البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
301

و فيها توفى من الأعيان‏

أسعد بن بلدرك الجبريلى‏

سمع الحديث و كان شيخا ظريف المذاكرة جيد المبادرة، توفى عن مائة سنة و أربع سنين.

الحيص بيص‏

سعد بن محمد بن سعد [الملقب‏] شهاب الدين، أبو الفوارس المعروف بحيص بيص، له ديوان شعر مشهور، توفى يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان من هذه السنة، و له ثنتان و ثمانون سنة، و صلى عليه بالنظاميّة، و دفن بباب التبن، و لم يعقب، و لم يكن له في المراسلات بديل، كان يتقعر فيها و يتفاصح جدا، فلا تواتيه إلا و هي معجرفة، و كان يزعم أنه من بنى تميم، فسئل أبوه عن ذلك فقال ما سمعته إلا منه، فقال بعض الشعراء يهجوه فيما ادعاه من ذلك:

كم تبادى و كم تطيل طرطورك* * * و ما فيك شعرة من تميم‏

فكل الضب و أقرط الحنظل اليابس* * * و اشرب ان شئت يول الظليم‏

فليس ذا وجه من يضيف و لا يقرى* * * و لا يدفع الأذى عن حريم‏

و من شعر الحيص بيص الجيد:

سلامة المرء ساعة عجب* * * و كل شي‏ء لحتفه سبب‏

يفر و الحادثات تطلبه* * * يفر منها و نحوها الهرب‏

و كيف يبقى على تقلبه* * * مسلما من حياته العطب‏

و من شعره أيضا:

لا تلبس الدهر على غرة* * * فما لموت الحي من بد

و لا يخادعك طول البقا* * * فتحسب التطويل من خلد

يقرب ما كان آخرا* * * ما أقرب المهد من اللحد

و يقرب من هذا ما ذكره صاحب العقد أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسى في عقده:

ألا إنما الدنيا غضارة أيكة* * * إذا أخضر منها جانب جف جانب‏

و ما الدهر و الآمال إلا فجائع* * * عليها و ما اللذات إلا مصائب‏

فلا تكتحل عيناك منها بعبرة* * * على ذاهب منها فإنك ذاهب‏

و قد ذكر أبو سعد السمعاني حيص بيص هذا في ذيله و أثنى عليه، و سمع عليه ديوانه و رسائله، و أثنى على رسائله القاضي ابن خلكان، و قال: كان فيه تيه و تعاظم، و لا يتكلم إلا معربا، و كان فقيها شافعيّ المذهب، و اشتغل بالخلاف و علم النظر، ثم تشاغل عن ذلك كله بالشعر، و كان من أخبر الناس بأشعار العرب، و اختلاف لغاتهم. قال: و إنما قيل له الحيص بيص، لأنه رأى الناس في حركة

302

و اختلاط، فقال: ما للناس في حيص بيص، أي في شر و هرج، فغلب عليه هذه الكلمة، و كان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي طبيب العرب، و لم يترك عقبا. كانت له حوالة بالحلة فذهب يتقاضاها فتوفى ببغداد في هذه السنة.

محمد بن نسيم‏

أبو عبد اللَّه الخياط، عتيق الرئيس أبى الفضل بن عبسون، سمع الحديث و قارب الثمانين، سقط من درجة فمات. قال: أنشدنى مولى الدين يعنى ابن علام الحكيم بن عبسون.

للقارئ المحزون أجدر بالتقى* * * من راهب في ديره متقوس‏

و مراقب الأفلاك كانت نفسه* * * بعبادة الرحمن أحرى الأنفس‏

و الماسح الأرضين و هي فسيحة* * * أولى بمسح في أكف اللمس‏

أولى بخشية ربه من جاهل* * * بمثلث و مربع و مخمس‏

ثم دخلت سنة خمس و سبعين و خمسمائة

و فيها كانت وقعة مرج عيون استهلت هذه السنة و السلطان صلاح الدين الناصر نازل بجيشه على تل القاضي ببانياس، ثم قصده الفرنج بجمعهم فنهض إليهم فما هو إلا أن التقى الفريقان و اصطدم الجندان، فأنزل اللَّه نصره و أعز جنده، فولت ألوية الصلبان ذاهبة و خيل اللَّه لركابهم راكبة، فقتل منهم خلق كثير، و أسر من ملوكهم جماعة، و أنابوا إلى السمع و الطاعة، منهم مقدم الداوية و مقدم الابسباتارية و صاحب الرملة و صاحب طبرية و قسطلان يافا و آخرون من ملوكهم، و خلق من شجعانهم و أبطالهم، و من فرسان القدس جماعة كثيرون تقريبا من ثلاثمائة أسير من أشرافهم، فصاروا يهانون في القيود. قال العماد: فاستعرضهم السلطان في الليل حتى أضاء الفجر، و صلى يومئذ الصبح بوضوء العشاء، و كان جالسا ليلتئذ في نحو العشرين و الفرنج كثير، فسلمه اللَّه منهم، ثم أرسلهم إلى دمشق ليعتقلوا بقلعتها، فافتدى ابن البارزانى صاحب الرملة نفسه بمائة ألف و خمسين ألف دينار صورية، و إطلاق ألف أسير من بلاده، فأجيب إلى ذلك، و افتدى جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة، و منهم من مات في السجن، و اتفق أنه في اليوم الّذي ظفر فيه السلطان بالفرنج بمرج عيون، ظهر أسطول المسلمين على بطشة للفرنج في البحر و أخرى معها فغنموا منها ألف رأس من السبي، و عاد إلى الساحل مؤيدا منصورا، و قد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، و كتب بذلك إلى بغداد فدقت البشائر بها فرحا و سرورا، و كان الملك المظفر تقى الدين عمر غائبا عن هذه الوقعة مشتغلا بما هو أعظم منها، و ذلك أن ملك الروم قرارسلان بعث يطلب حصن رعنان، و زعم أن نور الدين اغتصبه منه، و أن ولده قد عصى، فلم يجبه إلى ذلك السلطان، فبعث صاحب الروم‏

303

عشرين ألف مقاتل يحاصرونه، فأرسل السلطان تقى الدين عمر في ثمانمائة فارس منهم سيف الدين على بن أحمد المشطوب، فالتقوا معهم فهزموهم باذن اللَّه، و استقرت يد صلاح الدين على حصن رعنان، و قد كان مما عوض به ابن مقدم عن بعلبكّ، و كان تقى الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة و يرى أنه قد هزم عشرين ألفا، و قيل ثلاثين ألفا بثمانمائة، و كان السبب في ذلك أنه بيتهم و أغار عليهم، فما لبثوا بل فروا منهزمين عن آخرهم، فأكثر فيهم القتل و استحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم، و يقال إنه كسرهم يوم كسر السلطان الفرنج بمرج عيون و اللَّه أعلم.

ذكر تخريب حصن الأحزان‏

و هو قريب من صفد. ثم ركب السلطان إلى الحصن الّذي كانت الفرنج قد بنوه في العام الماضي و حفروا فيه بئرا و جعلوه لهم عينا، و سلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره و نقبه من جميع جهاته، و ألقى فيه النيران و خربه إلى الأساس، و غنم جميع ما فيه، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح، و من المأكل شي‏ء كثير، و أخذ منه سبعمائة أسير فقتل بعضا و أرسل إلى دمشق الباقي، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا، غير أنه مات من أمرائه عشرة بسبب ما نالهم من الحر و الوباء في مدة الحصار، و كانت أربعة عشر يوما، ثم إن الناس زاروا مشهد يعقوب على عادتهم، و قد امتدحه الشعراء فقال بعضهم:

بجدك أعطاف القنا قد تعطفت* * * و طرف الأعادي دون مجدك يطرف‏

شهاب هدى في ظلمة الليل ثاقب* * * و سيف إذا ما هزه اللَّه مرهف‏

وقفت على حصن المحاض و إنه* * * لموقف حق لا يوازيه موقف‏

فلم يبد وجه الأرض بل حال دونه* * * رجال كآساد الثرى و هي ترجف‏

و جرد سلهوب و درع مضاعف* * * و أبيض هندي ولدن مهفهف‏

و ما رجعت أعلامك البيض ساعة* * * إلا غدت أكبادها السود ترجف‏

كنائس أغياد صليب و بيعة* * * و شاد به دين حنيف و مصحف‏

صليب و عباد الصليب و منزل* * * لنوال قد غادرته و هو صفصف‏

أ تسكن أوطان النبيين عصبة* * * تمين لدى أيمانها و هي تحلف‏

نصحتكم و النصح في الدين واجب* * * ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف‏

و قال آخر:

هلاك الفرنج أتى عاجلا* * * و قد آن تكسير صلبانها

و لو لم يكن قد دنا حتفها* * * لما عمرت بيت أحزانها

304

من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى بغداد في خراب هذا الحصن. و قد قيس عرض حائطه فزاد على عشرة أذرع و قطعت له عظام الحجارة كل فص منها سبعة أذرع، إلى ما فوقها و ما دونها، و عدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر الحجر في بنيانه إلا بأربعة دنانير فما فوقها، و فيما بين الحائطين حشو من الحجارة الضخمة الصم، أتوا بها من رءوس الجبال الشم، و قد جعلت شعبيته بالكلس الّذي إذا أحاطت بالحجر مازجه بمثل جسمه، و لا يستطيع الحديد أن يتعرض إلى هدمه. و فيها أقطع صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بعلبكّ. و أغار فيها على صفت و أعمالها، فقتل طائفة كبيرة من مقاتليها، و كان فروخ شاه من الصناديد الأبطال.

و فيها حج القاضي الفاضل من دمشق و عاد إلى مصر فقاسى في الطريق أهوالا، و لقي ترحا و تعبا و كلالا، و كان في العام الماضي قد حج من مصر و عاد إلى الشام، و كان ذلك العام في حقه أسهل من هذا العام. و فيها كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع و قرى، و مات خلق كثير فيها من الورى، و سقط من رءوس الجبال صخور كبار، و صادمت بين الجبال في البراري و القفار، مع بعد ما بين الجبال من الأقطار. و فيها أصاب الناس غلاء شديد و فناء شريد و جهد جهيد، فمات خلق كثير بهذا و هذا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏.

ذكر وفاة المستضي‏ء بأمر اللَّه و شي‏ء من ترجمته‏

كان ابتداء مرضه أواخر شوال فأرادت زوجته أن تكتم ذلك فلم يمكنها، و وقعت فتنة كبيرة ببغداد و نهبت العوام دورا كثيرة، و أموالا جزيلة، فلما كان يوم الجمعة الثاني و العشرين من شوال خطب لولى العهد أبى العباس أحمد بن المستضي‏ء، و هو الخليفة الناصر لدين اللَّه، و كان يوما مشهودا نثر الذهب فيه على الخطباء و المؤذنين، و من حضر ذلك، عند ذكر اسمه على المنبر. و كان مرضه بالحمى ابتدأ فيها يوم عيد الفطر، و لم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهرا، و مات سلخ شوال، و له من العمر تسع و ثلاثون سنة، و كانت مدة خلافته تسع سنين و ثلاثة أشهر و سبعة عشر يوما، و غسل و صلى عليه من الغد. و دفن بدار النصر التي بناها، و ذلك عن وصيته التي أوصاها، و ترك ولدين أحدهما ولى عهده و هو عدة الدنيا و الدين، أبو العباس أحمد الناصر لدين اللَّه، و الآخر أبو منصور هاشم، و قد وزر له جماعة من الرؤساء، و كان من خيار الخلفاء، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مزيلا عن الناس المكوسات و الضرائب، مبطلا للبدع و المعايب، و كان حليما وقورا كريما، و بويع بالخلافة من بعده لولده الناصر.

و فيها توفى من الأعيان‏

إبراهيم بن على‏

أبو إسحاق الفقه الشافعيّ، المعروف بابن الفراء الأموي ثم البغدادي، كان فاضلا مناظرا

305

فصيحا بليغا شاعرا، توفى عن أربع و سبعين سنة، و صلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية

إسماعيل بن موهوب‏

ابن محمد بن أحمد الخضر أبو محمد الجواليقي، حجة الإسلام، أحد أئمة اللغة في زمانه و المشار إليه من بين أقرانه بحسن الدين و قوة اليقين، و علم اللغة و النحو، و صدق اللهجة و خلوص النية، و حسن السيرة في مرباه و منشاه و منتهاه، سمع الحديث و سمع الأثر و اتبع سبيله و مرماه، (رحمه اللَّه تعالى).

المبارك بن على بن الحسين‏

أبو محمد ابن الطباخ البغدادي، نزيل مكة و مجاورها، و حافظ الحديث بها و المشار إليه بالعلم فيها. كان يوم جنازته يوما مشهودا.

ذكر خلافة الناصر لدين اللَّه أبى العباس أحمد بن المستضي‏ء بأمر اللَّه‏

لما توفى أبوه في سلخ شوال من سنة خمس و سبعين و خمسمائة، بايعه الأمراء و الوزراء و الكبراء و الخاصة و العامة، و كان قد خطب له على المنابر في حياة أبيه قبل موته بيسير، فقيل إنه إنما عهد له قبل موته بيوم، و قيل بأسبوع، و لكن قدر اللَّه أنه لم يختلف عليه اثنان بعد وفاة أبيه، و لقب بالناصر، و لم يل الخلافة من بنى العباس قبله أطول مدة منه، فإنه مكث خليفة إلى سنة وفاته في ثلاث و عشرين و ستمائة، و كان ذكيا شجاعا مهيبا كما سيأتي ذكر سيرته عند وفاته. و في سابع ذي القعدة من هذه السنة عزل صاحب المخزن ظهير الدين أبو بكر بن العطار، و أهين غاية الإهانة، هو و أصحابه و قتل خلق منهم، و شهر في البلد، و تمكن أمر الخليفة الناصر و عظمت هيبته في البلاد، و قام قائم الخلافة في جميع الأمور. و لما حضر عيد الأضحى أقيم على ما جرت به العادة و اللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة ست و سبعين و خمسمائة

فيها هادن السلطان صلاح الدين الفرنج و سار إلى بلاد الروم فأصلح بين ملوكها، من بين أرتق و كرّ على بلاد الأرمن فأقام عليها و فتح بعض حصونها، و أخذ منها غنائم كثيرة جدا، من أواني الفضة و الذهب، لأن ملكها كان قد غدر بقوم من التركمان، فرده إلى بلاده ثم صالحه على مال يحمله إليه و أسارى يطلقهم من أسره، و آخرين يستنقذهم من أيدي الفرنج، ثم عاد مؤيدا منصورا فدخل حماه في أواخر جمادى الآخرة، و امتدحه الشعراء على ذلك، و مات صاحب الموصل سيف الدين غازى بن مودود، و كان شابا حسنا مليح الشكل تام القامة، مدور اللحية، مكث في الملك عشر سنين، و مات عن ثلاثين سنة، و كان عفيفا في نفسه، مهيبا وقورا، لا يلتفت إذا ركب و إذا جلس، و كان غيورا لا يدع أحدا من الخدم الكبار يدخل على النساء، و كان لا يقدم على سفك الدماء، و كان ينسب إلى شي‏ء من البخل سامحه اللَّه، توفى في ثالث صفر، و كان قد عزم على أن يجعل‏

306

الملك من بعده لولده عز الدين سنجر شاه، فلم يوافقه الأمراء خوفا من صلاح الدين لصغر سنه، فاتفقوا كلهم على أخيه فأجلس مكانه في المملكة، و كان يقال له عز الدين مسعود، و جعل مجاهد الدين قايماز نائبة و مدبر مملكته. و جاءت رسل الخليفة يلتمسون من صلاح الدين أن يبقى سروج و الرها و الرقة، و حران و الخابور و نصيبين في يده كما كانت في يد أخيه، فامتنع السلطان من ذلك، و قال: هذه البلاد هي حفظ ثغور المسلمين، و إنما تركتها في يده ليساعدنا على غزو الفرنج، فلم يفعل ذلك، و كتب إلى الخليفة يعرفه أن المصلحة في ترك ذلك عونا للمسلمين.

وفاة السلطان توران شاه‏

فيها توفى السلطان الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب، أخى الملك صلاح الدين، و هو الّذي افتتح بلاد اليمن عن أمر أخيه، فمكث فيها حينا و اقتنى منها أموالا جزيلة، ثم استناب فيها و أقبل إلى الشام شوقا إلى أخيه، و قد كتب إليه في أثناء الطريق شعرا عمله له بعض الشعراء، يقال له ابن المنجم، و كانوا قد و صلوا إلى سما:-

هل لأخى بل مالكي علم بالذي* * * إليه و إن طال التردد راجع‏

و إني بيوم واحد من لقائه* * * على و إن عظم الموت بايع‏

و لم يبق إلا دون عشرين ليلة* * * و يحيى اللقا أبصارنا و المسامع‏

إلى ملك تعنو الملوك إذا بدا* * * و تخشع إعظاما له و هو خاشع‏

كتبت و أشواقى إليك ببعضها* * * تعلمت النوح الحمام السواجع‏

و ما الملك إلا راحة أنت زندها* * * تضم على الدنيا و نحن الأصابع‏

و كان قدومه على أخيه سنة إحدى و سبعين و خمسمائة، فشهد معه مواقف مشهودة محمودة، و استنابه على دمشق مدة، ثم سار إلى مصر فاستنابه على الاسكندرية فلم توافقه، و كانت تعتريه القوالنج فمات في هذه السنة، و دفن بقصر الامارة فيها، ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب فدفنته بتربتها التي بالشامية البرانية، فقبره القبلي، و الوسطاني قبر زوجها و ابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حماه و الرحبة، و المؤخر قبرها، و التربة الحسامية منسوبة إلى ولدها حسام الدين عمر بن لاشين، و هي إلى جانب المدرسة من غربها، و قد كان توران شاه هذا كريما شجاعا عظيم الهيبة كبير النفس، واسع النفقة و العطاء، قال فيه ابن سعدان الحلبي:

هو الملك إن تسمع بكسرى و قيصر* * * فإنهما في الجود و الباس عبداه‏

و ما حاتم ممن يقاس بمثله* * * فخذ ما رأيناه و دع ما رويناه‏

و لذ بعلاه مستجيرا فإنه* * * يجيرك من جور الزمان و عدواه‏

307

و لا تحمل للسحائب منه إذا* * * هطلت جودا سحائب كفاه‏

فترسل كفاه بما اشتق منهما* * * فلليمن يمناه و لليسر يسراه‏

و لما بلغ موته أخاه صلاح الدين بن أيوب و هو مخيم بظاهر حمص، حزن عليه حزنا شديدا، و جعل ينشد باب المراثي من الحماسة و كانت محفوظة.

و في رجب منها قدمت رسل الخليفة الناصر و خلع و هدايا إلى الناصر صلاح الدين، فلبس خلعة الخليفة بدمشق، و زينت له البلد، و كان يوما مشهودا. و في رجب أيضا منها سار السلطان إلى مصر لينظر في أحوالها و يصوم بها رمضان، و من عزمه أن يحج عامه ذلك، و استناب على الشام ابن أخيه عز الدين فروخ شاه، و كان عزيز المثل غزير الفضل، فكتب القاضي الفاضل عن الملك العادل أبى بكر إلى أهل اليمن و البقيع و مكة يعلمهم بعزم السلطان الناصر على الحج، و معه صدر الدين أبو القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ ببغداد، الّذي قدم من جهة الخليفة في الرسالة، و جاء بالخلع ليكون في خدمته إلى الديار المصرية، و في صحبته إلى الحجاز، فدخل السلطان مصر و تلقاه الجيش، و أما شيخ الشيوخ فإنه لم يقم بها إلا قليلا حتى توجه إلى الحجاز في البحر، فأدرك الصيام في المسجد الحرام.

