البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
151

له رجل: إلى مجانبنا أرملة لها أربعة أولاد و هم عراة و جياع، فبعث إليهم مع رجل من خاصته نفقة و كسوة و طعاما، و نزع عنه ثيابه في البرد الشديد، و قال: و اللَّه لا ألبسها حتى ترجع إلى بخبرهم، فذهب الرجل مسرعا بما أرسله على يديه إليهم، ثم رجع إليه فأخبره أنهم فرحوا بذلك و دعوا للوزير، فسر بذلك و لبس ثيابه. و جي‏ء إليه مرة بقطائف سكرية فلما وضعت بين يديه تنغص عليه بمن لا يقدر عليها، فأرسلها كلها إلى المساجد، و كانت كثيرة جدا، فأطعمها الفقراء و العميان و كان لا يجلس في الديوان إلا و عنده الفقهاء، فإذا وقع له أمر مشكل سألهم عنه فحكم بما يفتونه، و كان كثير التواضع مع الناس، خاصتهم و عامتهم، ثم عزل عن الوزارة فسار إلى الحج و جاور بالمدينة ثم مرض، فلما ثقل في المرض جاء إلى الحجرة النبويّة فقال: يا رسول اللَّه قال اللَّه تعالى‏ (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) و ها أنا قد جئتك أستغفر اللَّه من ذنوبي و أرجو شفاعتك يوم القيامة، ثم مات من يومه ذلك (رحمه اللَّه)، و دفن في البقيع.

القاضي أبو بكر الشاشي‏

محمد بن المظفر بن بكران الحموي أبو بكر الشاشي، ولد سنة أربعمائة، و تفقه ببلده، ثم حج في سنة سبع عشرة و أربعمائة، و قدم بغداد فتفقه على أبى الطيب الطبري و سمع بها الحديث، و شهد عند ابن الدامغانيّ فقبله، و لازم مسجده خمسا و خمسين سنة، يقرئ الناس و يفقههم، و لما مات الدامغانيّ أشار به أبو شجاع الوزير فولاه الخليفة المقتدى القضاء، و كان من أنزه الناس و أعفّهم، لم يقبل من سلطان عطية، و لا من صاحب هدية، و لم يغير ملبسه و لا مأكله، و لم يأخذ على القضاء أجرا و لم يستنب أحدا، بل كان يباشر القضاء بنفسه، و لم يحاب مخلوقا، و قد كان يضرب بعض المنكرين حيث لا بينة، إذا قامت عنده قرائن التهمة، حتى يقرّوا، و يذكر أن في كلام الشافعيّ ما يدل على هذا. و قد صنف كتابا في ذلك، و نصره ابن عقيل فيما كان يتعاطاه من الحكم بالقرائن، و استشهد له بقوله تعالى‏ (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ) الآية. و شهد عنده رجل من كبار الفقهاء و المناظرين يقال له المشطب بن أحمد بن أسامة الفرغاني، فلم يقبله، لما رأى عليه من الحرير و خاتم الذهب، فقال له المدعى:

إن السلطان و وزيره نظام الملك يلبسان الحرير و الذهب، فقال القاضي الشاشي: و اللَّه لو شهدا عندي على باقة بقلة ما قبلتهما، و لرددت شهادتهما. و شهد عنده مرة فقيه فاضل من أهل مذهبه فلم يقبله، فقال: لأى شي‏ء ترد شهادتي و هي جائزة عند كل حاكم إلا أنت؟ فقال له: لا أقبل لك شهادة، فانى رأيتك تغتسل في الحمام عريانا غير مستور العورة، فلا أقبلك. توفى يوم الثلاثاء عاشر شعبان من هذه السنة عن ثمان و ثمانين سنة، و دفن بالقرب من ابن شريح.

152

أبو عبد اللَّه الحميدي‏

محمد بن أبى نصر فتوح بن عبد اللَّه بن حميد، الأندلسى، من جزيرة يقال لها برقة قريبة من الأندلس، قدم بغداد فسمع بها الحديث، و كان حافظا مكثرا أديبا ماهرا، عفيفا نزها، و هو صاحب الجمع بين الصحيحين، و له غير ذلك من المصنفات، و قد كتب مصنفات ابن حزم و الخطيب، و كانت وفاته ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة، و قد جاوز التسعين، و قبره قريب من قبر بشر الحافى ببغداد.

هبة اللَّه ابن الشيخ أبى ألوفا بن عقيل‏

كان قد حفظ القرآن و تفقه و ظهر منه نجابة، ثم مرض فأنفق عليه أبوه أموالا جزيلة فلم يفد شيئا فقال له ابنه ذات يوم: يا أبت إنك قد أكثرت الأدوية و الأدعية، و للَّه فىّ اختيار فدعني و اختيار اللَّه في، قال أبوه: فعلمت أنه لم يوفق لهذا الكلام إلا و قد اختير للحظوة و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و أربعمائة

قال ابن الجوزي في المنتظم: في هذه السنة حكم جهلة المنجمين أنه سيكون في هذه السنة طوفان قريب من طوفان نوح، و شاع الكلام بذلك بين العوام و خافوا، فاستدعى الخليفة المستظهر ابن عشبون المنجم فسأله عن هذا الكلام فقال: إن طوفان نوح كان في زمن اجتمع في بحر الحوت الطوالع السبعة، و الآن فقد اجتمع فيه ستة و لم يجتمع معها زحل، فلا بد من وقوع طوفان في بعض البلاد، و الأقرب أنها بغداد. فتقدم الخليفة إلى وزيره بإصلاح المسيلات و المواضع التي يخشى انفجار الماء منها، و جعل الناس ينتظرون، فجاء الخبر بأن الحجاج حصلوا بوادي المناقب بعد نخلة فأتاهم سيل عظيم، فما نجا منهم إلا من تعلق برءوس الجبال، و أخذ الماء الجمال و الرجال و الرحال، فخلع الخليفة على ذلك المنجم و أجرى له جارية. و فيها ملك الأمير قوام الدولة أبو سعيد كرتوقا مدينة الموصل، و قتل شرف الدولة محمد بن مسلم بن قريش، و غرقه بعد حصار تسعة أشهر. و فيها ملك تميم بن المعز المغربي مدينة قابس و أخرج منها أخاه عمر، فقال خطيب سوسة في ذلك أبياتا.

ضحك الزمان و كان يلفى عابسا* * * لما فتحت بحد سيفك قابسا

و أتيتها بكرا و ما أمهرتها* * * إلا قنا و صوارما و فوارسا

اللَّه يعلم ما جنيت ثمارها* * * إلا و كان أبوك قبلا غارسا

من كان في زرق الأسنة خاطبا* * * كانت له قلل البلاد عرائسا

و في صفر منها درس الشيخ أبو عبد اللَّه الطبري بالنظاميّة، ولاه إياها فخر الملك بن نظام الملك وزير بركيارق. و فيها أغارت خفاجة على بلاد سيف الدولة صدقة بن مزيد بن منصور بن دبيس و قصدوا مشهد الحسين بالحائر، و تظاهروا فيه بالمنكرات و الفساد، فكبسهم فيه الأمير صدقة المذكور،

153

فقتل منهم خلقا كثيرا عند الضريح. و من العجائب أن أحدهم ألقى نفسه و فرسه من فوق السور فسلم و سلمت فرسه. و حج بالناس الأمير خمارتكين الحسناتى.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

عبد اللَّه بن إبراهيم بن عبد اللَّه‏

أخو أبى حكيم الخيريّ، و خير: إحدى بلاد فارس، سمع الحديث و تفقه على الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، و كانت له معرفة بالفرائض و الأدب و اللغة، و له مصنفات، و كان مرضى الطريقة، و كان يكتب المصاحف بالأجرة، فبينما هو ذات يوم يكتب وضع القلم من يده و استند و قال: و اللَّه لئن كان هذا موتا إنه لطيب، ثم مات.

عبد المحسن بن على بن أحمد الشنجى‏

التاجر، و يعرف بابن شهداء مكة، بغدادي، سمع الحديث الكثير، و رحل و أكثر عن الخطيب و هو بصور، و هو الّذي حمله إلى العراق، فلهذا أهدى إليه الخطيب تاريخ بغداد بخطه، و قد روى عنه في مصنفاته، و كان يسميه عبد اللَّه، و كان ثقة.

عبد الملك بن إبراهيم‏

ابن أحمد أبو الفضل المعروف بالهمدانيّ، تفقه على الماوردي، و كانت له يد طولى في العلوم الشرعية و الحساب و غير ذلك، و كان يحفظ غريب الحديث لأبى عبيد و المجمل لابن فارس، و كان عفيفا زاهدا، طلبه المقتدى ليوليه قاضى القضاة فأبى أشد الاباء، و اعتذر له بالعجز و علو السن، و كان ظريفا لطيفا، كان يقول: كان أبى إذا أراد أن يؤدبنى أخذ العصا بيده ثم يقول: نويت أن أضرب ولدى تأديبا كما أمر اللَّه، ثم يضربني. قال: و إلى أن ينوى و يتمم النية كنت أهرب. توفى في رجب منها و دفن عند قبر ابن شريح.

حمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور

أبو بكر الدقاق، و يعرف بابن الحاضنة، كان معروفا بالإفادة و جودة القراءة و حسن الخط و صحة النقل، جمع بين علم القراءات و الحديث، و أكثر عن الخطيب و أصحاب المخلص. قال: لما غرقت بغداد غرقت داري و كتبي فلم يبق لي شي‏ء، فاحتجت إلى النسخ فكتبت صحيح مسلم في تلك السنة سبع مرات، فنمت فرأيت ذات ليلة كأن القيامة قد قامت و قائل يقول أين ابن الحاضنة؟ فجئت فأدخلت الجنة فلما دخلتها استلقيت على قفاي و وضعت إحدى رجلي على الأخرى و قلت: استرحت من النسخ، ثم استيقظت و القلم في يدي و النسخ بين يدي.

أبو المظفر السمعاني‏

منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد، أبو المظفر السمعاني، الحافظ، من أهل مرو، تفقه أولا على أبيه في مذهب أبى حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب الشافعيّ فأخذ عن أبى إسحاق و ابن‏

154

الصباغ، و كانت له يد طولى في فنون كثيرة، و صنف التفسير و كتاب الانتصار في الحديث، و البرهان و القواطع في أصول الفقه، و الاصطلام و غير ذلك، و وعظ في مدينة نيسابور، و كان يقول:

ما حفظت شيئا فنسيته، و سئل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز و صبيان الكتاتيب، و سئل عن الاستواء فقال:

جئتمانى لتعلما سر سعدى* * * تجداني بسر سعدى شحيحا

إن سعدى لمنية المتمنى* * * جمعت عفة و وجها صبيحا

توفى في ربيع الأول من هذه السنة، و دفن في مقبرة مرو (رحمه اللَّه تعالى) و إيانا آمين.

ثم دخلت سنة تسعين و أربعمائة من الهجرة

فيها كان ابتداء ملك الخوارزمية، و ذلك أن السلطان بركيارق ملك فيها بلاد خراسان بعد مقتل عمه أرسلان أرغون بن ألب أرسلان و سلمها إلى أخيه المعروف بالملك سنجر، و جعل أتابكه الأمير قماج، و وزيره أبو الفتح على بن الحسين الطغرانى، و استعمل على خراسان الأمير حبشي بن البرشاق، فولى مدينة خوارزم شابا يقال له محمد بن أنوشتكين، و كان أبوه من أمراء السلاجقة، و نشأ هو في أدب و فضيلة و حسن سيرة، و لما ولى مدينة خوارزم لقب خوارزم شاه، و كان أول ملوكهم، فأحسن السيرة و عامل الناس بالجميل، و كذلك ولده من بعده اتشنر جرى على سيرة أبيه، و أظهر العدل، فحظي عند السلطان سنجر و أحبه الناس، و ارتفعت منزلته. و فيها خطب الملك رضوان ابن تاج الملك تتش للخليفة الفاطمي المستعلى، و في شوال قتل رجل باطني عند باب النوبي كان قد شهد عليه عدلان أحدهما ابن عقيل أنه دعاهما إلى مذهبه فجعل يقول أ تقتلونني و أنا أقول لا إله إلا اللَّه؟ فقال ابن عقيل قال اللَّه تعالى‏ (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الآية و ما بعدها، و في رمضان منها قتل برشو أحد أكابر الأمراء و كان أول من تولى شحنة بغداد. و حج بالناس فيها خمارتكين الحسنانى، و في يوم عاشوراء كبست دار بهاء الدولة أبو نصر بن جلال الدولة أبى طاهر ابن بويه لأمور ثبتت عليه عند القاضي فأريق دمه و نقضت داره و عمل مكانها مسجدان للحنفية و الشافعية، و قد كان السلطان ملك شاه قد أقطعه المدائن و دير عاقول و غيرهما.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن الحسن‏

ابن على بن زكريا بن دينار، أبو يعلى العبديّ البصري، و يعرف بابن الصواف، ولد سنة أربعمائة، و سمع الحديث، و كان زاهدا متصوفا، و فقيها مدرسا، ذا سمت و وقار، و سكينة و دين، و كان علامة في عشرة علوم، توفى في رمضان منها عن تسعين سنة (رحمه اللَّه).

155

المعمر بن محمد

ابن المعمر بن أحمد بن محمد، أبو الغنائم الحسيني، سمع الحديث، و كان حسن الصورة كريم الأخلاق كثير التعبد، لا يعرف أنه آذى مسلما و لا شتم صاحبا. توفى عن نيف و ستين سنة، و كان نقيبا ثنتين و ثلاثين سنة، و كان من سادات قريش، و تولى بعده ولده أبو الفتوح حيدرة، و لقب بالرضى ذي الفخرين، و رثاه الشعراء بأبيات ذكرها ابن الجوزي.

يحيى بن أحمد بن محمد بن على البستي‏

سمع الحديث و رحل فيه، و كان ثقة صالحا صدوقا أديبا، عمر مائة سنة و ثنتى عشرة سنة و ثلاثة أشهر، و هو مع ذلك صحيح الحواس، يقرأ عليه القرآن و الحديث، (رحمه اللَّه) و إيانا آمين.

ثم دخلت سنة إحدى و تسعين و أربعمائة

في جمادى الأولى منها ملك الافرنج مدينة أنطاكية بعد حصار شديد، بمواطأة بعض المستحفظين على بعض الأبراج، و هرب صاحبها ياغيسيان في نفر يسير، و ترك بها أهله و ماله، ثم إنه ندم في أثناء الطريق ندما شديدا على ما فعل، بحيث إنه غشي عليه و سقط عن فرسه، فذهب أصحابه و تركوه، فجاء راعى غنم فقطع رأسه و ذهب به إلى ملك الفرنج، و لما بلغ الخبر إلى الأمير كربوقا صاحب الموصل جمع عساكر كثيرة، و اجتمع عليه دقاق صاحب دمشق، و جناح الدولة صاحب حمص، و غيرهما، و سار إلى الفرنج فالتقوا معهم بأرض أنطاكية فهزمهم الفرنج و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و أخذوا منهم أموالا جزيلة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. ثم صارت الفرنج إلى معرة النعمان فأخذوها بعد حصار فلا حول و لا قوة إلا باللَّه. و لما بلغ هذا الأمر الفظيع إلى الملك بركيارق شق عليه ذلك و كتب إلى الأمراء ببغداد أن يتجهزوا هم و الوزير ابن جهير، لقتال الفرنج، فبرز بعض الجيش إلى ظاهر البلد بالجانب الغربي ثم انفسخت هذه العزيمة لأنهم بلغهم أن الفرنج في ألف ألف مقاتل فلا حول و لا قوة إلا باللَّه. و حج بالناس فيها خمارتكين.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

طراد بن محمد بن على‏

ابن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الامام بن محمد بن على بن عباس، أبو الفوارس بن أبى الحسن بن أبى القاسم بن أبى تمام، من ولد زيد ابن بنت سليمان بن على بن عبد اللَّه بن عباس، و هي أم ولده عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الامام بن محمد بن عبد اللَّه بن عباس، سمع الحديث الكثير، و الكتب الكبار، و تفرد بالرواية عن جماعة، و رحل إليه من الآفاق و أملى الحديث في بلدان شتى، و كان يحضر مجلسه العلماء و السادات و حضر أبو عبد اللَّه الدامغانيّ مجلسه، و باشر نقابة الطالبيين مدة طويلة، و توفى عن نيف و تسعين سنة، و دفن‏

156

في مقابر الشهداء (رحمه اللَّه)

المظفر أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء أبى القاسم‏

ابن المسلمة كانت داره مجمعا لأهل العلم و الدين و الأدب، و بها توفى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، و دفن عند الشيخ أبى إسحاق في تربته.

ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و أربعمائة

- و فيها أخذت الفرنج بيت المقدس لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين و تسعين و أربعمائة، أخذت الفرنج لعنهم اللَّه بيت المقدس شرفه اللَّه، و كانوا في نحو ألف ألف مقاتل، و قتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، و جاسوا خلال الديار، و تبروا ما علوا تتبيرا. قال ابن الجوزي: و أخذوا من حول الصخرة اثنين و أربعين قنديلا من فضة، زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف و ستمائة درهم، و أخذوا تنورا من فضة زنته أربعون رطلا بالشامي، و ثلاثة و عشرين قنديلا من ذهب، و ذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق، مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة و السلطان، منهم القاضي أبو سعد الهروي، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك و تباكوا، و قد نظم أبو سعد الهروي كاملا قرئ في الديوان و على المنابر، فارتفع بكاء الناس، و ندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل و غير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏، فقال في ذلك أبو المظفر الأبيوردي شعرا:

مزجنا دمانا بالدموع السواجم* * * فلم يبق منا عرضة للمراجم‏

و شر سلاح المرء دمع يريقه* * * إذا الحرب شبت نارها بالصوارم‏

فأيها بنى الإسلام إن وراءكم* * * وقائع يلحقن الذرى بالمناسم‏

و كيف تنام العين مل‏ء جفونها* * * على هفوات أيقظت كل نائم‏

و إخوانكم بالشام يضحى مقيلهم* * * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم‏

تسومهم الروم الهوان و أنتم* * * تجرون ذيل الخفض فعل المسالم‏

و منها قوله:

و بين اختلاس الطعن و الضرب وقفة* * * تظل لها الولدان شيب القوادم‏

و تلك حروب من يغب عن غمارها* * * ليسلم يقرع بعدها سن نادم‏

سللن بأيدي المشركين قواضبا* * * ستغمد منهم في الكلى و الجماجم‏

يكاد لهن المستجير بطيبة* * * ينادى بأعلى الصوت يا آل هاشم‏

أرى أمتى لا يشرعون إلى العدا* * * رماحهم و الدين واهي الدعائم‏

و يجتنبون النار خوفا من الردى* * * و لا يحسبون العار ضربة لازم‏

157

أ يرضى صناديد الأعاريب بالأذى* * * و يغضى على ذل كماة الأعاجم‏

فليتهمو إذ لم يذودوا حمية* * * عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم‏

و إن زهدوا في الأجر إذ حمس الوغى* * * فهلا أتوه رغبة في المغانم‏

و فيها كان ابتداء أمر السلطان محمد بن ملك شاه، و هو أخو السلطان سنجر لأبيه و أمه، و استفحل إلى أن خطب له ببغداد في ذي الحجة من هذه السنة. و فيها سار إلى الري فوجد زبيدة خاتون أم أخيه بركيارق فأمر بخنقها، و كان عمرها إذ ذاك ثنتين و أربعين سنة، في ذي الحجة منها و كانت له مع بركيارق خمس وقعات هائلة. و فيها غلت الأسعار جدا ببغداد، حتى مات كثير من الناس جوعا، و أصابهم وباء شديد حتى عجزوا عن دفن الموتى من كثرتهم.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

السلطان إبراهيم بن السلطان محمود

ابن مسعود بن السلطان محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة و أطراف الهند، و عدا ذلك، كانت له حرمة و أبهة عظيمة، و هيبة وافرة جدا، حكى الكيا الهراسي حين بعثه السلطان بركيارق في رسالته إليه عما شاهده عنده من أمور السلطنة في ملبسه و مجلسه، و ما رأى عنده من الأموال و السعادة الدنيوية، قال: رأيت شيئا عجيبا، و قد وعظه بحديث «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا» فبكى. قال: و كان لا يبنى لنفسه منزلا إلا بنى قبله مسجدا أو مدرسة أو رباطا. توفى في رجب منها و قد جاوز التسعين، و كانت مدة ملكه منها ثنتين و أربعين سنة.

