع الخلائق إلى ميقات يوم معلوم أين كانوا، و حيث كانوا، و على أي صفة كانوا سبحانه و تعالى.

ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و أربعمائة

في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم و أحضروا نساء ينحن على الحسين، كما جرت به عادتهم السالفة في بدعتهم المتقدمة المخالفة، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، و طلب الخليفة أبا الغنائم و أنكر عليه ذلك. فاعتذر إليه بأنه لم يعلم به، و أنه حين علم أزاله، و تردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، و خرج التوقيع بكفر من سب الصحابة و أظهر البدع. قال ابن الجوزي: في ربيع الأول ولد بباب الأزج صبية لها رأسان و وجهان و رقبتان و أربع أيد، على بدن كامل ثم ماتت. قال: و في جمادى الآخرة كانت بخراسان زلزلة مكثت أياما، تصدعت منها الجبال، و هلك جماعة، و خسف بعدة قرى، و خرج الناس إلى الصحراء و أقاموا هنالك، و وقع حريق بنهر يعلى فاحترق مائة دكان و ثلاثة دور، و ذهب للناس شي‏ء كثير، و نهب بعضهم بعضا. قال ابن الجوزي و في شعبان وقع قتال بدمشق فأحرقوا دارا كانت قريبة من الجامع، فاحترق جامع دمشق. كذا قال ابن الجوزي: و الصحيح المشهور أن حريق جامع دمشق إنما هو في ليلة النصف من شعبان سنة إحدى و ستين و أربعمائة بعد ثلاث سنين مما قال، و أن غلمان الفاطميين اقتتلوا مع غلمان العباسيين فألقيت نار بدار الامارة، و هي الخضراء، فاحترقت و تعدى حريقها حتى وصل إلى الجامع فسقطت سقوفه، و بادت زخرفته، و تلف رخامه، و بقي كأنه خربة، و بادت الخضراء فصارت كوما من تراب بعد ما كانت في غاية الأحكام و الإتقان، و طيب الفناء، و نزهة المجالس، و حسن المنظر، فهي إلى يومنا هذا لا يسكنها لرداءة مكانها إلا سفلة الناس و أسقاطهم، بعد ما كانت دار الخلافة و الملك و الامارة، منذ أسسها معاوية بن أبى سفيان، و أما الجامع الأموي فإنه لم يكن على وجه الأرض‏

94

شي‏ء أحسن منه و لا أبهى منظرا، إلى أن احترق فبقي خرابا مدة طويلة ثم شرع الملوك في تجديده و ترميمه، حتى بلط في زمن العادل أبى بكر بن أيوب، و لم يزالوا في تحسين معالمه إلى زماننا هذا، فتماثل و هو بالنسبة إلى حاله الأول كلا شي‏ء، و لا زال التحسين فيه إلى أيام الأمير سيف الدين بتكنز بن عبد اللَّه الناصري، في حدود سنة ثلاث و سبعمائة، و ما قبلها و ما بعدها بيسير.

و فيها رخصت الأسعار ببغداد رخصا كثيرا، و نقصت دجلة نقصا بينا. و فيها أخذ الملك ألب أرسلان العهد بالملك من بعده لولده ملك شاه، و مشى بين يديه بالغاشية و الأمراء يمشون بين يديه، و كان يوما مشهودا. و حج بالناس فيها نور الهدى أبو طالب الحسين بن نظام الحضرتين الزينبي و جاور بمكة.

و فيها توفى من الأعيان.

الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي‏

أحمد بن الحسين بن على بن عبد اللَّه بن موسى أبو بكر البيهقي، له التصانيف التي سارت بها الركبان إلى سائر الأمصار، ولد سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة، و كان أوحد أهل زمانه في الإتقان و الحفظ و الفقه و التصنيف، كان فقيها محدثا أصوليا، أخذ العلم عن الحاكم أبى عبد اللَّه النيسابورىّ، و سمع على غيره شيئا كثيرا، و جمع أشياء كثيرة نافعة، لم يسبق إلى مثلها، و لا يدرك فيها، منها كتاب السنن الكبير، و نصوص الشافعيّ كل في عشر مجلدات، و السنن الصغير، و الآثار، و المدخل، و الآداب و شعب الايمان، و الخلافيات، و دلائل النبوة، و البعث و النشور، و غير ذلك من المصنفات الكبار و الصغار المفيدة، التي لا تسامى و لا تدانى، و كان زاهدا متقللا من الدنيا، كثير العبادة و الورع، توفى بنيسابور، و نقل تابوته إلى بيهق في جمادى الأولى منها.