و فيها سار قراقوش التقوى إلى المغرب فحاصر بها فاس و قلاعا كثيرة حولها، و استحوذ على أكثرها، و اتفق له أنه أسر من بعض الحصون غلاما أسود فأراد قتله فقال له أهل الحصن لا تقتله و خذ لك ديته عشرة آلاف دينار، فأبى فأوصله إلى مائة ألف، فأبى إلا قتله فقتله، فلما قتله نزل صاحب الحصن و هو شيخ كبير و معه مفاتيح ذلك الحصن، فقال له خذ هذه فانى شيخ كبير، و إنما كنت أحفظه من أجل هذا الصبى الّذي قتلته، و لي أولاد داخ أكره أن يملكوه بعدي، فأقره فيه و أخذ منه أموالا كثيرة.

و فيها توفى من الأعيان‏

الحافظ أبو طاهر السلفي‏

أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الحافظ الكبير المعمر، أبو طاهر السلفي الأصبهاني، و إنما قيل له السلفي لجده إبراهيم سلفة، لأنه كان مشقوق إحدى الشفتين، و كان له ثلاث شفاه فسمته الأعاجم لذلك. قال ابن خلكان: و كان يلقب بصدر الدين، و كان شافعيّ المذهب، ورد بغداد و اشتغل بها على الكيا الهراسي، و أخذ اللغة عن الخطيب أبى زكريا. يحيى بن على التبريزي سمع الحديث الكثير و رحل في طلبه إلى الآفاق ثم نزل ثغر الاسكندرية في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و بنى له العادل أبو الحسن على بن السلار وزير الخليفة الظافر مدرسة، و فوضها إليه، فهي معروفة به إلى الآن. قال ابن خلكان: و أما أماليه و كتبه و تعاليقه فكثيرة جدا، و كان مولده فيما ذكر المصريون سنة ثنتين و سبعين و أربعمائة، و نقل الحافظ عبد الغنى عنه أنه قال اذكر مقتل نظام الملك في سنة

308

خمس و ثمانين و أربعمائة ببغداد، و أنا ابن عشر تقريبا، و نقل أبو القاسم الصفراوي أنه قال: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان و سبعين، فيكون مبلغ عمره ثمانيا و تسعين سنة، لأنه توفى ليلة الجمعة خامس ربيع الأخر سنة ست و سبعين و خمسمائة بثغر الاسكندرية و اللَّه أعلم، و دفن بوعلة، و فيها جماعة من الصالحين. و قد رجح ابن خلكان قول الصفراوي، قال و لم يبلغنا من ثلاثمائة أن أحدا جاوز المائة إلا القاضي أبا الطيب الطبري، و قد ترجمه ابن عساكر في تاريخه ترجمة حسنة، و إن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث و دورانه في الأقاليم، و أنه كان يتصوف أولا ثم أقام بثغر الاسكندرية و تزوج بامرأة ذات يسار، فحسنت حاله، و بنت عليه مدرسة هناك، و ذكر طرفا من أشعاره منها قوله:

أ تأمن إلمام المنية بغتة* * * و أمن الفتى جهل و قد خبر الدهرا

و ليس يحابي الدهر في دورانه* * * أراذل أهليه و لا السادة الزهرا

و كيف و قد مات النبي و صحبه* * * و أزواجه طرا و فاطمة الزهرا

و له أيضا:

يا قاصدا علم الحديث لدينه* * * إذ ضل عن طرق الهداية وهمه‏

إن العلوم كما علمت كثيرة* * * و أجلها فقه الحديث و علمه‏

من كان طالبه و فيه تيقظ* * * فأتم سهم في المعالي سهمه‏

لو لا الحديث و أهله لم يستقم* * * دين النبي و شذ عنا حكمه‏

و إذا استراب بقولنا متحذلق* * * ما كل فهم في البسيطة فهمه‏

ثم دخلت سنة سبع و سبعين و خمسمائة

استهلت و صلاح الدين مقيم بالقاهرة مواظب على سماع الحديث، و جاءه كتاب من نائبة بالشام عز الدين فروخ شاه يخبره فيه بما من اللَّه به على الناس من ولادة النساء بالتوأم جبرا لما كان أصابهم من الوباء بالعام الماضي و الفناء، و بأن الشام مخصبة باذن اللَّه لما كان أصابهم من الغلاء. و في شوال توجه الملك صلاح الدين إلى الاسكندرية لينظر ما أمر به من تحصين سورها و عمارة أبراجها و قصورها، و سمع بها موطأ مالك على الشيخ أبى طاهر بن عوف، عن الطرطوشي، و سمع معه العماد الكاتب، و أرسل القاضي الفاضل رسالة إلى السلطان يهنئه بهذا السماع.

ذكر وفاة الملك الصالح بن نور الدين الشهيد «صاحب حلب و ما جرى بعده من الأمور»

كانت وفاته في الخامس و العشرين من رجب من هذه السنة بقلعة حلب، و دفن بها، و كان سبب وفاته فيما قيل أن الأمير علم الدين سليمان بن حيدر سقاه سما في عنقود عنب في الصيد، و قيل‏

309

بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب فاعتراه قولنج فما زال كذلك حتى مات و هو شاب حسن الصورة، بهي المنظر، و لم يبلغ عشرين سنة، و كان من أعف الملوك و من أشبه أباه فما ظلم، وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر فاستفتي الفقهاء في شربها تداويا فأفتوه بذلك، فقال: أ يزيد شربها في أجلى أو ينقص منه تركها شيئا؟ قالوا: لا قال: فو اللَّه لا أشربها و ألقى اللَّه و قد شربت ما حرمه على. و لما يئس من نفسه استدعا الأمراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، لقوة سلطانه و تمكنه، ليمنعها من صلاح الدين، و خشي أن يبايع لابن عمه الآخر عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، و هو زوج أخته و تربية والده، فلا يمكنه حفظها من صلاح الدين، فلما مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين، صاحب الموصل، فجاء إليهم فدخل حلب في أبهة عظيمة، و كان يوما مشهودا، و ذلك في العشرين من شعبان، فتسلم خزائنها و حواصلها. و ما فيها من السلاح، و كان تقى الدين عمه في مدينة منبج فهرب إلى حماه فوجد أهلها قد نادوا بشعار صاحب الموصل و أطمع الحلبيون مسعودا بأخذ دمشق لغيبة صلاح الدين عنها، و أعلموه محبة أهل الشام لهذا البيت الاتابكى نور الدين، فقال لهم: بيننا و بين صلاح الدين أيمان و عهود، و أنا لا أغدر به، فأقام بحلب شهورا و تزوج بأم الملك الصالح في شوال، ثم سار إلى الرقة فنزلها و جاءه رسل أخيه عماد الدين زنكي يطلب منه أن يقايضه من حلب إلى سنجار، و ألح عليه في ذلك، و تمنع أخوه ثم فعل على كره منه، فسلم إليه حلب و تسلم عز الدين سنجار و الخابور و الرقة و نصيبين و سروج و غير ذلك من البلاد.

و لما سمع الملك صلاح الدين بهذه الأمور ركب من الديار المصرية في عساكره فسار حتى أتى الفرات فعبرها، و خامر إليه بعض أمراء صاحب الموصل، و تقهقر صاحب الموصل عن لقائه، و استحوذ صلاح الدين على بلاد الجزيرة بكمالها، و هم بمحاصرة الموصل فلم يتفق له ذلك، ثم جاء إلى حلب فتسلمها من عماد الدين زنكي لضعفه عن ممانعتها، و لقلة ما ترك فيها عز الدين من الأسلحة، و ذلك في السنة الآتية.

و فيها عزم البرنس صاحب الكرك على قصد تيماء من أرض الحجاز، ليتوصل منها إلى المدينة النبويّة، فجهز له صلاح الدين سرية من دمشق تكون حاجزة بينه و بين الحجاز، فصده ذلك عن قصده. و فيها ولى السلطان صلاح الدين أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب نيابة اليمن، و أرسله إليها، و ذلك لاختلاف نوابها و اضطراب أصحابها، بعد وفاة المعظم أخى السلطان، فسار إليها طغتكين فوصلها في سنة ثمان و سبعين، فسار فيها أحسن سيرة، و احتاط على أموال حطان بن منقذ صاحب زبيد، و كانت تقارب ألف ألف دينار أو أكثر، و أما نائب عدن فخر الدين عثمان [الزنجبيلى‏] فإنه خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين فسكن الشام، و له أوقاف مشهورة

310

باليمن و مكة، و إليه تنسب المدرسة الزنجبيلية، خارج باب توما، تجاه دار المطعم، و كان قد حصل من اليمن أموالا عظيمة جدا.

و فيها غدرت الفرنج و نقضت عهودها، و قطعوا السبل على المسلمين برا و بحرا و سرا و جهرا، فأمكن اللَّه من لطيشة عظيمة فيها نحو من ألفين و خمسمائة من مقاتلتهم المعدودين، ألقاها الموج إلى ثغر دمياط قبل خروج السلطان من مصر، فأحيط بها فغرق بعضهم و حصل في الأسر نحو ألف و سبعمائة. و فيها سار قراقوش إلى بلاد إفريقية ففتح بلادا كثيرة، و قاتل عسكر ابن عبد المؤمن صاحب المغرب، و استفحل أمره هناك، و قراقوش مملوك تقى الدين عمر بن أخى السلطان صلاح الدين، ثم عاد إلى مصر فأمره صلاح الدين أن يتم السور المحيط بالقاهرة و مصر، و ذلك قبل خروجه منها في هذه السنة، و كان ذلك آخر عهده بها حتى توفاه اللَّه بعد أن أناله اللَّه بلوغ مناه، ففتح عليه بيت المقدس و ما حوله، و لما خيم بارزا، من مصر و أولاده حوله جعل يشمهم و يقبلهم و يضمهم فأنشد بعضهم في ذلك:

تمتع من شميم عرار نجد* * * فما بعد العشية من عرار

و كان الأمر كما قال، لم يعد إلى مصر بعد هذا العام، بل كان مقامه بالشام. و فيها ولد للسلطان ولدان أحدهما المعظم توران شاه، و الملك المحسن أحمد، و كان بين ولادتهما سبعة أيام، فزينت البلاد و استمر الفرح أربعة عشر يوما.

و فيها توفى من الأعيان.

الشيخ كمال الدين أبو البركات‏

عبد الرحمن بن محمد بن أبى السعادات، عبيد اللَّه بن محمد بن عبيد اللَّه الأنباري النحويّ الفقيه العابد الزاهد، كان خشن العيش، و لا يقبل من أحد شيئا، و لا من الخليفة، و كان يحضر نوبة الصوفية بدار الخلافة، و لا يقبل من جوائز الخليفة و لا فلسا، و كان مثابرا على الاشتغال، و له تصانيف مفيدة، توفى في شعبان من هذه السنة. قال ابن خلكان: له كتاب أسرار العربية مفيد جدا، و طبقات النحاة، مفيد جدا، و كتاب الميزان في النحو أيضا، و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة ثمان و سبعين و خمسمائة

في خامس محرمها كان بروز السلطان من مصر قاصدا دمشق لأجل الغزو و الإحسان إلى الرعايا و كان ذلك آخر عهده بمصر، و أغار بطريقة على بعض نواحي بلاد الافرنج، و قد جعل أخاه تاج الملوك بورى بن أيوب على الميمنة، فالتقوا على الأزرق بعد سبعة أيام، و قد أغار عز الدين فروخ شاه على بلاد طبرية و افتتح حصونا جيدة، و أسر منهم خلقا، و اغتنم عشرين ألف رأس من الأنعام، و دخل الناصر دمشق سابع صفر ثم خرج منها في العشر الأول من ربيع الأول، فاقتتل مع الفرنج‏

311

في نواحي طبرية و بيسان تحت حصن كوكب، فقتل خلق من الفريقين، و كانت النصرة للمسلمين على الفرنج، ثم رجع إلى دمشق مؤيدا منصورا، ثم ركب قاصدا حلب و بلاد الشرق ليأخذها و ذلك أن المواصلة و الحلبيين كاتبوا الفرنج على حرب المسلمين، فغارت الفرنج على بعض أطراف البلاد ليشغلوا الناصر عنهم بنفسه، فجاء إلى حلب فحاصرها ثلاثا، ثم رأى العدول عنها إلى غيرها أولى، فسار حتى بلغ الفرات، و استحوذ على بلاد الجزيرة و الرها و الرقة و نصيبين، و خضعت له الملوك، ثم عاد إلى حلب فتسلمها من صاحبها عماد الدين زنكي، فاستوثقت له الممالك شرقا و غربا، و تمكن حينئذ من قتال الفرنج.

فصل‏

و لما عجز ابرنس الكرك عن إيصال الأذى إلى المسلمين في البر، عمل مراكب في بحر القلزم ليقطعوا الطريق على الحجاج و التجار، فوصلت أذيتهم إلى عيذاب، و خاف أهل المدينة النبويّة من شرهم، فأمر الملك العادل الأمير حسام الدين لؤلؤ صاحب الأسطول أن يعمل مراكبه في بحر القلزم ليحارب أصحاب الابرنس، ففعل ذلك فظفر بهم في كل موطن، فقتلوا منهم و حرقوا و غرقوا و سبوا في مواطن كثيرة، و مواقف هائلة، و أمن البر و البحر باذن اللَّه تعالى، و أرسل الناصر إلى أخيه العادل ليشكر ذلك عن مساعيه، و أرسل إلى ديوان الخليفة يعرفهم بذلك.

فصل في وفاة المنصور عز الدين‏

فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبكّ و نائب دمشق لعمه الناصر، و هو والد الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبكّ بعد أبيه، و إليه تنسب المدرسة الفروخ شاهية بالشرق الشمالي بدمشق، و إلى جانبها التربة الأمجدية لولده، و هما وقف على الحنفية و الشافعية، و قد كان فروخ شاه شجاعا شهما عاقلا ذكيا كريما ممدحا، امتدحه الشعراء لفضله و جوده، و كان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبى اليمن الكندي، عرفه من مجلس القاضي الفاضل، فانتمى إليه، و كان يحسن إليه، و له و للعماد الكاتب فيه مدائح، و كان ابنه الأمجد شاعرا جيدا، ولاه عم أبيه صلاح الدين بعلبكّ بعد أبيه، و استمر فيها مدة طويلة، و من محاسن فروخ شاه صحبته لتاج الدين الكندي و له شعر رائق:

أنا في أسر السقام* * * و هو في هذا المقام‏

رشا يرشق عيناه* * * فؤادي بسهام‏

كلما أرشفنى فاه* * * على حر الأوام‏

ذقت منه الشهد* * * المصفى في المدام‏

و قد دخل يوما الحمام فرأى رجلا كان يعرفه من أصحاب الأموال، و قد نزل به الحال حتى إنه كان يستتر ببعض ثيابه لئلا تبدو عورته، فرق له و أمر غلامه أن ينقل بقجة و بساطا إلى موضع الرجل،

312

و أمره فأحضر ألف دينار و بغلة و توقيعا له في كل شهر بعشرين ألف دينار، فدخل الرجل الحمام فقيرا و خرج منه غنيا، فرحمة اللَّه على الأجواد الجياد

و فيها توفى من الأعيان.

الشيخ أبو العباس‏

أحمد بن أبى الحسن على بن أبى العباس أحمد المعروف بابن الرفاعيّ، شيخ الطائفة الأحمدية الرفاعية البطائحية، لسكناه أم عبيدة من قرى البطائح، و هي بين البصرة و واسط، كان أصله من العرب فسكن هذه البلاد، و التف عليه خلق كثير، و يقال: إنه حفظ التنبيه في الفقه على مذهب الشافعيّ. قال ابن خلكان: و لأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات و هي حية، و الدخول في النار في التنانير و هي تضطرم، و يلعبون بها و هي تشتعل، و يقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود.

و ذكر ابن خلكان أنه قال و ليس للشيخ أحمد عقب، و إنما النسل لأخيه و ذريته يتوارثون المشيخة بتلك البلاد. و قال: و من شعره على ما قيل:

إذا جن ليلى هام قلبي بذكركم* * * أنوح كما ناح الحمام المطوق‏

و فوقى سحاب يمطر الهم و الأسى* * * و حتى بحار بالأسى تتدفق‏

سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها* * * تفك الأسارى دونه و هو موثق‏

فلا هو مقتول ففي القتل راحة* * * و لا هو ممنون عليه فيطلق‏

و من شعره قوله:

أغار عليها من أبيها و أمها* * * و من كل من يدنو إليها و ينظر

و أحسد للمرآة أيضا بكفها* * * إذا نظرت مثل الّذي أنا انظر

قال: و لم يزل على تلك الحال إلى أن توفى يوم الخميس الثاني و العشرين من جمادى الأولى من هذه السنة.

خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال‏

أبو القاسم القرطبي الحافظ المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف، له كتاب الصلة جعله ذيلا على تاريخ أبى الوليد بن الفرضيّ، و له كتاب المستغيثين باللَّه، و له مجلدة في تعيين الأسماء المبهمة على طريق الخطيب، و له أسماء من روى الموطأ على حروف المعجم، بلغوا ثلاثة و سبعين رجلا، مات في رمضان عن أربع و ثمانين سنة.

العلامة قطب الدين أبو المعالي‏

مسعود بن محمد بن مسعود النيسابورىّ، تفقه على محمد بن يحيى صاحب الغزالي، قدم دمشق و درس بالغزالية و المجاهدية، و بحلب بمدرسة نور الدين و أسد الدين، ثم بهمدان، ثم رجع إلى دمشق و درس بالغزالية و انتهت إليه رياسة المذهب، و مات بها في سلخ رمضان يوم العيد سنة ثمان و سبعين‏

313

و خمسمائة، عن ثلاث و تسعين سنة، و عنه أخذ الفخر ابن عساكر و غيره، و هو الّذي صلى على الحافظ ابن عساكر و اللَّه سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة تسع و سبعين و خمسمائة

في رابع عشر محرمها تسلم السلطان الناصر مدينة آمد صلحا بعد حصار طويل، من يد صاحبها ابن بيسان، بعد حمل ما أمكنه من حواصله و أمواله مدة ثلاثة أيام، و لما تسلم البلد وجد فيه شيئا كثيرا من الحواصل و آلات الحرب، حتى إنه وجد برجا مملوءا بنصول النشاب، و برجا آخر فيه مائة ألف شمعة، و أشياء يطول شرحها، و وجد فيها خزانة كتب ألف ألف مجلد، و أربعين ألف مجلد، فوهبها كلها للقاضي الفاضل، فانتخب منها حمل سبعين حمارة. ثم وهب السلطان البلد بما فيه لنور الدين محمد بن قرأ أرسلان- و كان قد وعده بها- فقيل له: إن الحواصل لم تدخل في الهبة، فقال:

لا أبخل بها عليه، و كان في خزانتها ثلاثة آلاف ألف دينار، فامتدحه الشعراء على هذا الصنيع.