عبد الباقي بن يوسف‏

ابن على بن صالح، أبو تراب البراعى، ولد سنة إحدى و أربعمائة و تفقه على أبى الطيب الطبري و سمع الحديث عليه و على غيره، ثم أقام بنيسابور، و كان يحفظ شيئا كثيرا من الحكايات و الملح، و كان صبورا متقللا من الدنيا، على طريقة السلف، جاءه منشور بقضاء همدان فقال: أنا منتظر منشورا من اللَّه عز و جل، على يدي ملك الموت بالقدوم عليه، و اللَّه لجلوس ساعة في هذه المسلة على راحة القلب أحب إلى من ملك العراقين، و تعليم مسألة لطالب أحب إلى مما على الأرض من شي‏ء، و اللَّه لا أفلح قلب يعلق بالدنيا و أهلها، و إنما العلم دليل، فمن لم يدله علمه على الزهد في الدنيا و أهلها لم يحصل على طائل من العلم، و لو علم ما علم، فإنما ذلك ظاهر من العلم، و العلم النافع وراء ذلك، و اللَّه لو قطعت يدي و رجلي و قلعت عيني أحب إلى من ولاية فيها انقطاع عن اللَّه و الدار الآخرة، و ما هو سبب فوز المتقين، و سعادة المؤمنين. توفى (رحمه اللَّه) في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث و تسعين سنة (رحمه اللَّه) آمين.

أبو القاسم ابن إمام الحرمين‏

قتله بعض الباطنية بنيسابور (رحمه اللَّه) و رحم أباه.

158

ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و أربعمائة

في صفر منها دخل السلطان بركيارق إلى بغداد، و نزل بدار الملك، و أعيدت له الخطبة، و قطعت خطبة أخيه محمد، و بعث إليه الخليفة هدية هائلة، و فرح به العوام و النساء، و لكنه في ضيق من أمر أخيه محمد، لاقبال الدولة عليه، و اجتماعهم إليه، و قلة ما معه من الأموال، و مطالبة الجند له بأرزاقهم، فعزم على مصادرة الوزير ابن جهير، فالتجأ إلى الخليفة فمنعه من ذلك، ثم اتفق الحال على المصالحة عنه بمائة ألف و ستين ألف دينار، ثم سار فالتقى هو و أخوه محمد بمكان قريب من همدان فهزمه أخوه محمد و نجا هو بنفسه في خمسين فارسا، و قتل في هذه الوقعة سعد الدولة جوهر آيين الخادم، و كان قديم الهجرة في الدولة، و قد ولى شحنة بغداد، و كان حليما حسن السيرة، لم يتعمد ظلم أحد و لم ير خادم ما رأى، من الحشمة و الحرمة و كثرة الخدم، و قد كان يكثر الصلاة بالليل، و لا يجلس إلا على وضوء، و لم يمرض مدة حياته و لم يصدع قط، و لما جرى ما جرى في هذه الوقعة ضعف أمر السلطان بركيارق، ثم تراجع إليه جيشه و انضاف إليه الأمير داود في عشرين ألفا، فالتقى هو و أخوه مع أخيه سنجر فهزمهم سنجر أيضا و هرب في شرذمة قليلة، و أسر الأمير داود فقتله الأمير برغش أحد أمراء سنجر، فضعف بركيارق و تفرقت عنه رجاله، و قطعت خطبته من بغداد في رابع عشر رجب و أعيدت خطبة السلطان محمد. و في رمضان منها قبض على الوزير عميد الدولة بن جهير، و على أخويه زعيم الرؤساء أبى القاسم، و أبى البركات الملقب بالكافي، و أخذت منهم أموال كثيرة، و حبس بدار الخلافة حتى مات في شوال منها. و في ليلة السابع و العشرين منه قتل الأمير بلكابك سرمز رئيس شحنة أصبهان، ضربه باطني بسكين في خاصرته و قد كان يتحرز منهم كثيرا، و كان يدرع تحت ثيابه سوى هذه الليلة، و مات من أولاده في هذه الليلة جماعة، خرج من داره خمس جنائز من صبيحتها. و فيها أقبل ملك الفرنج في ثلاثمائة ألف مقاتل فالتقى معه ستكين ابن انشمند طايلو، إنابك دمشق الّذي يقال له أمين الدولة، واقف الأمينية بدمشق و ببصرى، لا التي ببعلبكّ، فهزم الأفرنج و قتل منهم خلقا كثيرا، بحيث لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف، و أكثرهم جرحى- يعنى الثلاثة آلاف- و ذلك في ذلك القعدة منها، و لحقهم إلى ملطية فملكها و أسر ملكها و للَّه الحمد. و حج بالناس الأمير التونتاش التركي و كان شافعيّ المذهب.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

عبد الرزاق الغزنوي الصوفي‏

شيخ رباط عتاب، حج مرات على التجريد، مات و له نحو مائة سنة، و لم يترك كفنا، و قد قالت له امرأته لما احتضر: سنفتضح اليوم. قال: لم؟ قالت له: لأنه لا يوجد لك كفن، فقال لها: لو تركت كفنا لافتضحت، و عكسه أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن المحلبان، كان لا يلبس إلا الصوف‏

159

شتاء و صيفا، و يظهر الزهد، و حين توفى وجد له أربعة آلاف دينار مدفونة، فتعجب الناس من حاليهما فرحم اللَّه الأول و سامح الثاني.

الوزير عميد الدولة بن جهير

محمد بن أبى نصر بن محمد بن جهير الوزير، أبو منصور، كان أحد رؤساء الوزراء، خدم ثلاثة من الخلفاء، وزر لاثنين منهم، و كان حليما قليل العجلة، غير أنه كان يتكلم فيه بسبب الكبر، و قد ولى الوزارة مرات، يعزل ثم يعاد، ثم كان آخرها هذه المرة حبس بدار الخلافة فلم يخرج من السجن إلا ميتا، في شوال منها.

ابن جزلة الطبيب‏

يحيى بن عيسى بن جزلة صاحب المنهاج في الطب، كان نصرانيا ثم كان يتردد إلى الشيخ أبى على بن الوليد المغربي يشتغل عليه في المنطق، و كان أبو على يدعوه إلى الإسلام و يوضح له الدلالات حتى أسلم و حسن إسلامه، و استخلفه الدامغانيّ في كتب السجلات، ثم كان يطبب الناس بعد ذلك بلا أجر، و ربما ركب لهم الأدوية من ماله تبرعا، و قد أوصى بكتبه أن تكون وقفا بمشهد أبى حنيفة (رحمه اللَّه) و إيانا آمين،

ثم دخلت سنة أربع و تسعين و أربعمائة

فيها عظم الخطب بأصبهان و نواحيها بالباطنية فقتل السلطان منهم خلقا كثيرا، و أبيحت ديارهم و أموالهم للعامة، و نودي فيهم إن كل من قدرتم عليه منهم فاقتلوه و خذوا ماله، و كانوا قد استحوذوا على قلاع كثيرة، و أول قلعة ملكوها في سنة ثلاث و ثمانين، و كان الّذي ملكها الحسن بن صباح، أحد دعاتهم، و كان قد دخل مصر و تعلم من الزنادقة الذين بها، ثم صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، و كان لا يدعو إليه من الناس إلا غبيا جاهلا، لا يعرف يمينه من شماله، ثم يطعمه العسل بالجوز و الشونيز، حتى يحرق مزاجه و يفسد دماغه، ثم يذكر له أشياء من أخبار أهل البيت، و يكذب له من أقاويل الرافضة الضلال، أنهم ظلموا و منعوا حقهم الّذي أوجبه اللَّه لهم و رسوله، ثم يقول له فإذا كانت الخوارج تقاتل بنى أمية لعلى، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة إمامك على بن أبى طالب، و لا يزال يسقيه العسل و أمثاله و يرقيه حتى يستجيب له و يصير أطوع له من أمه و أبيه، و يظهر له أشياء من المخرقة و النيرنجيات و الحيل التي لا تروج إلا على الجهال، حتى التف عليه بشر كثير، و جم غفير، و قد بعث إليه السلطان ملك شاه يتهدده و ينهاه عن ذلك، و بعث إليه بفتاوى العلماء، فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول قال لمن حوله من الشباب: إني أريد أن أرسل منكم رسولا إلى مولاه، فاشرأبت وجوه الحاضرين، ثم قال لشاب منهم: اقتل نفسك، فأخرج سكينا

160

فضرب بها غلصمته فسقط ميتا، و قال لآخر منهم: ألق نفسك من هذا الموضع، فرمى نفسه من رأس القلعة إلى أسفل خندقها فتقطع. ثم قال لرسول السلطان هذا الجواب. فمنها امتنع السلطان من مراسلته. هكذا ذكره ابن الجوزي، و سيأتي ما جرى للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فاتح بيت المقدس و ما جرى له مع سنان صاحب الإيوان مثل هذا إن شاء اللَّه تعالى.

[و في شهر رمضان أمر الخليفة المستظهر باللَّه بفتح جامع القصر و أن لا يبيض و أن يصلى فيه التراويح و أن يجهر بالبسملة، و أن يمنع النساء من الخروج ليلا للفرجة. و في أول هذه السنة دخل السلطان بركيارق إلى بغداد فخطب له بها ثم لحقه أخواه محمد و سنجر فدخلاها و هو مريض فعبرا في الجانب الغربي فقطعت خطبته و خطب لهما بها، و هرب بركيارق إلى واسط، و نهب جيشه ما اجتازوا به من البلاد و الأراضي، فنهاه بعض العلماء عن ذلك و وعظه فلم يفد شيئا. و في هذه السنة ملكت الفرنج قلاعا كثيرة منها: قيسارية و سروج، و سار ملك الفرنج كندر- و هو الّذي أخذ بيت المقدس- إلى عكا فحاصرها فجاءه سهم في عنقه فمات من فوره لعنه اللَّه.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد

ابن عبد الواحد بن الصباح، أبو منصور، سمع الحديث و تفقه على القاضي أبى الطيب الطبري ثم على ابن عمه أبى نصر بن الصباح، و كان فقيها فاضلا كثير الصلاة يصوم الدهر، و قد ولى القضاء بربع الكرخ و الحسبة بالجانب الغربي.

عبد اللَّه بن الحسن‏

ابن أبى منصور أبو محمد الطبسي، رحل إلى الآفاق و جمع و صنف، و كان أحد الحفاظ المكثرين ثقة صدوقا عالما بالحديث ورعا حسن الخلق.

عبد الرحمن بن أحمد

ابن محمد أبو محمد الرزاز السرخسي، نزل مرو و سمع الحديث و أملى و رحل إليه العلماء، و كان حافظا لمذهب الشافعيّ متدينا ورعا، (رحمه اللَّه).

عزيز بن عبد الملك‏

منصور أبو المعالي الجيلي القاضي الملقب سيد له، كان شافعيا في الفروع أشعريا في الأصول، و كان حاكما بباب الأزج، و كان بينه و بين أهل باب الأزج من الحنابلة شنئان كبير، سمع رجلا ينادى على حمار له ضائع فقال: يدخل باب الأزج و يأخذ بيد من شاء. و قال يوما للنقيب طراد الزينبي: لو حلف إنسان أنه لا يرى إنسانا فرأى أهل باب الأزج لم يحنث. فقال له الشريف:

من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم. و لهذا لما مات فرحوا بموته كثيرا.

161

محمد بن أحمد

ابن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طوق، أبو الفضائل الربعي الموصلي، تفقه على الشيخ أبى إسحاق الشيرازي، و سمع من القاضي أبى الطيب الطبري، و كان ثقة صالحا كتب الكثير.

محمد بن الحسن‏

أبو عبد اللَّه المرادي، نزل أوان و كان مقرئا فقيها صالحا، له كرامات و مكاشفات، أخذ عن القاضي أبى يعلى بن القراء الحديث و غيره. قال ابن الجوزي: بلغني أن ابنا له صغيرا طلب منه غزالا و ألح عليه، فقال له: يا بنى غدا يأتيك غزال. فلما كان الغد أتت غزال فصارت تنطح الباب بقرنيها حتى فتحته، فقال له أبوه: يا بنى أتتك الغزال.

محمد بن على بن عبيد اللَّه‏

ابن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان، أبو نصر الموصل القاضي، قدم بغداد سنة ثلاث و تسعين، و حدث عن عمه بالأربعين الودعانية، و قد سرقها عمه أبو الفتح بن ودعان من زيد بن رفاعة الهاشمي، فركب لها أسانيد إلى من بعد زيد بن رفاعة، و هي موضوعة كلها، و إن كان في بعضها معاني صحيحة و اللَّه أعلم.

محمد بن منصور

أبو سعد المستوفي شرف الملك الخوارزمي، جليل القدر، و كان متعصبا لأصحاب أبى حنيفة، و وقف لهم مدرسة بمرو، و وقف فيها كتبا كثيرة، و بنى مدرسة ببغداد عند باب الطاق، و بنى القبة على قبر أبى حنيفة، و بنى أربطة في المفاوز، و عمل خيرا كثيرا، و كان من آكل الناس مأكلا و مشربا، و أحسنهم ملبسا، و أكثرهم مالا، ثم نزل العمالة بعد هذا كله، و أقبل على العبادة و الاشتغال بنفسه إلى أن مات.

محمد بن منصور القسري‏

المعروف بعميد خراسان، قدم بغداد أيام طغرلبك و حدث عن أبى حفص عمر بن أحمد بن مسرور، و كان كثيرا الرغبة في الخير، وقف بمرو مدرسة على أبى بكر بن أبى المظفر السمعاني و ورثته. قال ابن الجوزي: فهم يتولونها إلى الآن، و بنى بنيسابور مدرسة، و فيها تربته. و كانت وفاته في شوال من هذه السنة.

نصر بن أحمد

ابن عبد اللَّه بن البطران الخطابي البزار القارئ. ولد سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة، و سمع الكثير و تفرد عن ابن رزقويه و غيره، و طال عمره، و رحل إليه من الآفاق، و كان صحيح السماع‏] [ (1)]

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

162

ثم دخلت سنة خمس و تسعين و أربعمائة

في ثالث المحرم منها قبض على أبى الحسن على بن محمد المعروف بالكيا الهراسي، و عزل عن تدريس النظامية، و ذلك أنه رماه بعضهم عند السلطان بأنه باطني، فشهد له جماعة من العلماء- منهم ابن عقيل- ببراءته من ذلك، و جاءت الرسالة من دار الخلافة يوم الثلاثاء بخلاصه. و فيها في يوم الثلاثاء الحادي عشر من المحرم جلس الخليفة المستظهر بدار الخلافة و على كتفيه البردة و القضيب بيده، و جاء الملكان الأخوان محمد و سنجر أبناء ملك شاه، فقبلا الأرض و خلع عليهما الخلع السلطانية، على محمد سيفا و طوقا و سوار لؤلؤ و أفراسا من مراكبه، و على سنجر دون ذلك، و ولى السلطان محمد الملك، و استنابه في جميع ما يتعلق بأمر الخلافة، دون ما أغلق عليه الخليفة بابه، ثم خرج السلطان محمد في تاسع عشر الشهر فأرجف الناس، و خرج بركيارق فأقبل السلطان محمد فالتقوا و جرت حروب كثيرة و انهزم محمد و جرى عليه مكروه شديد، كما سيأتي بيانه. و في رجب منها قبل القاضي أبو الحسن ابن الدامغانيّ شهادة أبى الحسين و أبى حازم ابني القاضي أبى يعلى ابن الفراء. و فيها قدم عيسى بن عبد اللَّه القونوي فوعظ الناس و كان شافعيا أشعريا، فوقعت فتنة بين الحنابلة و الأشعرية ببغداد.

و فيها وقع حريق عظيم ببغداد، و حج بالناس حميد العمرى صاحب سيف الدولة صدقة بن منصور ابن دبيس، صاحب الحلة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أبو القاسم صاحب مصر

الخليفة الملقب بالمستعلى، في ذي الحجة منها، و قام بالأمر بعده ابنه على و له تسع سنين، و لقب بالآمر بأحكام اللَّه.

محمد بن هبة اللَّه‏

أبو نصر القاضي البندنيجي الضرير الفقيه الشافعيّ، أخذ عن الشيخ أبى إسحاق ثم جاور بمكة أربعين سنة، يفتى و يدرس و يروى الحديث و يحج، و من شعره قوله:

عدمتك نفسي ما تملى بطالتى* * * و قد مر أصحابى و أهل مودتي‏

أعاهد ربى ثم أنقض عهده* * * و أترك عزمي حين تعرض شهوتي‏

و زادي قليل ما أراه مبلغي* * * أ للزاد أبكى أم لبعد مسافتي؟

ثم دخلت سنة ست و تسعين و أربعمائة

فيها حاصر السلطان بركيارق أخاه محمدا بأصبهان، فضاقت على أهلها الأرزاق، و اشتد الغلاء عندهم جدا، و أخذ السلطان محمد أهلها بالمصادرة و الحصار حولهم من خارج البلد، فاجتمع عليهم الخوف و الجوع، و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات، ثم خرج السلطان محمد من أصبهان هاربا

163

فأرسل أخوه في أثره مملوكه أياز، فلم يتمكن من القبض عليه، و نجا بنفسه سالما. قال ابن الجوزي: و في صفر منها زيد في ألقاب قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانيّ تاج الإسلام. و في ربيع الأول قطعت الخطبة للسلاطين ببغداد، و اقتصر على ذكر الخليفة فيها، و الدعاء له، ثم التقى الأخوان بركيارق و محمد، فانهزم محمد أيضا ثم اصطلحا. و فيها ملك دقاق بن تتش صاحب دمشق مدينة الرحبة.

و فيها قتل أبو المظفر الخجنديّ الواعظ بالري، و كان فقيها شافعيا مدرسا، قتله رافضي علوي في الفتنة، و كان عالما فاضلا، كان نظام الملك يزوره و يعظمه. و حج بالناس خمارتكين.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن على‏

ابن عبد اللَّه بن سوار، أبو طاهر المقري، صاحب المصنفات في علوم القرآن، كان ثقة ثبتا مأمونا عالما بهذا الشأن، قد جاوز الثمانين.

أبو المعالي‏

أحد الصلحاء الزهاد، ذوى الكرامات و المكاشفات، و كان كثير العبادة متقللا من الدنيا، لا يلبس صيفا و لا شتاء إلا قميصا واحدا، فإذا اشتد البرد وضع على كتفه مئزرا، و ذكر أنه أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان، فعزم على الذهاب إلى بعض الأصحاب ليستقرض منه شيئا، قال:

فبينما أنا أريده إذا بطائر قد سقط على كتفي، و قال يا أبا المعالي أنا الملك الفلاني، لا تمض إليه نحن نأتيك به، قال فبكر إلى الرجل. رواه ابن الجوزي في منتظمه من طرق عدة، كانت وفاته في هذه السنة، و دفن قريبا من قبر أحمد.

