البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
101

فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه و هم قريب من عشرين ألفا، بمكان يقال له الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، و خاف السلطان من كثرة جند ملك الروم، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين، فلما كان ذلك الوقت و تواقف الفريقان و تواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه و سجد للَّه عز و جل، و مرغ وجهه في التراب و دعا اللَّه و استنصره، فأنزل نصره على المسلمين، و منحهم أكتافهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و أسر ملكهم أرمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع و قال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟

قال: كل قبيح، قال: فما ظنك بى؟ فقال: إما أن تقتل و تشهرني في بلادك، و إما أن تعفو و تأخذ الفداء و تعيدني. قال: ما عزمت على غير العفو و الفداء. فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار و خمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك و سقاه شربة من ماء و قبل الأرض بين يديه، و قبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالا و إكراما، و أطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، و أطلق معه جماعة من البطارقة و شيعه فرسخا، و أرسل معه جيشا يحفظونه إلى بلاده، و معهم راية مكتوب عليها لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، فلما انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملّكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه، و بعث من الذهب و الجواهر ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار، و تزهد و لبس الصوف ثم استغاث بملك الأرمن فأخذه و كحله و أرسله إلى السلطان يتقرب إليه بذلك.

و فيها خطب محمود بن مرداس للقائم و للسلطان ألب أرسلان، فبعث إليه الخليفة بالخلع و الهدايا و التحف، و العهد مع طراد. و فيها حج بالناس أبو الغنائم العلويّ، و خطب بمكة للقائم، و قطعت خطبة المصريين منها، و كان يخطب لهم فيها من نحو مائة سنة، فانقطع ذلك.

و فيها توفى من الأعيان.

أحمد بن على‏

ابن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد مشاهير الحفاظ، و صاحب تاريخ بغداد و غيره من المصنفات العديدة المفيدة، نحو من ستين مصنفا، و يقال بل مائة مصنف.

فاللَّه أعلم. ولد سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة، و قيل سنة ثنتين و تسعين، و أول سماعه سنة ثلاث و أربعمائة، و نشأ ببغداد، و تفقه على أبى طالب الطبري و غيره من أصحاب الشيخ أبى حامد الأسفراييني، و سمع الحديث الكثير، و رحل إلى البصرة و نيسابور و أصبهان و همذان و الشام و الحجاز، و سمى الخطيب لأنه كان يخطب بدرب ريحان، و سمع بمكة على القاضي أبى عبد اللَّه محمد بن سلامة القضاعي، و قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام، و رجع إلى بغداد و حظي عند الوزير أبى القاسم بن مسلمة، و لما ادعى اليهود الخيابرة أن معهم كتابا نبويا فيه إسقاط الجزية

102

عنهم أوقف ابن مسلمة الخطيب على هذا الكتاب. فقال: هذا كذب، فقال له: و ما الدليل على كذبه؟ فقال: لأن فيه شهادة معاوية بن أبى سفيان و لم يكن أسلم يوم خيبر، و قد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة، و إنما أسلم معاوية يوم الفتح، و فيه شهادة سعد بن معاذ، و قد مات قبل خيبر عام الخندق سنة خمس. فأعجب الناس ذلك. و قد سبق الخطيب إلى هذا النقل، سبقه محمد بن جرير كما ذكرت ذلك في مصنف مفرد، و لما وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج الخطيب إلى الشام فأقام بدمشق بالمأذنة الشرقية من جامعها، و كان يقرأ على الناس الحديث، و كان جهوريّ الصوت، يسمع صوته من أرجاء الجامع كلها، فاتفق أنه قرأ على الناس يوما فضائل العباس فثار عليه الروافض من أتباع الفاطميين، فأرادوا قتله فتشفع بالشريف الزينبي فأجاره، و كان مسكنه بدار العقبقى، ثم خرج من دمشق فأقام بمدينة صور، فكتب شيئا كثيرا من مصنفات أبى عبد اللَّه الصوري بخطه كان يستعيرها من زوجته، فلم يزل مقيما بالشام إلى سنة ثنتين و ستين، ثم عاد إلى بغداد فحدث بأشياء من مسموعاته، و قد كان سأل اللَّه أن يملك ألف دينار، و أن يحدث بالتأريخ بجامع المنصور، فملك ألف دينار أو ما يقاربها ذهبا، و حين احتضر كان عنده قريب من مائتي دينار، فأوصى بها لأهل الحديث، و سأل السلطان أن يمضى ذلك، فإنه لا يترك وارثا، فأجيب إلى ذلك، و له مصنفات كثيرة مفيدة، منها كتاب التاريخ، و كتاب الكفاية، و الجامع، و شرف أصحاب الحديث، و المتفق و المفترق، و السابق و اللاحق، و تلخيص المتشابه في الرسم، و فضل الوصل، و رواية الآباء عن الأبناء، و رواية الصحابة عن التابعين، و اقتضاء العلم للعمل، و الفقيه و المتفقه، و غير ذلك. و قد سردها ابن الجوزي في المنتظم. قال و يقال: إن هذه المصنفات أكثرها لأبى عبد اللَّه الصوري، أو ابتدأها فتممها الخطيب، و جعلها لنفسه، و قد كان الخطيب حسن القراءة فصيح اللفظ عارفا بالأدب يقول الشعر، و كان أولا يتكلم على مذهب الامام أحمد بن حنبل، فانتقل عنه إلى مذهب الشافعيّ، ثم صار يتكلم في أصحاب أحمد و يقدح فيهم ما أمكنه، و له دسائس عجيبة في ذمهم، ثم شرع ابن الجوزي ينتصر لأصحاب أحمد و يذكر مثالب الخطيب و دسائسه، و ما كان عليه من محبة الدنيا و الميل إلى أهلها بما يطول ذكره، و قد أورد ابن الجوزي من شعره قصيدة جيدة المطلع حسنة المنزع أولها قوله:

لعمرك ما شجاني رسم دار* * * وقفت به و لا رسم المغاني‏

و لا أثر الخيام أراق دمعي* * * لأجل تذكري عهد الغواني‏

و لا ملك الهوى يوما قيادي* * * و لا عاصيته فثنى عناني‏

و لم أطمعه في و كم قتيل* * * له في الناس ما تحصى دعاني‏

103

عرفت فعاله بذوي التصابي* * * و ما يلقون من ذل الهوان‏

طلبت أخا صحيح الود محظى* * * سليم الغيب محفوظ اللسان‏

فلم أعرف من الاخوان إلا* * * نفاقا في التباعد و التداني‏

و عالم دهرنا لا خير فيهم* * * ترى صورا تروق بلا معاني‏

و وصف جميعهم هذا فما أن* * * أقول سوى فلان أو فلان‏

و لما لم أجد حرا يواتى* * * على ما ناب من صرف الزمان‏

صبرت تكرما لقراع دهري* * * و لم أجزع لما منه دهاني‏

و لم أك في الشدائد مستكينا* * * أقول لها ألا كفى كفاني‏

و لكنى صليب العود عود* * * ربيط الجأش مجتمع الجنان‏

أبى النفس لا أختار رزقا* * * يجيئ بغير سيفي أو سناني‏

فعز في لظى باغيه يهوى* * * ألذ من المذلة في الجنان‏

و قد ترجمه ابن عساكر في تاريخه ترجمة حسنة كعادته و أورد له من شعره قوله:

لا يغبطن أخا الدنيا لزخرفها* * * و لا للذة عيش عجلت فرحا

فالدهر أسرع شي‏ء في تقلبه* * * و فعله بين للخلق قد وضحا

كم شارب عسلا فيه منيته* * * و كم مقلد سيفا من قربه ذبحا

توفى يوم الاثنين ضحى من ذي الحجة منها، و له ثنتان و سبعون سنة، في حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة، جوار المدرسة النظامية، و احتفل الناس بجنازته، و حمل نعشه فيمن حمل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، و دفن إلى جانب قبر بشر الحافى، في قبر رجل كان قد أعده لنفسه، فسئل أن يتركه للخطيب فشح به و لم تسمح نفسه، حتى قال له بعض الحاضرين: باللَّه عليك لو جلست أنت و الخطيب إلى بشر أيكما كان يجلسه إلى جانبه؟ فقال: الخطيب، فقيل له: فاسمح له به، فوهبه منه فدفن فيه (رحمه اللَّه) و سامحه، و هو ممن قيل فيه و في أمثاله قول الشاعر:

ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا* * * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا

حسان بن سعيد

ابن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المنيعى، كان في شبابه يجمع بين الزهد و التجارة حتى ساد أهل زمانه، ثم ترك ذلك، و أقبل على العبادة و الزهد و البر و الصلة و الصدقة و غير ذلك، و بناء المساجد و الرباطات، و كان السلطان يأتى إليه و يتبرك به، و لما وقع الغلاء كان يعمل كل يوم شيئا كثيرا من الخبز و الأطعمة، و يتصدق به‏

104

و كان يكسو في كل سنة قريبا من ألف فقير ثيابا و جبابا، و كذلك كان يكسو الأرامل و غيرهن من النساء، و كان يجهز البنات الأيتام و بنات الفقراء، و أسقط شيئا كثيرا من المكوس و الوظائف السلطانية عن بلاد نيسابور، و قرأها و هو مع ذلك في غاية التبذل و الثياب و الأطمار، و ترك الشهوات و لم يزل كذلك إلى أن توفى في هذه السنة، في بلدة مروالروز، تغمده اللَّه برحمته، و رفع درجته، و لا خيب اللَّه له سعيا.

أمين بن محمد بن الحسن بن حمزة

أبو على الجعفري فقيه الشيعة في زمانه‏

محمد بن وشاح بن عبد اللَّه‏

أبو على مولى أبى تمام محمد بن على بن الحسن الزينبي، سمع الحديث، و كان أديبا شاعرا، و كان ينسب إلى الاعتزال و الرفض، و من شعره قوله:

حملت العصا لا الضعف أوجب حملها* * * على و لا أنى نحلت من الكبر

و لكنني ألزمت نفسي حملها* * * لأعلمها أن المقيم على سفر

الشيخ الأجل أبو عمر عبد البر النمري‏

صاحب التصانيف المليحة الهائلة، منها التمهيد، و الاستذكار، و الاستيعاب، و غير ذلك.

ابن زيدون‏

الشاعر أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن غالب بن زيدون أبو الوليد، الشاعر الماهر الأندلسى القرطبي، اتصل بالأمير المعتمد بن عباد، صاحب إشبيلية، فحظي عنده و صار مشاورا في منزلة الوزير، ثم وزر له و لولده أبى بكر بن أبى الوليد، و هو صاحب القصيدة الفراقية التي يقول فيها:

بنتم و بنا فما ابتلت جوانحنا* * * شوقا إليكم و لا جفت مآقينا

تكاد حين تناجيكم ضمائرنا* * * يقضى عليها الاسى لو لا تأسينا

حالت لبعدكم أيامنا فغدت* * * سودا و كانت بكم بيضا ليالينا

بالأمس كنا و لا نخشى تفرقنا* * * و اليوم نحن و لا يرجى تلاقينا

و هي طويلة و فيها صنعة قوية مهيجة على البكاء لكل من قرأها أو سمعها، لأنه ما من أحد إلا فارق خلا أو حبيبا أو نسيبا، و له أيضا:

بيني و بينك ما لو شئت لم يضع* * * سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع‏

يا بائعا حظه منى و لو بذلت* * * لي الحياة بحظى منه لم أبع‏

يكفيك أنك لو حملت قلبي ما* * * لا تستطيع قلوب الناس يستطع‏

ته احتمل و استطل أصبر و عزهن* * * و ول أقبل و قل أسمع و مر أطمع‏

105

توفى في رجب منها و استمر ولده أبو بكر وزيرا للمعتمد بن عباد، حتى أخذ ابن ياسين قرطبة من يده في سنة أربع و ثمانين، فقتل يومئذ. قاله ابن خلكان.

كريمة بنت أحمد

ابن محمد بن أبى حاتم المروزية، كانت عالمة صالحة، سمعت صحيح البخاري على الكشميهني، و قرأ عليها الأئمة كالخطيب و أبى المظفر السمعاني و غيرهما.

ثم دخلت سنة أربع و ستين و أربعمائة

فيها قام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مع الحنابلة في الإنكار على المفسدين، و الذين يبيعون الخمور، و في إبطال المواجرات و هنّ البغايا، و كتبوا إلى السلطان في ذلك فجاءت كتبه في الإنكار.

و فيها كانت زلزلة عظيمة ببغداد ارتجت لها الأرض ست مرات. و فيها كان غلاء شديد و موتان ذريع في الحيوانات، بحيث إن بعض الرعاة بخراسان قام وقت الصباح ليسرح بغنمه فإذا هن قدمتن كلهن، و جاء سيل عظيم و برد كبار أتلف شيئا كثيرا من الزروع و الثمار بخراسان. و فيها تزوج الأمير عدة الدين ولد الخليفة بابنة السلطان ألب أرسلان «سفري خاتون» و ذلك بنيسابور، و كان وكيل السلطان نظام الملك، و وكيل الزوج عميد الدولة ابن جهير، و حين عقد العقد نثر على الناس جواهر نفيسة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

زكريا بن محمد بن حيده‏

أبو منصور النيسابورىّ، كان يزعم أنه من سلالة عثمان بن عفان، و روى الحديث عن أبى بكر بن المذهب، و كان ثقة. توفى في المحرم منها و قد قارب الثمانين.

محمد بن أحمد

ابن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو الحسن الهاشمي، خطيب جامع المنصور، كان ممن يلبس القلانس الطوال، حدث عن ابن رزقويه و غيره، روى عنه الخطيب، و كان ثقة عدلا شهد عند ابن الدامغانيّ و ابن ماكولا فقبلاه توفى عن ثمانين سنة و دفن بقرب قبر بشر الحافى.

محمد بن أحمد بن شاره‏

ابن جعفر أبو عبد اللَّه الأصفهاني، ولى القضاء بدجيل، و كان شافعيا، روى الحديث عن أبى عمرو بن مهدي، توفى ببغداد و نقل إلى دجيل من عمل واسط، و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة خمس و ستين و أربعمائة

في يوم الخميس حادي عشر المحرم حضر إلى الديوان أبو ألوفا على بن محمد بن عقيل العقيلي الحنبلي، و قد كتب على نفسه كتابا يتضمن توبته من الاعتزال، و أنه رجع عن اعتقاد كون الحلاج‏

106

من أهل الحق و الخير، و أنه قد رجع عن الجزء الّذي عمله في ذلك، و أن الحلاج قد قتل بإجماع علماء أهل عصره على زندقته، و أنهم كانوا مصيبين في قتله و ما رموه به، و هو مخطئ، و أشهد عليه جماعة من الكتاب، و رجع من الديوان إلى دار الشريف أبى جعفر فسلم عليه و صالحه و اعتذر إليه، فعظمه‏

وفاة السلطان ألب أرسلان و ملك ولده ملك شاه‏

كان السلطان قد سار في أول هذه السنة يريد أن يغزو بلاد ما وراء النهر، فاتفق في بعض المنازل أنه غضب على رجل يقال له يوسف الخوارزمي، فأوقف بين يديه فشرع يعاتبه في أشياء صدرت منه، ثم أمر أن يضرب له أربعة أوتاد و يصلب بينها، فقال للسلطان: يا مخنث و مثلي يقتل هكذا؟ فاحتد السلطان من ذلك و أمر بإرساله و أخذ القوس فرماه بسهم فأخطأه، و أقبل يوسف نحو السلطان فنهض السلطان عن السرير خوفا منه، فنزل عنه فعثر فوقع فأدركه يوسف فضربه بخنجر كان معه في خاصرته فقتله، و أدرك الجيش يوسف فقتلوه، و قد جرح السلطان جرحا منكرا، فتوفى في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة، و يقال إن أهل بخارى لما اجتاز بهم نهب عسكره أشياء كثيرة لهم، فدعوا عليه فهلك.

و لما توفى جلس ولده ملك شاه على سرير الملك و قام الأمراء بين يديه، فقال له الوزير نظام الملك: تكلم أيها السلطان، فقال: الأكبر منكم أبى و الأوسط أخى و الأصغر ابني، و سأفعل معكم ما لم أسبق إليه. فأمسكوا فأعاد القول فأجابوه بالسمع و الطاعة. و قام بأعباء أمره الوزير نظام الملك فزاد في أرزاق الجند سبعمائة ألف دينار، و سار إلى مرو فدفنوا بها السلطان، و لما بلغ موته أهل بغداد أقام الناس له العزاء، و غلقت الأسواق و أظهر الخليفة الجزع، و خلعت ابنة السلطان زوجة الخليفة ثيابها، و جلست على التراب، و جاءت كتب ملك شاه إلى الخليفة يتأسف فيها على والده، و يسأل أن تقام له الخطبة بالعراق و غيرها. ففعل الخليفة ذلك، و خلع ملك شاه على الوزير نظام الملك خلعا سنية، و أعطاه تحفا كثيرة، من جملتها عشرون ألف دينار، و لقبه أتابك الجيوش، و معناه الأمير الكبير الوالد، فسار سيرة حسنة، و لما بلغ قاورت موت أخيه ألب أرسلان ركب في جيوش كثيرة قاصدا قتال ابن أخيه ملك شاه، فالتقيا فاقتتلا فانهزم أصحاب قاورت و أسر هو، فأنبه ابن أخيه ثم اعتقله ثم أرسل إليه من قتله.

و فيها جرت فتنة عظيمة بين أهل الكرخ و باب البصرة و القلايين فاقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، و احترق جانب كبير من الكرخ، فانتقم المتولي لأهل الكرخ من أهل باب البصرة، فأخذ منهم أموالا كثيرة جناية لهم على ما صنعوا. و فيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس.

و فيها ملك صاحب سمرقند و هو محمد التكين مدينة ترمذ. و فيها حج بالناس أبو الغنائم العلويّ.

107

و فيها توفى من الأعيان.

السلطان ألب أرسلان‏

الملقب بسلطان العالم، ابن داود جغري بك، بن ميكائيل بن سلجوق التركي، صاحب الممالك المتسعة، ملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين و ستة أشهر و أياما، و كان عادلا يسير في الناس سيرة حسنة، كريما رحيما، شفوقا على الرعية، رفيقا على الفقراء، بارا بأهله و أصحابه و مماليكه، كثير الدعاء بدوام النعم به عليه، كثير الصدقات، يتفقد الفقراء، في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، و لا يعرف في زمانه جناية و لا مصادرة، بل كان يقنع من الرعية بالخراج في قسطين، رفقا بهم. كتب إليه بعض السعاة في نظام الملك وزيره و ذكر ماله في ممالكه فاستدعاه فقال له: خذ إن كان هذا صحيحا فهذب أخلاقك و أصلح أحوالك، و إن كذبوا فاغفر له زلته، و كان شديد الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغه أن غلاما من غلمانه أخذ إزارا لبعض أصحابه فصلبه فارتدع سائر المماليك به خوفا من سطوته، و ترك من الأولاد ملك شاه و أياز و نكشر و بورى برس و أرسلان و ارغو و سارة و عائشة و بنتا أخرى، توفى في هذه السنة عن إحدى و أربعين سنة، و دفن عند والده بالري (رحمه اللَّه).

