البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
201

و نصفا، و كان هو العاشر من ولد عبيد اللَّه المهدي، و لما قتل تغلب على الديار المصرية غلام من غلمانه أرمنى فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام حتى حضر أبو على أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي فأقام الخليفة الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبى القاسم بن المستنصر، و له من العمر ثمان و خمسون سنة، و لما أقامه استحوذ على الأمور دونه و حصره في مجلسه، لا يدع أحدا يدخل إليه إلا من يريد هو، و نقل الأموال من القصر إلى داره، و لم يبق للحافظ سوى الاسم فقط.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد

أبو إسحاق الكلبي من أهل غزة، جاوز الثمانين، و له شعر جيد في الأتراك. فمنه:

في فتية من جيوش الترك ما تركت* * * للرعد كراتهم صوتا و لا صيتا

قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة* * * حسنا و إن قوتلوا كانوا عفاريتا

و له‏

ليت الّذي بالعشق دونك خصنى* * * يا ظالمي قسم المحبة بيننا

ألقى الهزبر فلا أخاف و ثوبه* * * و يرو عنى نظر الغزال إذا دنا

و له‏

إنما هذه الحياة متاع* * * و السفيه الغوى من يصطفيها

ما مضى فات و المؤمل غيب* * * و لك الساعة التي أنت فيها

و له أيضا:

قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة* * * باب الدواعي و البواعث مغلق‏

خلت الديار فلا كريم يرتجى* * * منه النوال و لا مليح يعشق‏

و من العجائب أنه لا يشترى* * * و يخان فيه مع الكساد و يسرق‏

كانت وفاته في هذه السنة ببلاد بلخ و دفن بها. و مما أنشده ابن خلكان له:

إشارة منك تكفينا و أحسن ما* * * رد السلام غداة البين بالعنم‏

حتى إذا طاح عنها المرط من دهش* * * و انحل بالضم سلك العقد في الظلم‏

تبسمت فأضاء الليل فالتقطت* * * حبات منتثر في ضوء منتظم‏

الحسين بن محمد

ابن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبيد اللَّه بن القاسم بن عبد اللَّه بن سليمان بن وهب الدباس أبو عبد اللَّه الشاعر المعروف بالبارع، قرأ القراءات و سمع الحديث، و كان عارفا بالنحو و اللغة و الأدب، و له شعر حسن، توفى في هذه السنة و قد جاوز الثمانين.

محمد بن سعدون بن مرجا

أبو عامر العبدري القرشي الحافظ، أصله من بيروقة من بلاد المغرب و بغداد، و سمع بها على طراد الزينبي و الحميدي و غير واحد، و كانت له معرفة جيدة بالحديث، و كان يذهب في الفروع مذهب‏

202

الظاهرية. توفى في ربيع الآخر في بغداد.

ثم دخلت سنة خمس و عشرين و خمسمائة

فيها ضل دبيس عن الطريق في البرية فأسره بعض أمراء الأعراب بأرض الشام، و حمله إلى ملك دمشق بورى بن طغتكين، فباعه من زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار فلما حصل في يده لم يشك أنه سيهلكه، لما بينهما من العداوة، فأكرمه زنكي و أعطاه أموالا جزيلة و قدمه و احترمه، ثم جاءت رسل الخليفة في طلبه فبعثه معهم، فلما وصل إلى الموصل حبس في قلعتها.

و فيها وقع بين الأخوين محمود و مسعود، فتواجها للقتال ثم اصطلحا. و فيها كانت وفاة الملك محمود بن ملك شاه فأقيم في الملك مكانه ابنه داود، و جعل له أتابك وزير أبيه و خطب له بأكثر البلاد.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن عبد القاهر الصوفي‏

سمع الحديث و تفقه بالشيخ أبى إسحاق الشيرازي، و كان شيخا لطيفا، عليه نور العبادة و العلم قال ابن الجوزي أنشدنى:

على كل حال فاجعل الحزم عدة* * * تقدمها بين النوائب و الدهر

فان نلت خيرا نلته بعزيمة* * * و إن قصرت عنك الأمور فعن عذر

قال و أنشدنى أيضا:

لبست ثوب الرجا و الناس قد رقدوا* * * و قمت أشكو إلى مولاي ما أجد

و قلت يا عدتى في كل نائبة* * * و من عليه لكشف الضر أعتمد

و قد مددت يدي و الضر مشتمل* * * إليك يا خير من مدت إليه يد

فلا تردنها يا رب خائبة* * * فبحر جودك يروى كل من يرد

الحسن بن سليمان‏

ابن عبد اللَّه بن عبد الغنى أبو على الفقيه مدرس النظامية، و قد وعظ بجامع القصر، و كان يقول ما في الفقه منتهى، و لا في الوعظ مبتدى. توفى فيها و غسله القاضي أبو العباس بن الرطبى، و دفن عند أبى إسحاق.

حماد بن مسلم‏

الرحبيّ الدباس، كان يذكر له أحوال و مكاشفات و اطلاع على مغيبات، و غير ذلك من المقامات، و رأيت ابن الجوزي يتكلم فيه و يقول: كان عريا من العلوم الشرعية، و إنما كان ينفق على الجهال و ذكر عن ابن عقيل أنه كان ينفر منه، و كان حماد الدباس يقول: ابن عقيل عدوى. قال ابن الجوزي: و كان الناس ينذرون له فيقبل ذلك، ثم ترك ذلك و صار يأخذ من المنامات و ينفق على أصحابه. توفى في رمضان و دفن بالشونيزية.

203

على بن المستظهر باللَّه‏

أخو الخليفة المسترشد، توفى في رجب منها و له من العمر إحدى و عشرون سنة، فترك ضرب الطبول و جلس الناس للعزاء أياما.

محمد بن أحمد

ابن أبى الفضل الماهاني، أحد أئمة الشافعية، تفقه بإمام الحرمين و غيره، و رحل في طلب الحديث، و درس و أفتى و ناظر. توفى فيها و قد جاوز التسعين، و دفن بقرية ماهان من بلاد مرو،

محمود السلطان بن السلطان ملك شاه‏

كان من خيار الملوك، فيه حلم و أناة و صلابة، و جلسوا للعزاء به ثلاثة أيام سامحه اللَّه.

هبة اللَّه بن محمد

ابن عبد الواحد بن العباس بن الحصين، أبو القاسم الشيباني، راوي المسند عن على بن المهذب عن أبى بكر بن مالك عن عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه، و قد سمع قديما لأنه ولد سنة ثنتين و ثلاثين و أربعمائة، و باكر به أبوه فأسمعه، و معه أخوه عبد الواحد، على جماعة من علية المشايخ، و قد روى عنه ابن الجوزي و غير واحد، و كان ثقة ثبتا صحيح السماع، توفى بين الظهر و العصر يوم الأربعاء منها و له ثلاث و تسعون سنة، (رحمه اللَّه)، و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة ست و عشرين و خمسمائة

فيها قدم مسعود بن محمد بن ملك شاه بغداد و قدمها قراجا الساقي، و سلجوق شاه بن محمد، و كل منهما يطلب الملك لنفسه، و قدم عماد الدين زنكي لينضم إليهما فتلقاه الساقي فهزمه فهرب منه إلى تكريت، فخدمه نائب قلعتها نجم الدين أيوب والد الملك صلاح الدين يوسف، فاتح بيت المقدس كما سيأتي إن شاء اللَّه، حتى عاد إلى بلاده، و كان هذا هو السبب في مصير نجم الدين أيوب إليه، و هو بحلب، فخدم عنده ثم كان من الأمور ما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. ثم إن الملكين مسعود و سلجوق شاه اجتمعا فاصطلحا و ركبا إلى الملك سنجر فاقتتلا معه، و كان جيشه مائة و ستين ألفا و كان جيشهما قريبا من ثلاثين ألفا، و كان جملة من قتل بينهما أربعين ألفا، و أسر جيش سنجر قراجا الساقي فقتله صبرا بين يديه، ثم أجلس طغرل بن محمد على سرير الملك، و خطب له على المنابر، و رجع سنجر إلى بلاده، و كتب طغرل إلى دبيس و زنكي ليذهبا إلى بغداد ليأخذاها، فأقبلا في جيش كثيف فبرز إليهما الخليفة فهزمهما، و قتل خلقا من أصحابهما، و أزاح اللَّه شرهما عنه و للَّه الحمد. و فيها قتل أبو على الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ الفاطمي، فنقل الحافظ الأموال التي كان أخذها إلى داره و استوزر بعده أبا الفتح، يأنس الحافظى، و لقبه أمير الجيوش، ثم احتال فقتله و استوزر ولده حسنا و خطب له بولاية العهد. و فيها عزل المسترشد وزيره على بن طراد الزينبي‏

204

و استوزر أنوشروان بن خالد بعد تمنع. و فيها ملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بن بورى بن طغتكين بعد وفاة أبيه، و استوزر يوسف بن فيروز، و كان خيرا، ملك بلادا كثيرة، و أطاعه إخوته‏

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن عبيد اللَّه‏

ابن محمد بن عبيد اللَّه بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن غثنة بن يزيد السلمي، و يعرف بابن كادش العكبريّ، أبو العز البغدادي، سمع الحديث الكثير، و كان يفهمه و يرويه و هو آخر من روى عن الماوردي، و قد أثنى عليه غير واحد، منهم أبو محمد بن الخشاب، و كان محمد بن ناصر يتهمه و يرميه بأنه اعترف بوضع حديث فاللَّه أعلم. و قال عبد الوهاب الأنماطي كان مخلطا، توفى في جمادى الأولى منها.

محمد بن محمد بن الحسين‏

ابن القاضي أبى يعلى بن الفراء الحنبلي، ولد في شعبان سنة إحدى و خمسين و أربعمائة، سمع أباه و غيره، و تفقه و ناظر و أفتى و درس، و كان له بيت فيه مال فعدى عليه من الليل فقتل و أخذ ماله، ثم أظهر اللَّه عز و جل على قاتله فقتلوه.

ثم دخلت سنة سبع و عشرين و خمسمائة

في صفر منها دخل السلطان مسعود إلى بغداد فخطب له بها و خلع عليه الخليفة و ولاه السلطنة و نثر الدنانير و الدراهم على الناس، و خلع على السلطان داود بن محمود. و فيها جمع دبيس جمعا كثيرا بواسط، فأرسل إليه السلطان جيشا فكسروه و فرقوا شمله، ثم إن الخليفة عزم على الخروج إلى الموصل ليأخذها من زنكي، فعرض عليه زنكي من الأموال و التحف شيئا كثيرا ليرجع عنه فلم يقبل، ثم بلغه أن السلطان مسعود قد اصطلح مع دبيس و خلع عليه، فكر راجعا سريعا إلى بغداد سالما معظما. و فيها مات ابن الزاغونى أحد أئمة الحنابلة، فطلب حلقته ابن الجوزي، و كان شابا، فحصلت لغيره، و لكن أذن له الوزير أنوشروان في الوعظ، فتكلم في هذه السنة على الناس في أماكن متعددة من بغداد، و كثرت مجالسه و ازدحم عليه الناس. و فيها ملك شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق مدينة حماه، و كانت بيد زنكي. و في ذي الحجة نهب التركمان مدينة طرابلس و خرج إليهم القومص لعنه اللَّه الفرنجى فهزموه و قتلوا خلقا من أصحابه، و حاصروه فيها مدة طويلة، حتى طال الحصار، فانصرفوا. و فيها تولى قاسم بن أبى فليتة مكة بعد أبيه. و فيها قتل شمس الملوك أخاه سونج، و فيها اشترى الباطنية قلعة حصن القدموس بالشام فسكنوها و حاربوا من جاورهم من المسلمين و الفرنج.

و فيها اقتتلت الفرنج فيما بينهم قتالا شديدا فمحق اللَّه بسبب ذلك خلقا كثيرا، و غزاهم فيها عماد الدين زنكي فقتل منهم ألف قتيل، و غنم أموالا جزيلة، و يقال لها غزوة أسوار. و حج بالناس فيها قطز الخادم و كذا في التي بعدها و قبلها.

205

و توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن سلامة

ابن عبد اللَّه بن مخلد بن إبراهيم، أبو العباس بن الرطبى، تفقه على أبى إسحاق و ابن الصباغ ببغداد، و بأصبهان على محمد بن ثابت الخجنديّ، ثم تولى الحكم ببغداد بالحريم و الحسبة ببغداد، و كان يؤدب أولاد الخليفة، توفى في رجب منها و دفن عند أبى إسحاق.

أسعد بن أبى نصر بن أبى الفضل‏

أبو الفضل الميهنى مجد الدين أحد أئمة الشافعية، و صاحب الخلاف و المطروقة، و قد درس بالنظاميّة في سنة سبع عشرة و خمسمائة إلى سنة ثلاث و عشرين فعزل عنها، و استمر أصحابه هنالك و قد تقدم في سنة سبع عشرة أنه وليها، و أنه توفى في سنة ثلاث و عشرين. و قال ابن خلكان:

توفى سنة سبع و عشرين.

ابن الزاغونى الحنبلي‏

على بن عبد اللَّه بن نصر بن السري الزاغونى، الامام المشهور، قرأ القراءات و سمع الحديث و اشتغل بالفقه و النحو و اللغة، و له المصنفات الكثيرة في الأصول و الفروع، و له يد في الوعظ، و اجتمع الناس في جنازته، و كانت حافلة جدا.

الحسن بن محمد

ابن إبراهيم البوربارى، من قراء أصبهان، سمع الحديث و رحل و خرج، و له تاريخ، و كان يكتب حسنا و يقرأ فصيحا، توفى بأصبهان في هذه السنة.

على بن يعلى‏

ابن عوض، أبو القاسم العلويّ الهروي، سمع مسند أحمد من أبى الحصين، و الترمذي من أبى عامر الأزدي، و كان يعظ الناس بنيسابور، ثم قدم بغداد فوعظ بها، فحصل له القبول التام، و جمع أموالا و كتبا. قال ابن الجوزي: و هو أول من سلكنى في الوعظ، و تكلمت بين يديه و أنا صغير، و تكلمت عند انصرافه.

محمد بن أحمد

ابن يحيي أبو عبد اللَّه العثماني الديباجي، و كان ببغداد يعرف بالمقدسى، كان أشعرى الاعتقاد و وعظ الناس ببغداد، قال ابن الجوزي: سمعته ينشد في مجلسه قوله:

دع دموعي يحق لي أن أنوحا* * * لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا

أخلقت مهجتي أكف المعاصي* * * و نعانى المشيب نعيا فصيحا

كلما قلت قد برا جرح قلبي* * * عاد قلبي من الذنوب جريحا

إنما الفوز و النعيم لعبد* * * جاء في الحشر آمنا مستريحا

206

محمد بن محمد

ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن حازم بن أبى يعلى بن الفراء، الفقيه ابن الفقيه، ولد سنة سبع و خمسين و أربعمائة، سمع الحديث و كان من الفقهاء الزاهدين الأخيار، توفى في صفر منها.

أبو محمد عبد الجبار

ابن أبى بكر محمد بن حمديس الأزدي الصقلى الشاعر المشهور، أنشد له ابن خلكان أشعارا رائقة فمنها قوله:

قم هاتها من كف ذات الوشاح* * * فقد نعى الليل بشير الصباح‏

باكر إلى اللذات و اركب لها* * * سوابق اللهو ذوات المراح‏

من قبل أن ترشف شمس الضحا* * * ريق الغوادي من ثغور الاقاح‏

و من جملة معانيه النادرة

زادت على كحل الجفون تكحلا* * * و تسم نصل السهم و هو قتول‏

ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و خمسمائة

فيها اصطلح الخليفة و زنكي. و فيها فتح زنكي قلاعا كثيرة، و قتل خلقا من الفرنج. و فيها فتح شمس الملوك الشقيف تيروت، و نهب بلاد الفرنج. و فيها قدم سلجوق شاه بغداد فنزل بدار المملكة و أكرمه الخليفة و أرسل إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم السلطان مسعود و أكثر أصحابه ركاب على الجمال لقلة الخيل. و فيها تولى إمرة بنى عقيل أولاد سليمان بن مهارش العقيلي، إكراما لجدهم. و فيها أعيد ابن طراد إلى الوزارة، و فيها خلع على إقبال المسترشدي خلع الملوك، و لقب ملك العرب سيف الدولة، ثم ركب في الخلع و حضر الديوان. و فيها قوى أمر الملك طغرل و ضعف أمر الملك مسعود.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن على بن إبراهيم‏

أبو ألوفا الفيروزآبادي، أحد مشايخ الصوفية، يسكن رباط الزوزنى، و كان كلامه يستحلى، و كان يحفظ من أخبار الصوفية و سيرهم و أشعارهم شيئا كثيرا.

أبو على الفارقيّ‏

الحسن بن إبراهيم بن مرهون أبو على الفارقيّ، ولد سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة، و تفقه بها على أبى عبد اللَّه محمد بن بيان الكازروني صاحب المحاملي، ثم على الشيخ أبى إسحاق و ابن الصباغ، و سمع الحديث و كان يكرر على المهذب و الشامل، ثم ولى القضاء بواسط، و كان حسن السيرة جيد السريرة، ممتعا بعقله و حواسه، إلى أن توفى في محرم هذه السنة عن ست و سبعين سنة.

207

عبد اللَّه بن محمد

ابن أحمد بن الحسن، أبو محمد بن أبى بكر الشاشي، سمع الحديث و تفقه على أبيه، و ناظر و أفتى و كان فاضلا واعظا فصيحا مفوها، شكره ابن الجوزي في وعظه و حسن نظمه و نثره، و لفظه، توفى في المحرم و قد قارب الخمسين، و دفن عند أبيه.

محمد بن أحمد

ابن على بن أبى بكر العطان، و يعرف بابن الحلاج البغدادي، سمع الحديث و قرأ القراءات، و كان خيرا زاهدا عابدا، يتبرك بدعائه و يزار.

محمد بن عبد الواحد الشافعيّ‏

أبو رشيد، من أهل آمل طبرستان، ولد سنة أربع و ثلاثين و أربعمائة، و حج و أقام بمكة، و سمع من الحديث شيئا يسيرا، و كان زاهدا منقطعا عن الناس مشتغلا بنفسه، ركب مرة مع تجار في البحر فأوفوا على جزيرة. فقال: دعوني في هذه أعبد اللَّه تعالى، فما نعوه فأبى إلا المقام بها. فتركوه و ساروا فردتهم الريح إليه فقالوا: إنه لا يمكن المسير إلا بك، و إذا أردت المقام بها فارجع إليها، فسار معهم ثم رجع إليها فأقام بها مدة ثم ترحل عنها ثم رجع إلى بلده آمل فمات بها (رحمه اللَّه)، و يقال إنه كان يقتات في تلك الجزيرة بأشياء موجودة فيها، و كان بها ثعبان يبتلع الإنسان، و بها عين ماء يشرب منها و يتوضأ منها، و قبره مشهور بآمل يزار.