السيدة بنت القائم بأمر اللَّه‏

أمير المؤمنين التي تزوجها طغرلبك، و دفنت بالرصافة، و كانت كثيرة الصدقة، و جلس لعزائها في بيت النوبة الوزير، و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة سبع و تسعين و أربعمائة

فيها قصد الفرنج لعنهم اللَّه الشام فقاتلهم المسلمون فقتلوا من الفرنج اثنى عشر ألفا، و رد اللَّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، و قد أسر في هذه الوقعة بردويل صاحب الرها. و فيها سقطت منارة واسط و قد كانت من أحسن المنائر، كان أهل البلد يفتخرون بها و بقية الحجاج، فلما سقطت سمع لأهل البلد بكاء و عويل شديد، و مع هذا لم يهلك بسببها أحد، و كان بناؤها في سنة أربع و ثلاثمائة في زمن المقتدر. و فيها تأكد الصلح بين الأخوين السلطانين بركيارق و محمد، و بعث إليه بالخلع و إلى الأمير أياز. و فيها أخذت مدينة عكا و غيرها من السواحل. و فيها استولى الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور صاحب الحلة على مدينة واسط. و فيها توفى الملك دقاق بن تتش‏

164

صاحب دمشق، فأقام مملوكه طغتكين ولدا له صغيرا مكانه، و أخذ البيعة له، و صار هو أتابكه بدير المملكة مدة بدمشق. و فيها عزل السلطان سنجر وزيره أبا الفتح الطغرائى و نفاه إلى غزنة. و فيها ولى أبو نصر نظام الحضريين ديوان الإنشاء، و فيها قتل الطبيب الماهر الحاذق أبو نعيم، و كانت له إصابات عجيبة. و حج بالناس فيها الأمير خمارتكين.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أزدشير بن منصور

أبو الحسن العبادي الواعظ، تقدم أنه قدم بغداد فوعظ بها فأحبته العامة في سنة ست و ثمانين و قد كانت له أحوال جيدة فيما يظهر و اللَّه أعلم.

إسماعيل بن محمد

ابن أحمد بن عثمان، أبو الفرج القومساني، من أهل همدان، سمع من أبيه و جده. و كان حافظا حسن المعرفة بالرجال و أنواع الفنون، مأمونا.

العلاء بن الحسن بن وهب‏

ابن الموصلايا، سعد الدولة، كاتب الإنشاء ببغداد، و كان نصرانيا فأسلم في سنة أربع و ثمانين فمكث في الرئاسة مدة طويلة، نحوا من خمس و ستين سنة، و كان فصيح العبارة، كثير الصدقة، و توفى عن عمر طويل‏

محمد بن أحمد بن عمر

أبو عمر النهاوندي. قاضى البصرة مدة طويلة، و كان فقيها، سمع من أبى الحسن الماوردي و غيره مولده في سنة سبع، و قيل تسع، و أربعمائة و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و أربعمائة

فيها توفى السلطان بركيارق و عهد إلى ولده الصغير ملك شاه، و عمره أربع سنين و شهور، و خطب له ببغداد، و نثر عند ذكره الدنانير و الدراهم، و جعل أتابكه الأمير أياز و لقب جلال الدولة، ثم جاء السلطان محمد إلى بغداد فخرج إليه أهل الدولة ليتلقوه و صالحوه، و كان الّذي أخذ البيعة بالصلح الكيا الهراسي، و خطب له بالجانب الغربي، و لابن أخيه بالجانب الشرقي، ثم قتل الأمير أياز و حملت إليه الخلع و الدولة و الدست، و حضر الوزير سعد الدولة عند الكيا الهراسي، في درس النظامية، ليرغب الناس في العلم، و في ثامن رجب منها أزيل الغيار عن أهل الذمة الذين كانوا ألزموه في سنة أربع و ثمانين و أربعمائة، و لا يعرف ما سبب ذلك. و فيها كانت حروب كثيرة ما بين المصريين و الفرنج، فقتلوا من الفرنج خلقا كثيرا، ثم أديل عليهم الفرنج فقتلوا منهم خلقا.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

السلطان بركيارق بن ملك شاه‏

ركن الدولة السلجوقي، جرت له خطوب طويلة و حروب هائلة، خطب له ببغداد ست مرات،

165

ثم تنقطع الخطبة له ثم تعاد، مات و له من العمر أربع و عشرون سنة و شهورا، ثم قام من بعده ولده ملك شاه، فلم يتم له الأمر بسبب عمه محمد.

عيسى بن عبد اللَّه‏

القاسم أبو الوليد الغزنوي الأشعري، كان متعصبا للأشعرى، خرج من بغداد قاصدا لبلده فتوفى بأسفرايين.

محمد بن أحمد بن إبراهيم‏

ابن سلفة الأصبهاني، أبو أحمد، كان شيخا عفيفا ثقة، سمع الكثير، و هو والد الحافظ أبى طاهر السلفي الحافظ.

أبو على الخيالى الحسين بن محمد

ابن أحمد الغساني الأندلسى، مصنف تقييد المهمل على الألفاظ، و هو كتاب مفيد كثير النفع و كان حسن الخط عالما باللغة و الشعر و الأدب، و كان يسمع في جامع قرطبة، توفى ليلة الجمعة لثنتى عشرة خلت من شعبان، عن إحدى و سبعين سنة.

محمد بن على بن الحسن بن أبى الصقر

أبو الحسن الواسطي، سمع الحديث و تفقه بالشيخ أبى إسحاق الشيرازي، و قرأ الأدب و قال الشعر. من ذلك قوله:

من قال لي جاه ولى حشمة* * * ولى قبول عند مولانا

و لم يعد ذاك بنفع على* * * صديقه لا كان ما كانا

ثم دخلت سنة تسع و تسعين و أربعمائة

في المحرم منها ادعى رجل النبوة بنواحي نهاوند، و سمى أربعة من أصحابه بأسماء الخلفاء الأربعة فاتبعه على ضلالته خلق من الجهلة الرعاع، و باعوا أملاكهم و دفعوا أثمانها إليه، و كان كريما يعطى من قصده ما عنده، ثم إنه قتل بتلك الناحية. و رام رجل آخر من ولد ألب أرسلان بتلك الناحية الملك فلم يتم أمره، بل قبض عليه في أقل من شهرين، و كانوا يقولون ادعى رجل النبوة و آخر الملك، فما كان بأسرع من زوال دولتهما. و في رجب منها زادت دجلة زيادة عظيمة، فأتلفت شيئا كثيرا من الغلات، و غرقت دور كثيرة ببغداد. و فيها كسر طغتكين أتابك عساكر دمشق الفرنج، و عاد مؤيدا منصورا إلى دمشق، و زينت البلد زينة عجيبة مليحة، سرورا بكسره الفرنج. و فيها في رمضان منها حاصر الملك رضوان بن تتش صاحب حلب مدينة نصيبين، و فيها ورد إلى بغداد ملك من الملوك و صحبته رجل يقال له الفقيه، فوعظ الناس في جامع القصر. و حج بالناس رجل من أقرباء الأمير سيف الدولة صدقة.

166

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أبو الفتح الحاكم‏

سمع الحديث من البيهقي و غيره، و علق عن القاضي حسين طريقه و شكره في ذلك، و كان قد تفقه أولا على الشيخ أبى على السنجى، ثم تفقه و علق عن إمام الحرمين في الأصول بحضرته، و استجادة و ولى بلده مدة طويلة، و ناظر، ثم ترك ذلك كله و أقبل على العبادة و تلاوة القرآن. قال ابن خلكان: و بنى للصوفية رباطا من ماله، و لزم التعبد إلى أن مات في مستهل المحرم من هذه السنة.

محمد بن أحمد

ابن محمد بن على بن عبد الرزاق، أبو منصور الحناط، أحد القراء و الصلحاء، ختم ألوفا من الناس، و سمع الحديث الكثير، و حين توفى اجتمع العالم في جنازته اجتماعا لم يجتمع لغيره مثله، و لم يعهد له نظير في تلك الأزمان. و كان عمره يوم توفى سبعا و تسعين سنة (رحمه اللَّه)، و قد رثاه الشعراء، و رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لى بتعليمي الصبيان الفاتحة.

محمد بن عبيد اللَّه بن الحسن‏

ابن الحسين، أبو الفرج البصري قاضيها، سمع أبا الطيب الطبري و الماوردي و غيرهما، و رحل في طلب الحديث، و كان عابدا خاشعا عند الذكر.

مهارش بن مجلى‏

أمير العرب بحديثة غانة، و هو الّذي أودع عنده القائم بأمر اللَّه، حين كانت فتنة البساسيري، فأكرم الخليفة حين ورد عليه، ثم جازاه الخليفة الجزاء الأوفى، و كان الأمير مهارش هذا كثير الصدقة و الصلاة، توفى في هذه السنة عن ثمانين سنة (رحمه اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة خمسمائة من الهجرة

قال أبو داود في سننه: حدثنا حجاج بن إبراهيم حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبى ثعلبة الخشنيّ قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«لن يعجز اللَّه هذه الأمة من نصف يوم».

حدثنا عمر و بن عثمان حدثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد ابن أبى وقاص عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال‏

: «إني لأرجو أن لا يعجز أمتى عند ربها أن يؤخرها نصف يوم. قيل لسعد: و كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة».

و هذا من دلائل النبوة. و ذكر هذه المدة لا ينفى زيادة عليها، كما هو الواقع، لأنه عليه السلام ذكر شيئا من أشراط الساعة لا بد من وقوعها كما أخبر سواء بسواء. و سيأتي ذكرها فيما بعد زماننا، و باللَّه المستعان.

و مما وقع في هذه السنة من الحوادث أن السلطان محمد بن ملك شاه حاصر قلاعا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة، و قتل خلقا منهم، منها قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان، في رأس جبل منيع هناك، و كان سبب بنائه لها أنه كان مرة في بعض صيوده‏

167

فهرب منه كلب فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده، و كان معه رجل من رسل الروم، فقال الرومي: لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتخذنا عليه قلعة، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه قلعة أنفق عليها ألف ألف دينار، و مائتي ألف دينار، ثم استحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له أحمد بن عبد اللَّه بن عطاء، فتعب المسلمون بسببها، فحاصرها ابنه السلطان محمد سنة حتى افتتحها، و سلخ هذا الرجل و حشى جلده تبنا و قطع رأسه، و طاف به في الأقاليم، ثم نقض هذه القلعة حجرا حجرا، و ألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلفت، و هلك ما كان معها من الجواهر النفيسة، و كان الناس يتشاءمون بهذه القلعة، يقولون: كان دليلها كلبا، و المشير بها كافرا، و المتحصن بها زنديقا.

و فيها وقعت حروب كثيرة بين بنى خفاجة و بين بنى عبادة، فقهرت عبادة خفاجة و أخذت بثأرها المتقدم منها. و فيها استحوذ سيف الدولة صدقة على مدينة تكريت بعد قتال كثير. و فيها أرسل السلطان محمد الأمير جاولى سقاوو إلى الموصل و أقطعه إياها، فذهب فانتزعها من الأمير جكرمش بعد ما قاتله و هزم أصحابه و أسره، ثم قتله بعد ذلك و قد كان جكرمش من خيار الأمراء سيرة و عدلا و إحسانا، ثم أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل فانتزعها من جاولى، فصار جاولى إلى الرحبة، فأخذها ثم أقبل إلى قتال قلج فكسره و ألقى قلج نفسه في النهر الّذي للخابور فهلك. و فيها نشأت حروب بين الروم و الفرنج فاقتتلوا قتالا عظيما و للَّه الحمد، و قتل من الفريقين طائفة كبيرة، ثم كانت الهزيمة على الفرنج و للَّه الحمد رب العالمين.

قتل فخر الملك أبو المظفر

و في يوم عاشوراء منها قتل فخر الملك أبو المظفر بن نظام الملك، و كان أكبر أولاد أبيه، و هو وزير السلطان سنجر بنيسابور، و كان صائما، قتله باطني، و كان قد رأى في تلك الليلة الحسين بن على و هو يقول له: عجل إلينا و أفطر عندنا الليلة، فأصبح متعجبا، فنوى الصوم ذلك اليوم، و أشار إليه بعض أصحابه أن لا يخرج ذلك اليوم من المنزل، فما خرج إلا في آخر النهار فرأى شابا يتظلم و في يده رقعة فقال: ما شأنك؟ فناوله الرقعة فبينما هو يقرؤها إذ ضربه بخنجر بيده فقتله، فأخذ الباطني فرفع إلى السلطان فقرره فأقر على جماعة من أصحاب الوزير أنهم أمروه بذلك، و كان كاذبا، فقتل و قتلوا أيضا. و في رابع عشر صفر عزل الخليفة الوزير أبا القاسم على بن جهير و خرب داره التي كان قد بناها أبوه، من خراب بيوت الناس، فكان في ذلك عبرة و موعظة لذوي البصائر و النهى، و استنيب في الوزارة القاضي أبو الحسن الدامغانيّ، و معه آخر. و حج بالناس فيها الأمير تركمان و اسمه اليرن، من جهة الأمير محمد بن ملك شاه.

168

و فيها توفى من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن المظفر

أبو المظفر الخوافي الفقيه الشافعيّ. قال ابن خلكان: كان انظر أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين، و كان أوجه تلامذته، و قد ولى القضاء بطوس و نواحيها، و كان مشهورا بحسن المناظرة و إفحام الخصوم. قال و الخوافي بفتح الخاء و الواو نسبة إلى خواف، ناحية من نواحي نيسابور.

جعفر بن أحمد

ابن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج، أبو محمد القاري البغدادي، ولد سنة ست عشرة و أربعمائة، و قرأ القرآن بالروايات، و سمع الكثير من الأحاديث النبويات، من المشايخ و الشيخات في بلدان متباينات، و قد خرج له الحافظ أبو بكر الخطيب أجزاء مسموعاته، و كان صحيح الثبت، جيد الذهن، أديبا شاعرا، حسن النظم، نظم كتابا في القراءات، و كتاب التنبيه و الخرقى و غير ذلك، و له كتاب مصارع العشاق و غير ذلك، و من شعره قوله:

قتل الذين بجهلهم* * * أضحوا يعيبون المحابر

و الحاملين لها من* * * الأيدي بمجتمع الأساور

لو لا المحابر و المقالم* * * و الصحائف و الدفاتر

و الحافظون شريعة* * * المبعوث من خير العشائر

و الناقلون حديثه عن* * * كابر ثبت و كابر

لرأيت من بشع الضلال* * * عساكرا تتلو عساكر

كل يقول بجهله* * * و اللَّه للمظلوم ناصر

سميتهم أهل الحديث* * * أولى النهى و أولى البصائر

هم حشو جنات النعيم* * * على الأسرة و المنابر

رفقاء أحمد كلهم* * * عن حوضه ريان صادر

و ذكر له ابن خلكان أشعارا رائقة منها قوله:

و مدع شرخ الشباب و قد* * * عممه الشيب على وفرته‏

يخضب بالوشمة عثنونه* * * يكفيه أن يكذب في لحيته‏

عبد الوهاب بن محمد

ابن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي الفارسي، سمع الحديث الكثير، و تفقه و ولاه نظام الملك تدريس النظامية ببغداد، في سنة ثلاث و ثمانين، فدرس بها مدة، و كان يملى الأحاديث، و كان كثير التصحيف، روى مرة حديث «صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين». فقال:

169

كتاب في غلس. ثم أخذ يفسر ذلك بأنه أكثر لإضاءتها.

محمد بن إبراهيم‏

ابن عبيد الأسدي الشاعر، لقي الخنيسي التهامي، و كان مغرما بما يعارض شعره، و قد أقام باليمن و بالعراق ثم بالحجاز ثم بخراسان، و من شعره:

قلت ثقلت إذ أتيت مرارا* * * قال ثقلت كاهلى بالأيادي‏

قلت طولت قال بل تطولت* * * قلت مزقت قال حبل ودادي‏

يوسف بن على‏

أبو القاسم الزنجاني الفقيه، كان من أهل الديانة، حكى عن الشيخ أبى إسحاق الشيرازي عن القاضي أبى الطيب، قال: كنا يوما بجامع المنصور في حلقة فجاء شاب خراسانى فذكر حديث أبى هريرة في المطر فقال الشاب: غير مقبول، فما استتم كلامه حتى سقطت من سقف المسجد حية فنهض الناس هاربين و تبعت الحية ذلك الشاب من بينهم، فقيل له تب تب. فقال: تبت، فذهبت فلا ندري أين ذهبت. رواها ابن الجوزي عن شيخه أبى المعمر الأنصاري عن أبى القاسم هذا و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة إحدى و خمسمائة من الهجرة

فيها جدد الخليفة الخلع على وزيره الجديد أبى المعالي هبة اللَّه بن محمد بن المطلب، و أكرمه و عظمه. و في ربيع الآخر منها دخل السلطان محمد إلى بغداد فتلقاه الوزير و الأعيان، و أحسن إلى أهلها، و لم يتعرض أحد من جيشه إلى شي‏ء. و غضب السلطان على صدقة بن منصور الأسدي صاحب الحلة و تكريت بسبب أنه آوى رجلا من أعدائه يقال له أبو دلف سرحان الديلميّ، صاحب ساوة، و بعث إليه ليرسله إليه فلم يفعل، فأرسل إليه جيشا فهزموا جيش صدقة. و قد كان جيشه عشرين ألف فارس و ثلاثين ألف راجل، و قتل صدقة في المعركة، و أسر جماعة من رءوس أصحابه و أخذوا من زوجته خمسمائة ألف دينار، و جواهر نفيسة. قال ابن الجوزي: و ظهر في هذه السنة صبية عمياء تتكلم على أسرار الناس، و ما في نفوسهم من الضمائر و النيات، و بالغ الناس في أنواع الحيل عليها ليعلموا حالها فلم يعلموا. قال ابن عقيل: و أشكل أمرها على العلماء و الخواص و العوام، حتى سألوها عن نقوش الخواتم المقلوبة الصعبة، و عن أنواع الفصوص و صفات الأشخاص و ما في داخل البنادق من المشمع و الطين المختلف، و الخرق و غير ذلك فتخبر به سواء بسواء، حتى بالغ أحدهم و وضع يده على ذكره و سألها عن ذلك فقالت: يحمله إلى أهله و عياله. و فيها قدم القاضي فخر الملك أبو عبيد على صاحب طرابلس إلى بغداد يستنفر المسلمين على الفرنج، فأكرمه السلطان غياث الدين محمد إكراما زائدا، و خلع عليه و بعث معه الجيوش الكثيرة لقتال الفرنج‏

170

و ممن توفى فيها من الأعيان.

