البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
251

حتى استقرت الخلافة في العراق كله، ليس للملوك معهم حكم بالكلية و للَّه الحمد. و كان يعقد في داره للعلماء مجلسا للمناظرة يبحثون فيه و يناظرون عنده، يستفيد منهم و يستفيدون منه، فاتفق يوما أنه كلم رجلا من الفقهاء كلمة فيها بشاعة قال له: يا حمار، ثم ندم فقال: أريد أن تقول لي كما قلت لك، فامتنع ذلك الرجل، فصالحه على مائتي دينار. مات فجأة، و يقال إنه سمه طبيب فسم ذلك الطبيب بعد ستة أشهر، و كان الطبيب يقول سممته فسممت. مات يوم الأحد الثاني عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، عن إحدى و ستين سنة، و غسله ابن الجوزي، و حضر جنازته خلق كثير و جم غفير جدا، و غلقت الأسواق، و تباكى الناس عليه، و دفن بالمدرسة التي أنشأها بباب البصرة (رحمه اللَّه). و قد رثاه الشعراء بمراثي كثيرة.

ثم دخلت سنة إحدى و ستين و خمسمائة

فيها فتح نور الدين محمود حصن المنيطرة [من الشام‏] و قتل عنده خلق كثير من الفرنج، و غنم أموالا جزيلة. و فيها هرب عز الدين بن الوزير ابن هبيرة من السجن، و معه مملوك تركي، فنودي عليه في البلد من رده فله مائة دينار، و من وجد عنده هدمت داره و صلب على بابها، و ذبحت أولاده بين يديه، فدلهم رجل من الأعراب عليه فأخذ من بستان فضرب ضربا شديدا و أعيد إلى السجن و ضيق عليه. و فيها أظهر الروافض سب الصحابة و تظاهروا بأشياء منكرة، و لم يكونوا يتمكنون منها في هذه الأعصار المتقدمة، خوفا من ابن هبيرة، و وقع بين العوام كلام فيما يتعلق بخلق القرآن.

و حج بالناس برغش.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

الحسن بن العباس‏

ابن أبى الطيب بن رستم، أبو عبد اللَّه الأصبهاني، كان من كبار الصالحين البكاءين، قال:

حضرت يوما مجلس ما شاده و هو يتكلم على الناس فرأيت رب العزة في هذه الليلة و هو يقول لي:

وقفت على مبتدع و سمعت كلامه؟ لأحرمنك منك النظر في الدنيا، فأصبح لا يبصر و عيناه مفتوحتان كأنه بصير

عبد العزيز بن الحسن‏

ابن الحباب الأغلبي السعدي القاضي، أبو المعالي البصري، المعروف بابن الجليس، لأنه كان يجالس صاحب مصر، و قد ذكره العماد في الجريدة، و قال: كان له فضل مشهور و شعر مأثور فمن ذلك قوله:

و من عجب أن السيوف لديهم* * * تحيض دما و السيوف ذكور

و أعجب من ذا أنها في أكفهم* * * تأجج نارا و الأكف بحور

252

الشيخ عبد القادر الجليلى‏

ابن أبى صالح أبو محمد الجيلي، ولد سنة سبعين و أربعمائة، و دخل بغداد فسمع الحديث و تفقه على أبى سعيد المخرمي الحنبلي، و قد كان بنى مدرسة ففوضها إلى الشيخ عبد القادر، فكان يتكلم على الناس بها، و يعظهم، و انتفع به الناس انتفاعا كثيرا، و كان له سمت حسن، و صمت غير الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و كان فيه تزهد كثير و له أحوال صالحة و مكاشفات، و لأتباعه و أصحابه فيه مقالات، و يذكرون عنه أقوالا و أفعالا و مكاشفات أكثرها مغالاة، و قد كان صالحا ورعا، و قد صنف كتاب الغنية و فتوح الغيب، و فيهما أشياء حسنة، و ذكر فيهما أحاديث ضعيفة و موضوعة، و بالجملة كان من سادات المشايخ، [توفى‏] و له تسعون سنة و دفن بالمدرسة التي كانت له.

ثم دخلت سنة ثنتين و ستين و خمسمائة

فيها أقبلت الفرنج في جحافل كثيرة إلى الديار المصرية، و ساعدهم المصريون فتصرفوا في بعض البلاد، فبلغ ذلك أسد الدين شير كوه فاستأذن الملك نور الدين في العود إليها، و كان كثير الحنق على الوزير شاور، فأذن له فسار إليها في ربيع الآخر و معه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب و قد وقع في النفوس أنه سيملك الديار المصرية، و في ذلك يقول عرقلة المسمى بحسان الشاعر:

و الأتراك قد أزمعت* * * مصر إلى حرب الأعاريب‏

رب كما ملكها يوسف* * * الصديق من أولاد يعقوب‏

فملكها في عصرنا يوسف* * * الصادق من أولاد أيوب‏

من لم يزل ضراب هام العدا* * * حقا و ضراب العراقيب‏

و لما بلغ الوزير شاور قدوم أسد الدين و الجيش معه بعث إلى الفرنج فجاءوا من كل فج إليه، و بلغ أسد الدين ذلك من شأنهم، و إنما معه ألف فارس، فاستشار من معه من الأمراء فكلهم أشار عليه بالرجوع إلى نور الدين، لكثرة الفرنج، إلا أميرا واحدا يقال له شرف الدين برغش، فإنه قال: من خاف القتل و الأسر فليقعد في بيته عند زوجته، و من أكل أموال الناس فلا يسلم بلادهم إلى العدو، و قال مثل ذلك ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، فعزم اللَّه لهم فساروا نحو الفرنج فاقتتلوا هم و إياهم قتالا عظيما، فقتلوا من الفرنج مقتلة عظيمة، و هزموهم، ثم قتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا اللَّه عز و جل، و للَّه الحمد.

فتح الاسكندرية على يدي أسد الدين شير كوه‏

ثم أشار أسد الدين بالمسير [إلى الاسكندرية] فملكها و جبى أموالها، و استناب عليها ابن أخيه صلاح الدين يوسف و عاد إلى الصعيد فملكه، و جمع منه أموالا جزيلة جدا، ثم إن الفرنج‏

253

و المصريين اجتمعوا على حصار الاسكندرية ثلاثة أشهر لينتزعوها من يد صلاح الدين، و ذلك في غيبة عمه في الصعيد، و امتنع فيها صلاح الدين أشد الامتناع، و لكن ضاقت عليهم الأقوات و ضاق عليهم الحال جدا، فسار إليهم أسد الدين فصالحه شاور الوزير عن الاسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك، و خرج صلاح الدين منها و سلمها إلى المصريين، و عاد إلى الشام في منتصف شوال، و قرر شاور للفرنج على مصر في كل سنة مائة ألف دينار، و أن يكون لهم شحنة بالقاهرة، و عادوا إلى بلادهم بعد أن كان الملك نور الدين أعقبهم في بلادهم، و فتح من بلادهم حصونا كثيرة، و قتل منهم خلقا من الرجال، و أسر جما غفيرا من النساء و الأطفال، و غنم شيئا كثيرا من الأمتعة و الأموال و للَّه الحمد. و كان معه أخوه قطب الدين مودود فأطلق له الرقة فسار فتسلمها. و فيها في شعبان منها كان قدوم العماد الكاتب من بغداد إلى دمشق، و هو أبو حامد محمد بن محمد الأصبهاني، صاحب الفتح القدسي، و البرق الشامي، و الجريدة، و غير ذلك من المصنفات، فأنزله قاضى القضاة كمال الدين الشهرزوري بالمدرسة النورية الشافعية داخل باب الفرج، فنسبت إليه لسكناه بها، فيقال لها العماديّة، ثم ولى تدريسها في سنة سبع و ستين بعد الشيخ الفقيه ابن عبد [ (1)] و أول من جاء للسلام عليه نجم الدين أيوب كانت له و به معرفة من تكريت، فامتدحه العماد بقصيدة ذكرها أبو شامة، و كان أسد الدين و صلاح الدين بمصر فبشره فيها بولاية صلاح الدين الديار المصرية حيث يقول:

و يستقر بمصر يوسف و به* * * تقر بعد التنائي عين يعقوب‏

و يلتقى يوسف بها بإخوته* * * و اللَّه يجمعهم من غير تثريب‏

ثم تولى عماد الدين كتابة الإنشاء للملك نور الدين محمود.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

برغش أمير الحاج سنين متعددة

كان مقدما على العساكر، خرج من بغداد لقتال شملة التركماني فسقط عن فرسه فمات.

أبو المعالي الكاتب‏

محمد بن الحسن بن محمد بن على بن حمدون، صاحب التذكرة الحمد و نية، و قد ولى ديوان الزمام مدة، توفى في ذي القعدة و دفن بمقابر قريش.

الرشيد الصدفي‏

كان يجلس بين يدي العبادي على الكرسي، كانت له شيبة و سمت و وقار، و كان يدمن حضور السماعات، و يرقص، فاتفق أنه مات و هو يرقص في بعض السماعات.

____________

[ (1)] بياض بنسخة الاستانة و لم يكن بالمصرية بياض.

254

ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و خمسمائة

في صفر منها وصل شرف الدين أبو جعفر بن البلدي من واسط إلى بغداد، فخرج الجيش لتلقيه و النقيبان و القاضي، و مشى الناس بين يديه إلى الديوان فجلس في دست الوزارة، و قرئ عهده و لقب بالوزير شرف الدين جلال الإسلام معز الدولة سيد الوزارء صدر الشرق و الغرب. و فيها أفسدت خفاجة في البلاد و نهبوا القرى، فخرج إليهم جيش من بغداد فهربوا في البراري فانحسر الجيش عنهم خوفا من العطش، فكروا على الجيش فقتلوا منهم خلقا و أسروا آخرين، و كان قد أسر الجيش منهم خلقا فصلبوا على الأسوار. و في شوال منها وصلت امرأة الملك نور الدين محمود ابن زنكي إلى بغداد تريد الحج من هناك، و هي الست عصمت الدين خاتون بنت معين الدين، و معها الخدم و الخدام، و فيهم صندل الخادم، و حملت لها الامامات و أكرمت غاية الاكرام. و فيها مات قاضى قضاة بغداد جعفر، فشغر البلد عن حاكم ثلاثا و عشرين يوما، حتى ألزموا روح بن الحدثنى قاضى القضاة في رابع رجب.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

جعفر بن عبد الواحد

أبو البركات الثقفي، قاضى قضاة بغداد بعد أبيه، ولد سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و سبب وفاته أنه طلب منه مال و كلمه الوزير ابن البلدي كلاما خشنا فخاف فرمى الدم و مات.

أبو سعد السمعاني‏

عبد الكريم بن محمد بن منصور، أبو سعد السمعاني، رحل إلى بغداد فسمع بها و ذيل على تاريخها للخطيب البغدادي، و قد ناقشه ابن الجوزي في المنتظم، و ذكر عنه أنه كان يتعصب على أهل مذهبه، و يطعن في جماعة منهم، و أنه يترجم بعبارة عامية، مثل قوله عن بعض الشيخات إنها كانت عفيفة. و عن الشاعر المشهور بحيص بيص إنه كانت له أخت يقال لها دخل خرج، و غير ذلك.

عبد القاهر بن محمد

ابن عبد اللَّه أبو النجيب السهروردي، كان يذكر أنه من سلالة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه سمع الحديث و تفقه و أفتى و درس بالنظاميّة و ابتنى لنفسه مدرسة و رباطا، و كان مع ذلك متصوفا يعظ الناس، و دفن بمدرسته.

محمد بن عبد الحميد

ابن أبى الحسين أبو الفتح الرازيّ، المعروف بالعلاء العالم، و هو من أهل سمرقند، و كان من الفحول في المناظرة، و له طريقة في الخلاف و الجدل، يقال لها التعليقة العالمية. قال ابن الجوزي و قد قدم بغداد و حضر مجلسى، و قال أبو سعد السمعاني: كان يد من شرب الخمر. قال و كان يقول ليس في الدنيا أطيب من كتاب المناظرة و باطية من خمر أشرب منها. قال ابن الجوزي: ثم بلغني عنه‏

255

أنه أقلع عن شرب الخمر و المناظرة و أقبل على النسك و الخير.

يوسف بن عبد اللَّه‏

ابن بندار الدمشقيّ، مدرس النظامية ببغداد، تفقه على أسعد الميهنى، و برع في المناظرة و كان يتعصب للأشعرية، و قد بعث رسولا في هذه السنة إلى شملة التركماني فمات في تلك البلاد.

ثم دخلت سنة أربع و ستين و خمسمائة

فيها كان فتح مصر على يدي الأمير أسد الدين شيركوه و فيها طغت الفرنج بالديار المصرية، و ذلك أنهم جعلوا شاور شحنة لهم بها، و تحكموا في أموالها و مساكنها أفواجا أفواجا، و لم يبق شي‏ء من أن يستحوذوا عليها و يخرجوا منها أهلها من المسلمين، و قد سكنها أكثر شجعانهم، فلما سمع الفرنج بذلك جاءوا إليها من كل فج و ناحية صحبة ملك عسقلان في جحافل هائلة، فأول ما أخذوا مدينة بلبيس و قتلوا من أهلها خلقا و أسروا آخرين، و نزلوا بها و تزكوا بها أثقالهم، و جعلوها موئلا و معقلا لهم، ثم ساروا فنزلوا على القاهرة من ناحية باب البرقية، فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر، و أن ينتقل الناس منها إلى القاهرة، فنهبوا البلد و ذهب للناس أموال كثيرة جدا، و بقيت النار تعمل في مصر أربعة و خمسين يوما، فعند ذلك أرسل صاحبها العاضد يستغيث بنور الدين، و بعث إليه بشعور نسائه يقول أدركنى و استنقذ نسائي من أيدي الفرنج، و التزم له بثلث خراج مصر على أن يكون أسد الدين مقيما بها عندهم، و التزم له بأقطاعات زائدة على الثلث، فشرع نور الدين في تجهيز الجيوش إلى مصر، فلما استشعر الوزير شاور بوصول المسلمين أرسل إلى ملك الفرنج يقول قد عرفت محبتي و مودتي لكم، و لكن العاضد و المسلمين لا يوافقونى على تسليم البلد، و صالحهم ليرجعوا عن البلد بألف ألف دينار، و عجل لهم من ذلك ثمانمائة ألف دينار، فانشمروا راجعين إلى بلادهم خوفا من عساكر نور الدين، و طمعا في العودة إليها مرة ثانية، وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏. ثم شرع الوزير شاور في مطالبة الناس بالذهب الّذي صالح به الفرنج و تحصيله، و ضيق على الناس مع ما نالهم من الضيق و الحريق و الخوف، فجبر اللَّه مصابهم بقدوم عساكر المسلمين عليهم و هلاك الوزير على يديهم، و ذلك أن نور الدين استدعى الأمير أسد الدين من حمص إلى حلب فساق إليه هذه المسافة و قطعها في يوم واحد، فإنه قام من حمص بعد أن صلى الصبح ثم دخل منزله فأصاب فيه شيئا من الزاد، ثم ركب وقت طلوع الشمس فدخل حلب على السلطان نور الدين من آخر ذلك اليوم، و يقال إن هذا لم يتفق لغيره إلا للصحابة، فسر بذلك نور الدين فقدمه على العساكر و أنعم عليه بمائتي ألف دينار و أضاف إليه من الأمراء الأعيان، كل منهم يبتغى بمسيره رضى اللَّه و الجهاد في سبيله، و كان من جملة الأمراء ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، و لم يكن منشرحا لخروجه هذا بل كان كارها

256

له، و قد قال اللَّه تعالى‏ (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) الآية، و أضاف إليه ستة آلاف من التركمان، و جعل أسد الدين مقدما على هذه العساكر كلها، فسار بهم من حلب إلى دمشق و نور الدين معهم، فجهزه من دمشق إلى الديار المصرية، و أقام نور الدين بدمشق، و لما وصلت الجيوش النورية إلى الديار المصرية وجدوا الفرنج قد انشمروا عن القاهرة راجعين إلى بلادهم بالصفقة الخاسرة، و كان وصوله إليها في سابع ربيع الآخر، فدخل الأمير أسد الدين على العاضد في ذلك اليوم فخلع عليه خلعة سنية فلبسها و عاد إلى مخيمه بظاهر البلد، و فرح المسلمون بقدومه، و أجريت عليهم الجرايات، و حملت إليهم التحف و الكرامات، و خرج وجوه الناس إلى المخيم خدمة لأسد الدين، و كان فيمن جاء إليه المخيم الخليفة العاضد متنكرا، فأسر إليه أمورا مهمة منها قتل الوزير شاور، و قرر ذلك معه و أعظم أمر الأمير أسد الدين، و لكن شرع يماطل بما كان التزمه للملك نور الدين، و هو مع ذلك يتردد إلى أسد الدين، و يركب معه، و عزم على عمل ضيافة له فنهاه أصحابه عن الحضور خوفا عليه من غائلته، و شاوروه في قتل شاور فلم يمكنهم الأمير أسد الدين من ذلك، فلما كان في بعض الأيام جاء شاور إلى منزل أسد الدين فوجده قد ذهب لزيارة قبر الشافعيّ، و إذا ابن أخيه يوسف هنالك فأمر صلاح الدين يوسف بالقبض على الوزير شاور، و لم يمكنه قتله إلا بعد مشاورة عمه أسد الدين و انهزم أصحابه فأعلموا العاضد لعله يبعث ينقذه، فأرسل العاضد إلى الأمير أسد الدين يطلب منه رأسه، فقتل شاور و أرسلوا برأسه إلى العاضد في سابع عشر ربيع الآخر، ففرح المسلمون بذلك و أمر أسد الدين بنهب دار شاور، فنهبت، و دخل أسد الدين على العاضد فاستوزره و خلع عليه خلعة عظيمة، و لقبه الملك المنصور، فسكن دار شاور و عظم شأنه هنالك، و لما بلغ نور الدين خبر فتح مصر فرح بذلك و قصدته الشعراء بالتهنئة، غير أنه لم ينشرح لكون أسد الدين صار وزيرا للعاضد، و كذلك لما انتهت الوزارة إلى ابن أخيه صلاح الدين، فشرع نور الدين في إعمال الحيلة في إزالة ذلك فلم يتمكن، و لا قدر عليه، و لا سيما أنه بلغه أن صلاح الدين استحوذ على خزائن العاضد كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، و اللَّه أعلم. و أرسل أسد الدين إلى القصر يطلب كاتبا فأرسلوا إليه القاضي الفاضل رجاء أن يقبل منه إذا قال و أفاض فيما كانوا يؤملون، و بعث أسد الدين العمال في الأعمال و أقطع الاقطاعات، و ولى الولايات، و فرح بنفسه أياما معدودات، فأدركه حمامه في يوم السبت الثاني و العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، و كانت ولايته شهرين و خمسة أيام، فلما توفى أسد الدين (رحمه اللَّه) أشار الأمراء الشاميون على العاضد بتولية صلاح الدين يوسف الوزارة بعد عمه، فولاه العاضد الوزارة و خلع عليه خلعة سنية، و لقبه الملك الناصر.