أم الخليفة

المسترشد توفيت ليلة الاثنين بعد العتمة تاسع عشر شوال منها و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة تسع و عشرين و خمسمائة

فيها كانت وفاة المسترشد و ولاية الراشد، و كان سبب ذلك أنه كان بين السلطان مسعود و بين الخليفة واقع كبير، اقتضى الحال أن الخليفة أراد قطع الخطبة له من بغداد فاتفق موت أخيه طغرل بن محمد بن ملك شاه، فسار إلى البلاد فملكها، و قوى جأشه، ثم شرع يجمع العساكر ليأخذ بغداد من الخليفة، فلما علم الخليفة بذلك انزعج و استعد لذلك، و قفز جماعة من رءوس الأمراء إلى الخليفة خوفا على أنفسهم من سطوة الملك محمود، و ركب الخليفة من بغداد في جحافل كثيرة، فيهم القضاة و رءوس الدولة من جميع الأصناف، فمشوا بين يديه أول منزلة حتى وصل إلى السرادق، و بعث بين يديه مقدمة و أرسل الملك مسعود مقدمة عليهم دبيس بن صدقة بن منصور، فجرت خطوب كثيرة، و حاصل الأمر أن الجيشين التقيا في عاشر رمضان يوم الاثنين فاقتتلوا قتالا شديدا، و لم يقتل من الصفين سوى خمسة أنفس، ثم حمل الخليفة على جيش مسعود فهزمهم، ثم تراجعوا فحملوا على جيش الخليفة فهزموهم‏

208

و قتلوا منهم خلقا كثيرا و أسروا الخليفة، ثم نهبت أموالهم و حواصلهم، من جملة ذلك أربعة آلاف ألف دينار، و غير ذلك من الأثاث و الخلع و الآنية و القماش، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و طار الخبر في الأقاليم بذلك، و حين بلغ الخبر إلى بغداد انزعج الناس لذلك، و زلزلوا زلزالا شديدا، صورة و معنى، و جاءت العامة إلى المنابر فكسروها و امتنعوا من حضور الجماعات، و خرج النساء في البلد حاسرات ينحن على الخليفة، و ما جرى عليه من الأسر، و تأسى بأهل بغداد في ذلك خلق كثير من أهل البلاد، و تمت فتنة كبيرة و انتشرت في الأقاليم، و استمر الحال على ذلك شهر ذي القعدة و الشناعة في الأقاليم منتشرة، فكتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يحذره غب ذلك عاقبة ما وقع فيه من الأمر العظيم، و يأمره أن يعيد الخليفة إلى مكانه و دار خلافته، فامتثل الملك مسعود ذلك و ضرب للخليفة سرادق عظيم، و نصب له فيه قبة عظيمة و تحتها سرير هائل، و ألبس السواد على عادته و أركبه بعض ما كان يركبه من مراكبه، و أمسك لجام الفرس و مشى في خدمته، و الجيش كلهم مشاة حتى أجلس الخليفة على سريره، و وقف الملك مسعود فقبل الأرض بين يديه و خلع الخليفة عليه، و جي‏ء بدبيس مكتوفا و عن يمينه أميران، و عن يساره أميران، و سيف مسلول و نسعة بيضاء، فطرح بين يدي الخليفة ما ذا يرسم تطبيبا لقلبه، فأقبل السلطان فشفع في دبيس و هو ملقى يقول العفو يا أمير المؤمنين، أنا أخطأت و العفو عند المقدرة. فأمر الخليفة بإطلاقه و هو يقول: لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم. فنهض قائما و التمس أن يقبل يد الخليفة فأذن له فقبلها، و أمرها على وجهه و صدره. و سأل العفو عنه و عما كان منه، و استقر الأمر على ذلك، و طار هذا الخبر في الآفاق و فرح الناس بذلك، فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الإحسان إلى الخليفة، و أن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه، و أرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد، فصحب الجيش عشرة من الباطنية، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته و قطعوه قطعا، و لم يلحق الناس منه إلا الرسوم، و قتلوا معه أصحابه منهم عبيد اللَّه بن سكينة، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم اللَّه، و قيل إنهم كانوا مجهزين لقتله فاللَّه أعلم. و طار هذا الخبر في الآفاق فاشتد حزن الناس على الخليفة المسترشد، و خرجت النساء في بغداد حاسرات عن وجوههن ينحن في الطرقات، قتل على باب مراغة في يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة و حملت أعضاؤه إلى بغداد، و عمل عزاؤه ثلاثة أيام بعد ما بويع لولده الراشد، و قد كان المسترشد، شجاعا مقداما بعيد الهمة فصيحا بليغا، عذب الكلام حسن الإيراد، مليح الخط، كثير العبادة محببا إلى العامة و الخاصة، و هو آخر خليفة رئي خطيبا، قتل و عمره خمس و أربعون سنة، و ثلاثة أشهر، و كانت مدة خلافة سبع عشرة سنة و ستة أشهر و عشرين يوما، و كانت أمه أم ولد من الأتراك‏

209

(رحمه اللَّه).

خلافة الراشد باللَّه‏

أبى جعفر منصور بن المسترشد، كان أبوه قد أخذ له العهد ثم أراد أن يخلعه فلم يقدر على ذلك لأنه لم يغدر. فلما قتل أبوه بباب مراغة في يوم الخميس السابع عشر من ذي القعدة من سنة تسع و عشرين و خمسمائة، بايعه الناس و الأعيان، و خطب له على المنابر ببغداد، و كان إذ ذاك كبيرا له أولاد، و كان أبيض جسيما حسن اللون، فلما كان يوم عرفة من هذه السنة جي‏ء بالمسترشد و صلى عليه ببيت التوبة، و كثر الزحام، و خرج الناس لصلاة العيد من الغد و هم في حزن شديد على المسترشد، و قد ظهر الرفض قليلا في أول أيام الراشد.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد بن الحسين‏

ابن عمرو، أبو المظفر بن أبى بكر الشاشي، تفقه بأبيه و اخترمته المنية بعد أخيه و لم يبلغ سن الرواية

إسماعيل بن عبد اللَّه‏

ابن على أبو القاسم الحاكم، تفقه بإمام الحرمين، و كان رفيق الغزالي يحترمه و يكرمه، و كان فقيها بارعا، و عابدا ورعا، توفى بطوس و دفن إلى جانب الغزالي.

دبيس بن صدقة

ابن منصور بن دبيس بن على بن مزيد، أبو الأعز الأسدي الأمير من بيت الامرة و سادة الاعراب، كان شجاعا بطلا، فعل الأفاعيل و تمرق في البلاد من خوفه من الخليفة، فلما قتل الخليفة عاش بعده أربعة و ثلاثين يوما، ثم اتهم عند السلطان بأنه قد كاتب زنكي ينهاه عن القدوم إلى السلطان، و يحذره منه، و يأمره أن ينجو بنفسه، فبعث إليه السلطان غلاما أرمنيا فوجده منكسا رأسه يفكر في خيمته، فما كلمه حتى شهر سيفه فضربه فأبان رأسه عن جثته، و يقال بل استدعاه السلطان فقتله صبرا بين يديه فاللَّه أعلم.

طغرل السلطان بن السلطان محمد بن ملك شاه‏

توفى بهمذان يوم الأربعاء ثالث المحرم منها.

على بن محمد النروجانى‏

كان عابدا زاهدا، حكى ابن الجوزي عنه أنه كان يقول بأن القدرة تتعلق بالمستحيلات، ثم أنكر ذلك و عذره لعدم تعقله لما يقول، و لجهله.

الفضل أبو منصور

أمير المؤمنين المسترشد، تقدم شي‏ء من ترجمته و اللَّه أعلم.

210

ثم دخلت سنة ثلاثين و خمسمائة

فيها وقع بين الخليفة الراشد و بين السلطان مسعود بسبب أنه أرسل إلى الخليفة يطلب منه ما كان كتبه له والده المسترشد حين أسره، التزم له بأربعمائة ألف دينار، فامتنع من ذلك و قال:

ليس بيننا و بينكم إلا السيف، فوقع بينهما الخلف، فاستجاش السلطان بالعساكر، و استنهض الخليفة الأمراء، و أرسل إلى عماد الدين زنكي فجاء و التف على الخليفة خلائق، و جاء في غضون ذلك السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملك شاه، فخطب له الخليفة ببغداد، و خلع عليه و بايعه على الملك، فتأكدت الوحشة بين السلطان و الخليفة جدا، و برز الخليفة إلى ظاهر بغداد و مشى الجيش بين يديه، كما كانوا يعاملون أباه، و ذلك يوم الأربعاء سلخ شعبان، و خرج السلطان داود من جانب آخر، فلما بلغهم كثرة جيوش السلطان محمود حسن عماد الدين زنكي للخليفة أن يذهب معه إلى الموصل، و اتفق دخول مسعود إلى بغداد في غيبتهم يوم الاثنين رابع شوال، فاستحوذ على دار الخلافة بما فيها جميعه، ثم استخلص من نساء الخليفة و خظاياه الحلي و المصاغ و الثياب التي للزينة، و غير ذلك، و جمع القضاة و الفقهاء، و أبرز لهم خط الراشد أنه متى خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه، فخلع في يوم الاثنين سادس عشر شهر ذي القعدة بحكم الحاكم و فتيا الفقهاء، و كانت خلافته إحدى عشر شهرا و إحدى عشر يوما، و استدعى السلطان بعمه المقتفى بن المستظهر فبويع بالخلافة عوضا عن ابن أخيه الراشد باللَّه.

خلافة المقتفى لأمر اللَّه‏

أبى عبد اللَّه بن المستظهر، و أمه صفراء تسمى نسيما، و يقال لها ست السادة، و له من العمر يومئذ أربعون سنة، بويع بالخلافة بعد خلع الراشد بيومين، و خطب له على المنابر يوم الجمعة لعشرين من ذي القعدة، و لقب بالمقتفى لأنه يقال إنه رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو في المنام و هو يقول له سيصل هذا الأمر إليك فاقتف بى، فصار إليه بعد ستة أيام فلقب بذلك‏

فائدة حسنة ينبغي التنبه لها

ولى المقتفى و المسترشد الخلافة و كانا أخوين، و كذلك السفاح و المنصور، و كذلك الهادي و الرشيد، ابنا المهدي، و كذلك الواثق و المتوكل ابنا المعتصم أخوان، و أما ثلاثة إخوة فالأمين و المأمون و المعتصم بنو الرشيد، و المنتصر و المعتز و المعتمد بنو المتوكل، و المكتفي و المقتدر و القاهر بنو المعتضد، و الراضي و المقتفى و المطيع بنو المقتدر، و أما أربعة إخوة فلم يكن إلا في بنى أمية و هم الوليد و سليمان و يزيد و هشام بنو عبد الملك بن مروان، و لما استقر المقتفى بالخلافة استمر الراشد ذاهبا إلى الموصل صحبة صاحبها عماد الدين زنكي، فدخلها في ذي الحجة من هذه السنة.

211

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

محمد بن حمويه‏

ابن محمد بن حمويه أبو عبد اللَّه الجويني، روى الحديث و كان صدوقا مشهورا بالعلم و الزهد، و له كرامات، دخل إلى بغداد فلما ودعهم بالخروج منها أنشدهم:

لئن كان لي من بعد عود إليكم* * * نصيب لبانات الفؤاد إليكم‏

و إن تكن الأخرى و في الغيب غيره* * * قضاه و إلا فالسلام عليكم‏

محمد بن عبد اللَّه‏

ابن أحمد بن حبيب، أبو بكر العامري، المعروف بابن الخباز، سمع الحديث و كان يعظ الناس على طريق التصوف، و كان ابن الجوزي فيمن تأدب به، و قد أثنى عليه و أنشد عنه من شعره:

كيف احتيالى و هذا في الهوى حالي* * * و الشوق أملك لي من عذل عذالى‏

و كيف أشكو و في حبي له شغل* * * يحول بين مهماتي و أشغالى‏

و كانت له معرفة بالفقه و الحديث، و قد شرح كتاب الشهاب، و قد ابتنى رباطا، و كان عنده فيه جماعة من المتعبدين و الزهاد، و لما احتضر أوصاهم بتقوى اللَّه عز و جل و الإخلاص للَّه و الدين، فلما فرغ شرع في النزع و عرق جبينه فمد يده و قال بيتا لغيره:

ها قد بسطت يدي إليك فردها* * * بالفضل لا بشماتة الأعداء

ثم قال: أرى المشايخ بين أيديهم الأطباق و هم ينتظروننى، ثم مات، و ذلك ليلة الأربعاء نصف رمضان و دفن برباطه، ثم غرق رباطه و قبره في سنة أربعين و خمسمائة،

محمد بن الفضل‏

ابن أحمد بن محمد بن أبى العباس أبو عبد اللَّه الصاعدي الفراوي، كان أبوه من ثغر فراوة، و سكن نيسابور، فولد له بها محمد هذا، و قد سمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ بالآفاق، و تفقه و أفتى و ناظر و وعظ، و كان ظريفا حسن الوجه جميل المعاشرة كثير التبسم، و أملى أكثر من ألف مجلس، و رحل إليه الطلبة من الآفاق حتى يقال للفراوى ألف راوي، و قيل إن ذلك كان مكتوبا في خاتمه، و قد أسمع صحيح مسلم قريبا من عشرين مرة، توفى في شوال منها عن تسعين سنة.

ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة

فيها كثر موت الفجأة بأصبهان فمات ألوف من الناس، و أغلقت دور كثيرة. و فيها تزوج الخليفة بالخاتون فاطمة بنت محمد بن ملك شاه على صداق مائة ألف دينار، فحضر أخوها السلطان مسعود العقد و جماعة من أعيان الدولة و الوزراء و الأمراء، و نثر على الناس أنواع النثار. و فيها صام أهل بغداد رمضان ثلاثين يوما و لم يروا الهلال ليلة إحدى و ثلاثين، مع كون السماء كانت مصحية.

212

قال ابن الجوزي: و هذا شي‏ء لم يقع مثله. و فيها هرب وزير صاحب مصر و هو تاج الدولة بهرام النصراني، و قد كان تمكن في البلاد و أساء السيرة، فتطلبه الخليفة الحافظ حتى أخذه فسجنه ثم أطلقه فترهب و ترك العمل، فاستوزر بعده رضوان بن الريحينى و لقبه الملك الأفضل، و لم يلقب وزير قبله بهذا، ثم وقع بينه و بين الخليفة الحافظ، فلم يزل به الخليفة حتى قتله و استقل بتدبير أموره وحده. و فيها ملك عماد الدين زنكي عدة بلدان. و فيها طلع بالشام سحاب أسود أظلمت له الدنيا، ثم ظهر بعده سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، ثم جاءت ريح عاصف ألقت أشجارا كثيرة، ثم وقع مطر شديد، و سقط برد كبار. و فيها قصد ملك الروم بلاد الشام فأخذ بلادا كثيرة من أيدي الفرنج، و أطاعه ابن اليون ملك الأرمن.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن محمد بن ثابت‏

ابن الحسن أبو سعد الخجنديّ، تفقه على والده الامام أبى بكر الخجنديّ الأصبهاني، و ولى تدريس النظامية ببغداد مرارا، و يعزل عنها، و قد سمع الحديث و وعظ، و توفى في شعبان منها، و قد قارب التسعين.

هبة اللَّه بن أحمد

ابن عمر الحريري، يعرف بابن الطير، سمع الكثير و هو آخر من روى عن أبى الحسن ابن زوج الحرة، و قد حدث عنه الخطيب، و كان ثبتا كثير السماع، كثير الذكر و التلاوة، ممتعا بحواسه و قواه، إلى أن توفى في جمادى الأولى عن ست و تسعين سنة.

ثم دخلت سنة ثنتين و ثلاثين و خمسمائة

فيها قتل الخليفة الراشد المخلوع، و ذلك أنه اجتمع معه الملك داود و جماعة من كبار الأمراء، فقصدوا قتال مسعود بأرض مراغة فهزمهم و بدد شملهم، و قتل منهم خلقا صبرا، منهم صدقة بن دبيس، و ولى أخاه محمدا مكانه على الحلة، و هرب الخليفة الراشد المخلوع، فدخل أصبهان فقتله رجل ممن كان يخدمه من الخراسانية، و كان قد برأ من وجع أصابه، فقتلوه في الخامس و العشرين من رمضان، و دفن بشهرستان ظاهر أصبهان. و قد كان حسن اللون مليح الوجه شديد القوة مهيبا، أمه أم ولد. و فيها كسى الكعبة رجل من التجار يقال له راست الفارسي، بثمانية عشر ألف دينار، و ذلك لأنه لم تأتها كسوة في هذا العام لأجل اختلاف الملوك. و فيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد الشام و الجزيرة و العراق، فانهدم شي‏ء كثير من البيوت، و مات تحت الهدم خلق كثير. و فيها أخذ الملك عماد الدين زنكي مدينة حمص في المحرم، و تزوج في رمضان بالست زمرد خاتون، أم صاحب دمشق، و هي التي تنسب إليها الخاتونية البرانية. و فيها ملك صاحب الروم مدينة بزاعة، و هي على ستة فراسخ من حلب، فجاء أهلها الذين نجوا من القتل و السبي يستغيثون بالمسلمين ببغداد، فمنعت‏

213

الخطبة ببغداد، و جرت فتن طويلة. و فيها تزوج السلطان مسعود بسفري بنت دبيس بن صدقة و زينت بغداد لذلك سبعة أيام. قال ابن الجوزي: فحصل بسبب ذلك فساد عريض طويل منتشر، ثم تزوج ابنة عمه فزينت بغداد ثلاثة أيام أيضا. و فيها ولد للسلطان الناصر صلاح يوسف بن أيوب ابن شارى بقلعة تكريت.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد

أبو بكر بن أبى الفتح الدينَوَريّ الحنبلي، سمع الحديث و تفقه على أبى الخطاب الكلوذاني و أفتى و درس و ناظر، كان أسعد الميهنى يقول عنه: ما اعترض أبو بكر الدينَوَريّ على دليل أحد إلا ثلمه، و قد تخرج به ابن الجوزي و أنشد:

تمنيت أن يمسى فقيها مناظرا* * * بغير عياء و الجنون فنون‏

و ليس اكتساب المال دون مشقة* * * تلقيتها، فالعلم كيف يكون؟

عبد المنعم بن عبد الكريم‏

ابن هوازن، أبو المظفر القشيري، آخر من بقي منهم، سمع أباه و أبا بكر البيهقي و غيرهما، و سمع منه عبد الوهاب الأنماطي، و أجاز ابن الجوزي، و قارب التسعين.