تميم بن المعز بن باديس‏

صاحب إفريقية، كان من خيار الملوك حلما و كرما، و إحسانا، ملك ستا و أربعين سنة، و عمر تسعا و تسعين سنة، و ترك من البنين أنهد من مائة، و من البنات ستين بنتا، و ملك من بعده ولده يحيى، و من أحسن ما مدح به الأمير تميم قول الشاعر:

أصح و أعلى ما سمعناه في الندا* * * من الخبر المروي منذ قديم‏

أحاديث ترويها السيول عن الحيا* * * عن البحر عن كف الأمير تميم‏

صدقة بن منصور

ابن دبيس بن على بن مزيد الأسدي، الأمير سيف الدولة، صاحب الحلة و تكريت و واسط و غيرها، كان كريما عفيفا ذا ذمام، ملجأ لكل خائف يأمن في بلاده، و تحت جناحه، و كان يقرأ الكتب المشكلة و لا يحسن الكتابة، و قد اقتنى كتبا نفيسة جدا، و كان لا يتزوج على امرأة قط، و لا يتسرى على سرية حفظا للذمام، و لئلا يكسر قلب أحد، و قد مدح بأوصاف جميلة كثيرة جدا.

قتل في بعض الحروب، قتله غلام اسمه برغش، و كان له من العمر تسع و خمسون سنة (رحمه اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة ثنتين و خمسمائة

في يوم الجمعة الثاني و العشرين من شعبان تزوج الخليفة المستظهر بالخاتون بنت ملك شاه أخت السلطان محمد، على صداق مائة ألف دينار، و نثر الذهب، و كتب العقد بأصبهان. و فيها كانت الحروب الكثيرة بين الاتابك طغتكين صاحب دمشق و بين الفرنج. و فيها ملك سعيد بن حميد العمرى الحلة السيفية. و فيها زادت دجلة زيادة كثيرة فغرقت الغلات فغلت الأسعار بسبب ذلك غلاء شديدا. و حج بالناس الأمير قيماز.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن العلويّ‏

أبو هاشم ابن رئيس همدان، و كان ذا مال جزيل، صادره السلطان في بعض الأوقات بتسعمائة ألف دينار، فوزنها و لم يبع فيها عقارا و لا غيره.

الحسن بن على‏

أبو الفوارس بن الخازن، الكاتب المشهور بالخط المنسوب. توفى في ذي الحجة منها. قال ابن خلكان: كتب بيده خمسمائة ختمة، مات فجأة.

الروياني صاحب البحر

عبد الواحد بن إسماعيل، أبو المحاسن الروياني، من أهل طبرستان، أحد أئمة الشافعية، ولد سنة خمس عشرة و أربعمائة، و رحل إلى الآفاق حتى بلغ ما وراء النهر، و حصل علوما جمة، و سمع‏

171

الحديث الكثير، و صنف كتبا في المذهب، من ذلك البحر في الفروع، و هو حافل كامل شامل للغرائب و غيرها، و في المثل «حدث عن البحر و لا حرج» و كان يقول: لو احترقت كتب الشافعيّ أمليتها من حفظي، قتل ظلما يوم الجمعة، و هو يوم عاشوراء في الجامع بطبرستان، قتله رجل من أهلها (رحمه اللَّه). قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن ناصر المروزي و علق عنه، و كان للرويانى الجاه العظيم، و الحرمة الوافرة، و قد صنف كتبا في الأصول و الفروع، منها بحر المذهب، و كتاب مناصيص الامام الشافعيّ، و كتاب الكافي، و حلية المؤمن، و له كتب في الخلاف أيضا.

يحيى بن على‏

ابن محمد بن الحسن بن بسطام، الشيباني التبريزي، أبو زكريا، أحد أئمة اللغة و النحو، قرأ على أبى العلاء و غيره، و تخرج به جماعة منهم منصور بن الجواليقيّ. قال ابن ناصر: و كان ثقة في النقل، و له المصنفات الكثيرة. و قال ابن خيرون: لم يكن مرضى الطريقة، توفى في جمادى الآخرة و دفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي بباب أبرز و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث و خمسمائة

فيها أخذت الفرنج مدينة طرابلس و قتلوا من فيها من الرجال، و سبوا الحريم و الأطفال، و غنموا الأمتعة و الأموال، ثم أخذوا مدينة جبلة بعدها بعشر ليال، فلا حول و لا قوة إلا باللَّه الكبير المتعال. و قد هرب منهم فخر الملك بن عمار، فقصد صاحب دمشق طغتكين فأكرمه و أقطعه بلادا كثيرة. و فيها وثب بعض الباطنية على الوزير أبى نصر بن نظام الملك فجرحه ثم أخذ الباطني فسقى الخمر فأقر على جماعة من الباطنية فأخذوا فقتلوا. و حج بالناس الأمير قيماز.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن على‏

ابن أحمد، أبو بكر العلويّ، كان يعمل في تجصيص الحيطان، و لا ينقش صورة، و لا يأخذ من أحد شيئا، و كانت له أملاك ينتفع منها و يتقوت، و قد سمع الحديث من القاضي أبى يعلى، و تفقه عليه بشي‏ء من الفقه، و كان إذا حج يزور القبور بمكة، فإذا وصل إلى قبر الفضيل بن عياض يخط إلى جانبه خطا بعصاه و يقول يا رب هاهنا. فقيل إنه حج في هذه السنة فوقف بعرفات محرما فتوفى بها من آخر ذلك اليوم، فغسل و كفن و طيف به حول البيت ثم دفن إلى جانب الفضيل بن عياض في ذلك المكان الّذي كان يخطه بعصاه، و بلغ الناس وفاته ببغداد فاجتمعوا للصلاة عليه صلاة الغائب، حتى لو مات بين أظهرهم لم يكن عندهم مزيد على ذلك الجمع، (رحمه اللَّه).

عمر بن عبد الكريم‏

ابن سعدويه الفتيان الدهقاني، رحل في طلب الحديث، و دار الدنيا، و خرّج و انتخب، و كان‏

172

له فقه في هذا الشأن، و كان ثقة، و قد صحح عليه أبو حامد الغزالي كتاب الصحيحين. كانت وفاته بسرخس في هذه السنة.

محمد و يعرف بأخي حماد

و كان أحد الصلحاء الكبار، كان به مرض مزمن، فرأى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام فعوفي، فلزم مسجدا له أربعين سنة، لا يخرج إلا إلى الجمعة، و انقطع عن مخالطة الناس، كانت وفاته في هذه السنة، و دفن في زاوية بالقرب من قبر أبى حنيفة (رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة أربع و خمسمائة

في أولها تجهز جماعة من البغاددة من الفقهاء و غيرهم، و منهم ابن الذاغوني، للخروج إلى الشام لأجل الجهاد، و قتال الفرنج، و ذلك حين بلغهم أنهم فتحوا مدائن عديدة، من ذلك مدينة صيدا في ربيع الأول، و كذا غيرها من المدائن، ثم رجع كثير منهم حين بلغهم كثرة الفرنج. و فيها قدمت خاتون بنت ملك شاه زوجة الخليفة إلى بغداد فنزلت في دار أخيها السلطان محمد، ثم حمل جهازها على مائة و اثنين و ستين جملا، و سبعة و عشرين بغلا، و زينت بغداد لقدومها، و كان دخولها على الخليفة في الليلة العاشرة من رمضان، و كانت ليلة مشهودة. و فيها درس أبو بكر الشاشي بالنظاميّة مع الناجية، و حضر عنده الوزير و الأعيان. و حج بالناس قيماز، و لم يتمكن الخراسانيون من الحج من العطش و قلة الماء.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

إدريس بن حمزة

أبو الحسن الشاشي الرمليّ العثماني، أحد فحول المناظرين عن مذهب الشافعيّ، تفقه أولا على نصر بن إبراهيم، ثم ببغداد على أبى إسحاق الشيرازي، و دخل خراسان حتى وصل إلى ما وراء النهر، و أقام بسمرقند و درس بمدرستها إلى أن توفى في هذه السنة.

على بن محمد

ابن على بن عماد الدين، أبو الحسن الطبري، و يعرف بالكيا الهراسي، أحد الفقهاء الكبار، من رءوس الشافعية، ولد سنة خمسين و أربعمائة، و اشتغل على إمام الحرمين، و كان هو و الغزالي أكبر التلامذة، و قد ولى كل منهما تدريس النظامية ببغداد، و قد كان أبو الحسن هذا فصيحا جهوريّ الصوت جميلا، و كان يكرر لعن إبليس على كل مرقاة من مراقى النظامية بنيسابور سبع مرات، و كانت المراقي سبعين مرقاة، و قد سمع الحديث الكثير، و ناظر و أفتى و درس، و كان من أكابر الفضلاء و سادات الفقهاء، و له كتاب يرد فيه على ما انفرد به الامام أحمد بن حنبل في مجلد، و له غيره من المصنفات، و قد انهم في وقت بأنه يمالئ الباطنية، فنزع منه التدريس ثم شهد جماعة من العلماء ببراءته من ذلك منهم ابن عقيل، فأعيد إليه. توفى في يوم الخميس مستهل محرم من هذه السنة عن أربع و خمسين سنة

173

و دفن إلى جانب الشيخ أبى إسحاق الشيرازي. و ذكر ابن خلكان أنه كان يحفظ الحديث و يناظر به، و هو القائل: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رءوس المقاييس في مهاب الرياح، و حكى السلفي عنه أنه استفتى في كتبة الحديث هل يدخلون في الوصية للفقهاء؟ فأجاب: نعم‏

لقوله (صلى اللَّه عليه و سلم)

«من حفظ على أمتى أربعين حديثا بعثه اللَّه عالما».

و استفتى في يزيد بن معاوية فذكر عنه تلاعبا و فسقا، و جوز شتمه، و أما الغزالي فإنه خالف في ذلك، و منع من شتمه و لعنه، لأنه مسلم، و لم يثبت بأنه رضى بقتل الحسين، و لو ثبت لم يكن ذلك مسوغا للعنه، لأن القاتل لا يلعن، لا سيما و باب التوبة مفتوح، و الّذي يقبل التوبة عن عباده غفور رحيم. قال الغزالي: و أما الترحم عليه فجائز، بل مستحب، بل نحن نترحم عليه في جملة المسلمين و المؤمنين، عموما في الصلوات.

ذكره ابن خلكان مبسوطا بلفظه في ترجمة الكيا هذا، قال: و الكيا كبير القدر مقدم معظم و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة خمس و خمسمائة

فيها بعث السلطان غياث الدين جيشا كثيفا، صحبة الأمير مودود بن زنكي صاحب الموصل، في جملة أمراء و نواب، منهم سكمان القطبي، صاحب تبريز، و أحمد يل صاحب مراغة، و الأمير إيلغازي صاحب ماردين، و على الجميع الأمير مودود صاحب الموصل، لقتال الفرنج بالشام، فانتزعوا من أيدي الفرنج حصونا كثيرة، و قتلوا منهم خلقا كثيرا و للَّه الحمد، و لما دخلوا دمشق دخل الأمير مودود إلى جامعها ليصلي فيه فجاءه باطني في زي سائل فطلب منه شيئا فأعطاه، فلما اقترب منه ضربه في فؤاده فمات من ساعته، و وجد رجل أعمى في سطح الجامع ببغداد معه سكين مسموم فقيل إنه كان يريد قتل الخليفة. و فيها ولد للخليفة من بنت السلطان ولد فضربت الدبادب و البوقات، و مات له ولد و هكذا الدنيا فرضى بوفاته و جلس الوزير للهناء و العزاء. و في رمضان عزل الوزير أحمد بن النظام، و كانت مدة وزارته أربع سنين و إحدى عشر شهرا. و فيها حاصرت الفرنج مدينة صور، و كانت بأيدي المصريين، عليها عز الملك الاعز من جهتهم، فقاتلهم قتالا شديدا، و منعها منعا جيدا، حتى فنى ما عنده من النشاب و العدد، فامده طغتكين صاحب دمشق، و أرسل إليه العدد و الآلات فقوى جأشه و ترحلت عنه الفرنج في شوال منها. و حج بالناس أمير الجيوش قطز الخادم، و كانت سنة مخصبة مرخصة.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أبو حامد الغزالي.

محمد بن محمد بن محمد

أبو حامد الغزالي، ولد سنة خمسين و أربعمائة، و تفقه على إمام الحرمين، و برع في علوم كثيرة، و له مصنفات منتشرة في فنون متعددة، فكان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، و ساد في‏

174

شبيبته حتى أنه درس بالنظاميّة ببغداد، في سنة أربع و ثمانين، و له أربع و ثلاثون سنة، فحضر عنده رءوس العلماء، و كان ممن حضر عنده أبو الخطاب و ابن عقيل، و هما من رءوس الحنابلة، فتعجبوا من فصاحته و اطلاعه، قال ابن الجوزي: و كتبوا كلامه في مصنفاتهم، ثم إنه خرج عن الدنيا بالكلية و أقبل على العبادة و أعمال الآخرة، و كان يرتزق من النسخ، و رحل إلى الشام فأقام بها بدمشق و بيت المقدس مدة، و صنف في هذه المدة كتابه إحياء علوم الدين، و هو كتاب عجيب، يشتمل على علوم كثيرة من الشرعيات، و ممزوج بأشياء لطيفة من التصوف و أعمال القلوب، لكن فيه أحاديث كثيرة غرائب و منكرات و موضوعات، كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال و الحرام، فالكتاب الموضوع للرقائق و الترغيب و الترهيب أسهل أمرا من غيره، و قد شنع عليه أبو الفرج ابن الجوزي، ثم ابن الصلاح، في ذلك تشنيعا كثيرا، و أراد المازري أن يحرق كتابه إحياء علوم الدين، و كذلك غيره من المغاربة، و قالوا: هذا كتاب إحياء علوم دينه، و أما ديننا فاحياء علومه كتاب اللَّه و سنة رسوله، كما قد حكيت ذلك في ترجمته في الطبقات، و قد زيف ابن شكر مواضع إحياء علوم الدين، و بين زيفها في مصنف مفيد، و قد كان الغزالي يقول: أنا مزجى البضاعة في الحديث، و يقال إنه مال في آخر عمره إلى سماع الحديث و التحفظ للصحيحين، و قد صنف ابن الجوزي كتابا على الأحياء و سماه علوم الأحياء بأغاليط الاحيا، قال ابن الجوزي: ثم ألزمه بعض الوزراء بالخروج إلى نيسابور فدرس بنظاميتها، ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها، و ابتنى رباطا و اتخذ دارا حسنة، و غرس فيها بستانا أنيقا، و أقبل على تلاوة القرآن و حفظ الأحاديث الصحاح، و كانت وفاته في يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة، و دفن بطوس (رحمه اللَّه تعالى)، و قد سأله بعض أصحابه و هو في السياق فقال: أوصني، فقال: عليك بالإخلاص، و لم يزل يكررها حتى مات (رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة ست و خمسمائة

في جمادى الآخرة منها جلس ابن الطبري مدرسا بالنظاميّة و عزل عنها الشاشي. و فيها دخل الشيخ الصالح أحد العباد يوسف بن داود إلى بغداد، فوعظ الناس، و كان له القبول التام، و كان شافعيا تفقه بالشيخ أبى إسحاق الشيرازي، ثم اشتغل بالعبادة و الزهادة، و كانت له أحوال صالحة، جاراه رجل مرة يقال له ابن السقافى مسألة فقال: له اسكت فانى أجد من كلامك رائحة الكفر، و لعلك أن تموت على غير دين الإسلام، فاتفق بعد حين أنه خرج ابن السقا إلى بلاد الروم في حاجة فتنصر هناك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و قام إليه مرة و هو يعظ الناس ابنا أبى بكر الشاشي فقالا له: إن كنت تتكلم على مذهب الأشعري و إلا فاسكت، فقال: لا متعتما بشبابكما، فماتا شابين، و لم يبلغا سن الكهولة. و حج بالناس فيها أمير الجيوش بطز الخادم، و نالهم عطش.

175

و

ممن توفى فيها من الأعيان‏

صاعد بن منصور

ابن إسماعيل بن صاعد، أبو العلاء الخطيب النيسابورىّ، سمع الحديث الكثير، و ولى الخطابة بعد أبيه و التدريس و التذكير، و كان أبو المعالي الجويني يثنى عليه، و قد ولى قضاء خوارزم.

محمد بن موسى بن عبد اللَّه‏

أبو عبد اللَّه البلاساعوني التركي الحنفي، و يعرف باللامشى، أورد عنه الحافظ ابن عساكر حديثا و ذكر أنه ولى قضاء بيت المقدس، فشكوا منه فعزل عنها، ثم ولى قضاء دمشق، و كان غاليا في مذهب أبى حنيفة، و هو الّذي رتب الاقامة مثنى، قال إلى أن أزال اللَّه ذلك بدولة الملك صلاح الدين. قال: و كان قد عزم على نصب إمام حنفي بالجامع، فامتنع أهل دمشق من ذلك، و امتنعوا من الصلاة خلفه، و صلوا بأجمعهم في دار الخيل، و هي التي قبل الجامع مكان المدرسة الامينية، و ما يجاورها وحدها الطرقات الأربعة، و كان يقول: لو كانت لي الولاية لأخذت من أصحاب الشافعيّ الجزية، و كان مبغضا لأصحاب مالك أيضا. قال: و لم تكن سيرته في القضاء محمودة، و كانت وفاته يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة منها. قال: و قد شهدت جنازته و أنا صغير في الجامع.

المعمر بن المعمر

أبو سعد بن أبى عمار الواعظ، كان فصيحا بليغا ماجنا ظريفا ذكيا، له كلمات في الوعظ حسنة و رسائل مسموعة مستحسنة، توفى في ربيع الأول منها، و دفن بباب حرب.

أبو على المعرى‏

كان عابدا زاهدا، يتقوت بأدنى شي‏ء، ثم عن له أن يشتغل بعلم الكيمياء. فأخذ إلى دار الخلافة فلم يظهر له خبر بعد ذلك.

نزهة

أم ولد الخليفة المستظهر باللَّه، كانت سوداء محتشمة كريمة النفس، توفيت يوم الجمعة ثانى عشر شوال منها.

أبو سعد السمعاني‏

مصنف الأنساب و غيره، و هو تاج الإسلام عبد الكريم بن محمد بن أبى المظفر المنصور عبد الجبار السمعاني، المروزي، الفقيه الشافعيّ، الحافظ المحدث، قوام الدين أحد الأئمة المصنفين رحل و سمع الكثير حتى كتب عن أربعة آلاف شيخ، و صنف التفسير و التاريخ و الأنساب و الذيل على تاريخ الخطيب البغدادي، و ذكر له ابن خلكان مصنفات عديدة جدا، منها كتابه الّذي جمع فيه ألف حديث عن مائة شيخ، و تكلم عليها إسنادا و متنا، و هو مفيد جدا (رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة سبع و خمسمائة

فيها كانت وقعة عظيمة بين المسلمين و الفرنج في أرض طبرية، كان فيها ملك دمشق الاتابك‏

176

طغتكين، و معه صاحب سنجار و صاحب ماردين، و صاحب الموصل، فهزموا الفرنج هزيمة فاضحة، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و غنموا منهم أموالا جزيلة، و ملكوا تلك النواحي كلها، و للَّه الحمد و المنة، ثم رجعوا إلى دمشق فذكر ابن الساعي في تاريخه مقتل الملك مودود صاحب الموصل في هذه السنة، قال صلى هو و الملك طغتكين يوم الجمعة بالجامع، ثم خرجا إلى الصحن و يد كل واحد منهما في يد الآخر فطفر باطني على مودود فقتله (رحمه اللَّه)، فيقال إن طغتكين هو الّذي مالأ عليه فاللَّه أعلم، و جاء كتاب من الفرنج إلى المسلمين و فيه: إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على اللَّه أن يبيدها. و فيها ملك حلب ألب أرسلان بن رضوان بن تتش بعد أبيه، و قام بأمر سلطنته لؤلؤ الخادم، فلم يبق معه سوى الرسم. و فيها فتح المارستان الّذي أنشأه كمشتكين الخادم ببغداد. و حج بالناس زنكي بن برشق.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

إسماعيل بن الحافظ أبى بكر بن الحسين البيهقي‏

سمع الكثير و تنقل في البلاد، و درس بمدينة خوارزم، و كان فاضلا من أهل الحديث، مرضى الطريقة، و كانت وفاته ببلده بيهق في هذه السنة.