و من أحسن ذلك قول بعضهم:

قل للملوك تنحوا عن ممالككم* * * فقد أتى آخذ الدنيا و معطيها

ثم سار السلطان في بقية المحرم إلى حلب فحاصرها و قاتله أهلها قتالا شديدا، فجرح أخو السلطان تاج الملوك بورى بن أيوب جرحا بليغا، فمات منه بعد أيام، و كان أصغر أولاد أيوب، لم يبلغ عشرين سنة، و قيل إنه جاوزها بثنتين، و كان ذكيا فهما، له ديوان شعر لطيف، فحزن عليه أخوه صلاح الدين حزنا شديدا، و دفنه بحلب، ثم نقله إلى دمشق، ثم اتفق الحال بين الناصر و بين صاحب حلب عماد الدين زنكي بن آقسنقر على عوض أطلقه له الناصر، بأن يرد عليه سنجار و يسلمه حلب، فخرج عماد الدين من القلعة إلى خدمة الناصر و عزاه في أخيه و نزل عنده في المخيم، و نقل أثقاله إلى سنجار، و زاده السلطان الخابور و الرقة و نصيبين و سروج و اشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة لأجل الغزاة في الفرنج، ثم سار و ودعه السلطان و مكث السلطان في المخيم يرى حلب أياما غير مكترث بحلب و لا وقعت منه موقعا، ثم صعد إلى قلعتها يوم الاثنين السابع و العشرين من صفر، و عمل له الأمير طهمان وليمة عظيمة، فتلا هذه الآية و هو داخل في بابها (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) الآية. و لما دخل دار الملك تلا قوله تعالى‏ (وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ) الآية، و لما دخل مقام إبراهيم صلى فيه ركعتين و أطال السجود به، و الدعاء و التضرع إلى اللَّه، ثم شرع في عمل وليمة، و ضربت البشائر، و خلع على الأمراء، و أحسن إلى الرؤساء و الفقراء، و وضعت الحرب أوزارها، و قد امتدحه الشعراء بمدائح حسان. ثم إن القلعة وقعت منه بموقع عظيم، ثم قال: ما سررت بفتح قلعة أعظم سرورا من فتح مدينة حلب، و أسقطت عنها و عن سائر بلاد الجزيرة المكوس‏

314

و الضرائب، و كذلك عن بلاد الشام و مصر، و قد عاث الفرنج في غيبته في الأرض فسادا، فأرسل إلى عساكره فاجتمعوا إليه، و كان قد بشر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب، و ذلك أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الشافعيّ رأى في تفسير أبى الحكم العربيّ عند قوله: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) الآية، البشارة بفتح بيت المقدس في سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و استدل على ذلك بأشياء، فكتب ذلك في ورقة و أعطاها للفقيه عيسى الهكارى، ليبشر بها السلطان، فلم يتجاسر على ذلك خوفا من عدم المطابقة، فأعلم بذلك القاضي محيي الدين بن الزكي، فنظم معناها في قصيدة يقول فيها:

و فتحكم حلب الشهباء في صفر* * * قضى لكم بافتتاح القدس في رجب‏

[ (1)] و قدمها إلى السلطان فتاقت نفسه إلى ذلك، فلما افتتحها كما سيأتي أمر ابن الزكي فخطب يومئذ و كان يوم الجمعة، ثم بلغه بعد ذلك أن [ابن‏] جهبل هو الّذي قال ذلك أولا، فأمره فدرس على نفس الصخرة درسا عظيما، فأجزل له العطاء، و أحسن عليه الثناء.

فصل‏

ثم رحل من حلب في أواخر ربيع الآخر و استخلف على حلب ولده الظاهر غازى، و ولى قضاءها لابن الزكي، فاستناب له فيها نائبا، و سار مع السلطان، فدخلوا دمشق في ثالث جمادى الأولى و كان ذلك يوما مشهودا، ثم برز منها خارجا إلى قتال الفرنج في أول جمادى الآخرة قاصدا نحو بيت المقدس، فانتهى إلى بيسان فنهبها، و نزل على عين جالوت، و أرسل بين يديه سرية هائلة فيها بردويل و طائفة من النورية، و جاء مملوك عمه أسد الدين فوجدوا جيش الفرنج قاصدين إلى أصحابهم نجدة، فالتقوا معهم فقتلوا من الفرنج خلقا و أسروا مائة أسير، و لم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد، ثم عاد في آخر ذلك اليوم، و بلغ السلطان أن الفرنج قد اجتمعوا لقتاله، فقصدهم و تصدى لهم لعلهم يصافونه، فالتقى معهم فقتل منهم خلقا كثيرا، و جرح مثلهم فرجعوا ناكصين على أعقابهم خائفين منه غاية المخافة، و لا زال جيشه خلفهم يقتل و يأسر حتى غزوا في بلادهم فرجعوا عنهم، و كتب القاضي الفاضل إلى الخليفة يعلمه بما منّ اللَّه عليه و على المسلمين من نصرة الدين، و كان لا يفعل شيئا و لا يريد أن يفعله إلا أطلع عليه الخليفة أدبا و احتراما و طاعة و احتشاما.

فصل‏

و في رجب سار السلطان إلى الكرك فحاصرها و في صحبته تقى الدين عمر بن أخيه، و قد كتب لأخيه العادل ليحضر عنده ليوليه حلب و أعمالها وفق ما كان طلب، و استمر الحصار على الكرك‏

____________

[ (1)] و في النجوم الزاهرة: و فتحه حلبا بالسيف في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب.

315

مدة شهر رجب، و لم يظفر منها بطلب، و بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا كلهم ليمنعوا منه الكرك فكرّ راجعا إلى دمشق- و ذلك من أكبر همته- و أرسل ابن أخيه تقى الدين إلى مصر نائبا، و في صحبته القاضي الفاضل، و بعث أخاه على مملكة حلب و أعمالها، و استقدم ولده الظاهر إليه، و كذلك نوابه و من يعز عليه، و إنما أعطى أخاه حلب ليكون قريبا منه، فإنه كان لا يقطع أمرا دونه، و اقترض السلطان من أخيه العادل مائة ألف دينار، و تألم الظاهر بن الناصر على مفارقة حلب، و كانت إقامته بها ستة أشهر، و لكن لا يقدر أن يظهر ما في نفسه لوالده، لكن ظهر ذلك على صفحات وجهه و لفظات لسانه‏

ثم دخلت سنة ثمانين و خمسمائة هجرية

فيها أرسل الناصر إلى العساكر الحلبية و الجزيرية و المصرية و الشامية أن يقدموا عليه لقتال الفرنج، فقدم عليه تقى الدين عمر من مصر و معه الفاضل، و من حلب العادل، و قدمت ملوك الجزيرة و سنجار و غيرها، فأخذ الجميع و سار نحو الكرك فأحدقوا بها في رابع عشر جمادى الأولى، و ركب عليها المنجنيقات، و كانت تسعة، و أخذ في حصارها، و ذلك أنه رأى أن فتحها أنفع للمسلمين من غيرها، فان أهلها يقطعون الطريق على الحجاج، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا له كلهم فارسهم و راجلهم، ليمنعوا منه الكرك، فانشمر عنها و قصدهم فنزل على حسان تجاههم، ثم صار إلى ما عر، فانهزمت الفرنج قاصدين الكرك، فأرسل وراءهم من قتل منهم مقتلة عظيمة، و أمر السلطان بالاغارة على السواحل لخلوها من المقاتلة، فنهبت نابلس و ما حولها من القرى و الرساتيق، ثم عاد السلطان إلى دمشق فأذن للعساكر في الانصراف إلى بلادهم، و أمر ابن أخيه عمر الملك المظفر أن يعود إلى مصر، و أقام هو بدمشق ليؤدى فرض الصيام، و ليجل الخيل و يحد الحسام، و قدم على السلطان خلع الخليفة فلبسها، و ألبس أخاه العادل، و ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، ثم خلع خلعته على ناصر الدين بن قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا و آمد التي أطلقها له السلطان.

و فيها مات‏

صاحب المغرب‏

يوسف بن عبد المؤمن بن على‏

و قام في الملك بعده ولده يعقوب. و في أواخرها بلغ صلاح الدين أن صاحب الموصل نازل أربل فبعث صاحبها يستصرخ به، فركب من فوره إليه، فسار إلى بعلبكّ ثم إلى حماه، فأقام بها أياما ينتظر وصول العماد إليه، و ذلك لانه حصل له ضعف فأقام ببعلبكّ، و قد أرسل إليه الفاضل من دمشق طبيبا يقال له أسعد بن المطران، فعالجه مداواة من طب لمن حب.

ثم دخلت سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة

استهلت و السلطان مخيم بظاهر حماه، ثم سار إلى حلب، ثم خرج منها في صفر قاصدا الموصل فجاء إلى حران فقبض على صاحبها مظفر الدين، و هو أخو زين الدين صاحب إربل، ثم رضى عنه‏

316

و أعاده إلى مملكته حتى يتبين خبث طويته، ثم سار إلى الموصل فتلقاه الملوك من كل ناحية، و جاء إلى خدمته عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان، و سار السلطان فنزل على الإسماعيليات قريبا من الموصل، و جاءه صاحب إربل نور الدين الّذي خضعت له ملوك تلك الناحية، ثم أرسل صلاح الدين ضياء الدين الشهرزوريّ إلى الخليفة يعلمه بما عزم عليه من حصار الموصل، و إنما مقصوده ردهم إلى طاعة الخليفة، و نصرة الإسلام، فحاصرها مدة ثم رحل عنها و لم يفتحها، و سار إلى خلاط و استحوذ على بلدان كثيرة، و أقاليم جمة ببلاد الجزيرة و ديار بكر، و جرت أمور استقصاها ابن الأثير في كامله، و صاحب الروضتين، ثم وقع الصلح بينه و بين المواصلة، على أن يكونوا من جنده إذا ندبهم لقتال الفرنج، و على أن يخطب له و تضرب له السكة، ففعلوا ذلك في تلك البلاد كلها، و انقطعت خطبة السلاجقة و الازيقية بتلك البلاد كلها، ثم اتفق مرض السلطان بعد ذلك مرضا شديدا، فكان يتجلد و لا يظهر شيئا من الألم حتى قوى عليه الأمر و تزايد الحال، حتى وصل إلى حران فخيم هنالك من شدة ألمه، و شاع ذلك في البلاد، و خاف الناس عليه و أرجف الكفرة و الملحدون بموته، و قصده أخوه العادل من حلب بالأطباء و الأدوية، فوجده في غاية الضعف، و أشار عليه بأن يوصى، فقال:

ما أبالى و أنا أترك من بعدي أبا بكر و عمر و عثمان و عليا- يعنى أخاه العادل و تقى الدين عمر صاحب حماه و هو إذ ذاك نائب مصر، و هو بها مقيم، و ابنيه العزيز عثمان و الأفضل عليا- ثم نذر لئن شفاه اللَّه من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج، و لا يقاتل بعد ذلك مسلما، و ليجعل أكبر همه فتح بيت المقدس، و لو صرف في سبيل اللَّه جميع ما يملكه من الأموال و الذخائر، و ليقتلن البرنس صاحب الكرك بيده، لأنه نقض العهد و تنقبص الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ذلك أنه أخذ قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام، فأخذ أموالهم و ضرب رقابهم، و هو يقول: أين محمدكم؟ دعوه ينصركم، و كان هذا النذر كله بإشارة القاضي الفاضل، و هو أرشده إليه و حثه عليه، حتى عقده مع اللَّه عز و جل، فعند ذلك شفاه اللَّه و عافاه من ذلك المرض الّذي كان فيه، كفارة لذنوبه، و جاءت البشارات بذلك من كل ناحية، فدقت البشائر و زينت البلاد، و كتب الفاضل من دمشق و هو مقيم بها إلى المظفر عمر أن العافية الناصرية قد استقامت و استفاضت أخبارها، و طلعت بعد الظلمة أنوارها، و ظهرت بعد الاختفاء آثارها، و ولت العلة و للَّه الحمد و المنة، و طفئت نارها، و انجلى غبارها، و خمد شرارها، و ما كانت إلا فلتة وقى اللَّه شرها و شنارها، و عظمية كفى اللَّه الإسلام عارها، و توبة امتحن اللَّه بها نفوسنا، فرأى أقل ما عندها صبرنا، و ما كان اللَّه ليضيع الدعاء و قد أخلصته القلوب، و لا تتوقف الاجابة و إن سدت طريقها الذنوب، و لا ليخلف وعد فرج و قد أيس الصاحب و المصحوب:

نعى زاد فيه الدهر ميما* * * فأصبح بعد بؤساه نعيما

317

و ما صدق النذير به لانى* * * رأيت الشمس تطلع و النجوما

و قد استقبل مولانا السلطان الملك الناصر غضة جديدة، و العزمة ماضية حديدة، و النشاط إلى الجهاد، و التوبة لرب العباد، و الجنة مبسوطة البساط، و قد انقضى الحساب و جزنا الصراط، و عرضنا نحن على الأهوال التي من خوفها كاد الجمل يلج بسم الخياط. ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم ركب فدخل دمشق، و قد تكاملت عافيته، و قد كان يوما مشهودا.

و فيها توفى من الأعيان‏

الفقيه مهذب الدين.

عبد اللَّه بن أسعد الموصلي‏

مدرس حمص، و كان بارعا في فنون، و لا سيما في الشعر و الأدب، و قد أثنى عليه العماد، و الشيخ شهاب الدين أبو شامة.

الأمير ناصر الدين محمد بن شيركوه‏

صاحب حمص و الرحبة، و هو ابن عم صلاح الدين، و زوج أخته ست الشام بنت أيوب، توفى بحمص فنقلته زوجته إلى تربتها بالشامية البرانية، و قبره الأوسط بينها و بين أخيها المعظم توران شاه صاحب اليمن، و قد خلف من الأموال و الذخائر شيئا كثيرا، ينيف على ألف ألف دينار توفى يوم عرفة فجأة فولى بعده مملكة حمص ولده أسد الدين شيركوه بأمر صلاح الدين.

المحمودي بن محمد بن على بن إسماعيل‏

ابن عبد الرحيم الشيخ جمال الدين أبو الثناء محمودي بن الصابوني، كان أحد الأئمة المشهورين، و إنما يقال له المحمودي لصحبة جده السلطان محمود بن زنكي، فأكرمه ثم سار إلى مصر فنزلها، و كان صلاح الدين يكرمه، و أوقف عليه و على ذريته أرضا، فهي لهم إلى الآن.

الأمير الكبير سعد الدين مسعود

ابن معين الدين، كان من كبار الأمراء أيام نور الدين و صلاح الدين، و هو أخو الست خاتون و حين تزوجها صلاح الدين زوجه بأخته الست ربيعة خاتون بنت أيوب، التي تنسب إليها المدرسة الصاحبية بسفح قيسون على الحنابلة، و قد تأخرت مدتها فتوفيت في سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، و كانت آخر من بقي من أولاد أيوب لصلبه، و كانت وفاته بدمشق في جمادى الآخرة من جرح أصابه و هو في حصار ميافارقين.

الست خاتون عصمت الدين‏

بنت معين الدين، نائب دمشق، و أتابك عساكرها قبل نور الدين كما تقدم، و قد كانت زوجة نور الدين ثم خلف عليها من بعده صلاح الدين في سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة، و كانت من أحسن النساء و أعفهن و أكبرهن صدقة، و هي واقفة الخاتونية الجوانية بمحلة حجر الذهب،

318

و خانقات خاتون ظاهر باب النصر في أول الشرف القبلي على بانياس، و دفنت بتربتها في سفح قائسون قريبا من قباب السركسية، و إلى جنبها دار الحديث الأشرفية و الاتابكية، و لها أوقاف كثيرة غير ذلك، و أما الخاتونية البرانية التي على القنوات بمحلة صنعاء الشام، و يعرف ذلك المكان التي هي فيه بتل الثعالب، فهي من إنشاء الست زمرد خاتون بنت جاولى، و هي أخت الملك دقماق لأمه، و كانت زوجة زنكي والد نور الدين محمود، صاحب حلب، و قد ماتت قبل هذا الحين كما تقدمت وفاتها

الحافظ الكبير أبو موسى المديني‏

محمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ الموسوي المديني، أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين له مصنفات عديدة، و شرح أحاديث كثيرة (رحمه اللَّه).

السهيليّ أبو القاسم‏

و أبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبى محمد عبد اللَّه بن الخطيب أبى عمر أحمد بن أبى الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح- هو الداخل إلى الأندلس- الخثعميّ السهيليّ، حكى القاضي ابن خلكان أنه أملى عليه نسبه كذلك، قال و السهيليّ نسبة إلى قرية بالقرب من مالقة اسمها سهيل، لأنه لا يرى سهيل النجم في شي‏ء من تلك البلاد إلا منها من رأس جبل شاهق عندها، و هي من قرى المغرب، ولد السهيليّ سنة ثمان و خمسمائة، و قرأ القراءات و اشتغل و حصل حتى برع و ساد أهل زمانه بقوة القريحة و جودة الذهن و حسن التصنيف، و ذلك من فضل اللَّه تعالى و رحمته، و كان ضريرا مع ذلك، له الروض الأنف يذكر فيه نكتا حسنة على السيرة لم يسبق إلى شي‏ء منها أو إلى أكثرها، و له كتاب الأعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام، و كتاب نتائج الفكر، و مسألة في الفرائض بديعة، و مسألة في سر كون الدجال أعور، و أشياء فريدة كثيرة بديعة مفيدة، و له أشعار حسنة، و كان عفيفا فقيرا، و قد حصل له مال كثير في آخر عمره من صاحب مراكش، مات يوم الخميس السادس و العشرين من شعبان من هذه السنة، و له قصيدة كان يدعو اللَّه بها و يرتجى الاجابة فيها و هي:

يا من يرى ما في الضمير و يسمع* * * أنت المعد لكل ما يتوقع‏

يا من يرجى للشدائد كلها* * * يا من إليه المشتكى و المفزع‏

يا من خزائن رزقه في قول كن* * * امنن فان الخير عندك أجمع‏

ما لي سوى فقري إليك وسيلة* * * فبالافتقار إليك فقري أدفع‏

ما لي سوى قرعى لبابك حيلة* * * فلئن رددت فأى باب أقرع؟

و من الّذي أرجو و أهتف باسمه* * * إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟

319

حاشا لمجدك أن تقنط عاصيا* * * الفضل أجزل و المواهب أوسع‏

ثم دخلت سنة اثنتين و ثمانين و خمسمائة

في ثانى ربيع الأول منها كان دخول الناصر دمشق بعد عافيته، و زار القاضي الفاضل، و استشاره، و كان لا يقطع أمرا دونه، و قرر في نيابة دمشق ولده الأفضل على، و نزل أبو بكر العادل عن حلب لصهره زوج ابنته الملك الظاهر غازى بن الناصر، و أرسل السلطان أخاه العادل صحبة ولده عماد الدين عثمان الملك العزيز على ملك مصر، و يكون الملك العادل أنابكه، و له إقطاع كبيرة جدا، و عزل عن نيابتها تقى الدين عمر، فعزم على الدخول إلى إفريقية، فلم يزل الناصر يتلطف به و يترفق له حتى أقبل بجنوده نحوه، فأكرمه و احترمه و أقطعه حماه و بلادا كثيرة معها، و قد كانت له قبل ذلك، و زاد له على ذلك مدينة ميافارقين، و امتدحه العماد بقصيدة ذكرها في الروضتين.

و فيها هادن قومس طرابلس السلطان و صالحه و صافاه، حتى كان يقاتل ملوك الفرنج أشد القتال و سبى منهم النساء و الصبيان، و كاد أن يسلم و لكن صده السلطان فمات على الكفر و الطغيان، و كانت مصالحته من أقوى أسباب النصر على الفرنج، و من أشد ما دخل عليهم في دينهم. قال العماد الكاتب: و أجمع المنجمون على خراب العالم في شعبان، لأن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان، فيكون طوفان الريح في سائر البلدان، و ذكر أن ناسا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات في الجبال و مدّ خلات و أسراب في الأرض خوفا من ذلك، قال: فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها و أجمعوا عليها لم ير ليلة مثلها في سكونها و ركودها و هدوئها، و قد ذكر ذلك غير واحد من الناس في سائر أقطار الأرض، و قد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الواقعة و غريبها أشعارا كثيرة حسنة منها:

مزق التقويم و الزيج فقد بان الخطا* * * إنما التقويم و الزيج هباء و هوا

قلت للسبعة إبرام و منع و عطا* * * و متى ينزلن في الميزان يستولى الهوا

و يثور الرمل حتى يمتلى منه الصفا* * * و يعم الأرض رجف و خراب و بلى‏

و يصير القاع كالقف و كالطود العدا* * * و حكمتم فأبى الحاكم إلا ما يشا

ما أتى الشرع و لا جاءت بهذا الأنبيا* * * فبقيتم ضحكة يضحك منها العلما

حسبكم خزيا و عارا ما يقول الشعرا* * * ما أطمعكم في الحكم إلا الأمرا

ليت إذ لم يحسنوا في الدين طغاما أسا* * * فعلى اصطرلاب بطليموس و الزيج العفا

و عليه الخزي ما جاءت على الأرض السما

و ممن توفى فيها من الأعيان.