أبو القاسم القشيري‏

صاحب الرسالة، عبد الكريم بن هوازن بن عبد المطلب بن طلحة، أبو القاسم القشيري، و أمه من بنى سليم، توفى أبوه و هو طفل فقرأ الأدب و العربية، و صحب الشيخ أبا على الدقاق، و أخذ الفقه عن أبى بكر بن محمد الطوسي، و أخذ الكلام عن أبى بكر بن فورك و صنف الكثير، و له التفسير و الرسالة التي ترجم فيها جماعة من المشايخ الصالحين، و حج صحبة إمام الحرمين و أبى بكر البيهقي، و كان يعظ الناس، توفى بنيسابور في هذه السنة عن سبعين سنة، و دفن إلى جانب شيخه أبى على الدقاق، و لم يدخل أحد من أهله بيت كتبه إلا بعد سنين، احتراما له، و كان له فرس يركبها قد أهديت له، فلما توفى لم تأكل علفا حتى نفقت بعده بيسير فماتت، ذكره ابن الجوزي، و قد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا، و ذكر شيئا من شعره من ذلك قوله:

سقى اللَّه وقتا كنت أخلو بوجهكم* * * و ثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك‏

أقمنا زمانا و العيون قريرة* * * و أصبحت يوما و الجفون سوافك‏

و قوله‏

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا* * * و شهدت حين فراقنا التوديعا

أيقنت أن من الدموع محدثا* * * و علمت أن من الحديث دموعا

و قوله‏

و من كان في طول الهوى ذاق سلوة* * * فانى من ليلى لها غير ذائق‏

و أكثر شي‏ء نلته من وصالها* * * أمانى لم تصدق كخطفة بارق‏

108

ابن صرّبعر

الشاعر اسمه على بن الحسين بن على بن الفضل، أبو منصور الكاتب المعروف بابن صرّبعر و كان نظام الملك يقول له أنت صرّدر لا صرّبعر، و قد هجاه بعضهم فقال:

لئن لقب الناس قدما أباك* * * و سموه من شحه صربعرا

فإنك تنثر ما صره* * * عقوقا له و تسميه شعرا

قال ابن الجوزي: و هذا ظلم فاحش فان شعره في غاية الحسن، ثم أورد له أبياتا حسانا فمن ذلك:

إيه أحاديث نعمان و ساكنه* * * أن الحديث عن الأحباب أسمار

أفتش الريح عنكم كلما نفحت* * * من نحو أرضكم مسكا و معطار

قال: و قد حفظ القرآن و سمع الحديث من ابن شيران و غيره، و حدث كثيرا، و ركب يوما دابة هو و والدته فسقطا بالشونيزية عنها في بئر فماتا فدفنا ببرر، و ذلك في صفر من هذه السنة، قال ابن الجوزي: قرأت بخط ابن عقيل صربعر جارنا بالرصافة، و كان ينبذ بالإلحاد، و قد أورد له ابن خلكان شيئا من أشعاره، و أثنى عليه في فنه و اللَّه أعلم بحاله.

محمد بن على‏

ابن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو الحسين، و يعرف بابن العريف، ولد سنة سبعين و ثلاثمائة و سمع الدار قطنى، و هو آخر من حدث عنه في الدنيا، و ابن شاهين و تفرد عنه، و سمع خلقا آخرين، و كان ثقة دينا كثير الصلاة و الصيام، و كان يقال له راهب بنى هاشم، و كان غزير العلم و العقل، كثير التلاوة، رقيق القلب غزير الدمعة، و قد رحل إليه الطلبة من الآفاق، ثم ثقل سمعه، و كان يقرأ على الناس، و ذهبت إحدى عينيه، و خطب و له ست عشرة سنة، و شهد عند الحكام سنة ست و أربعمائة، و ولى الحكم سنة تسع و أربعمائة، و أقام خطيبا بجامع المنصور و جامع الرصافة ستا و سبعين سنة، و حكم ستا و خمسين سنة، و توفى في سلخ ذي القعدة من هذه السنة و قد جاوز تسعين سنة، و كان يوم جنازته يوما مشهودا، و رئيت له منامات صالحة حسنة، (رحمه اللَّه) و سامحه و رحمنا و سامحنا، إنه قريب مجيب، رحيم ودود.

ثم دخلت سنة ست و ستين و أربعمائة

في صفر منها جلس الخليفة جلوسا عاما و على رأسه حفيده الأمير عدة الدين، أبو القاسم عبد اللَّه ابن المهتدي باللَّه، و عمره يومئذ ثماني عشرة سنة، و هو في غاية الحسن، و حضر الأمراء و الكبراء فعقد الخليفة بيده لواء السلطان ملك شاه، كثر الزحام يومها، و هنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة.

109

غرق بغداد

في جمادى الآخرة نزل مطر عظيم و سيل قوى كثير، و سالت دجلة و زادت حتى غرقت جانبا كبيرا من بغداد، حتى خلص ذلك إلى دار الخلافة، فخرج الجواري حاسرات عن وجوههن، حتى صرن إلى الجانب الغربي، و هرب الخليفة من مجلسه فلم يجد طريقا يسلكه، فحمله بعض الخدم إلى التاج، و كان ذلك يوما عظيما، و أمرا هائلا، و هلك للناس أموال كثيرة جدا. و مات تحت الدم خلق كثير من أهل بغداد و الغرباء و جاء على وجه السيل من الأخشاب و الأحطاب و الوحوش و الحيات شي‏ء كثير جدا، و سقطت دور كثيرة في الجانبين، و غرقت قبور كثيرة، من ذلك قبر الخيزران و مقبرة أحمد بن حنبل. و دخل الماء من شبابيك المارستان العضدي و أتلف السيل في الموصل شيئا كثيرا، و صدم سور سنجار فهدمه: و أخذ بابه من موضعه إلى مسيرة أربعة فراسخ.

و في ذي الحجة منها جاءت ريح شديدة في أرض البصرة فانجعف منها نحو من عشرة آلاف نخلة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن الحسن السمناني‏

الحنفي الأشعري. قال ابن الجوزي: و هذا من الغريب، تزوج قاضى القضاة ابن الدامغانيّ ابنته و ولاه نيابة القضاة، و كان ثقة نبيلا من ذوى الهيئات، جاوز الثمانين.

عبد العزيز بن أحمد بن على‏

ابن سليمان، أبو محمد الكناني الحافظ الدمشقيّ، سمع الكثير، و كان يملى من حفظه، و كتب عنه الخطيب حديثا واحدا، و كان معظما ببلده، ثقة نبيلا جليلا.

الماوردية

ذكر ابن الجوزي أنها كانت عجوزا صالحة من أهل البصرة تعظ النساء بها، و كانت تكتب و تقرأ، و مكثت خمسين سنة من عمرها لا تفطر نهارا و لا تنام ليلا، و تقتات بخبز الباقلاء، و تأكل من التين اليابس لا الرطب، و شيئا يسيرا من العنب و الزيت، و ربما أكلت من اللحم اليسير، و حين توفيت تبع أهل البلد جنازتها و دفنت في مقابر الصالحين.

ثم دخلت سنة سبع و ستين و أربعمائة

في صفر منها مرض الخليفة القائم بأمر اللَّه مرضا شديدا انتفخ منه حلقه، و امتنع من الفصد، فلم يزل الوزير فخر الدولة عليه حتى افتصد و انصلح الحال، و كان الناس قد انزعجوا ففرحوا بعافيته و جاء في هذا الشهر سيل عظيم قاسي الناس منه شدة عظيمة، و لم تكن أكثر أبنية بغداد تكاملت من الغرق الأول، فخرج الناس إلى الصحراء فجلسوا على رءوس التلول تحت المطر، و وقع وباء عظيم بالرحبة، فمات من أهلها قريب من عشرة آلاف، و كذلك وقع بواسط و البصرة و خوزستان و أرض خراسان و غيرها و اللَّه أعلم.

110

صفة موت الخليفة القائم بأمر اللَّه‏

لما افتصد في يوم الخميس الثامن و العشرين من رجب من بواسير كانت تعتاده من عام الغرق، ثم نام بعد ذلك فانفجر فصاده، فاستيقظ و قد سقطت قوته، و حصل الإياس منه، فاستدعى بحفيده و ولى عهده عدة الدين أبى القاسم عبد اللَّه بن محمد بن القائم، و أحضر إليه القضاة و الفقهاء و أشهدهم عليه ثانيا بولاية العهد له من بعده، فشهدوا، ثم كانت وفاته ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان عن أربع و تسعين سنة، و ثمانية أشهر، و ثمانية أيام، و كانت مدة خلافته أربعا و أربعين سنة و ثمانية أشهر و خمسة و عشرين يوما، و لم يبلغ أحد من العباسيين قبله هذه المدة، و قد جاوزت خلافة أبيه قبله أربعين سنة، فكان مجموع أيامهما خمسا و ثمانين سنة و أشهرا، و ذلك مقاوم لدولة بنى أمية جميعها، و قد كان القائم بأمر اللَّه جميلا مليحا حسن الوجه، أبيض مشربا بحمرة، فصيحا ورعا زاهدا، أديبا كاتبا بليغا، شاعرا، كما تقدم ذكر شي‏ء من شعره، و هو بحديثة عانة سنة خمسين، و كان عادلا كثير الإحسان إلى الناس (رحمه اللَّه). و غسله الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الحنبلي عن وصية الخليفة بذلك، فلما غسله عرض عليه ما هنالك من الأثاث و الأموال، فلم يقبل منه شيئا، و صلى على الخليفة في صبيحة يوم الخميس المذكور، و دفن عند أجداده، ثم نقل إلى الرصافة، فقبره يزار إلى الآن و غلقت الأسواق لموته، و علقت المسوح، و ناحت عليه نساء الهاشميين و غيرهم، و جلس الوزير ابن جهير و ابنه للعزاء على الأرض، و خرق الناس ثيابهم، و كان يوما عصيبا، و استمر الحال كذلك ثلاثة أيام، و قد كان من خيار بنى العباس دينا و اعتقادا و دولة، و قد امتحن من بينهم بفتنة البساسيري التي اقتضت إخراجه من داره و مفارقته أهله و أولاده و وطنه، فأقام بحديثة عانة سنة كاملة ثم أعاد اللَّه تعالى عليه نعمته و خلافته. قال الشاعر:

فأصبحوا قد أعاد اللَّه نعمتهم* * * إذ هم قريش و إذ ما مثلهم بشر

و قد تقدم له في ذلك سلف صالح كما قال تعالى‏ (وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ) و قد ذكرنا ملخص ما ذكره المفسرون في سورة ص، و بسطنا الكلام عليه في هذه القصة العباسية و الفتنة البساسيرية في سنة خمسين، و إحدى و خمسين، و أربعمائة.

خلافة المقتدى بأمر اللَّه‏

و هو أبو القاسم عدة الدين عبد اللَّه بن الأمير ذخيرة الدين أبى القاسم محمد بن الخليفة القائم بأمر اللَّه بن القادر العباسي، و أمه أرمنية تسمى أرجوان، و تدعى قرة العين، و قد أدركت خلافة ولدها هذا، و خلافة ولديه من بعده، المستظهر و المسترشد. و قد كان أبوه توفى و هو حمل، فحين ولد ذكرا فرح به جده و المسلمون فرحا شديدا، إذ حفظ اللَّه على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري، لأن‏

111

من عداهم كانوا يتبذلون في الأسواق، و يختلطون مع العوام، و كانت القلوب تنفر من تولية مثل أولئك الخلافة على الناس، و نشأ هذا في حجر جده القائم بأمر اللَّه يربيه بما يليق بأمثاله، و يدربه على أحسن السجايا و للَّه الحمد، و قد كان المقتدى حين ولى الخلافة عمره عشرين سنة، و هو في غاية الجمال خلقا و خلقا، و كانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، و جلس في دار الشجرة، بقميص أبيض، و عمامة بيضاء لطيفة، و طرحة قصب أدريه، و جاء الوزراء و الأمراء و الأشراف و وجوه الناس فبايعوه، فكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الحنبلي، و أنشده قول الشاعر:

إذا سيد منا مضى قام سيد

ثم ارتج عليه فلم يدر ما بعده، فقال الخليفة

قؤول بما قال الكرام فعول‏

و بايعه من شيوخ العلم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، و الشيخ أبو نصر بن الصباغ، الشافعيان، و الشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي، و برز فصلى بالناس العصر ثم بعد ساعة أخرج تابوت جده بسكون و وقار من غير صراخ و لا نوح، فصلى عليه و حمل إلى المقبرة، و قد كان المقتدى شهما شجاعا أيامه كلها مباركة، و الرزق دار و الخلافة معظمة جدا، و تصاغرت الملوك له، و تضاءلوا بين يديه، و خطب له بالحرمين و بيت المقدس و الشام كلها، و استرجع المسلمون الرها و أنطاكية من أيدي العدو، و عمرت بغداد و غيرها من البلاد، و استوزر ابن جهير ثم أبا شجاع، ثم أعاد ابن جهير و قاضيه الدامغانيّ، ثم أبو بكر الشاشي، و هؤلاء من خيار القضاة و الوزراء و للَّه الحمد.

و في شعبان منها أخرج المفسدات من الخواطئ من بغداد، و أمرهن أن ينادين على أنفسهن بالعار و الفضيحة، و خرب الخمارات و دور الزواني و المغاني، و أسكنهن الجانب الغربي مع الذل و الصغار، و خرب أبرجة الحمام، و منع اللعب بها، و أمر الناس باحتراز عوراتهم في الحمامات و منع أصحاب الحمامات أن يصرفوا فضلاتها إلى دجلة، و ألزمهم بحفر آبار لتلك المياه القذرة صيانة لماء الشرب. و في شوال منها وقعت نار في أماكن متعددة في بغداد، حتى في دار الخلافة، فأحرقت شيئا كثيرا من الدور و الدكاكين، و وقع بواسط حريق في تسعة أماكن، و احترق فيها أربعة و ثمانون دارا و ستة خانات، و أشياء كثيرة غير ذلك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.

و فيها عمل الرصد للسلطان ملك شاه اجتمع عليه جماعة من أعيان المنجمين و أنفق عليه أموالا كثيرة، و بقي دائرا حتى مات السلطان فبطل.

و في ذي الحجة منها أعيدت الخطب للمصريين و قطعت خطبة العباسيين، و ذلك لما قوى أمر صاحب مصر بعد ما كان ضعيفا بسبب غلاء بلده، فلما رخصت تراجع الناس إليها، و طاب العيش بها، و قد كانت الخطبة للعباسيين بمكة منذ أربعين سنة و خمسة أشهر، و ستعود كما كانت على ما سيأتي‏

112

بيانه في موضعه، و في هذا الشهر انجفل أهل السواد من شدة الوباء و قلة ماء دجلة و نقصها. و حج بالناس الشريف أبو طالب الحسيني بن محمد الزينبي، و أخذ البيعة للخليفة المقتدى بالحرمين.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الخليفة القائم بأمر اللَّه‏

عبد اللَّه، و قد ذكرنا شيئا من ترجمته عند وفاته.

الداوديّ‏

راوي صحيح البخاري، عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود، أبو الحسن، بن أبى طلحة الداوديّ، ولد سنة أربع و سبعين و ثلاثمائة، سمع الكثير و تفقه على الشيخ أبى حامد الأسفراييني، و أبى بكر القفال، و صحب أبا على الدقاق و أبا عبد الرحمن السلمي، و كتب الكثير و درس و أفتى و صنف، و وعظ الناس. و كانت له يد طولى في النظم و النثر، و كان مع ذلك كثير الذكر، لا يفتر لسانه عن ذكر اللَّه تعالى، دخل يوما عليه الوزير نظام الملك فجلس بين يديه فقال له الشيخ:

إن اللَّه قد سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم. و كانت وفاته بيوشح في هذه السنة و قد جاوز التسعين. و من شعره الجيد القوى قوله:

كان في الاجتماع بالناس نور* * * ذهب النور و ادلهمّ الظلام‏

فسد الناس و الزمان جميعا* * * فعلى الناس و الزمان السلام‏

أبو الحسن على بن الحسن‏

ابن على بن أبى الطيب الباخرزيّ الشاعر المشهور، اشتغل أولا على الشيخ أبى محمد الجويني ثم ترك ذلك و عمد إلى الكتابة و الشعر، ففاق أقرانه، و له ديوان مشهور فمنه:

و إني لأشكو لسع أصداغك التي* * * عقاربها في وجنتيك نجوم‏

و أبكى لدر الثغر منك و لي أب* * * فكيف نديم الضحك و هو يتيم‏

ثم دخلت سنة ثمان و ستين و أربعمائة

قال ابن الجوزي: جاء جراد في شعبان بعدد الرمل و الحصا، فأكل الغلات و آذى الناس، و جاعوا فطحن الخروب بدقيق الدخن فأكلوه، و وقع الوباء، ثم منع اللَّه الجراد من الفساد، و كان يمر و لا يضر، فرخصت الأسعار. قال: و وقع غلاء شديد بدمشق و استمر ثلاث سنين. و فيها ملك نصر ابن محمود بن صالح بن مرداس مدينة منبج، و أجلى عنها الروم و للَّه الحمد و المنة في ذي القعدة منها.

و فيها ملك الاقسيس مدينة دمشق، و انهزم عنها المعلى بن حيدر نائب المستنصر العبيدي إلى مدينة بانياس، و خطب فيها للمقتدى، و قطعت خطبة المصريين عنها إلى الآن و للَّه الحمد و المنة. فاستدعى المستنصر نائبة فحبسه عنده إلى أن مات في السجن.

113

قلت: الاقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي، و يلقب بالملك المعظم، و هو أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين، و أزال الأذان منها بحي على خير العمل، بعد أن كان يؤذن به على منابر دمشق و سائر الشام، مائة و ست سنين، كان على أبواب الجوامع و المساجد مكتوب لعنة الصحابة رضى اللَّه عنهم، فأمر هذا السلطان المؤذنين و الخطباء أن يترضوا عن الصحابة أجمعين، و نشر العدل و أظهر السنة. و هو أول من أسس القلعة بدمشق، و لم يكن فيها قبل ذلك معقل يلتجئ إليه المسلمون من العدو، فبناها في محلتها هذه التي هي فيها اليوم، و كان موضعها بباب البلد يقال له باب الحديد، و هو تجاه دار رضوان منها، و كان ابتداء ذلك في السنة الآتية، و إنما أكملها بعده الملك المظفر تنش بن ألب أرسلان السلجوقي كما سيأتي بيانه. و حج بالناس فيها مقطع الكوفة.

و هو الأمير السكيني جنفل التركي، و يعرف بالطويل، و كان قد شرد خفاجة في البلاد و قهرهم، و لم يصحب معه سوى ستة عشر تركيا، فوصل إلى مكة سالما، و لما نزل ببعض دورها كبسه بعض العبيد.

فقتل منهم مقتلة عظيمة، و هزمهم هزيمة شنيعة، ثم إنه بعد ذلك إنما كان ينزل بالزاهر. قاله ابن الساعي في تاريخه، و أعيدت الخطبة في هذه السنة للعباسيين في ذي الحجة منها، و قطعت خطبة المصريين و للَّه الحمد و المنة.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

محمد بن على‏

ابن أحمد بن عيسى بن موسى، أبو تمام ابن أبى القاسم بن القاضي أبى على الهاشمي، نقيب الهاشميين، و هو ابن عم الشريف أبى جعفر بن أبى موسى الفقيه الحنبلي، روى الحديث و سمع منه أبو بكر بن عبد الباقي، و دفن بباب حرب.

محمد بن القاسم‏

ابن حبيب بن عبدوس، أبو بكر الصفار من أهل نيسابور، سمع الحاكم و أبا عبد الرحمن السلمي و خلقا، و تفقه على الشيخ أبى محمد الجويني، و كان يخلفه في حلقته.

محمد بن محمد بن عبد اللَّه‏

أبو الحسين البيضاوي الشافعيّ، ختن أبى الطيب الطبري على ابنته، سمع الحديث و كان ثقة خيرا، توفى في شعبان منها، و تقدم للصلاة عليه الشيخ أبو نصر بن الصباغ، و حضر جنازته أبو عبد اللَّه الدامغانيّ مأموما، و دفن بداره في قطيعة الكرخ.