شجاع بن أبى شجاع‏

فارس بن الحسين بن فارس أبو غالب الذهلي الحافظ، سمع الكثير، و كان فاضلا في هذا الشأن و شرع في تتميم تاريخ الخطيب ثم غسله، و كان يكثر من الاستغفار و التوبة لأنه كتب شعر ابن الحجاج سبع مرات، توفى في هذا العام عن سبع و سبعين سنة.

محمد بن أحمد

ابن محمد بن أحمد بن إسحاق بن الحسين بن منصور بن معاوية بن محمد بن عثمان بن عتبة بن عبسة بن معاوية بن أبى سفيان بن صخر بن حرب، الأموي أبو المظفر بن أبى العباس الأبيوردي الشاعر، كان عالما باللغة و الأنساب، سمع الكثير و صنف تاريخ أبى ورد، و أنساب العرب، و له كتاب في المؤتلف و المختلف، و غير ذلك، و كان ينسب إلى الكبر و التيه الزائد، حتى كان يدعو في صلاته: اللَّهمّ ملكني مشارق الأرض و مغاربها، و كتب مرة إلى الخليفة الخادم المعاوي، فكشط الخليفة الميم فبقت العاوي، و من شعره قوله:

تنكر لي دهري و لم يدر أننى* * * أعز و أحداث الزمان تهون‏

و ظل يريني الدهر كيف اغتراره* * * و بت أريه الصبر كيف يكون‏

محمد بن طاهر

ابن على بن أحمد: أبو الفضل المقدسي الحافظ، ولد سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، و أول سماعه‏

177

سنة ستين، و سافر في طلب الحديث إلى بلاد كثيرة، و سمع كثيرا، و كان له معرفة جيدة بهذه الصناعة، و صنف كتبا مفيدة، غير أنه صنف كتابا في إباحة السماع، و في التصوف، و ساق فيه أحاديث منكرة جدا، و أورد أحاديث صحيحة في غيره و قد أثنى على حفظه غير واحد من الأئمة.

و ذكر ابن الجوزي في كتابه هذا الّذي سماه. «صفة التصوف» و قال عنه يضحك منه من رآه، قال و كان داودى المذهب، فمن أثنى عليه أثنى لأجل حفظه للحديث، و إلا فما يجرح به أولى. قال:

و ذكره أبو سعد السمعاني و انتصر له بغير حجة، بعد أن قال سألت عنه شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي فأكثر الثناء عليه، و كان سيئ الرأى فيه. قال و سمعنا أبا الفضل ابن ناصر يقول: محمد بن طاهر لا يحتج به، صنف في جواز النظر إلى المرد، و كان يذهب مذهب الاباحية، ثم أورد له من شعره قوله في هذه الأبيات.

دع التصوف و الزهد الّذي اشتغلت* * * به خوارج أقوام من الناس‏

و عج على دير داريا فان به الرهبان* * * ما بين قسيس و شماس‏

و اشرب معتقة من كف كافرة* * * تسقيك خمرين من لحظ و من كاس‏

ثم استمع رنة الأوتار من رشأ* * * مهفهف طرفه أمضى من الماس‏

غنى بشعر امرئ في الناس مشتهر* * * مدون عندهم في صدر قرطاس‏

لو لا نسيم بدا منكم يروحنى* * * لكنت محترقا من حر أنفاسى‏

ثم قال السمعاني: لعله قد تاب من هذا كله. قال ابن الجوزي: و هذا غير مرضى أن يذكر جرح الأئمة له ثم يعتذر عن ذلك باحتمال توبته، و قد ذكر ابن الجوزي أنه لما احتضر جعل يردد هذا البيت.

و ما كنتم تعرفون الجفا* * * فمن نرى قد تعلمتم‏

ثم كانت وفاته بالجانب الغربي من بغداد في ربيع الأول منها.

أبو بكر الشاشي‏

صاحب المستظهري محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي، أحد أئمة الشافعية في زمانه، ولد في المحرم سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و سمع الحديث على أبى يعلى بن الفراء، و أبى بكر الخطيب، و أبى إسحاق الشيرازي، و تفقه عليه و على غيره، و قرأ الشامل على مصنفه ابن الصباغ، و اختصره في كتابه الّذي جمعه للمستظهر باللَّه، و سماه حلية العلماء بمعرفة مذاهب الفقهاء، و يعرف بالمستظهري، و قد درس بالنظاميّة ببغداد ثم عزل عنها و كان ينشد:

تعلم يا فتى و العود غض* * * و طينك لين و الطبع قابل‏

فحسبك يا فتى شرفا و فخرا* * * سكوت الحاضرين و أنت قائل‏

178

توفى سحر يوم السبت السادس عشر من شوال منها، و دفن إلى جانب أبى إسحاق الشيرازي بباب أبرز.

المؤتمن بن أحمد

ابن على بن الحسين بن عبيد اللَّه، أبو نصر الساجي المقدسي، سمع الحديث الكثير، و خرج و كان صحيح النقل، حسن الحظ، مشكور السيرة لطيفا، اشتغل في الفقه على الشيخ أبى إسحاق الشيرازي مدة، و رحل إلى أصبهان و غيرها، و هو معدود من جملة الحفاظ، لا سيما للمتون، و قد تكلم فيه ابن طاهر. قال ابن الجوزي: و هو أحق منه بذلك، و أين الثريا من الثرى؟ توفى المؤتمن يوم السبت ثانى عشر صفر منها، و دفن بباب حرب و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ثمان و خمسمائة

فيها وقع حريق عظيم ببغداد. و فيها كانت زلزلة هائلة بأرض الجزيرة، هدمت منها ثلاثة عشر برجا، و من الرها بيوتا كثيرة، و بعض دور خراسان، و دورا كثيرة في بلاد شتى، فهلك من أهلها نحو من مائة ألف، و خسف بنصف قلعة حران و سلم نصفها، و خسف بمدينة سميساط و هلك تحت الردم خلق كثير. و فيها قتل صاحب حلب تاج الدولة ألب أرسلان بن رضوان بن تتش، قتله غلمانه، و قام من بعده أخوه سلطان شاه بن رضوان. و فيها ملك السلطان سنجر بن ملك شاه بلاد غزنة، و قام من بعده أخوه سلطان شاه بن رضوان. و فيها ملك السلطان سنجر بن ملك شاه بلاد غزنة، و خطب له بها بعد مقاتلة عظيمة، و أخذ منها أموالا كثيرة لم ير مثلها، من ذلك خمس تيجان قيمة كل تاج منها ألف ألف دينار، و سبعة عشر سريرا من ذهب و فضة، و ألف و ثلاثمائة قطعة مصاغ مرصعة، فأقام بها أربعين يوما، و قرر في ملكها بهرام شاه، رجل من بيت سبكتكين، و لم يخطب بها لأحد من السلجوقية غير سنجر هذا، و إنما كان لها ملوك سادة أهل جهاد و شنة، لا يجسر أحد من الملوك عليهم، و لا يطيق أحد مقاومتهم، و هم بنو سبكتكين. و فيها ولى السلطان محمد للأمير آقسنقر البرشقي الموصل و أعمالها، و أمره بمقاتلة الفرنج، فقاتلهم في أواخر هذه السنة فأخذ منهم الرها و حريمها و بروج و سميساط، و نهب ماردين و أسر ابن ملكها أياز إيلغازي، فأرسل السلطان محمد إليه من يتهدده ففر منه إلى طغتكين صاحب دمشق، فاتفقا على عصيان السلطان محمد، فجرت بينهما و بين نائب حمص قرجان بن قراجة حروب كثيرة، ثم اصطلحوا. و فيها ملكت زوجة مرعش الافرنجية بعد وفاة زوجها لعنهما اللَّه. و حج بالناس فيها أمير الجيوش أبو الخير يمن الخادم، و شكر الناس حجهم معه.

ثم دخلت سنة تسع و خمسمائة

فيها جهز السلطان غياث الدين محمد بن ملك شاه صاحب العراق جيشا كثيفا مع الأمير برشق ابن إيلغازي صاحب ماردين إلى صاحب دمشق طغتكين، و إلى آقسنقر البرشقي ليقاتلهما، لأجل‏

179

عصيانهما عليه، و قطع خطبته، و إذا فرغ منهما عمد لقتال الفرنج. فلما اقترب الجيش من بلاد الشام هربا منه و تحيزا إلى الفرنج، و جاء الأمير برشق إلى كفر طاب ففتحها عنوة، و أخذ ما كان فيها من النساء و الذرية، و جاء صاحب أنطاكية روجيل في خمسمائة فارس و ألفى راجل، فكبس المسلمين فقتل منهم خلقا كثيرا، و أخذ أموالا جزيلة و هرب برشق في طائفة قليلة، و تمزق الجيش الّذي كان معه شذ مذر، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و في ذي القعدة منها قدم السلطان محمد إلى بغداد، و جاء إليه طغتكين صاحب دمشق معتذرا إليه، فخلع عليه، و رضى عنه و رده إلى عمله.

و فيها توفى من الأعيان.

إسماعيل بن محمد

ابن أحمد بن على أبو عثمان الأصبهاني أحد الرحالين في طلب الحديث، و قد وعظ في جامع المنصور ثلاثين مجلسا، و استملى عليه محمد بن ناصر، و توفى بأصبهان.

منجب بن عبد اللَّه المستظهري‏

أبو الحسن الخادم، كان كثير العبادة، و قد أثنى عليه محمد بن ناصر، قال: وقف على أصحاب الحديث وقفا

عبد اللَّه بن المبارك‏

ابن موسى، أبو البركات السقطي، سمع الكثير و رحل فيه، و كان فاضلا عارفا باللغة، و دفن بباب حرب‏

يحيى بن تميم بن المعز بن باديس‏

صاحب إفريقية، كان من خيار الملوك، عارفا حسن السيرة محبا للفقراء و العلماء، و له عليهم أرزاق، مات و له اثنتان و خمسون سنة، و ترك ثلاثين ولدا، و قام بالأمر من بعده ولده على.

ثم دخلت سنة عشر و خمسمائة

فيها وقع حريق ببغداد احترقت فيه دور كثيرة، منها دار نور الهدى الزينبي، و رباط نهر زور و دار كتب النظامية، و سلمت الكتب لأن الفقهاء نقلوها. و فيها قتل صاحب مراغة في مجلس السلطان محمد، قتله الباطنية، و في يوم عاشوراء وقعت فتنة عظيمة بين الروافض و السنة بمشهد على ابن موسى الرضا بمدينة طوس، فقتل فيها خلق كثير. و فيها سار السلطان إلى فارس بعد موت نائبها خوفا عليها من صاحب كرمان. و حج بالناس بطز الخادم، و كانت سنة مخصبة آمنة و للَّه الحمد.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

عقيل بن الامام أبى ألوفا

على بن عقيل الحنبلي، كان شابا قد برع و حفظ القرآن و كتب و فهم المعاني جيدا، و لما توفى صبر أبوه و شكر و أظهر التجلد، فقرأ قارئ في العزاء (قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً) الآية، فبكى ابن عقيل بكاء شديدا.

180

على بن أحمد بن محمد

ابن الرزاز، آخر من حدث عن ابن مخلد بجزء الحسن بن عرفة، و تفرد بأشياء غيره. توفى فيها عن سبع و تسعين سنة.

محمد بن منصور

ابن محمد بن عبد الجبار، أبو بكر السمعاني، سمع الكثير و حدث و وعظ بالنظاميّة ببغداد، و أملى بمرو مائة و أربعين مجلسا، و كانت له معرفة تامة بالحديث، و كان أديبا شاعرا فاضلا، له قبول عظيم في القلوب، توفى بمرو عن ثلاث و أربعين سنة.

محمد بن أحمد بن طاهر

ابن أحمد بن منصور الخازن، فقيه الإمامية و مفتيهم بالكرخ، و قد سمع الحديث من التنوخي و ابن غيلان، توفى في رمضان منها.

محمد بن على بن محمد

أبو بكر النسوي، الفقيه الشافعيّ، سمع الحديث، و كانت إليه تزكية الشهود ببغداد، و كان فاضلا أديبا ورعا.

محفوظ بن أحمد

ابن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني، أحد أئمة الحنابلة و مصنفيهم، سمع الكثير و تفقه بالقاضي أبى يعلى، و قرأ الفرائض على الونى، و درس و أفتى و ناظر و صنف في الأصول و الفروع، و له شعر حسن، و جمع قصيدة يذكر فيها اعتقاده و مذهبه يقول فيها:

دع عنك تذكار الخليط المتحد* * * و الشوق نحو الآنسات الخرد

و النوح في تذكار سعدى إنما* * * تذكار سعدى شغل من لم يسعد

و اسمع معاني إن أردت تخلصا* * * يوم الحساب و خذ بقولي تهتدى‏

و ذكر تمامها و هي طويلة، كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثمان و سبعين سنة، و صلى عليه بجامع القصر، و جامع المنصور، و دفن بالقرب من الامام أحمد.

ثم دخلت سنة إحدى عشرة و خمسمائة

في رابع صفر منها انكسف القمر كسوفا كليا، و في تلك الليلة هجم الفرنج على ربض حماه فقتلوا خلقا كثيرا، و رجعوا إلى بلادهم. و فيها كانت زلزلة عظيمة ببغداد سقط منها دور كثيرة بالجانب الغربي و غلت الغلات بها جدا، و فيها قتل لؤلؤ الخادم الّذي كان استحوذ على مملكة حلب بعد موت أستاذه رضوان بن تتش، قتله جماعة من الأتراك، و كان قد خرج من حلب متوجها إلى جعبر، فنادى جماعة من مماليكه و غيرهم أرنب أرنب، فرموه بالنشاب موهمين أنهم يصيدون أرنبا فقتلوه. و فيها كانت وفاة غياث الدين السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن‏

181

سلجوق، سلطان بلاد العراق و خراسان و غير ذلك من البلاد الشاسعة. و الأقاليم الواسعة. كان من خيار الملوك و أحسنهم سيرة، عادلا رحيما، سهل الأخلاق، محمود العشرة، و لما حضرته الوفاة استدعى ولده محمودا و ضمه إليه و بكى كل منهما، ثم أمره بالجلوس على سرير المملكة، و عمره إذ ذاك أربعة عشر سنة، فجلس و عليه التاج و السواران و حكم، و لما توفى أبوه صرف الخزائن إلى العساكر و كان فيها إحدى عشر ألف ألف دينار، و استقر الملك له، و خطب له ببغداد و غيرها من البلاد، و مات السلطان محمد عن تسع و ثلاثين سنة و أربعة أشهر و أياما. و فيها ولد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب حلب بدمشق.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

القاضي المرتضى‏

أبو محمد عبد اللَّه بن القاسم بن المظفر بن على بن القاسم الشهرزوري، والد القاضي جمال الدين عبد اللَّه الشهرزوريّ، قاضى دمشق في أيام نور الدين، اشتغل ببغداد و تفقه بها، و كان شافعيّ المذهب، بارعا دينا، حسن النظم، و له قصيدة في علم التصوف، و كان يتكلم على القلوب، أورد قصيدته بتمامها ابن خلكان لحسنها و فصاحتها، و أولها:

لمعت نارهم و قد عسعس الليل* * * و مل الحادي و حار الدليل‏

فتأملتها و فكرى من البين* * * عليل و لحظ عيني كليل‏

و فؤادي ذاك الفؤاد المعنى* * * و غرامى ذاك الغرام الدخيل‏

و له‏

يا ليل ما جئتكم زائرا* * * إلا وجدت الأرض تطوى لي‏

و لا ثنيت العزم عن بابكم* * * إلا تعثرت باذيالى‏

و له‏

يا قلب إلى متى لا يفيد النصح* * * دع مزحك كم جنى عليك المزح‏

ما جارحة منك غذاها جرح* * * ما تشعر بالخمار حتى تصحو

توفى في هذه السنة. قال ابن خلكان: و زعم عماد الدين في الخريدة أنه توفى بعد العشرين و خمسمائة فاللَّه أعلم.

محمد بن سعد

ابن نبهان، أبو على الكاتب، سمع الحديث و روى و عمر مائة سنة و تغير قبل موته، و له شعر حسن، فمنه قوله في قصيدة له:

لي رزق قدره اللَّه* * * نعم و رزق أتوقاه‏

حتى إذا استوفيت منه* * * الّذي قدر لي لا أتعداه‏

قال كرام كنت أغشاهم* * * في مجلس كنت أغشاه‏

صار ابن نبهان إلى ربه* * * يرحمنا اللَّه و إياه‏

182

أمير الحاج‏

يمن بن عبد اللَّه أبو الخير المستظهري، كان جوادا كريما ممدحا ذا رأي و فطنة ثاقبة، و قد سمع الحديث من أبى عبد اللَّه الحسين بن طلحة النعالى بإفادة أبى نصر الأصبهاني، و كان يؤم به في الصلوات، و لما قدم رسولا إلى أصبهان حدث بها. توفى في ربيع الآخر من هذه السنة و دفن بأصبهان‏

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة و خمسمائة

فيها خطب للسلطان محمد بن ملك شاه بأمر الخليفة المستظهر باللَّه، و فيها سأل دبيس بن صدقة الأسدي من السلطان محمود أن يرده إلى الحلة و غيرها، مما كان أبوه يتولاه من الأعمال، فأجابه إلى ذلك، فعظم و ارتفع شأنه.

وفاة الخليفة المستظهر باللَّه‏

هو أبو العباس أحمد بن المقتدى، كان خيرا فاضلا ذكيا بارعا، كتب الخط المنسوب، و كانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد، و كان راغبا في البر و الخير، مسارعا إلى ذلك، لا يرد سائلا، و كان جميل العشرة لا يصغي إلى أقوال الوشاة من الناس، و لا يثق بالمباشرين، و قد ضبط أمور الخلافة جيدا، و أحكمها و علمها، و كان لديه علم كثير، و له شعر حسن. قد ذكرناه أولا عند ذكر خلافته، و قد ولى غسله ابن عقيل و ابن السنى، و صلى عليه ولده أبو منصور الفضل و كبّر أربعا، و دفن في حجرة كان يسكنها، و من العجب أنه لما مات السلطان ألب أرسلان مات بعده الخليفة القائم، ثم لما مات السلطان ملك شاه مات بعده المقتدى، ثم لما مات السلطان محمد مات بعده المستظهر هذا، في سادس عشر ربيع الآخر، و له من العمر إحدى و أربعون سنة، و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوما.