الحسن بن غالب‏

ابن على بن غالب بن منصور بن صعلوك، أبو على التميمي، و يعرف بابن المبارك المقري، صحب ابن سمعون، و قرأ القرآن على حروف أنكرت عليه، و جرب عليه الكذب، إما عمدا و إما خطأ، و اتهم في رواية كثيرة، و كان أبو بكر القزويني ممن ينكر عليه، و كتب عليه محضر بعدم الأقراء بالحروف المنكرة، قال أبو محمد السمرقندي كان كذابا، توفى فيها عن ثنتين و ثمانين سنة، و دفن عند إبراهيم الحربي. قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبى الفتح نصر بن محمد العمرى المروزي، ثم غلب عليه الحديث و اشتهر به، و رحل في طلبه.

القاضي أبو يعلى بن الفرا الحنبلي‏

محمد بن الحسن بن محمد بن خلف بن أحمد الفرا القاضي، أبو يعلى شيخ الحنابلة، و ممهد مذهبهم في الفروع، ولد في محرم سنة ثمانين و ثلاثمائة، و سمع الحديث الكثير، و حدث عن ابن حبابة. قال‏

95

ابن الجوزي: و كان من سادات العلماء الثقات، و شهد عند ابن ماكولا و ابن الدامغانيّ فقبلاه، و تولى النظر في الحكم بحريم الخلافة، و كان إماما في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة في مذهب أحمد، و درس و أفتى سنين، و انتهت إليه رياسة المذهب، و انتشرت تصانيفه و أصحابه، و جمع الإمامة و الفقه و الصدق، و حسن الخلق، و التعبد و التقشف و الخشوع، و حسن السمت، و الصمت عما لا يعنى توفى في العشرين من رمضان منها عن ثمان و سبعين سنة، و اجتمع في جنازته القضاة و الأعيان، و كان يوما حارا، فأفطر بعض من اتبع جنازته، و ترك من البنين عبيد اللَّه أبا القاسم، و أبا الحسين و أبا حازم، و رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: رحمني و غفر لي و أكرمنى، و رفع منزلتي، و جعل يعد ذلك بإصبعه، فقال: بالعلم؟ فقال: بل بالصدق.

ابن سيده‏

صاحب المحكم في اللغة، أبو الحسين على بن إسماعيل المرسي، كان إماما حافظا في اللغة، و كان ضرير البصر، أخذ علم العربية و اللغة عن أبيه، و كان أبوه ضريرا أيضا، و اشتغل على أبى العلاء صاعد البغدادي، و له المحكم في مجلدات عديدة، و له شرح الحماسة في ست مجلدات، و غير ذلك، و قرأ على الشيخ أبى عمر الطملنكى كتاب الغريب لأبى عبيد سردا من حفظه، فتعجب الناس لذلك، و كان الشيخ يقابل بما يقرأ في الكتاب، فسمع الناس بقراءته من حفظه، توفى في ربيع الأول منها و له ستون سنة، و قيل إنه توفى في سنة ثمان و أربعين، و الأول أصح، و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة تسع و خمسين و أربعمائة

فيها بنى أبو سعيد المستوفي الملقب بشرف الملك، مشهد الامام أبى حنيفة ببغداد، و عقد عليه قبة، و عمل بإزائه مدرسة، فدخل أبو جعفر بن البياضي زائرا لأبى حنيفة فأنشد:

أ لم تر أن العلم كان مضيعا* * * فجمّعه هذا المغيب في اللحد

كذلك كانت هذه الأرض ميتة* * * فأنشرها جود العميد أبى السعد

و فيها هبت ريح حارة فمات بسببها خلق كثير، و ورد أن ببغداد تلف شجر كثير من الليمون و الأترج. و فيها احترق قبر معروف الكرخي، و كان سببه أن القيم طبخ له ماء الشعير لمرضه فتعدت النار إلى الأخشاب فاحترق المشهد. و فيها وقع غلاء و فناء بدمشق و حلب و حران، و أعمال خراسان بكمالها، و وقع الفناء في الدواب: كانت تنتفخ رءوسها و أعينها حتى كان الناس يأخذون حمر الوحش بالأيدي، و كانوا يأنفون من أكلها.