محمد بن عبد الملك‏

ابن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرخي، سمع الكثير في بلاد شتى، و كان فقيها مفتيا، تفقه بأبي إسحاق و غيره من الشافعية، و كان شاعرا فصيحا، و له مصنفات كثيرة منها الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد، و يحكى فيه أشياء غريبة حسنة، و له تفسير و كتاب في الفقه، و كان لا يقنت في الفجر، و يقول: لم يصح ذلك في حديث، و قد كان إمامنا الشافعيّ يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، و اضربوا بقولي الحائط. و قد كان حسن الصورة جميل المعاشرة، و من شعره قوله:

تناءت داره عنى و لكن* * * خيال جماله في القلب ساكن‏

إذا امتلأ الفؤاد به فما ذا* * * يضر إذا خلت منه الأماكن‏

توفى و قد قارب التسعين.

الخليفة الراشد

منصور بن المسترشد، قتل بأصبهان بعد مرض أصابه، فقيل إنه سم، و قيل قتلته الباطنية، و قيل قتله الفراشون الذين كانوا يلون أمره فاللَّه أعلم. و قد حكى ابن الجوزي عن أبى بكر الصولي أنه قال الناس يقولون كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الإسلام لا بد أن يخلع. قال ابن الجوزي:

فتأملت ذلك فرأيته عجبا قيام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ثم الحسن فخلعه معاوية

214

ثم يزيد و معاوية بن يزيد و مروان و عبد الملك، ثم عبد اللَّه بن الزبير فخلع و قتل، ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام ثم الوليد بن يزيد فخلع و قتل، و لم ينتظم لبني أمية بعده أمر حتى قام السفاح العباسي ثم أخوه المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين فخلع و قتل، ثم المأمون و المعتصم و الواثق و المتوكل و المنتصر ثم المستعين فخلع ثم قتل، ثم المعتز و المهتدي و المعتمد و المعتضد و المكتفي ثم المقتدر فخلع ثم أعيد فقتل، ثم القاهر و الراضي و المتقى و المكتفي و المطيع ثم الطائع فخلع، ثم القادر و القائم و المقتدى و المستظهر و المسترشد ثم الراشد فخلع و قتل.

أنوشروان بن خالد

ابن محمد القاشاني القيني، من قرية قين من قاشان، الوزير أبو نصر، و زر للسلطان محمود و للخليفة المسترشد، و كان عاقلا مهيبا عظيم الخلقة، و هو الّذي ألزم أبا محمد الحريري بتكميل المقامات، و كان سبب ذلك أن أبا محمد كان جالسا في مسجد بنى حرام في محلة من محال البصرة، فدخل عليه شيخ ذو طمرين فقالوا: من أنت؟ قال أنا رجل من سروج، يقال لي أبو زيد. فعمل الحريري المقامة الحرامية و اشتهرت في الناس، فلما طالعها الوزير أنوشروان أعجب بها و كلف أبا محمد الحريري أن يزيد عليها غيرها فزاد عليها غيرها إلى تمام خمسين مقامة، فهي هذه المشهورة المتداولة بين الناس، و قد كان الوزير أنوشروان كريما، و قد مدحه الحريري صاحب المقامات.

ألا ليت شعرى و التمني لعله* * * و إن كان فيه راحة لأخى الكرب‏

أ تدرون أنى مذ تناءت دياركم* * * و شط اقترابى من جنابكم الرحب‏

أكابد شوقا ما أزال أداره* * * يقلبنى في الليل جنبا على جنب‏

و أذكر أيام التلاقي فأنثنى* * * لتذكارها بادى الاسى طائر اللب‏

ولى حنة في كل وقت إليكم* * * و لا حنة الصادي إلى البارد العذب‏

فو اللَّه لو أنى كتمت هواكم* * * لما كان مكتوما بشرق و لا غرب‏

و مما شجا قلبي المعنّى و شفّه* * * رضاكم بإهمال الاجابة عن كتبي‏

و قد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة* * * فقد صرت أخشاها و ما لي من ذنب‏

و لما سرى الوفد العراقي نحوكم* * * و أعوزنى المسرى إليكم مع الركب‏

جعلت كتابي نائبا عن ضرورتى* * * و من لم يجد ماء تيمم بالترب‏

و يعضد أيضا بضعة من جوارحي* * * تنبيكم عن سر حالي و تستنبى‏

و لست أرى اذكاركم بعد خيركم* * * بمكرمة، حسبي اعتذاركم حسبي‏

215

ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة

فيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة جبرت فمات بسببها مائتا ألف و ثلاثون ألفا، و صار مكانها ماء أسود عشرة فراسخ في مثلها، و زلزل أهل حلب في ليلة واحدة ثمانين مرة. و فيها وضع السلطان محمود مكوسا كثيرة عن الناس، و كثرت الأدعية له. و فيها كانت وقعة عظيمة بين السلطان سنجر و خوارزم شاه، فهزمه سنجر و قتل ولده في المعركة، فحزن عليه والده حزنا شديدا. و فيها قتل صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بورى بن طغتكين، قتله ثلاثة من خواصه ليلا و هربوا من القلعة، فأدرك أثنان فصلبا و أفلت واحد. و فيها عزل اليهود و النصارى عن المباشرات ثم أعيدوا قبل شهر و حج بالناس فيها قطز الخادم.

و فيها توفى من الأعيان‏

زاهر بن طاهر

ابن محمد، أبو القاسم بن أبى عبد الرحمن بن أبى بكر السحامى المحدث المكثر، الرحال الجوال، سمع الكثير و أملى بجامع نيسابور ألف مجلس، و تكلم فيه أبو سعد السمعاني، و قال: إنه كان يخل بالصلوات. و قد رد ابن الجوزي على السمعاني بعذر المرض و يقال: إنه كان به مرض يكثر بسببه جمع الصلوات فاللَّه أعلم، بلغ خمسا و ثمانين سنة توفى بنيسابور في ربيع الآخر، و دفن بمقبرته.

يحيى بن يحيى بن على‏

ابن أفلح، أبو القاسم الكاتب، و قد خلع عليه المسترشد و لقبه جمال الملك، و أعطاه أربعة دور، و كانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلهن و اتخذ مكانهن دارا هائلة، طولها ستون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، و أطلق له الخليفة أخشابها و آجرها و طرازاتها، و كتب عليها أشعارا حسنة من نظمه و نظم غيره، فمن ذلك ما هو على باب دارها:

إن أعجب الراءون من ظاهرى* * * فباطنى لو علموا أعجب‏

شد بأني من كفه مزنة* * * يخجل منها العارض الصيب‏

و رنحت روضة أخلاقه* * * في ديار نورها مذهب‏

صدر كسى صدري من نوره* * * شمسا على الأيام لا تغرب‏

و على الطرز مكتوب:

و من المروءة للفتى* * * ما عاش دار فاخره‏

فاقنع من الدنيا بها* * * و اعمل لدار الآخرة

هاتيك وافيت بما* * * وعدت و هاتي باتره‏

و في موضع آخر مكتوب:

216

و ناد كأن جنان الخلد* * * أعارته من حسنها رونقا

و أعطته من حادثات الزمان* * * أن لا يلم به موبقا

فأضحى ينبئه على كل ما* * * بنى مغربا كان أو مشرقا

تظل الوفود به عكفا* * * و يمسى الضيوف به طرّقا

بقيت له يا جمال الملوك* * * و ذا الفضل مهما أردت البقا

و سالمه فيك ريب الزمان* * * و وقيت فيه الّذي يتقى‏

فما و اللَّه صدقت هذه الأماني، بل عما قريب اتهمه الخليفة بأنه يكاتب دبيسا فأمر بخراب داره تلك فلم يبق فيها جدار، بل صارت خربة بعد ما كانت قرة العيون من أحسن المقام و القرار، و هذه حكمة اللَّه من تقلب الليل و النهار، و ما تجرى بمشيئة الأقدار، و هي حكمته في كل دار بنيت بالأشر و البطر، و في كل لباس لبس على التيه و الكبر و الأشر. و قد أورد له ابن الجوزي أشعارا حسنة من نظمه، و كلمات من نثره فمن ذلك قوله:

دع الهوى لا ناس يعرفون به* * * قد مارسوا الحب حتى أصعبه‏

أدخلت نفسك فيما لست تجربه* * * و الشي‏ء صعب على من لا يجربه‏

أمن اصطبار و إن لم تستطع خلدا* * * فرب مدرك أمر عز مطلبه‏

أحن الضلوع على قلب يخيرني* * * في كل يوم يعييني تقلبه‏

تأرج الريح من نجد يهيجه* * * و لا مع البرق من نغمات يطربه‏

و قوله‏

هذه الخيف و هاتيك منى* * * فترفق أيها الحادي بنا

و احبس الركب علينا ساعة* * * نندب الدار و نبكي الدنا

فلذا الموقف أعددت البكا* * * و لذا اليوم الدموع تقتنى‏

زماننا كان و كنا جيرة* * * فأعاد اللَّه ذاك الزمنا

بيننا يوم ائتلاف نلتقي* * * كان من غير تراضى بيننا

ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة

فيها حاصر زنكي دمشق فحصنها الأتابك معين الدين بن مملوك طغتكين، فاتفق موت ملكها جمال الدين محمود بن بورى بن طغتكين، فأرسل معين الدين إلى أخيه مجير الدين أتق، و هو ببعلبكّ فملكه دمشق، فذهب زنكي إلى بعلبكّ فأخذها و استناب عليها نجم الدين أيوب صلاح الدين.

و فيها دخل الخليفة على الخاتون فاطمة بنت السلطان مسعود، و أغلقت بغداد أياما. و فيها نودي للصلاة على رجل صالح فاجتمع الناس بمدرسة الشيخ عبد القادر فاتفق أن الرجل عطس فأفاق،

217

و حضرت جنازة رجل آخر غيره فصلى عليه ذلك الجمع الكثير. و فيها نقصت المياه من سائر الدنيا و فيها ولد صاحب حماه تقى الدين عمر شاهنشاه بن أيوب بن شارى.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن جعفر

ابن الفرج أبو العباس الحربي، أحد العباد الزهاد، سمع الحديث و كانت له أحوال صالحة، حتى كان يقال: إنه كان يرى في بعض السنين بعرفات، و لم يحج في تلك السنة.

عبد السلام بن الفضل‏

أبو القاسم الجيلي، سمع الحديث و تفقه على الكيا الهراسي، و برع في الأصول و الفروع، و غير ذلك، و ولى قضاء البصرة و كان من خيار القضاة.

ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة

فيها وصلت البردة و القضيب إلى بغداد، و كانا مع المسترشد حين هرب سنة تسع و عشرين، و خمسمائة فحفظهما السلطان سنجر عنده حتى ردهما في هذه السنة. و فيها كملت المدرسة الكمالية المنسوبة إلى كمال الدين، أبى الفتوح حمزة بن طلحة، صاحب المخزن، و درس فيها الشيخ أبو الحسن الحلي، و حضر عنده الأعيان.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

إسماعيل بن محمد

ابن على، أبو القاسم الطلحي الأصبهاني، سمع الكثير، و رحل و كتب و أملى بأصبهان، قريبا من ثلاثة آلاف مجلس، و كان إماما في الحديث و الفقه و التفسير و اللغة، حافظا متقنا، توفى ليلة عيد الأضحى و قد قارب الثمانين، و لما أراد الغاسل تنحية الخرقة عن فرجه ردها بيده، و قيل: إنه وضع يده على فرجه‏

محمد بن عبد الباقي‏

ابن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مسجعة بن الحارث بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك الأنصاري، سمع الحديث و تفرد عن جماعة من المشايخ، و أملى الحديث في جامع القصر، و كان مشاركا في علوم كثيرة، و قد أسر في صغره في أيدي الروم فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر فلم يفعل، و تعلم منهم خط الروم، و كان يقول من خدم المحابر خدمته المنابر، و من شعره الّذي أورده له ابن الجوزي عنه و سمعه منه قوله:

احفظ لسانك لا تبح بثلاثة* * * سن و مال، إن سئلت، و مذهب‏

فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة* * * بمكفر و بحاسد و مكذب‏

و قوله:

لي مدة لا بد أبلغها* * * فإذا انقضت مت‏

لو عاندتنى الأسد ضارية* * * ما ضرني ما لم يجى الوقت‏

218

قال ابن الجوزي: بلغ من العمر ثلاثا و تسعين سنة، لم تتغير حواسه و لا عقله، توفى ثانى رجب منها. و حضر جنازته الأعيان و غيرهم، و دفن قريبا من قبر بشر.

يوسف بن أيوب‏

ابن الحسن بن زهرة، أبو يعقوب الهمذانيّ، تفقه بالشيخ أبى إسحاق، و برع في الفقه و المناظرة ثم ترك ذلك و اشتغل بالعبادة، و صحب الصالحين، و أقام بالجبال، ثم عاد إلى بغداد فوعظ بها، و حصل له قبول. توفى في ربيع الأول ببعض قرى هراة.

ثم دخلت سنة ست و ثلاثين و خمسمائة

فيها كانت حروب كثيرة بين السلطان سنجر و خوارزم شاه، فاستحوذ خوارزم على مرو بعد هزيمة سنجر ففتك بها، و أساء التدبير بالنسبة إلى الفقهاء الحنفية الذين بها، و كان جيش خوارزم ثلاثمائة ألف مقاتل. و فيها تحمل عمل دمشق النهروز، و خلع نهروز شحنة بغداد على حباب صباغ الحرير الرومي، و ركب هو و السلطان مسعود في سفينة في ذلك النهر، و فرح السلطان بذلك، و كان قد صرف السلطان على ذلك النهر سبعين ألف دينار. و فيها حج كمال الدين طلحة صاحب المخزن، و عاد فتزهد و ترك العمل و لزم داره. و فيها عقدت الجمعة بمسجد العباسيين باذن الخليفة. و حج بالناس قطز.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

إسماعيل بن أحمد بن عمر

ابن الأشعث، أبو القاسم بن أبى بكر السمرقندي الدمشقيّ ثم البغدادي، سمع الكثير و تفرد بمشايخ، و كان سماعه صحيحا، و أملى بجامع المنصور مجالس كثيرة نحو ثلاثمائة مجلس، توفى و قد جاوز الثمانين‏

يحيى بن على‏

ابن محمد بن على، أبو محمد بن الطراح المدبر، ولد سنة تسع و عشرين و أربعمائة، و سمع الكثير و أسمع، و كان شيخا حسنا مهيبا كثير العبادة، توفى في رمضان منها.

ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة

فيها ملك عماد الدين زنكي الحديثة، و نقل آل مهارش منها إلى الموصل، و رتب فيها نوابا من جهته.

ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة

فيها تجهز السلطان مسعود ليأخذ الموصل و الشام من زنكي، فصالحه على مائة ألف دينار، فدفع إليه منها عشرين ألف دينار، و أطلق له الباقي، و سبب ذلك أن ابنه سيف الدين غازى كان لا يزال في خدمة السلطان مسعود. و فيها ملك زنكي بعض بلاد بكر. و فيها حصر الملك سنجر خوارزم شاه، ثم أخذ منه مالا و أطلقه. و فيها وجد رجل يفسق بصبي فألقى من رأس منارة، و في ليلة الثلاثاء الرابع‏

219

و العشرين من ذي القعدة زلزلت الأرض. و حج بالناس قطز.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

عبد الوهاب بن المبارك‏

ابن أحمد، أبو البركات الأنماطي، الحافظ الكبير، كان ثقة دينا ورعا، طليق الوجه، سهل الأخلاق، توفى في المحرم عن ست و تسعين سنة.

على بن طراد

ابن محمد الزينبي، الوزير العباسي، أبو القاسم نقيب النقباء على الطائفتين، في أيام المستظهر، و وزر للمسترشد، و توفى في رمضان عن ست و سبعين سنة.

الزمخشريّ محمود

ابن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم الزمخشريّ، صاحب الكشاف في التفسير، و المفصل في النحو و غير ذلك من المصنفات المفيدة، و قد سمع الحديث و طاف البلاد، و جاور بمكة مدة، و كان يظهر مذهب الاعتزال و يصرح بذلك في تفسيره، و يناظر عليه، و كانت وفاته بخوارزم ليلة عرفة منها، عن ست و سبعين سنة.

ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة

فيها أخذ العماد زنكي الرها و غيرها من حصون الجزيرة من أيدي الفرنج، و قتل منهم خلقا كثيرا و سبى نساء كثيرة، و غنم أموالا جزيلة، و أزال عن المسلمين كربا شديدا. و حج بالناس قطز الخادم و تنافس هو و أمير مكة فنهب الحجيج و هم يطوفون.

و فيها توفى من الأعيان‏

إبراهيم بن محمد بن منصور

ابن عمر أبو الوليد الكرخي، تفقه بأبي إسحاق و أبى سعد المتولي، حتى صار أوحد زمانه فقها و صلاحا، مات في هذه السنة.

سعد بن محمد

ابن عمر أبو منصور البزار، سمع الحديث و تفقه بالغزالي و الشاشي و المتولي و الكيا، و ولى تدريس النظامية، و كان له سمت حسن، و وقار و سكون، و كان يوم جنازته مشهودا، و دفن عند أبى إسحاق.

عمر بن إبراهيم‏

ابن محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن على بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، القرشي العلويّ، و أبو البركات الكوفي، ثم البغدادي، سمع الكثير و كتب كثيرا، و أقام بدمشق مدة، و كان له معرفة جيدة بالفقه و الحديث و التفسير و اللغة و الأدب، و له تصانيف في النحو، و كان خشن العيش، صابرا محتسبا، توفى في شعبان من هذه السنة عن سبع و تسعين سنة (رحمه اللَّه تعالى).

220

ثم دخلت سنة أربعين و خمسمائة

فيها حصر على بن دبيس أخاه محمدا و لم يزل يحاصره حتى اقتلع من يده الحلة و ملكها، و في رجب منها دخل السلطان مسعود بغداد خوفا من اجتماع عباس صاحب الري، و محمد شاه بن محمود، ثم خرج منها في رمضان، و حج بالناس أرجوان مملوك أمير الجيوش بسبب ما كان وقع بين قطز و أمير مكة في السنة الماضية.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن محمد

ابن الحسن بن على بن أحمد بن سليمان، أبو سعد الأصبهاني، ثم البغدادي، سمع الحديث و كان على طريقة السلف، حلو الشمائل، مطرح الكلفة، ربما خرج إلى السوق بقميص و قلنسوة. و حج أحد عشر حجة، و كان يملى الحديث و يكثر الصوم، توفى بنهاوند في ربيع الأول من هذه السنة، و قد قارب الثمانين.

على بن أحمد

ابن الحسين بن أحمد، أبو الحسن اليزدي، تفقه بأبي بكر الشاشي، و سمع الحديث و أسمعه، و كان له و لأخيه قميص واحد، إذا خرج هذا لبسه و جلس الآخر في البيت عريانا، و كذا الآخر.