محمد بن نصر بن صالح‏

ابن أمير حلب، و كان قد ملكها في سنة تسع و خمسين، و كان من أحسن الناس شكلا و فعلا.

مسعود بن المحسن‏

ابن الحسن بن عبد الرزاق بن جعفر البياضي الشاعر و من شعره:

114

ليس لي صاحب معين سوى الليل* * * إذا طال بالصدود عليا

أنا أشكو بعد الحبيب إليه* * * و هو يشكو بعد الصباح إلينا

و له أيضا

يا من لبست لهجره طول الضنا* * * حتى خفيت إذا عن العواد

و أنست بالسهر الطويل فأنسيت* * * أجفان عيني كيف كان رقادي‏

إن كان يوسف بالجمال مقطع* * * الأيدي فأنت مفتت الأكباد

الواحدي المفسر

على بن حسن بن أحمد بن على بن بويه الواحدي، قال ابن خلكان: و لا أدرى هذه النسبة إلى ما ذا، و هو صاحب التفاسير الثلاثة: البسيط، و الوسيط و الوجيز. قال: و منه أخذ الغزالي أسماء كتبه. قال: و له أسباب النزول، و التحبير في شرح الأسماء الحسنى، و قد شرح ديوان المتنبي، و ليس في شروحه مع كثرتها مثله. قال: و قد رزق السعادة في تصانيفه، و أجمع الناس على حسنها و ذكرها المدرسون في دروسهم، و قد أخذ التفسير عن الثعالبي، و قد مرض مدة، ثم كانت وفاته بنيسابور في جمادى الآخرة منها

ناصر بن محمد

ابن على أبو منصور التركي الصافرى، و هو والد الحافظ محمد بن ناصر، قرأ القرآن، و سمع الكثير، و هو الّذي تولى قراءة التاريخ على الخطيب بجامع المنصور، و كان ظريفا صبيحا، مات شابا دون الثلاثين سنة في ذي القعدة منها، و قد رثاه بعضهم بقصيدة طويلة أوردها كلها في المنتظم ابن الجوزي.

يوسف بن محمد بن الحسن‏

أبو القاسم الهمدانيّ، سمع و جمع و صنف و انتشرت عنه الرواية، توفى في هذه السنة و قد قارب التسعين.

ثم دخلت سنة تسع و ستين و أربعمائة

فيها كان ابتداء عمارة قلعة دمشق، و ذلك أن الملك المعظم أتسز بن أوف الخوارزمي لما انتزع دمشق من أيدي العبيديين في السنة الماضية، شرع في بناء هذا الحصن المنيع بدمشق في هذه السنة و كان في مكان القلعة اليوم أحد أبواب البلد، باب يعرف بباب الحديد، و هو الباب المقابل لدار رضوان منها اليوم، داخل البركة البرانية منها، و قد ارتفع بعض أبرجتها فلم يتكامل حتى انتزع ملك البلد منه الملك المظفر تاج الملوك تنش بن ألب أرسلان السلجوقي، فأكملها و أحسن عمارتها، و ابتنى بها دار رضوان للملك، و استمرت على ذلك البناء في أيام نور الدين محمود بن زنكي، فلما كان الملك صلاح الدين بن يوسف بن أيوب جدد فيها شيئا، و ابتنى له نائبة ابن مقدم فيها دارا هائلة للمملكة، ثم إن الملك العادل أخا صلاح الدين، اقتسم هو و أولاده أبرجتها، فبنى كل ملك منهم برجا منها جدده و علاه و أطده و أكده. ثم جدد الملك الظاهر بيبرس منها البرج الغربي القبلي،

115

ثم ابتنى بعده في دولة الملك الأشرف خليل بن المنصور، نائبة الشجاعي، الطارمة الشمالية و القبة الزرقاء و ما حولها، و في المحرم منها مرض الخليفة مرضا شديدا فأرجف الناس به، فركب حتى رآه الناس جهرة فسكنوا، و في جمادى الآخرة منها زادت دجلة زيادة كثيرة، إحدى و عشرين ذراعا و نصفا، فنقل الناس أموالهم و خيف على دار الخلافة، فنقل تابوت القائم بأمر اللَّه ليلا إلى الترب بالرصافة. و في شوال منها وقعت الفتنة بين الحنابلة و الأشعرية. و ذلك أن ابن القشيري قدم بغداد فجلس يتكلم في النظامية و أخذ يذم الحنابلة و ينسبهم إلى التجسيم، و ساعده أبو سعد الصوفي، و مال معه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، و كتب إلى نظام الملك يشكو إليه الحنابلة و يسأله المعونة عليهم، و ذهب جماعة إلى الشريف أبى جعفر بن أبى موسى شيخ الحنابلة، و هو في مسجده، فدافع عنه آخرون، و اقتتل الناس بسبب ذلك و قتل رجل خياط من سوق التبن، و جرح آخرون، و ثارت الفتنة، و كتب الشيخ أبو إسحاق و أبو بكر الشاشي إلى نظام الملك في كتابه إلى فخر الدولة ينكر ما وقع، و يكره أن ينسب إلى المدرسة التي بناها شي‏ء من ذلك. و عزم الشيخ أبو إسحاق على الرحلة من بغداد غضبا مما وقع من الشر، فأرسل إليه الخليفة يسكنه، ثم جمع بينه و بين الشريف أبى جعفر و أبى سعد الصوفي، و أبى نصر بن القشيري، عند الوزير، فأقبل الوزير على أبى جعفر يعظمه في الفعال و المقال، و قام إليه الشيخ أبو إسحاق فقال: أنا ذلك الّذي كنت تعرفه و أنا شاب، و هذه كتبي في الأصول، ما أقول فيها خلافا للأشعرية، ثم قبّل رأس أبى جعفر، فقال له أبو جعفر:

صدقت، إلا أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان و السلطان و خواجه بزرك- يعنى نظام الملك- و شبعت، أبديت ما كان مختفيا في نفسك. و قام الشيخ أبو سعد الصوفي و قبل رأس الشريف أبى جعفر أيضا و تلطف به، فالتفت إليه مغضبا و قال: أيها الشيخ أما الفقهاء إذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، و أما أنت فصاحب لهو و سماع و تغيير، فمن زاحمك منا على باطلك؟ ثم قال: أيها الوزير أنى تصلح بيننا؟ و كيف يقع بيننا صلح و نحن نوجب ما نعتقده و هم يحرمون و يكفرون؟ و هذا جد الخليفة القائم و القادر قد أظهرا اعتقادهما للناس على رءوس الأشهاد على مذهب أهل السنة و الجماعة و السلف، و نحن على ذلك كما وافق عليه العراقيون و الخراسانيون، و قرئ على الناس في الدواوين كلها، فأرسل الوزير إلى الخليفة يعلمه بما جرى، فجاء الجواب بشكر الجماعة و خصوصا الشريف أبا جعفر، ثم استدعى الخليفة أبا جعفر إلى دار الخلافة للسلام عليه، و التبرك بدعائه. قال ابن الجوزي: و في ذي القعدة منها كثرت الأمراض في الناس ببغداد و واسط و السواد، و ورد الخبر بأن الشام كذلك. و في هذا الشهر أزيلت المنكرات و البغايا ببغداد، و هرب الفساق منها. و فيها ملك حلب نصر بن محمود بن مرداس بعد وفاة أبيه. و فيها تزوج‏

116

الأمير على بن أبى منصور بن قرامز بن علاء الدولة بن كالويه الست أرسلان خاتون بنت داود عم السلطان ألب أرسلان، و كانت زوجة القائم بأمر اللَّه. و فيها حاصر الاقسيس صاحب دمشق مصر و ضيق على صاحبها المستنصر باللَّه، ثم كر راجعا إلى دمشق. و حج بالناس فيها الأمير جنفل التركي [ (1)] مقطع الكوفة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

اسفهدوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلميّ‏

الشاعر، لقي أبا عبد اللَّه بن الحجاج و عبد العزيز بن نباتة و غيرهما من الشعراء، و كان شيعيا فتاب، و قال في قصيدة له في ذلك قوله في اعتقاده:

و إذا سئلت عن اعتقادي قلت ما* * * كانت عليه مذاهب الأبرار

و أقول خير الناس بعد محمد* * * صديقه و أنيسه في الغار

ثم الثلاثة بعده خير الورى* * * أكرم بهم من سادة أطهار

هذا اعتقادي و الّذي أرجو به* * * فوزي و عتقي من عذاب النار

طاهر بن أحمد بن بابشاذ

أبو الحسن البصري النحويّ، سقط من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر فمات من ساعته في رجب من هذه السنة. قال ابن خلكان: كان بمصر إمام عصره في النحو، و له المصنفات المفيدة من ذلك مقدمته و شرحها و شرح الجمل للزجاجى. قال: و كانت وظيفته بمصر أنه لا تكتب الرسائل في ديوان الإنشاء إلا عرضت عليه فيصلح منها ما فيه خلل ثم تنفذ إلى الجهة التي عينت لها، و كان له على ذلك معلوم و راتب جيد. قال فاتفق أنه كان يأكل يوما مع بعض أصحابه طعاما فجاءه قط فرموا له شيئا فأخذه و ذهب سريعا، ثم أقبل فرموا له شيئا أيضا فانطلق به سريعا ثم جاء فرموا له شيئا أيضا فعلموا أنه لا يأكل هذا كله فتتبعوه فإذا هو يذهب به إلى قط آخر أعمى في سطح هناك، فتعجبوا من ذلك، فقال الشيخ: يا سبحان اللَّه هذا حيوان بهيم قد ساق اللَّه إليه رزقه على يد غيره أ فلا يرزقني و أنا عبده و أعبده. ثم ترك ما كان له من الراتب و جمع حواشيه و أقبل على العبادة و الاشتغال و الملازمة في غرفة في جامع عمرو بن العاص، إلى أن مات كما ذكرنا. و قد جمع تعليقه في النحو و كان قريبا من خمسة عشر مجلدا، فأصحابه كابن بري و غيره ينقلون منها و ينتفعون بها، و يسمونها تعليق الغرفة.

عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه‏

ابن عمر بن أحمد بن المجمع بن محمد بن يحيى بن معبد بن هزارمرد، أبو محمد الصريفيني، و يعرف بابن المعلم، أحد مشايخ الحديث المسند بن المشهورين، تفرد فيه عن جماعة من المشايخ لطول‏

____________

[ (1)] يعنى هو نكل. كذا بهامش نسخة الآستانة.

117

عمره، و هو آخر من حدث بالجعديات عن ابن حبانة عن أبى القاسم البغوي عن على بن الجعد، و هو سماعنا، و رحل إليه الناس بسببه، و سمع عليه جماعة من الحفاظ منهم الخطيب، و كان ثقة محمود الطريقة، صافى الطوية، توفى بصريفين في جمادى الأولى عن خمس و ثمانين سنة.

حيان بن خلف‏

ابن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان أبو مروان القرطبي، مولى بنى أمية، صاحب تاريخ المغرب في ستين مجلدا، أثنى عليه الحافظ. أبو على الغساني في فصاحته و صدقه و بلاغته. قال: و سمعته يقول: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة، و التعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة. قال ابن خلكان: توفى في ربيع الأول منها، و رآه بعضهم في المنام فسأله عن حاله فقال غفر لي. و أما التاريخ فندمت عليه، و لكن اللَّه بلطفه أقالنى و عفا عنى.

أبو نصر السجزى الوابلي‏

نسبة إلى قرية من قرى سجستان يقال لها وابل، سمع الكثير و صنف و خرج و أقام بالحرم، و له كتاب الابانة في الأصول، و له في الفروع أيضا. و من الناس من كان يفضله في الحفظ على الصوري‏

محمد بن على بن الحسين‏

أبو عبد اللَّه الأنماطي، المعروف بابن سكينة، ولد سنة تسعين و ثلاثمائة، و كان كثير السماع، و مات عن تسع و سبعين سنة و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

ثم دخلت سنة سبعين و أربعمائة من الهجرة

قال ابن الجوزي: في ربيع الأول منها وقعت صاعقة بمحلة النوبة من الجانب الغربي، على نخلتين في مسجد فأحرقت أعاليهما، و صعد الناس فأطفئوا النار، و نزلوا بالسعف و هو يشتعل نارا.

قال: و ورد كتاب من نظام الملك إلى الشيخ أبى إسحاق الشيرازي في جواب كتابه إليه في شأن الحنابلة، ثم سرده ابن الجوزي و مضمونه: أنه لا يمكن تغيير المذاهب و لا نقل أهلها عنها، و الغالب على تلك الناحية هو مذهب الامام أحمد، و محله معروف عند الأئمة و الناس، و قدره معلوم في السنة.

في كلام طويل. قال: و في شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة و بين فقهاء النظامية، و حمى لكل من الفريقين طائفة من العوام، و قتل بينهم نحو من عشرين قتيلا، و جرح آخرون، ثم سكنت الفتنة. قال: و في تاسع عشر شوال ولد للخليفة المقتدى ولده المستظهر أبو العباس أحمد، و زينت البلاد و جلس الوزير للهناء، ثم في يوم الأحد السادس و العشرين من شوال ولد له ولد آخر و هو أبو محمد هارون. قال: و فيها ولى تاج الدولة أرسلان الشام و حاصر حلب. و حج بالناس جنفل مقطع الكوفة، و ذكر ابن الجوزي أن الوزير ابن جهير كان قد عمل منبرا هائلا لتقام عليه الخطبة بمكة،

118

فحين وصل إليها إذا الخطبة قد أعيدت للمصريين، فكسر ذلك المنبر و أحرق.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب‏

ابن أحمد أبو بكر اليربوعي المقري آخر من حدث عن أبى الحسين بن سمعون و قد كان ثقة متعبدا حسن الطريقة، كتب عنه الخطيب و قال: كان صدوقا. توفى في هذه السنة عن سبع و ثمانين سنة.

أحمد بن محمد

ابن أحمد بن عبد اللَّه أبو الحسن ابن النقور البزاز، أحد المسندين المعمرين تفرد بنسخ كثيرة عن ابن حبان عن البغوي عن أشياخه، كنسخة هدبة و كامل بن طلحة و عمرو بن زرارة و أبى السكن البكري، و كان متكثرا متبحرا و كان يأخذ على إسماع حديث طالوت بن عبادة دينارا، و قد أفتاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجواز أخذ الأجرة على إسماع الحديث، لاشتغاله به عن الكسب. توفى عن تسع و ثمانين سنة.

أحمد بن عبد الملك‏

ابن على بن أحمد، أبو صالح المؤذن النيسابورىّ الحافظ، كتب الكثير و جمع و صنف، كتب عن ألف شيخ، و كان يعظ و يؤذون، مات و قد جاوز الثمانين.

عبد اللَّه بن الحسن بن على‏

أبو القاسم بن أبى محمد الحلالى، آخر من حدث عن أبى حفص الكناني، و قد سمع الكثير، روى عنه الخطيب و وثقه، توفى عن خمس و ثمانين سنة و دفن بباب حرب‏

عبد الرحمن بن مندة

ابن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم أبو القاسم بن أبى عبد اللَّه الامام، سمع أباه و ابن مردويه و خلقا في أقاليم شتى، سافر إليها و جمع شيئا كثيرا، و كان ذا وقار و سمت حسن، و اتباع للسنة و فهم جيد، كثير الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، لا يخاف في اللَّه لومة لائم، و كان مسعد ابن محمد الريحاني يقول: حفظ اللَّه الإسلام به، و بعبد اللَّه الأنصاري الهروي. توفى ابن مندة هذا بأصبهان عن سبع و ثمانين سنة، و حضر جنازته خلق كثير لا يعلمهم إلا اللَّه عز و جل‏

عبد الملك بن محمد

ابن عبد العزيز بن محمد بن المظفر بن على أبو القاسم الهمدانيّ أحد الحفاظ الفقهاء الأولياء، كان يلقب ببجير و قد سمع الكثير، و كان يكثر للطلبة و يقرأ لهم، توفى بالري في المحرم من هذه السنة، و دفن إلى جانب إبراهيم الخواص.

119

الشريف أبو جعفر الحنبلي‏

عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي بن أبى موسى الحنبلي العباسي، كان أحد الفقهاء العلماء العباد الزهاد المشهورين بالديانة و الفضل و العبادة و القيام في اللَّه بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، ولد سنة إحدى عشرة و أربعمائة، و اشتغل على القاضي أبى يعلى بن الفراء، و زكاه شيخه عند ابن الدامغانيّ فقبله، ثم ترك الشهادة بعد ذلك، و كان مشهورا بالصلاح و الديانة، و حين احتضر الخليفة القائم بأمر اللَّه أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر هذا و أوصى له بشي‏ء كثير، و مال جزيل، فلم يقبل من ذلك شيئا، و حين وقعت الفتنة بين الحنابلة و الأشعريّة بسبب ابن القشيري اعتقل هو في دار الخلافة مكرما معظما، يدخل عليه الفقهاء و غيرهم، و يقبلون يده و رأسه، و لم يزل هناك حتى اشتكى فأذن له في المسير إلى أهله فتوفى عندهم ليلة الخميس النصف في صفر منها، و دفن إلى جانب الإمام أحمد، فاتخذت العامة قبره سوقا كل ليلة أربعاء يترددون إليه و يقرءون الختمات عنده حتى جاء الشتاء، و كان جملة ما قرئ عليه و أهدى له عشرة آلاف ختمة و اللَّه أعلم.

محمد بن محمد بن عبد اللَّه‏

أبو الحسن البيضاوي، أحد الفقهاء الشافعيين بربع الكرخ و دفن عند والده.

ثم دخلت سنة إحدى و سبعين و أربعمائة

فيها ملك السلطان الملك المظفر تاج الملوك تنش بن ألب أرسلان السلجوقي دمشق و قتل ملكها أقسيس، و ذلك أن أقسيس بعث إليه يستنجده على المصريين، فلما وصل إليه لم يركب لتلقيه فأمر بقتله فقتل لساعته، و وجد في خزائنه حجر ياقوت أحمر وزنه سبعة عشر مثقالا، و ستين حبة لؤلؤ كل حبة منها أزيد من مثقال، و عشرة آلاف دينار و مائتي سرج ذهب و غير ذلك. و قد كان أقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي، كان يلقب بالمعظم، و كان من خيار الملوك و أجودهم سيرة، و أصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، و أبطل الأذان بحي على خير العمل، و أمر بالترضى عن الصحابة أجمعين. و عمر بدمشق القلعة التي هي معقل الإسلام بالشام المحروس، ف(رحمه اللَّه) و بل بالرحمة ثراه، و جعل جنة الفردوس مأواه. و فيها عزل الوزير ابن جهير بإشارة نظام الملك، بسبب ممالأته على الشافعية، ثم كاتب المقتدى نظام الملك في إعادته فأعيد ولده و أطلق هو. و فيها قدم سعد الدولة جوهرا أميرا إلى بغداد، و ضرب الطبول على بابه في أوقات الصلوات، و أساء الأدب على الخليفة، و ضرب طوالات الخيل على باب الفردوس، فكوتب السلطان بأمره فجاء الكتاب من السلطان بالإنكار عليه. و حج بالناس مقطع الكوفة جنفل التركي أنابه اللَّه.

120

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

سعد بن على‏

ابن محمد بن على بن الحسين أبو القاسم الزنجاني، رحل إلى الآفاق، و سمع الكثير، و كان إماما حافظا متعبدا، ثم انقطع في آخر. عمره بمكة، و كان الناس يتبركون به. قال ابن الجوزي: و يقبلون يده أكثر مما يقبلون الحجر الأسود.

سليم بن الجوزي‏

نسبة إلى قرية من قرى دجيل، كان عابدا زاهدا يقال إنه مكث مدة يتقوت كل يوم بزبيبة، و قد سمع الحديث و قرئ عليه (رحمه اللَّه).