قال ابن الجوزي في المنتظم: و في يوم السبت عاشر ذي القعدة جمع العميد أبو سعد الناس ليحضروا الدرس بالنظاميّة ببغداد، و عين لتدريسها و مشيختها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، فلما

96

تكامل اجتماع الناس و جاء أبو إسحاق ليدرس لقيه فقيه شاب فقال: يا سيدي تذهب تدرس في مكان مغصوب؟ فامتنع أبو إسحاق من الحضور و رجع إلى بيته، فأقيم الشيخ أبو نصر الصباغ فدرس، فلما بلغ نظام الملك ذلك تغيظ على العميد و أرسل إلى الشيخ أبى إسحاق فرده إلى التدريس بالنظاميّة، في ذي الحجة من هذه السنة، و كان لا يصلى فيها مكتوبة، بل كان يخرج إلى بعض المساجد فيصلي، لما بلغه من أنها مغصوبة، و قد كان مدة تدريس ابن الصباغ فيها عشرين يوما، ثم عاد أبو إسحاق إليها. و في ذي القعدة من هذه السنة قتل الصليحى أمير اليمن و صاحب مكة قتله بعض أمراء اليمن، و خطب للقائم بأمر اللَّه العباسي. و فيها حج بالناس أبو الغنائم النقيب.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

محمد بن إسماعيل بن محمد

أبو على الطرسوسي، و يقال له العراقي، لظرفه و طول مقامه بها، سمع الحديث من أبى طاهر المخلص، و تفقه على أبى محمد الباقي، ثم على الشيخ أبى حامد الأسفراييني، و ولى قضاء بلدة طرسوس و كان من الفقهاء الفضلاء المبرزين.

ثم دخلت سنة ستين و أربعمائة من الهجرة النبويّة

قال ابن الجوزي: في جمادى الأولى كانت زلزلة بأرض فلسطين، أهلكت بلد الرملة، و رمت شراريف من مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لحقت وادي الصفر و خيبر، و انشقت الأرض عن كنوز كثيرة من المال، و بلغ حسها إلى الرحبة و الكوفة، و جاء كتاب بعض التجار فيه ذكر هذه الزلزلة و ذكر فيه أنها خسفت الرملة جميعا حتى لم يسلم منها إلا داران فقط، و هلك منها خمس عشرة ألف نسمة، و انشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت، و غار البحر مسيرة يوم، و ساخ في الأرض و ظهر في مكان الماء أشياء من جواهر و غيرها، و دخل الناس في أرضه يلتقطون، فرجع عليهم فأهلك كثيرا منهم، أو أكثرهم. و في يوم النصف من جمادى الآخرة قرئ الاعتقاد القادري الّذي فيه مذهب أهل السنة، و الإنكار على أهل البدع، و قرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدث كتاب التوحيد لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين. و ذكر بمحضر من الوزير ابن جهير و جماعة الفقهاء و أهل الكلام، و اعترفوا بالموافقة، ثم قرئ الاعتقاد القادري على الشريف أبى جعفر بن المقتدى باللَّه بباب البصرة، و ذلك لسماعه له من الخليفة القادر باللَّه مصنفه.

و فيها عزل الخليفة وزيره أبا نصر محمد بن محمد بن جهير، الملقب فخر الدولة، و بعث إليه يعاتبه في أشياء كثيرة، فاعتذر منها و أخذ في الترفق و التذلل، فأجيب بأن يرحل إلى أي جهة شاء، فاختار ابن مزيد فباع أصحابه أملاكهم و طلقوا نساءهم و أخذ أولاده و أهله و جاء ليركب في سفينة لينحدر منها إلى الحلة، و الناس يتباكون حوله لبكائه، فلما اجتاز بدار الخلافة قبل الأرض دفعات‏

97

و الخليفة في الشباك، و الوزير يقول يا أمير المؤمنين ارحم شيبتي و غربتي و أولادي، فأعيد إلى الوزارة بشفاعة دبيس بن مزيد، في السنة الآتية، و امتدحه الشعراء، و فرح الناس برجوعه إلى الوزارة و كان يوما مشهودا.