أبو محمد عبد اللَّه بن أبى الوحش‏

بري بن عبد الجبار بن بري المقدسي ثم المصري، أحد أئمة اللغة و النحو في زمانه، و كان عليه‏

320

تعرض الرسائل بعد ابن بابشاذ، و كان كثير الاطلاع عالما بهذا الشأن، مطرحا للتكليف في كلامه، لا يلتفت و لا يعرج على الاعراب فيه إذا خاطب الناس، و له التصانيف المفيدة، توفى و قد جاوز الثمانين بثلاث سنين (رحمه اللَّه تعالى)، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة

فيها كانت وقعة حطين التي كانت أمارة و تقدمة و إشارة لفتح بيت المقدس، و استنقاذه من أيدي الكفرة. قال ابن الأثير: كان أول يوم منها يوم السبت، و كان يوم النيروز، و ذلك أول سنة الفرس، و اتفق أن ذلك كان أول سنة الروم، و هو اليوم الّذي نزلت فيه الشمس برج الحمل، و كذلك كان القمر في برج الحمل أيضا، و هذا شي‏ء يبعد وقوع مثله، و برز السلطان من دمشق يوم السبت مستهل محرم في جيشه، فسار إلى رأس الماء فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش و تقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى فخيم على قصر أبى سلام، ينتظر قدوم الحجاج، و فيهم أخته ست الشام و ابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين، ليسلموا من معرة برنس الكرك، فلما جاز الحجيج سالمين سار السلطان فنزل على الكرك و قطع ما حوله من الأشجار، و رعى الزرع و أكلوا الثمار، و جاءت العساكر المصرية و توافت الجيوش المشرقية، فنزلوا عند ابن السلطان على رأس الماء، و بعث الأفضل سرية نحو بلاد الفرنج فقتلت و غنمت و سلمت و رجعت، فبشر بمقدمات الفتح و النصر، و جاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر، فرتب الجيوش و سار قاصدا بلاد الساحل، و كان جملة من معه من المقاتلة اثنى عشر ألفا غير المتطوعة، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم و تصالحوا فيما بينهم، و صالح قومس طرابلس و برنس الكرك الفاجر، و جاءوا بحدهم و حديدهم و استصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت، و ضلال الناسوت، في خلق لا يعلم عدتهم إلا اللَّه عز و جل، يقال كانوا خمسين ألفا و قيل ثلاثا و ستين ألفا، و قد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين و تخوفنا كثرتهم، و سترى غب ما أقول لك، فتقدموا نحو المسلمين و أقبل السلطان ففتح طبرية و تقوى بما فيها من الأطعمة و الأمتعة و غير ذلك، و تحصنت منه القلعة فلم يعبأ بها، و حاز البحيرة في حوزته و منع اللَّه الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة، حتى صاروا في عطش عظيم، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين، التي يقال إن فيها قبر شعيب عليه الصلاة و السلام، و جاء العدو المخذول، و كان فيهم صاحب عكا و كفرنكا و صاحب الناصرة و صاحب صور و غير ذلك من جميع ملوكهم، فتواجه الفريقان و تقابل الجيشان، و أسفر وجه الايمان و اغبر و أفتم و أظلم وجه الكفر و الطغيان، و دارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، و ذلك عشية يوم‏

321

الجمعة، فبات الناس على مصافهم و أصبح صباح يوم السبت الّذي كان يوما عسيرا على أهل الأحد و ذلك لخمس بقين من ربيع الآخر، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج و اشتد الحر و قوى بهم العطش، و كان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيما، و كان ذلك عليهم مشئوما، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط، فرموه فتأجج نارا تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس و حر العطش و حر النار و حر السلاح و حر رشق النبال، و تبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير و الحملة الصادقة فحملوا و كان النصر من اللَّه عز و جل، فمنحهم اللَّه أكتافهم فقتل منهم ثلاثون ألفا في ذلك اليوم، و أسر ثلاثون ألفا من شجعانهم و فرسانهم، و كان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، و استلبهم السلطان صليبهم الأعظم، و هو الذين يزعمون أنه صلب عليه المصلوب، و قد غلفوه بالذهب و اللآلئ و الجواهر النفيسة، و لم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام و أهله، و دمغ الباطل و أهله، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفا و ثلاثين أسيرا من الفرنج، قد ربطهم بطنب خيمة، و باع بعضهم أسيرا بنعل ليلبسها في رجله، و جرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة و التابعين، فلله الحمد دائما كثيرا طيبا مباركا.

فلما تمت هذه الوقعة و وضعت الحرب أوزارها أمر السلطان بضرب مخيم عظيم، و جلس فيه على سرير المملكة و عن يمينه أسرة و عن يساره مثلها، و جي‏ء بالأسارى تتهادى بقيودها، فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية- و الأسارى بين يديه- صبرا، و لم يترك أحدا منهم ممن كان يذكر الناس عنه شرا، ثم جي‏ء بملوكهم فأجلسوا عن يمينه و يساره على مراتبهم، فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه، و أجلس أرياط برنس الكرك و بقيتهم عن شماله، ثم جي‏ء إلى السلطان بشراب من الجلاب مثلوجا، فشرب ثم ناول الملك فشرب، ثم ناول أرياط صاحب الكرك فغضب السلطان و قال له: إنما ناولتك و لم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي، ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل تلك الخيمة و استدعى بارياط صاحب الكرك، فلما أوقف بين يديه قام إليه بالسيف و دعاه إلى الإسلام فامتنع، فقال له: نعم أنا أنوب عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الانتصار لأمته، ثم قتله و أرسل برأسه إلى الملوك و هم في الخيمة، و قال: إن هذا تعرض لسبّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قتل السلطان جميع من كان من الأسارى من الداوية و الاستثارية صبرا و أراح المسلمين من هذين الجنسين الخبيثين، و لم يسلم ممن عرض عليه الإسلام إلا القليل، فيقال إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفا، و الأسارى كذلك كانوا ثلاثين ألفا، و كان جملة جيشهم ثلاثة و ستين ألفا، و كان من سلم مع قلتهم و هرب أكثرهم جرحى فماتوا ببلادهم، و ممن مات كذلك قومس طرابلس، فإنه انهزم جريحا فمات بها بعد مرجعه، ثم أرسل السلطان برءوس أعيان الفرنج و من لم يقتل من رءوسهم، و بصليب‏

322

الصلبوت صحبة القاضي ابن أبى عصرون إلى دمشق ليودعوا في قلعتها، فدخل بالصليب منكوسا و كان يوما مشهودا.

ثم سار السلطان إلى قلعة طبرية فأخذها، و قد كانت طبرية تقاسم بلاد حوران و البلقاء و ما حولها من الجولان و تلك الأراضي كلها بالنصف، فأراح اللَّه المسلمين من تلك المقاسمة، ثم سار السلطان إلى حطين فزار قبر شعيب، ثم ارتفع منه إلى إقليم الأردن، فتسلم تلك البلاد كلها، و هي قرى كثيرة كبار و صغار، ثم سار إلى عكا فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، فافتتحها صلحا يوم الجمعة، و أخذ ما كان بها من حواصل الملوك و أموالهم و ذخائرهم و متاجر و غيرها، و استنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، فوجد فيها أربعة آلاف أسير، ففرج اللَّه عنهم، و أمر بإقامة الجمعة بها، و كانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أخذه الفرنج، نحوا من سبعين سنة. ثم سار منها إلى صيدا و بيروت و تلك النواحي من السواحل يأخذها بلدا بلدا، لخلوها من المقاتلة و الملوك، ثم رجع سائرا نحو غزة و عسقلان و نابلس و بيسان و أراضى الغور، فملك ذلك كله، و استناب على نابلس ابن أخيه حسام الدين عمر بن محمد بن لاشين، و هو الّذي افتتحها، و كان جملة ما افتتحه السلطان في هذه المدة القريبة خمسين بلدا كبارا كل بلد له مقاتلة و قلعة و منعة، و غنم الجيش و المسلمون من هذه الأماكن شيئا كثيرا، و سبوا خلقا.

ثم إن السلطان أمر جيوشه أن ترتع في هذه الأماكن مدة شهور ليستريحوا و تحمو أنفسهم و خيولهم لفتح بيت المقدس، و طار في الناس أن السلطان عزم على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء و الصالحون تطوعا، و جاءوا إليه، و وصل أخوه العادل بعد وقعة حطين و فتح عكا ففتح بنفسه حصونا كثيرة، فاجتمع من عبّاد اللَّه و من الجيوش شي‏ء كثير جدا، فعند ذلك قصد السلطان القدس بمن معه كما سيأتي. و قد امتدحه الشعراء بسبب وقعة حطين فقالوا و أكثروا، و كتب إليه القاضي الفاضل من دمشق- و هو مقيم بها لمرض اعتراه- «ليهن المولى أن اللَّه أقام به الدين، و كتب المملوك هذه الخدمة و الرءوس لم ترفع من سجودها، و الدموع لم تمسح من خدودها، و كلما ذكر المملوك أن البيع تعود مساجد، و المكان الّذي كان يقال فيه إن اللَّه ثالث ثلاثة يقال فيه اليوم إنه الواحد، جدد للَّه شكرا تارة يفيض من لسانه، و تارة يفيض من جفنه سرورا بتوحيد اللَّه، تعالى الملك الحق المبين، و أن يقال محمد رسول اللَّه الصادق الأمين، و جزى اللَّه يوسف خيرا من إخراجه من سجنه، و المماليك ينتظرون المولى و كل من أراد أن يدخل الحمام بدمشق قد عزم على دخول حمام طبرية.

تلك المكارم لا قعبان من لبن* * * و ذلك السيف لا سيف ابن ذي يزن‏

ثم قال: و للألسنة بعد في هذا الفتح تسبيح طويل و قول جميل جليل».

323

ذكر فتح بيت المقدس في هذه السنة «و استنقاذه من أيدي النصارى بعد أن استحوذوا عليه مدة ثنتين و تسعين سنة»

لما افتتح السلطان تلك الأماكن المذكورة فيما تقدم، أمر العساكر فاجتمعت ثم سار نحو بيت المقدس، فنزل غربي بيت المقدس في الخامس عشر من رجب من هذه السنة- أعنى سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة- فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين، و كانوا ستين ألف مقاتل، دون بيت المقدس أو يزيدون، و كان صاحب القدس يومئذ رجلا يقال له بالبان بن بازران، و معه من سلم من وقعة حطين يوم التقى الجمعان، من الداوية و الاستثارية أتباع الشيطان، و عبدة الصلبان، فأقام السلطان بمنزله المذكور خمسة أيام، و سلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور و أبراجه، ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع للمجال، و الجلاد و النزال، و قاتل الفرنج دون البلد قتالا هائلا، و بذلوا أنفسهم و أموالهم في نصرة دينهم و قمامتهم، و استشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين، فحنق عند ذلك كثير من الأمراء و الصالحين، و اجتهدوا في القتال و نصب المناجنيق و العرادات على البلد، و غنت السيوف و الرماح الخطيات، و العيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران، و فوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الايمان حنقا و شدة التشمير، و كان ذلك يوما عسيرا على الكافرين غير يسير، فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها و علقها و حشاها و أحرقها، فسقط ذلك الجانب و خر البرج برمته فإذا هو واجب، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع، و الخطب المؤلم الوجيع، قصد أكابرهم السلطان و تشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك و قال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، و لا أترك بها أحدا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، فطلب صاحبها بالبان بن بازران الأمان ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترقق للسلطان و ذل ذلا عظيما، و تشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم، فقالوا إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا- و كانوا قريبا من أربعة آلاف- و قتلنا ذرارينا و أولادنا و نساءنا، و خربنا الدور و الأماكن الحسنة، و أحرقنا المتاع و أتلفنا ما بأيدينا من الأموال، و هدمنا قبة الصخرة و حرقنا ما نقدر عليه، و لا نبقي ممكنا في إتلاف ما نقدر عليه، و بعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، و لا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعدادا منكم، فما ذا ترتجى بعد هذا من الخير؟

فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح و أناب، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، و عن المرأة خمسة دنانير، و عن كل صغير و صغيرة دينارين، و من عجز عن ذلك كان أسيرا للمسلمين، و أن تكون الغلات و الأسلحة و الدور للمسلمين، و أنهم يتحولون منها إلى مأمنهم‏

324

و هي مدينة صور. فكتب الصلح بذلك، و أن من لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوما فهو أسير، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير من رجال و نساء و ولدان، و دخل السلطان و المسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، و ذلك يوم السابع و العشرين من رجب. قال العماد: و هي ليلة الاسراء برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. قال أبو شامة:

و هو أحد الأقوال في الاسراء، و لم يتفق للمسلمين صلاة الجمعة يومئذ خلافا لمن زعم أنها أقيمت يومئذ، و أن السلطان خطب بنفسه بالسواد، و الصحيح أن الجمعة لم يتمكنوا من إقامتها يومئذ لضيق الوقت، و إنما أقيمت في الجمعة المقبلة، و كان الخطيب محيي الدين بن محمد بن على القرشي ابن الزكي كما سيأتي قريبا.

و لكن نظفوا المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان و الرهبان و الخنازير، و خربت دور الداوية و كانوا قد بنوها غربي المحراب الكبير، و اتخذوا المحراب مشتا لعنهم اللَّه، فنظف من ذلك كله، و أعيد إلى ما كان عليه في الأيام الإسلامية، و غسلت الصخرة بالماء الطاهر، و أعيد غسلها بماء الورد و المسك الفاخر، و أبرزت للناظرين، و قد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين، و وضع الصليب عن قبتها، و عادت إلى حرمتها، و قد كان الفرنج قلعوا منها قطعا فباعوها من أهل البحور الجوانية بزنتها ذهبا، فتعذر استعادة ما قطع منها.

ثم قبض من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال، و أطلق السلطان خلقا منهم بنات الملوك بمن معهن من النساء و الصبيان و الرجال، و وقعت المسامحة في كثير منهم، و شفع في أناس كثير فعفا عنهم، و فرق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر، و لم يأخذ منه شيئا مما يقتنى و يدخر، و كان (رحمه اللَّه) حليما كريما مقداما شجاعا رحيما.

ذكر أول جمعة أقيمت ببيت المقدس بعد فتحه في الدولة الصلاحية

لما تطهر بيت المقدس مما كان فيه من الصلبان و النواقيس و الرهبان و القساقس، و دخله أهل الايمان، و نودي بالأذان و قرئ القرآن، و وحد الرحمن، كان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان، بعد يوم الفتح بثمان، فنصب المنبر إلى جانب المحراب، و بسطت البسط و علقت القناديل و تلى التنزيل، و جاء الحق و بطلت الأباطيل، وصفت السجادات و كثرت السجدات، و تنوعت العبادات، و ارتفعت الدعوات، و نزلت البركات، و انجلت الكربات، و أقيمت الصلوات، و أذن المؤذنون، و خرس القسيسون، و زال البوس و طابت النفوس، و أقبلت السعود و أدبرت النحوس، و عبد اللَّه الأحد الصمد الّذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد، و كبره الراكع و الساجد، و القائم و القاعد، و امتلأ الجامع و سالت لرقة القلوب المدامع، و لما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت‏

325

القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال، و لم يكن عين خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحى و هو في قبة الصخرة أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبا، فلبس الخلعة السوداء و خطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة، ذكر فيها شرف البيت المقدس، و ما ورد فيه من الفضائل و الترغيبات، و ما فيه من الدلائل و الأمارات. و قد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها و كان أول ما قال‏ (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).

ثم أورد تحميدات القرآن كلها، ثم قال: «الحمد للَّه معز الإسلام بنصره، و مذل الشرك بقهره، و مصرف الأمور بأمره، و مزيد النعم بشكره، و مستدرج الكافرين بمكره، الّذي قدر الأيام دولا بعدله، و جعل العاقبة للمتقين بفضله، و أفاض على العباد من طله و هطله، [الّذي‏] أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، و الظاهر على خليقته فلا ينازع، و الآمر بما يشاء فلا يراجع، و الحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره و إظهاره، و إعزازه لأوليائه و نصرة أنصاره، و مطهر بيت المقدس من أدناس الشرك و أوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره و ظاهر أجهاره، و أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له الأحد الصمد، الّذي لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، و أرضى به ربه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله رافع الشكر و داحض الشرك، و رافض الافك، الّذي أسرى به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، و عرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر و ما طغى، (صلى اللَّه عليه و سلم) و على خليفته الصديق السابق إلى الايمان، و على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، و على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، و على أمير المؤمنين على بن أبى طالب مزلزل الشرك، و مكسر الأصنام، و على آله و أصحابه و التابعين لهم بإحسان».

ثم ذكر الموعظة و هي مشتملة على تغبيط الحاضرين بما يسّره اللَّه على أيديهم من فتح بيت المقدس، الّذي من شأنه كذا و كذا، فذكر فضائله و مآثره، و أنه أول القبلتين، و ثانى المسجدين، و ثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، و لا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، و إليه أسرى برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من المسجد الحرام، و صلى فيه بالأنبياء و الرسل الكرام، و منه كان المعراج إلى السموات، ثم عاد إليه ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق، و هو أرض المحشر و المنشر يوم التلاق، و هو مقر الأنبياء و مقصد الأولياء، و قد أسس على التقوى من أول يوم.

قلت: و يقال إن أول من أسسه يعقوب عليه السلام بعد أن بنى الخليل المسجد الحرام بأربعين سنة، كما جاء في الصحيحين، ثم جدد بناءه سليمان بن داود عليهما السلام، كما ثبت فيه الحديث‏

326

بالمسند و السنن، و صحيح ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و غيرهم، و سأل سليمان عليه السلام اللَّه عند فراغه منه خلالا ثلاثا، حكما يصادف حكمه، و ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، و أنه لا يأتى أحد هذا المسجد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

ثم ذكر تمام الخطبتين، ثم دعا للخليفة الناصر العباسي، ثم دعا للسلطان الناصر صلاح الدين. و بعد الصلاة جلس الشيخ زين الدين أبو الحسن بن على نجا المصري على كرسي الوعظ باذن السلطان، فوعظ الناس، و استمر القاضي ابن الزكي يخطب بالناس في أيام الجمع أربع جمعات، ثم قرر السلطان للقدس خطيبا مستقرا، و أرسل إلى حلب فاستحضر المنبر الّذي كان الملك العادل نور الدين الشهيد قد استعمله لبيت المقدس، و قد كان يؤمل أن يكون فتحه على يديه، فما كان إلا على يدي بعض أتباعه صلاح الدين بعد وفاته‏

نكتة غريبة

قال أبو شامة في الروضتين: و قد تكلم شيخنا أبو الحسن على بن محمد السخاوي في تفسيره الأول فقال: وقع في تفسير أبى الحكم الأندلسى- يعنى ابن برجان- في أول سورة الروم أخبار عن فتح بيت المقدس، و أنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة. قال السخاوي:

و لم أره أخذ ذلك من علم الحروف، و إنما أخذه فيما زعم من قوله‏ (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ) فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون، فذكر أنهم يغلبون في سنة كذا و كذا، و يغلبون في سنة كذا كذا، على ما تقتضيه دوائر التقدير، ثم قال:

و هذه نجابة وافقت إصابة، إن صح، قال ذلك قبل وقوعه، و كان في كتابه قبل حدوثه، قال: و ليس هذا من قبيل علم الحروف، و لا من باب الكرامات و المكاشفات، و لا ينال في حساب، قال: و قد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الّذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الّذي يرفع فيه.