257

صفة الخلعة التي لبسها صلاح الدين يومئذ

مما ذكره أبو شامة في الروضتين عمامة بيضاء تنيسى بطرف ذهب، و ثوب ديبقي بطراز ذهب وجبة بطراز ذهب، و طيلسان بطراز مذهبة، و عقد جوهر بعشرة آلاف دينار، و سيف محلى بخمسة آلاف دينار، و حجزة بثمانية آلاف دينار، و عليها طوق ذهب و سر فسار ذهب مجوهر، و في رأسها مائتا حبة جوهر، و في قوائمها أربعة عقود جوهر، و في رأسها قصبة ذهب فيها تندة بيضاء بأعلام بيض و مع الخلعة عدة بقج، و خيل و أشياء أخر، و منشور الوزارة ملفوف بثوب أطلس أبيض، و ذلك في يوم الاثنين الخامس و العشرين من جمادى الآخرة، من هذه السنة، و كان يوما مشهودا، و سار الجيش بكماله في خدمته، لم يتخلف عنه سوى عين الدولة الياروقى، و قال: لا أخدم يوسف بعد نور الدين، ثم سار بجيشه إلى الشام فلامه نور الدين على ذلك، و أقام الملك صلاح الدين بمصر بصفة نائب للملك نور الدين، يخطب له على المنابر بالديار المصرية، و يكاتبه بالأمير الاسفهلار صلاح الدين و يتواضع له صلاح الدين في الكتب و العلامة، لكن قد التفت عليه القلوب، و خضعت له النفوس، و اضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد، و ارتفع قدر صلاح الدين بين العباد بتلك البلاد، و زاد في إقطاعات الذين معه فأحبوه و احترموه و خدموه، و كتب إليه نور الدين يعنفه على قبول الوزارة بدون مرسومه، و أمره أن يقيم حساب الديار المصرية، فلم يلتفت صلاح الدين إلى ذلك و جعل نور الدين يقول في غضون ذلك: ملك ابن أيوب. و أرسل [صلاح الدين‏] إلى نور الدين يطلب منه أهله و إخوته و قرابته، فأرسلهم إليه و شرط عليهم السمع و الطاعة له، فاستقر أمره بمصر و توطأت دولته بذلك، و كمل أمره و تمكن سلطانه و قويت أركانه. و قد قال بعض الشعراء في قتل صلاح الدين لشاور الوزير

هيا لمصر حور يوسف ملكها* * * بأمر من الرحمن كان موقوتا

و ما كان فيها قتل يوسف شاورا* * * يماثل إلا قتل داود جالوتا

قال أبو شامة: و قتل العاضد في هذه السنة أولاد شاور و هم شجاع الملقب بالكامل و الطاري الملقب بالمعظم، و أخوهما الآخر الملقب بفارس المسلمين، و طيف برءوسهم ببلاد مصر.

ذكر قتل الطواشى‏

مؤتمن الخلافة و أصحابه على يدي صلاح الدين، و ذلك أنه كتب من دار الخلافة بمصر إلى الفرنج ليقدموا إلى الديار المصرية ليخرجوا منها الجيوش الإسلامية الشامية، و كان الّذي يفد بالكتاب إليهم الطواشى مؤتمن الخلافة، مقدم العساكر بالقصر، و كان حبشيا، و أرسل الكتاب مع إنسان أمن إليه، فصادفه في بعض الطريق من أنكر حاله، فحمله إلى الملك صلاح الدين فقرره، فأخرج الكتاب ففهم صلاح الدين الحال فكتمه، و استشعر الطواشى مؤتمن الدولة أن صلاح الدين قد اطلع على الأمر

258

فلازم القصر مدة طويلة خوفا على نفسه، ثم عنّ له في بعض الأيام أن خرج إلى الصيد، فأرسل صلاح الدين إليه من قبض عليه و قتله و حمل رأسه إليه، ثم عزل جميع الخدام الذين يلون خدمة القصر، و استناب على القصر عوضهم بهاء الدين قراقوش، و أمره أن يطالعه بجميع الأمور، صغارها و كبارها

وقعة السودان‏

و ذلك أنه لما قتل الطواشى مؤتمن الخلافة الحبشي، و عزل بقية الخدام غضبوا لذلك، و اجتمعوا قريبا من خمسين ألفا، فاقتتلوا هم و جيش صلاح الدين بين القصرين، فقتل خلق كثير من الفريقين، و كان العاضد ينظر من القصر إلى المعركة، و قد قذف الجيش الشامي من القصر بحجارة، و جاءهم منه سهام فقيل كان ذلك بأمر العاضد، و قيل لم يكن بأمره. ثم إن أخا الناصر نور شاه شمس الدولة- و كان حاضرا للحرب قد بعثه نور الدين لأخيه ليشد أزره- أمر بإحراق منظرة العاضد، ففتح الباب و نودي إن أمير المؤمنين يأمركم أن تخرجوا هؤلاء السودان من بين أظهركم، و من بلادكم، فقوى الشاميون و ضعف جأش السودان جدا، و أرسل السلطان إلى محلة السودان المعروفة بالمنصورة، التي فيها دورهم و أهلوهم بباب زويلة فأحرقها، فولوا عند ذلك مدبرين، و ركبهم السيف فقتل منهم خلقا كثيرا، ثم طلبوا الأمان فأجابهم إلى ذلك، و أخرجهم إلى الجيزة، ثم خرج لهم شمس الدولة نور شاه أخو الملك صلاح الدين فقتل أكثرهم أيضا، و لم يبق منهم إلا القليل، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.

و فيها افتتح نور الدين قلعة جعبر و انتزعها من يد صاحبها شهاب الدين مالك بن على العقيلي و كانت في أيديهم من أيام السلطان ملك شاه. و فيها احترق جامع حلب فجدده نور الدين. و فيها مات ما روق الّذي تنسب إليه المحلة بظاهر حلب.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

سعد اللَّه بن نصر بن سعيد الدجاجيّ‏

أبو الحسن الواعظ الحنبلي، ولد سنة ثمانين و أربعمائة، و سمع الحديث و تفقه و وعظ، و كان لطيف الوعظ، و قد أثنى عليه ابن الجوزي في ذلك، و ذكر أنه سئل مرة عن أحاديث الصفات فنهى عن التعرض لذلك و أنشد:

أبى الغائب الغضبان يا نفس أن ترضى* * * و أنت الّذي صيرت طاعته فرضا

فلا تهجرى من لا تطيقين هجره* * * و إن هم بالهجران خديك و الأرضا

و ذكر ابن الجوزي عنه أنه قال: خفت مرة من الخليفة فهتف بى هاتف في المنام و قال لي اكتب‏

ادفع بصبرك حادث الأيام* * * و ترج لطف الواحد العلام‏

لا تيأسن و إن تضايق كربها* * * و رماك ريب صروفها بسهام‏

259

فله تعالى بين ذلك فرجة* * * تخفى على الافهام و الأوهام‏

كم من نجا من بين أطراف القنا* * * و فريسة سلمت من الضرغام‏

توفى في شعبان منها عن أربع و ثمانين سنة، و دفن عند رباط الزورى ثم نقل إلى مقبرة الامام أحمد

شاور بن مجير الدين‏

أبو شجاع السعدي، الملقب أمير الجيوش، وزير الديار المصرية أيام العاضد، و هو الّذي انتزع الوزارة من يدي رزيك، و هو أول من استكتب القاضي الفاضل، استدعى به من اسكندرية من باب السدرة فحظي عنده و انحصر منه الكتاب بالقصر، لما رأوا من فضله و فضيلته. و قد امتدحه الشعراء منهم عمارة اليمنى حيث يقول:

ضجر الحديد من الحديد و شاور* * * من نصر دين محمد لم يضجر

حلف الزمان ليأتين بمثله* * * حنثت بمينك يا زمان فكفر

و لم يزل أمره قائما إلى أن ثار عليه الأمير ضرغام بن سوار فالتجأ إلى نور الدين فأرسل معه الأمير أسد الدين شير كوه فنصروه على عدوه، فنكث عهده فلم يزل أسد الدين حنقا عليه حتى قتله في هذه السنة، على يدي ابن أخيه صلاح الدين، ضرب عنقه بين يدي الأمير جردنك في السابع عشر من ربيع الآخر، و استوزر بعده أسد الدين، فلم تطل مدته بعده إلا شهرين و خمسة أيام. قال ابن خلكان: هو أبو شجاع شاور بن مجير الدين بن نزار بن عشائر بن شاس بن مغيث ابن حبيب بن الحارث بن ربيعة بن مخيس بن أبى ذؤيب عبد اللَّه و هو والد حليمة السعدية، كذا قال، و فيما قال نظر لقصر هذا النسب لبعد المدة و اللَّه أعلم.

شير كوه بن شادى‏

أسد الدين الكردي الزرزارى و هم أشرف شعوب الأكراد، و هو من قرية يقال لها درين من أعمال أذربيجان، خدم هو و أخوه نجم الدين أيوب- و كان الأكبر- الأمير مجاهد الدين نهروز الخادم شحنة العراق، فاستناب نجم الدين أيوب على قلعة تكريت، فاتفق أن دخلها عماد الدين زنكي هاربا من قراجا الساقي، فأحسنا إليه و خدماه، ثم اتفق أنه قتل رجلا من العامة فأخرجهما نهروز من القلعة فصارا إلى زنكي بحلب فأحسن إليهما، ثم حظيا عند ولده نور الدين محمود، فاستناب أيوب على بعلبكّ، و أقره ولده نور الدين، و صار أسد الدين عند نور الدين أكبر أمرائه، و أخصهم عنده و أقطعه الرحبة و حمص مع ماله عنده من الاقطاعات، و ذلك لشهامته و شجاعته و صرامته و جهاده في الفرنج، في أيام معدودات و وقعات معتبرات، و لا سيما يوم فتح دمشق، و أعجب من ذلك ما فعله بديار مصر، بلّ اللَّه بالرحمة ثراه و جعل الجنة مأواه، و كانت وفاته يوم السبت فجأة بخانوق حصل له، و ذلك‏

260

في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة (رحمه اللَّه). قال أبو شامة: و إليه تنسب الخانقاه الأسدية بالشرق القبلي، ثم آل الأمر من بعده إلى ابن أخيه صلاح الدين يوسف، ثم استوسق له الملك و الممالك هنالك.

محمد بن عبد اللَّه بن عبد الواحد

ابن سليمان المعروف بابن البطي، سمع الحديث الكثير، و أسمع و رحل إليه و قارب التسعين.

محمد الفارقيّ‏

أبو عبد اللَّه الواعظ، يقال إنه كان يحفظ نهج البلاغة و يعبر ألفاظه، و كان فصيحا بليغا يكتب كلامه و يروى عنه كتاب يعرف بالحكم الفارقية.

المعمر بن عبد الواحد

ابن رجار أبو أحمد الأصبهاني أحد الحفاظ الوعاظ، روى عن أصحاب أبى نعيم، و كانت له معرفة جيدة بالحديث، توفى و هو ذاهب إلى الحج بالبادية (رحمه اللَّه).

ثم دخلت سنة خمس و ستين و خمسمائة

في صفر منها حاصرت الفرنج مدينة دمياط من بلاد مصر خمسين يوما، بحيث ضيقوا على أهلها، و قتلوا أمما كثيرة، جاءوا إليها من البر و البحر رجاء أن يملكوا الديار المصرية و خوفا من استيلاء المسلمين على القدس، فكتب صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده عليهم، و يطلب منه أن يرسل إليه بامداد من الجيوش، فإنه إن خرج من مصر خلفه أهلها بسوء، و إن قعد عن الفرنج أخذوا دمياط و جعلوها معقلا لهم يتقوون بها على أخذ مصر. فأرسل إليه نور الدين ببعوث كثيرة، يتبع بعضها بعضا.

ثم إن نور الدين اغتنم غيبة الفرنج عن بلدانهم فصمد إليهم في جيوش كثيرة فجاس خلال ديارهم، و غنم من أموالهم و قتل و سبى شيئا كثيرا، و كان من جملة من أرسله إلى صلاح الدين أبوه الأمير نجم الدين أيوب، في جيش من تلك الجيوش، و معه بقية أولاده، فتلقاه الجيش من مصر، و خرج العاضد لتلقيه إكراما لولده، و أقطعه اسكندرية و دمياط، و كذلك لبقية أولاده، و قد أمد العاضد صلاح الدين في هذه الكائنة بألف ألف دينار حتى انفصلت الفرنج عن دمياط، و أجلت الفرنج عن دمياط لأنه بلغهم أن نور الدين قد غزا بلادهم، و قتل خلقا من رجالهم، و سبى كثيرا من نسائهم و أطفالهم و غنم من أموالهم، فجزاه اللَّه عن المسلمين خيرا. ثم سار نور الدين في جمادى الآخرة إلى الكرخ ليحاصرها- و كانت من أمنع البلاد- و كاد أن يفتحها و لكن بلغه أن مقدمين من الفرنج قد أقبلا نحو دمشق، فخاف أن يلتف عليهما الفرنج فترك الحصار و أقبل نحو دمشق فحصنها، و لما انجلت الفرنج عن دمياط فرح نور الدين فرحا شديدا، و أنشد الشعراء كل منهم في ذلك قصيدا، و قد كان‏

261

الملك نور الدين شديد الاهتمام قوى الاغتمام بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءا في ذلك فيه حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه أن يتبسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، و قال: إني لأستحي من اللَّه أن يراني متبسما و المسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. و قد ذكر الشيخ أبو شامة أن إمام مسجد أبى الدرداء بالقلعة المنصورة رأى في تلك الليلة التي أجلى فيها الفرنج عن دمياط رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقول: سلم على نور الدين و بشره بأن الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقلت:

يا رسول اللَّه بأي علامة؟ فقال: بعلامة ما سجد يوم تل حارم و قال في سجوده: اللَّهمّ انصر دينك و من هو محمود الكلب؟. فلما صلى نور الدين عنده الصبح بشره بذلك و أخبره بالعلامة، فلما جاء إلى عند ذكر «من هو محمود الكلب» انقبض من قول ذلك، فقال له نور الدين: قل ما أمرك به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فقال ذلك: فقال: صدقت، و بكى نور الدين تصديقا و فرحا بذلك، ثم كشفوا فإذا الأمر كما أخبر في المنام.

قال العماد الكاتب: و في هذه السنة عمر الملك نور الدين جامع داريا، و عمر مشهد أبى سليمان الدارانيّ بها، و شتى بدمشق. و فيها حاصر الكرك أربعة أيام، و فارقه من هناك نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، متوجها إلى ابنه بمصر، و قد وصاه نور الدين أن يأمر ابنه صلاح الدين أن يخطب بمصر للخليفة المستنجد باللَّه العباسي، و ذلك أن الخليفة بعث يعاتبه في ذلك. و فيها قدم الفرنج من السواحل ليمنعوا الكرك مع ثبيب بن الرقيق و ابن القنقري، و كانا أشجع فرسان الفرنج، فقصدهما نور الدين ليقابلهما فحادا عن طريقه. و فيها كانت زلزلة عظيمة بالشام و الجزيرة و عمت أكثر الأرض، و تهدمت أسوار كثيرة بالشام، و سقطت دور كثيرة على أهلها، و لا سيما بدمشق و حمص و حماه و حلب و بعلبكّ، سقطت أسوارها و أكثر قلعتها، فجدد نور الدين عمارة أكثر ما وقع بهذه الأماكن.

و فيها توفى‏

الملك قطب الدين مودود بن زنكي‏

أخو نور الدين محمود صاحب الموصل، و له من العمر أربعون سنة، و مدة ملكه منها إحدى و عشرون سنة، و كان من خيار الملوك، محببا إلى الرعية، عطوفا عليهم، محسنا إليهم، حسن الشكل.

و تملك من بعده ولده سيف الدين غازى من الست خاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق أصحاب ماردين، و كان مدبر مملكته و المتحكم فيها فخر الدين عبد المسيح، و كان ظالما غاشما. و فيها كانت حروب كثيرة بين ملوك الغرب بجزيرة الأندلس، و كذلك كانت حروب كثيرة بين ملوك الشرق أيضا. و حج بالناس فيها و فيها قبلها الأمير برغش الكبير، و لم أر أحدا من أكابر الأعيان توفى فيها.

262

ثم دخلت سنة ست و ستين و خمسمائة

فيها كانت وفاة المستنجد و خلافة ابنه المستضي‏ء، و ذلك أن المستنجد كان قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي فيما يبدو للناس، فعمل ضيافة عظيمة بسبب ذلك، و فرح الناس بذلك، ثم أدخله الطبيب إلى الحمام و به ضعف شديد فمات في الحمام، و يقال: إن ذلك كان بإشارة بعض الدولة على الطبيب، استعجالا لموته، توفى يوم السبت بعد الظهر ثانى ربيع الآخر عن ثمان و أربعين سنة، و كانت مدة خلافته إحدى عشرة سنة و شهرا، و كان من خيار الخلفاء و أعدلهم و أرفقهم بالرعايا، و منع عنهم المكوس و الضرائب، و لم يترك بالعراق مكسا، و قد شفع إليه بعض أصحابه في رجل شرير، و بذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة أنا أعطيك عشرة آلاف دينار و ائتني بمثله لأريح المسلمين من شره، و كان المستنجد أسمر طويل اللحية، و هو الثاني و الثلاثين من العباسيين و ذلك في الجمل لام باء و لهذا قال فيه بعض الأدباء:

أصبحت لب بنى العباس جملتها* * * إذا عددت حساب الجمل الخلفا

و كان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، و قد رأى في منامه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقول له: قل اللَّهمّ اهدني فيمن هديت، و عافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامه. و صلى عليه يوم الأحد قبل الظهر، و دفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة (رحمه اللَّه تعالى).

خلافة المستضي‏ء

و هو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفى، و أمه أرمنية تدعى عصمت، و كان مولده في شعبان سنة ست و ثلاثين و خمسمائة. بويع بالخلافة يوم مات أبوه بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر، و بايعه الناس، و لم يل الخلافة أحد اسمه الحسن بعد الحسن بن على غير هذا، و وافقه في الكنية أيضا، و خلع يومئذ على الناس أكثر من ألف خلعة، و كان يوما مشهودا، و ولى قضاء قضاة بغداد الروح ابن الحدثنى يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الآخر، و خلع على الوزير و هو الأستاذ عضد الدولة، و ضربت على بابه الدبابات ثلاثة أوقات الفجر و المغرب و العشاء، و أمر سبعة عشر أميرا من المماليك و أذن للوعاظ فتكلموا بعد ما منعوا مدة طويلة، لما كان يحدث بسبب ذلك من الشرور الطويلة، ثم كثر احتجابه، و لما جاءت البشارة بولايته إلى الموصل قال العماد الكاتب:

قد أضاء الزمان بالمستضي‏ء* * * وارث البرد و ابن عم النبي‏

جاء بالحق و الشريعة و العدل* * * فيا مرحبا بهذا المحيي‏

فهنيئا لأهل بغداد فازوا* * * بعد بؤس بكل عيش هني‏

و مضى إن كان في الزمن المظلم* * * بالعود في الزمان المضي‏

263

و فيها سار الملك نور الدين إلى الرقة فأخذها، و كذا نصيبين و الخابور و سنجار، و سلمها إلى زوج ابنته ابن أخيه مودود بن عماد الدين، ثم سار إلى الموصل فأقام بها أربعة و عشرين يوما، و أقرها على ابن أخيه سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود، مع الجزيرة، و زوجه ابنته الأخرى، و أمر بعمارة جامعها و توسعته، و وقف على تأسيسه بنفسه، و جعل له خطيبا و درسا للفقه، و ولى التدريس للفقيه أبى بكر البرقاني، تلميذ محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، و كتب له منشورا بذلك، و وقف على الجامع قرية من قرى الموصل، و ذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد عمر الملا، و قد كانت له زاوية يقصد فيها، و له في كل سنة دعوة في شهر المولد، يحضر فيها عنده الملوك و الأمراء و العلماء و الوزراء و يحتفل بذلك، و قد كان الملك نور الدين صاحبه، و كان يستشيره في أموره، و ممن يعتمده في مهماته و هو الّذي أشار عليه في مدة مقامه في الموصل بجميع ما فعله من الخيرات، فلهذا حصل بقدومه لأهل الموصل كل مسرة، و اندفعت عنهم كل مضرة، و أخرج من بين أظهرهم الظالم الغاشم فخر الدين عبد المسيح، و سماه عبد اللَّه، و أخذه معه إلى دمشق فأقطعه إقطاعا حسنا، و قد كان عبد المسيح هذا نصرانيا فأظهر الإسلام، و كان يقال إن له كنيسة في جوف داره، و كان سيئ السيرة خبيث السريرة في حق العلماء و المسلمين خاصة، و لما دخل نور الدين الموصل كان الّذي استأمن له نور الدين الشيخ عمر الملا، و حين دخل نور الدين الموصل خرج إليه ابن أخيه فوقف بين يديه فأحسن إليه و أكرمه، و ألبسه خلعة جاءته من الخليفة فدخل فيها إلى البلد في أبهة عظيمة، و لم يدخل نور الدين الموصل حتى قوى الشتاء فأقام بها كما ذكرنا، فلما كان في آخر ليلة من إقامته بها رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول له:

طابت لك بلدك و تركت الجهاد و قتال أعداء اللَّه؟ فنهض من فوره إلى السفر، و ما أصبح إلا سائرا إلى الشام، و استقضى الشيخ ابن أبى عصرون، و كان معه على سنجار و نصيبين و الخابور، فاستناب فيها ابن أبى عصرون نوابا و أصحابا.