خلافة المسترشد أمير المؤمنين‏

أبو منصور الفضل بن المستظهر: لما توفى أبوه كما ذكرنا بويع له بالخلافة، و خطب له على المنابر و قد كان ولى العهد من بعده مدة ثلاث و عشرين سنة، و كان الّذي أخذ البيعة له قاضى القضاة أبو الحسن الدامغانيّ، و لما استقرت البيعة له هرب أخوه أبو الحسن في سفينة و معه ثلاثة نفر، و قصد دبيس بن صدقة بن منصور بن دبيس بن على بن مزيد الأسدي بالحلة، فأكرمه و أحسن إليه، فقلق أخوه الخليفة المسترشد من ذلك، فراسل دبيسا في ذلك مع نقيب النقباء الزينبي، فهرب أخو الخليفة من دبيس فأرسل إليه جيشا فألجأوه إلى البرية، فلحقه عطش شديد، فلقيه بدويان فسقياه ماء و حملاه إلى بغداد، فأحضره أخوه إليه فاعتنقا و تباكيا، و أنزله الخليفة دارا كان يسكنها قبل الخلافة، و أحسن إليه، و طيب نفسه، و كانت مدة غيبته عن بغداد إحدى عشر شهرا، و استقرت الخلافة بلا منازعة للمسترشد. و فيها كان غلاء شديد ببغداد، و انقطع الغيث و عدمت الأقوات، و تفاقم أمر

183

العيارين ببغداد، و نهبوا الدور نهارا جهارا، و لم يستطع الشرط دفع ذلك. و حج بالناس في هذه السنة الخادم.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الخليفة المستظهر

كما تقدم. ثم توفيت بعده جدته أم أبيه المقتدى.

أرجوان الأرمنية

و تدعى قرة العين، كان لها بر كثير، و معروف، و قد حجت ثلاث حجات، و أدركت خلافة ابنها المقتدى، و خلافة ابنه المستظهر، و خلافة ابنه المسترشد، و رأت للمسترشد ولدا.

بكر بن محمد بن على‏

ابن الفضل أبو الفضل الأنصاري، روى الحديث، و كان يضرب به المثل في مذهب أبى حنيفة، و تفقه على عبد العزيز بن محمد الحلواني، و كان يذكر الدروس من أي موضع سئل من غير مطالعة و لا مراجعة، و ربما كان في ابتداء طلبه يكرر المسألة أربعمائة مرة. توفى في شعبان منها.

الحسين بن محمد بن عبد الوهاب‏

الزينبي، قرأ القرآن، و سمع الحديث، و تفقه على ابى عبد اللَّه الدامغانيّ، فبرع و أفتى و درس بمشهد أبى حنيفة، و نظر في أوقافها، و انتهت إليه رياسة مذهب أبى حنيفة، و لقب نور الهدى، و سار في الرسلية إلى الملوك، و ولى نقابة الطالببين و العباسيين، ثم استعفى بعد شهور فتولاها أخوه طراد. توفى يوم الاثنين الحادي عشر من صفر، و له من العمر ثنتان و تسعون سنة، و صلى عليه ابنه أبو القاسم على، و حضرت جنازته الأعيان و العلماء، و دفن عند قبر أبى حنيفة داخل القبة.

يوسف بن أحمد أبو طاهر

و يعرف بابن الجزري، صاحب المخزن في أيام المستظهر، و كان لا يتوفى المسترشد حقه من التعظيم و هو ولى العهد، فلما صارت إليه الخلافة صادره بمائة ألف دينار، ثم استقر غلاما له فأومأ إلى بيت فوجد فيه أربعمائة ألف دينار، فأخذها الخليفة ثم كانت وفاته بعد هذا بقليل بهذا العام.

أبو الفضل بن الخازن‏

كان أديبا لطيفا شاعرا فاضلا فمن شعره قوله:

وافيت منزله فلم أر صاحبا* * * إلا تلقاني بوجه ضاحك‏

و البشر في وجه الغلام نتيجة* * * لمقدمات ضياء وجه المالك‏

و دخلت جنته و زرت جحيمه* * * فشكرت رضوانا و رأفة مالك‏

184

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و خمسمائة

فيها كانت الحروب الشديدة بين السلطان محمود بن محمد و بين عمه السلطان سنجر بن ملك شاه و كان النصر فيها السنجر، فخطب له ببغداد في سادس عشر جمادى الأولى من هذه السنة، و قطعت خطبة ابن أخيه في سائر أعماله. و فيها سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة و ملكوها، و قتلوا من أهلها خلقا، فسار إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أرتق في جيش كثيف، فهزمهم و لحقهم إلى جبل قد تحصنوا به، فقتل منهم هنالك مقتلة عظيمة، و للَّه الحمد. و لم يفلت منهم إلا اليسير، و أسر من مقدميهم نيفا و تسعين رجلا، و قتل فيمن قتل سير جال صاحب أنطاكية، و حمل رأسه إلى بغداد، فقال بعض الشعراء في ذلك و قد بالغ مبالغة فاحشة:

قل ما تشاء فقولك المقبول* * * و عليك بعد الخالق التعويل‏

و استبشر القرآن حين نصرته* * * و بكى لفقد رجاله الإنجيل‏

و فيها قتل الأمير منكوبرس الّذي كان شحنة بغداد، و كان ظالما غاشما سيئ السيرة، قتله السلطان محمود بن محمد صبرا بين يديه لأمور: منها أنه تزوج سرية أبيه قبل انقضاء عدتها، و نعم ما فعل و قد أراح اللَّه المسلمين منه ما كان أظلمه و أغشمه. و فيها تولى قضاء قضاة بغداد الأكمل أبو القاسم ابن على بن أبى طالب بن محمد الزينبي، و خلع عليه بعد موت أبى الحسن الدامغانيّ، و فيها ظهر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام و قبر ولديه إسحاق و يعقوب، و شاهد ذلك الناس، و لم تبل أجسادهم، و عندهم قناديل من ذهب و فضة، ذكر ذلك ابن الخازن في تاريخه، و أطال نقله من المنتظم لابن الجوزي و اللَّه أعلم.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

ابن عقيل‏

على بن عقيل بن محمد، أبو ألوفا شيخ الحنابلة ببغداد، و صاحب الفنون و غيرها من التصانيف المفيدة، ولد سنة إحدى و ثلاثين و أربعمائة، و قرأ القرآن على ابن سبطا، و سمع الحديث الكثير، و تفقه بالقاضي أبى يعلى بن الفراء، و قرأ الأدب على ابن برهان، و الفرائض على عبد الملك الهمدانيّ، و الوعظ على أبى طاهر بن العلاف، صاحب ابن سمعون، و الأصول على أبى الوليد المعتزلي، و كان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، فربما لامه بعض أصحابه فلا يلوى عليهم، فلهذا برز على أقرانه و ساد أهل زمانه في فنون كثيرة، مع صيانة و ديانة و حسن صورة و كثرة اشتغال، و قد وعظ في بعض الأحيان فوقعت فتنة فترك ذلك، و قد متعه اللَّه بجميع حواسه إلى حين موته، توفى بكرة الجمعة ثانى جمادى الأولى من هذه السنة، و قد جاوز الثمانين، و كانت جنازته حافلة جدا، و دفن قريبا من قبر الامام أحمد، إلى جانب الخادم مخلص (رحمه اللَّه).

185

أبو الحسن على بن محمد الدامغانيّ‏

قاضى القضاة ابن قاضى القضاة، ولد في رجب سنة ست و أربعين و أربعمائة، و ولى القضاء بباب الطاق من بغداد و له من العمر ست و عشرون سنة، و لا يعرف حاكم قضى لأربعة من الخلفاء غيره إلا شريح، ثم ذكر إمامته و ديانته و صيانته مما يدل على نخوته، و تفوقه و قوته، تولى الحكم أربعا و عشرين سنة و ستة أشهر، و قبره عند مشهد أبى حنيفة.

المبارك بن على‏

ابن الحسين أبو سعد المخرمي، سمع الحديث و تفقه على مذهب أحمد، و ناظر و أفتى و درس، و جمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى مثلها، و ناب في القضاء، و كان حسن السيرة جميل الطريق، سديد الأقضية، و قد بنى مدرسة بباب الأزج و هي المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي الحنبلي، ثم عزل عن القضاء و صودر بأموال جزيلة، و ذلك في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و توفى في المحرم من هذه السنة و دفن إلى جانب أبى بكر الخلال عند قبر أحمد.

ثم دخلت سنة أربع عشرة و خمسمائة

في النصف من ربيع الأول منها كانت وقعة عظيمة بين الأخوين السلطان محمود و مسعود ابني محمد بن ملك شاه عند عقبة أسدآباذ، فانهزم عسكر مسعود و أسر وزيره الأستاذ أبو إسماعيل و جماعة من أمرائه، فأمر السلطان محمود بقتل الوزير أبى إسماعيل، فقتل و له نيف و ستون سنة، و له تصانيف في صناعة الكيمياء. ثم أرسل إلى أخيه مسعود الأمان و استقدمه عليه، فلما التقيا بكيا و اصطلحا.

و فيها نهب دبيس صاحب الحلة البلاد، و ركب بنفسه إلى بغداد، و نصب خيمته بإزاء دار الخلافة، و أظهر ما في نفسه من الضغائن، و ذكر كيف طيف برأس أبيه في البلاد، و تهدد المسترشد، فأرسل إليه الخليفة يسكن جأشه و يعده أنه سيصلح بينه و بين السلطان محمود، فلما قدم السلطان محمود بغداد أرسل دبيس يستأمن فأمنه و أجراه على عادته، ثم إنه نهب جسر السلطان فركب بنفسه السلطان لقتاله و استصحب معه ألف سفينة ليعبر فيها، فهرب دبيس و التجأ إلى إيلغازي فأقام عنده سنة، ثم عاد إلى الحلة و أرسل إلى الخليفة و السلطان يعتذر إليهما مما كان منه، فلم يقبلا منه، و جهز إليه السلطان جيشا فحاصروه و ضيقوا عليه قريبا من سنة، و هو ممتنع في بلاده لا يقدر الجيش على الوصول إليه. و فيها كانت وقعة عظيمة بين الكرج و المسلمين بالقرب من تفليس، و مع الكرج كفار الفقجاق فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا، و غنموا أموالا جزيلة، و أسروا نحوا من أربعة آلاف أسير، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و نهب الكرج تلك النواحي و فعلوا أشياء منكرة، و حاصروا تفليس مدة ثم ملكوها عنوة، بعد ما أحرقوا القاضي و الخطيب حين خرجوا إليهم يطلبون منهم الأمان، و قتلوا عامة أهلها، و سبوا الذرية و استحوذوا على الأموال، فلا حول و لا قوة إلا باللَّه. و فيها أغار

186

جوسكين الفرنجى على خلق من العرب و التركمان فقتلهم و أخذ أموالهم، و هذا هو صاحب الرها.

و فيها تمردت العيارون ببغداد و أخذوا الدور جهارا ليلا و نهارا، فحسبنا اللَّه و نعم الوكيل.

و فيها كان ابتداء ملك محمد بن تومرت ببلاد المغرب، كان ابتداء أمر هذا الرجل أنه قدم في حداثة سنه من بلاد المغرب فسكن النظامية ببغداد، و اشتغل بالعلم فحصل منه جانبا جيدا من الفروع و الأصول، على الغزالي و غيره، و كان يظهر التعبد و الزهد و الورع، و ربما كان ينكر على الغزالي حسن ملابسه، و لا سيما لما لبس خلع التدريس بالنظاميّة، أظهر الإنكار عليه جدا، و كذلك على غيره، ثم إنه حج و عاد إلى بلاده، و كان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقرئ الناس القرآن و يشغلهم في الفقه، فطار ذكره في الناس، و اجتمع به يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب بلاد إفريقية، فعظمه و أكرمه، و سأله الدعاء، فاشتهر أيضا بذلك، و بعد صيته، و ليس معه إلا ركوة و عصا، و لا يسكن إلا المساجد، ثم جعل ينتقل من بلد إلى بلد حتى دخل مراكش و معه تلميذه عبد المؤمن بن على، و قد كان توسم النجابة و الشهامة فيه، فرأى في مراكش من المنكرات أضعاف ما رأى في غيرها، من ذلك أن الرجال يتلثمون و النساء يمشين حاسرات عن وجوههن، فأخذ في إنكار ذلك حتى أنه اجتازت به في بعض الأيام أخت أمير المسلمين يوسف ملك مراكش و ما حولها، و معها نساء مثلها راكبات حاسرات عن وجوههن، فشرع هو و أصحابه في الإنكار عليهنّ، و جعلوا يضربون وجوه الدواب فسقطت أخت الملك عن دابتها، فأحضره الملك و أحضر الفقهاء فظهر عليهم بالحجة، و أخذ يعظ الملك في خاصة نفسه، حتى أبكاه، و مع هذا نفاه الملك عن بلده فشرع يشنع عليه و يدعو الناس إلى قتاله، فاتبعه على ذلك خلق كثير، فجهز إليه الملك جيشا كثيفا فهزمهم ابن تومرت، فعظم شأنه و ارتفع أمره، و قويت شوكته، و تسمى بالمهديّ، و سمى جيشه جيش الموحدين و ألف كتابا في التوحيد و عقيدة تسمى المرشدة، ثم كانت له وقعات مع جيوش صاحب مراكش، فقتل منهم في بعض الأيام نحوا من سبعين ألفا، و ذلك بإشارة أبى عبد اللَّه التومرتي، و كان ذكر أنه نزل إليه ملك و علمه القرآن و الموطأ، و له بذلك ملائكة يشهدون به في بئر سماه، فلما اجتاز به و كان قد أرصد فيه رجالا، فلما سألهم عن ذلك و الناس حضور معه على ذلك البئر شهدوا له بذلك، فأمر حينئذ بطم البئر عليهم فماتوا عن آخرهم، و لهذا يقال من أعان ظالما سلط عليه. ثم جهز ابن تومرت الّذي لقب نفسه بالمهديّ جيشا عليهم أبو عبد اللَّه التومرتي، و عبد المؤمن، لمحاصرة مراكش، فخرج إليهم أهلها فاقتتلوا قتالا شديدا، و كان في جملة من قتل أبو عبد اللَّه التومرتي هذا الّذي زعم أن الملائكة تخاطبه، ثم افتقدوه في القتلى فلم يجدوه، فقالوا: إن الملائكة رفعته، و قد كان عبد المؤمن دفنه و الناس في المعركة، و قتل ممن معه من أصحاب المهدي خلق كثير، و قد كان حين جهز الجيش‏

187

مريضا مدنفا، فلما جاءه الخبر ازداد مرضا إلى مرضه، و ساءه قتل أبى عبد اللَّه التومرتي، و جعل الأمر من بعده لعبد المؤمن بن على، و لقبه أمير المؤمنين. و قد كان شابا حسنا حازما عاقلا، ثم مات ابن تومرت و قد أتت عليه إحدى و خمسون سنة، و مدة ملكه عشر سنين، و حين صار إلى عبد المؤمن ابن على الملك أحسن إلى الرعايا، و ظهرت له سيرة جيدة فأحبه الناس، و اتسعت ممالكه، و كثرت جيوشه و رعيته، و نصب العداوة إلى تاشفين صاحب مراكش، و لم يزل الحرب بينهما إلى سنة خمس و ثلاثين، فمات تاشفين فقام ولده من بعده، فمات في سنة تسع و ثلاثين ليلة سبع و عشرين من رمضان، فتولى أخوه إسحاق بن على بن يوسف بن تاشفين، فسار إليه عبد المؤمن فملك تلك النواحي، و فتح مدينة مراكش، و قتل هنالك أمما لا يعلم عددهم إلا اللَّه عز و جل، قتل ملكها إسحاق و كان صغير السن في سنة ثنتين و أربعين، و كان إسحاق هذا آخر ملوك المرابطين، و كان ملكهم سبعين سنة. و الذين ملكوا منهم أربعة: على و ولده يوسف، و ولداه أبو سفيان و إسحاق ابنا على المذكور، فاستوطن عبد المؤمن مدينة مراكش، و استقر ملكه بتلك الناحية، و ظفر في سنة ثلاث و أربعين بدكالة و هي قبيلة عظيمة نحو مائتي ألف راجل و عشرين ألف فارس مقاتل، و هم من الشجعان الأبطال، فقتل منهم خلقا كثيرا، و جما غفيرا، و سبى ذراريهم و غنم أموالهم حتى إنه بيعت الجارية الحسناء بدراهم معدودة، و قد رأيت لبعضهم في سيرة ابن تومرت هذا مجلدا في أحكامه و إمامته، و ما كان في أيامه، و كيف تملك بلاد المغرب، و ما كان يتعاطاه من الأشياء التي توهم أنها أحوال برة، و هي محالات لا تصدر إلا عن فجرة، و ما قتل من الناس و أزهق من الأنفس.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن عبد الوهاب بن السنى‏

أبو البركات، أسند الحديث و كان يعلم أولاد الخليفة المستظهر، فلما صارت الخلافة إلى المسترشد ولاه المخزن، و كان كثير الأموال و الصدقات، يتعاهد أهل العلم، و خلف مالا كثيرا حزر بمائتي ألف دينار، أوصى منه بثلاثين ألف دينار لمكة و المدينة، توفى فيها عن ست و خمسين سنة و ثلاثة أشهر، و صلى عليه الوزير أبو على بن صدقة، و دفن بباب حرب.

عبد الرحيم بن عبد الكبير

ابن هوازن، أبو نصر القشيري، قرأ على أبيه و إمام الحرمين، و روى الحديث عن جماعة، و كان ذا ذكاء و فطنة، و له خاطر حاضر جري‏ء، و لسان ماهر فصيح، و قد دخل بغداد فوعظ بها فوقع بسببه فتنة بين الحنابلة و الشافعية، فحبس بسببها الشريف أبو جعفر بن أبى موسى، و أخرج ابن القشيري من بغداد لإطفاء الفتنة فعاد إلى بلده، توفى في هذه السنة.

188

عبد العزيز بن على‏

ابن حامد أبو حامد الدينَوَريّ، كان كثير المال و الصدقات، ذا حشمة و ثروة و وجاهة عند الخليفة، و قد روى الحديث و وعظ، و كان مليح الإيراد حلو المنطق، توفى بالري و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة خمس عشر و خمسمائة

فيها أقطع السلطان محمود الأمير إيلغازي مدينة ميافارقين، فبقيت في يد أولاده إلى أن أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب، في سنة ثمانين و خمسمائة. و فيها أقطع آقسنقر البرشقي مدينة الموصل لقتال الفرنج، و فيها حاصر ملك بن بهرام و هو ابن أخى إيلغازي مدينة الرها فأسر ملكها جوسكين الأفرنجي و جماعة من رءوس أصحابه و سجنهم بقلعة خرتبرت. و فيها هبت ريح سوداء فاستمرت ثلاثة أيام فأهلكت خلقا كثيرا من الناس و الدواب. و فيها كانت زلزلة عظيمة بالحجاز فتضعضع بسببها الركن اليماني، و تهدم بعضه، و تهدم شي‏ء من مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و فيها ظهر رجل علوي بمكة كان قد اشتغل بالنظاميّة في الفقه و غيره، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، فاتبعه ناس كثير فنفاه صاحبها ابن أبى هاشم إلى البحرين. و فيها احترقت دار السلطان بأصبهان، فلم يبق فيها شي‏ء من الآثار و القماش و الجواهر و الذهب و الفضة سوى الياقوت الأحمر، و قبل ذلك بأسبوع احترق جامع أصبهان، و كان جامعا عظيما، فيه من الأخشاب ما يساوى ألف دينار، و من جملة ما احترق فيه خمسمائة مصحف، من جملتها مصحف بخط أبى بن كعب، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و في شعبان منها جلس الخليفة المسترشد في دار الخلافة في أبهة الخلافة، و جاء الاخوان السلطان محمود و مسعود فقبلا الأرض و وقفا بين يديه، فخلع على محمود سبع خلع و طوقا و سوارين و تاجا، و أجلس على كرسي و وعظه الخليفة، و تلا عليه قوله تعالى‏ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) و أمره بالإحسان إلى الرعايا، و عقد له لواءين بيده، و قلده الملك، و خرجا من بين يديه مطاعين معظمين، و الجيش بين أيديهما في أبهة عظيمة جدا. و حج بالناس قطز الخادم.