قلت: ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين و عشرين و خمسمائة، و يقال إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، لأن مولده في سنة إحدى عشر و خمسمائة، فتهيأ لأسباب ذلك حتى إنه أعد منبرا عظيما لبيت المقدس إذا فتحه و اللَّه أعلم.

و أما الصخرة المعظمة فان السلطان أزال ما حولها من المنكرات و الصور و الصلبان، و طهرها بعد ما كانت جيفة، و أظهرها بعد ما كانت خفية مستورة غير مرئية، و أمر الفقيه عيسى الهكارى أن يعمل حولها شبابيك من حديد، و رتب لها إماما راتبا، وقف عليه رزقا جيدا، و كذلك إمام الأقصى، و عمل للشافعية مدرسة يقال لها الصلاحية و الناصرية أيضا، و كان موضعها كنيسة على قبر حنة أم مريم، و وقف على الصوفية رباطا كان للبترك إلى جنب القمامة، و أجرى على الفقهاء و الفقراء الجوامك، و أرصد الختم و الربعات في أرجاء المسجد الأقصى و الصخرة، ليقرأ فيها المقيمون و الزائرون‏

327

و تنافس بنو أيوب فيما يفعلونه ببيت المقدس و غيره من الخيرات إلى كل أحد، و عزم السلطان على هدم القمامة و أن يجعلها دكا لتنحسم مادة النصارى من بيت المقدس، فقيل [له‏] إنهم لا يتركون الحج إلى هذه البقعة، و لو كانت قاعا صفصفا، و قد فتح هذه البلد قبلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و ترك هذه الكنيسة بأيديهم، و لك في ذلك أسوة. فأعرض عنها و تركها على حالتها تأسيا بعمر رضى اللَّه عنه، و لم يترك من النصارى فيها سوى أربعة يخدمونها، و حال بين النصارى و بينها، و هدم المقابر التي كانت لهم عند باب الرحمة، و عفا آثارها، و هدم ما كان هناك من القباب.

و أما أسارى المسلمين الذين كانوا بالقدس فإنه أطلقهم جميعهم، و أحسن إليهم، و أطلق لهم إعطاءات سنية، و كساهم و انطلق كل منهم إلى وطنه: و عاد إلى أهله و مسكنه، فلله الحمد على نعمه و مننه‏

فصل‏

فلما فرغ السلطان صلاح الدين من القدس الشريف انفصل عنها في الخامس و العشرين من شعبان قاصدا مدينة صور بالساحل، و كان فتحها قد تأخر، و قد استحوذ عليها بعد وقعة حطين رجل من تجار الفرنج يقال له المركيس، فحصنها و ضبط أمرها و حفر حولها خندقا من البحر إلى البحر، فجاء السلطان فحاصرها مدة، و دعا بالأسطول من الديار المصرية في البحر، فأحاط بها برا و بحرا، فعدت الفرنج في بعض الليالي على خمس شوانى من أسطول المسلمين فملكتها، فأصبح المسلمون و أجمعين حزنا و تأسفا، و قد دخل عليهم فصل البرد و قلت الأزواد، و كثرت الجراحات و كلّ الأمراء من المحاصرات، فسألوا السلطان أن ينصرف بهم إلى دمشق حتى يستريحوا ثم يعودوا إليها بعد هذا الحين، فأجابهم إلى ذلك على تمنع منه، ثم توجه بهم نحو دمشق و اجتاز في طريقه على عكا، و تفرقت العساكر إلى بلادها. و أما السلطان فإنه لما وصل إلى عكا نزل بقلعتها و أسكن ولده الأفضل برج الداوية، و ولى نيابتها عز الدين حردبيل، و قد أشار بعضهم على السلطان بتخريب مدينة عكا خوفا من عود الفرنج إليها، فكاد و لم يفعل وليته فعل، بل و كل بعمارتها و تجديد محاسنها بهاء الدين قراقوش التقوى، و وقف دار الاستثارية بصفين على الفقهاء و الفقراء، و جعل دار الأسقف مارستانا و وقف على ذلك كله أوقافا دارة، و ولى نظر ذلك إلى قاضيها جمال الدين ابن الشيخ أبى النجيب.

و لما فرغ من هذه الأشياء عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا، و أرسل إليه الملوك بالتهانى و التحف و الهدايا من سائر الأقطار و الأمصار، و كتب الخليفة إلى السلطان يعتب عليه في أشياء، منها أنه بعث إليه في بشارة الفتح بوقعة حطين شابا بغداديا كان وضيعا عندهم، لا قدر له و لا قيمة، و أرسل بفتح القدس مع نجاب، و لقب نفسه بالناصر مضاهاة للخليفة. فتلقى ذلك بالبشر و اللطف و السمع‏

328

و الطاعة، و أرسل يعتذر مما وقع. و قال: الحرب كانت شغلته عن التروي في كثير من ذلك، و أما لقبه بالناصر فهو من أيام الخليفة المستضي‏ء، و مع هذا فمهما لقبني أمير المؤمنين فلا أعدل عنه، و تأدب مع الخليفة غاية الأدب مع غناه عنه.

و فيها كانت وقعة عظيمة ببلاد الهند بين الملك شهاب الدين الغورى صاحب غزنة، و بين ملك الهند الكبير، فأقبلت الهنود في عدد كثير من الجنود، و معهم أربعة عشر فيلا، فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميمنة المسلمين و ميسرتهم، و قيل للملك أنج بنفسك، فما زاده ذلك إلا إقداما، فحمل على الفيلة فجرح بعضها- و جرح الفيل لا يندمل- فرماه بعض الفيالة بحربة في ساعده فخرجت من الجانب الآخر فخر صريعا، فحملت عليه الهنود ليأخذوه فجاحف عنه أصحابه فاقتتلوا عنده قتالا شديدا، و جرت حرب عظيمة لم يسمع بمثلها بموقف، فغلب المسلمون الهنود و خلصوا صاحبهم و حملوه على كواهلهم في محفة عشرين فرسخا، و قد نزفه الدم، فلما تراجع إليه جيشه أخذ في تأنيب الأمراء، و حلف ليأكلن كل أمير عليق فرسه، و ما أدخلهم غزنة إلا مشاة.

و فيها ولدت امرأة من سواد بغداد بنتا لها أسنان. و فيها قتل الخليفة الناصر أستاذ داره أبا الفضل بن الصاحب، و كان قد استحوذ على الأمور و لم يبق للخليفة معه كلمة تطاع، و مع هذا كان عفيفا عن الأموال، جيد السيرة، فأخذ الخليفة منه شيئا كثيرا من الحواصل و الأموال. و فيها استوزر الخليفة أبا المظفر جلال الدين، و مشى أهل الدولة في ركابه حتى قاضى القضاة ابن الدامغانيّ و قد كان ابن يونس هذا شاهدا عند القاضي، و كان يقول و هو يمشى في ركابه لعن اللَّه طول العمر، فمات القاضي في آخر هذه السنة.

و فيها توفى من الأعيان.

الشيخ عبد المغيث بن زهير الحربي‏

كان من صلحاء الحنابلة، و كان يزار، و له مصنف في فضل يزيد بن معاوية، أتى فيه بالغرائب و العجائب، و قد رد عليه أبو الفرج ابن الجوزي فأجاد و أصاب، و من أحسن ما اتفق لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء- و أظنه الناصر- جاءه زائرا مستخفيا، فعرفه الشيخ عبد المغيث و لم يعلمه بأنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أ يلعن أم لا؟ فقال لا أسوغ لعنه لأني لو فتحت هذا الباب لأفضى الناس إلى لعن خليفتنا. فقال الخليفة: و لم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة كثيرة، منها كذا و كذا، ثم شرع يعدد على الخليفة أفعاله القبيحة، و ما يقع منه من المنكر لينزجر عنها، فتركه الخليفة و خرج من عنده و قد أثر كلامه فيه، و انتفع به. مات في المحرم من هذه السنة. و فيها توفى الشيخ‏

على بن خطاب بن خلف‏

العابد الناسك، أحد الزهاد، و ذوى الكرامات، و كان مقامه بجزيرة ابن عمر. قال ابن الأثير

329

في الكامل: و لم أر مثله في حسن خلقه و سمته و كراماته و عبادته.

الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن مقدم‏

أحد نواب صلاح الدين، لما افتتح الناصر بيت المقدس أحرم جماعة في زمن الحج منه إلى المسجد الحرام، و كان ابن مقدم أمير الحاج في تلك السنة، فلما وقف بعرفة ضرب الدبادب و نشر الألوية، و أظهر عز السلطان صلاح الدين و عظمته، فغضب طاشتكين أمير الحاج من جهة الخليفة، فزجره عن ذلك فلم يسمع، فاقتتلا فجرح ابن مقدم و مات في اليوم الثاني بمنى، و دفن هنالك، و جرت خطوب كثيرة، و ليم طاشتكين على ما فعل، و خاف معرة ذلك من جهة صلاح الدين و الخليفة، و عزله الخليفة عن منصبه.

محمد بن عبيد اللَّه‏

ابن عبد اللَّه سبط بن التعاويذي الشاعر، ثم أضر في آخر عمره و جاز الستين توفى في شوال‏

نصر بن فتيان بن مطر

الفقيه الحنبلي المعروف بابن المنى، كان زاهدا عابدا، مولده سنة إحدى و خمسمائة، و ممن تفقه عليه من المشاهير الشيخ موفق الدين بن قدامة، و الحافظ عبد الغنى، و محمد بن خلف بن راجح، و الناصر عبد الرحمن بن المنجم بن عبد الوهاب، و عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي و غيرهم توفى خامس رمضان. و فيها توفى قاضى القضاة.

أبو الحسن الدامغانيّ ببغداد

و قد حكم في أيام المقتفى ثم المستنجد ثم عزل و أعيد في أيام المستضي‏ء، و حكم للناصر حتى توفى في هذه السنة

ثم دخلت سنة أربع و ثمانين و خمسمائة

في محرمها حاصر السلطان صلاح الدين حصن كوكب فرآه منيعا صعبا، فوكل به الأمير قايماز النجمي في خمسمائة فارس يضيقون عليهم المسالك، و كذلك و كل لصفت [الصغد] و كانت للداوية خمسمائة فارس مع طغرلبك الجامدار يمنعون الميرة و التقاوى أن تصل إليهم، و بعث إلى الكرك الشوبك يضيقون على أهلها و يحاصرونهم، ليفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن، و لما رجع السلطان من هذه الغزوة إلى دمشق وجد الصفي بن الفايض وكيل الخزانة قد بنى له دارا بالقلعة هائلة مطلة على الشرف القبلي، فغضب عليه و عزله و قال: إنا لم نخلق للمقام بدمشق و لا بغيرها من البلاد، و إنما خلقنا لعبادة اللَّه عز و جل و الجهاد في سبيله، و هذا الّذي عملته مما يثبط النفوس و يقعدها عما خلقت له.

و جلس السلطان بدار العدل فحضرت عنده القضاة و أهل الفضل، و زار القاضي الفاضل في بستانه على الشرف في جوسق ابن الفراش، و حكى له ما جرى من الأمور، و استشاره فيما يفعل في المستقبل من المهمات و الغزوات، ثم خرج من دمشق فسلك على بيوس و قصد البقاع، و سار إلى حمص و حماه‏

330

و جاءت الجيوش من الجزيرة و هو على العاصي، فسار إلى السواحل الشمالية ففتح أنطرطوس و غيرها من الحصون، و جبلة و اللاذقية، و كانتا من أحصن المدن عمارة و رخاما و محالا، و فتح صهيون و بكاس و الشغر و هما قلعتان على العاصي حصينتان، فتحهما عنوة، و فتح حصن بدرية و هي قلعة عظيمة على جبل شاهق منيع، تحتها أودية عميقة يضرب بها المثل في سائر بلاد الفرنج و المسلمين، فحاصرها أشد حصار و ركب عليها المجانيق الكبار، و فرق الجيش ثلاث فرق، كل فريق يقاتل، فإذا كلوا و تعبوا خلفهم الفريق الآخر، حتى لا يزال القتال مستمرا ليلا و نهارا، فكان فتحها في نوبة السلطان أخذها عنوة في أيام معدودات، و نهب جميع ما فيها، و استولى على حواصلها و أموالها، و قتل حملتها و رجالها، و استخدم نساءها و أطفالها، ثم عدل عنها ففتح حصن دربساك و حصن بغراس، كل ذلك يفتحه عنوة فيغنم و يسلم، ثم سمت به همته العالية إلى فتح أنطاكية، و ذلك لأنه أخذ جميع ما حولها من القرى و المدن، و استظهر عليها بكثرة الجنود، فراسله صاحب أنطاكية يطلب منه الهدنة على أن يطلق من عنده من أسرى المسلمين، فأجابه إلى ذلك لعلمه بتضجر من معه من الجيش، فوقعت الهدنة على سبعة أشهر، و مقصود السلطان أن يستريح من تعبها، و أرسل السلطان من تسلم منه الأسارى و قد ذلت دولة النصارى، ثم سار فسأله ولده الظاهر أن يجتاز بحلب فأجابه إلى ذلك، فنزل بقلعتها ثلاثة أيام، ثم استقدمه ابن أخيه تقى الدين إليه إلى حماه فنزل عنده ليلة واحدة، و أقطعه جبلة و اللاذقية، ثم سار فنزل بقلعة بعلبكّ، و دخل حمامها، ثم عاد إلى دمشق في أوائل رمضان، و كان يوما مشهودا، و جاءته البشائر بفتح الكرك و إنقاذه من أيدي الفرنج، و أراح اللَّه منهم تلك الناحية، و سهل حزنها على السالكين من التجار و الغزاة و الحجاج‏ (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).

فصل في فتح صغد و حصن كوكب‏

لم يقم السلطان بدمشق إلا أياما حتى خرج قاصدا صغد فنازلها في العشر الأوسط من رمضان، و حاصرها بالمجانيق، و كان البرد شديدا يصبح الماء فيه جليدا، فما زال حتى فتحها صلحا في ثامن شوال، ثم سار إلى صور فألقت إليه بقيادها، و تبرأت من أنصارها و أجنادها و قوادها، و تحققت لما فتحت صغد أنها مقرونة معها في أصفادها، ثم سار منها إلى حصن كوكب- و هي معقل الاستثارية كما أن صغد كانت معقل الداوية- و كانوا أبغض أجناس الفرنج إلى السلطان، لا يكاد يترك منهم أحدا إلا قتله إذا وقع في المأسورين، فحاصر قلعة كوكب حتى أخذها، و قتل من بها و أراح المارة من شر ساكنيها، و تمهدت تلك السواحل و استقر بها منازل قاطنيها. هذا و السماء تصب، و الرياح تهب، و السيول تعب، و الأرجل في الأوحال تخب، و هو في كل ذلك صابر مصابر، و كان القاضي‏

331

الفاضل معه في هذه الغزوة، و كتب القاضي الفاضل إلى أخى السلطان صاحب اليمن يستدعيه إلى الشام لنصرة الإسلام، و أنه قد عزم على حصار أنطاكية، و يكون تقى الدين عمر محاصرا طرابلس إذا انسلخ هذا العام، ثم عزم القاضي الفاضل على الدخول إلى مصر، فودعه السلطان فدخل القدس فصلى به الجمعة و عيد فيه عيد الأضحى، ثم سار و معه أخوه السلطان العادل إلى عسقلان، ثم أقطع أخاه الكرك عوضا عن عسقلان، و أمره بالانصراف ليكون عونا لابنه العزيز على حوادث مصر، و عاد السلطان فأقام بمدينة عكا حتى انسلخت هذه السنة.

و فيها خرجت طائفة بمصر من الرافضة ليعيدوا دولة الفاطميين، و اغتنموا غيبة العادل عن مصر، و استخفوا أمر العزيز عثمان بن صلاح الدين، فبعثوا اثنى عشر رجلا ينادون في الليل يا آل على، يا آل على، بنياتهم على أن العامة تجيبهم فلم يجبهم أحد، و لا التفت إليهم، فلما رأوا ذلك انهزموا فأدركوا و أخذوا و قيدوا و حبسوا، و لما بلغ أمرهم السلطان صلاح الدين ساءه ذلك و اهتم له، و كان القاضي الفاضل عنده بعد لم يفارقه، فقال له: أيها الملك ينبغي أن تفرح و لا تحزن، حيث لم يصغ إلى هؤلاء الجهلة أحد من رعيتك، و لو أنك بعثت جواسيس من قبلك يختبرون الناس لسرّك ما بلغك عنهم، فسرى عنه ما كان يجد، و رجع إلى قوله و أرسله إلى مصر ليكون له عينا و عونا.

و فيها توفى من الأعيان.

الأمير الكبير سلالة الملوك و السلاطين‏

الشيزرى مؤيد الدولة أبو الحارث و أبو المظفر أسامة بن مرشد بن على بن [مقلد بن نصر بن‏] منقد أحد الشعراء المشهورين، المشكورين، بلغ من العمر ستا و تسعين سنة، و كان عمره تاريخا مستقلا وحده، و كانت داره بدمشق، مكان العزيزية، و كانت معقلا للفضلاء، و منزلا للعلماء و له أشعار رائقة، و معان فائقة، و لديه علم غزير، و عنده جود و فضل كثير، و كان من أولاد ملوك شيزر، ثم أقام بمصر مدة في أيام الفاطميين، ثم عاد إلى الشام فقدم على الملك صلاح الدين في سنة سبعين و أنشده:

حمدت على طول عمري المشيبا* * * و إن كنت أكثرت فيه الذنوبا

لأني حييت إلى أن لقيت* * * بعد العدو صديقا حبيبا

و له في سن قلعها و فقد نفعها:

و صاحب لا أمل الدهر صحبته* * * يشقى لنفعى و يسعى سعى مجتهد

لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا* * * لناظري افترقنا فرقة الأبد

و له ديوان شعر كبير، و كان صلاح الدين يفضله على سائر الدواوين، و قد كان مولده في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، و كان في شبيبته شهما شجاعا، قتل الأسد وحده مواجهة، ثم عمر إلى أن توفى في هذه السنة ليلة الثلاثاء الثالث و العشرين من رمضان، و دفن شرقى جبل قائسون. قال و زرت قبره‏

332

و أنشدت له:

لا تستعر جلدا على هجرانهم* * * فقواك تضعف عن صدود دائم‏

و اعلم بأنك إن رجعت إليهم* * * طوعا و إلا عدت عودة نادم‏

و له أيضا

و اعجب لضعف يدي عن حملها قلما* * * من بعد حطم القنا في لبّة الأسد

و قل لمن يتمنى طول مدته* * * هذي عواقب طول العمر و المدد

قال ابن الأثير: و فيها توفى شيخه.

أبو محمد عبد اللَّه بن على‏

ابن عبد اللَّه بن سويد التكريتي، كان عالما بالحديث و له تصانيف حسنة.

الحازمي الحافظ

قال أبو شامة: و فيها توفى الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الهمدانيّ ببغداد، صاحب التصانيف، على، صغر سنه، منها العجالة في النسب، و الناسخ و المنسوخ و غيرها و مولدها سنة ثمان أو تسع و أربعين و خمسمائة، و توفى في الثامن و العشرين من جمادى الأولى من هذه السنة.