و فيها عزل صلاح الدين قضاة مصر لأنهم كانوا شيعة، و ولى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعيّ، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية، و بنى مدرسة للشافعية، و أخرى للمالكية، و اشترى ابن أخيه تقى الدين عمر دارا تعرف بمنازل العز، و جعلها مدرسة للشافعية و وقف عليها الروضة و غيرها. و عمر صلاح الدين أسوار البلد، و كذلك أسوار اسكندرية، و أحسن إلى الرعايا إحسانا كثيرا، و ركب فأغار على بلاد الفرنج بنواحي عسقلان و غزة و ضرب قلعة كانت لهم على أيلة، و قتل خلقا كثيرا من مقاتلتهم، و تلقى أهله و هم قادمون من الشام، و اجتمع شمله بهم بعد فرقة طويلة. و فيها قطع صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها، و شرع في تمهيد الخطبة لبني العباس على المنابر.

264

و ممن توفى فيها من الأعيان.

طاهر بن محمد بن طاهر

أبو زرعة المقدسي الأصل، الرازيّ المولد، الهمدانيّ الدار، ولد سنة إحدى و ثمانين و أربعمائة و أسمعه والده الحافظ محمد بن طاهر الكثير، و مما كان يرويه مسند الشافعيّ، توفى بهمدان يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، و قد قارب التسعين.

يوسف القاضي‏

أبو الحجاج بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء بمصر، و هو شيخ القاضي الفاضل في هذا الفن، اشتغل عليه فيه فبرع حتى قدر أنه صار مكانه حين ضعف عن القيام بأعباء الوظيفة لكبره، و كان القاضي الفاضل يقوم به و بأهله حتى مات، ثم كان بعد موته كثير الإحسان إلى أهله (رحمهم اللَّه).

يوسف بن الخليفة

المستنجد باللَّه بن المقتفى بن المستظهر، تقدم ذكر وفاته و ترجمته، و قد توفى بعده عمه أبو نصر ابن المستظهر بأشهر، و لم يبق بعده أحد من ولد المستظهر، و كانت وفاته يوم الثلاثاء الثامن و العشرين من ذي القعدة منها.

ثم دخلت سنة سبع و ستين و خمسمائة

«فيها كانت وفاة العاضد صاحب مصر» في أول جمعة منها، فأمر صلاح الدين بإقامة الخطبة لبني العباس بمصر و أعمالها في الجمعة الثانية، و كان يوما مشهودا، و لما انتهى الخبر إلى الملك نور الدين أرسل إلى الخليفة يعلمه بذلك، مع ابن أبى عصرون شهاب الدين أبى المعالي، فزينت بغداد و غلقت الأسواق، و عملت القباب و فرح المسلمون فرحا شديدا، و كانت قد قطعت الخطبة لبني العباس من ديار مصر سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون على مصر أيام المعز الفاطمي، باني القاهرة، إلى هذا الآن، و ذلك مائتا سنة و ثمان سنين. قال ابن الجوزي: و قد ألفت في ذلك كتابا سميته النصر على مصر.

موت العاضد آخر خلفاء العبيديين‏

و العاضد في اللغة القاطع، «لا يعضد شجرها» لا يقطع، و به قطعت دولتهم، و اسمه عبد اللَّه و يكنى بأبي محمد بن يوسف الحافظ بن المستنصر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور القاهري، أبى الغنائم بن المهدي أولهم، كان مولد العاضد في سنة ست و أربعين، فعاش إحدى و عشرين سنة و كانت سيرته مذمومة، و كان شيعيا خبيثا، لو أمكنه قتل كل من قدر عليه من أهل السنة، و اتفق أنه لما استقر أمر الملك صلاح الدين رسم بالخطبة لبني العباس عن مرسوم الملك نور الدين، و ذلك أن الخليفة بعث إلى نور الدين فعاتبه في ذلك قبل وفاته، و كان المستنجد إذ ذاك مدنفا مريضا، فلما مات تولى بعده ولده، فكانت الخطبة بمصر له، ثم إن العاضد مرض فكانت وفاته في يوم‏

265

عاشوراء، فحضر الملك صلاح الدين جنازته و شهد عزاه، و بكى عليه و تأسف، و ظهر منه حزن كثير عليه، و قد كان مطيعا له فيما يأمره به، و كان العاضد كريما جوادا سامحه اللَّه. و لما مات استحوذ صلاح الدين على القصر بما فيه، و أخرج منه أهل العاضد إلى دار أفردها لهم، و أجرى عليهم الأرزاق و النفقات الهنية، و العيشة الرضية، عوضا عما فاتهم من الخلافة، و كان صلاح يتندم على إقامة الخطبة لبني العباس بمصر قبل وفاة العاضد، و هلا صبر بها إلى بعد وفاته، و لكن كان ذلك قدرا مقدورا.

و مما نظمه العماد في ذلك:

توفى العاضد الدعي فما* * * يفتح ذو بدعة بمصر فما

و عصر فرعونها انقضى و غدا* * * يوسفها في الأمور محتكما

قد طفئت جمرة الغواة و قد* * * داخ من الشرك كل ما اضطرما

و صار شمل الصلاح ملتئما* * * بها و عقد السداد منتظما

لما غدا مشعرا شعار بنى* * * العباس حقا و الباطل اكتتما

و بات داعي التوحيد منتظرا* * * و من دعاة الإشراك منتقما

و ظل أهل الضلال في ظلل* * * داجية من غبائة و عمى‏

و ارتكس الجاهلون في ظلم* * * لما أضاءت منابر العلما

و ارتكس الجاهلون في ظلم* * * لما أضاءت منابر العلما

و عاد بالمستضي‏ء معتليا* * * بناء حق بعد ما كان منهدما

أعيدت الدولة التي اضطهدت* * * و انتصر الدين بعد ما اهتضما

و اهتز عطف الإسلام من جلل* * * و افتر ثغر الإسلام و ابتسما

و استبشرت أوجه الهدى فرحا* * * فليقرع الكفر سنه ندما

عاد حريم الأعداء منتهك* * * الحمى و في الطغاة منقسما

قصور أهل القصور أخربها* * * عامر بيت من الكمال سما

أزعج بعد السكوت ساكنها* * * و مات ذلا و أنفه رغما

و مما قيل من الشعر ببغداد يبشر الخليفة المستضي‏ء بالخطبة له بمصر و أعمالها:

ليهنيك يا مولاي فتح تتابعت* * * إليك به خوض الركائب توجف‏

أخذت به مصرا و قد حال دونها* * * من الشرك يأس في لها الحق يقذف‏

فعادت بحمد اللَّه باسم إمامنا* * * تتيه على كل البلاد و تشرف‏

و لا غرو إن ذلت ليوسف مصره* * * و كانت إلى عليائه تتشوف‏

فشابهه خلقا و خلقا و عفة* * * و كل عن الرحمن في الأرض يخلف‏

266

كشفت بها عن آل هاشم سبة* * * و عارا أبى إلا بسيفك يكشف‏

و قد ذكر ذلك أبو شامة في الروضتين، و هي أطول من هذه، و ذكر أن أبا الفضائل الحسين بن محمد بن بركات الوزير أنشدها للخليفة عند موته بعد منام رآه، و أراد بيوسف الثاني المستنجد، و هكذا ذكر ابن الجوزي: أنها أنشدت في حياة المستنجد، و لم يخطب بها إلا لابنه المستضي‏ء، فجرى المقال باسم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، و قد أرسل الخليفة إلى الملك نور الدين معظمة لما بشر بالخطبة له بمصر، و كذلك للملك صلاح الدين إلى الديار المصرية و معها أعلام سود و لواء معقود، ففرقت على الجوامع بالشام و بمصر. قال ابن أبى طى في كتابه: و لما تفرغ صلاح الدين من توطيد المملكة و إقامة الخطبة و التعزية، استعرض حواصل القصرين فوجد فيهما من الحواصل و الأمتعة و الآلات و الملابس و المفارش شيئا باهرا، و أمرا هائلا، من ذلك سبعمائة يتيمة من الجوهر، و قضيب زمرد طوله أكثر من شبر و سمكه نحو الإبهام، و حبل من ياقوت، و إبريق عظيم من الحجر المانع، و طبل للقولنج إذا ضرب عليه أحد فيه ريح غليظة أو غيرها خرج منه ذلك الريح من دبره، و ينصرف عنه ما يجده من القولنج، فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده و لم يدر ما شأنه، فضرب عليه فحبق- أي ضرط- فألقاه من يده على الأرض فكسره فبطل أمره. و أما القضيب الزمرد فان صلاح الدين كسره ثلاث فلق فقسمه بين نسائه، و قسم بين الأمراء شيئا كثيرا من قطع البلخش و الياقوت و الذهب و الفضة و الأثاث و الأمتعة و غير ذلك، ثم باع ما فضل عن ذلك و جمع عليه أعيان التجار، فاستمر البيع فيما بقي هنالك من الأثاث و الأمتعة نحوا من عشر سنين، و أرسل إلى الخليفة ببغداد من ذلك هدايا سنية نفيسة، و كذلك إلى الملك نور الدين، أرسل إليه من ذلك جانبا كثيرا صالحا، و لم يدخر لنفسه شيئا مما حصل له من الأموال، بل كان يعطى ذلك من حوله من الأمراء و غيرهم، فكان مما أرسله إلى نور الدين ثلاث قطع بلخش زنة الواحدة إحدى و ثلاثون مثقالا، و الأخرى ثمانية عشر مثقالا، و الثالثة عشرة مثاقيل، و قيل أكثر مع لآلئ كثيرة، و ستون ألف دينار، و عطر لم يسمع بمثله، و من ذلك حمارة و فيل عظيم جدا، فأرسلت الحمارة إلى الخليفة في جملة هدايا. قال ابن أبى طى: و وجد خزانة كتب ليس لها في مدائن الإسلام نظير، تشتمل على ألفى ألف مجلد، قال و من عجائب ذلك أنه كان بها ألف و مائتان و عشرون نسخة من تاريخ الطبري، و كذا قال العماد الكاتب: كانت الكتب قريبة من مائة و عشرين ألف مجلد. و قال ابن الأثير: كان فيها من الكتب بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد، و قد تسلمها القاضي الفاضل، فأخذ منها شيئا كثيرا مما اختاره و انتخبه، قال و قسم القصر الشمالي بين الأمراء فسكنوه، و أسكن أباه نجم الدين أيوب في قصر عظيم على الخليج، يقال له اللؤلؤة، الّذي فيه بستان الكافوري‏

267

و أسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمى إلى الفاطميين، و لا يلقى أحد من الأتراك أحدا من أولئك الذين كانوا بها من الأكابر إلا شلحوه ثيابه و نهبوا داره، حتى تمزق كثير منهم في البلاد، و تفرقوا شذر مذر و صاروا أيدي سبا.

و قد كانت مدة ملك الفاطميين مائتين و ثمانين سنة و كسرا، فصاروا كأمس الذاهب كأن لم يغنوا فيها. و كان أول من ملك منهم المهدي، و كان من سلمية حدادا اسمه عبيد، و كان يهوديا، فدخل بلاد المغرب و تسمى بعبيد اللَّه، و ادعى أنه شريف علوي فاطمي، و قال عن نفسه إنه المهدي كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء و الأئمة بعد الأربعمائة كما قد بسطنا ذلك فيما تقدم، و المقصود أن هذا الدعي الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، و وازره جماعة من الجهلة، و صارت له دولة و صولة، ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية نسبة إليه، و صار ملكا مطاعا، يظهر الرفض و ينطوى على الكفر المحض، ثم كان من بعده ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد، و هو أول من دخل ديار مصر منهم، و بنيت له القاهرة المعزية و القصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الطاهر على، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلى أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إسماعيل، ثم الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبد اللَّه و هو آخرهم، فجملتهم أربعة عشر ملكا، و مدتهم مائتان و نيف و ثمانون سنة، و كذلك عدة خلفاء بنى أمية أربعة عشر أيضا، و لكن كانت مدتهم نيفا و ثمانين سنة، و قد نظمت أسماء هؤلاء و هؤلاء بأرجوزة تابعة لأرجوزة بنى العباس عند انقضاء دولتهم ببغداد، في سنة ست و خمسين و ستمائة، كما سيأتي. و قد كان الفاطميون أغنى الخلفاء و أكثرهم مالا، و كانوا من أغنى الخلفاء و أجبرهم و أظلمهم، و أنجس الملوك سيرة، و أخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع و المنكرات و كثر أهل الفساد و قل عندهم الصالحون من العلماء و العباد، و كثر بأرض الشام النصرانية و الدرزية و الحشيشية، و تغلب الفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس و نابلس و عجلون و الغور و بلاد غزة و عسقلان و كرك الشوبك و طبرية و بانياس و صور و عكا و صيدا و بيروت و صفد و طرابلس و أنطاكية و جميع ما والى ذلك، إلى بلاد إياس و سيس، و استحوذوا عل بلاد آمد و الرها و رأس العين و بلاد شتى غير ذلك، و قتلوا من المسلمين خلقا و أمما لا يحصيهم إلا اللَّه، و سبوا ذراري المسلمين من النساء و الولدان مما لا يحد و لا يوصف، و كل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها و صارت دار إسلام، و أخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد و لا يوصف، و كادوا أن يتغلبوا أن يتغلبوا على دمشق و لكن اللَّه سلم، و حين زالت أيامهم و انتقض إبرامهم أعاد اللَّه عز و جل هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله و قوته و جوده و رحمته، و قد قال الشاعر المعروف عرقلة:

268

أصبح الملك بعد آل على* * * مشرقا بالملوك من آل شادى‏

و غدا الشرق يحسد الغرب* * * للقوم فمصر تزهو على بغداد

ما حووها إلا بعزم و حزم* * * و صليل الفولاذ في الأكباد

لا كفرعون و العزيز و من* * * كان بها كالخطيب و الأستاد

قال أبو شامة: يعنى بالأستاد كأنه نور الإخشيدي، و قوله آل على يعنى الفاطميين على زعمهم و لم يكونوا فاطميين، و إنما كانوا ينسبون إلى عبيد، و كان اسمه سعيدا، و كان يهوديا حدادا بسلمية، ثم ذكر ما ذكرناه من كلام الأئمة فيهم و طعنهم في نسبهم. قال و قد استقصيت الكلام في مختصر تاريخ دمشق في ترجمة عبد الرحمن بن إلياس، ثم ذكر في الروضتين في هذا الموضع أشياء كثيرة في غضون ما سقته من قبائحهم، و ما كانوا يجهرون به في بعض الأحيان من الكفريات، و قد تقدم من ذلك شي‏ء كثير في تراجمهم، قال أبو شامة: و قد أفردت كتابا سميته «كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر و الكذب و المكر و الكيد» و كذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبا كثيرة، من أجل ما وضع في ذلك كتاب القاضي أبو بكر الباقلاني، الّذي سماه «كشف الأسرار و هتك الأستار» و ما أحسن ما قاله بعض الشعراء في بنى أيوب يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر:

أبدتم من بلى دولة الكفر من* * * بنى عبيد بمصر إن هذا هو الفضل‏

زنادقة شيعية باطنية* * * مجوس و ما في الصالحين لهم أصل‏

يسرون كفرا يظهرون تشيعا* * * ليستروا سابور عمهم الجهل‏

و فيها أسقط الملك صلاح الدين عن أهل مصر المكوس و الضرائب، و قرئ المنشور بذلك على رءوس الأشهاد يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث صفر. و فيها حصلت نفرة بين نور الدين و صلاح الدين، و ذلك أن نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الفرنج في السواحل فأحل بهم بأسا شديدا، و قرر في أنفسهم منه نقمة و وعيدا، ثم عزم على محاصرة الكرك و كتب إلى صلاح الدين يلتقيه بالعساكر المصرية إلى بلاد الكرك، ليجتمعا هنالك و يتفقا على المصالح التي يعود نفعها على المسلمين، فتوهم من ذلك صلاح الدين و خاف أن يكون لهذا الأمر غائلة يزول بها ما حصل له من التمكن من بلاد مصر، و لكنه مع ذلك ركب في جيشه من مصر لأجل امتثال المرسوم، فسار أياما، ثم كرّ راجعا معتلا بقلة الظهر، و الخوف على اختلال الأمور إذا بعد عن مصر و اشتغل عنها، و أرسل يعتذر إلى نور الدين. فوقع في نفسه منه، و اشتد غضبه عليه، و عزم على الدخول إلى مصر و انتزاعها من صلاح الدين و توليتها غيره، و لما بلغ هذا الخبر صلاح الدين ضاق بذلك ذرعه، و ذكر ذلك بحضرة الأمراء و الكبراء، فبادر ابن أخيه تقى الدين عمر و قال: و اللَّه لو قصدنا نور الدين لنقاتلنه، فشتمه الأمير

269

نجم الدين أيوب والد صلاح الدين و سبه و أسكته، ثم قال لابنه: اسمع ما أقول لك، و اللَّه ما هاهنا أحد أشفق عليك منى و من خالك هذا- يعنى شهاب الدين الحارمى- و لو رأينا نور الدين لبادرنا إليه و لقبلنا الأرض بين يديه، و كذلك بقية الأمراء و الجيش، و لو كتب إلى أن أبعثك إليه مع نجاب لفعلت، ثم أمر من هنالك بالانصراف و الذهاب، فلما خلى بابنه قال له: أ ما لك عقل؟ تذكر مثل هذا بحضرة هؤلاء فيقول عمر مثل هذا الكلام فتقره عليه، فلا يبقى عند نور الدين أهم من قصدك و قتالك و خراب ديارنا، و أعمارنا، و لو قد رأى الجيش كلهم نور الدين لم يبق معك واحد منهم، و لذهبوا كلهم إليه، و لكن ابعث اليه و ترفق له و تواضع عنده، و قل له: و أي حاجة إلى مجي‏ء مولانا السلطان إلى قتالي؟ ابعث إلى بنجاب أو جمال حتى أجي‏ء معه إلى بين يديك. فبعث إليه بذلك فلما سمع نور الدين مثل هذا الكلام لان قلبه له، و انصرفت همته عنه، و اشتغل بغيره، و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا.

و فيها اتخذ نور الدين الحمام الهوادي، و ذلك لامتداد مملكته و اتساعها، فإنه ملك من حد النوبة إلى همذان لا يتخللها إلا بلاد الفرنج، و كلهم تحت قهره و هدنته، و لذلك اتخذ في كل قلعة و حصن الحمام التي يحمل الرسائل إلى الآفاق في أسرع مدة، و أيسر عدة، و ما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل الحمام ملائكة الملوك، و قد أطنب ذلك العماد الكاتب، و أطرب و أعجب و أغرب.

و ممن توفى فيها من الأعيان.

عبد اللَّه بن أحمد

ابن أحمد بن أحمد أبو محمد بن الخشاب، قرأ القرآن و سمع الحديث، و اشتغل بالنحو حتى ساد أهل زمانه فيهما، و شرح الجمل لعبد القاهر [الجرجاني‏]، و كان رجلا صالحا متطوعا، و هذا نادر في النحاة، توفى في شعبان من هذه السنة و دفن قريبا من الامام أحمد، و رئي في المنام فقيل له ما فعل اللَّه بك؟

فقال غفر لى و أدخلنى الجنة إلا أنه أعرض عنى و عن جماعة من العلماء تركوا العمل و اشتغلوا بالقول، قال ابن خلكان: كان مطرحا للكلفة في مأكله و ملبسه، و كان لا يبالي بمن شرق أو غرب.

