البداية و النهاية - ج12

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
353 /
351

أمير لتخريب سور عسقلان و إخراج من بها من الفرنج.

و عاد السلطان إلى القدس فرتب أحواله و وطدها، و سدد أموره و أكدها، و زاد وقف المدرسة سوقا بدكاكينها و أرضا ببساتينها، و زاد وقف الصوفية، و عزم على الحج عامه ذلك، فكتب إلى الحجاز و اليمن و مصر و الشام ليعلموا بذلك، و يتأهبوا له، فكتب إليه القاضي الفاضل ينهاه عن ذلك خوفا على البلاد من استيلاء الفرنج عليها، و من كثرة المظالم بها، و فساد الناس و العسكر و قلة نصحهم و أن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا، و العدو مخيم بعد بالشام، و أنت تعلم أنهم يهادنون ليتقووا و يكثروا، ثم يمكروا و يغدروا، فسمع السلطان منه و شكر نصحه و ترك ما عزم عليه و كتب به إلى سائر الممالك، و استمر مقيما بالقدس جميع شهر رمضان في صيام و صلاة و قرآن، و كلما وفد أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الإكرام، تأليفا لقلوبهم، و لم يبق أحد من ملوكهم إلا جاء لزيارة القمامة متنكرا، و يحضر سماط السلطان فيمن حضر من جمهورهم، بحيث لا يرى. و السلطان لا يعلم ذلك جملة و لا تفصيلا، و لهذا كان يعاملهم بالإكرام، و يريهم صفحا جميلا، و برا جزيلا.

فلما كان في خامس شوال ركب السلطان في العساكر فبرز من القدس قاصدا دمشق، و استناب على القدس عز الدين جوردبك، و على قضائها بهاء الدين بن يوسف بن رافع بن تميم الشافعيّ، فاجتاز على وادي الجيب و بات على بركة الداوية، ثم أصبح في نابلس فنظر في أحوالها، ثم ترحل عنها، فجعل يمر بالقلاع و الحصون و البلدان فينظر في أحوالها و يكشف المظالم عنها، و في أثناء الطريق جاء إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية فأكرمه و أحسن إليه، و أطلق له أموالا جزيلة و خلعا، و كان العماد الكاتب في صحبته، فأخبر عن منازله منزلة منزلة إلى أن قال: و عبر يوم الاثنين عين الحر إلى مرج بيوس، و قد زال البوس، و هناك وفد عليه أعيان دمشق و أماثلها، و نزل يوم الثلاثاء على العرادة، و جاءه هناك التحف و المتلقون على العادة، و أصبحنا يوم الأربعاء سادس عشر شوال بكرة بجنة دمشق داخلين، بسلام آمنين، و كانت غيبة السلطان عنها أربع سنين، فأخرجت دمشق أثقالها، و أبرزت نساءها و أطفالها و رجالها، و كان يوم الزينة، و خرج أكثر أهل المدينة، و اجتمع أولاده الكبار و الصغار، و قدم عليه رسل الملوك من سائر الأمصار، و أقام بقية عامه في اقتناص الصيد و حضور دار العدل، و العمل بالإحسان و الفضل. و لما كان عيد الأضحى امتدحه بعض الشعراء بقصيدة يقول فيها:

و أبيها لو لا تغزل عينها* * * لما قلت في التغزل شعرا

و لكانت مدائح الملك الناصر* * * و إلى ما فيه أعمل فكرا

ملك طبق الممالك بالعدل* * * مثلما أوسع البرية برا

352

فيحل الأعياد صوما و فطرا* * * و يلقى الهنا برا و بحرا

يأمر بالطاعات للَّه إن* * * أضحى مليك على المناهي مصرا

نلت ما تسعى من الدين و الدنيا* * * فتيها على الملوك و فخرا

قد جمعت المجدين أصلا و فرعا* * * و ملكت الدارين دنيا و أخرى‏

و مما وقع في هذه السنة من الحوادث غزوة عظيمة بين صاحب غزنة شهاب الدين ملكها السبكتكيني و بين ملك الهند و أصحابه الذين كانوا قد كسروه في سنة ثلاث و ثمانين، فأظفره اللَّه بهم هذه السنة، فكسرهم و قتل خلقا منهم و أسر خلقا، و كان من جملة من أسره ملكهم الأعظم، و ثمانية عشر فيلا، من جملتها الّذي كان جرحه، ثم أحضر الملك بين يديه فأهانه و لم يكرمه، و استحوذ على حصنه و أخبر بما فيه من كل جليل و حقير، ثم قتله بعد ذلك، و عاد إلى غزنة مؤيدا منصورا، مسرورا محبورا.

و فيها اتهم أمير الحج ببغداد و هو طاشتكين، و قد كان على إمرة الحج من مدة عشرين سنة، و كان في غاية حسن السيرة، و اتهم بأنه يكاتب صلاح الدين بن أيوب في أخذ بغداد، فإنه ليس بينه و بينها أحد يمانعه عنها، و قد كان مكذوبا عليه، و مع هذا أهين و حبس و صودر.

فصل و ممن توفى فيها من الأعيان‏

القاضي شمس الدين.

محمد بن محمد بن موسى‏

المعروف بابن الفراش، كان قاضى العساكر بدمشق، و يرسله السلطان إلى ملوك الآفاق، و مات بملطية.

سيف الدين على بن أحمد المشطوب‏

كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، حضر معه الوقعات الثلاث بمصر، ثم صار من كبراء أمراء صلاح الدين، و هو الّذي كان نائبا على عكا لما أخذوها الفرنج، فأسروه في جملة من أسروا فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار، و جاء إلى السلطان و هو بالقدس فأعطاه أكثرها، و ولاه نابلس. توفى يوم الأحد ثالث و عشرين شوال بالقدس، و دفن في داره.

صاحب بلاد الروم عز الدين قلج أرسلان بن مسعود

ابن قلج أرسلان، و كان قد قسم جميع بلاده بين أولاده، طمعا في طاعتهم له، فخالفوه و تجبروا و عتوا عليه، و خفضوا قدره و ارتفعوا، و لم يزل كذلك حتى توفى في عامه هذا. و في ربيع الآخر توفى الشاعر أبو المرهف.

353

نصر بن منصور النميري‏

سمع الحديث و اشتغل بالأدب، أصابه جدري و هو ابن أربعة عشرة سنة فنقص بصره جدا، و كان لا يبصر الأشياء البعيدة، و يرى القريب منه، و لكن كان لا يحتاج إلى قائد، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه فآيسته الأطباء من ذلك، فاشتغل بحفظ القرآن و مصاحبة الصالحين فأفلح، و له ديوان شعر كبير حسن، و قد سئل مرة عن مذهبه و اعتقاده فأنشأ يقول:

أحب عليا و البتول و ولدها* * * و لا أجحد الشيخين فضل التقدم‏

و أبرأ ممن نال عثمان بالأذى* * * كما أتبرا من ولاء ابن ملجم‏

و يعجبني أهل الحديث لصدقهم* * * فلست إلى قوم سواهم بمنتمى‏

توفى ببغداد و دفن بمقابر الشهداء بباب حرب (رحمه اللَّه تعالى).

بحمد اللَّه تعالى قد تم طبع الجزء الثاني عشر من البداية و النهاية للعلامة ابن كثير و يليه الجزء الثالث عشر و أوله سنة تسع و ثمانين و خمسمائة هجرية على صاحبها أفضل الصلاة و أتم التحية