ثم دخلت سنة خمس و ثمانين و خمسمائة

فيها قدم من جهة الخليفة رسل إلى السلطان يعلمونه بولاية العهد لأبى نصر الملقب بالظاهر بن الخليفة الناصر، فأمر السلطان خطيب دمشق أبا القاسم عبد الملك بن زيد الدولعى أن يذكره على المنبر، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفا كثيرة، و هدايا سنية، و أرسل بأسارى من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم، و أرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوى، من دار الخليفة، فكان بالأقدام يداس، بعد ما كان يعظم و يباس، و الصحيح أن هذا الصليب كان منصوبا على الصخرة و كان من نحاس مطليا بالذهب، فحطه اللَّه إلى أسفل العتب.

قصة عكا و ما كان من أمرها

لما كان شهر رجب اجتمع من كان بصور من الفرنج و ساروا إلى مدينة عكا، فأحاطوا بها يحاصرونها فتحصن من فيها من المسلمين، و أعدوا للحصار ما يحتاجون إليه، و بلغ السلطان خبرهم فسار إليهم من دمشق مسرعا، فوجدهم قد أحاطوا بها إحاطة الخاتم بالخنصر، فلم يزل يدافعهم عنها و يمانعهم منها، حتى جعل طريقا إلى باب القلعة يصل إليه كل من أراده، من جندي و سوقي، و امرأة و صبي، ثم أدخل إليها ما أراد من الآلات و الأمتعة، و دخل هو بنفسه، فعلا على سورها و نظر إلى الفرنج و جيشهم و كثرة عددهم و عددهم، و الميرة تفد إليهم في البحر، في كل وقت، و كل ما لهم في ازدياد، و في كل حين تصل إليهم الأمداد، ثم عاد إلى مخيمه و الجنود تفد إليه، و تقدم عليه من كل جهة و مكان، منهم رجال و فرسان، فلما كان في العشر الأخير من شعبان برزت الفرنج من مراكبها إلى‏

333

مواكبها، في نحو من ألفى فارس و ثلاثين ألف راجل، فبرز إليهم السلطان فيمن معه من الشجعان فاقتتلوا بمرج عكا قتالا عظيما، و هزم جماعة من المسلمين في أول النهار، ثم كانت الدائرة على الفرنج فكانت القتلى بينهم أزيد من سبعة آلاف قتيل، و لما تناهت هذه الوقعة تحول السلطان عن مكانه الأول إلى موضع بعيد من رائحة القتلى، خوفا من الوخم و الأذى، و ليستريح الخيالة و الخيل، و لم يعلم أن ذلك كان من أكبر مصالح العدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفرصة فحفروا حول مخيمهم خندقا من البحر محدقا بجيشهم، و اتخذوا من ترابه سورا شاهقا، و جعلوا له أبوابا يخرجون منها إذا أرادوا و تمكنوا في منزلهم ذلك الّذي اختاروا و ارتادوا، و تفارط الأمر على المسلمين، و قوى الخطب و صار الداء عضالا، و ازداد الحال وبالا، اختبارا من اللَّه و امتحانا، و كان رأى السلطان أن يناجزوا بعد الكرة سريعا، و لا يتركوا حتى يطيب البحر فتأتيهم الأمداد من كل صوب، فتعذر عليه الأمر باملال الجيش و الضجر، و كل منهم لأمر الفرنج قد احتقر، و لم يدر ما قد حتم في القدر، فأرسل السلطان إلى جميع الملوك يستنفر و يستنصر، و كتب إلى الخليفة بالبث، و بث الكتب بالتحضيض و الحث السريع، فجاءته الأمداد جماعات و آحادا، و أرسل إلى مصر يطلب أخاه العادل و يستعجل الأسطول، فقدم عليه فوصل إليه خمسون قطعة في البحر مع الأمير حسام الدين لؤلؤ، و قدم العادل في عسكر المصريين، فلما وصل الاسطول حادت مراكب الفرنج عنه يمنة و يسرة، و خافوا منه، و اتصل بالبلد الميرة و العدد و العدد، و انشرحت الصدور بذلك، و انسلخت هذه السنة و الحال ما حال بل هو على ما هو عليه و لا ملجأ من اللَّه إلا إليه.

و فيها توفى من الأعيان.

القاضي شرف الدين أبو سعد

عبد اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه بن أبى عصرون أحد أئمة الشافعية، له كتاب الانتصاف، و قد ولى قضاء القضاة بدمشق، ثم أضر قبل موته بعشر سنين، فجعل ولده نجم الدين مكانه بطيب قلبه و قد بلغ من العمر ثلاثا و تسعين سنة و نصفا، و دفن بالمدرسة العصرونية، التي أنشأها عند سويقة باب البريد، قبالة داره، بينهما عرض الطريق، و كان من الصالحين و العلماء العاملين. و قد ذكره ابن خلكان فقال: كان أصله من حديثة عانة الموصل، و رحل في طلب العلم إلى بلدان شتى، و أخذ عن أسعد الميهنى و أبى على الفارقيّ و جماعة، و ولى قضاء سنجار و حران، و باشر في أيام نور الدين تدريس الغزالية، ثم انتقل إلى حلب فبنى له نور الدين بحلب مدرسة و بحمص أخرى، ثم قدم دمشق في أيام صلاح الدين، فولى قضاءها في سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة إلى أن توفى في هذه السنة، و قد جمع جزءا في قضاء الأعمى، و أنه جائز، و هو خلاف المذهب، و قد حكاه صاحب البيان وجها لبعض الأصحاب. قال: و لم أره في غيره، و لكن حبك الشي‏ء يعمى و يصم، و قد صنف كتبا كثيرة،

334

منها صفوة المذهب في نهاية المطلب، في سبع مجلدات، و الانتصاف في أربعة، و الخلاف في أربعة، و الذريعة [في معرفة الشريعة] و المرشد و غير ذلك، و [كتابا سماه مأخذ النظر، و مختصرا] في الفرائض، و قد ذكره ابن عساكر في تاريخه و العماد فأثنى عليه، و كذلك القاضي الفاضل. و أورد له العماد أشعارا كثيرة و ابن خلكان، منها:

أؤمل أن أحيا و في كل ساعة* * * تمر بى الموتى يهز نعوشها

و هل أنا إلا مثلهم غير أن لي* * * بقايا ليال في الزمان أعيشها

أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان‏

أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان، قال ابن الأثير: كان عالما متبحرا في علوم كثيرة من الفقه، و الأصول و الحساب و الفرائض و النجوم و الهيئة و المنطق و غير ذلك، و قد جاور بمكة و أقام بها إلى أن مات بها، و كان من أحسن الناس صحبة و خلقا.

الفقيه الأمير ضياء الدين عيسى الهكارى‏

كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إلى مصر، و حظي عنده، ثم كان ملازما للسلطان صلاح الدين حتى مات في ركابه بمنزلة الخروبة قريبا من عكا، فنقل إلى القدس فدفن به، كان ممن تفقه على الشيخ أبى القاسم بن البرزي الجزري، و كان من الفضلاء و الأمراء الكبار.

المبارك بن المبارك الكرخي‏

مدرس النظامية، تفقه بابن الخل [و حظي‏] بمكانة عند الخليفة و العامة، و كان يضرب بحسن خطه المثل. ذكرته في الطبقات.

ثم دخلت سنة ست و ثمانين و خمسمائة

استهلت و السلطان محاصر لحصن عكا، و أمداد الفرنج تفد إليهم من البحر في كل وقت، حتى أن نساء الفرنج ليخرجن بنية القتال، و منهن من تأتى بنية راحة الغرباء لينكحوها في الغربة، فيجدون راحة و خدمة و قضاء وطر، قدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة من أحسن النساء و أجملهن بهذه النية، فإذا وجدوا ذلك ثبتوا على الحرب و الغربة، حتى أن كثيرا من فسقة المسلمين تحيزوا إليهم من أجل هذه النسوة، و اشتهر الخبر بذلك. و شاع بين المسلمين و الفرنج بأن ملك الألمان قد أقبل بثلاثمائة ألف مقاتل، من ناحية القسطنطينية، يريد أخذ الشام و قتل أهله، انتصارا لبيت المقدس فعند ذلك حمل السلطان و المسلمون هما عظيما، و خافوا غاية الخوف، مع ما هم فيه من الشغل و الحصار الهائل، و قويت قلوب الفرنج بذلك، و اشتدوا للحصار و القتال، و لكن لطف اللَّه و أهلك عامة جنده في الطرقات بالبرد و الجوع و الضلال في المهالك، على ما سيأتي بيانه. و كان سبب قتال الفرنج و خروجهم‏

335

من بلادهم و نفيرهم ما ذكره ابن الأثير في كامله أن جماعة من الرهبان و القسيسين الذين كانوا ببيت المقدس و غيره، ركبوا من صور في أربعة مراكب، و خرجوا يطوفون ببلدان النصارى البحرية، و ما هو قاطع البحر من الناحية الأخرى، يحرضون الفرنج و يحثونهم على الانتصار لبيت المقدس، و يذكرون لهم ما جرى على أهل القدس، و أهل السواحل من القتل و السبي و خراب الديار، و قد صوروا صورة المسيح و صورة عربي آخر يضربه و يؤذيه، فإذا سألوهم من هذا الّذي يضرب المسيح؟ قالوا هذا نبي العرب يضربه و قد جرحه و مات، فينزعجون لذلك و يحمون و يبكون و يحزنون فعند ذلك خرجوا من بلادهم لنصرة دينهم و نبيهم، و موضع حجهم على الصعب و الذلول، حتى النساء المخدرات و الزواني و الزانيات الذين هم عند أهليهم من أعز الثمرات.

و في نصف ربيع الأول تسلم السلطان شعيف أربون بالأمان، و كان صاحبه مأسورا في الذل و الهوان، و كان من أدهى الفرنج و أخبرهم بأيام الناس، و ربما قرأ في كتب الحديث و تفسير القرآن، و كان مع هذا غليظ الجلد قاسي القلب، كافر النفس. و لما انفصل فصل الشتاء و أقبل الربيع جاءت ملوك الإسلام من بلدانها بخيولها و شجعانها، و رجالها و فرسانها، و أرسل الخليفة إلى الملك صلاح الدين أحمالا من النفط و الرماح، و نفاطة و نقابين، كل منهم متقن في صنعته غاية الإتقان، و مرسوما بعشرين ألف دينار، و انفتح البحر و تواترت مراكب الفرنج من كل جزيرة، لأجل نصرة أصحابهم، يمدونهم بالقوة و الميرة، و عملت الفرنج ثلاثة أبرجة من خشب و حديد، عليها جلود مسقاة بالخل، لئلا يعمل فيها النفط، يسع البرج منها خمسمائة مقاتل، و هي أعلا من أبرجة البلد، و هي مركبة على عجل بحيث يديرونها كيف شاءوا، و على ظهر كل منها منجنيق كبير، فلما رأى المسلمون ذلك أهمهم أمرها و خافوا على البلد و من فيه من المسلمين أن يؤخذوا، و حصل لهم ضيق منها، فأعمل السلطان فكره بإحراقها، و أحضر النفاطين و وعدهم بالأموال الجزيلة إن هم أحرقوها، فانتدب لذلك شاب نحاس من دمشق يعرف بعلي بن عريف النحاسين، و التزم بإحراقها، فأخذ النفط الأبيض و خلطه بأدوية يعرفها، و على ذلك في ثلاثة قدور من نحاس حتى صار نارا تأجج، و رمى كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا، فاحترقت الأبرجة الثلاثة حتى صارت نارا باذن اللَّه، لها ألسنة في الجو متصاعدة، و احترق من كان فيها، فصرخ المسلمون صرخة واحدة بالتهليل، و احترق في كل برج منها سبعون كفورا، و كان يوما على الكافرين عسيرا، و ذلك يوم الاثنين الثاني و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، و كان الفرنج قد تعبوا في عملها سبعة أشهر، فاحترقت في يوم واحد (وَ قَدِمْنا إِلى‏ ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) ثم أمر السلطان لذلك الشاب النحاس بعطية سنية، و أموال كثيرة فامتنع أن يقبل شيئا من ذلك، و قال: إنما عملت ذلك ابتغاء وجه اللَّه، و رجاء

336

ما عنده سبحانه، فلا أريد منكم جزاء و لا شكورا.

و أقبل الأسطول المصري و فيه الميرة الكثيرة لأهل البلد، فعبى الفرنج أسطولهم ليقاتلوا أسطول المسلمين، نهض السلطان بجيشه ليشغلهم عنهم، و قاتلهم أهل البلد أيضا و اقتتل الأسطولان في البحر، و كان يوما عسيرا، و حربا في البر و البحر، فظفرت الفرنج بشبينى واحد من الأسطول الّذي للمسلمين، و سلم اللَّه الباقي فوصل إلى البلد بما فيه من الميرة، و كانت حاجتهم قد اشتدت إليها جدا، بل إلى بعضها.

و أما ملك الألمان المتقدم ذكره فإنه أقبل في عدد و عدد كثير جدا، قريب من ثلاثمائة ألف مقاتل، من نيته خراب البلد و قتل أهلها من المسلمين، و الانتصار لبيت المقدس، و أن يأخذ البلاد إقليما بعد إقليم، حتى مكة و المدينة، فما نال من ذلك شيئا بعون اللَّه و قوته، بل أهلكهم اللَّه عز و جل في كل مكان و زمان، فكانوا يتخطفون كما يتخطف الحيوان، حتى اجتاز ملكهم بنهر شديد الجرية فدعته نفسه أن يسبح فيه، فلما صار فيه حمله الماء إلى شجرة فشجت رأسه، و أخمدت أنفاسه، و أراح اللَّه منه العباد و البلاد، فأقيم ولده الأصغر في الملك، و قد تمزق شملهم، و قلت منهم العدة، ثم أقبلوا لا يجتازون ببلد إلا قتلوا فيه، فما وصلوا إلى أصحابهم الذين على عكا إلا في ألف فارس، فلم يرفعوا بهم رأسا و لا لهم قدرا و لا قيمة بينهم، و لا عند أحد من أهل ملتهم و لا غيرهم، و هكذا شأن من أراد إطفاء نور اللَّه و إذ لال دين الإسلام. و زعم العماد في سياقه أن الألمان وصلوا في خمسة آلاف، و أن ملوك الافرنج كلهم كرهوا قدومهم عليهم، لما يخافون من سطوة ملكهم، و زوال دولتهم بدولته، و لم يفرح به إلا المركيس صاحب صور، الّذي أنشأ هذه الفتنة و أثار هذه المحنة، فإنه تقوى به و بكيده، فإنه كان خبيرا بالحروب، و قد قدم بأشياء كثيرة من آلات الحرب لم تخطر لأحد ببال نصب دبابات أمثال الجبال، تسير بعجل و لها زلوم من حديد، تنطح السور فتخرقه، و تثلم جوانبه، فمنّ اللَّه العظيم بإحراقها، و أراح اللَّه المسلمين منها، و نهض صاحب الألمان بالعسكر الفرنجى فصادم به جيش المسلمين [فجاءت جيوش المسلمين‏] برمتها إليه، فقتلوا من الكفرة خلقا كثيرا و جما غفيرا، و هجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فتهبوا بعض الأمتعة، فنهض الملك العادل أبو بكر- و كان رأس الميمنة- فركب، في أصحابه و أمهل الفرنج حتى توغلوا بين الخيام، ثم حمل عليهم بالرماح و الحسام، فهربوا بين يديه فما زال يقتل منهم جماعة بعد جماعة، و فرقة بعد فرقة، حتى كسوا وجه الأرض منهم حللا أزهى من الرياض الباسمة، و أحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، و أقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف، و زعم العماد أنه قتل منهم فيما بين الظهر إلى العصر عشرة آلاف و اللَّه أعلم.

هذا و طرف الميسرة لم يشعر بما جرى و لا درى، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم، و كان‏

337

الذين ساقوا وراءهم أقل من ألف، و إنما قتل من المسلمين عشرة أو دونهم، و هذه نعمة عظيمة، و قد أوهن هذا جيش الفرنج و أضعفهم، و كادوا يطلبون الصلح و ينصرفون عن البلد، فاتفق قدوم مدد عظيم إليهم من البحر مع ملك يقال له كيدهري، و معه أموال كثيرة فأنفق فيهم و غرم عليهم و أمرهم أن يبرزوا معه لقتال المسلمين، و نصب على عكا منجنيقين، غرم على كل واحد منهما ألفا و خمسمائة دينار، فأحرقهما المسلمون من داخل البلد، و جاءت كتب صاحب الروم من القسطنطينية يعتذر لصلاح الدين من جهة ملك الألمان، و أنه لم يتجاوز بلده باختياره، و أنه تجاوزه لكثرة جنوده، و لكن ليبشر السلطان بأن اللَّه سيهلكهم في كل مكان، و كذلك وقع، و أرسل إلى السلطان يخبره بأنه يقيم للمسلمين عنده جمعة و خطبا، فأرسل السلطان مع رسله خطيبا و منبرا، و كان يوم دخولهم إليه يوما مشهودا، و مشهدا محمودا، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية، و دعا للخليفة العباسي، و اجتمع فيها من هناك من المسلمين من التجار و المسلمين الأسرى و المسافرين إليها و الحمد للَّه رب العالمين.

فصل‏

و كتب متولى عكا من جهة السلطان صلاح الدين و هو الأمير بهاء الدين قراقوش، في العشر الأول من شعبان إلى السلطان: إنه لم يبق عندهم في المدينة من الأقوات إلا ما يبلغهم إلى ليلة النصف من شعبان، فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسرها يوسف في نفسه و لم يبدها لهم، خوفا من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا على المسلمين، و تضعف القلوب، و كان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية أن يقدم بالميرة إلى عكا، فتأخر سيره، ثم وصلت ثلاث بطش ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفى أهل البلد طول الشتاء، و هي صحبة الحاجب لؤلؤ، فلما أشرفت على البلد نهض إليها أسطول الفرنج ليحول بينها و بين البلد، و يتلف ما فيها، فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا، و المسلمون في البر يبتهلون إلى اللَّه عز و جل في سلامتها، و الفرنج أيضا تصرخ برا و بحرا، و قد ارتفع الضجيج، فنصر اللَّه المسلمين و سلم مراكبهم، و طابت الريح للبطش فسارت فأحرقت المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء، و دخلت البلد سالمة، ففرح بها أهل البلد و الجيش فرحا شديدا، و كان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة، و فيها من الجبن و الشحم و القديد و النشاب و النفط شي‏ء كثير، و كانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، و أمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم خلقوا لحاهم، و شدوا الزنانير، و استصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير، و قدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم و هي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا

338

بأنهم مغلوبون عنها، و لا يمكنهم حبسها من قوة الريح، و ما زالوا كذلك حتى و لجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، و الحرب خدعة، فعبرت المنياء فامتلأ الثغر بها خيرا، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية. و كانت البلد يكتنفها برجان يقال لأحدهما برج الديان، فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة لها خرطوم و فيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شي‏ء من الأسوار و الابرجة قلبوه فوصل إلى ما أرادوا، فعظم أمر هذه البطشة على المسلمين، و لم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل اللَّه عليها شواظا من نار فأحرقها و أغرقها، و ذلك أن الفرنج أعدوا فيها نفطا كثيرا و حطبا جزلا، و أخرى خلفها فيها حطب محض، فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على بطشة الحطب فاحترقت و هي سائرة بين بطش المسلمين، و احترقت الأخرى، و كان في بطشة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الديان انعكس الأمر عليهم بقدرة اللَّه تعالى، و ذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطشتهم فاحترقت، و تعدى الحريق إلى الأخرى فغرقت، و وصل إلى بطشة المقاتلة فتلفت، و هلك من فيها، فاشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين، في قوله تعالى‏ (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ).

فصل‏

و في ثالث رمضان اشتد حصار الفرنج للمدينة حتى نزلوا إلى الخندق، فبرز إليهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و تمكنوا من حريق الكيس و الأسوار، و سرى حريقه إلى السقوف، و ارتفعت له لهبة عظيمة في عنان السماء، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من حديد في سلاسل، فحصل عندهم و ألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي، و للَّه الحمد و المنة.