محمد بن محمد بن محمد

أبو المظفر الدوي، تفقه على محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، و ناظر و وعظ ببغداد، و كان يظهر مذهب الأشعري، و يتكلم في الحنابلة مات في رمضان منها.

ناصر بن الجونى الصوفي‏

كان يمشى في طلب الحديث حافيا، توفى ببغداد. قال أبو شامة: و فيها توفى.

نصر اللَّه [بن عبد اللَّه‏] أبو الفتوح‏

الإسكندري المعروف بابن قلاقس الشاعر بعيذاب، توفى عن خمس و أربعين سنة.

270

و الشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي، نزيل الموصل المقري النحويّ، قال: و فيها ولد العزيز و الظاهر ابنا صلاح الدين، و المنصور محمد بن تقى الدين عمر.

ثم دخلت سنة ثمان و ستين و خمسمائة

فيها أرسل نور الدين إلى صلاح الدين- و كان الرسول الموفق خالد بن القيسراني- ليقيم حساب الديار المصرية، و ذلك لأن نور الدين استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد، و مقصوده أن يقرر على الديار المصرية خراجا منها في كل عام. و فيها حاصر صلاح الدين الكرك و الشوبك فضيق على أهلها، و خرب أماكن كثيرة من معاملاتها، و لكن لم يظفر بها عامه ذلك. و فيها اجتمعت الفرنج بالشام لقصد زرع [ (1)]، فوصلوا إلى سمسكين فبرز إليهم نور الدين فهربوا منه إلى الغور، ثم إلى السواد، ثم إلى الشلالة، فبعث سرية إلى طبرية فعاثوا هنالك و سبوا و قتلوا و غنموا و عادوا سالمين، و رجع الفرنج خائبين. و فيها أرسل السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة نور شاه إلى بلاد النوبة فافتتحها، و استحوذ على معقلها و هو حصن يقال له إبريم، و لما رآها بلدة قليلة الجدوى لا يفى خراجها بكلفتها، استخلف على الحصن المذكور رجلا من الأكراد يقال له إبراهيم، فجعله مقدما مقررا بحصن إبريم، و انضاف إليه جماعة من الأكراد البطالين، فكثرت أموالهم و حسنت أحوالهم هنالك و شنوا الغارات و حصلوا على الغنائم.

و فيها كانت وفاة الأمير نجم الدين أيوب بن شادى والد صلاح الدين، سقط عن فرسه فمات و سنأتي على ترجمته في الوفيات. و فيها سار الملك نور الدين إلى بلاد عز الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج أرسلان بن سليمان السلجوقي، و أصلح ما وجده فيها من الخلل. ثم سار فافتتح مرعش و بهسنا، و عمل في كل منهما بالحسنى. قال العماد: و فيها وصل الفقيه الامام الكبير قطب الدين النيسابورىّ، و هو فقيه عصره و نسيج وحده، فسر به نور الدين و أنزله بحلب بمدرسة باب العراق، ثم أتى به إلى دمشق فدرس بزاوية جامع الغربية المعروفة بالشيخ نصر المقدسي، ثم نزل بمدرسة الحاروق، ثم شرع نور الدين بإنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك. قال أبو شامة: و هي العادلية الكبيرة التي عمرها بعد ذلك الملك العادل أبو بكر بن أيوب. و فيها رجع شهاب الدين بن أبى عصرون من بغداد و قد أدى الرسالة بالخطبة العباسية بالديار المصرية، و معه توقيع من الخلافة باقطاع درب هارون و صريفين لنور الدين، و قد كانتا قديما لأبيه عماد الدين زنكي، فأراد نور الدين أن ينشئ ببغداد مدرسة على حافة الدجلة، و يجعل هذين المكانين وقفا عليها فعاقه القدر عن ذلك. و فيها وقعت بناحية خوارزم حروب كثيرة بين سلطان شاه و بين أعدائه، استقصاها ابن الأثير و ابن الساعي.

____________

[ (1)] كذا في الأصل. و في ابن الأثير: قصدوا بلاد حوران من أعمال دمشق.

271

و فيها هزم ملك الأرمن مليح بن ليون عساكر الروم، و غنم منهم شيئا كثيرا، و بعث إلى نور الدين بأموال كثيرة، و ثلاثين رأسا من رءوس كبارهم، فأرسلها نور الدين إلى الخليفة المستضي‏ء. و فيها بعث صلاح الدين سرية صحبه قراقرش مملوك تقى الدين عمر ابن شاهنشاه إلى بلاد إفريقية، فملكوا طائفة كثيرة منها، من ذلك مدينة طرابلس الغرب و عدة مدن معها.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

إيلدكز التركي الاتابكى‏

صاحب أذربيجان و غيرها، كان مملوكا للكمال السميرمى، وزير السلطان محمود، ثم علا أمره و تمكن و ملك بلاد أذربيجان و بلاد الجبل و غيرها، و كان عادلا منصفا شجاعا محسنا إلى الرعية، توفى بهمدان‏

الأمير نجم الدين أبو الشكر أيوب بن شادى‏

ابن مروان، زاد بعضهم بعد مروان بن يعقوب، و الّذي عليه جمهورهم أنه لا يعرف بعد شادى أحد في نسبهم، و أغرب بعضهم و زعم أنهم من سلالة مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، و هذا ليس بصحيح، و الّذي نسب اليه ادعاء هذا هو أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شادى و يعرف بابن سيف الإسلام، و قد ملك اليمن بعد أبيه فتعاظم في نفسه و ادعى الخلافة و تلقب بالإمام الهادي بنور اللَّه و لهجوا بذلك و قال هو في ذلك:

و أنا الهادي الخليفة و الّذي* * * أدوس رقاب الغلب بالضمر الجرد

و لا بد من بغداد أطوى ربوعها* * * و أنشرها نشر الشماس على البرد

و أنصب أعلامى على شرفاتها* * * و أحيى بها ما كان أسّسه جدي‏

و يخطب لي فيها على كل منبر* * * و أظهر أمر اللَّه في الغور و النجد

و ما ادعاه ليس بصحيح، و لا أصل له يعتمد عليه، و لا مستند يستند إليه، و المقصود أن الأمير نجم الدين كان أسن من أخيه أسد الدين شيركوه، ولد بأرض الموصل، كان الأمير نجم الدين شجاعا، خدم الملك محمد بن ملك شاه فرأى فيه شهامة و أمانة، فولاه قلعة تكريت، فحكم فيها فعدل، و كان من أكرم الناس، ثم أقطعها الملك مسعود لمجاهد الدين نهروز شحنة العراق، فاستمر فيها، فاجتاز به في بعض الأحيان الملك عماد الدين زنكي منهزما من قراجا الساقي فآواه و خدمه خدمة بالغة تامة، و داوى جراحاته و أقام عنده مدة خمسة عشر يوما، ثم ارتحل إلى بلده الموصل، ثم اتفق أن نجم الدين أيوب عاقب رجلا نصرانيا فقتله، و قيل إنما قتله أخوه أسد الدين شيركوه، و هذا بخلاف الّذي ذكره ابن خلكان، فإنه قال: رجعت جارية من بعض الخدم فذكرت له أنه تعرض لها اسفهسلار الّذي بباب القلعة، فخرج إليه أسد الدين فطعنه بحربة فقتله، فحبسه أخوه نجم الدين و كتب إلى مجاهد الدين نهروز يخبره بصورة الحال، فكتب إليه يقول: إن أباكما كانت‏

272

له عليّ خدمة، و كان قد استنابه في هذه القلعة قبل ابنه نجم الدين أيوب، و إني أكره أن أسوأ كما، و لكن انتقلا منها. فأخرجهما نهروز من قلعته. و في ليلة خروجه منها ولد له الملك الناصر صلاح الدين يوسف. قال فتشاءمت به لفقدى بلدي و وطني، فقال له بعض الناس: قد نرى ما أنت فيه من التشاؤم بهذا المولود فما يؤمنك أن يكون هذا المولود ملكا عظيما له صيت؟ فكان كما قال، فاتصلا بخدمة الملك عماد الدين زنكي أبى نور الدين، ثم كانا عند نور الدين متقدمان عنده، و ارتفعت منزلتهما و عظما، فاستناب نور الدين نجم الدين أيوب على بعلبكّ، و كان أسد الدين من أكبر أمرائه، و لما تسلم بعلبكّ أقام مدة طويلة، و ولد له فيها أكثر أولاده، ثم كان من أمره ما ذكرناه في دخوله الديار المصرية. ثم إنه في ذي الحجة سقط عن فرسه فمات بعد ثمانية أيام في اليوم السابع و العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، و كان ابنه صلاح الدين محاصر الكرك غائبا عنه، فلما بلغه خبر موته تألم لغيبته عن حضوره، و أرسل يتحرق و يتحزن، و أنشد:

و تخطفه يد الردى في غيبتي* * * هبنى حضرت، فكنت ما ذا أصنع؟

و قد كان نجم الدين أيوب كثير الصلاة و الصدقة و الصيام، كريم النفس جوادا ممدحا. قال ابن خلكان: و له خانقاه بالديار المصرية، و مسجد و قناة خارج باب النصر من القاهرة، وقفها في سنة ست و ستين. قلت: و له بدمشق خانقاه أيضا، تعرف بالنجمية، و قد استنابه ابنه على الديار المصرية حين خرج إلى الكرك، و حكمه في الخزائن، و كان من أكرم الناس، و قد امتدحه الشعراء كالعماد و غيره و رثوه بمراث كثيرة، و قد ذكر ذلك مستقصى الشيخ أبو شامة في الروضتين، و دفن مع أخيه أسد الدين بدار الامارة، ثم نقلا إلى المدينة النبويّة في سنة ثمانين، فدفنا بتربة الوزير جمال الدين الموصلي، الّذي كان مواخيا لأسد الدين شيركوه، و هو الجمال المتقدم ذكره، الّذي ليس بين تربته و مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا مقدار سبعة عشر ذراعا، فدفنا عنده. قال أبو شامة: و في هذه السنة توفى ملك الرافضة و النحاة.

الحسن بن ضافى بن بزدن التركي‏

كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، و لكنه كان رافضيا خبيثا متعصبا للروافض، و كانوا في خفارته و جاهه، حتى أراح اللَّه المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، و دفن بداره ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد و المنة. و حين مات فرح أهل السنة بموته فرحا شديدا، و أظهروا الشكر للَّه، فلا تجد أحدا منهم إلا بحمد اللَّه، فغضب الشيعة من ذلك، و نشأت بينهم فتنة بسبب ذلك.

و ذكر ابن الساعي في تاريخه أنه كان في صغره شابا حسنا مليحا معشوقا للأكابر من الناس. قال و لشيخنا أبى اليمن الكندي فيه، و قد رمدت عينه:

273

بكل صباح لي و كل عشية* * * وقوف على أبوابكم و سلام‏

و قد قيل لي يشكو سقاما بعينه* * * فها نحن منها نشتكى و نضام‏

ثم دخلت سنة تسع و ستين و خمسمائة

قال ابن الجوزي في المنتظم: إنه سقط عندهم ببغداد برد كبار كالنارنج، و منه ما وزنه سبعة أرطال، ثم أعقب ذلك سيل عظيم، و زيادة عظيمة في دجلة، لم يعهد مثلها أصلا، فخرب أشياء كثيرة من العمران و القرى و المزارع، حتى القبور، و خرج الناس إلى الصحراء، و كثر الضجيج و الابتهال إلى اللَّه حتى فرج اللَّه عز و جل، و تناقصت زيادة الماء بحمد اللَّه و منّه، قال: و أما الموصل فإنه كان بها نحو ما كان ببغداد و انهدم بالماء نحو من ألفى دار، و استهدم بسببه مثل ذلك، و هلك تحت الردم خلق كثير، و كذلك الفرات زادت زيادة عظيمة، فهلك بسببها شي‏ء كثير من القرى، و غلت الأسعار بالعراق في هذه السنة في الزروع و الثمار، و وقع الموت في الغنم، و أصيب كثير ممن أكل منها بالعراق و غيرها. قال ابن الساعي: و في شوال منها توالت الأمطار بديار بكر و الموصل أربعين يوما و ليلة لم يروا الشمس سوى مرتين لحظتين يسيرتين، ثم تستتر بالغيوم، فتهدمت بيوت كثيرة، و مساكن على أهلها، و زادت الدجلة بسبب ذلك زيادة عظيمة، و غرق كثير من مساكن بغداد و الموصل، ثم تناقص الماء باذن اللَّه. قال ابن الجوزي: و في رجب وصل ابن الشهرزوري من عند نور الدين و معه ثياب مصرية، و حمارة ملونة جلدها مخطط مثل الثوب العتابى. و فيها عزل ابن الشامي عن تدريس النظامية و وليها أبو الخير القزويني. قال: و في جمادى الآخرة اعتقل المجير الفقيه و نسب إلى الزندقة و الانحلال و ترك الصلاة و الصوم، فغضب له ناس و زكوه و أخرج، و ذكر أنه وعظ بالحدثية فاجتمع عنده قريبا من ثلاثين ألفا. قال ابن الساعي: و فيها سقط أحمد بن أمير المؤمنين المستضي‏ء من قبة شاهقة إلى الأرض فسلم، و لكن نبت يده اليمنى و ساعده اليسرى، و انسلخ شي‏ء من أنفه، و كان معه خادم أسود يقال له نجاح، فلما رأى سيده قد سقط ألقى هو نفسه أيضا خلفه، و قال: لا حاجة لي في الحياة بعده، فسلم أيضا، فلما صارت الخلافة إلى أبى العباس الناصر- و هو هذا الّذي قد سقط- لم ينسها لنجاح هذا، فحكمه في الدولة و أحسن إليه، و قد كانا صغيرين لما سقطا. و فيها سار الملك نور الدين نحو بلاد الروم و في خدمته الجيش و ملك الأرمن و صاحب ملطية، و خلق من الملوك و الأمراء، و افتتح عدة من حصونهم، و حاصر قلعة الروم فصالحه صاحبها بخمسين ألف دينار جزية، ثم عاد إلى حلب و قد وجد النجاح في كل ما طلب، ثم أتى دمشق مسرورا محبورا. و فيها كان فتح بلاد اليمن للملك صلاح الدين، و كان سبب ذلك أن صلاح الدين بلغه أن بها رجلا يقال له عبد النبي بن مهدي، و قد تغلب عليها و دعا إلى نفسه و تسمى بالإمام، و زعم أنه‏

274

سيملك الأرض كلها، و قد كان أخوه على بن مهدي قد تغلب قبله عليها، و انتزعها من أيدي أهل زبيد، و مات سنة ستين فملكها بعده أخوه هذا، و كل منهما كان سي‏ء السيرة و السريرة، فعزم صلاح الدين لكثرة جيشه و قوته على إرسال سرية إليه، و كان أخوه الأكبر شمس الدولة شجاعا مهيبا بطلا و كان ممن يجالس عمارة اليمنى الشاعر، و كان عمارة ينعت له بلاد اليمن و حسنها و كثرة خيرها، فحداه ذلك على أن خرج في تلك السرية في رجب من هذه السنة، فورد مكة فاعتمر بها ثم سار منها إلى زبيد، فخرج إليه عبد النبي فقاتله فهزمه توران شاه، و أسره و أسر زوجته الحرة، و كانت ذات أموال جزيلة فاستقرها على أشياء جزيلة، و ذخائر جليلة، و نهب الجيش زبيد، ثم توجه إلى عدن فقاتله ياسر ملكها فهزمه و أسره، و أخذ البلد بيسير من الحصار، و منع الجيش من نهبها، و قال ما جئنا لنخرب البلاد، و إنما جئنا لعمارتها و ملكها، ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة فأحبوه، ثم تسلم بقية الحصون و المعاقل و المخالف، و استوسق له ملك اليمن بحذافيره و ألقى إليه أفلاذ كبده و مطاميره، و خطب للخليفة العباسي المستضي‏ء، و قتل الدعي المسمى بعبد النبي، و صفت اليمن من أكدارها، و عادت إلى ما سبق من مضمارها، و كتب بذلك إلى أخيه الملك الناصر يخبره بما فتح اللَّه عليه، و أحسن إليه، فكتب الملك صلاح الدين بذلك إلى نور الدين، فأرسل نور الدين بذلك إلى الخليفة يبشره بفتح اليمن و الخطبة بها له. و فيها خرج الموفق خالد بن القيسراني من الديار المصرية، و قد أقام بها الملك الناصر حساب الديار المصرية و ما خرج من الحواصل حسب ما رسم به الملك نور الدين كما تقدم، و قد كاد صلاح الدين لما جاءته الرسالة بذلك يظهر شق العصا و يواجه بالمخالفة و الاباء، لكنه عاد إلى طباعه الحسنة و أظهر الطاعة المستحسنة، و أمر بكتابة الحساب و تحرير الكتاب و الجواب، فبادر إلى ذلك جماعة الدواوين و الحساب و الكتاب، و بعث مع ابن القيسراني بهدية سنية و تحف هائلة هنية، فمن ذلك خمس ختمات شريفات مغطات بخطوط مستويات، و مائة عقد من الجواهر النفيسات، خارجا عن قطع البلخش و اليواقيت، و الفصوص و الثياب الفاخرات، و الأواني و الأباريق و الصحاف الذهبيات و الفضيات، و الخيول المسومات، و الغلمان و الجواري الحسان و الحسنات، و من الذهب عشرة صناديق مقفلات مختومات، مما لا يدرى كم فيها من مئين ألوف و مئات، من الذهب المصري المعد للنفقات. فلما فصلت العير من الديار المصرية لم تصل إلى الشام حتى أن نور الدين مات (رحمه اللَّه) رب الأرضين و السموات، فأرسل صلاح الدين من ردها إليه و أعادها عليه، و يقال إن منها ما عدي عليه و علم بذلك حين وضعت بين يديه.

مقتل عمارة بن أبى الحسن‏

ابن زيدان الحكمي من قحطان، أبو محمد الملقب بنجم الدين اليمنى الفقيه الشاعر الشافعيّ،

275

و سبب قتله أنه اجتمع جماعة من رءوس الدولة الفاطمية الذين كانوا فيها حكاما فاتفقوا بينهم أن يردوا الدولة الفاطمية، فكتبوا إلى الفرنج يستدعونهم إليهم، و عينوا خليفة من الفاطميين، و وزيرا و أمراء و ذلك في غيبة السلطان ببلاد الكرك، ثم اتفق مجيئه فحرض عمارة اليمنى شمس الدولة توران شاه على المسير إلى اليمن ليضعف بذلك الجيش عن مقاومة الفرنج، إذا قدموا لنصرة الفاطميين، فخرج توران شاه و لم يخرج معه عمارة، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث، و يداخل المتكلمين فيه و يصافيهم، و كان من أكابر الدعاة إليه و المحرضين عليه، و قد أدخلوا معهم فيه بعض من ينسب إلى صلاح الدين، و ذلك من قلة عقولهم و تعجيل دمارهم، فخانهم أحوج ما كانوا إليه و هو الشيخ زين الدين على بن نجا الواعظ، فإنه أخبر السلطان بما تمالئوا و تعاقدوا عليه، فأطلق له السلطان أموالا جزيلة، و أفاض عليه حللا جميلة، ثم استدعاهم السلطان واحدا واحدا فقررهم فأقروا بذلك، فاعتقلهم ثم استفتى الفقهاء في أمرهم فأفتوه بقتلهم، ثم عند ذلك أمر بقتل رءوسهم و أعيانهم، دون أتباعهم و غلمانهم، و أمر بنفي من بقي من جيش العبيدين إلى أقصى البلاد، و أفرد ذرية العاضد و أهل بيته في دار، فلا يصل إليهم إصلاح و لا إفساد، و أجرى عليهم ما يليق بهم من الأرزاق و الثياب، و كان عمارة معاديا للقاضي الفاضل، فلما حضر عمارة بين يدي السلطان قام القاضي الفاضل إلى السلطان ليشفع فيه عنده فتوهم عمارة أنه يتكلم فيه، فقال: يا مولانا السلطان لا تسمع منه، فغضب الفاضل و خرج من القصر، فقال له السلطان: إنه إنما كان يشفع فيك، فندم ندما عظيما. و لما ذهب به ليصلب مر بدار الفاضل فطلبه فتغيب عنه فأنشد:

عبد الرحيم قد احتجب* * * إن الخلاص هو العجب‏

قال ابن أبى طى: و كان الذين صلبوا الفضل بن الكامل القاضي، و هو أبو القاسم هبة اللَّه بن عبد اللَّه بن كامل قاضى قضاة الديار المصرية زمن الفاطميين، و يلقب بفخر الأمناء، فكان أول من صلب فيما قاله العماد، و قد كان ينسب إلى فضيلة و أدب، و له شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفاء

يا رافيا خرق كل ثوب* * * و ما رفا حبه اعتقادي‏

عسى بكف الوصال ترفو* * * ما مزق الهجر من فؤادي‏

و ابن عبد القوى داعي الدعاة، و كان يعلم بدفائن القصر فعوقب ليدل عليها، فامتنع من ذلك فمات و اندرست. و العويرس و هو ناظر الديوان، و تولى مع ذلك القضاء. و شبريا و هو كاتب السر.