موهوب بن أحمد

ابن محمد بن الخضر، أبو منصور الجواليقيّ، شيخ اللغة في زمانه، باشر مشيخة اللغة بالنظاميّة بعد شيخه أبى زكريا التبريزي، و كان يؤم بالمقتفى، و ربما قرأ الخليفة عليه شيئا من الكتب، و كان عاقلا متواضعا في ملبسه، طويل الصمت كثير الفكر، و كانت له حلقة بجامع القصر أيام الجمع، و كان فيه لكنة، و كان يجلس إلى جانبه المغربي معبر المنامات، و كان فاضلا لكنه كان كثير النعاس في مجلسه، فقال فيهما بعض الأدباء:

بغداد عندي ذنبها لن يغفرا* * * عيوبها مكشوفة لن تسترا

كون الجواليقيّ فيها ممليا* * * لغة و كون المغربي معبرا

ما سور للكنته يقول فصاحة* * * و يوم يقظته يعبر في الكرا

ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و خمسمائة

في ليلة مستهل ربيع الأول منها احترق القصر الّذي بناه المسترشد، و كان في غاية الحسن، و كان الخليفة المقتفى قد انتقل بجواريه و حظاياه إليه ليقيم فيه ثلاثة أيام، فما هو إلا أن ناموا احترق عليهم القصر بسبب أن جارية أخذت في يدها شمعة فعلق لهبها ببعض الأخشاب، فاحترق القصر و سلم اللَّه الخليفة و أهله، فأصبح فتصدق بأشياء كثيرة، و أطلق خلقا من المحبسين. و في رجب منها وقع بين الخليفة و السلطان مسعود واقع فبعث الخليفة إلى الجوامع و المساجد فأغلقت ثلاثة أيام، حتى‏

221

اصطلحا. و في يوم الجمعة نصف ذي القعدة جلس ابن العبادي الواعظ فتكلم و السلطان مسعود حاضر، و كان قد وضع على الناس في البيع مكسا فاحشا، فقال في جملة وعظه: يا سلطان العالم، أنت تطلق في بعض الأحيان للمغنى إذا طربت قريبا مما وضعت على المسلمين من هذا المكس، فهبني مغنيا و قد طربت فهب لي هذا المكس شكرا لنعم اللَّه عليك. فأشار السلطان بيده أن قد فعلت، فضج الناس بالدعاء له، و كتب بذلك سجلات، و نودي في البلد بإسقاط ذلك المكس، ففرح الناس بذلك و للَّه الحمد و المنة. و فيها قل المطر جدا، و قلت مياه الأنهار، و انتشر جراد عظيم، و أصاب الناس داء في حلوقهم، فمات بذلك خلائق كثيرة ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و فيها قتل الملك عماد الدين زنكي بن قيم الدولة التركي صاحب الموصل، و حلب و غيرها من البلاد الشامية و الجزيرة، و كان محاصرا قلعة جعبر، و فيها شهاب الدين سالم بن مالك العقيلي، فبرطل بعض مماليك زنكي حتى قتلوه في الليلة الخامسة من ربيع الأول من هذه السنة. قال العماد الكاتب: كان سكرانا فاللَّه أعلم. و قد كان زنكي من خيار الملوك و أحسنهم سيرة و شكلا، و كان شجاعا مقداما حازما، خضعت له ملوك الأطراف، و كان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، و أجود الملوك معاملة، و أرفقهم بالعامة، و قام بالأمر من بعده بالموصل ولده سيف الدولة، و بحلب نور الدين محمود، فاستعاد نور الدين هذا مدينة الرها، و كان أبوه قد فتحها. فلما مات عصوا فقهرهم نور الدين. و فيها ملك عبد المؤمن صاحب المغرب و خادم ابن تومرت جزيرة الأندلس، بعد حروب طويلة. و فيها ملكت الفرنج مدينة طرابلس الغرب، و فيها استعاد صاحب دمشق مدينة بعلبكّ. و فيها جاء نجم الدين أيوب إلى صاحب دمشق فسلمه القلعة و أعطاه أمزبه عنده بدمشق. و فيها قتل السلطان مسعود حاجبه عبد الرحمن بن طغرلبك و قتل عباسا صاحب الري، و ألقى رأسه إلى أصحابه فانزعج الناس و نهبوا خيام عباس هذا، و قد كان عباس من الشجعان المشهورين، قاتل الباطنية مع مخدومه جوهر، فلم يزل يقتل منهم حتى بنى مئذنة من رءوسهم بمدينة الري. و فيها مات نقيب النقباء ببغداد محمد بن طراد الزينبي، فتولى بعده على بن طلحة الزينبي. و فيها سقط جدار على ابنة الخليفة، و كانت قد بلغت مبالغ النساء، فماتت فحضر جنازتها الأعيان. و حج بالناس قطز الخادم.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

زنكي بن آقسنقر

تقدم ذكر شي‏ء من ترجمته، و هو أبو نور الدين محمود الشهيد، و قد أطنب الشيخ أبو شامة في الروضتين في ترجمته، و ما قيل فيه من نظم و نثر (رحمه اللَّه).

سعد الخير

محمد بن سهل بن سعد، أبو الحسن المغربي الأندلسى الأنصاري، رحل و حصل كتبا نفيسة،

222

و روى عنه ابن الجوزي و غيره، و قد أوصى عند وفاته أن يصلى عليه الغزنوي، و أن يدفن عند قبر عبد اللَّه بن الإمام أحمد، و حضر جنازته خلائق من الناس.

شافع بن عبد الرشيد

ابن القاسم، أبو عبد اللَّه الجيلي الشافعيّ، تفقه على الكيا و على الغزالي، و كان يسكن الكرخ، و له حلقة بجامع المنصور في الرواق. قال ابن الجوزي و كنت أحضر حلقته.

عبد اللَّه بن على‏

ابن أحمد بن عبد اللَّه، أبو محمد سبط أبى منصور الزاهد، قرأ القراءات و صنف فيها، و سمع الحديث الكثير، و اقتنى الكتب الحسنة، و أم في مسجده نيفا و خمسين سنة، و علم خلقا القرآن.

قال ابن الجوزي: ما سمعت أحدا أحسن قراءة منه، و حضر جنازته خلق كثير.

عباس شحنة الري‏

توصل إلى أن ملكها ثم قتله مسعود، و قد كان كثير الصدقات و الإحسان إلى الرعية، و قتل من الباطنية خلقا حتى بنى من رءوسهم منارة بالري، و تأسف الناس عليه.

محمد بن طراد

ابن محمد الزينبي، أبو الحسن نقيب النقباء، و هو أخو على بن طراد الوزير، سمع الكثير من أبيه و من عمه أبى نصر و غيرهما، و قارب السبعين.

وجيه بن طاهر

ابن محمد بن محمد، أبو بكر الشحامي، أخو زاهر، و قد سمع الكثير من الحديث، و كانت له معرفة به، و كان شيخا حسن الوجه، سريع الدمعة، كثير الذكر، جمع السماع إلى العمل إلى صدق اللهجة توفى ببغداد في هذه السنة.

ثم دخلت سنة ثنتين و أربعين و خمسمائة

فيها ملكت الفرنج عدة حصون من جزيرة الأندلس. و فيها ملك نور الدين بن محمود زنكي عدة حصون من يد الفرنج بالسواحل. و فيها خطب للمستنجد باللَّه بولاية العهد من بعد أبيه المقتفى. و فيها تولى عون بن يحيى بن هبيرة كتابة ديوان الزمام، و ولى زعيم الدين يحيى بن جعفر صدرية المخزن المعمورة. و فيها اشتد الغلاء بإفريقية و هلك بسببه أكثر الناس حتى خلت المنازل، و أقفلت المعاقل.

و فيها تزوج سيف الدين غازى بنت صاحب ماردين حسام الدين تمرتاش بن أرتق، بعد أن حاصره فصالحه على ذلك، فحملت إليه إلى الموصل بعد سنتين، و هو مريض قد أشرف على الموت، فلم يدخل بها حتى مات، فتولى بعده على الموصل أخوه قطب بن مودود فتزوجها. قال ابن الجوزي:

223

و في صفر رأى رجل في المنام قائلا يقول له: من زار أحمد بن حنبل غفر له. قال فلم يبق خاص و لا عام إلا زاره. قال ابن الجوزي: و عقدت يومئذ ثم مجلسا فاجتمع فيه ألوف من الناس.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أسعد بن عبد اللَّه‏

ابن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الصمد بن المهتدي باللَّه، أبو منصور، سمع الحديث الكثير، و كان خيرا صالحا ممتعا بحواسه و قواه، إلى حين الوفاة. و قد جاوز المائة بنحو من سبع سنين‏

أبو محمد عبد اللَّه بن محمد

ابن خلف بن أحمد بن عمر اللخمي الأندلسى، الرباطي الحافظ، مصنف كتاب اقتباس الأنوار و التماس الأزهار، في أنساب الصحابة و رواة الآثار، و هو من أحسن التصانيف الكبار، قتل شهيدا صبيحة يوم الجمعة العشرين من جمادى بالبرية.

نصر اللَّه بن محمد

ابن عبد القوى، أبو الفتح اللاذقي المصيصي الشافعيّ، تفقه بالشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي، بصور، و سمع بها منه و من أبى بكر الخطيب، و سمع ببغداد و الأنبار، و كان أحد مشايخ الشام، فقيها في الأصول و الفروع، توفى فيها و قد جاوز التسعين بأربع سنين.

هبة اللَّه بن على‏

ابن محمد بن حمزة أبو السعادات ابن الشجري النحويّ، ولد سنة خمسين و أربعمائة، و سمع الحديث و انتهت إليه رياسة النحاة. قال سمعت بيتا في الذم أبلغ من قول مكوبه:

و ما أنا إلا المسك قد ضاع عندكم* * * يضيع و عند الأكثرين يضوع‏

ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة

فيها استغاث مجير الدين بن أتابك دمشق بالملك نور الدين صاحب حلب على الفرنج، فركب سريعا فالتقى معهم بأرض بصرى فهزمهم، و رجع فنزل على الكسوة، و خرج ملك دمشق مجير الدين أرتق فخدمه و احترمه و شاهد الدماشقة حرمة نور الدين حتى تمنوه. و فيها ملكت الفرنج المهدية و هرب منها صاحبها الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن يوسف بن بليكين بأهله و خاف على أمواله فتمزقت في البلاد، و تمزق هو أيضا في البلاد، و أكلتهم الأقطار، و كان آخر ملوك بنى باديس، و كان ابتداء ملكهم في سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة، فدخل الفرنج إليها و خزائنها مشحونة بالحواصل و الأموال و العدد و غير ذلك، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و فيها حاصرت الفرنج و هم في سبعين ألف مقاتل، و معهم ملك الألمان في خلق لا يعلمهم إلا اللَّه عز و جل، دمشق و عليها مجير الدين أرتق و أتابكه معين الدين، و هو مدبر المملكة، و ذلك يوم السبت سادس ربيع‏

224

الأول، فخرج إليهم أهلها في مائة ألف و ثلاثين ألفا، فاقتتلوا معهم قتالا شديدا، قتل من المسلمين في أول يوم نحو من مائتي رجل، و من الفرنج خلق كثير لا يحصون، و استمر الحرب مدة، و أخرج مصحف عثمان إلى وسط صحن الجامع، و اجتمع الناس حوله يدعون اللَّه عز و جل، و النساء و الأطفال مكشفى الرءوس يدعون و يتباكون، و الرماد مفروش في البلد، فاستغاث أرتق بنور الدين محمود صاحب حلب و بأخيه سيف الدين غازى صاحب الموصل، فقصداه سريعا في نحو من سبعين ألفا بمن انضاف إليهم من الملوك و غيرهم، فلما سمعت الفرنج بقدوم الجيش تحولوا عن البلد، فلحقهم الجيش فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و جما غفيرا، و قتلوا قسيسا معهم اسمه إلياس، و هو الّذي أغراهم بدمشق، و ذلك أنه افترى مناما عن المسيح أنه وعده فتح دمشق، فقتل لعنه اللَّه، و قد كادوا يأخذون البلد، و لكن اللَّه سلم، و حماها بحوله و قوته. قال تعالى‏ (وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً) و مدينة دمشق لا سبيل للأعداء من الكفرة عليها، لأنها المحلة التي أخبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عنها أنها معقل الإسلام عند الملاحم و الفتن، و بها ينزل عيسى ابن مريم، و قد قتل الفرنج خلقا كثيرا من أهل دمشق، و ممن قتلوا الفقيه الكبير الملقب حجة الدين شيخ المالكية بها، أبو الحجاج يوسف بن درناس الفندلاوى، بأرض النيرب، و دفن بمقابر باب الصغير، و كان مجير الدين قد صالح الفرنج عن دمشق ببانياس، فرحلوا عنها و تسلموا بانياس.

و فيها وقع بين السلطان مسعود و أمرائه ففارقوه، و قصدوا بغداد فاقتتلوا مع العامة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا من الصغار و الكبار، ثم اجتمعوا قبال التاج و قبلوا الأرض و اعتذروا إلى الخليفة مما وقع، و ساروا نحو النهروان فتفرقوا في البلاد، و نهبوا أهلها، فغلت الأسعار بالعراق بسبب ذلك. و فيها ولى قضاء القضاة ببغداد أبو الحسن على بن أحمد بن على بن الدامغانيّ، بعد وفاة الزينبي. و فيها ملك سولي بن الحسين ملك الثغور مدينة غزنة، فذهب صاحبها بهرام شاه بن مسعود من أولاد سبكتكين إلى فرغانة فاستغاث بملكها، فجاء بجيوش عظيمة فاقتلع غزنة من سولي، و أخذه أسيرا فصلبه، و قد كان كريما جوادا، كثير الصدقات.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

إبراهيم بن محمد

ابن نهار بن محرز الغنوي الرقى، سمع الحديث و تفقه بالشاشي و الغزالي، و كتب شيئا كثيرا من مصنفاته، و قرأها عليه، و صحبه كثيرا، و كان مهيبا كثير الصمت، توفى في ذي الحجة منها و قد جاوز الثمانين.

شاهان شاه بن أيوب‏

ابن شادى، استشهد مع نور الدين، و هو والد الست عذار، واقفة العذارية، و تقى الدين عمر واقف التقوية.

225

على بن الحسين‏

ابن محمد بن على الزينبي، أبو القاسم الأكمل بن أبى طالب نور الهدى بن أبى الحسن نظام الحضرتين ابن نقيب النقباء أبى القاسم بن القاضي أبى تمام العباسي، قاضى القضاة ببغداد و غيرها، سمع الحديث، و كان فقيها رئيسا، وقورا حسن الهيئة و السمت، قليل الكلام، سافر مع الخليفة الراشد إلى الموصل، و جرت له فصول ثم عاد إلى بغداد فمات بها في هذه السنة، و قد جاوز الستين، و كانت جنازته حافلة

أبو الحجاج يوسف بن درباس‏

الفندلاوى، شيخ المالكية بدمشق، قتل يوم السبت سادس ربيع الأول قريبا من الربوة في أرض النيرب، هو و الشيخ عبد الرحمن الجلجولى، أحد الزهاد (رحمهما اللَّه تعالى)، و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة أربع و أربعين و خمسمائة

فيها كانت وفاة القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبى السبتي، قاضيها أحد مشايخ العلماء المالكية، و صاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها الشفا، و شرح مسلم، و مشارق الأنوار، و غير ذلك، و له شعر حسن، و كان إماما في علوم كثيرة، كالفقه و اللغة و الحديث و الأدب، و أيام الناس، ولد سنة ست و أربعين و أربعمائة، و مات يوم الجمعة في جمادى الآخرة، و قيل في رمضان من هذه السنة، بمدينة سبتة. و فيها غزا الملك نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، فقتل منهم خلقا، و كان فيمن قتل البرنس صاحب أنطاكية، و فتح شيئا كثيرا من قلاعهم و للَّه الحمد. و كان قد استنجد بمعين الدين بن أتابك دمشق، فأرسل إليه بفريق من جيشه صحبة الأمير مجاهد الدين بن مروان بن ماس، نائب صرخد فأبلوا بلاء حسنا، و قد قال الشعراء في هذه الغزوة أشعارا كثيرة، منهم ابن القيسراني و غيره، و قد سردها أبو شامة في الروضتين. و في يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر استوزر للخلافة أبو المظفر يحيى بن هبيرة، و لقب عون الدين، و خلع عليه. و في رجب قصد الملك شاه بن محمود بغداد و معه خلق من الأمراء، و معه على بن دبيس و جماعة من التركمان و غيرهم، و طلبوا من الخليفة أن يخطب له فامتنع من ذلك، و تكررت المكاتبات، و أرسل الخليفة إلى السلطان مسعود يستحثه في القدوم، فتمادى عليه و ضاق النطاق، و اتسع الخرق على الراقع، و كتب الملك سنجر إلى ابن أخيه يتوعده إن لم يسرع إلى الخليفة، فما جاء إلا في أواخر السنة، فانقشعت تلك الشرور كلها، و تبدلت سرورا أجمعها. و في هذه السنة زلزلت الأرض زلزالا شديدا، و تموجت الأرض عشر مرات، و تقطع جبل بحلوان، و انهدم الرباط النهر جوري، و هلك خلق كثير بالبرسام، لا يتكلم المرضى به حتى يموتوا.

و فيها مات سيف الدين غازى بن زنكي صاحب الموصل، و ملك بعده أخوه قطب الدين مودود بن‏

226

زنكي، و تزوج بامرأة أخيه التي لم يدخل بها، الخاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، صاحب ماردين، فولدت له أولادا كلهم ملكوا الموصل، و كانت هذه المرأة تضع خمارها بين خمسة عشر ملكا.