عبد اللَّه بن شمعون‏

أبو أحمد الفقيه المالكي القيرواني، توفى ببغداد و دفن بباب حرب و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

ثم دخلت سنة ثنتين و سبعين و أربعمائة

فيها ملك محمود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة قلاعا كثيرة حصينة من بلاد الهند، ثم عاد إلى بلاده سالما غانما. و فيها ولد الأمير أبو جعفر بن المقتدى باللَّه، و زينت له بغداد و فيها ملك صاحب الموصل الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران العقيلي بعد وفاة أبيه.

و فيها ملك منصور بن مروان بلاد بكر بعد أبيه. و فيها أمر السلطان بتغريق ابن علان اليهودي ضامن البصرة، و أخذ من ذخائره أربعمائة ألف دينار، فضمن خمار تكين البصرة بمائة ألف دينار و مائة فرس في كل سنة. و فيها فتح عبيد اللَّه بن نظام الملك تكريت. و حج بالناس جنفل التركي و قطعت خطبة المصريين بمكة و خطب للمقتدى و للسلطان ملك شاه السلجوقي.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

عبد الملك بن الحسن بن أحمد بن حبرون‏

أبو نصر سمع الكثير و كان زاهدا عابدا، يسرد الصوم، و يختم في كل ليلة ختمة (رحمه اللَّه).

محمد بن محمد بن أحمد

ابن الحسين بن عبد العزيز بن مهران العكبريّ، سمع هلال الحفار، و ابن رزقويه و الحمامي و غيرهم، و كان فاضلا جيد الشعر، فمن شعره قوله:

أطيل فكرى في أي ناس* * * مضوا قدما و فيمن خلفونا

هم الأحياء بعد الموت ذكرا* * * و نحن من الخمول الميتونا

توفى في رمضان منها و له سبعون سنة.

هياج بن عبد اللَّه‏

الخطيب الشامي، سمع الحديث و كان أوحد زمانه زهدا و فقها و اجتهادا في العبادة، أقام بمكة مدة

121

يفتى أهلها و يعتمر في كل يوم ثلاث مرات على قدميه، و لم يلبس نعلا منذ أقام بمكة، و كان يزور قبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مع أهل مكة ماشيا، و كذلك كان يزور قبر ابن عباس بالطائف، و كان لا يدخر شيئا، و لا يلبس إلا قميصا واحدا، ضربه بعض أمراء مكة في بعض فتن الروافض فاشتكى أياما و مات، و قد نيف على الثمانين (رحمه اللَّه)، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة

فيها استولى تكش أخو السلطان ملك شاه على بعض بلاد خراسان. و فيها أذن للوعاظ في الجلوس للوعظ، و كانوا قد منعوا في فتنة ابن القشيري. و فيها قبض على جماعة من الفتيان كانوا قد جعلوا عليهم رئيسا يقال له عبد القادر الهاشمي، و قد كاتبوه من الأقطار، و كان الساعي له رجلا يقال له ابن رسول، و كانوا يجتمعون عند جامع براثا، فخيف من أمرهم أن يكونوا ممالئين للمصريين، فأمر بالقبض عليهم. و حج بالناس جنفل.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن عمر

ابن محمد بن إسماعيل، أبو عبد اللَّه بن الأخضر المحدث، سمع على بن شاذان، و كان على مذهب الظاهرية، و كان كثير التلاوة حسن السيرة، متقللا من الدنيا قنوعا، (رحمه اللَّه).

الصليحى‏

المتغلب على اليمن، أبو الحسن على بن محمد بن على الملقب بالصليحى، كان أبوه قاضيا باليمن، و كان سنيا، و نشأ هذا فتعلم العلم و برع في أشياء كثيرة من العلوم، و كان شيعيا على مذهب القرامطة، ثم كان يدل بالحجيج مدة خمس عشرة سنة، و كان اشتهر أمره بين الناس أنه سيملك اليمن، فنجم ببلاد اليمن بعد قتله نجاح صاحب تهامة، و استحوذ على بلاد اليمن بكمالها في أقصر مدة، و استوثق له الملك بها سنة خمس و خمسين، و خطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر، فلما كان في هذا العام خرج إلى الحج في ألفى فارس، فاعترضه سعيد بن نجاح بالموسم، في نفر يسير، فقاتلهم فقتل هو و أخوه و استحوذ سعيد بن نجاح على مملكته و حواصله، و من شعر الصليحى هذا قوله:

أنكحت بيض الهند سمر رماحهم* * * فرءوسهم عرض النثار نثار

و كذا العلا لا يستباح نكاحها* * * إلا بحيث تطلق الأعمار

محمد بن الحسين‏

ابن عبد اللَّه بن أحمد بن يوسف بن الشبلي، أبو على الشاعر البغدادي، أسند الحديث، و له الشعر الرائق فمنه قوله:

لا تظهرن لعاذل أو عاذر* * * حاليك في السراء و الضراء

فلرحمة المتوجعين مرارة* * * في القلب مثل شماتة الأعداء

122

و له أيضا

يفنى البخيل بجمع المال مدته* * * و للحوادث و الوراث ما يدع‏

كدودة القز ما تبنيه يخنقها* * * و غيرها بالذي تبنيه ينتفع‏

يوسف بن الحسن‏

ابن محمد بن الحسن، أبو القاسم العسكري، من أهل خراسان من مدينة زنجان، ولد سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة، و تفقه على أبى إسحاق الشيرازي، و كان من أكبر تلاميذه، و كان عابدا ورعا خاشعا، كثير البكاء عند الذكر، مقبلا على العبادة، مات و قد قارب الثمانين.

ثم دخلت سنة أربع و سبعين و أربعمائة

فيها ولى أبو كامل منصور بن نور الدولة دبيس ما كان يليه أبوه من الأعمال، و خلع عليه السلطان و الخليفة. و فيها ملك شرف الدولة مسلم بن قريش حران، و صالح صاحب الرهاء. و فيها فتح تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق مدينة انطرطوس. و فيها أرسل الخليفة ابن جهير إلى السلطان ملك شاه يتزوج ابنته فأجابت أمها بذلك، بشرط أن لا يكون له زوجة و لا سرية سواها، و أن يكون سبعة أيام عندها، فوقع الشرط على ذلك.

و فيها توفى من الأعيان.

داود بن السلطان بن ملك شاه‏

فوجد عليه أبوه وجدا كثيرا، بحيث إنه كاد أو همّ أن يقتل نفسه، فمنعه الأمراء من ذلك، و انتقل عن ذلك البلد و أمر النساء بالنوح عليه. و لما وصل الخبر لبغداد جلس وزير الخليفة للعزاء.

القاضي أبو الوليد الباجي‏

سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبي الأندلسى الباجي الفقيه المالكي، أحد الحفاظ المكثرين في الفقه و الحديث، سمع الحديث و رحل فيه إلى بلاد المشرق سنة ست و عشرين و أربعمائة، فسمع هناك الكثير، و اجتمع بأئمة ذلك الوقت، كالقاضي أبى الطيب الطبري، و أبى إسحاق الشيرازي، و جاور بمكة ثلاث سنين مع الشيخ أبى ذر الهروي، و أقام ببغداد ثلاث سنين، و بالموصل سنة عند أبى جعفر السمناني قاضيها، فأخذ عنه الفقه و الأصول، و سمع الخطيب البغدادي و سمع منه الخطيب أيضا، و روى عنه هذين البيتين الحسنين.

إذا كنت أعلم علما يقينا* * * بأن جميع حياتي كساعة

فلم لا أكون كضيف بها* * * و أجعلها في صلاح و طاعة

ثم عاد إلى بلده بعد ثلاث عشرة سنة، و تولى القضاء هناك، و يقال إنه تولى قضاء حلب أيضا، قاله ابن خلكان. قال: و له مصنفات عديدة منها المنتقى في شرح الموطأ، و إحكام الفصول في أحكام الأصول، و الجرح و التعديل، و غير ذلك، و كان مولده سنة ثلاث و أربعمائة، و توفى ليلة الخميس بين‏

123

العشاءين التاسع و العشرين من رجب من هذه السنة، (رحمه اللَّه).

أبو الأغر دبيس بن على بن مزيد

المقلب نور الدولة، توفى في هذه السنة عن ثمانين سنة: مكث منها أميرا نيفا و ستين [ (1)] سنة، و قام بالأمر من بعده ولده أبو كامل، و لقب بهاء الدولة.

عبد اللَّه بن أحمد بن رضوان‏

أبو القاسم البغدادي، كان من الرؤساء، و مرض بالشقيقة ثلاث سنين، فمكث في بيت مظلم لا يرى ضوءا و لا يسمع صوتا

ثم دخلت سنة خمس و سبعين و أربعمائة

فيها قدم مؤيد الملك فنزل في مدرسة أبيه، و ضربت الطبول على بابه في أوقات الصلوات الثلاث.

و فيها نفّذ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان ملك شاه و الوزير نظام الملك، و كان أبو إسحاق كلما مر على بلدة خرج أهلها يتلقونه بأولادهم و نسائهم، يتبركون به و يتمسحون بركابه، و ربما أخذوا من تراب حافر بغلته. و لما وصل إلى ساوة خرج إليه أهلها، و ما مر بسوق منها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم، حتى اجتاز بسوق الأساكفة، فلم يكن عندهم إلا مداساة الصغار فنثروها عليه، فجعل يتعجب من ذلك. و فيها جددت الخطبة لبنت السلطان ملك شاه من جهة الخليفة، فطلبت أمها أربعمائة ألف دينار، ثم اتفق الحال على خمسين ألف دينار. و فيها حارب السلطان أخاه تتش فأسره ثم أطلقه، و استقرت يده على دمشق و أعمالها. و حج بالناس جنفل.

و توفى فيها من الأعيان‏

عبد الوهاب بن محمد

ابن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة، أبو عمر الحافظ من بيت الحديث، رحل إلى الآفاق و سمع الكثير، و توفى بأصبهان‏

ابن ماكولا

الأمير أبو نصر على بن الوزير أبى القاسم هبة اللَّه بن على بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبى دلف التميمي، الأمير سعد الملك، أبو نصر ابن ماكولا، أحد أئمة الحديث و سادات الأمراء، رحل و طاف و سمع الكثير، و صنف الإكمال في المشتبه من أسماء الرجال، و هو كتاب جليل لم يسبق إليه، و لا يلحق فيه، إلا ما استدرك عليه ابن نقطة في كتاب سماه الاستدراك. قتله مماليكه في كرمان في هذه السنة، و كان مولده في سنة عشرين و أربعمائة، و عاش خمسا و خمسين سنة قال ابن خلكان: و قيل إنه قتل في سنة تسع و سبعين، و قيل في سنة سبع و ثمانين. قال: و قد كان أبوه وزير القائم بأمر اللَّه، و عمه عبد اللَّه بن الحسين ولى قضاء بغداد. قال: و لم أدر لم سمى الأمير إلا أن يكون منسوبا إلى جده الأمير أبى دلف، و أصله من جرباذقان، و ولد في عكبرا في شعبان سنة

____________

[ (1)] كذا بالأصل و في النجوم الزاهرة أيضا. و في الكامل لابن الأثير أن إمارته كانت سبعا و خمسين سنة.

124

إحدى و عشرين و أربعمائة. قال: و قد كان الخطيب البغدادي صنف كتاب المؤتنف جمع فيه بين كتابي الدار قطنى و عبد الغنى بن سعيد في المؤتلف و المختلف، فجاء ابن ماكولا و زاد على الخطيب و سماه كتاب الإكمال، و هو في غاية الافادة و رفع الالتباس و الضبط. و لم يوضع مثله، و لا يحتاج هذا الأمير بعده إلى فضيلة أخرى، ففيه دلالة على كثرة اطلاعه و ضبطه و تحريره و إتقانه. و من الشعر المنسوب إليه قوله:

قوض خيامك عن أرض تهان بها* * * و جانب الذل إن الذل يجتنب‏

و أرحل إذا كان في الأوطان منقصة* * * فالمندل الرطب في أوطانه حطب‏

ثم دخلت سنة ست و سبعين و أربعمائة

فيها عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخلافة فسار بأهله و أولاده إلى السلطان، و قصدوا نظام الملك وزير السلطان، فعقد لولده فخر الدولة على بلاد ديار بكر، فسار إليها بالخلع و الكوسات و العساكر، و أمر أن ينتزعها من ابن مروان، و أن يخطب لنفسه و أن يذكر اسمه على السكة، فما زال حتى انتزعها من أيديهم، و باد ملكهم على يديه كما سيأتي بيانه، و سد وزارة الخلافة أبو الفتح مظفر ابن رئيس الرؤساء، ثم عزل في شعبان و استوزر أبو شجاع محمد بن الحسين، و لقب ظهير الدين، و في جمادى الآخرة ولى مؤيد الملك أبا سعيد عبد الرحمن ابن المأمون، المتولي تدريس النظامية بعد وفاة الشيخ أبى إسحاق الشيرازي. و فيها عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، فجاء فحاصرها ففتحها و هدم سورها و صلب قاضيها ابن حلبة و ابنيه على السور. و في شوال منها قتل أبو المحاسن بن أبى الرضا، و ذلك لأنه وشى إلى السلطان في نظام الملك، و قال له سلمهم إلى حتى أستخلص لك منهم ألف ألف دينار، فعمل نظام الملك سماطا هائلا، و استحضر غلمانه و كانوا ألوفا من الأتراك، و شرع يقول للسلطان: هذا كله من أموالك، و ما وقفته من المدارس و الربط، و كله شكره لك في الدنيا و أجره لك في الآخرة، و أموالى و جميع ما أملكه بين يديك، و أنا أقنع بمرقعة و زاوية، فعند ذلك أمر السلطان بقتل أبى المحاسن، و قد كان حضيا عنده، و خصيصا به وجيها لديه، و عزل أباه عن كتابة الطغراء و ولاها مؤيد الملك. و حج بالناس الأمير جنفل التركي مقطع الكوفة.

و ممن توفى فيها من الأعيان:

الشيخ أبو إسحاق الشيرازي‏

إبراهيم بن على بن يوسف الفيروزآبادي، و هي قرية من قرى فارس، و قيل هي مدينة خوارزم، شيخ الشافعية، و مدرس النظامية ببغداد، ولد سنة ثلاث و قيل ست و تسعين و ثلاثمائة، و تفقه بفارس على أبى عبد اللَّه البيضاوي، ثم قدم بغداد سنة خمس عشرة و أربعمائة، فتفقه على القاضي أبى الطيب الطبري، و سمع الحديث من ابن شاذان و البرقاني، و كان زاهدا عابدا ورعا، كبير القدر معظما محترما

125

إماما في الفقه و الأصول و الحديث، و فنون كثيرة، و له المصنفات الكثيرة النافعة، كالمهذب في المذهب، و التنبيه، و النكت في الخلاف، و اللمع في أصول الفقه، و التبصرة، و طبقات الشافعية و غير ذلك. قلت: و قد ذكرت ترجمته مستقصاة مطولة في أول شرح التنبيه، توفى ليلة الأحد الحادي و العشرين من جمادى الآخرة في دار أبى المظفر بن رئيس الرؤساء، و غسله أبو ألوفا بن عقيل الحنبلي و صلى عليه بباب الفردوس من دار الخلافة، و شهد الصلاة عليه المقتدى بأمر اللَّه، و تقدم للصلاة عليه أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء، و كان يومئذ لابسا ثياب الوزارة، ثم صلى عليه مرة ثانية بجامع القصر، و دفن بباب أبرز في تربة مجاورة للناحية (رحمه اللَّه تعالى)، و قد امتدحه الشعراء في حياته و بعد وفاته، و له شعر رائق، فمما أنشده ابن خلكان من شعره قوله:

سألت الناس عن خل و في* * * فقالوا ما إلى هذا سبيل‏

تمسك إن ظفرت بذيل حر* * * فان الحر في الدنيا قليل‏

قال ابن خلكان: و لما توفى عمل الفقهاء عزاءه بالنظاميّة، و عين مؤيد الملك أبا سعد المتولي مكانه، فلما بلغ الخبر إلى نظام الملك كتب يقول: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله، و أمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصباغ في مكانه.

طاهر بن الحسين‏

ابن أحمد بن عبد اللَّه القواس، قرأ القرآن و سمع الحديث و تفقه على القاضي أبى الطيب الطبري و أفتى و درس، و كانت له حلقة بجامع المنصور للمناظرة و الفتوى، و كان ورعا زاهدا ملازما لمسجده خمسين سنة، توفى عن ست و ثمانين سنة، و دفن قريبا من الامام أحمد، (رحمه اللَّه) و إيانا.

محمد بن أحمد بن إسماعيل‏

أبو طاهر الأنباري الخطيب، و يعرف بابن أبى الصفر، طاف البلاد و سمع الكثير، و كان ثقة صالحا فاضلا عابدا، و قد سمع منه الخطيب البغدادي، و روى عنه مصنفاته، توفى بالأنبار في جمادى الآخرة عن نحو من مائة سنة، (رحمه اللَّه).

محمد بن أحمد بن الحسين بن جرادة

أحد الرؤساء ببغداد، و هو من ذوى الثروة و المروءة، كان يحزر ماله بثلاثمائة ألف دينار، و كان أصله من عكبرا فسكن بغداد، و كانت له بها دار عظيمة تشتمل على ثلاثين مسكنا مستقلا، و فيها حمام و بستان، و لها بابان، على كل باب مسجد، إذا أذن المؤذن في إحداهما لا يسمع الآخر من اتساعها، و قد كانت زوجة الخليفة القائم حين وقعت فتنة البساسيري في سنة خمسين و أربعمائة، نزلت عنده في جواره، فبعث إلى الأمير قريش بن بدران أمير العرب بعشرة آلاف دينار،

126

ليحمى له داره، و هو الّذي بنى المسجد المعروف به ببغداد، و قد ختم فيه القرآن ألوف من الناس، و كان لا يفارق زي التجار. و كانت وفاته في عاشر ذي القعدة من هذه السنة، و دفن في التربة المجاورة لتربة القزويني، (رحمه اللَّه) و إيانا آمين.

ثم دخلت سنة سبع و سبعين و أربعمائة

فيها كانت الحرب بين فخر الدولة بن جهير وزير الخليفة و بين ابن مروان صاحب ديار بكر، فاستولى ابن جهير على ملك العرب و سبى حريمهم و أخذ البلاد و معه سيف الدولة صدقة بن منصور ابن دبيس بن على بن مزيد الأسدي، فافتدى خلقا من العرب فشكره الناس على ذلك، و امتدحه الشعراء. و فيها بعث السلطان عميد الدولة ابن جهير في عسكر كثيف و معه قسيم الدولة آقسنقر جد بنى أتابك ملوك الشام و الموصل، فسارا إلى الموصل فملكوها. و في شعبان منها ملك سليمان بن قتلمش أنطاكية، فأراد شرف الدولة مسلم بن قريش أن يستنقذها منه، فهزمه سليمان و قتله، و كان مسلم هذا من خيار الملوك سيرة، له في كل قرية وال و قاض و صاحب خبر، و كان يملك من السندية إلى منبج.

و ولى بعده أخوه إبراهيم بن قريش، و كان مسجونا من سنين فأطلق و ملك. و فيها ولد السلطان سنجر بن ملك شاه في العشرين من رجب بسنجار. و فيها عصى تكش أخو السلطان فأخذه السلطان فسمله و سجنه. و حج بالناس في هذه السنة الأمير جماز بكير الحسنانى، و ذلك لشكوى الناس من شدة سير جنفل بهم، و أخذ المكوسات منهم، سافر مرة من الكوفة إلى مكة في سبعة عشر يوما.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن دوبست‏

أبو سعد النيسابورىّ، شيخ الصوفية، له رباط بمدينة نيسابور يدخل من بابه الجمل براكبه، و حج مرات على التجريد على البحرين، حين انقطعت طريق مكة، و كان يأخذ جماعة من الفقراء و يتوصل من قبائل العرب حتى يأتى مكة، توفى في هذه السنة و قد جاوز التسعين، (رحمه اللَّه) و إيانا، و أوصى أن يخلفه ولده إسماعيل فأجلس في مشيخة الرباط.