و عبد الصمد الكاتب و هو أحد أمراء المصريين، و نجاح الحمامي و منجم نصراني كان قد بشرهم بأن هذا الأمر يتم بعلم النجوم.

276

و عمارة اليمنى الشاعر

و كان عمارة شاعرا مطيقا بليغا فصيحا، لا يلحق شأوه في هذا الشأن، و له ديوان شعر مشهور و قد ذكرته في طبقات الشافعية لأنه كان يشتغل بمذهب الشافعيّ، و له مصنف في الفرائض، و كتاب الوزراء الفاطميين، و كتاب جمع سيرة نفيسة التي كان يعتقدها عوام مصر، و قد كان أديبا فاضلا فقيها، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين، و له فيهم و في وزرائهم و أمرائهم مدائح كثيرة جدا و أقل ما كان ينسب إلى الرفض، و قد اتهم بالزندقة و الكفر المحض، و ذكر العماد في الجريدة أنه قال في قصيدته التي يقول في أولها:

العلم مذ كان محتاج إلى العلم* * * و شفرة السيف تستغني عن القلم‏

و هي طويلة جدا، فيها كفر و زندقة كثيرة. قال و فيها:

قد كان أول هذا الدين من رجل* * * سعى إلى أن دعوه سيد الأمم‏

قال العماد فأفتى أهل العلم من أهل مصر بقتله، و حرضوا السلطان على المثلة به و بمثله، قال و يجوز أن يكون هذا البيت معمولا عليه و اللَّه أعلم. و قد أورد ابن الساعي شيئا من رقيق شعره فمن ذلك قوله يمدح بعض الملوك:

إذا قابلت بشرى جبينه* * * فارقته و البشر فوق جبيني‏

و إذا لثمت يمينه و خرجت من* * * بابه لثم الملوك يميني‏

و من ذلك قوله:

لي في هوى الرشا العذري إعذار* * * لم يبق لي مدا قسر الدمع إنكار

لي في القدود و في لثم الخدود* * * و في ضم النهود لبانات و أوطار

هذا اختياري فوافق إن رضيت به* * * و إلا فدعني لما أهوى و أختار

و مما أنشده الكندي في عمارة اليمنى حين صلب:

عمارة في الإسلام أبدى جناية* * * و بايع فيها بيعة و صليبا

و أمسى شريك الشرك في بعض أحمد* * * و أصبح في حب الصليب صليبا

سيلقى غدا ما كان يسعى لنفسه* * * و يسقى صديدا في لظى و صليبا

قال الشيخ أبو شامة: فالأول صليب النصارى، و الثاني بمعنى مصلوب، و الثالث بمعنى القوى، و الرابع ودك العظام. و لما صلب الملك الناصر هؤلاء يوم السبت الثاني من شهر رمضان من هذه السنة بين القصرين من القاهرة، كتب إلى الملك نور الدين يعلمه بما وقع منهم و بهم من الخزي و النكال، قال العماد: فوصل الكتاب بذلك يوم توفى الملك نور الدين (رحمه اللَّه تعالى)،

277

و كذلك قتل صلاح الدين رجلا من أهل الاسكندرية يقال له قديد القفاجى، كان قد افتتن به الناس، و جعلوا له جزءا من أكسابهم، حتى النساء من أموالهن، فأحيط به فأراد القفاجى الخلاص و لات حين مناص، فقتل أسوة فيمن سلف، و مما وجد من شعر عمارة يرثى العاضد و دولته و أيامه.

أسفى على زمان الامام العاضد* * * أسف العقيم على فراق الواحد

لهفي على حجرات قصرك إذ خلت* * * يا ابن النبي من ازدحام الوافد

و على انفرادك من عساكرك التي* * * كانوا كأمواج الخضم الراكد

قلدت مؤتمن أمرهم فكبا* * * و قصر عن صلاح الفاسد

فعسى الليالي أن ترد إليكم* * * ما عودتكم من جميل عوائد

و له من جملة قصيدة:

يا عاذلى في هوى أبناء فاطمة* * * لك الملامة إن قصرت في عذلى‏

باللَّه زر ساحة القصرين و ابك معى* * * لا على صفين [البكا] و لا الجمل‏

و قل لاهلهما و اللَّه ما التحمت* * * فيكم قروحى و لا جرحى بمندمل‏

ما ذا ترى كانت الافرنج فاعلة* * * في نسل ابني أمير المؤمنين على‏

و قد أورد له الشيخ أبو شامة في الروضتين أشعارا كثيرة من مدائحه في الفاطميين، و كذا ابن خلكان.

ابن قسرول‏

صاحب كتاب مطالع الأنوار، وضعه على كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض، و كان من علماء بلاده و فضلائهم المشهورين، مات فجأة بعد صلاة الجمعة سادس شوال منها عن أربع و ستين سنة قاله ابن خلكان و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

فصل «في وفاة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر التركي السلجوقي في هذه السنة و ذكر شي‏ء من سيرته العادلة الكاملة»

هو الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن الملك الاتابك قسيم الدولة عماد الدين أبى سعيد زنكي الملقب بالشهيد بن الملك آقسنقر الاتابك الملقب بقسيم الدولة التركي السلجوقي مولاهم، ولد وقت طلوع الشمس من يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة و خمسمائة بحلب، و نشأ في كفالة والده صاحب حلب و الموصل و غيرهما من البلدان الكثيرة الكبيرة، و تعلم القرآن‏

278

و الفروسية و الرمي، و كان شهما شجاعا ذا همة عالية، و قصد صالح، و حرمة وافرة و ديانة بينة، فلما قتل أبوه سنة إحدى و أربعين و هو محاصر جعبر كما ذكرنا، صار الملك بحلب إلى ابنه نور الدين هذا، و أعطاه أخوه سيف الدين غازى الموصل، ثم تقدم، ثم افتتح دمشق في سنة تسع و أربعين فأحسن إلى أهلها و بنى لهم المدارس و المساجد و الربط، و وسع لهم الطرق على المارة، و بنى عليها الرصافات و وسع الأسواق، و وضع المكوس بدار الغنم و البطيخ و العرصة، و غير ذلك، و كان حنفي المذهب يحب العلماء و الفقراء و يكرمهم و يحترمهم، و يحسن إليهم، و كان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، و اتباع الشرع المطهر، و يعقد مجالس العدل و يتولاها بنفسه، و يجتمع إليه في ذلك القاضي و الفقهاء و المفتون من سائر المذاهب، و يجلس في يوم الثلاثاء بالمسجد المعلق، الّذي بالكشك، ليصل إليه كل واحد من المسلمين و أهل الذمة، حتى يساويهم، و أحاط السور على حارة اليهود، و كان خرابا، و أغلق باب كسان و فتح باب الفرج، و لم يكن هناك قبله باب بالكلية، و أظهر ببلاده السنة و أمات البدعة، و أمر بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح، و لم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه و جده، و إنما كان يؤذن بحي على خير العمل لأن شعار الرفض كان ظاهرا بها، و أقام الحدود و فتح الحصون، و كسر الفرنج مرارا عديدة، و استنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة، التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين، كما تقدم بسط ذلك في السنين المتقدمة، و أقطع العرب إقطاعات لئلا يتعرضوا للحجيج، و بنى بدمشق مارستانا لم يبن في الشام قبله مثله و لا بعده أيضا، و وقف وقفا على من يعلم الأيتام الخط و القراءة، و جعل لهم نفقة و كسوة، و على المجاورين بالحرمين و له أوقاف دارة على جميع أبواب الخير، و على الأرامل و المحاويج، و كان الجامع دائرا فولى نظره القاضي كمال الدين محمد بن عبد اللَّه الشهرزوريّ الموصلي، الّذي قدم به فولاه قضاء قضاة دمشق، فأصلح أموره و فتح المشاهد الأربعة، و قد كانت حواصل الجامع بها من حين احترقت في سنة إحدى و ستين و أربعمائة، و أضاف إلى أوقاف الجامع المعلومة الأوقاف التي لا يعرف واقفوها، و لا يعرف شروطهم فيها، و جعلها قلما واحدا، و سمى مال المصالح، و رتب عليه لذوي الحاجات و الفقراء و المساكين و الأرامل و الأيتام و ما أشبه ذلك. و قد كان (رحمه اللَّه) حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعا للآثار النبويّة، محافظا على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة محبا لفعل الخيرات، عفيف البطن و الفرج مقتصدا في الإنفاق على نفسه و عياله في المطعم و الملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز و لا استئثار بالدنيا، و لم يسمع منه كلمة فحش قط، في غضب و لا رضى، صموتا وقورا. قال ابن الأثير: لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، و لا أكثر تحريا للعدل و الإنصاف منه، و كانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم،

279

فكان يقتات منها، و زاد امرأته من كراها على نفقتها عليها، و استفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله و لا يزيد عليه شيئا، و لو مات جوعا، و كان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، و إنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر و الفر، و تعليمها ذلك، و نحن لا نترك الجهاد، و كان لا يلبس الحرير، و كان يأكل من كسب يده بسيفه و رمحه، و ركب يوما مع بعض أصحابه و الشمس في ظهورهما و الظل بين أيديهما بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما ثم ساق نور الدين فرسه سوقا عنيفا و ظله يتبعه، فقال لصاحبه: أ تدري ما شبهت هذا الّذي نحن فيه؟ شبهته بالدنيا تهرب ممن يطلبها، و تطلب من يهرب منها، و قد أنشد بعضهم في هذا المعنى:

مثل الرزق الّذي تطلبه* * * مثل الظل يمشى معك‏

أنت لا تدركه مستعجلا* * * فإذا وليت عنه تبعك‏

و كان فقيها على مذهب أبى حنيفة، و سمع الحديث و أسمعه، و كان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر إلى أن يركب:

جمع الشجاعة و الخشوع لديه* * * ما أحسن الشجعان في المحراب‏

و كذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الاتابك معين الدين تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت و هي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الّذي فوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، و أعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا، و جراية كثيرة

فألبس اللَّه هاتيك العظام و إن* * * بلين تحت الثرى عفوا و غفرانا

سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت* * * مثوى قبورهم روحا و ريحانا

و ذكر ابن الأثير أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر و يومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، و هو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين و أعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده، و أقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوريّ، و أرسل نور الدين إلى القاضي أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم، فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة و الحكومة، و لم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا و أدنانا شجنكية لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لشرعه‏

280

فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، و ما نهانا عنه اجتنبناه، و أنا أعلم أنه لاحق للرجل عندي، و مع هذا أشهدكم أنى قد ملكته ذلك الّذي ادعى به و وهبته له. قال ابن الأثير: و هو أول من ابتنى دارا للعدل، و كان يجلس فيها في الأسبوع مرتين، و قيل أربع مرات، و قيل خمس. و يحضر القاضي و الفقهاء من سائر المذاهب، و لا يحجبه يومئذ حاجب و لا غيره بل يصل إليه القوى و الضعيف، فكان يكلم الناس و يستفهمهم و يخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، و ينصف المظلوم من الظالم، و كان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شادى كان قد عظم شأنه عند نور الدين، حتى صار كأنه شريكه في المملكة، و اقتنى الأملاك و الأموال و المزارع و القرى، و كان ربما ظلم نوابه جيرانه في الأراضي و الأملاك العدل، و كان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه على جميع الأمراء إلا أسد الدين هذا فما كان يهجم عليه، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد الدين إلى نوابه أن لا يدعوا لأحد عنده ظلامة، و إن كانت عظيمة، فان زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم، أو يوقفه مع خصم من العامة، ففعلوا ذلك، فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة و لم ير أحدا يستعدى على أسد الدين، سأل القاضي عن ذلك فأعلمه بصورة الحال، فسجد نور الدين شكرا للَّه، و قال الحمد للَّه الّذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم.

و أما شجاعته فيقال: إنه لم ير على ظهر فرس قط أشجع و لا أثبت منه، و كان حسن اللعب بالكرة و كان ربما ضربها ثم يسوق وراءها و يأخذها من الهوى بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، و لم ير جوكانه يعلو على رأسه، و لا يرى الجو كان في يده، لأن الكم ساتر لها، و لكنه استهانة بلعب الكرة، و كان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب المثل به في ذلك، و كان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة فلم يتفق لي ذلك، و لو كان في خير ولى عند اللَّه قيمة لرزقنيها، و الأعمال بالنية. و قال له يوما قطب الدين النيسابورىّ: باللَّه يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، و أخذت البلاد، و فسد حال المسلمين. فقال: له اسكت يا قطب الدين فان قولك إساءة أدب على اللَّه، و من هو محمود؟ من كان يحفظ الدين و البلاد قبلي غير الّذي لا إله إلا هو؟ و من هو محمود؟ قال فبكى من كان حاضرا (رحمه اللَّه).

و قد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الافرنج فاستشار الأمراء فيه هل يقتله أو يأخذ ما يبذل له من المال؟ و كان قد بذل له في فداء نفسه مالا كثيرا، فاختلفوا عليه ثم حسن في رأيه إطلاقه و أخذ الفداء منه، فبعث إلى بلده من خلاصته من يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعا فأطلقه نور الدين، فحين وصل إلى بلاده مات ذلك الملك ببلده، فأعجب ذلك نور الدين و أصحابه، و بنى من ذلك المال المارستان الّذي بدمشق، و ليس له في البلاد نظير، و من شرطه أنه على الفقراء و المساكين‏

281

و إذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه فلا يمنع منه الأغنياء، و من جاء إليه فلا يمنع من شرابه، و لهذا جاء إليه نور الدين و شرب من شرابه (رحمه اللَّه).

قلت: و يقول بعض الناس إنه لم تخمد منه النار منذ بنى إلى زماننا هذا فاللَّه أعلم. و قد بنى الخانات الكثيرة في الطرقات و الأبراج، و رتب الخفراء في الأماكن المخوفة، و جعل فيها الحمام الهوادي التي تطلعه على الأخبار في أسرع مدة، و بنى الربط و الخانقات، و كان يجمع الفقهاء عنده و المشايخ و الصوفية و يكرمهم و يعظمهم، و كان يحب الصالحين، و قد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض الفقهاء، و هو قطب الدين النيسابورىّ، فقال له نور الدين: ويحك إن كان ما تقول حقا فله من الحسنات الكثيرة الماحية لذلك ما ليس عندك مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت إن كنت صادقا، على أنى و اللَّه لا أصدقك، و إن عدت ذكرته أو أحدا غيره عندي بسوء لأوذينك، فكف عنه و لم يذكره بعد ذلك. و قد ابتنى بدمشق دارا لاستماع الحديث و إسماعه. قال ابن الأثير: و هو أول من بنى دار حديث، و قد كان مهيبا وقورا شديد الهيبة في قلوب الأمراء، لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إلا باذنه، و لم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إذن سوى الأمير نجم الدين أيوب، و أما أسد الدين شيركوه و مجد الدين بن الداية نائب حلب، و غيرهما من الأكابر فكانوا يقفون بين يديه، و مع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له و مشى خطوات و أجلسه معه على سجادته في و قار و سكون، و إذا أعطى أحدا منهم شيئا مستكثرا يقول: هؤلاء جند اللَّه و بدعائهم ننصر على الأعداء، و لهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا.

و قد سمع عليه جزء حديث و فيه «فخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) متقلدا السيف» فجعل يتعجب من تغيير عادات الناس لما ثبت عنه عليه السلام، و كيف يربط الأجناد و الأمراء على أوساطهم و لا يفعلون كما فعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إلا متقلديها، ثم خرج هو في اليوم الثاني إلى الموكب و هو متقلد السيف و جميع الجيش كذلك، يريد بذلك الاقتداء برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ف(رحمه اللَّه).

و قص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه كأنه يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره بأن يكتب مناشير بوضع المكوس و الضرائب عن البلاد، و قال له هذا تأويل رؤياك. و كتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم، و يقول لهم إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة و الذّب عن بلادكم و نسائكم و أولادكم. و كتب بذلك إلى سائر ممالكه و بلدان سلطانه، و أمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار، و كان يقول في سجوده: اللَّهمّ ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب، و قيل إن برهان الدين البلخي أنكر على الملك نور الدين في استعانته في حروب الكفار بأموال المكوس، و قال له مرة: كيف تنصرون و في عساكركم‏

282

الخمور و الطبول و الزمور؟ و يقال إن سبب وضعه المكوس عن البلاد أن الواعظ أبا عثمان المنتخب ابن أبى محمد الواسطي- و كان من الصالحين الكبار، و كان هذا الرجل ليس له شي‏ء و لا يقبل من أحد شيئا، إنما كانت له جبة يلبسها إذا خرج إلى مجلس وعظه، و كان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس- أنشد نور الدين أبياتا تتضمن ما هو متلبس به في ملكه، و فيها تخويف و تحذير شديد له:-

مثل وقوفك أيها المغرور* * * يوم القيامة و السماء تمور

إن قيل نور الدين رحت مسلما* * * فاحذر بأن تبقى و مالك نور

أنهيت عن شرب الخمور و أنت في* * * كأس المظالم طائش مخمور

عطلت كاسات المدام تعففا* * * و عليك كاسات الحرام تدور

ما ذا تقول إذا نقلت إلى البلى* * * فردا و جاءك منكر و نكير؟

ما ذا تقول إذا وقفت بموقف* * * فردا ذليلا و الحساب عسير؟

و تعلقت فيك الخصوم و أنت في* * * يوم الحساب مسلسل مجرور

و تفرقت عنك الجنود و أنت في* * * ضيق القبور موسد مقبور

و وددت أنك ما وليت ولاية* * * يوما و لا قال الأنام أمير

و بقيت بعد العز رهن حفيرة* * * في عالم الموتى و أنت حقير

و حشرت عريانا حزينا باكيا* * * قلقا و مالك في الأنام مجير

أ رضيت أن تحيا و قلبك دارس* * * عافى الخراب و جسمك المعمور

أ رضيت أن يحظى سواك بقربة* * * أبدا و أنت معذّب مهجور

مهد لنفسك حجة تنجو بها* * * يوم المعاد و يوم تبدو العور

فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدا، و أمر بوضع المكوس و الضرائب في سائر البلاد. و كتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل- و كان قد أمر الولاة و الأمراء بها أن لا يفصلوا بها أمرا حتى يعلموا الملا به، فما أمرهم به من شي‏ء امتثلوه، و كان من الصالحين الزاهدين، و كان نور الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه، و كان يرسل إليه بفتيت و رقاق فيفطر عليه جميع رمضان- فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: إن المفسدين قد كثروا، و يحتاج إلى سياسة و مثل هذا لا يجي‏ء إلا بقتل و صلب و ضرب، و إذا أخذ إنسان في البرية من يجي‏ء يشهد له؟ فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه: إن اللَّه خلق الخلق و شرع لهم شريعة و هو أعلم بما يصلحهم، و لو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه اللَّه تعالى‏

283

فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، و هذا من الجرأة على اللَّه و على ما شرعه، و العقول المظلمة لا تهتدى، و اللَّه سبحانه يهدينا و إياك إلى صراط مستقيم. فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل و قرأ عليهم الكتاب و جعل يقول: انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، و كتاب الملك إلى الزاهد، و جاء إليه أخو الشيخ أبى البيان يستعديه على رجل أنه سبه و رماه بأنه يرائى و أنه و أنه، و جعل يبالغ في الشكاية عليه، فقال له السلطان: أ ليس اللَّه تعالى يقول‏ (وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) و قال‏ (وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) فسكت الشيخ و لم يحر جوابا. و قد كان نور الدين يعتقده و يعتقد أخاه أبا البيان، و أتاه زائرا مرات، و وقف عليه وقفا. و قال الفقيه أبو الفتح الأشرى معيد النظامية ببغداد، و كان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين، قال: و كان نور الدين محافظا على الصلوات في أوقاتها في جماعة بتمام شروطها و القيام بها بأركانها و الطمأنينة في ركوعها و سجودها، و كان كثير الصلاة بالليل، كثير الابتهال في الدعاء و التضرع إلى اللَّه عز و جل في أموره كلها. قال: و بلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون: إن القسيم ابن القسيم- يعنون نور الدين- له مع اللَّه سر، فإنه لم يظفر و ينصر علينا بكثرة جنده و جيشه، و إنما يظفر علينا و ينصر بالدعاء و صلاة الليل، فإنه يصلى بالليل و يرفع يده إلى اللَّه و يدعو فإنه يستجيب له و يعطيه سؤله فيظفر علينا. قال: فهذا كلام الكفار في حقه.