و فيها توفى من الأعيان‏

عبد الملك بن محمد بن يوسف بن منصور

الملقب بالشيخ الأجل، كان أوحد زمانه بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و المبادرة إلى فعل الخيرات، و اصطناع الأيادي عند أهلها، من أهل السنة، مع شدة القيام على أهل البدع و لعنهم، و افتقاد المستورين بالبر و الصدقة، و إخفاء ذلك جهده و طاقته، و من غريب ما وقع له أنه كان يصل إنسانا في كل يوم بعشرة دنانير، كان يكتب بها معه إلى ابن رضوان، فلما توفى الشيخ جاء الرجل إلى ابن رضوان فقال: ادفع إلى ما كان يصرف لي الشيخ، فقال له ابن رضوان: إنه قد مات و لا أصرف لك شيئا، فجاء الرجل إلى قبر الشيخ الأجل فقرأ شيئا من القرآن و دعا له و ترحم عليه، ثم التفت فإذا هو بكاغد فيه عشرة دنانير، فأخذها و جاء بها إلى ابن رضوان فذكر له ما جرى له، فقال: هذه سقطت منى اليوم عند قبره فخذها و لك عندي في كل يوم مثلها. توفى في نصف المحرم منها عن خمس و ستين سنة، و كان يوم موته يوما مشهودا، حضره خلق لا يعلم عددهم إلا اللَّه عز و جل، ف(رحمه اللَّه تعالى).

أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي‏

فقيه الشيعة، و دفن في مشهد على، و كان مجاورا به حين أحرقت داره بالكرخ، و كتبه، سنة ثمان و أربعين إلى محرم هذه السنة فتوفى و دفن هناك.

ثم دخلت سنة إحدى و ستين و أربعمائة

في ليلة النصف من شعبان منها كان حريق جامع دمشق، و كان سببه أن غلمان الفاطميين و العباسيين اختصموا فألقيت نار بدار الملك، و هي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة، فاحترقت، و سرى الحريق إلى الجامع فسقطت سقوفه و تناثرت فصوصه المذهبة، و تغيرت معالمه، و تقلعت الفسيفساء التي كانت في أرضه، و على جدرانه، و تبدلت بضدها، و قد كانت سقوفه مذهبة كلها، و الجملونات من فوقها، و جدرانه مذهبة ملونة مصور فيها جميع بلاد الدنيا، بحيث إن الإنسان إذا أراد أن يتفرج في إقليم أو بلد وجده في الجامع مصورا كهيئته، فلا يسافر إليه و لا يعنّى في طلبه، فقد وجده من قرب الكعبة و مكة فوق المحراب و البلاد كلها شرقا و غربا، كل إقليم في مكان لائق به، و مصور فيه كل شجرة مثمرة و غير مثمرة، مصور مشكل في بلدانه و أوطانه، و الستور مرخاة على أبوابه النافذة إلى الصحن، و على أصول الحيطان إلى مقدار الثلث منها ستور، و باقي الجدران‏

98

بالفصوص الملونة، و أرضه كلها بالفصوص، ليس فيها بلاط، بحيث إنه لم يكن في الدنيا بناء أحسن منه، لا قصور الملوك و لا غيرها، ثم لما وقع هذا الحريق فيه تبدل الحال الكامل بضده، و صارت أرضه طينا في زمن الشتاء، و غبارا في زمن الصيف، محفورة مهجورة، و لم يزل كذلك حتى بلط في زمن العادل أبى بكر بن أيوب، بعد الستمائة سنة من الهجرة، و كان جميع ما سقط منه من الرخام و الفصوص و الأخشاب و غيرها، مودعا في المشاهد الأربعة، حتى فرغها من ذلك كمال الدين الشهرزوري، في زمن العادل نور الدين محمود بن زنكي، حين ولاه نظره مع القضاء و نظر الأوقاف كلها، و نظر دار الضرب و غير ذلك، و لم تزل الملوك تجدد في محاسنه إلى زماننا هذا، فتقارب حاله في زمن تنكيز نائب الشام، و قد تقدم أن ابن الجوزي أرخ ما ذكرنا في سنة ثمان و خمسين، و تبعه ابن الساعي أيضا في هذه السنة، و كذلك شيخنا الذهبي مؤرخ الإسلام، و غير واحد. و اللَّه أعلم.