ابن الصباغ‏

صاحب الشامل، عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، الامام أبو نصر ابن الصباغ، ولد سنة أربعمائة، و تفقه ببغداد على أبى الطيب الطبري حتى فاق الشافعية بالعراق، و صنف المصنفات المفيدة، منها الشامل في المذهب، و هو أول من درس بالنظاميّة، توفى في هذه السنة و دفن بداره في الكرخ، ثم نقل إلى باب حرب (رحمه اللَّه)، قال ابن خلكان: كان فقيه العراقين، و كان يضاهى أبا إسحاق، و كان ابن الصباغ أعلم منه بالمذهب، و إليه الرحلة فيه، و قد صنف الشامل في الفقه و العمدة في أصول الفقه، و تولى تدريس النظامية أولا، ثم عزل بعد عشرين‏

127

يوما بالشيخ أبى إسحاق، فلما مات الشيخ أبو إسحاق تولاها أبو سعد المتولي، ثم عزل ابن الصباغ بابن المتولي، و كان ثقة حجة صالحا، ولد سنة أربعمائة، أضر في آخر عمره، (رحمه اللَّه) و إيانا.

مسعود بن ناصر

ابن عبد اللَّه بن أحمد بن إسماعيل، أبو سعد السجزي الحافظ، رحل في الحديث و سمع الكثير، و جمع الكتب النفيسة، و كان صحيح الخط، صحيح النقل، حافظا ضابطا، (رحمه اللَّه) و إيانا.

ثم دخلت سنة ثمان و سبعين و أربعمائة

في المحرم منها زلزلت أرجان فهلك خلق كثير من الروم و مواشيهم. و فيها كثرت الأمراض بالحمى و الطاعون بالعراق و الحجاز و الشام، و أعقب ذلك موت الفجأة، ثم ماتت الوحوش في البراري ثم تلاها موت البهائم، حتى عزت الألبان و اللحمان، و مع هذا كله وقعت فتنة عظيمة بين الرافضة و السنة فقتل خلق كثير فيها. و في ربيع الأول هاجت ريح سوداء و سفت رملا، و تساقطت أشجار كثيرة من النخل و غيرها، و وقعت صواعق في البلاد حتى ظن بعض الناس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك و للَّه الحمد. و فيها ولد للخليفة ولده أبو عبد اللَّه الحسين، و زينت بغداد و ضربت الطبول و البوقات، و كثرت الصدقات. و فيها استولى فخر الدولة ابن جهير على بلاد كثيرة، منها آمد و ميافارقين، و جزيرة ابن عمر، و انقضت بنو مروان على يده في هذه السنة. و في ثانى عشر رمضان منها ولى أبو بكر محمد بن مظفر الشامي قضاء القضاة ببغداد، بعد وفاة أبى عبد اللَّه الدامغانيّ، و خلع عليه في الديوان. و حج بالناس جنفل، و زار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ذاهبا و آئبا. قال: أظن أنها آخر حجتي. و كان كذلك. و فيها خرج توقيع الخليفة المقتدى بأمر اللَّه بتجديد الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر في كل محلة، و إلزام أهل الذمة بلبس الغيار، و كسر آلات الملاهي، و إراقة الخمور، و إخراج أهل الفساد من البلاد، أثابه اللَّه و رحمه.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن الحسن‏

ابن محمد بن إبراهيم بن أبى أيوب، أبو بكر الفوركى، سبط الأستاذ أبى بكر بن فورك، استوطن بغداد و كان متكلما يعظ الناس في النظامية، فوقعت بسببه فتنة بين أهل المذاهب. قال ابن الجوزي: و كان مؤثرا للدنيا لا يتحاشى من لبس الحرير، و كان يأخذ مكس الفحم و يوقع العداوة بين الحنابلة و الأشاعرة، مات و قد ناف على الستين سنة، و دفن إلى جانب قبر الأشعري بمشرعة الزوايا.

الحسن بن على‏

أبو عبد اللَّه المردوسي، كان رئيس أهل زمانه، و أكملهم مروءة، كان خدم في أيام بنى بويه و تأخر لهذا الحين، و كانت الملوك تعظمه و تكاتبه بعبده و خادمه، و كان كثير الصدقة و الصّلات‏

128

و البر، و بلغ من العمر خمسا و تسعين سنة، و أعد لنفسه قبرا و كفنا قبل موته بخمس سنين.

أبو سعد المتولي‏

عبد الرحمن بن المأمون بن على أبو سعد المتولي: مصنف التتمة، و مدرس الظامية بعد أبى إسحاق الشيرازي، و كان فصيحا بليغا، ماهرا بعلوم كثيرة، كانت وفاته في شوال من هذه السنة و له ستة و خمسون سنة، (رحمه اللَّه) و إيانا، و صلى عليه القاضي أبو بكر الشاشي.

إمام الحرمين‏

عبد الملك بن [الشيخ أبى محمد] عبد اللَّه بن يوسف بن عبد اللَّه بن يوسف بن محمد بن حيويه، أبو المعالي الجويني، و جوين من قرى نيسابور، الملقب بإمام الحرمين، لمجاورته بمكة أربع سنين، كان مولده في تسع عشرة و أربعمائة، سمع الحديث و تفقه على والده الشيخ أبى محمد الجويني، و درس بعده في حلقته، و تفقه على القاضي حسين، و دخل بغداد و تفقه بها، و روى الحديث و خرج إلى مكة فجاور فيها أربع سنين، ثم عاد إلى نيسابور فسلم إليه التدريس و الخطابة و الوعظ، و صنف نهاية المطلب في دراية المذهب، و البرهان في أصول الفقه، و غير ذلك في علوم شتى، و اشتغل عليه الطلبة و رحلوا إليه من الأقطار، و كان يحضر مجلسه ثلاثمائة متفقه، و قد استقصيت ترجمته في الطبقات، و كانت وفاته في الخامس و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، عن سبع و خمسين سنة، و دفن بداره ثم نقل إلى جانب والده. قال ابن خلكان: كانت أمه جارية اشتراها والده من كسب يده من النسخ، و أمرها أن لا تدع أحدا يرضعه غيرها، فاتفق أن امرأة دخلت عليها فأرضعته مرة فأخذه الشيخ أبو محمد فنكسه و وضع يده على بطنه و وضع إصبعه في حلقه و لم يزل به حتى قاء ما في بطنه من لبن تلك المرأة. قال: و كان إمام الحرمين ربما حصل له في مجلسه في المناظرة فتور و وقفة فيقول: هذا من آثار تلك الرضعة. قال: و لما عاد من الحجاز إلى بلده نيسابور سلم إليه المحراب و الخطابة و التدريس و مجلس التذكير يوم الجمعة، و بقي ثلاثين سنة غير مزاحم و لا مدافع، و صنف في كل فن، و له النهاية التي ما صنف في الإسلام مثلها. قال الحافظ أبو جعفر: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق و المغرب، أنت اليوم إمام الأئمة. و من تصانيفه الشامل في أصول الدين، و البرهان في أصول الفقه، و تلخيص التقريب، و الإرشاد، و العقيدة النظامية، و غياث الأمم [ (1)] و غير ذلك مما سماه و لم يتمه. و صلى عليه ولده أبو القاسم و غلقت الأسواق و كسر تلاميذه أقلامهم- و كانوا أربعمائة- و محابرهم، و مكثوا كذلك سنة، و قد رثى بمراثي كثيرة فمن ذلك قول بعضهم:

____________

[ (1)] عدّ ابن خلكان من تصانيف إمام الحرمين «مغيث الخلق في اختيار الحق» و لكن لو كان هذا الكتاب من مؤلفاته لذكره ابن كثير و هو متأخر عن ابن خلكان. فهذا الكتاب مدسوس على إمام الحرمين‏

129

قلوب العالمين على المقالي* * * و أيام الورى شبه الليالي‏

أ يثمر غصن أهل العلم يوما* * * و قد مات الامام أبو المعالي‏

محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد

أبو على بن الوليد، شيخ المعتزلة، كان مدرسا لهم فأنكر أهل السنة عليه، فلزم بيته خمسين سنة إلى أن توفى في ذي الحجة منها، و دفن في مقبرة الشونيزى، و هذا هو الّذي تناظر هو و الشيخ أبو يوسف القزويني المعتزلي المفسر في إباحة الولدان في الجنة، و أنه يباح لأهل الجنة وطء الولدان في أدبارهم، كما حكى ذلك ابن عقيل عنهما، و كان حاضرهما، فمال هذا إلى إباحة ذلك، لأنه مأمون المفسدة هنالك، و قال أبو يوسف: إن هذا لا يكون لا في الدنيا و لا في الآخرة، و من أين لك أن يكون لهم أدبار؟ و هذا العضو- و هو الدبر- إنما خلق في الدنيا لحاجة العباد إليه، لأنه مخرج للأذى عنهم، و ليس في الجنة شي‏ء من ذلك، و إنما فضلات أكلهم عرق يفيض من جلودهم، فإذا هم ضمر فلا يحتاجون إلى أن يكون لهم أدبار، و لا يكون لهذه المسألة صورة بالكلية. و قد

روى هذا الرجل حديثا واحدا عن شيخه أبى الحسين البصري بسنده المتقدم، من طريق شعبة عن منصور عن ربعي عن أبى مسعود البدري أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»

و قد رواه القعنبي عن شعبة

،

و لم يرو عنه سواه، فقيل: إنه لما رحل إليه دخل عليه و هو يبول في البالوعة فسأله أن يحدثه فامتنع، فروى له هذا الحديث كالواعظ له به، و التزم أن لا يحدثه بغيره، و قيل:

لان شعبة مر على القعنبي قبل أن يشتغل بعلم الحديث- و كان إذا ذاك يعاني الشراب- فسأله أن يحدثه فامتنع، فسل سكينا و قال: إن لم تحدثني و إلا قتلتك، فروى له هذا الحديث، فتاب و أناب، و لزم مالكا، ثم فاته السماع من شعبة فلم يتفق له عنه غير هذا الحديث فاللَّه أعلم.

أبو عبد اللَّه الدامغانيّ القاضي‏

محمد بن على بن الحسين بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمويه الدامغانيّ، قاضى القضاة ببغداد، مولده في سنة ثمان عشرة و أربعمائة، فتفقه بها على أبى عبد اللَّه الصيمري، و أبى الحسن القدوري، و سمع الحديث منهما و من ابن النقور و الخطيب و غيرهم، و برع في الفقه، و كان له عقل وافر، و تواضع زائد، و انتهت إليه رياسة الفقهاء، و كان فصيحا كثير العبادة، و قد كان فقيرا في ابتداء طلبه، عليه أطمار رثة، ثم صارت إليه الرئاسة و القضاء بعد ابن ماكولا، في سنة تسع و أربعين و كان القائم بأمر اللَّه يكرمه، و السلطان طغرلبك يعظمه، و باشر الحكم ثلاثين سنة في أحسن سيرة، و غاية الأمانة و الديانة، مرض أياما يسيرة ثم توفى في الرابع و العشرين من رجب من هذه السنة، و قد ناهز الثمانين، و دفن بداره بدرب العلابين، ثم نقل إلى مشهد أبى حنيفة (رحمه اللَّه).

130

محمد بن على بن المطلب‏

أبو سعد الأديب، كان قد قرأ النحو و الأدب و اللغة و السير و أخبار الناس، ثم أقلع عن ذلك كله، و أقبل على كثرة الصلاة و الصدقة و الصوم، إلى أن توفى في هذه السنة عن ست و ثمانين سنة، (رحمه اللَّه).

محمد بن طاهر العباسي‏

و يعرف بابن الرجيحى، تفقه على ابن الصباغ، و ناب في الحكم، و كان محمود الطريقة، و شهد عند ابن الدامغانيّ فقبله.

منصور بن دبيس‏

ابن على بن مزيد، أبو كامل الأمير بعد سيف الدولة، كان كثير الصلاة و الصدقة، توفى في رجب من هذه السنة، و قد كان له شعر و أدب، و فيه فضل، فمن شعره قوله:

فان أنا لم أحمل عظيما و لم أقد* * * لهاما و لم أصبر على كل معظم‏

و لم أحجز الجاني و أمنع جوره* * * غداة أنادى للفخار و أنتمي‏

فلا نهضت لي همة عربية* * * إلى المجد ترقى بى ذرى كل محرم‏

هبة اللَّه بن أحمد بن السيبي‏

[قاضى الحريم بنهر معلى، و] مؤدب الخليفة المقتدى بأمر اللَّه، سمع الحديث، و توفى في محرم هذه السنة، و قد جاوز الثمانين، و له شعر جيد، فمنه قوله:

رجوت الثمانين من خالقي* * * لما جاء فيها عن المصطفى‏

فبلغنيها فشكرا له* * * و زاد ثلاثا بها إذ وفى‏

و إني منتظر وعده* * * لينجزه لي فعل أهل ألوفا

ثم دخلت سنة تسع و سبعين و أربعمائة

و فيها كانت الوقعة بين تتش صاحب دمشق و بين سليمان بن قتلمش صاحب حلب و أنطاكية و تلك الناحية، فانهزم أصحاب سليمان و قتل هو نفسه بخنجر كانت معه، فسار السلطان ملك شاه من أصبهان إلى حلب فملكها، و ملك ما بين ذلك من البلاد التي مر بها، مثل حران و الرها و قلعة جعبر، و كان جعبر شيخا كبيرا قد عمى، و له ولدان، و كان قطاع الطريق يلجئون إليها فيتحصنون بها، فراسل السلطان سابق بن جعبر في تسليمها فامتنع عليه، فنصب عليها المناجيق و الغرادات ففتحها و أمر بقتل سابق، فقالت زوجته: لا تقتله حتى تقتلني معه، فألقاه من رأسها فتكسر، ثم أمر بتوسيطهم بعد ذلك فألقت المرأة نفسها وراءه فسلمت، فلامها بعض الناس فقالت: كرهت أن يصل إلى التركي فيبقى ذلك عارا على، فاستحسن منها ذلك، و استناب السلطان على حلب قسيم الدولة آقسنقر التركي و هو جد نور الدين الشهيد، و استناب على الرحبة و حران و الرقة و سروج و الخابور:

131

محمد بن شرف الدولة مسلم و زوجه بأخته زليخا خاتون، و عزل فخر الدولة بن جهير عن ديار بكر، و سلمها إلى العميد أبى على البلخي، و خلع على سيف الدولة صدقة بن دبيس الأسدي، و أقره على عمل أبيه، و دخل بغداد في ذي القعدة من هذه السنة، و هي أول دخلة دخلها، فزار المشاهد و القبور و دخل على الخليفة فقبل يده و وضعها على عينيه، و خلع عليه الخليفة خلعا سنية، و فوض إليه أمور الناس، و استعرض الخليفة أمراءه و نظام الملك واقف بين يديه، يعرفه بالأمراء واحدا بعد واحد، باسمه و كم جيشه و أقطاعه، ثم أفاض عليه الخليفة خلعا سنية، و خرج من بين يديه فنزل بمدرسة النظامية، و لم يكن رآها قبل ذلك، فاستحسنها إلا أنه استصغرها، و استحسن أهلها و من بها و حمد اللَّه و سأل اللَّه أن يجعل ذلك خالصا لوجه الكريم، و نزل بخزانة كتبها و أملى جزأ من مسموعاته، فسمعه المحدثون منه، و ورد الشيخ أبو القاسم على بن الحسين الحسنى الدبوسي إلى بغداد في تجمل عظيم، فرتبه مدرسا بالنظاميّة بعد أبى سعد المتولي.

و في ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر و أذن فيها، و في هذه السنة كانت زلازل هائلة بالعراق و الجزيرة و الشام، فهدمت شيئا كثيرا من العمران، و خرج أكثر الناس إلى الصحراء ثم عادوا. و حج بالناس الأمير خمارتكين الحسنانى، و قطعت خطبة المصريين من مكة و المدينة، و قلعت الصفائح التي على باب الكعبة التي عليها ذكر الخليفة المصري، و جدد غيرها عليها. و كتب عليها اسم المقتدى. قال ابن الجوزي: و ظهر رجل بين السندية و واسط يقطع الطريق و هو مقطوع اليد اليسرى، يفتح القفل في أسرع مدة، و يغوص دجلة في غوصتين، و يقفز القفزة خمسة و عشرين ذراعا، و يتساق الحيطان الملس، و لا يقدر عليه أحد، و خرج من العراق سالما. قال: و فيها توفى فقير في جامع المنصور فوجد في مرقعته ستمائة دينار مغربية، أي صحاحا كبارا، من أحسن الذهب.

قال و فيها عمل سيف الدولة صدقة سماطا للسلطان جلال الدولة أبى الفتح ملك شاه، اشتمل على ألف رأس من الغنم، و مائة جمل و غيرها، و دخله عشرون ألف منّ من السكر، و جعل عليه من أصناف الطيور و الوحوش، ثم أردفه من السكر شي‏ء كثير، فتناول السلطان بيده منه شيئا يسيرا، ثم أشار فانتهب عن آخره، ثم انتقل من ذلك المكان إلى سرادق عظيم لم ير مثله من الحرير، و فيه خمسمائة قطعة من الفضة، و ألوان من تماثيل الند و المسك و العنبر و غير ذلك، فمد فيه سماطا خاصا فأكل السلطان حينئذ، و حمل إليه عشرين ألف دينار، و قدم إليه ذلك السرادق بما فيه بكماله، و انصرف و اللَّه أعلم.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الأمير جعفر بن سابق القشيري‏

الملقب بسابق الدين، كان قد تملك قلعة جعبر مدة طويلة فنسبت إليه، و إنما كان يقال لها

132

قبل ذلك الدوشرية، نسبة إلى غلام النعمان بن المنذر، ثم إن هذا الأمير كبر و عمى، و كان له ولدان يقطعان الطريق، فاجتاز به السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي و هو ذاهب إلى حلب فأخذ القلعة و قتله كما تقدم.

الأمير جنفل قتلغ‏

أمير الحاج، كان مقطعا للكوفة و له وقعات مع العرب أعربت عن شجاعته، و أرعبت قلوبهم و شتتهم في البلاد شذر مذر، و قد كان حسن السيرة محافظا على الصلوات، كثير التلاوة، و له آثار حسنة بطريق بمكة، في إصلاح المصانع و الأماكن التي تحتاج إليها الحجاج و غيرهم، و له مدرسة على الحنفية بمشهد يونس بالكوفة، و بنى مسجدا بالجانب الغربي من بغداد على دجلة، بمشرعة الكرخ.

توفى في جمادى الأولى منها (رحمه اللَّه)، و لما بلغ نظام الملك وفاته قال: مات ألف رجل، و اللَّه أعلم.

على بن فضال المشاجعي‏

أبو على النحويّ المغربي، له المصنفات الدالة على علمه و غزارة فهمه، و أسند الحديث. توفى في ربيع الأول منها و دفن بباب أبرز.

على بن أحمد التستري‏

كان مقدم أهل البصرة في المال و الجاه، و له مراكب تعمل في البحر، قرأ القرآن و سمع الحديث و تفرد برواية سنن أبى داود. توفى في رجب منها.

يحيى بن إسماعيل الحسيني‏

كان فقيها على مذهب زيد بن على بن الحسين، و عنده معرفة بالأصول و الحديث.