و في الثامن و العشرين من رمضان توفى الملك زين الدين صاحب أربل في حصار عكا مع السلطان، فتأسف الناس عليه لشبابه و غربته و جودته، و عزى أخاه مظفر الدين فيه، و قام بالملك من بعده و سأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور و حران و الرها و سميساط و غيرها، و تحمل مع ذلك خمسين ألف دينار نقدا، فأجيب إلى ذلك، و كتب له تقليدا، و عقد له لواء، و أضيف ما تركه إلى الملك المظفر تقى الدين ابن أخى السلطان صلاح الدين.

فصل‏

و كان القاضي الفاضل بمصر يدبر الممالك بها، و يجهز إلى السلطان ما يحتاج إليه من الأموال،

339

و عمل الأسطول و الكتب السلطانية، فمنها كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة الذنوب، و ارتكاب المحارم بين الناس، فان اللَّه لا ينال ما عنده إلا بطاعته، و لا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، و امتثال أمره، فكيف لا يطول الحصار و المعاصي في كل مكان فاشية، و قد صعد إلى اللَّه منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه، و فيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه المنكرات و الفواحش و الظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إلا بكلفة كثيرة. و منها كتاب يقول فيه إنما أتينا من قبل أنفسنا، و لو صدقنا لعجل اللَّه لنا عواقب صدقنا، و لو أطعناه لما عاقبنا بعدونا، و لو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، فلا يختصم أحد إلا نفسه و عمله، و لا يرج إلا ربه و لا يغتر بكثرة العساكر و الأعوان، و لا فلان الّذي يعتمد عليه أن يقاتل و لا فلان، فكل هذه مشاغل عن اللَّه ليس النصر بها، و إنما النصر من عند اللَّه، و لا نأمن أن يكلنا اللَّه إليها، و النصر به و اللطف منه، و نستغفر اللَّه تعالى من ذنوبنا، فلو لا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، و فيض دموع الخاشعين قد غسل، و لكن في الطريق عائق، خار اللَّه لمولانا في القضاء السابق و اللاحق. و من كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من الشدائد، أثابه اللَّه بقوله: و ما في نفس المملوك شائنة إلا بقية هذا الضعف الّذي في جسم مولانا فإنه بقلوبنا، و نفديه بأسماعنا و أبصارنا ثم قال:

بنا معشر الخدام ما بك من أذى* * * و إن أشفقوا مما أقول فبي وحدي‏

و قد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين هاهنا كتبا عدة من الفاضل إلى السلطان، فيها فصاحة و بلاغة و مواعظ و تحضيض على الجهاد، ف(رحمه اللَّه) من إنسان ما أفصحه، و من وزير ما كان أنصحه، و من عقل ما كان أرجحه.

فصل‏

و كتب الفاضل كتابا على لسان السلطان إلى ملك الغرب أمير المسلمين، و سلطان جيش الموحدين، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، يستنجده في إرسال مراكب في البحر تكون عونا للمسلمين على المراكب الفرنجية في عبارة طويلة فصيحة بليغة مليحة، حكاها أبو شامة بطولها.

و بعث السلطان صلاح الدين مع الكتاب سنية من التحف و الألطاف، صحبة الأمير الكبير شمس الدين أبى الحزم عبد الرحمن بن منقذ، و سار في البحر في ثامن ذي القعدة، فدخل على سلطان المغرب في العشرين من ذي الحجة، فأقام عنده إلى عاشوراء من المحرم من سنة ثمان و ثمانين، و لم يفد هذا الإرسال شيئا، لأنه تغضب إذ لم يلقب بأمير المؤمنين، و كانت إشارة الفاضل إلى عدم الإرسال إليه، و لكن وقع ما وقع بمشيئة اللَّه.

340

فصل‏

و فيها حصل للناصر صلاح الدين سوء مزاج من كثرة ما يكابده من الأمور، فطمع العدو المخذول في حوزة الإسلام، فتجرد جماعة منهم للقتال، و ثبت آخرون على الحصار، فأقبلوا في عدد كثير و عدد، فرتب السلطان الجيوش يمنة و يسرة، و قلبا و جناحين، فلما رأى العدو الجيش الكثيف فروا فقتلوا منهم خلقا كثيرا و جما غفيرا.

فصل‏

و لما دخل فصل الشتاء و انشمرت مراكب الفرنج عن البلد خوفا من الهلاك بسبب اغتلام البحر، سأل من بالبلد من المسلمين من السلطان أين يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، و القتال ليلا و نهارا، و أن يرسل إلى البلد بدلهم، فرق لهم السلطان، و عزم على ذلك، و كانوا قريبا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير و مأمور، فجهز جيشا آخر غيرهم، و لم يكن ذلك برأي جيد، و لكن ما قصد السلطان إلا خيرا، و أن هؤلاء يدخلون البلد بهمم حدة شديدة، و لهم عزم قوى، و هم في راحة بالنسبة إلى ما أولئك و لكن أولئك الذين كانوا بالبلد و خرجوا منه كانت لهم خبرة بالبلد و بالقتال و كان لهم صبر، و جلد و قد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة، فانمحقت بسبب ذلك، و قدم بطش من مصر فيه ميرة تكفى أهل البلد سنة كاملة، فقدر اللَّه العظيم- و له الأمر من قبل و من بعد- أنها لما توسطت البحر و اقتربت من المينا هاجت عليها ريح عظيمة فانقلبت تلك البطش و تغلبت على عظمها فاختبطت و اضطربت و تصادمت فتكسرت و غرقت، و غرق ما كان فيها من الميرة و البحارة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، و اشتد الأمر جدا، و مرض السلطان و ازداد مرضا إلى مرضه، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و كان ذلك عونا للعدو المخذول على أخذ البلد، و لا قوة إلا باللَّه، و ذلك في ذي الحجة من هذه السنة، و كان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين على بن أحمد بن المشطوب.

و في اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا، فبادر الفرنج إليها فسبقهم المسلمون إلى سدها بصدورهم، و قاتلوا دونها بنحورهم، و ما زالوا يمانعون عنها حتى بنوها أشد مما كانت، و أقوى و أحسن. و وقع في هذه السنة وباء عظيم في المسلمين و الكافرين، فكان السلطان يقول في ذلك:

اقتلوني و مالكا* * * و اقتلوا مالكا معى‏

341

و اتفق موت ابن ملك الألمان لعنه اللَّه في ثانى ذي الحجة، و جماعة من كبراء الكندهرية، و سادات الفرنج لعنهم اللَّه، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان و أوقدوا نارا عظيمة في كل خيمة، و صار كل يوم يهلك من الفرنج المائة و المائتان، و استأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع و الضيق و الحصر، و أسلم خلق كثير منهم. و فيها قدم القاضي الفاضل من مصر على السلطان، و كان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه، فأفضى كل منهما إلى صاحبه ما كان يسره و يكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين.

و فيها توفى من الأعيان.

ملك الألمان‏

و قد تقدم أنه قدم في ثلاثمائة ألف مقاتل، فهلكوا في الطرقات، فلم يصل إلى الفرنج إلا في خمسة آلاف و قيل في ألفى مقاتل، و كان قد عزم على دمار الإسلام، و استنقاذ البلاد بكمالها من أيدي المسلمين، انتصارا في زعمه إلى بيت المقدس، فأهلكه اللَّه بالغرق كما أهلك فرعون، ثم ملك بعده ولده الأصغر فأقبل بمن بقي معه من الجيش إلى الفرنج، و هم في حصار عكا، ثم مات في هذه السنة فلله الحمد و المنة.

محمد بن محمد بن عبد اللَّه‏

أبو حامد قاضى القضاة بالموصل، كمال الدين الشهرزوريّ الشافعيّ، أثنى عليه العماد و أنشد له من شعره قوله:

قامت بإثبات الصفات أدلة* * * قصمت ظهور أئمة التعطيل‏

و طلائع التنزيه لما أقبلت* * * هزمت ذوى التشبيه و التمثيل‏

فالحق ما صرنا إليه جميعنا* * * بأدلة الأخبار و التنزيل‏

من لم يكن بالشرع مقتديا فقد* * * ألقاه فرط الجهل في التضليل‏

ثم دخلت سنة سبع و ثمانين و خمسمائة

فيها قدم ملك الفرنسيس و ملك انكلترا و غيرهما من ملوك البحر الفرنج، على أصحابهم الفرنج إلى عكا، و تمالئوا على أخذ عكا في هذه السنة كما سيأتي تفصيله، و قد استهلت هذه السنة و الحصار الشديد على عكا من الجانبين، و قد استكمل دخول العدو إلى البلد و الملك العادل مخيم إلى جانب البحر، ليتكامل دخولهم و دخول ميرتهم، و في ليلة مستهل ربيع الأول منها خرج المسلمون من عكا فهجموا على مخيم الفرنج فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و سبوا و غنموا شيئا كثيرا، سبوا اثنى عشرا مرأة، و انكسر مركب عظيم للفرنج فغرق ما فيه منهم و أسر باقيهم، و أغار صاحب حمص أسد الدين بن شير كوه على سرح الفرنج بأراضى طرابلس، فاستاق منهم شيئا كثيرا من الخيول و الأبقار و الأغنام، و ظفر الترك بخلق كثير من الفرنج فقتلوهم، و لم يقتل من المسلمين سوى طواش‏

342

صغير عثر به فرسه. و في ثانى عشر ربيع الأول وصل إلى الفرنج ملك الفرنسيين في قريب من ستين بطش ملعونة مشحونة بعبدة الصليب، فحين وصل إليهم و قدم عليهم لم يبق لأحد من ملوكهم معه كلام و لا حكم، لعظمته عندهم، و قدم معه باز عظيم أبيض و هو الأشهب، هائل، فطار من يده فوقع على سور عكا فأخذه أهلها و بعثوه إلى السلطان صلاح الدين، فبذل الفرنجى فيه ألف دينار فلم يجبه إلى ذلك، و قدم بعده كيد فرير و هو من أكابر ملوكهم أيضا، و وصلت سفن ملك الانكليز، و لم يجي‏ء ملكهم لاشتغاله بجزيرة قبرص و أخذها من يد صاحبها، و تواصلت ملوك الإسلام أيضا من بلدانها في أول فصل الربيع، لخدمة الملك الناصر. قال العماد: و قد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، حتى أنهم كانوا يسرقون الرجال، فاتفق أن بعضهم أخذ صبيا رضيعا من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجدا شديدا، و اشتكت إلى ملوكهم فقالوا لها:

إن سلطان المسلمين رحيم القلب، و قد أذنا لك أن تذهبي إليه فتشتكى أمرك إليه، قال العماد فجاءت إلى السلطان فأنهت إليه حالها، فرق لها رقة شديدة حتى دمعت عينه. ثم أمر بإحضار ولدها فإذا هو قد بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشترى، و لم يزل واقفا حتى جي‏ء بالغلام فأخذته أمه و أرضعته ساعة و هي تبكى من شدة فرحها و شوقها إليه، ثم أمر بحملها إلى خيمتها على فرس مكرمة (رحمه اللَّه تعالى) و عفا عنه.

فصل في كيفية أخذ العدو المخذول عكا من يدي السلطان قسرا

لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج لعنهم اللَّه لمدينة عكا، و تمالئوا عليها من كل فج عميق، و قدم عليهم ملك الانكليز في جم غفير، و جمع كثير، في خمسة و عشرين قطعة مشحونة بالمقاتلة و ابتلى أهل الثفر منهم ببلاء لا يشبه ما قبله، فعند ذلك حركت الكئوسات في البلد، و كانت علامة ما بينهم و بين السلطان، فحرك السلطان كوساته فاقترب من البلد و تحول إلى قريب منه، ليشغلهم عن البلد، و قد أحاطوا به من كل جانب، و نصبوا عليه سبعة منجانيق، و هي تضرب في البلد ليلا و نهارا، و لا سيما على برج عين البقر، حتى أثرت به أثرا بينا، و شرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دواب ميتة، و من قتل منهم، و من مات أيضا ردموا به، و كان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر. و تلقى ملك الانكليز بطشة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة و الأسلحة فأخذها، و كان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية، و كان بالبطشة ستمائة من المقاتلين الصناديد الأبطال، فهلكوا عن آخرهم (رحمهم اللَّه). فإنه لما أحيط

343

بهم و تحققوا إما الغرق أو القتل، خرقوا جوانبها كلها فغرقت، و لم يقدر الفرنج على أخذ شي‏ء منها لا من الميرة و لا من الأسلحة، و حزن المسلمون على هذا المصاب حزنا عظيما، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏، و لكن جبر اللَّه سبحانه هذا البلاء بأن أحرق المسلمون في هذا اليوم دبابة كانت أربع طبقات، الأولى من الخشب، و الثانية من رصاص، و الثالثة من حديد، و الرابعة من نحاس، و هي مشرفة على السور و المقاتلة فيها، و قد قلق أهل البلد منها بحيث حدثتهم أنفسهم من خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج، و يسلموا البلد، ففرج اللَّه عن المسلمين و أمكنهم من حريقها، اتفق لهم ذلك في هذا اليوم الّذي غرقت فيه البطشة المذكورة، فأرسل أهل البلد يشكون إلى السلطان شدة الحصار و قوته عليهم، منذ قام ملك الانكليز لعنه اللَّه، و مع هذا قد مرض هو و جرح ملك الافرنسيين أيضا و لا يزيدهم ذلك إلا شدة و غلظة، و عتوا و بغيا، و فارقهم المركيس و سار إلى بلده صور خوفا منهم أن يخرجوا ملكها من يده. و بعث ملك الانكليز إلى السلطان صلاح الدين يذكر له أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر، و هو على نية إرسالها إليه، و لكنها قد ضعفت و هو يطلب دجاجا و طيرا لتقوى به، فعرف أنه إنما يطلب ذلك لنفسه يلطفها به، فأرسل إليه شيئا كثيرا من ذلك كرما، ثم أرسل يطلب، فاكهة و ثلجا فأرسل إليه أيضا، فلم يفد معه الإحسان، بل لما عوفي عاد إلى شر مما كان، و اشتد الحصار ليلا و نهارا، فأرسل أهل البلد يقولون للسلطان إما أن تعملوا معنا شيئا غدا و إلا طلبنا من الفرنج الصلح و الأمان، فشق ذلك على السلطان، و ذلك لأنه كان قد بعث إليها أسلحة الشام و الديار المصرية و سائر السواحل، و ما كان غنمه من وقعة حطين و من القدس، فهي مشحونة بذلك، فعند ذلك عزم السلطان على الهجوم على العدو، فلما أصبح ركب في جيشه فرأى الفرنج قد ركبوا من وراء خندقهم، و الرجالة منهم قد ضربوا سورا حول الفرسان، و هم قطعة من حديد صماء لا ينفذ فيهم شي‏ء، فأحجم عنهم لما يعلم من نكول جيشه عما يريده، و تحدوه عليه شجاعته (رحمه اللَّه).

هذا و قد اشتد الحصار على البلد و دخلت الرجالة منهم إلى الخندق و علقوا بدنة في السور و حشوها و أحرقوها، فسقطت و دخلت الفرنج إلى البلد، فمانعهم المسلمون و قاتلوهم أشد القتال، و قتلوا من رءوسهم ستة أنفس، فاشتد حنق الفرنج على المسلمين جدا بسبب ذلك، و جاء الليل فحال بين الفريقين، فلما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد أحمد بن المشطوب فاجتمع بملك الافرنسيين و طلب منهم الأمان على أنفسهم، و يتسلمون منه البلد، فلم يجبهم إلى ذلك، و قال له: بعد ما سقط السور جئت تطلب الأمان؟ فأغلظ له ابن المشطوب في الكلام، و رجع إلى البلد في حالة اللَّه بها عليم، فلما أخبر أهل البلد بما وقع خافوا خوفا شديدا، و أرسلوا إلى السلطان يعلمونه بما وقع، فأرسل‏

344

إليهم أن يسرعوا الخروج من البلد في البحر و لا يتأخروا عن هذه الليلة، و لا يبقى بها مسلم، فتشاغل كثير ممن كان بها لجمع الأمتعة و الأسلحة، و تأخروا عن الخروج تلك الليلة، فما أصبح الخبر إلا عند الفرنج من مملوكين صغيرين سمعا بما رسم به السلطان، فهربا إلى قومهما فأخبروهم بذلك، فاحتفظوا على البحر احتفاظا عظيما، فلم يتمكن أحد من أهل البلد أن يتحرك بحركة، و لا خرج منها شي‏ء بالكلية، و هذان المملوكان كانا أسيرين قد أسرهما السلطان من أولاد الفرنج، و عزم السلطان على كبس العدو في هذه الليلة، فلم يوافقه الجيش على ذلك، و قالوا لا نخاطر بعسكر المسلمين، فلما أصبح بعث إلى ملوك الفرنج يطلب منهم الأمان لأهل البلد على أن يطلق عدتهم من الأسرى الذين تحت يده من الفرنج، و يزيدهم صليب الصلبوت، فأبوا إلا أن يطلق لهم كل أسير تحت يده، و يطلق لهم جميع البلاد الساحلية التي أخذت منهم، و بيت المقدس، فأبى ذلك، و ترددت المراسلات في ذلك، و الحصار يتزايد على أسوار البلد. و قد تهدمت منه ثلم كثيرة، و أعاد المسلمون كثيرا منها، و سدوا ثغر تلك الأماكن بنحورهم (رحمهم اللَّه)، و صبروا صبرا عظيما، و صابروا العدو، ثم كان آخر الأمر وصولهم إلى درجة الشهادة، و قد كتبوا إلى السلطان في آخر أمرهم يقولون له:

يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين، الذين قد أبوا عليك الاجابة إلى ما دعوتهم فينا، فانا قد بايعنا اللَّه على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا، و باللَّه المستعان.

فلما كان وقت الظهر في اليوم السابع من جمادى الآخرة من هذه السنة، ما شعر الناس إلا و أعلام الكفار قد ارتفعت، و صلبانهم و نارهم على أسوار البلد، و صاح الفرنج صيحة واحدة، فعظمت عند ذلك المصيبة على المسلمين، و اشتد حزن الموحدين، و انحصر كلام الناس في‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏، و غشي الناس بهتة عظيمة، و حيرة شديدة، و وقع في عسكر السلطان الصياح و العويل، و دخل المركيس لعنه اللَّه و قد عاد إليهم من صور بهدايا فأهداها إلى الملوك، فدخل في هذا اليوم عكا بأربعة أعلام الملوك فنصبها في البلد، واحدا على المئذنة يوم الجمعة، و آخر على القلعة، و آخر على برج الداوية، و آخر على برج القتال، عوضا عن أعلام السلطان، و تحيز المسلمون الذين بها إلى ناحية من البلد معتقلين، محتاط بهم مضيق عليهم، و قد أسروا النساء و الأبناء، و غنمت أموالهم، و قيدت الابطال و أهين الرجال، و الحرب سجال، و الحمد للَّه على كل حال.