و حكى الشيخ أبو شامة أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيضة التي تليه نصفه على تطييب جامع دمشق، و النصف الآخر يقسم عشرة أجزاء جزءان على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية، و الثمانية أجزاء الأخرى على تطييب المساجد التسعة، و هي مسجد الصالحين بجبل قيسون و جامع القلعة، و مسجد عطية، و مسجد ابن لبيد بالعسقار، و مسجد الرماحين المعلق، و مسجد العباس بالصالحية، و مسجد دار البطيخ المعلق، و المسجد الّذي جدده نور الدين جوار بيعة اليهود، لكل من هذه المساجد جزء من إحدى عشر جزء من النصف. و مناقبه و مآثره كثيرة جدا. و قد ذكرنا نبذة من ذلك يستدل بها على ما وراءها.

و قد ذكر الشيخ شهاب الدين في أول الروضتين كثيرا من محاسنه، و ذكر ما مدح به من القصائد، و ذكر أنه لما فتح أسد الدين الديار المصرية ثم مات، ثم تولى صلاح الدين هم بعزله عنها و استنابة غيره فيها غير مرة، و لكن يعوقه عن ذلك و يصده قتال الفرنج، و اقتراب أجله، فلما كان في هذه السنة- و هي سنة تسع و ستين و خمسمائة- و هي آخر مدته، أضمر على الدخول إلى الديار المصرية و صمم عليه، و أرسل إلى عساكر بلاد الموصل و غيرها ليكونوا ببلاد الشام حفظا لها من الفرنج في غيبته‏

284

و يركب هو في جمهور الجيش إلى مصر، و قد خاف منه الملك صلاح الدين خوفا شديدا، فلما كان يوم عيد الفطر من هذه السنة ركب إلى الميدان الأخضر القبلي و صلى فيه صلاة عيد الفطر، و كان ذلك نهار الأحد، و رمى العتق في الميدان الأخضر الشمالي، و القدر يقول له: هذا آخر أعيادك، و مد في ذلك اليوم سماطا حافلا، و أمر بانتهابه، و طهر ولده الملك الصالح إسماعيل في هذا اليوم، و زينت له البلد، و ضربت البشائر للعيد و الختان، ثم ركب في يوم الاثنين و أكب على العادة ثم لعب بالكرة في ذلك اليوم، فحصل له غيظ من بعض الأمراء- و لم يكن ذلك من سجيته- فبادر إلى القلعة و هو كذلك في غاية الغضب، و انزعج و دخل في حيز سوء المزاج، و اشتغل بنفسه و أوجاعه، و تنكرت عليه جميع حواسه و طباعه، و احتبس أسبوعا عن الناس، و الناس في شغل عنه بما هم فيه من اللعب و الانشراح في الزينة التي نصبوها لأجل طهور ولده، فهذا يجود بروحه، و هذا يجود بموجودة، سرورا بذلك، فانعكست تلك الأفراح بالأتراح، و نسخ الجد ذلك المزاح، و حصلت للملك خوانيق في حلقه منعته من النطق، و هذا شأن أوجاع الحلق، و كان قد أشير عليه بالفصد فلم يقبل، و بالمبادرة إلى المعالجة فلم يفعل، و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا. فلما كان يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال من هذه السنة قبض إلى رحمة اللَّه تعالى عن ثمان و خمسين سنة، مكث منها في الملك ثمان و عشرين سنة (رحمه اللَّه)، و صلى عليه بجامع القلعة بدمشق، ثم حول إلى تربته التي أنشأها للحنفية بين باب الخواصين، و باب الخيميين على الدرب، و قبره بها يزار، و يحلق بشباكه، و يطيب و يتبرك.

كل مار، فيقول قبر نور الدين الشهيد، لما حصل له في حلقه من الخوانيق، و كذا كان يقال لابنه الشهيد و يلقب بالقسيم، و كانت الفرنج تقول له القسيم ابن القسيم. و قد رثاه الشعراء بمراث كثيرة قد أوردها أبو شامة، و ما أحسن ما قاله العماد:

عجبت من الموت لما أتى* * * إلى ملك في سجايا ملك‏

و كيف ثوى الفلك المستدير* * * في الأرض وسط فلك‏

و قال حسان الشاعر الملقب بالعرقلة في مدرسة نور الدين لما دفن بها (رحمه اللَّه تعالى).

و مدرسة ستدرس كل شي‏ء* * * و تبقى في حمى علم و نسك‏

تضوع ذكرها شرقا و غربا* * * بنور الدين محمود بن زنكي‏

يقول و قوله حق و صدق* * * بغير كناية و بغير شك‏

دمشق في المدائن بيت ملكي* * * و هذي في المدارس بنت ملكي‏

صفة نور الدين (رحمه اللَّه تعالى)

كان طويل القامة أسمر اللون حلو العينين واسع الجبين، حسن الصورة، تركي الشكل، ليس له لحية إلا في حنكه، مهيبا متواضعا عليه جلالة و نور، يعظم الإسلام و قواعد الدين، و يعظم الشرع‏

285

فصل‏

فلما مات نور الدين في شوال من هذه السنة بويع من بعده بالملك لولده الصالح إسماعيل، و كان صغيرا، و جعل أتابكه الأمير شمس الدين بن مقدم، فاختلف الأمراء و حادت الآراء و ظهرت الشرور، و كثرت الخمور، و قد كانت لا توجد في زمنه و لا أحد يجسر أن يتعاطى شيئا منها، و لا من الفواحش، و انتشرت الفواحش و ظهرت حتى أن ابن أخيه سيف الدين غازى بن مودود صاحب الموصل لما تحقق موته- و كان محصورا منه- نادى مناديه بالبلد بالمسامحة باللعب و اللهو و الشراب و المسكر و الطرب، و مع المنادي دف و قدح و مزمار الشيطان، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و قد كان ابن أخيه هذا و غيره من الملوك و الأمراء الذين له حكم عليهم، لا يستطيع أحد منهم أن يفعل شيئا من المناكر و الفواحش، فلما مات مرح أمرهم و عاثوا في الأرض فسادا و تحقق قول الشاعر:

ألا فاسقني خمرا و قل لي هي الخمر* * * و لا تسقني سرا و قد أمكن الجهر

و طمعت الأعداء من كل جانب في المسلمين، و عزم الفرنج على قصد دمشق و انتزاعها من أيدي المسلمين، فبرز إليهم ابن مقدم الأتابك فواقعهم عند بانياس فضعف عن مقاومتهم، فهادنهم مدة، و دفع إليهم أموالا جزيلة عجلها لهم، و لو لا أنه خوفهم بقدوم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لما هادنوه. و لما بلغ ذلك صلاح الدين كتب إلى الأمراء و خاصة ابن مقدم يلومهم على ما صنعوا من المهادنة و دفع الأموال إلى الفرنج، و هم أقل و أذل، و أخبرهم أنه على عزم قصد البلاد الشامية ليحفظها من الفرنج، فردوا إليه كتابا فيه غلظة، و كلام فيه بشاعة، فلم يلتفت إليهم، و من شدة خوفهم منه كتبوا إلى سيف الدين غازى صاحب الموصل ليملكوه عليهم ليدفع عنهم كيد الملك الناصر صلاح الدين صاحب مصر، فلم يفعل لأنه خاف أن يكون مكيدة منهم له، و ذلك أنه كان قد هرب منه الطواشى سعد الدولة مستكين الّذي كان قد جعله الملك نور الدين عينا عليه، و حافظا له من تعاطى ما لا يليق من الفواحش و الخمر و اللعب و اللهو. فلما مات نور الدين و نادى في الموصل تلك المناداة القبيحة خاف منه الطواشى المذكور أن يمسكه فهرب منه سرا، فلما تحقق غازى موت عمه بعث في إثر هذا الخادم ففاته فاستحوذ على حواصله، و دخل الطواشى حلب ثم سار إلى دمشق فاتفق مع الأمراء على أن يأخذوا ابن نور الدين الملك الصالح إسماعيل إلى حلب فيربيه هنالك مكان ربى والده، و تكون دمشق مسلمة إلى الأتابك شمس الدولة بن مقدم، و القلعة إلى الطواشى جمال الدين ريحان.

فلما سار الملك الصالح من دمشق خرج معه الكبراء و الأمراء من دمشق إلى حلب، و ذلك في الثالث و العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، و حين وصلوا حلب جلس الصبى على سرير ملكها

286

و احتاطوا على بنى الداية شمس الدين بن الداية أخو مجد الدين الّذي كان رضيع نور الدين، و إخوته الثلاثة، و قد كان شمس الدين على بن الداية يظن أن ابن نور الدين يسلم إليه فيربيه، لأنه أحق الناس بذلك، فخيبوا ظنه و سجنوه و إخوته في الجب، فكتب الملك صلاح الدين إلى الأمراء [يلومهم‏] على ما فعلوا من نقل الولد من دمشق إلى حلب، و من حبسهم بنى الداية و هم من خيار الأمراء و رءوس الكبراء، و لم لا يسلموا الولد إلى مجد الدين بن الداية الّذي هو أحظى عند نور الدين و عند الناس منهم. فكتبوا إليه يسيئون الأدب عليه، و كل ذلك يزيده حنقا عليهم، و يحرضه على القدوم إليهم، و لكنه في الوقت في شغل شاغل لما دهمه ببلاد مصر من الأمر الهائل، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى في أول السنة الآتية

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

و المشاهير.

الحسن بن الحسن‏

ابن أحمد بن محمد العطار، أبو العلاء الهمدانيّ الحافظ، سمع الكثير و رحل إلى بلدان كثيرة، اجتمع بالمشايخ و قدم بغداد و حصل الكتب الكثيرة، و اشتغل بعلم القراءات و اللغة، حتى صار أوحد زمانه في علمي الكتاب و السنة، و صنف الكتب الكثيرة المفيدة، و كان على طريقة حسنة سخيا عابدا زاهدا صحيح الاعتقاد حسن السمت، له ببلده المكانة و القبول التام، و كانت وفاته ليلة الخميس الحادي عشر من جماد الآخرة من هذه السنة، و قد جاوز الثمانين بأربعة أشهر و أيام. قال ابن الجوزي: و قد بلغني أنه رئي في المنام أنه في مدينة جميع جدرانها كتب و حوله كتب لا تعد و لا تحصى، و هو مشتغل بمطالعتها، فقيل له: ما هذا؟ فقال سألت اللَّه أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا فأعطانى. و فيها توفى‏

الأهوازي‏

خازن كتب مشهد أبى حنيفة ببغداد، توفى فجأة في ربيع الأول من هذه السنة.

محمود بن زنكي بن آقسنقر

السلطان الملك العادل نور الدين، صاحب بلاد الشام و غيرها من البلدان الكثيرة الواسعة، كان مجاهدا في الفرنج، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، محبا للعلماء و الفقراء و الصالحين، مبغضا للظلم، صحيح الاعتقاد مؤثرا لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحدا في زمانه، و كان قد قمع المناكر و أهلها، و رفع العلم و الشرع، و كان مدمنا لقيام الليل يصوم كثيرا، و يمنع نفسه عن الشهوات، و كان يحب التيسير على المسلمين، و يرسل البر إلى العلماء و الفقراء و المساكين و الأيتام و الأرامل، و ليست الدنيا عنده بشي‏ء (رحمه اللَّه) و بل ثراه بالرحمة و الرضوان. قال ابن الجوزي: استرجع نور الدين محمود بن زنكي (رحمه اللَّه تعالى) من أيدي الكفار نيفا و خمسين مدينة، و قد كان يكاتبني و أكاتبه، قال: و لما

287

حضرته الوفاة أخذ العهد على الأمراء من بعده لولده- يعنى الصالح إسماعيل- و جدد العهد مع صاحب طرابلس أن لا يغير على الشام في المدة التي كان ماده فيها، و ذلك أنه كان قد أسره في بعض غزواته و أسر معه جماعة من أهل دولته، فافتدى نفسه منه بثلاثمائة ألف دينار و خمسمائة حصان و خمسمائة و ردية و مثلها برانس، أي لبوس، و قنطوريات و خمسمائة أسير من المسلمين، و عاهده أن لا يغير على بلاد المسلمين لمدة سبعة سنين و سبعة أشهر و سبعة أيام، و أخذ منه رهائن على ذلك مائة من أولاده و أولاد أكابر الفرنج و بطارقتهم، فان نكث أراق دماءهم، و كان قد عزم على فتح بيت المقدس شرفه اللَّه، فوافته المنية في شوال من هذه السنة، و الأعمال بالنيات، فحصل له أجر ما نوى، و كانت ولايته ثمان و عشرين سنة و أشهرا، و قد تقدم ذلك. و هذا مقتضى ما ذكره ابن الجوزي و معناه.

الخضر بن نصر

على بن نصر الإربلي الفقيه الشافعيّ، أول من درس بأربل في سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة، و كان فاضلا دينا، انتفع به الناس، و كان قد اشتغل على الكيا الهراسي و غيره ببغداد، و قدم دمشق فأرخه ابن عساكر في هذه السنة، و ترجمه ابن خلكان في الوفيات، و قال قبره يزار، و قد زرته غير مرة، و رأيت الناس ينتابون قبره و يتبركون به، و هذا الّذي قاله ابن خلكان مما ينكره أهل العلم عليه و على أمثاله ممن يعظم القبور. و فيها هلك ملك الفرنج مري لعنه اللَّه، و أظنه ملك عسقلان و نحوها من البلاد، و قد كان قارب أن يملك الديار المصرية لو لا فضل اللَّه و رحمته بعباده المؤمنين.

ثم دخلت سنة سبعين و خمسمائة

استهلت [هذه السنة] و السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب قد عزم على الدخول إلى بلاد الشام لأجل حفظه من الفرنج، و لكن دهمه أمر شغله عنه، و ذلك أن الفرنج قدموا إلى الساحل المصري في أسطول لم يسمع بمثله، و كثرة مراكب و آلات من الحرب و الحصار و المقاتلة، من جملة ذلك مائتي شيني في كل منها مائة و خمسون مقاتلا، و أربعمائة قطعة أخرى، و كان قدومهم من صقلّيّة إلى ظاهر اسكندرية قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات و الدبابات حول البلد، و برز إليهم أهلها فقاتلوهم دونها قتالا شديدا أياما، و قتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل البلد على حريق المنجانيق و الدبابات ففعلوا ذلك، فأضعف ذلك قلوب الفرنج، ثم كبسهم المسلمون فقتلوا منهم جماعة و غنموا منهم ما أرادوا، فانهزم الفرنج في كل وجه، و لم يكن لهم ملجأ إلا البحر أو القتل أو الأسر، و استحوذ المسلمون على أموالهم و على خيولهم و خيامهم، و بالجملة قتلوا خلقا من الرجال و ركب من بقي منهم في أسطول إلى بلادهم خائبين.

و مما عوق الملك الناصر عن الشام أيضا أن رجلا يعرف بالكنز سماه بعضهم عباس بن شادى‏

288

و كان من مقدمي الديار المصرية و الدولة الفاطمية، كان قد استند إلى بلد يقال له أسوان، و جعل يجمع عليه الناس، فاجتمع عليه خلق كثير من الرعاع من الحاضرة و الغربان و الرعيان، و كان يزعم إليهم أنه سيعيد الدولة الفاطمية، و يدحض الأتابكة التركية، فالتف عليه خلق كثير، ثم قصدوا قوص و أعمالها، و قتل طائفة من أمرائها و رجالها، فجرد إليه صلاح الدين طائفة من الجيش و أمر عليهم أخاه الملك العادل أبا بكر الكردي، فلما التقيا هزمه أبو بكر و أسر أهله و قتله.

فصل‏

فلما تمهدت البلاد و لم يبق بها رأس من الدولة العبيدية، برز السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف في الجيوش التركية قاصدا البلاد الشامية، و ذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي و أخيف سكانها و تضعضعت أركانها، و اختلف حكامها، و فسد نقضها و إبرامها، و قصده جمع شملها و الإحسان إلى أهلها، و أمن سهلها و جبلها، و نصرة الإسلام و دفع الطغام و إظهار القرآن و إخفاء سائر الأديان، و تكسير الصلبان في رضى الرحمن، و إرغام الشيطان. فنزل البركة في مستهل صفر و أقام بها حتى اجتمع عليه العسكر و استناب على مصر أخاه أبا بكر، ثم سار إلى بلبيس في الثالث عشر من ربيع الأول، فدخل مدينة دمشق في يوم الاثنين سلخ ربيع الأول، و لم ينتطح فيها عنزان، و لا اختلف عليه سيفان، و ذلك أن نائبها شمس الدين بن مقدم كان قد كتب إليه أولا فأغلظ له في الكتاب، فلما رأى أمره متوجها جعل يكاتبه و يستحثه على القدوم إلى دمشق، و يعده بتسليم البلد، فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة، فسلم البلد إليه بلا مدافعة، فنزل السلطان أولا في دار والده دار العقيلي التي بناها الملك الظاهر بيبرس مدرسة، و جاء أعيان البلد للسلام عليه فرأوا منه غاية الإحسان، و كان نائب القلعة إذ ذاك الطواشى ريحان، فكاتبه و أجزل نواله حتى سلمها إليه، ثم نزل إليه فأكرمه و احترمه، ثم أظهر السلطان أنه أحق الناس بتربية ولد نور الدين، لما لنور الدين عليهم من الإحسان المتين، و ذكر أنه خطب لنور الدين بالديار المصرية، ثم إن السلطان عامل الناس بالإحسان و أمر بإبطال ما أحدث بعد نور الدين من المكوس و الضرائب، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر، و للَّه عاقبة الأمور.