و فيها سار نور الدين إلى سنجار ففتحها، فجهز إليه أخوه قطب الدين مودود جيشا ليرده عنها، ثم اصطلحا فعوضه منها الرحبة و حمص، و استمرت سنجار لقطب الدين، و عاد نور الدين إلى بلده. ثم غزا فيها الفرنج فقتل منهم خلقا و أسر البرنس صاحب أنطاكية، فمدحه الشعراء منهم الفتح القيسراني بقصيدة يقول في أولها:

هذي العزائم لا ما تنعق القضب* * * و ذي المكارم لا ما قالت الكتب‏

و هذه الهمم اللاتي متى خطبت* * * تعثرت خلفها الأشعار و الخطب‏

صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها* * * براحة للمساعى دونها تعب‏

ما زال جدك يبنى كل شاهقة* * * حتى بنى قبة أوتادها الشهب‏

و فيها فتح نور الدين حصن فاميا و هو قريب من حماه. و فيها مات صاحب مصر الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد بن أبى القاسم بن المستنصر، فقام بالأمر من بعده ولده الظافر إسماعيل، و قد كان أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش قد استحوذ على الحافظ و خطب له بمصر ثلاثا، ثم آخر الأمر أذن بحي على خير العمل، و الحافظ هذا هو الّذي وضع طبل القولنج الّذي إذا ضربه من به القولنج يخرج منه القولنج و الريح الّذي به، و خرج بالحجاج الأمير قطز الخادم فمرض بالكوفة فرجع و استخلف على الحجاج مولاه قيماز، و حين وصوله إلى بغداد توفى بعد أيام، فطمعت العرب في الحجاج فوقفوا لهم في الطريق و هم راجعون، فضعف قيماز عن مقاومتهم فأخذ لنفسه أمانا و هرب و أسلم إليهم الحجيج، فقتلوا أكثرهم و أخذوا أموال الناس، و قل من سلم فيمن نجا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و فيها مات معين الدين بن أتابك العساكر بدمشق، و كان أحد مماليك طغتكين، و هو والد الست خاتون زوجة نور الدين، و هو واقف المدرسة المعينية، داخل باب الفرج، و قبره في قبة قتلى الشامية البرانية، بمحلة العونية، عند دار البطيخ. و لما مات معين الدين قويت شوكة الوزير الرئيس مؤيد الدولة على ابن الصوفي و أخيه زين الدولة حيدرة، و وقعت بينهما و بين الملك مجير الدين أرتق وحشة، اقتضت أنهما جندا من العامة و الغوغاء ما يقاومه فاقتتلوا فقتل خلق من الفريقين. ثم وقع الصلح بعد ذلك.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن نظام الملك‏

أبو الحسن على بن نصر الوزير للمسترشد، و السلطان محمود، و قد سمع الحديث، و كان من خيار الوزراء.

أحمد بن محمد

ابن الحسين الأرجاني، قاضى تستر، روى الحديث و كان له شعر رائق يتضمن معاني حسنة

227

فمن ذلك قوله:

و لما بلوت الناس أطلب عندهم* * * أخا ثقة عند اعتراض الشدائد

تطعمت في حالي رخاء و شدة* * * و ناديت في الأحياء هل من مساعد؟

فلم أر فيما ساءني غير شامت* * * و لم أر فيما سرني غير حاسد

فطلقت ود العالمين جميعهم* * * و رحت فلا ألوى على غير واحد

تمتعتما يا ناظري بنظرة* * * و أوردتما قلبي أمر الموارد

أ عيني كفا عن فؤادي فإنه* * * من البغي سعى اثنين في قتل واحد

و القاضي عياض بن موسى السبتي‏

صاحب التصانيف المفيدة و من شعره قوله:

اللَّه يعلم أنى منذ لم أركم* * * كطائر خانه ريش الجناحين‏

و لو قدرت ركبت الريح نحوكم* * * فان بعدكم عنى جنى حينى‏

و قد ترجمه ابن خلكان ترجمة حسنة.

عيسى بن هبة اللَّه‏

ابن عيسى، أبو عبد اللَّه النقاش، سمع الحديث، مولده سنة سبع و خمسين و أربعمائة. قال ابن الجوزي: و كان ظريفا خفيف الروح، له نوادر حسنة رأى الناس، و عاشر الأكياس، و كان يحضر مجلسى و يكاتبني و أكاتبه، كتبت إليه مرة فعظمته في الكتاب فكتب إلى: قد زدتني في الخطاب حتى خشيت نقصا من الزيادة، و له:

إذا وجد الشيخ في نفسه* * * نشاطا فذلك موت خفي‏

أ لست ترى أن ضوء السراج* * * له لهب قبل أن ينطفى‏

غازى بن آقسنقر

الملك سيف الدين صاحب الموصل، و هو أخو نور الدين محمود، صاحب حلب ثم دمشق فيما بعد، و قد كان سيف الدين هذا من خيار الملوك و أحسنهم سيرة، و أجودهم سريرة، و أصبحهم صورة، شجاعا كريما، يذبح كل يوم لجيشه مائة من الغنم، و لمماليكه ثلاثين رأسا، و في يوم العيد ألف رأس سوى البقر و الدجاج، و هو أول من حمل على رأسه سنجق من ملوك الأطراف، و أمر الجند أن لا يركبوا إلا بسيف و دبوس، و بنى مدرسة بالموصل و رباطا للصوفية و امتدحه الحيص بيص فأعطاه ألف دينار عينا، و خلعة. و لما توفى بالحمى في جمادى الآخرة دفن في مدرسته المذكورة، و له من العمر أربعون سنة، و كانت مدة ملكه بعد أبيه ثلاث سنين و خمسين يوما، (رحمه اللَّه).

228

قطز الخادم‏

أمير الحاج مدة عشرين سنة و أكثر، سمع الحديث و قرأ على ابن الزاغونى، و كان يحب العلم و الصدقة، و كان الحاج معه في غاية الدعة و الراحة و الأمن، و ذلك لشجاعته و وجاهته عند الخلفاء و الملوك، توفى ليلة الثلاثاء الحادي عشر من ذي القعدة و دفن بالرصافة.

ثم دخلت سنة خمس و أربعين و خمسمائة

فيها فتح نور الدين محمود حصن فامية، و هو من أحصن القلاع، و قيل فتحه في التي قبلها.

و فيها قصد دمشق ليأخذها فلم يتفق له ذلك، فخلع على ملكها مجير الدين أرتق، و على وزيره ابن الصوفي، و تقررت الخطبة له بها بعد الخليفة و السلطان، و كذلك السكة. و فيها فتح نور الدين حصن إعزاز و أسر ابن ملكها ابن جوسليق، ففرح المسلمون بذلك، ثم أسر بعده والده جوسليق الفرنجى، فتزايدت الفرحة بذلك، و فتح بلادا كثيرة من بلاده. و في المحرم منها حضر يوسف الدمشقيّ تدريس النظامية، و خلع عليه، و لما لم يكن ذلك باذن الخليفة بل بمرسوم السلطان و ابن النظام، منع من ذلك فلزم بيته و لم يعد إلى المدرسة بالكلية، و تولاها الشيخ أبو النجيب باذن الخليفة و مرسوم السلطان.

قال ابن الجوزي: في هذه السنة وقع مطر باليمن كله دم، حتى صبغ ثياب الناس.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن ذي النون‏

ابن أبى القاسم، بن أبى الحسن، أبو المفاخر النيسابورىّ، قدم بغداد فوعظ بها، و جعل ينال من الأشاعرة فأحبته الحنابلة، ثم اختبروه فإذا هو معتزلي ففتر سوقه، و جرت بسببه فتنة ببغداد، و قد سمع منه ابن الجوزي شيئا من شعره، من ذلك:

مات الكرام و مروا و انقضوا و مضوا* * * و مات من بعدهم تلك الكرامات‏

و خلفوني في قوم ذوى سفه* * * لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا

عبد الملك بن عبد الوهاب‏

الحنبلي القاضي بهاء الدين، كان يعرف مذهب أبى حنيفة و أحمد، و يناظر عنهما، و دفن مع أبيه و جده بقبور الشهداء.

عبد الملك بن أبى نصر بن عمر

أبو المعالي الجبليّ، كان فقيها صالحا متعبدا فقيرا، ليس له بيت يسكنه، و إنما يبيت في المساجد المهجورة، و قد خرج مع الحجيج فأقام بمكة يعبد ربه و يفيد العلم، فكان أهلها يثنون عليه خيرا

الفقيه أبو بكر بن العربيّ‏

المالكي، شارح الترمذي، كان فقيها عالما، و زاهدا عابدا، و سمع الحديث بعد اشتغاله في‏

229

الفقه، و صحب الغزالي و أخذ عنه، و كان يتهمه برأي الفلاسفة، و يقول دخل في أجوافهم فلم يخرج منها و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة ست و أربعين و خمسمائة

فيها أغار جيش السلطان على بلاد الإسماعيلية، فقتلوا خلقا و رجعوا سالمين. و فيها حاصر نور الدين دمشق شهورا ثم ترحل عنها إلى حلب، و كان الصلح على يدي البرهان البلخي. و فيها اقتتل الفرنج و جيش نور الدين فانهزم المسلمون و قتل منهم خلق، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و لما وقع هذا الأمر شق ذلك على نور الدين و ترك الترفه و هجر اللذة حتى يأخذ بالثار، ثم إن أمراء التركمان و معهم جماعة من أعوانهم ترصدوا الملك جوسليق الافرنجى، فلم يزالوا به حتى أسروه في بعض متصيداته فأرسل نور الدين فكبس التركمان و أخذ منهم جوسليق أسيرا، و كان من أعيان الكفرة، و أعظم الفجرة، فأوقفه بين يديه في أذل حال، ثم سجنه. ثم سار نور الدين إلى بلاده فأخذها كلها بما فيها.

و في ذي الحجة جلس ابن العبادي في جامع المنصور و تكلم، و عنده جماعة من الأعيان، فكادت الحنابلة يثيرون فتنة ذلك اليوم، و لكن لطف اللَّه و سلم. و حج بالناس فيها قيماز الأرجواني.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الشيخ.

برهان الدين أبو الحسن بن على البلخي‏

شيخ الحنفية بدمشق، درس بالبلخية ثم بالخاتونية البرانية، و كان عالما عاملا، ورعا زاهدا، و دفن بمقابر باب الصغير.

ثم دخلت سنة سبع و أربعين و خمسمائة

فيها توفى السلطان مسعود و قام بالأمر من بعده أخوه ملك شاه بن محمود، ثم جاء السلطان محمد و أخذ الملك و استقر له، و قتل الأمير خاص بك، و أخذ أمواله و ألقاه للكلاب، و بلغ الخليفة أن واسط قد تخبطت أيضا، فركب إليها في الجيش في أبهة عظيمة، و أصلح شأنها، و كر على الكوفة و الحلة، ثم عاد إلى بغداد فزينت له البلد. و فيها ملك عبد المؤمن صاحب المغرب بجاية و هي بلاد بنى حماد، فكان آخر ملوكهم يحيى بن عبد العزيز بن حماد، ثم جهز عبد المؤمن جيشا إلى صنهاجة فحاصرها، و أخذ أموالها. و فيها كانت وقعة عظيمة بين نور الدين الشهيد و بين الفرنج، فكسرهم و قتل منهم خلقا و للَّه الحمد. و فيها اقتتل السلطان سنجر و ملك الغور علاء الدين الحسين بن الحسن أول ملوكهم، فكسره سنجر و أسره، فلما أحضره بين يديه قال له: ما ذا كنت تصنع بى لو أسرتنى؟

فأخرج قيدا من فضة و قال: كنت أقيدك بهذا. فعفا عنه و أطلقه إلى بلاده، فسار إلى غزنة فانتزعها من يد صاحبها بهرام شاه السبكتكيني، و استخلف عليها أخاه سيف الدين فغدر به أهل البلد و سلموه إلى بهرام شاه فصلبه، و مات بهرام شاه قريبا فسار إليه علاء الدين فهرب خسرو بن بهرام‏

230

شاه عنها، فدخلها علاء الدين فنهبها ثلاثة أيام، و قتل من أهلها بشرا كثيرا، و سخر أهلها فحملوا ترابا في مخالى إلى محلة هنالك بعيدة عن البلد، فعمر من ذلك التراب قلعة معروفة إلى الآن، و بذلك انقضت دولة بنى سبكتكين عن بلاد غزنة و غيرها، و قد كان ابتداء أمرهم في سنة ست و ستين و ثلاثمائة إلى سنة سبع و أربعين و خمسمائة، و كانوا من خيار الملوك، و أكثرهم جهادا في الكفرة، و أكثرهم أموالا و نساء و عددا و عددا، و قد كسروا الأصنام و أبادوا الكفار، و جمعوا من الأموال ما لم يجمع غيرهم من الملوك، مع أن بلادهم كانت من أطيب البلاد و أكثرهم ريفا و مياها ففني جميعه و زال عنهم‏ (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ) ثم ملك الغور و الهند و خراسان، و اتسعت ممالكهم و عظم سلطان علاء الدين بعد الأسر، و حكى ابن الجوزي أن في هذه السنة باض ديك بيضة واحدة، ثم باض بازي بيضتين، و باضت نعامة من غير ذكر، و هذا شي‏ء عجيب.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

المظفر بن أردشير

أبو منصور العبادي، الواعظ، سمع الحديث و دخل إلى بغداد فأملى و وعظ، و كان الناس يكتبون ما يعظ به، فاجتمع له من ذلك مجلدات. قال ابن الجوزي: لا تكاد تجد في المجلد خمس كلمات جيدة، و تكلم فيه و أطال الحط عليه، و استحسن من كلامه قوله: و قد سقط مطر و هو يعظ الناس، و قد ذهب الناس إلى تحت الجدران، فقال لا تفروا من رشاش ماء رحمة قطر من سحاب نعمة، و لكن فروا من رشاش نار اقتدح من زناد الغضب. توفى و قد جاوز الخمسين بقليل.

مسعود السلطان‏

صاحب العراق و غيرها، حصل له من التمكن و السعادة شي‏ء كثير لم يحصل لغيره، و جرت له خطوب طويلة، كما تقدم بعض ذلك، و قد أسر في بعض حروبه الخليفة المسترشد كما تقدم، توفى يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة منها.

يعقوب الخطاط الكاتب‏

توفى بالنظاميّة، فجاء ديوان الحشر ليأخذوا ميراثه فمنعهم الفقهاء فجرت فتنة عظيمة آل الحال إلى عزل المدرس الشيخ أبى النجيب و ضربه في الديوان تعزيرا.

ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و خمسمائة

فيها وقع الحرب بين السلطان سنجر و بين الأتراك، فقتل الأتراك من جيشه خلقا كثيرا بحيث صارت القتلى مثل التلول العظيمة، و أسروا السلطان سنجر و قتلوا من كان معه من الأمراء صبرا، و لما أحضروه قاموا بين يديه و قبلوا الأرض له، و قالوا نحن عبيدك، و كانوا عدة من الأمراء الكبار

231

من مماليكهم، فأقام عندهم شهرين ثم أخذوه و ساروا به فدخلوا مرو، و هي كرسي مملكة خراسان، فسأله بعضهم أن يجعلها له إقطاعا، فقال سنجر هذا لا يمكن، هذه كرسي المملكة، فضحكوا منه و خرطوا به فنزل عن سرير المملكة و دخل خانقاه، و صار فقيرا من جملة أهلها، و تاب عن الملك و استحوذ أولئك الأتراك على البلاد فنهبوها و تركوها قاعا صفصفا، و أفسدوا في الأرض فسادا عريضا، و أقاموا سليمان شاه ملكا، فلم تطل أيامه حتى عزلوه، و ولوا ابن أخت سنجر الخاقان محمود ابن كوخان، و تفرقت الأمور و استحوذ كل إنسان منهم على ناحية من تلك الممالك، و صارت الدولة دولا. و فيها كانت حروب كثيرة بين عبد المؤمن و بين العرب ببلاد المغرب. و فيها أخذت الفرنج مدينة عسقلان من ساحل غزة. و فيها خرج الخليفة إلى واسط في جحفل فأصلح شأنها و عاد إلى بغداد. و حج بالناس فيها قيماز الأرجواني.

و فيها كانت وفاة

الشاعرين القرينين الشهيرين في الزمان الأخير.

بالفرزدق و جرير

و هما أبو الحسن أحمد بن منير الجونى بحلب، و أبو عبد اللَّه محمد بن نصر بن صغير القيسراني الحلبي بدمشق، و على بن السلار الملقب بالعادل وزير الظاهر صاحب مصر، و هو باني المدرسة بالإسكندرية للشافعية للحافظ أبى طاهر السلفي، و قد كان العادل هذا ضد اسمه، كان ظلوما غشوما حطوما، و قد ترجمه ابن خلكان‏

ثم دخلت سنة تسع و أربعين و خمسمائة

فيها ركب الخليفة المقتفى في جيش كثيف إلى تكريت فحاصر قلعتها، و لقي هناك جمعا من الأتراك و التركمان، فأظفره اللَّه بهم، ثم عاد إلى بغداد.

ملك السلطان نور الدين الشهيد بدمشق‏

و جاءت الأخبار بأن مصر قد قتل خليفتها الظافر، و لم يبق منهم إلا صبي صغير ابن خمس شهور، قد ولوه عليهم و لقبوه الفائز، فكتب الخليفة عهدا إلى نور الدين محمود بن زنكي بالولاية على بلاد الشام و الديار المصرية، و أرسله إليها. و فيها هاجت ريح شديدة بعد العشاء فيها نار فخاف الناس أن تكون الساعة، و زلزلت الأرض و تغير ماء دجلة إلى الحمرة، و ظهر بأرض واسط بالأرض دم لا يعرف ما سببه، و جاءت الأخبار عن الملك سنجر أنه في أسر الترك، و هو في غاية الذل و الإهانة، و أنه يبكى على نفسه كل وقت. و فيها انتزع نور الدين محمود دمشق من يد ملكها نور الدين أرتق، و ذلك لسوء سيرته و ضعف دولته، و محاصرة العامة له في القلعة، مع وزيره مؤيد الدولة على بن الصوفي، و تغلب الخادم عطاء على المملكة مع ظلمه و غشمه، و كان الناس يدعون ليلا و نهارا أن يبدلهم بالملك نور الدين، و اتفق مع ذلك أن الفرنج أخذوا عسقلان فحزن نور الدين على ذلك،

232

و لا يمكنه الوصول إليهم، لأن دمشق بينه و بينهم، و يخشى أن يحاصروا دمشق فيشق على أهلها، و يخاف أن يرسل مجير الدين إلى الفرنج فيخذلونه كما جرى غير مرة، و ذلك أن الفرنج لا يريدون أن يملك نور الدين دمشق فيقوى بها عليهم و لا يطيقونه، فأرسل بين يديه الأمير أسد الدين شير كوه في ألف فارس في صفة طلب الصلح، فلم يلتفت إليه مجير الدين و لا عده شيئا، و لا خرج إليه أحد من أعيان أهل البلد، فكتب إلى نور الدين بذلك، فركب الملك نور الدين في جيشه فنزل عيون الفاسريا من أرض دمشق، ثم انتقل إلى قريب من الباب الشرقي، ففتحها قهرا و دخل من الباب الشرقي بعد حصار عشرة أيام، و كان دخوله في يوم الأحد عاشر صفر من هذه السنة و تحصن مجير الدين في القلعة فأنزله منها و عوضه مدينة حمص و دخل نور الدين إلى القلعة و استقرت يده على دمشق و للَّه الحمد. و نادى في البلد بالأمان و البشارة بالخير، ثم وضع عنهم المكوس و قرئت عليهم التواقيع على المنابر، ففرح الناس بذلك و أكثروا الدعاء له، و كتب ملوك الفرنج إليه يهنونه بدمشق و يتقربون إليه، و يخضعون له.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الرئيس مؤيد الدولة

على بن الصوفي وزير دمشق لمجير الدين، و قد ثار على الملك غير مرة، و استفحل أمره، ثم يقع الصلح بينهما كما تقدم.