و فيها نقمت الحنابلة على الشيخ أبى ألوفا بن عقيل، و هو من كبرائهم، بتردده إلى أبى على بن الوليد المتكلم المعتزلي، و اتهموه بالاعتزال، و إنما كان يتردد إليه ليحيط علما بمذهبه، و لكن شرقه الهوى فشرق شرقة كادت روحه تخرج معها، و صارت فيه نزعة منه، و جرت بينه و بينهم فتنة طويلة و تأذى بسببها جماعة منهم، و ما سكنت الفتنة بينهم إلى سنة خمس و ستين، ثم اصطلحوا فيما بينهم، بعد اختصام كبير.

و فيها زادت دجلة على إحدى و عشرين ذراعا حتى دخل الماء مشهد أبى حنيفة. و فيها ورد الخبر بأن الأفشين دخل بلاد الروم حتى انتهى إلى غورية، فقتل خلقا و غنم أموالا كثيرة. و فيها كان رخص عظيم في الكوفة حتى بيع السمك كل أربعين رطلا بحبة. و فيها حج بالناس أبو الغنائم العلويّ‏

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الفورانى صاحب الابانة

أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفورانى، المروزي، أحد أئمة الشافعية، و مصنف الابانة التي فيها من النقول الغريبة، و الأقوال و الأوجه التي لا نوجد إلا فيها، كان بصيرا بالأصول و الفروع، أخذ الفقه عن القفال، و حضر إمام الحرمين عنده و هو صغير، فلم يلتفت إليه، فصار في نفسه منه، فهو يخطئه كثيرا في النهاية. قال ابن خلكان: فمتى قال في النهاية: و قال بعض المصنفين كذا و غلط في ذلك و شرع في الوقوع فيه فمراده أبو القاسم الفورانى. توفى الفورانى في رمضان منها بمرو، عن ثلاث و سبعين سنة، و قد كتب تلميذه أبو سعد عبد الرحمن بن محمد المأمون المعرى المدرس بالنظاميّة بعد أبى إسحاق و قبل ابن الصباغ، و بعده أيضا، كتابا على الابانة، فسماه تتمة الابانة، انتهى فيه إلى كتاب الحدود و مات قبل إتمامه، فتممه أسعد العجليّ و غيره، لم يلحقوا شأوه و لا حاموا حوله، و سموه تتمة التتمة.

99

ثم دخلت سنة اثنتين و ستين و أربعمائة

قال ابن الجوزي: فمن الحوادث فيها أنه كان على ثلاث ساعات في يوم الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الأولى، و هو ثامن عشرين أذار، كانت زلزلة عظيمة بالرملة و أعمالها، فذهب أكثرها و انهدم سورها، و عم ذلك بيت المقدس و نابلس، و انخسفت إيليا، و جفل البحر حتى انكشفت أرضه، و مشى ناس فيه ثم عاد و تغير، و انهدم إحدى زوايا جامع مصر، و تبعت هذه الزلزلة في ساعتها زلزلتان أخريان. و فيها توجه ملك الروم من قسطنطينية إلى الشام في ثلاثمائة ألف مقاتل، فنزل على منبج و أحرق القرى ما بين منبج إلى أرض الروم، و قتل رجالهم و سبى نساءهم و أولادهم، و فزع المسلمون بحلب و غيرها منه فزعا عظيما، فأقام ستة عشر يوما ثم رده اللَّه خاسئا و هو حسير، و ذلك لقلة ما معهم من الميرة و هلاك أكثر جيشه بالجوع، و للَّه الحمد و المنة.