فصل‏

فلما استقرت له دمشق بحذافيرها نهض إلى حلب مسرعا لما فيها من التخبيط و التخليط، و استناب على دمشق أخاه طغتكين بن أيوب الملقب بسيف الإسلام، فلما اجتاز حمص أخذ ربضها

289

و لم يشتغل بقلعتها، ثم سار إلى حماه فتسلمها من صاحبها عز الدين بن جبريل، و سأله أن يكون سفيره بينه و بين الحلبيين، فأجابه إلى ذلك، فسار إليهم فحذّرهم بأس صلاح الدين فلم يلتفتوا إليه، بل أمروا بسجنه و اعتقاله، فأبطأ الجواب على السلطان، فكتب إليهم كتابا بليغا يلومهم فيه على ما هم فيه من الاختلاف، و عدم الائتلاف، فردوا عليه أسوأ جواب، فأرسل إليهم يذكرهم أيامه و أيام أبيه و عمه في خدمة نور الدين في المواقف المحمودة التي يشهد لهم بها أهل الدين، ثم سار إلى حلب فنزل على جبل جوشن، ثم نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق، فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد إليهم و تباكى لديهم و حرضهم على قتال صلاح الدين، و ذلك عن إشارة الأمراء المقدمين، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد، و شرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل، و أن يذكر في الأسواق، و أن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي، و أن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز، و أن يكبروا على الجنازة خمسا، و أن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبى طاهر بن أبى المكارم حمزة بن زاهر الحسيني، فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع و سائر البلد بحي على خير العمل، و عجز أهل البلد عن مقاومة الناصر، و أعملوا في كيده كل خاطر، فأرسلوا أولا إلى شيبان صاحب الحسبة فأرسل نفرا من أصحابه إلى الناصر ليقتلوه فلم يظفر منه بشي‏ء، بل قتلوا بعض الأمراء، ثم ظهر عليهم فقتلوا عن آخرهم، فراسلوا عند ذلك القومص صاحب طرابلس الفرنجى، و وعدوه بأموال جزيلة إن هو رحل عنهم الناصر، و كان هذا القومص قد أسره نور الدين و هو معتقل عنده مدة عشر سنين، ثم افتدى نفسه بمائة ألف دينار و ألف أسير من المسلمين، و كان لا ينساها لنور الدين، بل قصد لحمص ليأخذها فركب إليه السلطان الناصر، و قد أرسل السلطان إلى بلده طرابلس سرية فقتلوا و أسروا و غنموا، فلما اقترب الناصر منه نكص على عقبيه راجعا إلى بلده، و رأى أنه قد أجابهم إلى ما أرادوا منه، فلما فصل الناصر إلى حمص لم يكن قد أخذ قلعتها فتصدى لأخذها، فنصب عليها المنجنيقات فأخذها قسرا و ملكها قهرا، ثم كر راجعا إلى حلب، فأناله اللَّه في هذه الكرّة ما طلب، فلما نزل بها كتب إليهم القاضي الفاضل على لسان السلطان كتابا بليغا فصيحا فائقا رائقا، على يدي الخطيب شمس الدين يقول فيه: «فإذا قضى التسليم حق اللقاء فاستدعى الإخلاص جهد الدعا، فليعد و ليعد حوادث ما كان حديثا يفترى، و حواري أمور إن قال فيها كثيرا فأكثر منه ما قد جرى، و يشرح صدر منها لعله يشرح منها صدرا، و ليوضح الأحوال المستبشرة فان اللَّه لا يعبد سرا.

و من العجائب أن تسير غرائب* * * في الأرض لم يعلم بها المأمول‏

كالعيس أقتل ما يكون لها الصدى* * * و الماء فوق ظهورها محمول‏

290

فانا كنا نقتبس النار بأكفنا، و غيرنا يستنير، و نستنبط الماء بأيدينا و سوانا يستمير، و نلتقي السهام بنحورنا و غيرنا يعتمد التصوير، و الأبدان تسترد بضاعتنا بموقف العدل الّذي يرد به المغصوب و نظهر طاعتنا فتأخذ بحظ كما أخذ بحظ القلوب، و كان أول أمرنا أنا كنا في الشام نفتح الفتوح بمباشرتنا أنفسنا، و نجاهد الكفار متقدمين بعساكرنا، نحن و والدنا و عمنا، فأى مدينة فتحت أو أي معقل للعدو أو عسكر أو مصاف للإسلام معه ضرب؟ فما يجهل أحد صنعنا، و لا يجحد عدونا أن يصطلى الجمرة و نملك الكرة، و نقدم الجماعة و نرتب المقاتلة، و ندبر التعبئة، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، و لا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها» ثم ذكر ما صنعوا بمصر من كسر الكفر و إزالة المنكر و قمع الفرنج و هدم البدع، و ما بسط من العدل و نشر من الفضل، و ما أقامه من الخطب العباسية ببلاد مصر و الدين و النوبة و إفريقية و غير ذلك، بكلام بسيط حسن.

فلما وصلهم الكتاب أساءوا الجواب، و قد كانوا كاتبوا صاحب الموصل سيف الدين غازى بن مودود أخى نور الدين محمود بن زنكي، فبعث إليهم أخاه عز الدين في عساكره، و أقبل إليهم في دساكره، و انضاف إليهم الحلبيون و قصدوا حماه في غيبة الناصر و اشتغاله بقلعة حمص و عمارتها، فلما بلغه خبرهم سار إليهم في قل من الجيش، فانتهى إليهم و هم في جحافل كثيرة، فواقفوه و طمعوا فيه لقلة من معه، و هموا بمناجزته فجعل يداريهم و يدعوهم إلى المصالحة لعل الجيش يلحقونه، حتى قال لهم في جملة ما قال: أنا أقنع بدمشق وحدها و أقيم بها الخطبة للملك الصالح إسماعيل، و أترك ما عداها من أرض الشام، فامتنع من المصالحة الخادم سعد الدولة كمشتكين، إلا أن يجعل لهم الرحبة التي هي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين، فقال ليس لي ذلك، و لا أقدر عليه، فأبوا الصلح و أقدموا على القتال، فجعل جيشه كردوسا واحدا، و ذلك يوم الأحد التاسع عشر من رمضان عند قرون حماه، و صبر صبرا عظيما، و جاء في أثناء الحال ابن أخيه تقى الدين عمر بن شاهنشاه و معه أخوه فروخ شاه في طائفة من الجيش، و قد ترجح دسته عليهم، و خلص رعبه إليهم، فولوا هنالك هاربين، و تولوا منهزمين، فأسر من أسر من رءوسهم، و نادى أن لا يتبع مدبر و لا يذفف على جريح ثم أطلق من وقع في أسره و سار على الفور إلى حلب، و قد انعكس عليهم الحال و آلوا إلى شر مآل فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة و المسالمة، و هم اليوم يطلبون منه أن يكف عنهم و يرجع، على أن المعرة و كفر طاب و ماردين له زيادة على ما بيده من أراضى حماه و حمص، فقبل ذلك و كف عنهم و حلف على أن لا يغزو بعدها الملك الصالح، و أن يدعو له على سائر منابر بلاده، و شفع في بنى الداية أخوه مجد الدين، على أن يخرجوا، ففعل ذلك ثم رجع مؤيدا منصورا.

فلما كان بحماه و صلت إليه رسل الخليفة المستضي‏ء بأمر اللَّه بالخلع السنية و التشريفات العباسية

291

و الأعلام السود، و التوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر و الشام، و أفيضت الخلع على أهله و أقاربه و أصحابه و أعوانه، و كان يوما مشهودا. و استناب على حماه ابن خاله و صهره الأمير شهاب الدين محمود، ثم سار إلى حمص فأطلقها إلى ابن عمه ناصر الدين، كما كانت من قبله لأبيه شيركوه أسد الدين، ثم بعلبكّ على البقاع إلى دمشق في ذي القعدة.

و فيها ظهر رجل من قرية مشغرى من معاملة دمشق و كان مغربيا فادعى النبوة، و أظهر شيئا من المخاريق و المحاييل و الشعبذة و الأبواب النارنجية، فافتتن به طوائف من الهمج و العوام، فتطلبه السلطان فهرب إلى معاملة حلب، فالف عليه كل مقطوع الذنب، و أضل خلقا من الفلاحين، و تزوج امرأة أحبها، و كانت من أهل تلك البطائح فعلمها أن ادعت النبوة، فأشبها قصة مسيلمة و سجاح. و فيها هرب وزير الخليفة و نهبت داره. و فيها درس أبو الفرج ابن الجوزي بمدرسة أنشئت للحنابلة فحضر عنده قاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانيّ و الفقهاء و الكبراء، و كان يوما مشهودا، و خلعت عليه خلعة سنية.

و فيها توفى من الأعيان‏

روح بن أحمد

أبو طالب الحدثنى قاضى القضاة ببغداد في بعض الأحيان، و كان ابنه في أرض الحجاز، فلما بلغه موت أبيه مرض بعده فمات بعد أيام، و كان ينبذ بالرفض.

شملة التركماني‏

كان قد تغلب على بلاد فارس و استحدث قلاعا و تغلب على السلجوقية، و انتظم له الدست نحوا من عشرين سنة، ثم حاربه بعض التركمان فقتلوه.

قيماز بن عبد اللَّه‏

قطب الدين المستنجدي، وزر للخليفة المستضي‏ء، و كان مقدما على العساكر كلها، ثم خرج على الخليفة و قصد أن ينهب دار الخلافة فصعد الخليفة فوق سطح في داره و أمر العامة بنهب دار قيماز، فنهبت، و كان ذلك بإفتاء الفقهاء، فهرب فهلك هو و من معه في المهامة و القفار.

ثم دخلت سنة إحدى و سبعين و خمسمائة

فيها طلب الفرنج من السلطان صلاح الدين و هو مقيم بمرج الصفر أن يهادنهم فأجابهم إلى ذلك، لأن الشام كان مجدبا، و أرسل جيشه صحبة القاضي الفاضل إلى الديار المصرية ليستغلوا المغل ثم يقبلوا، و عزم هو على المقام بالشام، و اعتمد على كاتبه العماد عوضا عن القاضي، و لم يكن أحد أعز عليه منه:

و ما عن رضى كانت سليمى بديلة* * * و لكن للضرورات أحكام‏

292

و كانت إقامة السلطان بالشام و إرسال الجيش صحبة القاضي الفاضل غاية الحزم و التدبير، ليحفظ ما استجد من الممالك خوفا عليه مما هنالك، فلما أرسل الجيوش إلى مصر و بقي هو في طائفة يسيرة و اللَّه قد تكفل له بالنصر، كتب صاحب الموصل سيف الدين غازى ابن أخى نور الدين إلى جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم و بين الناصر من المصالحة، و قد كان إذ ذاك مشغولا بمحاربة أخيه و محاصرته، و هو عماد الدين زنكي بسنجار، و ليست هذه بفعلة صالحة، و ما كان سبب قتاله لأخيه إلا لكونه أبى طاعة الملك الناصر، فاصطلح مع أخيه حين عرف قوة الناصر و ناصريه، ثم حرض الحلبيين على نقض العهود و نبذها إليه، فأرسلوا إليه بالعهود التي عاهدوه عليها و دعوه إليها، فاستعان عليهم باللَّه و أرسل إلى الجيوش المصرية ليقدموا عليه، فأقبل صاحب الموصل بعساكره و دساكره، و اجتمع بابن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، و سار في عشرين ألف مقاتل على الخيول المضمرة الجرد الأبابيل، و سار نحوهم الناصر و هو كالهزبر الكاسر، و إنما معه ألف فارس من الحماة، و كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن اللَّه، و لكن الجيوش المصرية قد خرجوا إليه قاصدين، و له ناصرين في جحافل كالجبال، فاجتمع الفريقان و تداعوا إلى النزال، و ذلك في يوم الخميس العاشر من شوال فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى حمل الملك الناصر بنفسه الكريمة، و كانت باذن اللَّه الهزيمة، فقتلوا خلقا من الحلبيين و المواصلة، و أخذوا مضارب الملك سيف الدين غازى و حواصله، و أسروا جماعة من رءوسهم فأطلقهم الناصر بعد ما أفاض الخلع على أبدانهم و رءوسهم، و قد كانوا استعانوا بجماعة من الفرنج في حال القتال، و هذا ليس من أفعال الأبطال، و قد وجد السلطان في مخيم السلطان غازى سبتا من الأقفاص التي فيها الطيور و المطربة، و ذلك في مجلس شرابه المسكر، و كيف من هذا حاله و مسلكه ينتصر، فأمر السلطان بردها عليه و تسييرها إليه، و قال للرسول قل له بعد و صولك إليه و سلامك عليه: اشتغالك بهذه الطيور أحب إليك مما وقعت فيه من المحذور، و غنم منهم شيئا كثيرا ففرقه على أصحابه غيبا و حضورا، و أنعم بخيمة سيف الدين غازى على ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن نجم الدين، ورد ما كان في وطاقه من الجواري و المغنيات، و قد كان معه أكثر من مائة مغنية، ورد آلات اللهو و اللعب إلى حلب، و قال قولوا لهم هذه أحب إليكم من الركوع و السجود، و وجد عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور و البرابط و الملاهي، و هذه سبيل كل فاسق ساه لاهى.

فصل‏

فلما رجعت الجيوش إلى حلب و قد انقلبوا شر منقلب، و ندموا على ما نقضوا من الايمان، و شقهم العصا على السلطان، حصنوا البلد، خوفا من الأسد، و أسرع صاحب الموصل فوصلها، و ما صدق حتى‏

293

دخلها، فلما فرغ الناصر مما غنم أسرع المسير إلى حلب و هو في غاية القوة، فوجدهم قد حصنوها، فقال المصلحة أن نبادر إلى فتح الحصون التي حول البلد، ثم نعود إليهم فلا يمتنع علينا منهم أحد، فشرع يفتحها حصنا حصنا، و يهدم أركان دولتهم ركنا ركنا، ففتح مراغة و منبج ثم سار إلى إعزاز فأرسل الحلبيون إلى سنان فأرسل جماعة لقتل السلطان، فدخل جماعة منهم في جيشه في زي الجند فقاتلوا أشد القتال، حتى اختلطوا بهم فوجدوا ذات يوم فرصة و السلطان ظاهر للناس فحمل عليه واحد منهم فضربه بسكين على رأسه فإذا هو محترس منهم باللأمة، فسلمه اللَّه، غير أن السكين مرت على خده فجرحته جرحا هينا، ثم أخذ الفداوى رأس السلطان فوضعه إلى الأرض ليذبحه، و من حوله قد أخذتهم دهشة، ثم ثاب إليهم عقلهم فبادروا إلى الفداوى فقتلوه و قطعوه، ثم هجم عليه آخر في الساعة الراهنة فقتل، ثم هجم آخر على بعض الأمراء فقتل أيضا، ثم هرب الرابع فأدرك فقتل، و بطل القتال ذلك اليوم، ثم صمم السلطان على البلد ففتحها و أقطعها ابن أخيه تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، و قد اشتد حنقه على أهل حلب. لما أرسلوا إليه من الفداوية و إقدامهم على ذلك منه، فجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن، و ضربت خيمته على رأس البادوقية، و ذلك في خامس عشر ذي الحجة، و جبى الأموال و أخذ الخراج من القرى، و منع أن يدخل البلد شي‏ء أو يخرج منه أحد، و استمر محاصرا لها حتى انسلخت السنة.

و في ذي الحجة من هذه السنة عاد نور الدولة أخو السلطان من بلاد اليمن إلى أخيه شوقا إليه، و قد حصل أموالا جزيلة، ففرح به السلطان، فلما اجتمعا قال السلطان البر التقى: أنا يوسف و هذا أخى، و قد استناب على بلاد اليمن من ذوى قرابته، فلما استقر عند أخيه استنابه على دمشق و أعمالها، و قيل إن قدومه كان قبل وقعة المواصلة، و كان من أكبر أسباب الفتح و النصر، لشجاعته و فروسيته. و فيها أنفذ تقى الدين عمر بن أخى الناصر مملوكه بهاء الدين قراقوش في جيشه إلى بلاد المغرب ففتح بلادا كثيرة، و غنم أموالا جزيلة، ثم عاد إلى مصر. و فيها قدم إلى دمشق أبو الفتوح الواعظ عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي الدمشقيّ الأصل، البغدادي المنشأ، ذكره العماد في الجريدة. قال: و كان صاحبي، و جلس للوعظ و حضر عنده السلطان صلاح الدين، و أورد له مقطعات أشعار، فمن ذلك ما كان يقول:

يا مالكا مهجتي يا منتهى أملى* * * يا حاضرا شاهدا في القلب و الفكر

خلقتني من تراب أنت خالقه* * * حتى إذا صرت تمثالا من الصور

أجريت في قالبى روحا منورة* * * تمر فيه كجرى الماء في الشجر

جمعتني من صفا روح منورة* * * و هيكل صغته من معدن كدر

294

إن غبت فيك فيا فخري و يا شرفى* * * و إن حضرت فيا سمعي و يا بصرى‏

أو احتجبت فسرى فيك في و له* * * و إن خطرت فقلبي منك في خطر

تبدو فتمحو رسومي ثم تثبتها* * * و إن تغيب عنى عشت بالأثر

و فيها توفى من الأعيان‏

الحافظ أبو القاسم ابن عساكر.

على بن الحسن بن هبة اللَّه‏

ابن عساكر أبو القاسم الدمشقيّ، أحد أكابر حفاظ الحديث و من عنى به سماعا و جمعا و تصنيفا و اطلاعا و حفظا لأسانيده و متونه، و إتقانا لأساليبه و فنونه، صنف تاريخ الشام في ثمانين مجلدة، فهي باقية بعده مخلدة، و قد ندر على من تقدمه من المؤرخين، و أتعب من يأتى بعده من المتأخرين، فحاز فيه قصب السبق، و من نظر فيه و تأمله رأى ما وصفه فيه و أصله، و حكم بأنه فريد دهره، في التواريخ، و أنه الذروة العليا من الشماريخ، هذا مع ماله في علوم الحديث من الكتب المفيدة، و ما هو مشتمل عليه من العبادة و الطرائق الحميدة، فله أطراف الكتب الستة، و الشيوخ النبل، و تبيين كذب المفترى على أبى الحسن الأشعري، و غير ذلك من المصنفات الكبار و الصغار، و الأجزاء و الأسفار، و قد أكثر في طلب الحديث من الترحال و الأسفار، و جاز المدن و الأقاليم و الأمصار، و جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الحفاظ نسخا و استنساخا، و مقابلة و تصحيح الألفاظ، و كان من أكابر سروات الدماشقة، و رياسته فيهم عالية باسقة، من ذوى الأقدار و الهيئات، و الأموال الجزيلة، و الصلاة و الهبات، كانت وفاته في الحادي عشر من رجب، و له من العمر ثنتان و سبعون سنة، و حضر السلطان صلاح الدين جنازته و دفن بمقابر باب الصغير (رحمه اللَّه تعالى). و كان الّذي صلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابورىّ. قال ابن خلكان و له أشعار كثيرة منها:

أيا نفس ويحك جاء المشيب* * * فما ذا التصابي و ما ذا الغزل؟

تولى شبابي كأن لم يكن* * * و جاء المشيب كأن لم يزل‏

كأنى بنفسي على غرة* * * و خطب المنون بها قد نزل‏

فيا ليت شعرى ممن أكون* * * و ما قدر اللَّه لي في الأزل‏

قال: و قد التزم فيها بما لم يلزم و هو الزاى مع اللام. قال: و كان أخوه صائن الدين هبة اللَّه ابن الحسن محدثا فقيها، اشتغل ببغداد على أسعد الميهنى، ثم قدم دمشق فدرس بالغزالية، و توفى بها عن ثلاث و ستين سنة.