عطاء الخادم‏

أحد أمراء دمشق،، و قد تغلب على الأمور بأمر مجير الدين، و كان ينوب على بعلبكّ في بعض الأحيان، و قد كان ظالما غاشما و هو الّذي ينسب إليه مسجد عطاء خارج باب شرقى و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة خمسين و خمسمائة هجرية

فيها خرج الخليفة في تجمل إلى دموقا فحاصرها فخرج إليه أهلها أن يرحل عنهم فان أهلها قد هلكوا من الجيشين، فأجابهم و رحل عنهم، و عاد إلى بغداد بعد شهرين و نصف، ثم خرج نحو الحلة و الكوفة و الجيش بين يديه، و قال له سليمان شاه أنا ولى عهد سنجر، فان قررتنى في ذلك و إلا فأنا كأحد الأمراء، فوعده خيرا، و كان يحمل الغاشية بين يدي الخليفة على كاهله، فمهد الأمور و وطدها، و سلم على مشهد على إشارة بإصبعه، و كأنه خاف عليه غائلة الروافض أو أن يعتقد في نفسه من القبر شيئا أو غير ذلك، و اللَّه أعلم.

فتح بعلبكّ بيد نور الدين الشهيد

و فيها افتتح نور الدين بعلبك عودا على بدء و ذلك أن نجم الدين أيوب كان نائبا بها على البلد و القلعة فسلمها إلى رجل يقال له الضحاك البقاعي، فاستحوذ عليها و كاتب نجم الدين لنور الدين، و لم يزل نور الدين يتلطف حتى أخذ القلعة أيضا و استدعى بنجم الدين أيوب إليه إلى دمشق فأقطعه‏

233

إقطاعا حسنا، و أكرمه من أجل أخيه أسد الدين، فإنه كانت له اليد الطولى في فتح دمشق، و جعل الأمير شمس الدولة بوران شاه بن نجم الدين شحنة دمشق، ثم من بعده جعل أخاه صلاح الدين يوسف هو الشحنة، و جعله من خواصه لا يفارقه حضرا و لا سفرا، لأنه كان حسن الشكل حسن اللعب بالكرة، و كان نور الدين يحب لعب الكرة لتدمين الخيل و تعليمها الكر و الفر، و في شحنة صلاح الدين يوسف يقول عرقلة [و هو حسان بن نمير الكلبي‏] الشاعر:

رويدكم يا لصوص الشام* * * فانى لكم ناصح في مقالي‏

فإياكم و سمى النبي يوسف* * * رب الحجا و الكمال‏

فذاك مقطع أيدي النسا* * * و هذا مقطع أيدي الرجال‏

و قد ملك أخاه بوران شاه بلاد اليمن فيما بعد ذلك، و كان يلقب شمس الدولة.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

محمد بن ناصر

ابن محمد بن على الحافظ، أبو الفضل البغدادي. ولد ليلة النصف من شعبان سنة سبع و ستين و أربعمائة، و سمع الكثير، و تفرد بمشايخ، و كان حافظا ضابطا مكثرا من السنة كثير الذكر، سريع الدمعة. و قد تخرج به جماعة منهم أبو الفرج ابن الجوزي، سمع بقراءته مسند أحمد و غيره من الكتب الكبار، و كان يثنى عليه كثيرا، و قد رد على أبى سعد السمعاني في قوله: محمد بن ناصر يحب أن يقع في الناس. قال ابن الجوزي: و الكلام في الناس بالجرح و التعديل ليس من هذا القبيل، و إنما ابن السمعاني يحب أن يتعصب على أصحاب الامام أحمد، نعوذ باللَّه من سوء القصد و التعصب.

توفى محمد بن ناصر ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شعبان منها، عن ثلاث و ثمانين سنة، و صلى عليه مرات، و دفن بباب حرب.

مجلى بن جميع أبو المعالي‏

المخزومي الأرسوفي ثم المصري قاضيها، الفقيه الشافعيّ، مصنف الذخائر و فيها غرائب كثيرة و هي من الكتب المفيدة.

ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و خمسمائة

في المحرم دخل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه إلى بغداد و على رأسه الشمسية، فتلقاه الوزير ابن هبيرة و أدخله على الخليفة، فقبل الأرض و حلفه على الطاعة و صفاء النية و المناصحة و المودة، و خلع عليه خلع الملوك، و تقرر أن للخليفة العراق و لسليمان شاه ما يفتحه من خراسان، ثم خطب له ببغداد بعد الملك سنجر، ثم خرج منها في ربيع الأول فاقتتل هو و السلطان محمد بن محمود بن ملك شاه، فهزمه محمد و هزم عسكره، فذهب مهزوما فتلقاه نائب قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، فأسره و حبسه بقلعة الموصل، و أكرمه مدة حبسه و خدمه، و هذا من أغرب‏

234

الاتفاقات. و فيها ملكت الفرنج المهدية من بلاد المغرب بعد حصار شديد. و فيها فتح نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل حازم و اقتلعها من أيدي الفرنج، و كانت من أحصن القلاع و أمنع البقاع، و ذلك بعد قتال عظيم و وقعة هائلة كانت من أكبر الفتوحات، و امتدحه الشعراء عند ذلك. و فيها هرب الملك سنجر من الأسر و عاد إلى ملكه بمرو، و كان له في يد أعدائه نحو من خمس سنين.

و فيها ولى عبد المؤمن ملك الغرب أولاده على بلاده، استناب كل واحد منهم على بلد كبير، و إقليم متسع.

ذكر حصار بغداد

و سبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود بن ملك شاه أرسل إلى المقتفى يطلب منه أن يخطب له في بغداد، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من همذان إلى بغداد ليحاصرها، فانجفل الناس و حصن الخليفة البلد، و جاء السلطان محمد فحصر بغداد، و وقف تجاه التاج من دار الخلافة في جحفل عظيم، و رموا نحوه النشاب، و قاتلت العامة مع الخليفة قتالا شديدا بالنفط و غيره، و استمر القتال مدة، فبينما هم كذلك إذ جاءه الخبر أن أخاه قد خلفه في همذان، فانشمر عن بغداد إليها في ربيع الأول من سنة اثنتين و خمسين، و تفرقت عنه العساكر الذين كانوا معه في البلاد، و أصاب الناس بعد ذلك القتال مرض شديد، و موت ذريع، و احترقت محال كثيرة من بغداد، و استمر ذلك فيها مدة شهرين.

و فيها أطلق أبو الوليد البدر بن الوزير بن هبيرة من قلعة تكريت، و كان معتقلا فيها من مدة ثلاث سنين، فتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، و امتدحه الشعراء، و كان من جملتهم الأبله الشاعر، أنشد الوزير قصيدة يقول في أولها:

بأي لسان للوشاة ألام* * * و قد علموا أنى سهرت و ناموا؟

إلى أن قال:

و يستكثرون الوصل لي ليلة* * * و قد مر عام بالصدود و عام‏

فطرب الوزير عند ذلك. و خلع عليه ثيابه و أطلق له خمسين دينارا، و حج بالناس قيماز.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

على بن الحسين‏

أبو الحسن الغزنوي الواعظ، كان له قبول كثير من العامة، و بنت له الخاتون زوجة المستظهر رباطا بباب الأزج، و وقفت عليه أوقافا كثيرة، و حصل له جاه عريض و زاره السلطان. و كان حسن الإيراد مليح الوعظ، يحضر مجلسه خلق كثير و جم غفير من أصناف الناس. و قد ذكر ابن الجوزي أشياء من وعظه، قال و سمعته يوما يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال. ثم أنشد:

كم حسرة لي في الحشا* * * من ولد إذا نشا

أملت فيه رشده* * * فما يشاء كما نشا

قال و سمعته يوما ينشد:

235

يحسدني قومي على صنعتي* * * لأننى في صنعتي فارس‏

سهرت في ليلى و استنعسوا* * * و هل يستوي الساهر و الناعس؟

قال: و كان يقول: تولون اليهود و النصارى فيسبون نبيكم في يوم عيدكم، ثم يصبحون يجلسون إلى جانبكم؟ ثم يقول: ألا هل بلغت؟ قال: و كان يتشيع، ثم سعى في منعه من الوعظ ثم أذن له، و لكن ظهر للناس أمر العبادي، و كان كثير من الناس يميلون إليه، و قد كان السلطان يعظمه و يحضر مجلسه، فلما مات السلطان مسعود ولى الغزنوي بعده، و أهين إهانة بالغة، فمرض و مات في هذه السنة. قال ابن الجوزي: و بلغني أنه كان يعرق في نزعه ثم يفيق و هو يقول: رضى و تسليم، و لما مات دفن في رباطه الّذي كان فيه.

محمود بن إسماعيل بن قادوس‏

أبو الفتح الدمياطيّ، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، و هو شيخ القاضي الفاضل، كان يسميه ذا البلاغتين، و ذكره العماد الكاتب في الجريدة. و من شعره فيمن يكرر التكبير و يوسوس في نية الصلاة في أولها:

و فاتر النية عنينها* * * مع كثرة الرعدة و الهمزة

يكبر التسعين في مرة* * * كأنه يصلى على حمزة

الشيخ أبو البيان‏

بنا بن محمد المعروف بابن الحوراني، الفقيه الزاهد العابد الفاضل الخاشع، قرأ القرآن و كتاب التنبيه على مذهب الشافعيّ، و كان حسن المعرفة باللغة، كثير المطالعة، و له كلام يؤثر عنه، و رأيت له كتابا بخطه فيه النظائم التي يقولها أصحابه و أتباعه بلهجة غريبة، و قد كان من نشأته إلى أن توفى على طريقة صالحة، و قد زاره الملك نور الدين محمود في رباطه داخل درب الحجر، و وقف عليه شيئا، و كانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول من هذه السنة، و دفن بمقابر الباب الصغير، و كان يوم جنازته يوما مشهودا. و قد ذكرته في طبقات الشافعية (رحمه اللَّه).

عبد الغافر بن إسماعيل‏

ابن عبد القادر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن سعيد، الفارسي الحافظ، تفقه بإمام الحرمين و سمع الكثير على جده لأمه أبى القاسم القشيري، و رحل إلى البلاد و أسمع، و صنف المفهم في غريب مسلم و غيره، و ولى خطابة نيسابور، و كان فاضلا دينا حافظا.

ثم دخلت سنة ثنتين و خمسين و خمسمائة

استهلت هذه السنة و محمد شاه بن محمود محاصر بغداد و العامة و الجند من جهة الخليفة المقتفى‏

236

يقاتلون أشد القتال، و الجمعة لا تقام لعذر القتال، و الفتنة منتشرة، ثم يسر اللَّه بذهاب السلطان، كما تقدم في السنة التي قبلها، و قد بسط ذلك ابن الجوزي في هذه السنة فطول. و فيها كانت زلزلة عظيمة بالشام، هلك بسببها خلق كثير لا يعلمهم إلا اللَّه، و تهدم أكثر حلب و حماه و شيزر و حمص و كفر طاب و حصن الأكراد و اللاذقية و المعرة و فامية و أنطاكية و طرابلس. قال ابن الجوزي: و أما شيزر فلم يسلم منها إلا امرأة و خادم لها، و هلك الباقون، و أما كفر طاب فلم يسلم من أهلها أحد، و أما فاميه فساخت قلعتها، و تل حران انقسم نصفين فأبدى نواويس و بيوتا كثيرة في وسطه. قال: و هلك من مدائن الفرنج شي‏ء كثير، و تهدم أسوار أكثر مدن الشام، حتى أن مكتبا من مدينة حماه انهدم على من فيه من الصغار فهلكوا عن آخرهم، فلم يأت أحد يسأل عن أحد منهم، و قد ذكر هذا الفصل الشيخ أبو شامة في كتاب الروضتين مستقصى، و ذكر ما قاله الشعراء من القصائد في ذلك. و فيها ملك السلطان محمود بن محمد بعد خاله سنجر جميع بلاده. و فيها فتح السلطان محمود بن زنكي حصن شيزر بعد حصار، و أخذ مدينة بعلبكّ، و كان بها الضحاك البقاعي، و قد قيل إن ذلك كان في سنة خمسين كما تقدم فاللَّه أعلم، و قد تقدم ذلك. و فيها مرض نور الدين فمرض الشام بمرضه ثم عوفي ففرح المسلمون فرحا شديدا، و استولى أخوه قطب الدين مودود صاحب الموصل على جزيرة ابن عمر. و فيها عمل الخليفة بابا للكعبة مصفحا بالذهب، و أخذ بابها الأول فجعله لنفسه تابوتا. و فيها أغارت الإسماعيلية على حجاج خراسان فلم يبقوا منهم أحدا، لا زاهدا و لا عالما. و فيها كان غلاء شديد بخراسان حتى أكلوا الحشرات، و ذبح إنسان منهم رجلا علويا فطبخه و باعه في السوق، فحين ظهر عليه قتل.

[و ذكر أبو شامة أن فتح بانياس كان في هذه السنة على يد نور الدين بنفسه، و قد كان معين الدين سلمها إلى الفرنج حين حاصروا دمشق، فعوضهم بها، و قيل ملكها و غنم شيئا كثيرا]. و فيها قدم الشيخ أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السنجري، فسمعوا عليه البخاري في دار الوزير ببغداد، و حج بالناس قيماز.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أحمد بن محمد

ابن عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو الليث النسفي من أهل سمرقند، سمع الحديث و تفقه و وعظ، و كان حسن السمت، قدم بغداد فوعظ الناس، ثم عاد إلى بلده فقتله قطاع الطريق (رحمه اللَّه تعالى)

أحمد بن بختيار

ابن على بن محمد، أبو العباس المارداني الواسطي قاضيها، سمع الحديث و كانت له معرفة تامة في الأدب و اللغة، و صنف كتبا في التاريخ و غير ذلك، و كان ثقة صدوقا توفى ببغداد و صلى عليه بالنظاميّة

237

السلطان سنجر

ابن الملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، أبو الحارث و اسمه أحمد، و لقب بسنجر، مولده في رجب سنة تسع و سبعين و أربعمائة، و أقام في الملك نيفا و ستين سنة، من ذلك استقلالا إحدى و أربعين سنة، و قد أسره الغز نحوا من خمس سنين، ثم هرب منهم و عاد إلى ملكه بمرو، ثم توفى في ربيع الأول من هذه السنة و دفن في قبة بناها سماها دار الآخرة (رحمه اللَّه).

محمد بن عبد اللطيف‏

ابن محمد بن ثابت، أبو بكر الخجنديّ الفقيه الشافعيّ، ولى تدريس النظامية ببغداد، و كان يناظر حسنا و يعظ الناس و حوله السيوف مسللة. قال ابن الجوزي: و لم يكن ماهرا في الوعظ، و كانت حاله أشبه بالوزراء من العلماء، و تقدم عند السلاطين حتى كانوا يصدرون عن رأيه، توفى بأصبهان فجأة فيها.

محمد بن المبارك‏

ابن محمد بن الخل أبو الحسن بن أبى البقاء، سمع الحديث و تفقه على الشاشي، و درس و أفتى، و توفى في محرم هذه السنة، و توفى أخوه الشيخ أبو الحسين بن الخل الشاعر في ذي القعدة منها.

يحيى بن عيسى‏

ابن إدريس أبو البركات الأنباري الواعظ، قرأ القرآن و سمع الحديث و تفقه و وعظ الناس على طريقة الصالحين، و كان يبكى من أول صعوده إلى حين نزوله، و كان زاهدا عابدا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، و رزق أولادا صالحين سماهم بأسماء الخلفاء الأربعة، أبو بكر و عمر و عثمان و على.

و حفظهم القرآن كلهم بنفسه، و ختم خلقا كثيرا، و كان هو و زوجته يصومان الدهر، و يقومان الليل، و لا يفطران إلا بعد العشاء، و كانت له كرامات و منامات صالحة، و لما مات قالت زوجته: اللَّهمّ لا تحيني بعده، فماتت بعده بخمسة عشر يوما، و كانت من الصالحات (رحمهما اللَّه تعالى).

ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة

فيها كثر فساد التركمان من أصحاب ابن برجم الايوانى، فجهز إليهم الخليفة منكورس [ (1)] المسترشدي في جيش كثيف، فالتقوا معهم فهزمهم أقبح هزيمة، و جاءوا بالأسارى و الرءوس إلى بغداد. و فيها كانت وقعة عظيمة بين السلطان محمود و بين الغز، فكسروه و نهبوا البلاد، و أقاموا بمرو ثم طلبوه إليهم فخاف على نفسه فأرسل ولده بين يديه فأكرموه، ثم قدم السلطان عليهم فاجتمعوا عليه و عظموه.

و فيها وقعت فتنة كبيرة بمرو بين فقيه الشافعية المؤيد بن الحسين، و بين نقيب العلويين بها أبى القاسم زيد بن الحسن، فقتل منهم خلق كثير، و أحرقت المدارس و المساجد و الأسواق، و انهزم المؤيد

____________

[ (1)] كذا في الأصل و في ابن الأثير «خطلوبرس».

238

الشافعيّ إلى بعض القلاع. و فيها ولد الناصر لدين اللَّه أبو العباس أحمد بن المستضي‏ء بأمر اللَّه، و فيها خرج المقتفى نحو الأنبار متصيدا و عبر الفرات و زار الحسين و مضى إلى واسط و عاد إلى بغداد، و لم يكن معه الوزير. و حج بالناس فيها قيماز الأرجواني. و فيها كسر جيش مصر الفرنج بأرض عسقلان كسر و هم كسرة فجيعة صحبة الملك صالح أبو الغارات، فارس الدين طلائع بن رزيك، و امتدحه الشعراء. و فيها قدم الملك نور الدين من حلب إلى دمشق و قد شفى من المرض ففرح به المسلمون، و خرج إلى قتال الفرنج، فانهزم جيشه و بقي هو في شرذمة قليلة من أصحابه في نحر العدو، فرموهم بالسهام الكثيرة، ثم خاف الفرنج أن يكون وقوفه في هذه الشرذمة القليلة خديعة لمجي‏ء كمين إليهم، ففروا منهزمين و للَّه الحمد.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

عبد الأول بن عيسى‏

ابن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، أبو الوقت السجزى الصوفي الهروي، راوي البخاري و مسند الدارميّ، و المنتخب من مسند عبد بن حميد، قدم بغداد فسمع عليه الناس هذه الكتب، و كان من خيار المشايخ و أحسنهم سمتا و أصبرهم على قراءة الحديث. قال ابن الجوزي: أخبرنى أبو عبد اللَّه محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال أسندته إلى فمات، و كان آخر ما تكلم به أن قال‏ (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).