ثم دخلت سنة ثمانين و أربعمائة

في المحرم منها نقل جهاز ابنة السلطان ملك شاه إلى دار الخلافة على مائة و ثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي، غالبها أواني الذهب و الفضة، و على أربع و سبعين بغلة مجللة بأنواع الديباج الملكي و أجراسها و قلائدها من الذهب و الفضة، و كان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من الفضة، فيها أنواع الجواهر و الحلي، و بين يدي البغال ثلاث و ثلاثون فرسا عليها مراكب الذهب، مرصعة بالجواهر، و مهد عظيم مجلل بالديباج الملكي عليه صفائح الذهب مرصع بالجوهر، و بعث الخليفة لتلقيهم الوزير أبا شجاع، و بين يديه نحو من ثلاثمائة موكبية غير المشاعل لخدمة الست خاتون امرأة السلطان تركان خاتون، حماة الخليفة، و سألها أن تحمل الوديعة الشريفة إلى دار الخلافة، فأجابت إلى ذلك، فحضر الوزير نظام الملك و أعيان الأمراء و بين أيديهم من الشموع و المشاعل ما لا يحصى، و جاءت نساء الأميرات كل واحدة منهن في جماعتها و جواريها، و بين أيديهن الشموع و المشاعل، ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان زوجة الخليفة بعد الجميع، في محفة مجللة، و عليها من الذهب و الجواهر مالا

133

تحصى قيمته، و قد أحاط بالمحفة مائتا جارية تركية، بالمراكب المزينة العجيبة مما يبهرن الأبصار، فدخلت دار الخلافة على هذه الصفة، و قد زين الحريم الطاهر و أشعلت فيه الشموع، و كانت ليلة مشهودة للخليفة، هائلة جدا، فلما كان من الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان و مد سماطا لم ير مثله، عم الحاضرين و الغائبين، و خلع على الخاتون زوجة السلطان أم العروس، و كان أيضا يوما مشهودا، و كان السلطان متغيبا في الصيد، ثم قدم بعد أيام، و كان الدخول بها في أول السنة، ولدت من الخليفة في ذي القعدة ولدا ذكرا زينت له بغداد. و فيها ولد للسلطان ملك شاه ولد سماه محمودا، و هو الّذي ملك بعده. و فيها جعل السلطان ولده أبا شجاع أحمد ولى العهد من بعده، و لقبه ملك الملوك، عضد الدولة، و تاج الملة، عدة أمير المؤمنين، و خطب له بذلك على المنابر، و نثر الذهب على الخطباء عند ذكر اسمه. و فيها شرع في بناء التاجية في باب أبرز و عملت بستان و غرست النخيل و الفواكه هنالك و عمل سور بأمر السلطان، و اللَّه أعلم.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

إسماعيل بن إبراهيم‏

ابن موسى بن سعيد، أبو القاسم النيسابورىّ، رحل في الحديث إلى الآفاق حتى جاوز ما وراء النهر، و كان له حظ وافر في الأدب، و معرفة العربية، توفى بنيسابور في جمادى الأولى منها.

طاهر بن الحسين البندنيجي‏

أبو ألوفا الشاعر، له قصيدتان في مدح نظام الملك إحداهما معجمة و الأخرى غير منقوطة، أولها:

لاموا و لو علموا ما اللوم ما لاموا* * * ورد لومهم همّ و آلام‏

توفى ببلده في رمضان عن نيف و سبعين سنة.

محمد بن أمير المؤمنين المقتدى‏

عرض له جدري فمات فيها و له تسع سنين، فحزن عليه والده و الناس، و جلسوا للعزاء، فأرسل إليهم يقول: إن لنا في رسول اللَّه أسوة حسنة، حين توفى ابنه إبراهيم، و قال اللَّه تعالى‏ (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) ثم عزم على الناس فانصرفوا.

محمد بن محمد بن زيد

ابن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، أبو الحسن الحسيني، الملقب بالمرتضى ذي الشرفين، ولد سنة خمس و أربعمائة، و سمع الحديث الكثير، و قرأ بنفسه على الشيوخ، و صحب الحافظ أبا بكر الخطيب، فصارت له معرفة جيدة بالحديث، و سمع عليه الخطيب شيئا من مروياته، ثم انتقل إلى سمرقند و أملى الحديث بأصبهان و غيرها، و كان يرجع إلى عقل كامل، و فضل و مروءة، و كانت له أموال جزيلة، و أملاك متسعة، و نعمة وافرة، يقال إنه ملك‏

134

أربعين قرية، و كان كثير الصدقة و البر و الصلة للعلماء و الفقراء، و بلغت زكاة ماله الصامت عشرة آلاف دينار غير العشور، و كان له بستان ليس لملك مثله، فطلبه منه ملك ما وراء النهر، و اسمه الخضر بن إبراهيم، عارية ليتنزه فيه، فأبى عليه، و قال: أعيره إياه ليشرب فيه الخمر بعد ما كان مأوى أهل العلم و الحديث و الدين؟ فأعرض عنه السلطان و حقد عليه، ثم استدعاه إليه ليستشيره في بعض الأمور على العادة، فلما حصل عنده قبض عليه و سجنه في قلعته، و استحوذ على جميع أملاكه و حواصله و أمواله، و كان يقول: ما تحققت صحة نسبي إلا في هذه المصادرة: فإنّي ربيت في النعيم فكنت أقول: إن مثلي لا بد أن يبتلى، ثم منعوه الطعام و الشراب حتى مات (رحمه اللَّه).

محمد بن هلال بن الحسن‏

أبو الحسن الصابي، الملقب بغرس النعمة، سمع أباه و ابن شاذان، و كانت له صدقة كثيرة، و معروف، و قد ذيل على تاريخ أبيه الّذي ذيله على تاريخ ثابت بن سنان، الّذي ذيله على تاريخ ابن جرير الطبري، و قد أنشأ دارا ببغداد، و وقف فيها أربعة آلاف مجلد، في فنون من العلوم، و ترك حين مات سبعين ألف دينار، و دفن بمشهد على.

هبة اللَّه بن على‏

ابن محمد بن أحمد بن المجلي أبو نصر، جمع خطبا و وعظا، و سمع الحديث على مشايخ عديدة، و توفى شابا قبل أوان الرواية.

أبو بكر بن عمر أمير الملثمين‏

كان في أرض فرغانة، اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك، كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل، كان يعتقد طاعته، و كان مع هذا يقيم الحدود و يحفظ محارم الإسلام، و يحوط الدين و يسير في الناس سيرة شرعية، مع صحة اعتقاده و دينه، و موالاة الدولة العباسية، أصابته نشابة في بعض غزواته في حلقه فقتلته في هذه السنة.

فاطمة بنت على‏

المؤدبة الكاتبة، و تعرف ببنت الأقرع، سمعت الحديث من أبى عمر بن مهدي و غيره، و كانت تكتب المنسوب على طريقة ابن البواب، و يكتب الناس عليها، و بخطها كانت الهدنة من الديوان إلى ملك الروم، و كتبت مرة إلى عميد الملك الكندي رقعة فأعطاها ألف دينار، توفيت في المحرم من هذه السنة ببغداد، و دفنت بباب أبرز.

ثم دخلت سنة إحدى و ثمانين و أربعمائة

فيها كانت فتن عظيمة بين الروافض و السنة ببغداد، و جرت خطوب كثيرة. و في ربيع الأول أخرجت الأتراك من حريم الخلافة، فكان في ذلك قوة للخلافة. و فيها ملك مسعود بن‏

135

الملك المؤيد بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد غزنة بعد أبيه. و فيها فتح ملك شاه مدينة سمرقند. و حج بالناس الأمير خمارتكين.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن السلطان ملك شاه‏

و كان ولى عهد أبيه. توفى و عمره إحدى عشرة سنة، فمكث الناس في العزاء سبعة أيام لم يركب أحد فرسا، و الناس ينحن عليه في الأسواق، و سود أهل البلاد التي لأبيه أبوابهم.

عبد اللَّه بن محمد

ابن على بن محمد، أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، روى الحديث و صنف، و كان كثير السهر بالليل، و كانت وفاته بهراة في ذي الحجة عن ست و ثمانين سنة. و حج بالناس فيها الوزير أبو أحمد، و استناب ولده أبا منصور و نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي.

ثم دخلت سنة ثنتين و ثمانين و أربعمائة

في المحرم درس أبو بكر الشاشي في المدرسة التاجية بباب أبرز، التي أنشأها الصاحب تاج الدين أبو الغنائم على الشافعية. و فيها كانت فتن عظيمة بين الروافض و السنة، و رفعوا المصاحف، و جرت حروب طويلة، و قتل فيها خلق كثير، نقل ابن الجوزي في المنتظم من خط ابن عقيل أنه قتل في هذه السنة قريب من مائتي رجل، قال: و سب أهل الكرخ الصحابة و أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلعنة اللَّه على من فعل ذلك من أهل الكرخ، و إنما حكيت هذا ليعلم ما في طوايا الروافض من الخبث و البغض لدين الإسلام و أهله، و من العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم، للَّه و لرسوله و شريعته. و فيها ملك السلطان ملك شاه ما وراء النهر و طائفة كبيرة من تلك الناحية، بعد حروب عظيمة، و وقعات هائلة. و فيها استولى جيش المصريين على عدة بلاد من بلاد الشام. و فيها عمرت منارة جامع حلب. و فيها أرسلت الخاتون بنت السلطان امرأة الخليفة تشكو إلى أبيها إعراض الخليفة عنها، فبعث إليها أبوها الطواشى صواب و الأمير مران ليرجعاها إليه، فأجاب الخليفة إلى ذلك، و بعث معها بالنقيب و جماعة من أعيان الأمراء، و خرج ابن الخليفة أبو الفضل و الوزير فشيعاها إلى النهروان و ذلك في ربيع الأول، فلما وصلت إلى عند أبيها توفيت في شوال من هذه السنة، بأصبهان، فعمل عزاها ببغداد سبعة أيام، و أرسل الخليفة إلى السلطان أميرين لتعزيته فيها. و حج بالناس خمارتكين.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

عبد الصمد بن أحمد بن على‏

المعروف بطاهر، النيسابورىّ الحافظ، رحل و سمع الكثير، و خرج، و عاجله الموت في هذه السنة بهمذان و هو شاب.

على بن أبى يعلى‏

أبو القاسم الدبوسي، مدرس النظامية بعد المتولي، سمع شيئا من الحديث، و كان فقيها ماهرا،

136

و جدليا باهرا

عاصم بن الحسن‏

ابن محمد بن على بن عاصم بن مهران، أبو الحسين العاصمي، من أهل الكرخ، سكن باب الشعير ولد سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة، و كان من أهل الفضل و الأدب، و سمع الحديث من الخطيب و غيره، و كان ثقة حافظا، و من شعره قوله:

لهفي على قوم بكاظمة* * * و دعتهم و الركب معترض‏

لم تترك العبرات مذ بعدوا* * * لي مقلة ترنو و تغتمض‏

رحلوا فدمعى و أكف هطل* * * جار و قلبي حشوه مرض‏

و تعرضوا لا ذقت فقدهم* * * عنى و ما لي عنهم عوض‏

أقرضتهم قلبي على ثقة* * * منهم فما ردوا الّذي اقترضوا

محمد بن أحمد بن حامد

ابن عبيد، أبو جعفر البخاري المتكلم المعتزلي، أقام ببغداد و تعرف بقاضي حلب، و كان حنفي المذهب في الفروع، معتزليا في الأصول، مات ببغداد في هذه السنة، و دفن بباب حرب.

محمد بن أحمد بن عبد اللَّه‏

ابن محمد بن إسماعيل الأصبهاني، المعروف بمسلرفة، أحد الحفاظ الجوالين الرحالين، سمع الكثير و جمع الكتب، و أقام بهراة، و كان صالحا كثير العبادة، توفى بنيسابور في ذي الحجة من هذه السنة و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث و ثمانين و أربعمائة

في المحرم منها ورد إلى الفقيه أبى عبد اللَّه الطبري منشور نظام الملك بتدريس النظامية، فدرس بها، ثم قدم الفقيه أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي في ربيع الآخر منها بمنشور بتدريسها فاتفق الحال على أن يدرس هذا يوما و هذا يوما، و في جمادى الأولى دهم أهل البصرة رجل يقال له بليا، كان ينظر في النجوم، فاستغوى خلقا من أهلها و زعم أنه المهدي، و أحرق من البصرة شيئا كثيرا، من ذلك دار كتب وقفت على المسلمين لم ير في الإسلام مثلها، و أتلف شيئا كثيرا من الدواليب و المصانع و غير ذلك. و فيها خلع على أبى القاسم طراد الزينبي بنقابة العباسيين بعد أبيه. و فيها استفتى على معلمي الصبيان أن يمنعوا من المساجد صيانة لها، فأفتوا بمنعهم، و لم يستثن منهم سوى رجل كان فقيها شافعيا يدرى كيف تصان المساجد، و استدل المفتى‏

بقوله عليه الصلاة و السلام‏

«سدوا كل خوخة الاخوخة أبى بكر»

و حج بالناس خمارتكين على العادة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الوزير أبو نصر بن جهير

ابن محمد بن محمد بن جهير عميد الدولة أحد مشاهير الوزراء، و زر للقائم، ثم لولده المقتدى، ثم‏

137

عزل ملك شاه السلطان و ولى ولده فخر الدولة ديار بكر و غيرها، مات بالموصل و هي بلده التي ولد بها و فيها كان مقتل صاحب اليمن الصليحى و قد تقدم ذكره.

ثم دخلت سنة أربع و ثمانين و أربعمائة

في المحرم منها كتب المنجم الّذي أحرق البصرة إلى أهل واسط يدعوهم إلى طاعته، و يذكر في كتابه أنه المهدي صاحب الزمان الّذي يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و يهدى الخلق إلى الحق، فان أطعتم أمنتم من العذاب، و إن عدلتم خسف بكم، فآمنوا باللَّه و بالإمام المهدي. و فيها ألزم أهل الذمة بلبس الغيار و بشد الزنار، و كذاك نساؤهم في الحمامات و غيرها. و في جمادى الأولى قدم الشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي من أصبهان إلى بغداد على تدريس النظامية، و لقبه نظام الملك زين الدين شرف الأئمة. قال ابن الجوزي: و كان كلامه مقبولا، و ذكاؤه شديدا. و في رمضان منها عزل الوزير أبو شجاع عن وزارة الخلافة فأنشد عند عزله:

تولاها و ليس له عدو* * * و فارقها و ليس له صديق‏

ثم جاءه كتاب نظام الملك بأن يخرج من بغداد، فخرج منها إلى عدة أماكن، فلم تطب له، فعزم على الحج، ثم طابت نفس النظام عليه فبعث إليه يسأله أن يكون عديله في ذلك، و ناب ابن الموصلايا في الوزارة، و قد كان أسلم قبل هذه المباشرة في أول هذه السنة. و في رمضان منها دخل السلطان ملك شاه بغداد و معه الوزير نظام الملك، و قد خرج لتلقيه قاضى القضاة أبو بكر الشاشي، و ابن الموصلايا المسلماني، و جاءت ملوك الأطراف إليه للسلام عليه، منهم أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، و أتابكه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب. و في ذي القعدة خرج السلطان ملك شاه و ابنه و ابن ابنته من الخليفة في خلق كثير من الكوفة. و فيها استوزر أبو منصور بن جهير و هي النوبة الثانية لوزارته للمقتدى، و خلع عليه، و ركب إليه نظام الملك فهنأه في داره بباب العامة، و في ذي الحجة عمل السلطان الميلاد في دجلة، و أشعلت نيران عظيمة، و أوقدت شموع كثيرة، و جمعت المطربات في السمريات، و كانت ليلة مشهودة عجيبة جدا، و قد نظم فيها الشعراء الشعر، فلما أصبح النهار من هذه الليلة جي‏ء بالخبيث المنجم الّذي حرق البصرة و ادعى أنه المهدي، محمولا على جمل ببغداد و جعل يسب الناس و الناس يلعنونه، و على رأسه طرطورة بودع، و الدرة تأخذه من كل جانب، فطافوا به بغداد ثم صلب بعد ذلك. و فيها أمر السلطان ملك شاه جلال الدولة بعمارة جامعه المنسوب إليه بظاهر السور. و في هذه السنة ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بعد صاحب بلاد المغرب كثيرا من بلاد الأندلس، و أسر صاحبها المعتمد بن عباد و سجنه و أهله، و قد كان المعتمد هذا موصوفا بالكرم و الأدب و الحلم، حسن السيرة و العشرة و الإحسان إلى الرعية، و الرّفق بهم، فحزن الناس‏

138

عليه، و قال في مصابه الشعراء فأكثروا. و فيها ملكت الفرنج مدينة صقلّيّة من بلاد المغرب، و مات ملكهم فقام ولده مقامه فسار في الناس سيرة ملوك المسلمين، حتى كأنه منهم، لما ظهر منه من الإحسان إلى المسلمين. و فيها كانت زلازل كثيرة بالشام و غيرها، فهدمت بنيانا كثيرا، من جملة ذلك تسعون برجا من سور أنطاكية، و هلك تحت الهدم خلق كثير. و حج بالناس خمارتكين.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

عبد الرحمن بن أحمد

أبو طاهر ولد بأصبهان، و تفقه بسمرقند، و هو الّذي كان سبب فتحها على يد السلطان ملك شاه، و كان من رؤساء الشافعية، و قد سمع الحديث الكثير. قال عبد الوهاب بن مندة: لم نر فقيها في وقتنا أنصف منه، و لا أعلم. و كان فصيح اللهجة كثير المروءة غزير النعمة، توفى ببغداد، و مشى الوزراء و الكبراء في جنازته، غير أن النظام ركب و اعتذر بكبر سنه، و دفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، و جاء السلطان إلى التربة. قال ابن عقيل: جلست بكرة العزاء إلى جانب نظام الملك و الملوك قيام بين يديه، اجترأت على ذلك بالعلم. حكاه ابن الجوزي.

محمد بن أحمد بن على‏

أبو نصر المروزي، كان إماما في القراءات، و له فيها المصنفات، و سافر في ذلك كثيرا، و اتفق له أنه غرق في البحر في بعض أسفاره، فبينما الموج يرفعه و يضعه إذ نظر إلى الشمس قد زالت، فنوى الوضوء و انغمس في الماء ثم صعد فإذا خشبة فركبها و صلى عليها، و رزقه اللَّه السلامة ببركة امتثاله للأمر، و اجتهاده على العمل، و عاش بعد ذلك دهرا، و توفى في هذه السنة، و له نيف و تسعون سنة.

محمد بن عبد اللَّه بن الحسن‏

أبو بكر الناصح الفقيه الحنفي المناظر المتكلم المعتزلي، ولى القضاء بنيسابور، ثم عزل لجنونه و كلامه و أخذه الرشا، و ولى قضاء الري، و قد سمع الحديث، و كان من أكابر العلماء. توفى في رجب منها.

أرتق بن ألب التركماني‏

جد الملوك الارتقية الذين هم ملوك ماردين، كان شهما شجاعا عالى الهمة، تغلب على بلاد كثيرة و قد ترجمه ابن خلكان و أرخ وفاته بهذه السنة.