ثم دخلت سنة ثنتين و سبعين و خمسمائة

استهلت هذه السنة و الناصر محاصر حلب، فسألوه و توسلوا إليه أن يصالحهم فصالحهم على أن‏

295

تكون حلب و أعمالها للملك الصالح فقط، فكتبوا بذلك الكتاب، فلما كان المساء بعث السلطان الصالح إسماعيل يطلب منه زيادة قلعة إعزاز، و أرسل بأخت له صغيرة و هي الخاتون بنت نور الدين ليكون ذلك أدعى له بقبول السؤال، و أنجع في حصول النوال، فحين رآها السلطان قام قائما، و قبل الأرض و أجابها إلى سؤالها، و أطلق لها من الجواهر و التحف شيئا كثيرا، ثم ترحل عن حلب فقصد الفداوية الذين اعتدوا عليه فحاصر حصنهم مصبات فقتل و سبى و حرق و أخذ بقارهم و خرب ديارهم، ثم شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود بن تتش صاحب حماه، لأنهم جيرانه، فقبل شفاعته، و أحضر إليه نائب بعلبكّ الأمير شمس الدين محمد بن الملك مقدم، الّذي كان نائب دمشق، جماعة من أسارى الفرنج الذين عاثوا في البقاع في غيبته، فجدد ذلك له الغزو في الفرنج، فصالح الفداوية الإسماعيلية أصحاب سنان، ثم كر راجعا إلى دمشق فتلقاه أخوه شمس الدولة. توران شاه، فلقبه الملك المعظم، و عزم الناصر على دخول مصر، و كان القاضي كمال الدين محمد الشهرزوريّ قد توفى في السادس من المحرم من هذه السنة، و قد كان من خيار القضاة و أخص الناس بنور الدين الشهيد، فوض إليه نظر الجامع و دار الضرب و عمارة الأسوار و النظر في المصالح العامة. و لما حضرته الوفاة أوصى بالقضاء لابن أخيه ضياء الدين بن تاج الدين الشهرزوريّ، مع أنه كان يجد عليه، لما كان بينه و بينه حين كان صلاح الدين سجنه بدمشق، و كان يعاكسه و يخالفه، و مع هذا أمضى وصيته لابن أخيه، فجلس في مجلس القضاء على عادة عمه و قاعدته، و بقي في نفس السلطان من تولية شرف الدين أبى سعيد عبد اللَّه بن أبى عصرون الحلبي، و كان قد هاجر إلى السلطان إلى دمشق فوعده أن يوليه قضاءها، و أسر بذلك إلى القاضي الفاضل، فأشار الفاضل على الضياء أن يستعفى من القضاء فاستعفى فأعفى، و ترك له وكالة بيت المال، و ولى السلطان ابن أبى عصرون على أن يستنيب القاضي محيي الدين أبى المعالي محمد بن زكى الدين، ففعل ذلك، ثم بعد ذلك استقل بالحكم محيي الدين أبو حامد بن أبى عصرون عوضا عن أبيه شرف الدين، بسبب ضعف بصره.

و في صفر منها وقف السلطان الناصر قرية حزم على الزاوية الغزالية، و من يشتغل بها بالعلوم الشرعية، و ما يحتاج إليه الفقيه، و جعل النظر لقطب الدين النيسابورىّ مدرسها. و في هذا الشهر تزوج السلطان الملك الناصر بالست خاتون عصمة الدين بنت معين الدين أنر، و كانت زوجة نور الدين محمود، و كانت مقيمة بالقلعة، و ولى تزويجها منه أخوها الأمير سعد الدين بن أنر، و حضر القاضي ابن عصرون العقد و من معه من العدول، و بات الناصر عندها تلك الليلة و التي بعدها، ثم سافر إلى مصر بعد يومين، ركب يوم الجمعة قبل الصلاة فنزل مرج الصفر، ثم سافر فعشا قريبا من الصفين، ثم سار فدخل مصر يوم السبت سادس عشر ربيع الأول من هذه السنة، و تلقاه‏

296

أخوه و نائبة عليها الملك العادل سيف الدين أبو بكر إلى عند بحر القلزم، و معه من الهدايا شي‏ء كثير من المآكل المتنوعة و غيرها، و كان في صحبة السلطان العماد الكاتب، و لم يكن ورد الديار المصرية قبل ذلك، فجعل يذكر محاسنها و ما اختصت به من بين البلدان، و ذكر الاهرام و شبههما بأنواع من التشبيهات، و بالغ في ذلك حسب ما ذكر في الروضتين.

و في شعبان منها ركب الناصر إلى الاسكندرية فأسمع ولديه الفاضل على و العزيز عثمان على الحافظ السلفي، و تردد بهما إليه ثلاثة أيام الخميس و الجمعة و السبت رابع رمضان، و عزم الناصر على تمام الصيام بها، و قد كمل عمارة السور على البلد، و أمر بتجديد الاسطول و إصلاح مراكبه و سفنه و شحنه بالمقاتلة و أمرهم بغزو جزائر البحر، و أقطعهم الاقطاعات الجزيلة على ذلك، و أرصد للاسطول من بيت المال ما يكفيه لجميع شئونه، ثم عاد إلى القاهرة في أثناء رمضان فأكمل صومه.

و فيها أمر الناصر ببناء مدرسة للشافعية على قبر الشافعيّ، و جعل الشيخ نجم الدين الخبوشانيّ مدرسها و ناظرها. و فيها أمر ببناء المارستان بالقاهرة و وقف عليه وقوفا كثيرة. و فيها بنى الأمير مجاهد الدين قيماز نائب قلعة الموصل جامعا حسنا و رباطا و مدرسة و مارستانا متجاورات بظاهر الموصل و قد تأخرت وفاته إلى سنة خمس و تسعين و خمسمائة (رحمه اللَّه). و له عدة مدارس و خوانقات و جوامع غير ما ذكرنا، و كان دينا خيرا فاضلا حنفي المذهب، يذاكر في الأدب و الأشعار و الفقه، كثير الصيام و قيام الليل. و فيها أمر الخليفة بإخراج المجذومين من بغداد لناحية منها ليتميزوا عن أهل العافية، نسأل اللَّه العافية. و ذكر ابن الجوزي في المنتظم عن امرأة قالت: كنت أمشى في الطريق و كأن رجلا يعارضني كلما مررت به، فقلت له: إنه لا سبيل إلى هذا الّذي ترومه منى إلا بكتاب و شهود، فتزوجني عند الحاكم، فمكثت معه مدة ثم اعتراه انتفاخ ببطنه فكنا نظن أنه استسقاء فنداويه لذلك، فلما كان بعد مدة ولد ولدا كما تلد النساء، و إذا هو خنثى مشكل، و هذا من أغرب الأشياء.

و فيها توفى من الأعيان‏

على بن عساكر

ابن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي المقري اللغوي، سمع الحديث و أسمعه، و كان حسن المعرفة بالنحو و اللغة، و وقف كتبه بمسجد ابن جرارة ببغداد، توفى في شعبان و قد نيف على الثمانين‏

محمد بن عبد اللَّه‏

ابن القاسم أبو الفضل، قاضى القضاة بدمشق، كمال الدين الشهرزوريّ، الموصلي، و له بها مدرسة على الشافعية، و أخرى بنصيبين، و كان فاضلا دينا أمينا ثقة، ولى القضاء بدمشق لنور الدين الشهيد محمود بن زنكي، و استوزره أيضا فيما حكاه ابن الساعي. قال و كان يبعثه في الرسائل، كتب‏

297

مرة على قصة إلى الخليفة المقتفى: محمد بن عبد اللَّه الرسول، فكتب الخليفة تحت ذلك: (صلى اللَّه عليه و سلم).

قلت: و قد فوض إليه نور الدين نظر الجامع و دار الضرب و الأسوار، و عمر له المارستان و المدارس و غير ذلك و كانت وفاته في المحرم من هذه السنة بدمشق.

الخطيب شمس الدين‏

ابن الوزير أبو الضياء خطيب الديار المصرية، و ابن وزيرها، كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضي‏ء بأمر اللَّه العباسي، بأمر الملك صلاح الدين، ثم حظي عنده حتى جعله سفيرا بينه و بين الملوك و الخلفاء، و كان رئيسا مطاعا كريما ممدحا، يقرأ عليه الشعراء و الأدباء. ثم جعل الناصر مكانه الشهرزوريّ المتقدم بمرسوم السلطان، و صارت وظيفة مقررة.

ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة

فيها أمر الملك الناصر ببناء قلعة الجبل و إحاطة السور على القاهرة و مصر، فعمر قلعة للملك لم يكن في الديار المصرية مثلها و لا على شكلها، و ولى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش مملوك تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. و فيها كانت وقعة الرملة على المسلمين، و في جمادى الأولى منها سار السلطان الناصر صلاح الدين من مصر قاصدا غزو الفرنج، فانتهى إلى بلاد الرملة فسبى و غنم، ثم تشاغل جيشه بالغنائم و تفرقوا في القرى و المحال، و بقي هو في طائفة من الجيش منفردا فهجمت عليه الفرنج في جحفل من المقاتلة فما سلم إلا بعد جهد جهيد، ثم تراجع الجيش إليه و اجتمعوا عليه بعد أيام، و وقعت الأراجيف في الناس بسبب ذلك، و ما صدق أهل مصر حتى نظروا إليه و صار الأمر كما قيل رضيت من الغنيمة بالإياب و مع هذا دقت البشائر في البلدان فرحا بسلامة السلطان، و لم تجر هذه الوقعة إلا بعد عشر سنين، و ذلك يوم حطين، و قد ثبت السلطان في هذه الوقعة ثباتا عظيما، و أسر للملك المظفر تقى الدين عمر بن أخى السلطان ولده شاهنشاه، فبقي عندهم سبع سنين، و قتل ابنه الا حر، و كان شابا قد طرّ شاربه، فحزن على المقتول و المفقود، و صبر تأسيا بأيوب، و ناح كما ناح داود، و أسر الفقيهان الأخوان ضياء الدين عيسى و ظهير الدين فافتداهما السلطان بعد سنتين بتسعين ألف دينار.

و فيها تخبطت دولة حلب و قبض السلطان الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين على الخادم كمشتكين، و ألزمه بتسليم قلعة حارم، و كانت له، فأبى من ذلك فعلقه منكوسا و دخن تحت أنفه حتى مات من ساعته. و فيها جاء ملك كبير من ملوك الفرنج يروم أخذ الشام لغيبة السلطان و اشتغال نوابه ببلدانهم. قال العماد الكاتب: و من شرط هدنة الفرنج أنه متى جاء ملك كبير من ملوكهم لا يمكنهم دفعه أنهم يقاتلون معه و يؤازرونه و ينصرونه، فإذا انصرف عنهم عادت الهدنة كما كانت، فقصد

298

هذا الملك و جملة الفرنج مدينة حماه و صاحبها شهاب الدين محمود خال السلطان مريض، و نائب دمشق و من معه من الأمراء مشغولون ببلدانهم، فكادوا يأخذون البلد و لكن هزمهم اللَّه بعد أربعة أيام، فانصرفوا إلى حارم فلم يتمكنوا من أخذها و كشفهم عنها الملك الصالح صاحب حلب، و قد دفع إليهم من الأموال و الأسراء ما طلبوه منه و توفى صاحب حماه شهاب الدين محمود خال السلطان الناصر، و توفى قبله ولده تتش بثلاثة أيام، و لما سمع الملك الناصر بنزول الفرنج على حارم خرج من مصر قاصدا بلاد الشام، فدخل دمشق في رابع عشر شوال، و صحبته العماد الكاتب، و تأخر القاضي الفاضل بمصر لأجل الحج.

و فيها جاء كتاب القاضي الفاضل الناصر يهنئه بوجود مولود و هو أبو سليمان داود، و به كمل له اثنى عشر ذكرا، و قد ولد له بعده عدة أولاد ذكور، فإنه توفى عن سبعة عشر ذكرا و ابنة صغيرة اسمها مؤنسة، التي تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.

و فيها جرت فتنة عظيمة بين اليهود و العامة ببغداد، بسبب أن مؤذنا أذن عند كنيسة فنال منه بعض اليهود بكلام أغلظ له فيه، فشتمه المسلم فاقتتلا، فجاء المؤذن يشتكي منه إلى الديوان، فتفاقم الحال، و كثرت العوام، و أكثروا الضجيج، فلما حان وقت الجمعة منعت العامة الخطباء في بعض الجوامع، و خرجوا من فورهم فنهبوا سوق العطارين الّذي فيه اليهود، و ذهبوا إلى كنيسة اليهود فنهبوها، و لم يتمكن الشرط من ردهم، فأمر الخليفة بصلب بعض العامة، فأخرج في الليل جماعة من الشطار الذين كانوا في الحبوس و قد وجب عليهم القتل فصلبوا، فظن كثير من الناس أن هذا كان بسبب هذه الكائنة، فسكن الناس. و فيها خرج الوزير الخليفة عضد الدولة ابن رئيس الرؤساء ابن المسلمة قاصدا الحج، و خرج الناس في خدمته ليودعوه، فتقدم إليه ثلاثة من الباطنية في صورة فقراء و معهم قصص، فتقدم أحدهم ليناوله قصة فاعتنقه و ضربه بالسكين ضربات، و هجم الثاني و كذلك الثالث عليه فهبروه و جرحوا جماعة حوله، و قتل الثلاثة من فورهم، و رجع الوزير إلى منزله محمولا فمات من يومه، و هذا الوزير هو الّذي قتل ولدى الوزير ابن هبيرة و أعدمهما، فسلط اللَّه عليه من قتله، و كما تدين تدان، جزاء وفاقا.

و ممن توفى فيها من الأعيان‏

صدقة بن الحسين‏

أبو الفرج الحداد، قرأ القرآن و سمع الحديث، و تفقه و أفتى، و قال الشعر و قال في الكلام، و له تاريخ ذيل على شيخه ابن الزاغونى، و فيه غرائب و عجائب. قال ابن الساعي: كان شيخا عالما فاضلا و كان فقيرا يأكل من أجرة النسخ، و كان يأوى إلى مسجد ببغداد عند البدرية يؤم فيه، و كان يعتب‏

299

على الزمان و بنيه، و رأيت ابن الجوزي في المنتظم يذمه و يرميه بالعظائم، و أورد له من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراونديّ في الزندقة فاللَّه أعلم. توفى في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس و سبعين سنة، و دفن بباب حرب، و رئيت له منامات غير صالحة، نسأل اللَّه العافية في الدنيا و الآخرة.

محمد بن أسعد بن محمد

أبو منصور العطار، المعروف بحفدة، سمع الكثير و تفقه و ناظر و أفتى و درس، و قدم بغداد فمات بها

محمود بن تتش شهاب الدين الحارمى‏

خال السلطان صلاح الدين، كان من خيار الأمراء و شجعانهم، أقطعه ابن أخته حماه، و قد حاصره الفرنج و هو مريض فأخذوا حماه و قتلوا بعض أهلها، ثم تناخى أهلها فردوهم خائبين.

فاطمة بنت نصر العطار

كانت من سادات النساء، و هي من سلالة أخت صاحب المخزن، كانت من العابدات المتورعات المخدرات، يقال إنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات، و قد أثنى عليها الخليفة و غيره و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة أربع و سبعين و خمسمائة

فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل من مصر إلى الناصر و هو بالشام يهنيه بسلامة أولاده الملوك الاثني عشر، يقول: و هم بحمد اللَّه بهجة الحياة و زينتها، و ريحانة القلوب و الأرواح و زهرتها، إن فؤادا وسع فراقهم لواسع، و إن قلبا قنع بأخبارهم لقانع، و إن طرفا نام عن البعد عنهم لهاجع، و إن ملكا ملك صبره عنهم لحازم، و إن نعمة اللَّه بهم لنعمة بها العيش ناعم، أما يشتاق جيد المولى أن تطوق بدرهم؟ أما تظمأ عينه أن تروى بنظرهم؟ أما يحن قلبه للقيهم؟ أما يلتقط هذا الطائر بفتيلهم؟ و للمولى أبقاه اللَّه أن يقول:

و ما مثل هذا الشوق يحمل بعضه* * * و لكن قلبي في الهوى يتقلب‏

و فيها أسقط صلاح الدين المكوس و الضرائب عن الحجاج بمكة، و قد كان يؤخذ من حجاج الغرب شي‏ء كثير، و من عجز عن أدائه حبس فربما فاته الوقوف بعرفة، و عوض أمير مكة بمال أقطعه إياه بمصر، و أن يحمل إليه في كل سنة ثمانية آلاف أردب إلى مكة، ليكون عونا له و لأتباعه، و رفقا بالمجاورين، و قررت للمجاورين أيضا غلات تحمل إليهم (رحمه اللَّه). و فيها عصى الأمير شمس الدين بن مقدم ببعلبكّ، و لم يجئ إلى خدمة السلطان، و هو نازل على حمص، و ذلك أنه بلغه أن أخا السلطان توران شاه طلب بعلبكّ منه فأطلقها له، فامتنع ابن المقدم من الخروج منها حتى جاء السلطان بنفسه فحصره فيها من غير قتال، ثم عوض ابن المقدم عنها بتعويض كثير خير مما كان بيده، فخرج منها و تسلمها و سلمها توران شاه. قال ابن الأثير: و كان في هذه السنة غلاء شديد بسبب‏

300

قلة المطر، عم العراق و الشام و ديار مصر، و استمر إلى سنة خمس و سبعين، فجاء المطر و رخصت الأسعار ثم عقب ذلك وباء شديد، و عم البلاد مرض آخر و هو السرسام، فما ارتفع إلا في سنة ست و سبعين، فمات بسبب ذلك خلق كثير، و أمم لا يعلم عددهم إلا اللَّه. و في رمضان منها وصلت خلع الخليفة إلى الملك صلاح الدين و هو بدمشق، و زيد في ألقابه معز أمير المؤمنين، و خلع على أخيه توران شاه و لقب بمصطفى أمير المؤمنين.

و فيها جهز الناصر ابن أخيه فروخ شاه بن شاهنشاه بين يديه لقتال الفرنج الذين عاثوا في نواحي دمشق، فنهبوا ما حولها، و أمره أن يداريهم حتى يتوسطوا البلاد و لا يقاتلهم حتى يقدم عليه، فلما رأوه عاجلوه بالقتال فكسرهم و قتل من ملوكهم صاحب الناصرة الهنفرى، و كان من أكابر ملوكهم و شجعانهم، لا ينهنهه اللقاء، فكبته اللَّه في هذه الغزوة، ثم ركب الناصر في إثر ابن أخيه فما وصل إلى الكسوة حتى تلقته الرءوس على الرماح، و الغنائم و الأسارى. و فيها بنت الفرنج قلعة عند بيت الأحزان للداوية فجعلوها مرصد الحرب المسلمين، و قطع طريقهم، و نقضت ملوكهم العهود التي كانت بينهم و بين صلاح الدين، و أغاروا على نواحي البلدان من كل جانب، ليشغلوا المسلمين عنهم، و تفرقت جيوشهم فلا تجتمع في بقعة واحدة، فرتب السلطان ابن أخيه عمر على حماه و معه ابن مقدم و سيف الدين على بن أحمد المشطوب بنواحي البقاع و غيرها، و بثغر حمص ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه، و بعث إلى أخيه الملك أبى بكر العادل تائبه بمصر أن يبعث إليه ألفا و خمسمائة فارس يستعين بهم على قتال الفرنج، و كتب إلى الفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الّذي بنوه للداوية فامتنعوا إلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه، فبذل لهم ستين ألف دينار فلم يقبلوا، ثم أوصلهم إلى مائة ألف دينار، فقال له ابن أخيه تقى الدين عمر: ابذل هذا إلى أجناد المسلمين و سر إلى هذا الحصن فخربه، فأخذ بقوله في ذلك و خربه في السنة الآتية كما سنذكره.

و فيها أمر الخليفة المستضي‏ء بكتابة لوح على قبر الامام أحمد بن حنبل، فيه آية الكرسي، و بعدها هذا قبر تاج السنة و حبر الأمة العالي الهمة العالم العابد الفقيه الزاهد، و ذكروا تاريخ وفاته (رحمه اللَّه تعالى).

و فيها احتيط ببغداد على شاعر ينشد للروافض أشعارا في ثلب الصحابة و سبهم، و تهجين من يحبهم، فعقد له مجلس بأمر الخليفة ثم أستنطق فإذا هو رافضي خبيث داعية إليه، فأفتى الفقهاء بقطع لسانه و يديه، ففعل به ذلك، ثم اختطفته العامة فما زالوا يرمونه بالآجر حتى ألقى نفسه في دجلة فاستخرجوه منها فقتلوه حتى مات، فأخذوا شريطا و ربطوه في رجله و جروه على وجهه حتى طافوا به البلد و جميع الأسواق، ثم ألقوه في بعض الاتونة مع الآجر و الكاس، و عجز الشرط عن تخليصه منهم‏