و فيها ضاقت النفقة على أمير مكة فأخذ الذهب من أستار الكعبة و الميزاب و باب الكعبة، فضرب ذلك دراهم و دنانير، و كذا فعل صاحب المدينة بالقناديل التي في المسجد النبوي. و فيها كان غلاء شديد بمصر فأكلوا الجيف و الميتات و الكلاب، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير، و ماتت الفيلة فأكلت ميتاتها، و أفنيت الدواب فلم يبق لصاحب مصر سوى ثلاثة أفراس، بعد أن كان له العدد الكثير من الخيل و الدواب، و نزل الوزير يوما عن بغلته فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها و أكلوها فأخذوا فصلبوا فما أصبحوا إلا و عظامهم بادية، قد أخذ الناس لحومهم فأكلوها، و ظهر على رجل يقتل الصبيان و النساء و يدفن رءوسهم و أطرافهم، و يبيع لحومهم، فقتل و أكل لحمه، و كانت الأعراب يقدمون بالطعام يبيعونه في ظاهر البلد، لا يتجاسرون يدخلون لئلا يخطف و ينهب منهم، و كان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهارا، و إنما يدفنه ليلا خفية، لئلا ينبش فيؤكل. و احتاج صاحب مصر حتى باع أشياء من نفائس ما عنده، من ذلك إحدى عشر ألف درع، و عشرون ألف سيف محلى، و ثمانون ألف قطعة بلوركبار، و خمسة و سبعون ألف قطعة من الديباج القديم، و بيعت ثياب النساء و الرجال و غير ذلك بأرخص ثمن، و كذلك الأملاك و غيرها، و قد كان بعض هذه النفائس للخليفة، مما نهب من بغداد في وقعة البساسيري.

و فيها وردت التقادم من الملك ألب أرسلان إلى الخليفة. و فيها اسم ولى العهد ابن الخليفة على الدنانير و الدراهم، و منع التعامل بغيرها، و سمى المضروب عليه الأميري. و فيها ورد كتاب صاحب مكة إلى الملك ألب أرسلان و هو بخراسان يخبره بإقامة الخطبة بمكة للقائم بأمر اللَّه و للسلطان، و قطع خطبة المصريين، فأرسل إليه بثلاثين ألف دينار و خلعة سنية، و أجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار. و فيها تزوج عميد الدولة ابن جهير بابنة نظام الملك بالري. و حج بالناس أبو الغنائم العلويّ،

100

و فيها توفى من الأعيان‏

و المشاهير.

الحسن بن على‏

ابن محمد أبو الجوائز الواسطي، سكن بغداد دهرا طويلا، و كان شاعرا أديبا ظريفا، ولد سنة ثنتين و خمسين و ثلاثمائة، و مات في هذه السنة عن مائة و عشر سنين. و من مستجاد شعره قوله‏

وا حسرتى من قولها* * * قد خان عهدي و لها

و حق من صيرني* * * وقفا عليها و لها

ما خطرت بخاطري* * * إلا كستنى و لها

محمد بن أحمد بن سهل‏

المعروف بابن بشران النحويّ الواسطي، ولد سنة ثمانين و ثلاثمائة، و كان عالما بالأدب، و انتهت إليه الرحلة في اللغة، و له شعر حسن، فمنه قوله:

يا شائدا للقصور مهلا* * * أقصر فقصر الفتى الممات‏

لم يجتمع شمل أهل قصر* * * إلا قصاراهم الشتات‏

و إنما العيش مثل ظل* * * منتقل ما له ثبات‏

و قوله‏

ودعتهم و لي الدنيا مودعة* * * و رحت ما لي سوى ذكراهم وطر

و قلت يا لذتي بيني لبينهم* * * كأن صفو حياتي بعدهم كدر

لو لا تعلل قلبي بالرجاء لهم* * * ألفيته إن حدوا بالعيس ينفطر

يا ليت عيسهم يوم النوى نحرت* * * أوليتها للضوارى بالفلا جزر

يا ساعة البين أنت الساعة اقتربت* * * يالوعة البين أنت النار تستعر

و قوله‏

طلبت صديقا في البرية كلها* * * فأعيا طلابى أن أصيب صديقا

بلى من سمى بالصديق مجازه* * * و لم يك في معنى الوداد صدوقا

فطلقت ود العالمين ثلاثة* * * و أصبحت من أسر الحفاظ طليقا

و فيها أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم و الكرخ و الفرنج، و عدد عظيم و عدد، و معه خمسة و ثلاثون ألفا من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، و معه من الفرنج خمسة و ثلاثون ألفا، و من الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفا، و معه مائة ألف نقاب و حفار، و ألف روزجاري، و معه أربعمائة عجلة تحمل النعال و المسامير، و ألفا عجلة تحمل السلاح و السروج و الغرادات و المناجيق، منها منجنيق عدة ألف و مائتا رحل، و من عزمه قبحه اللَّه أن يبيد الإسلام و أهله، و قد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، و استوصى نائبها بالخليفة خيرا، فقال له: ارفق بذلك الشيخ فإنه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق و خراسان لهم مالوا على الشام و أهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين، و القدر يقول‏ (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)