ثم دخلت سنة خمس و ثمانين و أربعمائة

فيها أمر السلطان ملك شاه ببناء سور سوق المدينة المعروفة بطغرلبك، إلى جانب دار الملك، و جدد خاناتها و أسواقها و دورها، و أمر بتجديد الجامع الّذي تم على يد هارون الخادم، في سنة أربع و عشرين و خمسمائة، و وقف على نصب قبلته بنفسه، و منجمه إبراهيم حاضر، و نقلت أخشاب جامع سامرا، و شرع نظام الملك في بناء دار له هائلة، و كذلك تاج الملوك أبو الغنائم، شرع في بناء دار

139

هائلة أيضا، و استوطنوا بغداد. و في جمادى الأولى وقع حريق عظيم ببغداد في أماكن شتى، فما طفئ حتى هلك للناس شي‏ء كثير، فما عمروا بقدر ما حرق و ما غرموا. و في ربيع الأول خرج السلطان إلى أصبهان، و في صحبته ولد الخليفة أبو الفضل جعفر، ثم عاد إلى بغداد في رمضان، فبينما هو في الطريق يوم عاشوراء عدا صبي من الديلم على الوزير نظام الملك، بعد أن أفطر، فضربه بسكين فقضى عليه بعد ساعة، و أخذ الصبى الديلميّ فقتل، و قد كان من كبار الوزراء و خيار الأمراء و سنذكر شيئا من سيرته عند ذكر ترجمته، و قدم السلطان بغداد في رمضان بنية غير صالحة، فلقاه اللَّه في نفسه ما تمناه لأعدائه، و ذلك أنه لما استقر ركابه ببغداد، و جاء الناس للسلام عليه، و التهنئة بقدومه، و أرسل إليه الخليفة يهنئه، فأرسل إلى الخليفة يقول له: لا بد أن تنزل لي عن بغداد، و تتحول إلى أي البلاد شئت. فأرسل إليه الخليفة يستنظره شهرا، فرد عليه: و لا ساعة واحدة، فأرسل إليه يتوسل في إنظاره عشرة أيام، فأجاب إلى ذلك بعد تمنع شديد، فما استتم الأجل حتى خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى الصيد فأصابته حمى شديدة، فافتصد فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام و للَّه الحمد و المنة. فاستحوذت زوجته زبيدة خاتون على الجيش، و ضبطت الأموال و الأحوال جيدا، و أرسلت إلى الخليفة تسأل منه أن يكون ولدها محمود ملكا بعد أبيه، و أن يخطب له على المنابر، فأجابها إلى ذلك، و أرسل إليه بالخلع، و بعث يعزيها و يهنئها مع وزيره عميد الدولة ابن جهير، و كان عمر الملك محمود هذا يومئذ خمس سنين، ثم أخذته والدته في الجيوش و سارت به نحو أصبهان ليتوط له الملك، فدخلوها و تم لهم مرادهم، و خطب لهذا الغلام في البلدان حتى في الحرمين، و استوزر له تاج الملك أبا الغنائم المرزبان بن خسرو، و أرسلت أمه إلى الخليفة تسأله أن تكون ولايات العمال إليه، فامتنع بالخليفة و وافقه الغزالي على ذلك، و أفتى العلماء بجواز ذلك، منهم المتطبب ابن محمد الحنفي، فلم يعمل إلا بقول الغزالي، و انحاز أكثر جيش السلطان إلى ابنه الآخر بركيارق فبايعوه و خطبوا له بالري، و انفردت الخاتون و ولدها و معهم شرذمة قليلة من الجيش و الخاصكية، فأنفقت فيهم ثلاثين ألف ألف دينار لقتال بركيارق بن ملك شاه، فالتقوا في ذي الحجة فكانت الخاتون هي المنهزمة و معها ولدها. و في صحيح البخاري «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». و في ذي القعدة اعترضت بنو خفاجة للحجيج فقاتلهم من في الحجيج من الجند مع الأمير خمارتكين، فهزموهم، و نهبت أموال الأعراب و للَّه الحمد و المنة. و فيها جاء برد شديد عظيم بالبصرة، وزن الواحدة منها خمسة أرطال، إلى ثلاثة عشر رطلا، فأتلفت شيئا كثيرا من النخيل و الأشجار، و جاء ريح عاصف قاصف فألقى عشرات الألوف من النخيل، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ (وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) و فيها ملك تاج الدولة تتش صاحب دمشق مدينة حمص،

140

و قلعة غزنة، و قلعة فاميه، و معه قسيم الدولة آق‏سنقر، و كان السلطان قد جهز سرية إلى اليمن صحبة سعد كوهرائين الدولة و أمير آخر من التركمان، فدخلاها و أساءا فيها السيرة فتوفى سعد كوهرائين يوم دخوله إليها في مدينة عدن و للَّه الحمد و المنة.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

جعفر بن يحيى بن عبد اللَّه‏

أبو الفضل المتممى، المعروف بالحكاك المكيّ، رحل في طلب الحديث إلى الشام و العراق و أصبهان و غير ذلك من البلاد، و سمع الكثير و خرّج الأجزاء، و كان حافظا متقنا، ضابطا أديبا، ثقة صدوقا، و كان يراسل صاحب مكة، و كان من ذوى الهيئات و المروءات، قارب الثمانين، (رحمه اللَّه)!

نظام الملك الوزير

الحسن بن على بن إسحاق، أبو على، وزر للملك ألب أرسلان و ولده ملك شاه تسعا و عشرين سنة، كان من خيار الوزراء، ولد بطوس سنة ثمان و أربعمائة، و كان أبوه من أصحاب محمود بن سبكتكين، و كان من الدهاقين، فأشغل ولده هذا، فقرأ القرآن و له إحدى عشرة سنة، و أشغله بالعلم و القراءات و التفقه على مذهب الشافعيّ، و سماع الحديث و اللغة و النحو، و كان عالى الهمة، فحصل من ذلك طرفا صالحا، ثم ترقى في المراتب حتى وزر للسلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ثم من بعده لملكشاه تسعا و عشرين سنة، لم ينكب في شي‏ء منها، و بنى المدارس النظامية ببغداد و نيسابور و غيرهما، و كان مجلسه عامرا بالفقهاء و العلماء، بحيث يقضى معهم غالب نهاره، فقيل له: إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا و الآخرة، و لو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، و كان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري و أبو المعالي الجويني قام لهما و أجلسهما معه في المقعد، فإذا دخل أبو على الفارندى قام و أجلسه مكانه، و جلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال: إنهما إذا دخلا على قال: أنت و أنت، يطرونى و يعظموني، و يقولوا فىّ ما ليس فىّ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر، و إذا دخل على أبو على الفارندى ذكرني عيوبي و ظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير من الّذي أنا فيه. و كان محافظا على الصلوات في أوقاتها، لا يشغله بعد الأذان شغل عنها و كان يواظب على صيام الاثنين و الخميس، و له الأوقاف الدارّة، و الصدقات البارة و كان يعظم الصوفية تعظيما زائدا، فعوتب في ذلك، فقال: بينما أنا أخدم بعض الملوك جاءني يوما إنسان فقال لي: إلى متى أنت تخدم من تأكله الكلاب غدا؟ اخدم من تنفعك خدمته، و لا تخدم من تأكله الكلاب غدا. فلم أفهم ما يقول، فاتفق أن ذلك الأمير سكر تلك الليلة فخرج في أثناء الليل و هو ثمل، و كانت له كلاب تفترس الغرباء بالليل، فلم تعرفه فمزقته، فأصبح و قد أكلته الكلاب، قال: فأنا أطلب مثل ذلك الشيخ. و قد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد و غيرها،

141

و كان يقول: إني لأعلم بأنى لست أهلا للرواية و لكنى أحب أن أربط في قطار نقلة حديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال أيضا: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له: ويحك خلقك اللَّه و أمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، و أنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة و أنا أسجد له في كل يوم مرات، و أنشأ يقول:

من لم يكن للوصال أهلا* * * فكل إحسانه ذنوب‏

و قد أجلسه المقتدى مرة بين يديه و قال له: يا حسن، رضى اللَّه عنك برضا أمير المؤمنين عنك، و قد ملك ألوفا من الترك، و كان له بنون كثيرة، وزر منهم خمسة، و زر ابنه أحمد للسلطان محمد بن ملك شاه، و لأمير المؤمنين المسترشد باللَّه، و خرج نظام الملك مع السلطان من أصبهان قاصدا بغداد في مستهل رمضان من هذه السنة، فلما كان اليوم العاشر اجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند، و هو يسايره في محفة، فقال:

قد قتل هاهنا خلق من الصحابة زمن عمر، فطوبى لمن يكون عندهم، فاتفق أنه لما أفطر جاءه صبي في هيئة مستغيث به و معه قصة، فلما انتهى إليه ضربه بسكين في فؤاده و هرب، و عثر بطنب الخيمة فأخذ فقتل، و مكث الوزير ساعة، و جاءه السلطان يعوده فمات و هو عنده، و قد اتهم السلطان في أمره أنه هو الّذي مالأ عليه، فلم تطل مدته بعده سوى خمسة و ثلاثين يوما، و كان في ذلك عبرة لأولى الألباب. و كان قد عزم على إخراج الخليفة أيضا من بغداد، فما تم له ما عزم عليه، و لما بلغ أهل بغداد موت النظام حزنوا عليه، و جلس الوزير و الرؤساء للعزاء ثلاثة أيام، و رثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية فقال:

كان الوزير نظام الملك لؤلؤة* * * يتيمة صاغها الرحمن من شرف‏

عزت فلم تعرف الأيام قيمتها* * * فردها غيرة منه إلى الصدف‏

و أثنى عليه غير واحد حتى ابن عقيل و ابن الجوزي و غيرهما (رحمه اللَّه).

عبد الباقي بن محمد بن الحسين‏

ابن داود بن ياقيا، أبو القاسم الشاعر، من أهل الحريم الظاهري، ولد سنة عشر و أربعمائة، و كان ماهرا، و قد رماه بعضهم باعتقاد الأوائل، و أنكر أن يكون في السماء نهر من ماء أو نهر من لبن، أو نهر من خمر، أو نهر من عسل، يعنى في الجنة، و ما سقط من ذلك قطرة إلى الأرض إلا هذا الّذي هو يخرب البيوت و يهدم الحيطان و السقوف، و هذا الكلام كفر من قائله، نقله عنه ابن الجوزي في المنتظم، و حكى بعضهم أنه وجد في كفنه مكتوبا حين مات هذين البيتين.

نزلت بجار لا يخيب ضيفه* * * أرجّى نجاتي من عذاب جهنم‏

و إني على خوفي من اللَّه واثق* * * بانعامه و اللَّه أكرم منعم‏

142

مالك بن أحمد بن على‏

ابن إبراهيم، أبو عبد اللَّه البانياسي الشامي، و قد كان له اسم آخر سمته به أمه «على أبو الحسن» فغلب عليه ما سماه به أبوه، و ما كناه به، سمع الحديث على مشايخ كثيرة، و هو آخر من حدث عن أبى الحسن بن الصلت، هلك في حريق سوق الريحانيين، و له ثمانون سنة، كان ثقة عند المحدثين.

السلطان ملك شاه‏

جلال الدين و الدولة، أبو الفتح ملك شاه، ابن أبى شجاع ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل ابن سلجوق نفاق التركي، ملك بعد أبيه و امتدت مملكته من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن، و راسله الملوك من سائر الأقاليم، حتى ملك الروم و الخزر و اللان، و كانت دولته صارمة، و الطرقات في أيامه آمنة، و كان مع عظمته يقف للمسكين و الضعيف، و المرأة، فيقضى حوائجهم، و قد عمر العمارات الهائلة، و بنى القناطر، و أسقط المكوس و الضرائب، و حفر الأنهار الكبار، و بنى مدرسة أبى حنيفة و السوق، و بنى الجامع الّذي يقال له جامع السلطان ببغداد، و بنى منارة القرون من صيوده بالكوفة، و مثلها فيما وراء النهر، و ضبط ما صاده بنفسه في صيوده فكان ذلك نحوا من عشرة آلاف صيد، فتصدق بعشرة آلاف درهم، و قال: إني خائف من اللَّه تعالى أن أكون أزهقت نفس حيوان لغير مأكله، و قد كانت له أفعال حسنة، و سيرة صالحة، من ذلك أن فلاحا أنهى إليه أن غلمانا له أخذوا له حمل بطيخ، ففتشوا فإذا في خيمة الحاجب بطيخ فحملوه إليه، ثم استدعى بالحاجب فقال: من أين لك هذا البطيخ؟ قال: جاء به الغلمان، فقال: أحضرهم، فذهب و أمرهم بالهرب فأحضره و سلمه للفلاح، و قال: خذ بيده فإنه مملوكي و مملوك أبى، و إياك أن تفارقه، ثم رد على الفلاح الحمل البطيخ، فخرج الفلاح يحمله و بيده الحاجب، فاستنقذ الحاجب نفسه من الفلاح بثلاثمائة دينار.

و لما توجه لقتال أخيه تتش اجتاز بطوس فدخلها لزيارة قبر على بن موسى الرضى، و معه نظام الملك، فلما خرجا قال للنظام: بم دعوت اللَّه؟ قال: دعوت اللَّه أن يظفرك على أخيك. قال: لكنى قلت اللَّهمّ إن كان أخى أصلح للمسلمين فظفره بى، و إن كنت أنا أصلح لهم فظفرني به، و قد سار بعسكره من أصبهان إلى أنطاكية فما عرف أن أحدا من جيشه ظلم أحدا من الرعية، و كانوا مئين ألوف، و استعدى إليه مرة تركمانيّ أن رجلا افتض بكارة ابنته و هو يريد أن يمكنه من قتله، فقال له: يا هذا إن ابنتك لو شاءت ما مكنته من نفسها، فان كنت لا بدّ فاعلا فاقتلها معه، فسكت الرجل، فقال له الملك: أو تفعل خيرا من ذلك؟ قال: و ما هو؟ قال: فان بكارتها قد ذهبت، فزوجها من ذلك الرجل و أنا أمهرها من بيت المال كفايتهما، ففعل. و حكى له بعض الوعاظ أن كسرى اجتاز يوما في بعض أسفاره بقرية و كان منفردا من جيشه، فوقف على باب دار فاستسقى فأخرجت إليه جارية إناء

143

فيه ماء قصب السكر بالثلج، فشرب منه فأعجبه فقال: كيف تصنعون هذا؟ فقالت: إنه سهل علينا اعتصاره على أيدينا، فطلب منها شربة أخرى فذهبت لتأتيه بها فوقع في نفسه أن يأخذ هذا المكان منهم و يعوضهم عنه غيره، فأبطأت عليه ثم خرجت و ليس معها شي‏ء، فقال: ما لك؟

فقالت: كأن نية سلطاننا تغيرت علينا، فتعسر على اعتصاره- و هي لا تعرف أنه السلطان- فقال:

اذهبي فإنك الآن تقدرين عليه، و غير نيته إلى غيرها، فذهبت و جاءته بشربة أخرى سريعا فشربها و انصرف. فقال له السلطان: هذه تصلح لي و لكن قص على الرعية أيضا حكاية كسرى الأخرى حين اجتاز ببستان و قد أصابته صفراء في رأسه و عطش، فطلب من ناطوره عنقودا من حصرم، فقال له الناطور: إن السلطان لم يأخذ حقه منه، فلا أقدر أن أعطيك منه شيئا. قال: فعجب الناس من ذكاء الملك و حسن استحضاره هذه في مقابلة تلك. و استعداه رجلان من الفلاحين على الأمير خمارتكين أنه أخذ منهما مالا جزيلا و كسر ثنيتهما، و قالا: سمعنا بعدلك في العالم، فان أقدتنا منه كما أمرك اللَّه و إلا استعدينا عليك اللَّه يوم القيامة، و أخذا بركابه، فنزل عن فرسه و قال لهما: خذا بكمي و اسحبانى إلى دار نظام الملك، فهابا ذلك، فعزم عليهما أن يفعلا، ففعلا ما أمرهما به، فلما بلغ النظام مجي‏ء السلطان إليه خرج مسرعا فقال له الملك: إني إنما قلدتك الأمر لتنصف المظلوم ممن ظلمه، فكتب من فوره فعزل خمارتكين و حل أقطاعه، و أن يرد إليهما أموالهما، و أن يقلعا ثنيتيه إن قامت عليه البينة و أمر لها الملك من عنده بمائة دينار، و أسقط مرة بعض المكوس، فقال له رجل من المستوفين: يا سلطان العالم، إن هذا الّذي أسقطته يعدل ستمائة ألف دينار و أكثر، فقال: ويحك إن المال مال اللَّه، و العباد عباد اللَّه، و البلاد بلاده، و إنما أردت أن يبقى هذا لي عند اللَّه، و من نازعنى في هذا ضربت عنقه. و غنته امرأة حسناء فطرب و تاقت نفسه إليها، فهم بها فقالت: أيها الملك إني أغار على هذا الوجه الجميل من النار، و بين الحلال و الحرام كلمة واحدة، فاستدعى القاضي فزوجه بها.

و قد ذكر ابن الجوزي عن ابن عقيل أن السلطان ملك شاه كان قد فسدت عقيدته بسبب معاشرته لبعض الباطنية ثم تنصل من ذلك و راجع الحق. و ذكر ابن عقيل أنه كتب له شيئا في إثبات الصانع، و قد ذكرنا أنه لما رجع آخر مرة إلى بغداد فعزم على الخليفة أن يخرج منها، فاستنظره عشرة أيام فمرض السلطان و مات قبل انقضاء العشرة أيام، و كانت وفاته في ليلة الجمعة النصف من شوال عن سبع و ثلاثين سنة و خمسة أشهر، و كان مدة ملكه من ذلك تسع عشرة سنة و أشهرا، و دفن بالشونيزي، و لم يصل عليه أحد لكتمان الأمر، و كان مرضه بالحمى، و قيل إنه سم، و اللَّه أعلم.

144

باني التاجية ببغداد

المرزبان بن خسرو، تاج الملك، الوزير أبو الغنائم باني التاجية، و كان مدرسها أبو بكر الشاشي و بنى تربة الشيخ أبى إسحاق، و قد كان السلطان ملك شاه أراد أن يستوزره بعد نظام الملك فمات سريعا، فاستوزر لولده محمود، فلما قهره أخوه بركيارق قتله غلمان النظام و قطعوه إربا إربا في ذي الحجة من هذه السنة.

هبة اللَّه بن عبد الوارث‏

ابن على بن أحمد نوري، أبو القاسم الشيرازي، أحد الرحالين الجوالين في الآفاق، كان حافظا ثقة دينا ورعا، حسن الاعتقاد و السيرة، له تاريخ حسن، و رحل إليه الطلبة من بغداد و غيرها و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ست و ثمانين و أربعمائة

فيها قدم إلى بغداد رجل يقال له أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي، مرجعه من الحج، فنزل النظامية فوعظ الناس و حضر مجلسه الغزالي مدرس المكان، فازدحم الناس في مجلسه، و كثروا في المجالس بعد ذلك، و ترك كثير من الناس معايشهم، و كان يحضر مجلسه في بعض الأحيان أكثر من ثلاثين ألفا من الرجال و النساء، و تاب كثير من الناس و لزموا المساجد، و أريقت الخمور و كسرت الملاهي، و كان الرجل في نفسه صالحا، له عبادات، و فيه زهد وافر، و له أحوال صالحة، و كان الناس يزدحمون على فضل وضوئه، و ربما أخذوا من البركة التي يتوضأ منها ماء للبركة، و نقل ابن الجوزي أنه اشتهى مرة على بعض أصحابه توتا شاميا و ثلجا فطاف البلد بكماله فلم يجده، فرجع فوجد الشيخ في خلوته فسأل هل جاء اليوم إلى الشيخ أحد؟ فقيل له جاءت امرأة فقالت إني غزلت بيدي غزلا و بعته و أنا أحب أن أشترى للشيخ طرفة فامتنع من ذلك فبكت فرحمها، و قال: اذهبي فاشترى، فقالت ما ذا تشتهي؟ فقال: ما شئت، فذهبت فأتته بتوت شامي و ثلج فأكله. و قال بعضهم: دخلت عليه و هو يشرب مرقا فقلت في نفسي: ليته أعطانى فضله لأشربه لحفظ القرآن فناولني فضله فقال: اشربها على تلك النية، قال: فرزقني اللَّه حفظ القرآن. و كانت له عبادات و مجاهدات، ثم اتفق أنه تكلم في بيع القراضة بالصحيح فمنع من الجلوس و أخرج من البلد.