نصر بن منصور

ابن الحسين بن أحمد بن عبد الخالق العطار، أبو القاسم الحراني كان كثير المال، يعمل من صدقاته المعروف الكثير من أنواع القربات الحسنة، و يكثر تلاوة القرآن، و يحافظ على الصلوات في الجماعة، و رئيت له منامات صالحة، و قارب الثمانين (رحمه اللَّه).

يحيى بن سلامة

ابن الحسين أبو الفضل الشافعيّ، الحصكفى نسبة إلى حصن كيفا، كان إماما في علوم كثيرة من الفقه و الآداب، ناظما ناثرا، غير أنه كان ينسب إلى الغلو في التشيع، و قد أورد له ابن الجوزي قطعة من نظمه، فمن ذلك قوله في جملة قصيدة له:

تقاسموا يوم الوداع كبدي* * * فليس لي منذ تولوا كبد

على الجفون رحلوا و في الحشا* * * نزلوا و ماء عيني وردوا

و أدمعى مسفوحة و كبدي* * * مقروحة و علتي ما قد بدوا

و صبوتى دائمة و مقلتي* * * دامية و نومها مشرد

تيمنى منهم غزال أغيد* * * يا حبذا ذاك الغزال الأغيد

239

حسامه مجرد و صرحه* * * ممرد و خده مورد

و صدغه فوق احمرار خده* * * مبلبل معقرب مجعد

كأنما نكهته و ريقه* * * مسك و خمر و الثنايا برد

يقعده عند القيام ردفه* * * و في الحشا منه المقيم المقعد

له قوام كقضيب بانة* * * يهتز قصدا ليس فيه أود

و هي طويلة جدا، ثم خرج من هذا التغزل إلى مدح أهل البيت و الأئمة الاثني عشر (رحمهم اللَّه)

و سائلي عن حب أهل البيت* * * هل أقر إعلانا به أم أجحد؟

هيهات ممزوج بلحمى و دمي* * * حبهم و هو الهدى و الرشد

حيدرة و الحسنان بعده* * * ثم على و ابنه محمد

و جعفر الصادق و ابن جعفر* * * موسى و يتلوه على السيد

أعنى الرضى ثم ابنه محمد* * * ثم على و ابنه المسدد

و الحسن الثاني و يتلو تلوه* * * محمد بن الحسن المفتقد

فإنهم أئمتى و سادتي* * * و إن لحاني معشر و فندوا

أئمة أكرم بهم أئمة* * * أسماؤهم مسرودة تطرد

هم حجج اللَّه على عباده* * * و هم إليه منهج و مقصد

قوم لهم فضل و مجد باذخ* * * يعرفه المشرك و الموحد

قوم لهم في كل أرض مشهد* * * لا بل لهم في كل قلب مشهد

قوم منى و المشعران لهم* * * و المروتان لهم و المسجد

قوم لهم مكة و الأبطح و الخيف* * * و جمع و البقيع الغرقد

ثم ذكر بلطف مقتل الحسين بألطف عبارة إلى أن قال:

يا أهل بيت المصطفى يا* * * عدتى و من على حبهم أعتمد

أنتم إلى اللَّه غدا وسيلتي* * * و كيف أخشى و بكم أعتضد

وليكم في الخلد حي خالد* * * و الضد في نار لظى مخلد

و لست أهواكم ببغض غيركم* * * إني إذا أشقى بكم لا أسعد

فلا يظن رافضي أننى* * * وافقته أو خارجي مفسد

محمد و الخلفاء بعده* * * أفضل خلق اللَّه فيما أجد

هم أسسوا قواعد الدين لنا* * * و هم بنوا أركانه و شيدوا

240

و من يخن أحمد في أصحابه* * * فخصمه يوم المعاد أحمد

هذا اعتقادي فالزموه تفلحوا* * * هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا

و الشافعيّ مذهبي مذهبه* * * لأنه في قوله مؤيد

اتبعته في الأصل و الفرع معا* * * فليتبعني الطالب المرشد

إني باذن اللَّه تاج سابق* * * إذا ونى الظالم ثم المفسد

و من شعره أيضا:

إذا قل مالي لم تجدني جازعا* * * كثير الأسى معرى بعض الأنامل‏

و لا بطرا إن جدد اللَّه نعمة* * * و لو أن ما أوتى جميع الناس لي‏

ثم دخلت سنة أربع و خمسين و خمسمائة

فيها مرض الخليفة المقتفى مرضا شديدا، ثم عوفي منه فزينت بغداد أياما، و تصدق بصدقات كثيرة. و فيها استعاد عبد المؤمن مدينة المهدية من أيدي الفرنج، و قد كانوا أخذوها من المسلمين في سنة ثلاث و أربعين. و فيها قاتل عبد المؤمن خلقا كثيرا من الغرب حتى صارت عظام القتلى هناك كالتل العظيم، و في صفر منها سقط برد بالعراق كبار، زنة البردة قريب من خمسة أرطال، و منها ما هو تسعة أرطال بالبغدادي، فهلك بذلك شي‏ء كثير من الغلات، و خرج الخليفة إلى واسط فاجتاز بسوقها و رأى جامعها، و سقط عن فرسه فشج جبينه، ثم عوفي. و في ربيع الآخر زادت دجلة زيادة عظيمة، فغرق بسبب ذلك محال كثيرة من بغداد، حتى صار أكثر الدور بها تلولا، و غرقت تربة أحمد، و خسفت هناك القبور، و طفت الموتى على وجه الماء. قاله ابن الجوزي: و في هذه السنة كثر المرض و الموت، و فيها أقبل ملك الروم في جحافل كثيرة قاصدا بلاد الشام فرده اللَّه خائبا خاسئا، و ذلك لضيق حالهم من الميرة، و أسر المسلمون ابن أخته و للَّه الحمد. و حج بالناس فيها قيماز الأرجواني.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

أحمد بن معالي‏

ابن بركة الحربي، تفقه بأبي الخطاب الكلوذاني الحنبلي، و برع و ناظر و درس و أفتى، ثم صار بعد ذلك شافعيا، ثم عاد حنبليا، و وعظ ببغداد و توفى في هذه السنة، و ذلك أنه دخلت به راحلته في مكان ضيق فدخل قربوس سرجه في صدره فمات.

السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه‏

لما رجع من محاصرة بغداد إلى همذان أصابه مرض السل فلم ينجح منه، بل توفى في ذي الحجة منها، و قبل وفاته بأيام أمر أن يعرض عليه جميع ما يملكه و يقدر عليه، و هو جالس في المنظرة،

241

فركب الجيش بكماله و أحضرت أمواله كلها، و مماليكه حتى جواريه و حظاياه، فجعل يبكى و يقول:

هذه العساكر لا يدفعون عنى مثقال ذرة من أمر ربى، و لا يزيدون في عمري لحظة، ثم ندم و تأسف على ما كان منه إلى الخليفة المقتفى، و أهل بغداد و حصارهم و أذيتهم، ثم قال: و هذه الخزائن و الأموال و الجواهر لو قبلهم ملك الموت منى فداء لجدت بذلك جميعه له، و هذه الحظايا و الجواري الحسان و المماليك لو قبلهم فداء منى لكنت بذلك سمحا له. ثم قال‏ (ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) ثم فرق شيئا كثيرا من ذلك من تلك الحواصل و الأموال، و توفى عن ولد صغير، و اجتمعت العساكر و الأمراء على عمه سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه، و كان مسجونا بالموصل فأفرج عنه و انعقدت له السلطنة، و خطب له على منابر تلك البلاد سوى بغداد و العراق. و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة خمس و خمسين و خمسمائة

فيها كانت وفاة الخليفة المقتفى بأمر اللَّه.

أبو عبد اللَّه محمد بن المستظهر باللَّه‏

مرض بالتراقي و قيل بدمل خرج بحلقة، فمات ليلة الأحد ثانى ربيع الأول منها عن ست و ستين سنة، إلا ثمانية و عشرين يوما، و دفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب، و كانت خلافته أربعا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و ستة و عشرين يوما، و كان شهما شجاعا مقداما، يباشر الأمور بنفسه، و يشاهد الحروب و يبذل الأموال الكثيرة لأصحاب الأخبار، و هو أول من استبد بالعراق منفردا عن السلطان، من أول أيام الديلم إلى أيامه، و تمكن في الخلافة و حكم على العسكر و الأمراء، و قد وافق أباه في أشياء: من ذلك مرضه بالتراقي، و موته في ربيع الأول، و تقدم موت السلطان محمد شاه قبله بثلاثة أشهر، و كذلك أبوه المستظهر مات قبله السلطان محمود بثلاثة أشهر، و بعد غرق بغداد بسنة مات أبوه، و كذلك هذا. قال عفيف الناسخ: رأيت في المنام قائلا يقول: إذا اجتمعت ثلاث خاءات مات المقتفى- يعنى خمسا و خمسين و خمسمائة.

خلافة المستنجد باللَّه أبو المظفر يوسف بن المقتفى‏

لما توفى أبوه كما ذكرنا بويع بالخلافة في صبيحة يوم الأحد ثانى ربيع الأول من هذه السنة، بايعه أشراف بنى العباس، ثم الوزير و القضاة و العلماء و الأمراء و عمره يومئذ خمس و أربعون سنة، و كان رجلا صالحا، و كان ولى عهد أبيه من مدة متطاولة، ثم عمل عزاء أبيه، و لما ذكر اسمه يوم الجمعة في الخطبة نثرت الدراهم و الدنانير على الناس، و فرح المسلمون به بعد أبيه، و أقر الوزير ابن هبيرة على منصبه و وعده بذلك إلى الممات، و عزل قاضى القضاة ابن الدامغانيّ و ولى مكانه أبا جعفر بن عبد الواحد، و كان شيخا كبيرا، له سماع بالحديث، و باشر الحكم بالكوفة، ثم توفى في‏

242

ذي الحجة منها. و في شوال من هذه السنة اتفق الأتراك بباب همذان على سليمان شاه، و خطبوا لأرسلان شاه بن طغرل،

و فيها توفى.

الفائز خليفة مصر الفاطمي‏

و هو أبو القاسم عيسى بن إسماعيل الظافر، توفى في صفر منها و عمره يومئذ إحدى عشرة سنة، و مدة ولايته من ذلك ست سنين و شهران، و كان مدبر دولته أبو الغارات. ثم قام بعده العاضد آخر خلفائهم، و هو أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف بن الحافظ، و لم يكن أبوه خليفة، و كان يومئذ قد ناهز الاحتلام، فقام بتدبير مملكته الملك الصالح طلائع بن رزيك الوزير، أخذ له البيعة و زوجه بابنته، و جهزها بجهاز عظيم يعجز عنه الوصف، و قد عمرت بعد زوجها العاضد و رأت زوال دولة الفاطميين على يد الملك صلاح الدين بن يوسف، في سنة أربع و ستين كما سيأتي. و فيها كانت وفاة السلطان الكبير صاحب غزنة.

خسرو شاه بن ملك شاه‏

ابن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن محمود بن سبكتكين، من بيت ملك و رياسة باذخة، يرثونها كابرا عن كابر، و كان من سادات الملوك و أحسنهم سيرة، يحب العلم و أهله، توفى في رجب منها، و قام بعده ولده ملك شاه، فسار إليه علاء الدين الحسين بن الغور فحاصر غزنة فلم يقدر عليها، و رجع خائبا. و فيها مات.

ملك شاه بن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه‏

السلجوقي بأصبهان مسموما، فيقال إن الوزير عون الدين بن هبيرة دس إليه من سقاه إياه و اللَّه أعلم. و فيها مات أمير الحاج.

قيماز بن عبد اللَّه الأرجواني‏

سقط عن فرسه و هو يلعب بالكرة بميدان الخليفة، فسال دماغه من أذنه فمات من ساعته، و قد كان من خيار الأمراء، فتأسف الناس عليه، و حضر جنازته خلق كثير، مات في شعبان منها، فحج بالناس فيها الأمير برغش مقطع الكوفة. و حج الأمير الكبير شير كوه بن شاذى، مقدم عساكر الملك نور الدين، و تصدق بأموال كثيرة. و فيها استعفى القاضي زكى الدين أبو الحسن على بن محمد ابن يحيى أبو الحسن القرشي من القضاء بدمشق، فأعفاه نور الدين، و ولى مكانه القاضي كمال الدين محمد بن عبد اللَّه الشهرزوريّ، و كان من خيار القضاة و أكثرهم صدقة، و له صدقات جارية بعده، و كان عالما، و إليه ينسب الشباك الكمالي الّذي يجلس فيه الحكام بعد صلاة الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأموي، و اللَّه أعلم.

243

و ممن توفى فيها من الأعيان.

الأمير مجاهد الدين‏

نرار بن مامين الكردي، أحد مقدمي جيش الشام، قبل نور الدين و بعده، و قد ناب في مدينة صرخد، و كان شهما شجاعا كثير البر و الصدقات، و هو واقف المدرسة المجاهدية بالقرب من الغورية جوار الخيميين، و له أيضا المدرسة المجاهدية داخل باب الفراديس البراني، و بها قبره. و له السبع المجاهدي داخل باب الزيادة من الجامع بمقصورة الخضر، توفى بداره في صفر منها، فحمل إلى الجامع و صلى عليه ثم أعيد إلى مدرسته و دفن بها داخل باب الفراديس، و تأسف الناس عليه.

الشيخ عدي بن مسافر

ابن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكارى، شيخ الطائفة العدوية، أصله من البقاع غربي دمشق، من قرية بيت نار، ثم دخل إلى بغداد فاجتمع فيها بالشيخ عبد القادر و الشيخ حماد الدباس، و الشيخ عقيل المنبجى، و أبى ألوفا الحلواني، و أبى النجيب السهروردي و غيرهم، ثم انفرد عن الناس و تخلى بجبل هكار و بنى له هناك زاوية و أعتقده أهل تلك الناحية اعتقادا بليغا، حتى أن منهم من يغلو غلوا كثيرا منكرا و منهم من يجعله إلها أو شريكا، و هذا اعتقاد فاحش يؤدى إلى الخروج من الدين جملة. مات في هذه السنة بزاويته و له سبعون سنة (رحمه اللَّه).

عبد الواحد بن أحمد

ابن محمد بن حمزة، أبو جعفر الثقفي، قاضى قضاة بغداد، وليها بعد أبى الحسن الدامغانيّ في أول هذه السنة، و كان قاضيا بالكوفة قبل ذلك، توفى في ذي الحجة منها و قد ناهز الثمانين، و ولى بعده ابنه جعفر. و الفائز صاحب مصر، و قيماز تقدما في الحوادث.

محمد بن يحيى‏

ابن على بن مسلم أبو عبد اللَّه الزبيدي، ولد بمدينة زبيد باليمن سنة ثمانين تقريبا، و قدم بغداد سنة تسع و خمسمائة، فوعظ و كانت له معرفة بالنحو و الأدب، و كان صبورا على الفقر لا يشكو حاله إلى أحد، و كانت له أحوال صالحة (رحمه اللَّه)، و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة ست و خمسين و خمسمائة

فيها قتل السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملك شاه، و كان عنده استهزاء و قلة مبالاة بالدين، مدمن شرب الخمر في رمضان، فثار عليه مدبر مملكته يزديار الخادم فقتله، و بايع بعده السلطان أرسلان شاه بن طغرل بن محمد بن ملك شاه. و فيها قتل الملك الصالح فارس الدين أبو الغارات طلائع ابن رزيك الأرمني، وزير العاضد صاحب مصر، و والد زوجته، و كان قد حجر على العاضد لصغره و استحوذ على الأمور و الحاشية، و وزر بعده ولده رزيك، و لقب بالعادل، و قد كان أبوه الصالح‏

244

كريما أديبا، يحب أهل العلم و يحسن إليهم، كان من خيار الملوك و الوزراء، و قد امتدحه غير واحد من الشعراء. قال ابن خلكان: كان أولا متوليا بمنية بنى الخصيب، ثم آل به الحال إلى أن صار وزير العاضد و الفائز قبله، ثم قام في الوزارة بعده ولده العادل رزيك بن طلائع، فلم يزل فيها حتى انتزعها منه شاور كما سيأتي. قال: و الصالح هذا هو باني الجامع عند باب زويلة ظاهر القاهرة، قال: و من العجائب أنه ولى الوزارة في تاسع عشر شهر و نقل من دار الوزارة إلى القرافة في تاسع عشر شهر، و زالت دولتهم في تاسع عشر شهر آخر. قال و من شعره ما رواه عنه زين الدين على بن نجا الحنبلي‏

مشيبك قد محى صنع الشباب* * * و حل الباز في وكر الغراب‏

تنام و مقلة الحدثان يقظى* * * و ما ناب النوائب عنك ناب‏

و كيف نفاد عمرك و هو كنز* * * و قد أنفقت منه بلا حساب‏

و له‏

كم ذا يرينا الدهر من أحداثه* * * عبرا و فينا الصد و الاعراض‏

ننسى الممات و ليس يجرى ذكره* * * فينا فتذكرنا به الأمراض‏

و من شعره أيضا قوله:

أبى اللَّه إلا أن يدوم لنا الدهر* * * و يخدمنا في ملكنا العز و النصر

علمنا بأن المال تفنى ألوفه* * * و يبقى لنا من بعده الأجر و الذكر

خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا* * * سحاب لديه البرق و الرعد و القطر

و له أيضا و هو مما نظمه قبل موته بثلاث ليال:

[

نحن في غفلة و نوم و للموت* * * عيون يقظانة لا تنام‏

]

قد رحلنا إلى الحمام سنينا* * * ليت شعرى متى يكون الحمام؟

ثم قتله غلمان العاضد في النهار غيلة و له إحدى و ستون سنة، و خلع على ولده العادل بالوزارة و رثاه عمارة التميمي بقصائد حسان، و لما نقل إلى تربته بالقرافة سار العاضد معه حتى وصل إلى قبره فدفنه في التابوت. قال ابن خلكان: فعمل الفقيه عمارة في التابوت قصيدة فجار فيها في قوله:

و كأنه تابوت موسى أودعت* * * في جانبيه سكينة و وقار

و فيها كانت وقعة عظيمة بين بنى خفاجة و أهل الكوفة، فقتلوا من أهل الكوفة خلقا، منهم الأمير قيصر و جرحوا أمير الحاج برغش جراحات، فنهض إليهم وزير الخلافة عون الدين بن هبيرة، فتبعهم حتى أوغل خلفهم في البرية في جيش كثيف، فبعثوا يطلبون العفو. و فيها ولى مكة الشريف عيسى بن قاسم بن أبى هاشم، و قيل قاسم، بن أبى فليتة بن قاسم بن أبى هاشم. و فيها أمر الخليفة بإزالة الدكاكين التي تضيق الطرقات، و أن لا يجلس أحد من الباعة في عرض الطريق،

245

لئلا يضر ذلك بالمارة. و فيها وقع رخص عظيم ببغداد جدا. و فيها فتحت المدرسة التي بناها ابن الشمحل في المأمونية و درس فيها أبو حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني الحنبلي، و قد توفى من آخر هذه السنة، و درس بعده فيها أبو الفرج ابن الجوزي، و قد كان عنده معيدا، و نزل عن تدريس آخر بباب الأزج عند موته.