و ممن توفى فيها.

ابن القطاع اللغوي أبو القاسم على بن جعفر بن محمد

ابن الحسين بن أحمد بن محمد بن زيادة اللَّه بن محمد بن الأغلب السعدي الصقلى، ثم المصري اللغوي المصنف كتاب الأفعال، الّذي برز فيه على ابن القوطية، و له مصنفات كثيرة، قدم مصر في حدود سنة خمسمائة لما أشرفت الفرنج على أخذ صقلّيّة، فأكرمه المصريون و بالغوا في إكرامه، و كان ينسب إلى التساهل في الدين، و له شعر جيد قوى، مات و قد جاوز الثمانين.

أبو القاسم شاهنشاه‏

الأفضل بن أمير الجيوش بمصر، مدبر دولة الفاطميين، و إليه تنسب قيسرية أمير الجيوش‏

189

بمصر، و العامة تقول مرجوش، و أبوه باني الجامع الّذي بثغر الاسكندرية بسوق العطارين، و مشهد الرأس بعسقلان أيضا، و كان أبوه نائب المستنصر على مدينة صور، و قيل على عكا، ثم استدعاه إليه في فصل الشتاء فركب البحر فاستنابه على ديار مصر، فسدد الأمور بعد فسادها، و مات في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، و قام في الوزارة ولده الأفضل هذا، و كان كأبيه في الشهامة و الصرامة، و لما مات المستنصر أقام المستعلى و استمرت الأمور على يديه، و كان عادلا حسن السيرة، موصوفا بجودة السريرة فاللَّه أعلم، ضربه فداوى و هو راكب فقتله في رمضان من هذه السنة، عن سبع و خمسين سنة، و كانت إمارته من ذلك بعد أبيه ثمان و عشرين سنة، و كانت داره دار الوكالة اليوم بمصر، و قد وجد له أموال عديدة جدا، تفوق العد و الإحصاء، من القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث، و الجواهر النفائس، فانتقل ذلك كله إلى الخليفة الفاطمي، فجعل في خزانته، و ذهب جامعه إلى سواء الحساب، على الفتيل من ذلك و النقير و القطمير و اعتاض عنه الخليفة بأبي عبد اللَّه البطائحي، و لقبه المأمون. قال ابن خلكان: ترك الأفضل من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار مكررة، و من الدراهم مائتين و خمسين أردبا، و سبعين ثوب ديباج أطلس، و ثلاثين راحلة أحقاق ذهب عراقي، و دواة ذهب فيها جوهرة باثني عشر ألف دينار، و مائة مسمار ذهب زنة كل مسمار مائة مثقال، في عشرة مجالس كان يجلس فيها، على كل مسمار منديل مشدود بذهب، كل منديل على لون من الألوان من ملابسه، و خمسمائة صندوق كسوة للبس بدنه، قال: و خلف من الرقيق و الخيل و البغال و المراكب و المسك و الطيب و الحلي ما لا يعلم قدره إلا اللَّه عز و جل، و خلف من البقر و الجواميس و الغنم ما يستحيى الإنسان من ذكره، و بلغ ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار، و ترك صندوقين كبيرين مملوءين إبر ذهب برسم النساء.

عبد الرزاق بن عبد اللَّه‏

ابن على بن إسحاق الطوسي، ابن أخى نظام الملك، تفقه بإمام الحرمين، و أفتى و درس و ناظر، و وزر للملك سنجر

خاتون السفرية

حظية السلطان ملك شاه، و هي أم السلطانين محمد و سنجر، كانت كثيرة الصدقة و الإحسان إلى الناس، لها في كل سنة سبيل يخرج مع الحجاج. و فيها دين و خير، و لم تزل تبحث حتى عرفت مكان أمها و أهلها، فبعثت الأموال الجزيلة حتى استحضرتهم، و لما قدمت عليها أمها كان لها عنها أربعين سنة لم ترها، فأحبت أن تستعلم فهمها فجلست بين جواريها، فلما سمعت أمها كلامها عرفتها فقامت إليها فاعتنقا و بكيا، ثم أسلمت أمها على يديها جزاها اللَّه خيرا. و قد تفردت بولادة ملكين من ملوك المسلمين، في دولة الأتراك و العجم، و لا يعرف لها نظير في ذلك إلا اليسير من ذلك، و هي‏

190

ولادة بنت العباس، ولدت لعبد الملك الوليد و سليمان، و شاهوند ولدت للوليد يزيد و إبراهيم، و قد وليا الخلافة أيضا، و الخيزران ولدت للمهدي الهادي و الرشيد.

الطغرائى‏

صاحب لامية العجم، الحسين بن على بن عبد الصمد، مؤيد الدين الأصبهاني، العميد فخر الكتاب الليثي الشاعر، المعروف بالطغرائى، ولى الوزارة بأربل مدة، أورد له ابن خلكان قصيدته اللامية التي ألفها في سنة خمس و خمسمائة، في بغداد، يشرح فيها أحواله و أموره، و تعرف بلامية العجم أولها:

أصالة الرأى صانتنى عن الخطل* * * و حلية الفضل زانتني لدى العطل‏

مجدي أخيرا و مجدي أولا شرع* * * و الشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل‏

فيم الاقامة بالزوراء؟ لا سكنى* * * بها و لا ناقتي فيها و لا جملي‏

و قد سردها ابن خلكان بكمالها، و أورد له غير ذلك من الشعر و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ست عشرة و خمسمائة

في المحرم منها رجع السلطان طغرلبك إلى طاعة أخيه محمود، بعد ما كان قد خرج عنها، و أخذ بلاد أذربيجان. و فيها أقطع السلطان محمود مدينة واسط لآقسنقر مضافا إلى الموصل، فسير إليها عماد الدين زنكي بن آقسنقر، فأحسن السيرة بها و أبان عن حزم و كفاية. و في صفر منها قتل الوزير السلطان محمود أبو طالب السميرمى، قتله باطني، و كان قد برز للمسير إلى همذان، و كانت قد خرجت زوجته في مائة جارية بمراكب الذهب، فلما بلغهن قتله رجعن حافيات حاسرات عن وجوههن، قد هن بعد العز، و استوزر السلطان مكانه شمس الدين الملك عثمان بن نظام الملك. و فيها التقى آقسنقر و دبيس بن صدقة، فهزمه دبيس و قتل خلقا من جيشه، فأوثق السلطان منصور بن صدقة أخا دبيس و ولده، و رفعهما إلى القلعة، فعند ذلك آذى دبيس تلك الناحية و نهب البلاد، و جز شعره و لبس السواد، و نهبت أموال الخليفة أيضا، فنودي في بغداد للخروج لقتاله، و برز الخليفة في الجيش و عليه قباء أسود و طرحة، و على كتفيه البردة و بيده القضيب، و في وسطه منطقة حرير صينى، و معه وزيره نظام الدين أحمد بن نظام الملك، و نقيب النقباء على بن طراد الزينبي، و شيخ الشيوخ صدر الدين بن إسماعيل، و تلقاه آقسنقر البرشقي و معه الجيش فقبلوا الأرض و رتب البرشقي الجيش، و وقف القراء بين يدي الخليفة، و أقبل دبيس و بين يديه الإماء يضر بن بالدفوف و المخانيث بالملاهي، و التقى الفريقان، و قد شهر الخليفة سيفه و كبر و اقترب من المعركة، فحمل عنتر بن أبى العسكر على ميمنة الخليفة فكسرها و قتل أميرها ثم حمل مرة ثانية فكشفهم كالأولى فحمل عليه عماد

191

الدين زنكي ابن آقسنقر فأسر عنتر و أسر معه بديل بن زائدة، ثم انهزم عسكر دبيس و ألقوا أنفسهم في الماء، فغرق كثير منهم، فأمر الخليفة بضرب أعناق الأسارى صبرا بين يديه، و حصل نساء دبيس و سراريه تحت الأسر، و عاد الخليفة إلى بغداد فدخلها في يوم عاشوراء من السنة الآتية، و كانت غيبته عن بغداد ستة عشر يوما، و أما دبيس فإنه نجا بنفسه و قصد غزية ثم إلى المنتفق فصحبهم إلى البصرة فدخلها و نهبها و قتل أميرها، ثم خاف من البرشقي فخرج منها و سار على البرية و التحق بالفرنج، و حضر معهم حصار حلب، ثم فارقهم و التحق بالملك طغرل أخى السلطان محمود. و فيها ملك السلطان سهام الدين تمراش بن إيلغازي ابن أرتق قلعة ماردين بعد وفاة أبيه، و ملك أخوه سليمان ميافارقين. و فيها ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبا من قلعة ذي القرنين. و فيها دخل جماعة من الوعاظ إلى بغداد فوعظوا بها، و حصل لهم قبول تام من العوام. و حج بالناس قطز الخادم.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

عبد اللَّه بن أحمد

ابن عمر بن أبى الأشعث، أبو محمد السمرقندي، أخو أبى القاسم، و كان من حفاظ الحديث، و قد زعم أن عنده منه ما ليس عنده أبى زرعة الرازيّ، و قد صحب الخطيب مدة و جمع و ألف و صنف و رحل إلى الآفاق، توفى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول بها عن ثمانين سنة.

على بن أحمد السميرمى‏

نسبة إلى قرية بأصبهان، كان وزير السلطان محمود، و كان مجاهرا بالظلم و الفسق، و أحدث على الناس مكوسا، و جددها بعد ما كانت قد أزيلت من مدة متطاولة، و كان يقول: قد استحييت من كثرة ظلم من لا ناصر له، و كثرة ما أحدثت من السنن السيئة، و لما عزم على الخروج إلى همذان أحضر المنجمين فضربوا له تخت رمل لساعة خروجه ليكون أسرع لعودته، فخرج في تلك الساعة و بين يديه السيوف المسلولة، و المماليك الكثيرة بالعدد الباهرة، فما أغنى عنه ذلك شيئا، بل جاءه باطني فضربه فقتله، ثم مات الباطني بعده، و رجع نساؤه بعد أن ذهبن بين يديه على مراكب الذهب، حاسرات عن وجوههن، قد أبدلهن اللَّه الذل بعد العز، و الخوف بعد الأمن، و الحزن بعد السرور و الفرح، جزاء وفاقا، و ذلك يوم الثلاثاء سلخ صفر، و ما أشبه حالهن بقول أبى العتاهية في الخيزران و جواريها حين مات المهدي:

رحن في الوشي عليهنّ المسوح* * * كل بطاح من الناس له يوم يطوح‏

لتموتن و لو عمرت ما عمر نوح* * * فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح‏

الحريري صاحب المقامات‏

القاسم بن على بن محمد بن محمد بن عثمان، فخر الدولة أبو محمد الحريري. مؤلف المقامات التي‏

192

سارت بفصاحتها الركبان، و كاد يربو فيها على سحبان، و لم يسبق إلى مثلها و لا يلحق، ولد سنة ست و أربعين و أربعمائة و سمع الحديث و اشتغل باللغة و النحو، و صنف في ذلك كله، و فاق أهل زمانه، و برز على أقرانه، و أقام ببغداد و عمل صناعة الإنشاء مع الكتاب في باب الخليفة، و لم يكن ممن تنكر بديهته و لا تتعكر فكرته و قريحته. قال ابن الجوزي: صنف و قرأ الأدب و اللغة، و فاق أهل زمانه بالذكاء و الفطنة و الفصاحة، و حسن العبارة، و صنف المقامات المعروفة التي من تأملها عرف ذكاء منشئها، و قدره و فصاحته، و علمه. توفى في هذه السنة بالبصرة. و قد قيل إن أبا زيد و الحارث بن همام المطهر لا وجود لهما، و إنما جعل هذه المقامات من باب الأمثال، و منهم من يقول أبو زيد بن سلام السروجي كان له وجود، و كان فاضلا، و له علم و معرفة باللغة فاللَّه أعلم. و ذكر ابن خلكان أن أبا زيد كان اسمه المطهر بن سلام، و كان بصريا فاضلا في النحو و اللغة، و كان يشتغل عليه الحريري بالبصرة، و أما الحارث بن همام فإنه غنى بنفسه، لما جاء في الحديث كلكم حارث و كلكم همام. كذا قال ابن خلكان. و إنما اللفظ المحفوظ «أصدق الأسماء حارث و همام» لأن كل أحد إما حارث و هو الفاعل، أو همام من الهمة و هو العزم و الخاطر، و ذكر أن أول مقامة عملها الثامنة و الأربعون و هي الحرامية، و كان سببها أنه دخل عليهم في مسجد البصرة رجل ذو طمرين فصيح اللسان، فاستسموه فقال أبو زيد السروجي، فعمل فيه هذه المقامة، فأشار عليه وزير الخليفة المسترشد جلال الدين عميد الدولة أبو على الحسن بن أبى المعز بن صدقة، أن يكمل عليها تمام خمسين مقامة. قال ابن خلكان: كذا رأيته في نسخة بخط المصنف، على حاشيتها، و هو أصح من قول من قال إنه الوزير شرف الدين أبو نصر أنوشروان بن محمد بن خالد بن محمد القاشاني، و هو وزير المسترشد أيضا، و يقال إن الحريري كان قد عملها أربعين مقامة، فلما قدم بغداد و لم يصدق في ذلك لعجز الناس عن مثلها، فامتحنه بعض الوزراء أن يعمل مقامة فأخذ الدواة و القرطاس و جلس ناحية فلم يتيسر له شي‏ء، فلما عاد إلى بلده عمل عشرة أخرى فأتمها خمسين مقامة، و قد قال فيه أبو القاسم على بن أفلح الشاعر، و كان من جملة المكذبين له فيها:

شيخ لنا من ربيعة الفرس* * * ينتف عثنونه من الهوس‏

أنطقه اللَّه بالمشان كما* * * رماه وسط الديوان بالخرس‏

و معنى قوله بالمشان هو مكان بالبصرة، و كان الحريري صدر ديوان المشان، و يقال إنه كان ذميم الخلق، فاتفق أن رجلا رحل إليه فلما رآه ازدراه ففهم الحريري ذلك فأنشأ يقول:

ما أنت أول سار غره قمر* * * و رائدا أعجبته خضرة الدمن‏

فاختر لنفسك غيري إنني رجل* * * مثل المعيدي فاسمع بى و لا ترني‏

193

و يقال إن المعيدي اسم حصان جواد كان في العرب ذميم الخلق و اللَّه أعلم.

البغوي المفسر

الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، صاحب التفسير و شرح السنة و التهذيب في الفقه، و الجمع بين الصحيحين و المصابيح في الصحاح و الحسان، و غير ذلك، اشتغل على القاضي حسين و برع في هذه العلوم، و كان علامة زمانه فيها، و كان دينا ورعا زاهدا عابدا صالحا. توفى في شوال منها و قيل في سنة عشر فاللَّه أعلم. و دفن مع شيخه القاضي حسين بالطالقان و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة سبع عشرة و خمسمائة

في يوم عاشوراء منها عاد الخليفة من الحلة إلى بغداد مؤيدا منصورا من قتال دبيس. و فيها عزم الخليفة على طهور أولاد أخيه، و كانوا اثنى عشر ذكرا، فزينت بغداد سبعة أيام بزينة لم ير مثلها.

و في شعبان منها قدم أسعد المهيتى مدرسا بالنظاميّة ببغداد، و ناظرا عليها، و صرف الباقرجي عنها، و وقع بينه و بين الفقهاء فتنة بسبب أنه قطع منهم جماعة، و اكتفى بمائتي طالب منهم، فلم يهن ذلك على كثير منهم. و فيها سار السلطان محمود إلى بلاد الكرج و قد وقع بينهم و بين القفجاق خلف فقاتلهم فهزمهم، ثم عاد إلى همدان. و فيها ملك طغتكين صاحب دمشق مدينة حماه بعد وفاة صاحبها قراجا، و قد كان ظالما غاشما. و فيها عزل نقيب العلويين و هدمت داره و هو على بن أفلح، لأنه كان عينا لدبيس، و أضيف إلى على بن طراد نقابة العلويين مع نقابة العباسيين.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن محمد

ابن على بن صدقة، التغلبي، المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقيّ، الكاتب، له ديوان شعر مشهور. قال ابن عساكر ختم به شعر الشعراء بدمشق، شعره جيد حسن، و كان مكثرا لحفظ الأشعار المتقدمة و أخبارهم، و أورد له ابن خلكان قطعة جيدة من شعره من قصيدته التي لو لم يكن له سواها لكفته و هي التي يقول فيها:

خذا من صبا نجد أمانا لقلبه* * * فقد كاد رياها يطير بلبه‏

و إياكما ذاك النسيم فإنه* * * متى هب كان الوجد أيسر خطبه‏

خليلي، لو أحببتما لعلمتما* * * محل الهوى من مغرم القلب صبه‏

تذكر و الذكرى تشوق و ذو الهوى* * * يتوق و من يعلق به الحب يصبه‏

غرام على يأس الهوى و رجائه* * * و شوق على بعد المزار و قربه‏

و في الركب مطوى الضلوع على جوى* * * متى يدعه داعي الغرام يلبه‏

إذا خطرت من جانب الرمل نفحة* * * تضمن منها داؤه دون صحبه‏

194

و محتجب بين الأسنة معرض* * * و في القلب من أعراضه مثل حجبه‏

أغار إذا آنست في الحي أنة* * * حذارا و خوفا أن تكون لحبه‏

توفى في رمضان منها عن سبع و تسعين سنة بدمشق.

ثم دخلت سنة ثمان عشرة و خمسمائة

فيها ظهرت الباطنية بآمد فقاتلهم أهلها فقتلوا منهم سبعمائة. و فيها ردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة يرنقش الزكوى و سلم إليه منصور بن صدقة أخو دبيس ليسلمه إلى دار الخلافة، و ورد الخبر بأن دبيسا قد التجأ إلى طغرلبك و قد اتفقا على أخذ بغداد، فأخذ الناس بالتأهب إلى قتالهما، و أمر آقسنقر بالعود إلى الموصل، فاستناب على البصرة عماد الدين زنكي بن آقسنقر. و في ربيع الأول دخل الملك حسام تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب حلب، و قد ملكها بعد ملكها بلك بن بهرام، و كان قد حاصر قلعة منبج فجاءه سهم في حلقه فمات، فاستناب تمرتاش بحلب، ثم عاد إلى ماردين فأخذت منه بعد ذلك، أخذها آقسنقر مضافة إلى الموصل، و فيها أرسل الخليفة القاضي أبا سعد الهروي ليخطب له ابنة السلطان سنجر، و شرع الخليفة في بناء دار على حافة دجلة لأجل العروس. و حج بالناس جمال الدولة إقبال المسترشدي.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن على بن برهان‏

أبو الفتح، و يعرف بابن الحمامي، تفقه على أبى الوفاء بن عقيل، و برع في مذهب الامام أحمد، ثم نقم عليه أصحابه أشياء، فحمله ذلك على الانتقال إلى مذهب الشافعيّ، فاشتغل على الغزالي و الشاشي، و برع و ساد و شهد عند الزينبي فقبله، و درس في النظامية شهرا. توفى في جمادى و دفن بباب أبرز.

عبد اللَّه بن محمد بن جعفر

أبو على الدامغانيّ، سمع الحديث و شهد عند أبيه و ناب في الكرخ عن أخيه، ثم ترك ذلك كله، و ولى حجابة باب النوبي، ثم عزل ثم أعيد. توفى في جمادى.