و فيها خطب تتش بن ألب أرسلان لنفسه بالسلطنة، و طلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق فحصل التوقف عن ذلك بسبب أخيه بركيارق بن ملك شاه، فسار إلى الرحبة و في صحبته و طاعته آق‏سنقر صاحب حلب، و بوران صاحب الرها، ففتح الرحبة، ثم سار إلى الموصل فأخذها من يد صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران، و هزم جيوشه من بنى عقيل، و قتل خلقا من الأمراء صبرا، و كذلك أخذ ديار بكر، و استوزر الكافي بن فخر الدولة بن جهير، و كذلك أخذ همدان و خلاط، و فتح أذربيجان و استفحل أمر، ثم فارقه الأميران آق‏سنقر و بوران فسارا إلى الملك بركيارق و بقي تتش‏

145

وحده، فطمع فيه أخوه بركيارق فرجع تتش فلحقه قسيم الدولة آقسنقر و بوران بباب حلب فكسرهما و أسر بوران و آقسنقر فصلبهما و بعث برأس بوران فطيف به حران و الرها و ملكها من بعده.

و فيها وقعت الفتنة بين الروافض و السنة، و انتشرت بينهم شرور كثيرة، و في ثانى شعبان ولد للخليفة ولده المسترشد باللَّه أبو منصور الفضل بن أبى العباس، أحمد بن المستظهر، ففرح الخليفة به و في ذي القعدة دخل السلطان بركيارق بغداد، و خرج إليه الوزير أبو منصور بن جهير، و هنأه عن الخليفة بالقدوم. و فيها أخذ المستنصر العبيدي مدينة صور من أرض الشام. و لم يحج فيها أحد من أهل العراق.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

جعفر بن المقتدى باللَّه‏

من الخاتون بنت السلطان ملك شاه، في جمادى الأولى، و جلس الوزير للعزاء و الدولة ثلاثة، أيام.

سليمان بن إبراهيم‏

ابن محمد بن سليمان، أبو مسعود الأصبهاني، سمع الكثير و صنف و خرّج على الصحيحين، و كانت له معرفة جيدة بالحديث، سمع ابن مردويه و أبا نعيم و البرقاني، و كتب عن الخطيب و غيره، توفى في ذي القعدة عن تسع و ثمانين سنة.

عبد الواحد بن أحمد بن المحسن‏

الدشكرى، أبو سعد الفقيه الشافعيّ، صحب أبا إسحاق الشيرازي، و روى الحديث، و كان مؤلفا لأهل العلم، و كان يقول: ما مشى قدمي هاتين في لذة قط، توفى في رجب منها و دفن بباب حرب‏

على بن أحمد بن يوسف‏

أبو الحسن الهكارى، قدم بغداد و نزل برباط الدوري، و كانت له أربطة قد أنشأها، سمع الحديث و روى عنه غير واحد من الحفاظ، و كان يقول: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام في الروضة فقلت:

يا رسول اللَّه أوصني، فقال: عليك باعتقاد أحمد بن حنبل، و مذهب الشافعيّ، و إياك و مجالسة أهل البدع. توفى في المحرم منها.

على بن محمد بن محمد

أبو الحسن الخطيب الأنباري، و يعرف بابن الأخضر، سمع أبا محمد الرضى، و هو آخر من حدث عنه، توفى في شوال منها عن خمس و تسعين سنة:

أبو نصر على بن هبة اللَّه المعروف بابن ماكولا

[ولد سنة ثنتين و أربعمائة، و سمع الكثير و كان من الحفاظ، و له كتاب الإكمال في المؤتلف و المختلف، جمع بين كتاب عبد الغنى و كتاب الدار قطنى و غيرهما، و زاد عليهما أشياء كثيرة، بهمة حسنة مفيدة نافعة، و كان نحويا مبرزا، فصيح العبارة حسن الشعر. قال ابن الجوزي: و سمعت‏

146

شيخنا عبد الوهاب يطعن في دينه و يقول: المعلم يحتاج إلى دين. و قتل في خوزستان في هذه السنة أو التي بعدها، و قد جاوز الثمانين. كذا ذكره ابن الجوزي‏] [ (1)].

ثم دخلت سنة سبع و ثمانين و أربعمائة

فيها كانت وفاة الخليفة المقتدى و خلافة ولده المستظهر باللَّه.

صفة موته‏

لما قدم السلطان بركيارق بغداد، سأل من الخليفة أن يكتب له بالسلطنة كتابا فيه العهد إليه فكتب ذلك، و هيئت الخلع و عرضت على الخليفة، و كان الكتاب يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم ثم قدم إليه الطعام فتناول منه على العادة و هو في غاية الصحة، ثم غسل يده و جلس ينظر في العهد بعد ما وقع عليه، و عنده قهرمانة تسمى شمس النهار، قالت: فنظر إلى و قال: من هؤلاء الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر أحدا، و رأيته قد تغيرت حالته و استرخت يداه و رجلاه، و انحلت قواه، و سقط إلى الأرض قالت: فظننت أنه غشي عليه، فحللت أزرار ثيابه فإذا هو لا يجيب داعيا، فأغلقت عليه الباب و خرجت فأعلمت ولى العهد بذلك، و جاء الأمراء و رءوس الدولة يعزونه بأبيه، و يهنئونه بالخلافة، فبايعوه.

ذكر شي‏ء من ترجمة المقتدى بأمر اللَّه‏

هو أمير المؤمنين المقتدى باللَّه، أبو عبد اللَّه بن الذخيرة، الأمير ولى العهد أبى العباس أحمد، ابن أمير المؤمنين القائم بأمر اللَّه، بن القادر باللَّه العباسي، أمه أم ولد اسمها أرجوان أرمنية، أدركت خلافة ولدها و خلافة ولده المستظهر و ولد ولده المسترشد أيضا، و كان المقتدى أبيض حلو الشمائل، عمرت في أيامه محال كثيرة من بغداد، و نفى عن بغداد المغنيات و أرباب الملاهي و المعاصي، و كان غيورا على حريم الناس، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، حسن السيرة، (رحمه اللَّه)، توفى يوم الجمعة رابع عشر المحرم من هذه السنة، و له من العمر ثمان و ثلاثون سنة و ثمان شهور و تسعة أيام، خلافته من ذلك تسع عشرة سنة و ثمان شهور إلا يومين، و أخفى موته ثلاثة أيام حتى توطدت البيعة لابنه المستظهر، ثم صلى عليه و دفن في تربتهم و اللَّه أعلم.

خلافة المستظهر بأمر اللَّه أبى العباس‏

لما توفى أبوه يوم الجمعة أحضروه و له من العمر ست عشرة سنة و شهران، فبويع بالخلافة، و أول من بايعه الوزير أبو منصور ابن جهير، ثم أخذ البيعة له من الملك ركن الدولة بركيارق بن ملك شاه ثم من بقية الأمراء و الرؤساء، و تمت البيعة تؤخذ له إلى ثلاثة أيام، ثم أظهر التابوت يوم‏

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

147

الثلاثاء الثامن عشر من المحرم، و صلى عليه ولده الخليفة، و حضر الناس، و لم يحضر السلطان، و حضر أكثر أمرائه، و حضر الغزالي و الشاشي و ابن عقيل، و بايعوه يوم ذلك، و قد كان المستظهر كريم الأخلاق حافظا للقرآن فصيحا بليغا شاعرا مطيقا، و من لطيف شعره قوله:

أذاب حر الجوى في القلب ما جمدا* * * يوما مددت على رسم الوداع يدا

فكيف أسلك نهج الاصطبار و قد* * * أرى طرائق من يهوى الهوى قددا

قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به* * * من بعد ما قد وفى دهرا بما وعدا

إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي* * * من بعد هذا فلا عاينته أبدا

و فوض المستظهر أمور الخلافة إلى وزيره أبى منصور عميد الدولة بن جهير، فدبرها أحسن تدبير، و مهد الأمور أتم تمهيد، و ساس الرعايا، و كان من خيار الوزراء. و في ثالث عشر شعبان عزل الخليفة أبا بكر الشاشي عن القضاء، و فوضه إلى أبى الحسن ابن الدامغانيّ. و فيها وقعت فتنة بين السنة و الروافض فأحرقت محال كثيرة، و قتل ناس كثير، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و لم يحج أحد لاختلاف السلاطين. و كانت الخطبة للسلطان بركيارق ركن الدولة يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم و هو اليوم الّذي توفى فيه الخليفة المقتدى بعد ما علّم على توقيعه.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

آقسنقر الأتابك‏

الملقب قسيم الدولة السلجوقي، و يعرف بالحاجب، صاحب حلب و ديار بكر و الجزيرة. و هو جد الملك نور الدين الشهيد بن زنكي بن آق‏سنقر، كان أولا من أخص أصحاب السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي، ثم ترقت منزلته عنده حتى أعطاه حلب و أعمالها بإشارة الوزير نظام الملك و كان من أحسن الملوك سيرة و أجودهم سريرة، و كانت الرعية معه في أمن و رخص و عدل، ثم كان موته على يد السلطان تاج الدولة تتش صاحب دمشق، و ذلك أنه استعان به و بصاحب حران و الرها على قتال ابن أخيه بركيارق بن ملك شاه، ففرا عنه و تركاه، فهرب إلى دمشق، فلما تمكن و رجعا قاتلهما بباب حلب فقتلهما و أخذ بلادهما إلا حلب فإنها استقرت لولد آقسنقر زنكي فيما بعد، و ذلك في سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة كما سيأتي بيانه. و ذكر ابن خلكان أنه كان مملوكا للسلطان ملك شاه، هو و بوزان صاحب الرها، فلما ملك تتش حلب استنابه بها فعصى عليه فقصده و كان قد ملك دمشق أيضا فقاتله فقتله في هذه السنة في جمادى الأولى منها، فلما قتل دفنه ولده عماد الدين زنكي، و هو أبو نور الدين، فقبره بحلب أدخله ولده إليها من فوق الصور، فدفنه بها.

أمير الجيوش بدر الجمالي‏

صاحب جيوش مصر و مدبر الممالك الفاطمية، كان عاقلا كريما محبا للعلماء، و لهم عليه رسوم دارة

148

تمكن في أيام المستنصر تمكنا عظيما، و دارت أزمة الأمور على آرائه، و فتح بلادا كثيرة، و امتدت أيامه و بعد صيته و امتدحته الشعراء. ثم كانت وفاته في ذي القعدة منها، و قام بالأمر من بعده ولده الأفضل‏

الخليفة المقتدى‏

و قد تقدم شي‏ء من ترجمته.

الخليفة المستنصر الفاطمي‏

سعد أبو تميم معد بن أبى الحسن على بن الحاكم، استمرت أيامه ستين سنة، و لم يتفق هذا لخليفة قبله و لا بعده، و كان قد عهد بالأمر إلى ولده نزار، فخلعه الأفضل بن بدر الجمالي بعد موت أبيه. و أمر الناس فبايعوا أحمد بن المستنصر أخاه، و لقبه بالمستعلى، فهرب نزار إلى الاسكندرية فجمع الناس عليه فبايعوه، و تولى أمره قاضى الاسكندرية: جلال الدولة بن عمار، فقصده الأفضل فحاصره و قاتلهم نزار و هزمهم الأفضل و أسر القاضي و نزار، فقتل القاضي و حبس نزار بين حيطين حتى مات، و استقرّ المستعلى في الخلافة، و عمره إحدى و عشرون سنة.

محمد بن أبى هاشم‏

أمير مكة، كانت وفاته فيها عن نيف و تسعين سنة.

محمود بن السلطان ملك شاه‏

كانت أمه قد عقدت له الملك، و أنفقت بسببه الأموال، فقاتله بركيارق فكسره، و لزم بلده أصبهان، فمات بها في هذه السنة، و حمل إلى بغداد فدفن بها بالتربة النظامية، كان من أحسن الناس وجها، و أظرفهم شكلا، توفى في شوال منها، و ماتت أمه الخاتون تركيان شاه في رمضان، فانحل نظامه، و كانت قد جمعت عليه العساكر، و أسندت أزمة أمور المملكة إليه، و ملكت عشرة آلاف مملوك تركي، و أنفقت في ذلك قريبا من ثلاثة آلاف ألف دينار، فانحل النظام و لم تحصل على طائل، و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة

فيها قدم يوسف بن أبق التركماني من جهة تتش صاحب دمشق إلى بغداد لأجل إقامة الدعوى له ببغداد، و كان تتش قد توجه لقتال أخيه بناحية الري، فلما دخل رسوله بغداد هابوه و خافوه و استدعاه الخليفة فقربه و قبل الأرض بين يدي الخليفة، و تأهب أهل بغداد له، و خافوا أن ينهبهم، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه رسول أخيه فأخبره أن تتش قتل في أول من قتل في الوقعة، و كانت وفاته في سابع عشر صفر من هذه السنة، فاستفحل أمر بركيارق، و استقل بالأمور. و كان دقاق بن تتش مع أبيه حين قتل، فسار إلى دمشق فملكها، و كان نائب أبيه عليها الأمير ساوتكين،

149

و استوزر أبا القاسم الخوارزمي، و ملك عبد اللَّه بن تتش مدينة حلب، و دبر أمر مملكته جناح الدولة ابن اتكين، و رضوان بن تتش صاحب مدينة حماه، و إليه تنسب بنو رضوان بها. و في يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الأول منها خطب لولى العهد أبى المنصور الفضل بن المستظهر، و لقب بذخيرة الدين. و في ربيع الآخر خرج الوزير ابن جهير فاختط سورا على الحريم، و أذن للعوام في العمل و التفرج فأظهروا منكرات كثيرة، و سخافات عقول ضعيفة، و عملوا أشياء منكرة، فبعث إليه ابن عقيل رقعة فيها كلام غليظ، و إنكار بغيض. و في رمضان خرج السلطان بركيارق فعدا عليه فداوى، فلم يتمكن منه، فمسك فعوقب فأقر على آخرين فلم يقرا فقتل الثلاثة. و جاء الطواشى من جهة الخليفة مهنئا له بالسلامة. و في ذي القعدة منها خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا لتدريس النظامية، زاهدا في الدنيا، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، و ناب عنه أخوه في التدريس ثم حج في السنة التالية ثم رجع إلى بلده، و قد صنف كتاب الإحياء في هذه المدة، و كان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه. و في يوم عرفة خلع على القاضي أبى الفرج عبد الرحمن بن هبة اللَّه بن البستي، و لقب بشرف القضاة، ورد إلى ولاية القضاء بالحريم و غيره. و فيها اصطلح أهل الكرخ من الرافضة و السنة مع بقية المحال، و تزاوروا و تواصلوا و تواكلوا، و كان هذا من العجائب، و فيها قتل أحمد بن خاقان صاحب سمرقند، و سببه أنه شهد عليه بالزندقة فخنق و ولى مكانه ابن عمه مسعود. و فيها دخل الأتراك إفريقية و غدروا بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس، و قبضوا عليه، و ملكوا بلاده و قتلوا خلقا، بعد ما جرت بينه و بينهم حروب شديدة، و كان مقدمهم رجل يقال له شاه ملك، و كان من أولاد بعض أمراء المشرق، فقدم مصر و خدم بها ثم هرب إلى المغرب، و معه جماعة ففعل ما ذكر. و لم يحج أحد من أهل العراق فيها.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن أحمد بن خيرون‏

أبو الفضل المعروف بابن الباقلاني، سمع الكثير، و كتب عنه الخطيب، و كانت له معرفة جيدة، و هو من الثقات، و قبله الدامغانيّ، ثم صار أمينا له، ثم ولى إشراف خزانة الغلات. توفى في رجب عن ثنتين و ثمانين سنة.

تتش أبو المظفر

تاج الدولة بن ألب أرسلان، صاحب دمشق و غيرها من البلاد، و قد تزوج امرأة على ابن أخيه بركيارق بن ملك شاه، و لكن قدر اللَّه و ماتت، و قد قال المتنبي:

و للَّه سر في علاك و إنما* * * كلام العدي ضرب من الهذيان‏

قال ابن خلكان: كان صاحب البلاد الشرقية فأستنجده أتسز في محاربة أمير الجيوش من جهة صاحب مصر، فلما قدم دمشق لنجدته و خرج إليه أتسز، أمر بمسكه و قتله، و استحوذ هو على دمشق‏

150

و أعمالها في سنة إحدى و سبعين، ثم حارب أتسز فقتله، ثم تحارب هو و أخوه بركيارق ببلاد الري، فكسره أخوه و قتل هو في المعركة، و تملك ابنه رضوان حلب، و إليه تنسب بنو رضوان بها، و كان ملكه عليها إلى سنة سبع و خمسين و خمسمائة، سمته أمه في عنقود عنب، فقام من بعده ولده تاج الملك بورى أربع سنين، ثم ابنه الآخر شمس الملك إسماعيل ثلاث سنين، ثم قتلته أمه أيضا، و هي زمرد خاتون بنت جاولى، و أجلست أخاه شهاب الدين محمود بن بورى، فمكث أربع سنين، ثم ملك أخوه محمد بن بورى طغركين سنة، ثم تملك مخير الدين أتق من سنة أربع و ثلاثين إلى أن انتزع الملك منه نور الدين محمود زنكي كما سيأتي. و كان أتابك العساكر بدمشق أيام أتق معين الدين، الّذي تنسب إليه المعينية بالغور، و المدرسة المعينية بدمشق.

رزق اللَّه بن عبد الوهاب‏

ابن عبد العزيز أبو محمد التميمي أحد أئمة القراء و الفقهاء على مذهب أحمد، و أئمة الحديث، و كان له مجلس للوعظ، و حلقة للفتوى بجامع المنصور، ثم بجامع القصر، و كان حسن الشكل محبّبا إلى العامة له شعر حسن، و كان كثير العبادة، فصيح العبارة، حسن المناظرة.

و قد روى عن آبائه حديثا مسلسلا عن على بن أبى طالب أنه قال‏

: هتف العلم بالعمل فان أجابه و إلا ارتحل.

و قد كان ذا وجاهة عند الخليفة، يفد في مهام الرسائل إلى السلطان. توفى يوم الثلاثاء النصف من جمادى الأولى من هذه السنة، عن ثمان و ثمانين سنة، و دفن بداره بباب المراتب باذن الخليفة، و صلى عليه ابنه أبو الفضل‏

أبو يوسف القزويني‏

عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار الشيخ، شيخ المعتزلة، قرأ على عبد الجبار بن أحمد الهمدانيّ، و رحل إلى مصر، و أقام بها أربعين سنة، و حصل كتبا كثيرة، و صنف تفسيرا في سبعمائة مجلد. قال ابن الجوزي: جمع فيه العجب، و تكلم على قوله تعالى‏ (وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ) في مجلد كامل. و قال ابن عقيل: كان طويل اللسان بالعلم تارة، و بالشعر أخرى، و قد سمع الحديث من أبى عمر بن مهدي و غيره، و مات ببغداد عن ست و تسعين سنة. و ما تزوج إلا في آخر عمره.

أبو شجاع الوزير

محمد بن الحسين بن عبد اللَّه بن إبراهيم، أبو شجاع، الملقب ظهير الدين، الروذراوريّ الأصل الأهوازي المولد، كان من خيار الوزراء كثير الصدقة و الإحسان إلى العلماء و الفقهاء، و سمع الحديث من الشيخ أبى إسحاق الشيرازي و غيره، و صنف كتبا، منها كتابه الّذي ذيله على تجارب الأمم. و وزر للخليفة المقتدى و كان يملك ستمائة ألف دينار، فأنفقها في سبيل الخيرات و الصدقات، و وقف الوقوف الحسنة، و بنى المشاهد، و أكثر الانعام على الأرامل و الأيتام. قال‏