و ممن توفى في فيها من الأعيان.

حمزة بن على بن طلحة

أبو الفتوح الحاجب، كان خصيصا عند المسترشد و المقتفى، و قد بنى مدرسة إلى جانب داره، و حج فرجع متزهدا و لزم بيته معظما نحوا من عشرين سنة، و قد امتدحه الشعراء فقال فيه بعضهم:

يا عضد الإسلام يا من سمت* * * إلى العلا همته الفاخرة

كانت لك الدنيا فلم ترضها* * * ملكا فأخلدت إلى الآخرة

ثم دخلت سنة سبع و خمسين و خمسمائة

فيها دخلت الكرج بلاد المسلمين فقتلوا خلقا من الرجال و أسروا من الذراري، فاجتمع ملوك تلك الناحية: ايلدكز صاحب أذربيجان و ابن سكمان صاحب خلاط، و ابن آقسنقر صاحب مراغة، و ساروا إلى بلادهم في السنة الآتية فنهبوها، و أسروا ذراريهم، و التقوا معهم فكسروهم كسرة فظيعة منكرة، مكثوا يقتلون فيهم و يأسرون ثلاثة أيام. و في رجب أعيد يوسف الدمشقيّ إلى تدريس النظامية بعد عزل ابن نظام الملك بسبب أن امرأة ادعت أنه تزوجها فأنكر ثم اعترف، فعزل عن التدريس. و فيها كملت المدرسة التي بناها الوزير ابن هبيرة بباب البصرة، و رتب فيها مدرسا و فقيها، و حج بالناس أمير الكوفة برغش.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

شجاع شيخ الحنفية

و دفن عند المشهد، و كان شيخ الحنفية بمشهد أبى حنيفة، و كان جيد الكلام في النظر، أخذ عنه الحنفية.

صدقة بن وزير الواعظ

دخل بغداد و وعظ بها و أظهر تقشفا، و كان يميل إلى التشيع و علم الكلام، و مع هذا كله راج عند العوام و بعض الأمراء، و حصل له فتوح كثير، ابتنى منه رباطا و دفن فيه سامحه اللَّه تعالى.

زمرد خاتون‏

بنت جاولى أخت الملك دقماق بن تتش لأمه، و هي بانية الخاتونية ظاهر دمشق عند قرية صنعاء بمكان يقال له تل الثعالب، غربي دمشق، على جانب الشرق القبلي بصنعاء الشام، و هي قرية معروفة قديما، و أوقفتها على الشيخ برهان الدين على بن محمد البلخي الحنفي المتقدم ذكره، و كانت زوجة الملك بورى بن طغتكين، فولدت له ابنيه شمس الملوك إسماعيل المذكور، و قد ملك بعد

246

أبيه و سار سيرته، و مالأ الفرنج على المسلمين و همّ بتسليم البلد و الأموال إليهم فقتلوه، و تملك أخوه و ذلك بعد مراجعتها و مساعدتها، و قد كانت قرأت القرآن، و سمعت الحديث، و كانت حنفية المذهب تحب العلماء و الصالحين، و قد تزوجها الاتابكى زنكي صاحب حلب طمعا في أن يأخذ بسببها دمشق فلم يظفر بذلك، بل ذهبت إليه إلى حلب ثم عادت إلى دمشق بعد وفاته، و قد دخلت بغداد و سارت من هناك إلى الحجاز، و جاورت بمكة سنة، ثم جاءت فأقامت بالمدينة النبويّة حتى ماتت بها و دفنت بالبقيع في هذه السنة، و قد كانت كثيرة البر و الصدقات و الصلاة و الصوم، قال السبط و لم تمت حتى قل ما بيدها، و كانت تغربل القمح و الشعير و تتقوت بأجرته، و هذا من تمام الخير و السعادة و حسن الخاتمة (رحمها اللَّه تعالى)، و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و خمسمائة

فيها مات صاحب المغرب عبد المؤمن بن على التومرتي، و خلفه في الملك من بعده ابنه يوسف و حمل أباه إلى مراكش على صفة أنه مريض، فلما وصلها أظهر موته فعزاه الناس و بايعوه على الملك من بعد أبيه، و لقبوه أمير المؤمنين، و قد كان عبد المؤمن هذا حازما شجاعا، جوادا معظما للشريعة، و كان من لا يحافظ على الصلوات في زمانه يقتل، و كان إذا أذن المؤذن و قبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد، و كان حسن الصلاة ذا طمأنينة فيها، كثير الخشوع، و لكن كان سفاكا للدماء، حتى على الذنب الصغير، فأمره إلى اللَّه يحكم فيه بما يشاء. و فيها قتل سيف الدين محمد بن علاء الدين الغزى، قتله الغز، و كان عادلا. و فيها كبست الفرنج نور الدين و جيشه فانهزم المسلمون لا يلوى أحد على أحد، و نهض الملك نور الدين فركب فرسه و الشبحة في رجله فنزل رجل كردى فقطعها فسار نور الدين فنجا، و أدركت الفرنج ذلك الكردي فقتلوه (رحمه اللَّه)، فأحسن نور الدين إلى ذريته، و كان لا ينسى ذلك له. و فيها أمر الخليفة باجلاء بنى أسد عن الحلة و قتل من تخلف منهم، و ذلك لإفسادهم و مكاتبتهم السلطان محمد شاه، و تحريضهم له على حصار بغداد، فقتل من بنى أسد أربعة آلاف، و خرج الباقون منها، و تسلم نواب الخليفة الحلة. و حج بالناس فيها الأمير برغش الكبير.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

السلطان الكبير.

أبو محمد عبد المؤمن بن على‏

القيسي الكوفي تلميذ ابن التومرت، كان أبوه يعمل في الطين فاعلا، فحين وقع نظر ابن التومرت عليه أحبه و تفرس فيه أنه شجاع سعيد، فاستصحبه فعظم شأنه، و التفت عليه العساكر التي جمعها ابن التومرت من المصامدة و غيرهم، و حاربوا صاحب مراكش على بن يوسف بن تاشفين، ملك الملثمين، و استحوذ عبد المؤمن على وهران و تلمسان و فاس و سلا و سبتة، ثم حاصر مراكش أحد

247

عشر شهرا فافتتحها في سنة ثنتين و أربعين و خمسمائة، و تمهدت له الممالك هنالك، و صفا له الوقت و كان عاقلا وقورا شكلا حسنا محبا للخير، توفى في هذه السنة و مكث في الملك ثلاثا و ثلاثين سنة، و كان يسمى نفسه أمير المؤمنين (رحمه اللَّه).

طلحة بن على‏

ابن طراد، أبو أحمد الزينبي، نقيب النقباء، مات فجأة و ولى النقابة بعده ولده أبو الحسن على و كان أمرد فعزل و صودر في هذه السنة.

محمد بن عبد الكريم‏

ابن إبراهيم، أبو عبد اللَّه المعروف بابن الأنباري كاتب الإنشاء ببغداد، كان شيخا حسنا ظريفا و انفرد بصناعة الإنشاء، و بعث رسولا إلى الملك سنجر و غيره، و خدم الملوك و الخلفاء، و قارب التسعين. و من شعره في محبي الدنيا و الصور:

يا من هجرت و لا تبالي* * * هل ترجع دولة الوصال‏

هل أطمع يا عذاب قلبي* * * أن ينعم في هواك بالي‏

ما ضرك أن تعللينى* * * في الوصل بموعد المحال‏

أهواك و أنت حظ غيري* * * يا قاتلتى فما احتيالى‏

أيام عنائي قبل سود* * * ما أشبههن بالليالي‏

العذل فيك يعذلونى* * * عن حبك مالهم و مالي‏

يا ملزمي السلو عنها* * * الصب أنا و أنت سالى‏

و القول بتركها صواب* * * ما أحسنه لو استوى لي‏

طلقت تجلدي ثلاثا* * * و الصبوة بعد في خيالي‏

ثم دخلت سنة تسع و خمسين و خمسمائة

فيها قدم شاور بن مجير الدين أبو شجاع السعدي الملقب بأمير الجيوش، و هو إذ ذاك وزير الديار المصرية بعد آل رزيك، لما قتل الناصر رزيك لما قتل الناصر رزيك بن طلائع، و قام في الوزارة بعده، و استفحل أمره فيها، ثار عليه أمير يقال له الضرغام بن سوار، و جمع له جموعا كثيرة، و استظهر عليه و قتل ولديه طيبا و سليمان، و أسر الثالث و هو الكامل بن شاور، فسجنه و لم يقتله، ليد كانت لأبيه عنده، و استوزر ضرغام و لقب بالمنصور، فخرج شاور من الديار المصرية هاربا من العاضد و من ضرغام، ملتجئا إلى نور الدين محمود، و هو نازل بجوسق الميدان الأخضر، فأحسن ضيافته و أنزله بالجوسق المذكور، و طلب شاور منه عسكرا ليكونوا معه ليفتح بهم الديار المصرية، و ليكون لنور الدين‏

248

ثلث مغلها، فأرسل معه جيشا عليه أسد الدين شيركوه بن شادى، فلما دخلوا بلاد مصر خرج إليهم الجيش الذين بها فاقتتلوا أشد القتال، فهزمهم أسد الدين و قتل منهم خلقا، و قتل ضرغام بن سوار و طيف برأسه في البلاد، و استقر أمر شاور في الوزارة، و تمهد حاله، ثم اصطلح العاضد و شاور على أسد الدين، و رجع عما كان عاهد عليه نور الدين، و أمر أسد الدين بالرجوع فلم يقبل منه، و عاث في البلاد، و أخذ أموالا كثيرة، و افتتح بلدانا كثيرة من الشرقية و غيرها، فاستغاث شاور عليهم بملك الفرنج الّذي بعسقلان، و اسمه مري، فأقبل في خلق كثير فتحول أسد الدين إلى بلبيس و قد حصنها و شحنها بالعدد و الآلات و غير ذلك، فحصروه فيها ثمانية أشهر، و امتنع أسد الدين و أصحابه أشد الامتناع، فبينما هم على ذلك إذ جاءت الأخبار بأن الملك نور الدين قدم اغتنم غيبة الفرنج فسار إلى بلادهم فقتل منهم خلقا كثيرا، و فتح حارم و قتل من الفرنج بها خلقا، و سار إلى بانياس، فضعف صاحب عسقلان الفرنجى، و طلبوا من أسد الدين الصلح فأجابهم إلى ذلك، و قبض من شاور ستين ألف دينار، و خرج أسد الدين و جيشه فساروا إلى الشام في ذي الحجة.

وقعة حارم‏

فتحت في رمضان من هذه السنة، و ذلك أن نور الدين استغاث بعساكر المسلمين فجاءوه من كل فج ليأخذ ثأره من الفرنج، فالتقى معهم على حارم فكسرهم كسرة فظيعة، و أسر البرنس بيمند صاحب أنطاكية، و القومص صاحب طرابلس، و الدوك صاحب الروم، و ابن جوسليق، و قتل منهم عشرة آلاف، و قيل عشرين ألفا. و في ذي الحجة منها فتح نور الدين مدينة بانياس، و قيل إنه إنما فتحها في سنة ستين فاللَّه أعلم. و كان معه أخوه نصر الدين أمير أميران، فأصابه سهم في إحدى عينيه فأذهبها، فقال له الملك نور الدين: لو نظرت لما أعد اللَّه لك من الأجر في الآخرة لأحببت أن تذهب الأخرى. و قال لابن معين الدين: إنه اليوم بردت جلدة والدك من نار جهنم، لأنه كان سلمها للفرنج، فصالحه عن دمشق. و في شهر ذي الحجة احترق قصر جيرون حريقا عظيما، فحضر في تلك الليلة الأمراء منهم أسد الدين شيركوه، بعد رجوعه من مصر، و سعى سعيا عظيما في إطفاء هذه النار و صون حوزة الجامع منها.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

جمال الدين‏

وزير صاحب الموصل، قطب الدين مودود بن زنكي، كان كثير المعروف، و اسمه محمد بن على ابن أبى منصور، أبو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجمال، كان كثير الصدقة و البر، و قد أثر آثارا حسنة بمكة و المدينة، من ذلك أنه ساق عينا إلى عرفات، و عمل هناك مصانع، و بنى مسجد الخيف و درجه، و عملها بالرخام، و بنى على المدينة النبويّة سورا، و بنى جسرا على دجلة عند جزيرة ابن‏

249

عمر بالحجر المنحوت، و الحديد و الرصاص، و بنى الربط الكثيرة، و كان يتصدق في كل يوم في بابه بمائة دينار، و يفتدى من الأسارى في كل سنة بعشرة آلاف دينار، و كان لا تزال صدقاته وافدة إلى الفقهاء و الفقراء، حيث كانوا من بغداد و غيرها من البلاد، و قد حبس في سنة ثمان و خمسين، فذكر ابن الساعي في تاريخه عن شخص كان معه في السجن أنه نزل إليه طائر أبيض قبل موته فلم يزل عنده و هو يذكر اللَّه حتى توفى في شعبان من هذه السنة، ثم طار عنه و دفن في رباط بناه لنفسه بالموصل، و قد كان بينه و بين أسد الدين شيركوه بن شادى مواخاة و عهد أيهما مات قبل الآخر أن يحمله إلى المدينة النبويّة، فحمل إليها من الموصل على أعناق الرجال، فما مروا به على بلدة إلا صلوا عليه و ترحموا عليه، و أثنوا خيرا، فصلوا عليه بالموصل و تكريت و بغداد و الحلة و الكوفة و قيدو مكة و طيف به حول الكعبة، ثم حمل إلى المدينة النبويّة فدفن بها في رباط بناه شرقى مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال ابن الجوزي و ابن الساعي: ليس بينه و بين حرم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قبره سوى خمسة عشر ذراعا.

قال ابن الساعي: و لما صلى عليه بالحلة صعد شاب نشزا فأنشد:

سرى نعشه على الرقاب و طالما* * * سرى جوده فوق الركاب و نائله‏

يمر على الوادي فتثنى رماله* * * عليه و بالنادى فتثنى أرامله‏

و ممن توفى بعد الخمسين‏

ابن الخازن الكاتب‏

أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق أبو الفضل المعروف بابن الخازن الكاتب البغدادي الشاعر. كان يكتب جيدا فائقا، اعتنى بكتابة الختمات، و أكثر ابنه نصر اللَّه من كتابة المقامات، و جمع لابنه ديوان شعر أورد منه ابن خلكان قطعة كبيرة.

ثم دخلت سنة ستين و خمسمائة

في صفر منها وقعت بأصبهان فتنة عظيمة بين الفقهاء بسبب المذاهب دامت أياما، و قتل فيها خلق كثير. و فيها كان حريق عظيم ببغداد فاحترقت محال كثيرة جدا، و ذكر ابن الجوزي أن في هذه السنة ولدت امرأة ببغداد أربع بنات في بطن واحد، و حج بالناس فيها الأمير برغش الكبير

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

عمر بن بهليقا

الطحان الّذي جدد جامع العقيبة ببغداد، و استأذن الخليفة في إقامة الجمعة فيه، فأذن له في ذلك، و كان قد اشترى ما حوله من القبور فأضاف ذلك إليه، و نبش الموتى منها، فقيض اللَّه له من نبشه من قبره بعد دفنه، جزاء وفاقا.

محمد بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد الحميد

أبو عبد اللَّه الحراني، كان آخر من بقي من الشهود المقبولين عند أبى الحسن الدامغانيّ، و قد

250

سمع الحديث، و كان لطيفا ظريفا، جمع كتابا سماه روضة الأدباء، فيها نتف حسنة. قال ابن الجوزي زرته يوما فأطلت الجلوس عنده فقلت: أقوم فقد ثقلت، فأنشدنى:

لئن سئمت إبراما و ثقلا* * * زيارات رفعت بهن قدري‏

فما أبرمت إلا حبل ودى* * * و لا ثقلت إلا ظهر شكري‏

مرجان الخادم‏

كان يقرأ القراءات، و تفقه لمذهب الشافعيّ، و كان يتعصب على الحنابلة و يكرههم، و يعادى الوزير ابن هبيرة و ابن الجوزي معاداة شديدة، و يقول لابن الجوزي: مقصودي قلع مذهبكم، و قطع ذكركم. و لما توفى ابن هبيرة في هذه السنة قوى على بن الجوزي و خافه ابن الجوزي، فلما توفى في هذه السنة فرح ابن الجوزي فرحا شديدا، توفى [في ذي القعدة منها.

ابن التلميذ

الطبيب الحاذق الماهر، اسمه هبة اللَّه بن صاعد توفى‏] عن خمس و تسعين سنة، و كان موسعا عليه في الدنيا، و له عند الناس و جاهة كبيرة، و قد توفى قبحه اللَّه على دينه، و دفن بالبيعة العتيقة، لا (رحمه اللَّه) إن كان مات نصرانيا، فإنه كان يزعم أنه مسلم، ثم مات على دينه.

الوزير ابن هبيرة

يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر الوزير للخلافة عون الدين، مصنف كتاب الإفصاح، و قد قرأ القرآن و سمع الحديث، و كانت له معرفة جيدة بالنحو و اللغة و العروض، و تفقه على مذهب الامام أحمد، و صنف كتبا جيدة مفيدة، من ذلك الإفصاح في مجلدات، شرح فيه الحديث و تكلم على مذاهب العلماء، و كان على مذهب السلف في الاعتقاد، و قد كان فقيرا لا مال له، ثم تعرض للخدمة إلى أن وزر للمقتفى ثم لابنه المستنجد، و كان من خيار الوزراء و أحسنهم سيرة، و أبعدهم عن الظلم، و كان لا يلبس الحرير، و كان المقتفى يقول ما وزر لبني العباس مثله، و كذلك ابنه المستنجد، و كان المستنجد معجبا به، قال مرجان الخادم سمعت أمير المؤمنين المستنجد ينشد لابن هبيرة و هو بين يديه من شعره.

صفت نعمتان خصتاك و عمتا* * * فذكرهما حتى القيامة يذكر

وجودك و الدنيا إليك فقيرة* * * وجودك و المعروف في الناس ينكر

فلو رام يا يحيى مكانك جعفر* * * و يحيى لكفا عنه يحيى و جعفر

و لم أر من ينوى لك السوء يا أبا* * * المظفر إلا كنت أنت المظفر

و قد كان يبالغ في إقامة الدولة العباسية، و حسم مادة الملوك السلجوقية عنهم بكل ممكن،