أحمد بن محمد

ابن إبراهيم أبو الفضل الميداني، صاحب كتاب الأمثال، ليس له مثله في بابه، له شعر جيد، توفى يوم الأربعاء الخامس و العشرين من رمضان و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة تسع عشرة و خمسمائة

فيها قصد دبيس و السلطان طغرل بغداد ليأخذاها من يد الخليفة، فلما اقتربا منها برز إليهما الخليفة في جحفل عظيم، و الناس مشاة بين يديه إلى أول منزلة، ثم ركب الناس بعد ذلك، فلما أمست الليلة التي يقتتلون في صبيحتها، و من عزمهم أن ينهبوا بغداد، أرسل اللَّه مطرا عظيما،

195

و مرض السلطان طغرل في تلك الليلة، فتفرقت تلك الجوع و رجعوا على أعقابهم خائبين خائفين، و التجأ دبيس و طغرل إلى الملك سنجر و سألاه الأمان من الخليفة، و السلطان محمود، فحبس دبيسا في قلعة و وشى واش أن الخليفة يريد أن يستأثر بالملك، و قد خرج من بغداد إلى اللان لمحاربة الأعداء، فوقع في نفس سنجر من ذلك و أضمر سوء، مع أنه قد زوج ابنته من الخليفة. و فيها قتل القاضي أبو سعد بن نصر بن منصور الهروي بهمدان، قتلته الباطنية، و هو الّذي أرسله الخليفة إلى سنجر ليخطب ابنته. و حج بالناس قطز الخادم.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

آقسنقر البرشقي‏

صاحب حلب، قتلته الباطنية- و هم الفداوية- في مقصورة جامعها يوم الجمعة، و قد كان تركيا جيد السيرة، محافظا على الصلوات في أوقاتها، كثير البر و الصدقات إلى الفقراء، كثير الإحسان إلى الرعايا، و قام في الملك بعده ولده السلطان عز الدين مسعود، و أقره السلطان محمود على عمله.

بلال بن عبد الرحمن‏

ابن شريح بن عمر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن بلال بن رباح، مؤذن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، رحل و جال في البلاد، و كان شيخا جهوريّ الصوت، حسن القراءة، طيب النغمة توفى في هذه السنة بسمرقند (رحمه اللَّه).

القاضي أبو سعد الهروي‏

أحمد [ (1)] بن نصر، أحد مشاهير الفقهاء، و سادة الكبراء، قتلته الباطنية بهمذان فيها.

ثم دخلت سنة عشرين و خمسمائة

فيها تراسل السلطان محمود و الخليفة على السلطان سنجر، و أن يكونا عليه، فلما علم بذلك سنجر كتب إلى ابن أخيه محمود ينهاه و يستميله إليه، و يحذره من الخليفة، و أنه لا تؤمن غائلته، و أنه متى فرغ منى دار إليك فأخذك، فأصغى إلى قول عمه و رجع عن عزمه، و أقبل ليدخل بغداد عامه ذلك، فكتب إليه الخليفة ينهاه عن ذلك لقلة الأقوات بها، فلم يقبل منه، و أقبل إليه، فلما أزف قدومه خرج الخليفة من داره و تجهز إلى الجانب الغربي فشق عليه ذلك و على الناس، و دخل عيد الأضحى فخطب الخليفة الناس بنفسه خطبة عظيمة بليغة فصيحة جدا، و كبر وراءه خطباء الجوامع، و كان يوما مشهودا. و قد سردها ابن الجوزي بطولها و رواها عن من حضرها، مع قاضى القضاة الزينبي، و جماعة من العدول، و لما نزل الخليفة عن المنبر ذبح البدنة بيده، و دخل السرادق و تباكى الناس و دعوا للخليفة بالتوفيق و النصر، ثم دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم الثلاثاء الثامن عشر من ذي‏

____________

[ (1)] كذا. و في ابن الأثير محمد بن نصر.

196

الحجة، فنزلوا في بيوت الناس و حصل للناس منهم أذى كثير في حريمهم، ثم إن السلطان راسل الخليفة في الصلح فأبى ذلك الخليفة، و ركب في جيشه و قاتل الأتراك و معه شرذمة قليلة من المقاتلة، و لكن العامة كلهم معه، و قتل من الأتراك خلقا، ثم جاء عماد الدين زنكي في جيش كثيف من واسط في سفن إلى السلطان نجدة، فلما استشعر الخليفة ذلك دعا إلى الصلح، فوقع الصلح بين السلطان و الخليفة، و أخذ الملك يستبشر بذلك جدا، و يعتذر إلى الخليفة مما وقع، ثم خرج في أول السنة الآتية إلى همذان لمرض حصل له. و فيها كان أول مجلس تكلم فيه ابن الجوزي على المنبر يعظ الناس، و عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، و حضره الشيخ أبو القاسم على بن يعلى العلويّ البلخي، و كان نسيبا، علمه كلمات ثم أصعده المنبر فقالها، و كان يوما مشهودا. قال ابن الجوزي: و حزر الجمع يومئذ بخمسين ألفا، و اللَّه أعلم. و فيها اقتتل طغتكين صاحب دمشق و أعداؤه من الفرنج فقتل منهم خلقا كثيرا، و غنم منهم أموالا جزيلة و للَّه الحمد و المنة،

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن محمد

أبو الفتح الطوسي الغزالي، أخو أبى حامد الغزالي، كان واعظا مفوها، ذا حظ من الكلام و الزهد و حسن التأني، و له نكت جيدة، و وعظ مرة في دار الملك محمود فأطلق له ألف دينار، و خرج فإذا على الباب فرس الوزير بسرجها الذهب، و سلاحها و ما عليها من الحلي، فركبها، فبلغ ذلك الوزير فقال: دعوه و لا يرد على الفرس، فأخذها الغزالي، و سمع مرة ناعورة تئن فألقى عليها رداءه فتمزق قطعا قطعا. قال ابن الجوزي: و قد كانت له نكت إلا أن الغالب على كلامه التخليط و الأحاديث الموضوعة المصنوعة، و الحكايات الفارغة، و المعاني الفاسدة، ثم أورد ابن الجوزي أشياء منكرة من كلامه فاللَّه أعلم، من ذلك أنه كان كلما أشكل عليه شي‏ء رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في اليقظة فسأله عن ذلك فدله على الصواب، و كان يتعصب إلى بليس و يعتذر له، و تكلم فيه ابن الجوزي بكلام طويل كثير. قال و نسب إلى محبة المردان و القول بالمشاهدة فاللَّه أعلم بصحة ذلك. قال ابن خلكان:

كان واعظا مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات و إشارات، و كان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه و درس بالنظاميّة نيابة عن أخيه لما تزهد، و اختصر إحياء علوم الدين في مجلد سماه «لباب الاحيا» و له الذخيرة في علم البصيرة، و طاف البلاد و خدم الصوفية بنفسه، و كان مائلا إلى الانقطاع و العزلة و اللَّه أعلم بحاله.

أحمد بن على‏

ابن محمد الوكيل، المعروف بابن برهان، أبو الفتح الفقيه الشافعيّ، تفقه على الغزالي و على الكيا الهراسي، و على الشاشي، و كان بارعا في الأصول، و له كتاب الذخيرة في أصول الفقه، و كان يعرف‏

197

فنونا جيدة، بعينها. و ولى تدريس النظامية ببغداد دون شهر.

بهرام بن بهرام‏

أبو شجاع البيع، سمع الحديث و بنى مدرسة لأصحاب أحمد بكلواذى، و وقف قطعة من أملاكه على الفقهاء بها.

صاعد بن سيار

ابن محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم أبو الأعلى الإسحاق الهروي الحافظ، أحد المتقنين، سمع الحديث و توفى بعتورج قرية على باب هراة.

ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و خمسمائة

استهلت هذه السنة و الخليفة و السلطان محمود متحاربان و الخليفة في السرادق في الجانب الغربي، فلما كان يوم الأربعاء رابع المحرم توصل جماعة من جند السلطان إلى دار الخلافة فحصل فيها ألف مقاتل عليهم السلاح، فنهبوا الأموال، و خرج الجواري و هن حاسرات يستغثن حتى دخلن دار الخاتون. قال ابن الجوزي: و أنا رأيتهن كذلك، فلما وقع ذلك ركب الخليفة في جيشه و جي‏ء بالسفن و انقلبت بغداد بالصراخ حتى كأن الدنيا قد زلزلت، و ثارت العامة مع جيش الخليفة فكسروا جيش السلطان و قتلوا خلقا من الأمراء، و أسروا آخرين و نهبوا دار السلطان و دار وزيره و دار طبيبه أبى البركات، و أخذوا ما كان في داره من الودائع، و مرت خبطة عظيمة جدا، حتى أنهم نهبوا الصوفية، برباط نهرجور، و جرت أمور طويلة، و نالت العامة من السلطان، و جعلوا يقولون له يا باطني تترك الفرنج و الروم و تقاتل الخليفة، ثم إن الخليفة انتقل إلى داره في سابع المحرم، فلما كان في يوم عاشوراء تماثل الحال و طلب السلطان من الخليفة الأمان و الصلح، فلان الخليفة إلى ذلك، و تباشر الناس بالصلح، فأرسل إليه الخليفة نقيب النقباء و قاضى القضاة، و شيخ الشيوخ و بضعا و ثلاثين شاهدا، فاحتبسهم السلطان عنده ستة أيام فساء ذلك الناس، و خافوا من فتنة أخرى أشد من الأولى، و كان برنقش الزكوى شحنة بغداد يغرى السلطان بأهل بغداد لينهب أموالهم، فلم يقبل منه، ثم أدخل لأولئك الجماعة فأدخلو عليه وقت المغرب فصلى بهم القاضي و قرءوا عليه كتاب الخليفة، فقام قائما، و أجاب الخليفة إلى جميع ما اقترح عليه، و وقع الصلح و التحليف، و دخل جيش السلطان و هم في غاية الجهد من قلة الطعام عندهم في العسكر، و قالوا: لو لم يصالح لمتنا جوعا، و ظهر من السلطان حلم كثير عن العوام، و أمر الخليفة برد ما نهب من دور الجند، و أن من كتم شيئا أبيح دمه. و بعث الخليفة على بن طراد الزينبي النقيب إلى السلطان سنجر ليبعد عن بابه دبيسا، و أرسل معه الخلع و الاكرام، فأكرم سنجر رسول الخليفة، و أمر بضرب الطبول على بابه في ثلاثة

198

أوقات، و ظهر منه طاعة كثيرة، ثم مرض السلطان محمود ببغداد فأمره الطبيب بالانتقال عنها إلى همذان، فسار في ربيع الآخر فوضع شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي، فلما وصل السلطان إلى همذان بعث على شحنكية بغداد مجاهد الدين بهروز، و جعل إليه الحلة و بعث عماد الدين زنكي إلى الموصل و أعمالها. و فيها درس الحسن بن سليمان بالنظاميّة ببغداد. و فيها ورد أبو الفتوح الأسفراييني فوعظ ببغداد، فأورد أحاديث كثيرة منكرة جدا، فاستتيب منها و أمر بالانتقال منها إلى غيرها فشد معه جماعة من الأكابر و ردوه إلى ما كان عليه، فوقع بسببه فتن كثيرة بين الناس، حتى رجمه بعض العامة بالأسواق، و ذلك لأنه كان يطلق عبارات لا يحتاج إلى إيرادها، فنفرت منه قلوب العامة و أبغضوه، و جلس الشيخ عبد القادر الجيلي فتكلم على الناس فأعجبهم، و أحبوه و تركوا ذاك.

و فيها قتل السلطان سنجر من الباطنية اثنا عشر ألفا. و حج بالناس قطز الخادم.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

محمد بن عبد الملك‏

ابن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن بن أبى الفضل الهمذانيّ الفرضيّ، صاحب التاريخ من بيت الحديث. و ذكر ابن الجوزي عن شيخه عبد الوهاب أنه طعن فيه. توفى فجأة في شوال، و دفن إلى جانب ابن شريح.

فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلويه‏

سمعت الخطيب و ابن المسلمة و غيرهما، و كانت واعظة لها رباط تجتمع فيه الزاهدات، و قد سمع عليها ابن الجوزي مسند الشافعيّ و غيره.

أبو محمد عبد اللَّه بن محمد

ابن السيد البطليوسي، ثم التنيسي صاحب المصنفات في اللغة و غيرها، جمع المثلث في مجلدين، و زاد فيه على قطرب شيئا كثيرا جدا، و له شرح سقط الزند لأبى العلاء، أحسن من شرح المصنف و له شرح أدب الكاتب لابن قتيبة، و من شعره الّذي أورده له ابن خلكان.

أخو العلم حي خالد بعد موته* * * و أوصاله تحت التراب رميم‏

و ذو الجهل ميت و هو ماش على الثرى* * * يظن من الاحياء و هو عديم‏

ثم دخلت سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة

في أولها قدم رسول سنجر إلى الخليفة يسأل منه أن يخطب له على منابر بغداد، و كان يخطب له في كل جمعة بجامع المنصور. و فيها مات ابن صدقة وزير الخليفة، و جعل مكانه نقيب النقباء. و فيها اجتمع السلطان محمود بعمه سنجر و اصطلحا بعد خشونة، و سلم سنجر دبيسا إلى السلطان محمود على أن يسترضى عنه الخليفة و يعزل زنكي عن الموصل، و يسلم ذلك إلى دبيس، و اشتهر في ربيع الأول‏

199

ببغداد أن دبيسا أقبل إلى بغداد في جيش كثيف، فكتب الخليفة إلى السلطان محمود: لئن لم تكف دبيسا عن القدوم إلى بغداد و إلا خرجنا إليه و نقضنا ما بيننا و بينك من العهود و الصلح. و فيها ملك الاتابك زنكي بن آقسنقر مدينة حلب و ما حولها من البلاد. و فيها ملك تاج الملوك بورى بن طغتكين مدينة دمشق بعد وفاة أبيه، و قد كان أبوه من مماليك ألب أرسلان، و كان عاقلا حازما عادلا خيرا، كثير الجهاد في الفرنج (رحمه اللَّه). و فيها عمل ببغداد مصلى للعيد ظاهر باب الحلية، و حوط عليه، و جعل فيه قبلة. و حج بالناس قطز الخادم المتقدم ذكره.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن على بن صدقة

أبو على وزير الخليفة المسترشد، توفى في رجب منها. و من شعره الّذي أورد له ابن الجوزي و قد بالغ في مدح الخليفة فيه و أخطأ:

وجدت الورى كالماء طعما ورقة* * * و أن أمير المؤمنين زلاله‏

و صورت معنى العقل شخصا مصورا* * * و أن أمير المؤمنين مثاله‏

فلو لا مكان الشرع و الدين و التقى* * * لقلت من الإعظام جل جلاله‏

الحسين بن على‏

ابن أبى القاسم اللامشي، من أهل سمرقند، روى الحديث و تفقه، و كان يضرب به المثل في المناظرة، و كان خيرا دينا على طريقة السلف، مطرحا للتكلف أمارا بالمعروف، قدم من عند الخاقان ملك ما وراء النهر في رسالة إلى دار الخلافة، فقيل له ألا تحج عامك هذا؟ فقال: لا أجعل الحج تبعا لرسالتهم، فعاد إلى بلده فمات في رمضان من هذه السنة عن إحدى و ثمانين سنة (رحمه اللَّه).

طغتكين الاتابك‏

صاحب دمشق التركي، أحد غلمان تتش، كان من خيار الملوك و أعدلهم و أكثرهم جهادا للفرنج، و قام من بعده ولده تاج الملوك بورى.

ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة

في المحرم منها دخل السلطان محمود إلى بغداد، و اجتهد في إرضاء الخليفة عن دبيس، و أن يسلم إليه بلاد الموصل، فامتنع الخليفة من ذلك و أبى أشد الاباء، هذا و قد تأخر دبيس عن الدخول إلى بغداد، ثم دخلها و ركب بين الناس فلعنوه و شتموه في وجهه، و قدم عماد الدين زنكي فبذل للسلطان في كل سنة مائة ألف دينار، و هدايا و تحفا، و التزم للخليفة بمثلها على أن لا يولى دبيسا شيئا و على أن يستمر زنكي على عمله بالموصل، فأقره على ذلك و خلع عليه، و رجع إلى عمله فملك حلب و حماه، و أسر صاحبها سونج بن تاج الملوك، فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار. و في يوم الاثنين‏

200

سلخ ربيع الآخر خلع السلطان على نقيب النقباء استقلالا، و لا يعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره. و في رمضان منها جاء دبيس في جيش إلى الحلة فملكها و دخلها في أصحابه، و كانوا ثلاثمائة فارس، ثم إنه شرع في جمع الأموال و أخذ الغلات من القرى حتى حصل نحوا من خمسمائة ألف دينار، و استخدم قريبا من عشرة آلاف مقاتل، و تفاقم الحال بأمره، و بعث إلى الخليفة يسترضيه فلم يرض عليه، و عرض عليه أموالا فلم يقبلها، و بعث إليه السلطان جيشا فانهزم إلى البرية ثم أغار على البصرة فأخذ منها حواصل السلطان و الخليفة، ثم دخل البرية فانقطع خبره. و في هذه السنة قتل صاحب دمشق من الباطنية ستة آلاف، و علق رءوس كبارهم على باب القلعة، و أراح اللَّه الشام منهم. و فيها حاصرت الفرنج مدينة دمشق فخرج إليهم أهلها، فقاتلوهم قتالا شديدا، و بعث أهل دمشق عبد اللَّه الواعظ و معه جماعة من التجار يستغيثون بالخليفة، و هموا بكسر منبر الجامع، حتى وعدهم بأنه سيكتب إلى السلطان ليبعث لهم جيشا يقاتلون الفرنج، فسكنت الأمور، فلم يبعث لهم جيشا حتى نصرهم اللَّه من عنده، فان المسلمين هزموهم و قتلوا منهم عشرة آلاف، و لم يفلت منهم سوى أربعين نفسا و للَّه الحمد و المنة. و قتل سمند الفرنجى صاحب أنطاكية. و فيها تخبط الناس في الحج حتى ضاق الوقت بسبب فتنة دبيس، حتى حج بهم برنقش الزكوى، و كان اسمه بغاجق.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أسعد بن أبى نصر

الميهنى أبو الفتح، أحد أئمة الشافعية في زمانه، تفقه على أبى المظفر السمعاني، و ساد أهل زمانه و برع و تفرد من بين أقرانه، و ولى تدريس النظامية ببغداد، و حصل له وجاهة عند الخاص و العام و علق عنه تعليقة في الخلاف، ثم عزل عن النظامية فسار إلى همذان فمات بها في هذه السنة (رحمه اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة أربع و عشرين و خمسمائة

فيها كانت زلزلة عظيمة بالعراق تهدم بسببها دور كثيرة ببغداد. و وقع بأرض الموصل مطر عظيم فسقط بعضه نارا تأجج فأحرقت دورا كثيرة، و خلقا من ذلك المطر و تهارب الناس.

و فيها وجد ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، فخاف الناس منها خوفا شديدا. و فيها ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند و كان بها محمد بن خاقان. و فيها ملك عماد الدين زنكي بلادا كثيرة من الجزيرة و هما مع الفرنج، و جرت معهم حروب طويلة، نصر عليهم في تلك المواقف كلها و للَّه الحمد. و قتل خلقا من جيش الروم حين قدموا الشام، و مدحه الشعراء على ذلك،

قتل خليفة مصر

و في ثانى ذي القعدة قتل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام اللَّه بن المستعلى صاحب مصر، قتله الباطنية و له من العمر أربع و ثلاثون سنة، و كانت مدة خلافته تسعا و عشرين سنة و خمسة أشهر