فعند ذلك أمر السلطان الناس بالتأخر عن هذه المنزلة، و ثبت هو مكانه لينظر ما ذا يصنعون و ما عليه يعولون، و الفرنج في البلد مشغولون مدهوشون، ثم سار السلطان إلى العسكر و عنده من الهم ما لا يعلمه إلا اللَّه، و جاءت الملوك الإسلامية، و الأمراء و كبراء الدولة يعزونه فيما وقع، و يسلونه على ذلك، ثم راسل ملوك الفرنج في خلاص من بأيديهم من الأسارى فطلبوا منه عدتهم من أسراهم‏

345

و مائة ألف دينار، و صليب الصلبوت إن كان باقيا، فأرسل فأحضر المال و الصليب، و لم يتهيأ له من الأسارى إلا ستمائة أسير، فطلب الفرنج منه أن يريهم الصليب من بعيد، فلما رفع سجدوا له و ألقوا أنفسهم إلى الأرض، و بعثوا يطلبون منه ما أحضره من المال و الأسارى، فامتنع إلا أن يرسلوا إليه الأسارى أو يبعثوا له برهائن على ذلك، فقالوا: لا و لكن أرسل لنا ذلك و ارض بأمانتنا، فعرف أنهم يريدون الغدر و المكر، فلم يرسل إليهم شيئا من ذلك، و أمر برد الأسارى إلى أهليهم بدمشق، و رد الصليب إلى دمشق مهانا، و أبرزت الفرنج خيامهم إلى ظاهر البلد و أحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين فأوقفوهم بعد العصر و حملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد، (رحمهم اللَّه) و أكرم مثواهم، و لم يستبقوا بأيديهم من المسلمين إلا أميرا أو صبيا، أو من يرونه في عملهم قويا أو امرأة. و جرى الّذي كان، و قضى الأمر الّذي فيه تستفتيان. و كان مدة إقامة صلاح الدين على عكا صابرا مصابرا مرابطا سبعة و ثلاثين شهرا، و جملة من قتل من الفرنج خمسين ألفا.

فصل فيما حدث بعد أخذ الفرنج عكا

ساروا برمتهم قاصدين عسقلان، و السلطان بجيشه يسايرهم و يعارضهم منزلة منزلة، و المسلمون يتخطفونهم و يسلبونهم في كل مكان، و كل أسير أتى به إلى السلطان يأمر بقتله في مكانه، و جرت خطوب بين الجيشين، و وقعات متعددات، ثم طلب ملك الانكليز أن يجتمع بالملك العادل أخى السلطان يطلب منه الصلح و الأمان، على أن يعاد لأهلها بلاد السواحل، فقال له العادل: إن دون ذلك قتل كل فارس منكم و راجل، فغضب اللعين و نهض من عنده غضبان، ثم اجتمعت الفرنج على حرب السلطان عند غابة أرسوف، فكانت النصرة للمسلمين، فقتل من الفرنج عند غابة أرسوف ألوف بعد ألوف، و قتل من المسلمين خلق كثير أيضا، و قد كان الجيش فر عن السلطان في أول الوقعة، و لم يبق معه سوى سبعة عشر مقاتلا، و هو ثابت صابر، و الكئوسات لا تفتر، و الأعلام منشورة، ثم تراجع الناس فكانت النصرة للمسلمين، ثم تقدم السلطان بعساكره فنزل ظاهر عسقلان، فأشار ذو و الرأى على السلطان بتخريب عسقلان خشية أن يتملكها الكفار، و يجعلونها وسيلة إلى أخذ بيت المقدس، أو يجرى عندها من الحرب و القتال نظير ما كان عند عكا، أو أشد، فبات السلطان ليلته مفكرا في ذلك، فلما أصبح و قد أوقع اللَّه في قلبه أن خرابها هو المصلحة، فذكر ذلك لمن حضره، و قال لهم و اللَّه لموت جميع أولادي أهون على من تخريب حجر واحد منها،

346

و لكن إذا كان خرابها فيه مصلحة للمسلمين فلا بأس به، ثم طلب الولاة و أمرهم بتخريب البلد سريعا، قبل وصول العدو إليها، فشرع الناس في خرابه، و أهله و من حضره يتباكون على حسنه و طيب مقيله، و كثرة زروعه و ثماره، و نضارة أنهاره و أزهاره، و كثرة رخامه و حسن بنائه.

و ألقيت النار في سقوفه و أتلف ما فيه من الغلات التي لا يمكن تحويلها، و لا نقلها، و لم يزل الخراب و الحريق فيه من جمادى الآخرة إلى سلخ شعبان من هذه السنة.

ثم رحل السلطان منها في ثانى رمضان و قد تركها قاعا صفصفا ليس فيها معلمة لأحد، ثم اجتاز بالرملة فخرب حصنها و خرب كنيسة لد، و زار بيت المقدس و عاد إلى المخيم سريعا، و بعث ملك الانكليز إلى السلطان إن الأمر قد طال و هلك الفرنج و المسلمون، و إنما مقصودنا ثلاثة أشياء لا سواها، رد الصليب و بلاد الساحل و بيت المقدس، لا نرجع عن هذه الثلاثة و منا عين تطرف، فأرسل إليه السلطان أشد جواب، و أسد مقال، فعزمت الفرنج على قصد بيت المقدس، فتقدم السلطان بجيشه إلى القدس، و سكن في دار القساقس قريبا من قمامة، في ذي القعدة، و شرع في تحصين البلد و تعميق خنادقه، و عمل فيه بنفسه و أولاده، و عمل فيه الأمراء و القضاة و العلماء و الصالحون، و كان وقتا مشهودا، و اليزك حول البلد من ناحية الفرنج و في كل وقت يستظهرون على الفرنج و يقتلون و يأسرون و يغنمون، و للَّه الحمد و المنة. و انقضت هذه السنة و الأمر على ذلك.

و فيها على ما ذكره العماد تولى القضاء محيي الدين محمد بن الزكي بدمشق. و فيها عدي أمير مكة داود بن عيسى بن فليتة بن هاشم بن محمد بن أبى هاشم الحسنى، فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقا من فضة كان على دائرة الحجر الأسود، كان قد لم شعثه حين ضربه ذلك القرمطى بالدبوس، فلما بلغ السلطان خبره من الحجيج عزله و ولى أخاه بكيرا، و نقض القلعة التي كان بناها أخوه على أبى قبيس، و أقام داود بنخلة حتى توفى بها سنة سبع و ثمانين.

و فيها توفى من الأعيان‏

الملك المظفر

تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان عزيزا على عمه صلاح الدين، استنابه بمصر و غيرها من البلاد، ثم أقطعه حماه و مدنا كثيرة حولها في بلاد الجزيرة، و كان مع عمه السلطان على عكا، ثم استأذنه أن يذهب ليشرف على بلاده المجاورة للجزيرة و الفرات، فلما صار إليها اشتغل بها و امتدت عينه إلى أخذ غيرها من أيدي الملوك المجاورين له، فقاتلهم فاتفق موته و هو كذلك، و السلطان عمه غضبان عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه، و حملت جنازته حتى دفنت بحماه، و له مدرسة هناك هائلة كبيرة، و كذلك له بدمشق مدرسة مشهورة، و عليها أوقاف كثيرة، و قد أقام بالملك بعده ولده المنصور ناصر الدين محمد، فأقره صلاح الدين على ذلك بعد جهد جهيد، و وعد و وعيد، و لو لا

347

السلطان العادل أخو صلاح الدين تشفع فيه لما أقره في مكان أبيه، و لكن سلم اللَّه، توفى يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة، و كان شجاعا فاتكا.

الأمير حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين‏

أمه ست الشام بنت أيوب، واقفة الشاميتين بدمشق، توفى ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان أيضا ففجع السلطان بابن أخيه و ابن أخته في ليلة واحدة، و قد كانا من أكبر أعوانه، و دفن بالتربة الحسامية، و هي التي أنشأتها أمه بمحلة العونية، و هي الشامية البرانية.

الأمير علم الدين سليمان بن حيدر الحلبي‏

كان من أكابر الدولة الصلاحية، و في خدمة السلطان حيث كان، و هو الّذي أشار على السلطان بتخريب عسقلان، و اتفق مرضه بالقدس فاستأذن في أن يمرض بدمشق، فأذن له، فسار منها فلما وصل إلى غباغب مات بها في أواخر ذي الحجة. و في رجب منها توفى الأمير الكبير نائب دمشق.

الصفي بن الفائض‏

و كان من أكبر أصحاب السلطان قبل الملك، ثم استنابه على دمشق حتى توفى بها في هذه السنة.

و في ربيع الأول توفى‏

الطبيب الماهر أسعد بن المطران‏

و قد شرف بالإسلام، و شكره على طبه الخاص و العام.

الجيوشاتى الشيخ نجم الدين‏

الّذي بنى تربة الشافعيّ بمصر بأمر السلطان صلاح الدين، و وقف عليها أوقافا سنية، و ولاه تدريسها و نظرها، و قد كان السلطان يحترمه و يكرمه، و قد ذكرته في طبقات الشافعية، و ما صنفه في المذهب من شرح الوسيط و غيره، و لما توفى الجيوشاتى طلب التدريس جماعة فشفع الملك العادل عند أخيه في شيخ الشيوخ أبى الحسن محمد بن حمويه، فولاه إياه، ثم عزله عنها بعد موت السلطان، و استمرت عليه أيدي بنى السلطان واحدا بعد واحد، ثم عادت إليها الفقهاء و المدرسون بعد ذلك.

ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة

استهلت و السلطان صلاح الدين مخيم بالقدس، و قد قسم السور بين أولاده و أمرائه، و هو يعمل فيه بنفسه، و يحمل الحجر بين القربوسيين و بينه، و الناس يقتدون بهم، و الفقهاء و القراء يعملون، و الفرنج لعنهم اللَّه حول البلد من ناحية عسقلان و ما والاها، لا يتجاسرون أن يقربوا البلد من الحرس و اليزك الذين حول القدس، إلا أنهم على نية محاصرة القدس مصممون، و لكيد الإسلام مجمعون، و هم و الحرس تارة يغلبون و تارة يغلبون، و تارة ينهبون و تارة ينهبون. و في ربيع الآخر

348

وصل إلى السلطان الأمير سيف الدين المشطوب من الأسر، و كان نائبا على عكا حين أخذت، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، فأعطاه السلطان شيئا كثيرا منها، و استنابه على مدينة نابلس، فتوفى بها في شوال من هذه السنة. و في ربيع الآخر قتل المركيس صاحب صور لعنه اللَّه، أرسل إليه ملك الانكليز اثنين من الفداوية فقتلوه: أظهرا التنصر و لزما الكنيسة حتى ظفرا به فقتلاه و قتلا أيضا، فاستناب ملك الانكليز عليها ابن أخيه بلام الكندهر، و هو ابن أخت ملك الأفرنسيين نسيين لأبيه، فهما خالاه، و لما صار إلى صور بنى بزوجة المركيس بعد موته بليلة واحدة، و هي حبلى أيضا، و ذلك لشدة العداوة التي كانت بين الانكليز و بينه، و قد كان السلطان صلاح الدين يبغضهما، و لكن المركيس كان قد صانعه بعض شي‏ء، فلم يهن عليه قتله.

و في تاسع جمادى الأولى استولى الفرنج لعنهم اللَّه على قلعة الداروم فخربوها، و قتلوا خلقا كثيرا من أهلها، و أسروا طائفة من الذرية، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏، ثم أقبلوا جملة نحو القدس فبرز إليهم السلطان في حزب الايمان، فلما تراءى الجمعان نكص حزب الشيطان راجعين، فرارا من القتال و النزال، و عاد السلطان إلى القدس. (وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) ثم إن ملك الانكليز لعنه اللَّه- و هو أكبر ملوك الفرنج ذلك الحين- ظفر ببعض فلول المسلمين فكبسهم ليلا فقتل منهم خلقا كثيرا، و أسر منهم خمسمائة أسير، و غنم منهم شيئا كثيرا من الأموال و الجمال، و الخيل و البغال، و كان جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير، فتقوى الفرنج بذلك، و ساء ذلك السلطان مساءة عظيمة جدا، و خاف من غائلة ذلك، و استخدم الانكليز الجمالة على الجمال، و الخربندية على البغال، و السياس على الخيل، و أقبل و قد قويت نفسه جدا، و صمم على محاصرة القدس، و أرسل إلى ملوك الفرنج الذين بالساحل، فاستحضرهم و من معهم من المقاتلة، فتعبأ السلطان لهم و تهيأ، و أكمل السور و عمر الخنادق، و نصب المنجانيق، و أمر بتغوير ما حول القدس من المياه، و أحضر السلطان أمراءه ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة: أبا الهيجاء السمين، و المشطوب، و الأسدية، فاستشارهم فيما قد دهمه من هذا الأمر الفظيع، الموجع المؤلم، فأفاضوا في ذلك، و أشاروا كل برأيه، و أشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة، كما كان الصحابة يفعلون، فأجابوا إلى ذلك. هذا كله و السلطان ساكت واجم مفكر، فسكت القوم كأنما على رءوسهم الطير، ثم قال: الحمد للَّه و الصلاة و السلام على رسول اللَّه: اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم و منعته، و أنتم تعلمون أن دماء المسلمين و أموالهم و ذراريهم في ذممكم معلقة، و اللَّه عز و جل سائلكم يوم القيامة عنهم، و أن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد و البلاد غيركم،

349

فان وليتم و العياذ باللَّه طوى البلاد و أهلك العباد، و أخذ الأموال و الأطفال و النساء، و عبد الصليب في المساجد، و عزل القرآن منها و الصلاة، و كان ذلك كله في ذممكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا كله، و أكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم، و تنصروا ضعيفهم، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم و السلام.

فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب و قال: يا مولانا نحن مماليكك و عبيدك، و أنت الّذي أعطيتنا و كبرتنا و عظمتنا، و ليس لنا إلا رقابنا و نحن بين يديك، و اللَّه ما يرجع أحد منا عن نصرك حتى يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، ففرح السلطان بذلك و طلب قلبه، و مد لهم سماطا حافلا، و انصرفوا من بين يديه على ذلك. ثم بلغه بعد ذلك أن بعض الأمراء قال: إنا نخاف أن يجرى علينا في هذا البلد مثل ما جرى على أهل عكا، ثم يأخذون بلاد الإسلام بلدا بلدا، و المصلحة أن نلتقيهم بظاهر البلد، فان هزمناهم أخذنا بقية بلادهم، و إن تكن الأخرى سلم العسكر و مضى بحاله، و يأخذون القدس و نحفظ بقية بلاد الإسلام بدون القدس مدة طويلة، و بعثوا إلى السلطان يقولون له: إن كنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصار الفرنج، فكن أنت معنا أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت أمرك، فان الأكراد لا تطيع الترك، و الترك لا تطيع الأكراد. فلما بلغه ذلك شق عليه مشقة عظيمة، و بات ليلته أجمع مهموما كئيبا يفكر فيما قالوا، ثم انجلى الأمر و اتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبكّ مقيما عندهم نائبا عنه بالقدس، و كان ذلك نهار الجمعة، فلما حضر إلى صلاة الجمعة و أذن المؤذن للظهر قام فصلى ركعتين بين الأذانين، و سجد و ابتهل إلى اللَّه تعالى ابتهالا عظيما، و تضرع إلى ربه، و تمسكن و سأله فيما بينه و بينه كشف هذه الضائقة العظيمة.

فلما كان يوم السبت من الغد جاءت الكتب من الحرس الذين حول البلد بأن الفرنج قد اختلفوا فيما بينهم، فقال ملك الافرنسيين إنا إنما جئنا من البلاد البعيدة و أنفقنا الأموال العديدة في تخليص بيت المقدس و رده إلينا، و قد بقي بيننا و بينه مرحلة، فقال الانكليز إن هذا البلد شق علينا حصاره، لأن المياه حوله قد عدمت، و إلى أن يأتينا الماء من المشقة البعيدة يعطل الحصار، و يتلف الجيش، ثم اتفق الحال بينهم على أن حكموا منهم عليهم ثلاثمائة منهم، فردوا أمرهم إلى اثنى عشر منهم، فردوا أمرهم إلى ثلاثة منهم، فباتوا ليلتهم ينظرون ثم أصبحوا و قد حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم مخالفتهم فسحبوا راجعين لعنهم اللَّه أجمعين، فساروا حتى نزلوا على الرملة و قد طالت عليهم الغربة و الزملة، و ذلك في بكرة الحادي و العشرين من جمادى الآخرة، و برز السلطان بجيشه إلى خارج القدس، و سار نحوهم خوفا أن يسيروا إلى مصر، لكثرة ما معهم من الظهر و الأموال، و كان الانكليز يلهج بذلك كثيرا، فخذلهم اللَّه عن ذلك، و ترددت الرسل من الانكليز إلى السلطان‏

350

في طلب الأمان و وضع الحرب بينه و بينهم ثلاث سنين، و على أن يعيد لهم عسقلان و يهب له كنيسة بيت المقدس و هي القمامة، و أن يمكن النصارى من زيارتها و حجها بلا شي‏ء، فامتنع السلطان من إعادة عسقلان و أطلق لهم قمامة، و فرض على الزوار مالا يؤخذ من كل منهم، فامتنع الانكليز إلا أن تعادلهم عسقلان، و يعمر سورها كما كانت، فصمم السلطان على عدم الاجابة. ثم ركب السلطان حتى وافى يافا فحاصرها حصارا شديدا، فافتتحها و أخذوا الأمان لكبيرها و صغيرها، فبينما هم كذلك إذ أشرفت عليهم مراكب الانكليز على وجه البحر، فقويت رءوسهم و استعصت نفوسهم، فهجم اللعين فاستعاد البلد و قتل من تأخر بها من المسلمين صبرا بين يديه، و تقهقر السلطان عن منزلة الحصار إلى ما وراءها خوفا على الجيش من معرة الفرنج، فجعل ملك الانكليز يتعجب من شدة سطوة السلطان، و كيف فتح مثل هذا البلد العظيم في يومين، و غيره لا يمكنه فتحه في عامين، و لكن ما ظننت أنه مع شهامته و صرامته يتأخر من منزلته بمجرد قدومى، و أنا و من معى لم تخرج من البحر إلا جرائد بلا سلاح، ثم ألح في طلب الصلح و أن تكون عسقلان داخلة في صلحهم، فامتنع السلطان، ثم إن السلطان كبس في تلك الليالي الانكليز و هو في سبعة عشر مقاتلا، و حوله قليل من الرجالة فأكب بجيشه حوله و حصره حصرا لم يبق معه نجاة، لو صمم معه الجيش، و لكنهم نكلوا كلهم عن الحملة، فلا قوة إلا باللَّه، و جعل السلطان يحرضهم غاية التحريض، فكلهم يمتنع كما يمتنع المريض من شرب الدواء.

هذا و ملك الانكليز قد ركب في أصحابه و أخذ عدة قتاله، و أهبة نزاله، و استعرض الميمنة إلى آخر الميسرة، يعنى ميمنة المسلمين و ميسرتهم، فلم يتقدم إليه أحد من الفرسان، و لا نهره بطل من الشجعان، فعند ذلك كر السلطان راجعا، و قد أحزنه أنه لم ير من الجيش مطيعا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏. و لو أن له بهم قوة لما ترك أحدا منهم يتناول من بيت المال فلسا. ثم حصل لملك الانكليز بعد ذلك مرض شديد، فبعث إلى السلطان يطلب فاكهة و ثلجا فأمده بذلك من باب الكرم، ثم عوفي لعنه اللَّه و تكررت الرسل منه يطلب من السلطان المصالحة لكثرة شوقه إلى أولاده و بلاده، و طاوع السلطان على ما يقول و ترك طلب عسقلان، و رضى بما رسم به السلطان، و كتب كتاب الصلح بينهما في سابع عشر شعبان، و أكدت العهود و المواثيق من كل ملك من ملوكهم، و حلف الأمراء من المسلمين و كتبوا خطوطهم، و اكتفى من السلطان بالقول المجرد كما جرت به عادة السلاطين، و فرح كل من الفريقين فرحا شديدا، و أظهروا سرورا كثيرا، و وقعت الهدنة على وضع الحرب ثلاثين سنة و ستة أشهر، و على أن يقرهم على ما بأيديهم من البلاد الساحلية، و للمسلمين ما يقابلها من البلاد الجبلية، و ما بينهما من المعاملات تقسم على المناصفة، و أرسل السلطان مائة نقاب صحبة