تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
455

عنها الى مروان فقالت: ما لك؟ ا تريد ان تفرق امرنا! ليصل ابن أختي، فكان يصلى بهم عبد الله بن الزبير حتى قدم البصره، فكان معاذ بن عبيد الله يقول: و الله لو ظفرنا لافتتنا ما خلى الزبير بين طلحه و الأمر، و لا خلى طلحه بين الزبير و الأمر

خروج على الى الربذة يريد البصره‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: جاء عليا الخبر عن طلحه و الزبير و أم المؤمنين، فامر على المدينة تمام بن العباس، و بعث الى مكة قثم بن العباس، و خرج و هو يرجو ان يأخذهم بالطريق، و اراد ان يعترضهم، فاستبان له بالربذة ان قد فاتوه، و جاءه بالخبر عطاء بن رئاب مولى الحارث بن حزن.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

بلغ عليا الخبر- و هو بالمدينة- باجتماعهم على الخروج الى البصره و بالذي اجتمع عليه ملؤهم، طلحه و الزبير و عائشة و من تبعهم، و بلغه قول عائشة، و خرج على يبادرهم في تعبيته التي كان تعبى بها الى الشام، و خرج معه من نشط من الكوفيين و البصريين متخففين في سبعمائة رجل، و هو يرجو ان يدركهم فيحول بينهم و بين الخروج، فلقيه عبد الله بن سلام فاخذ بعنانه، و قال: يا امير المؤمنين، لا تخرج منها، فو الله لئن خرجت منها لا ترجع إليها و لا يعود إليها سلطان المسلمين ابدا فسبوه، فقال: دعوا الرجل، فنعم الرجل من اصحاب محمد ص! و سار حتى انتهى الى الربذة فبلغه ممرهم، فأقام حين فاتوه يأتمر بالربذة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن خالد بن مهران البجلي، عن مروان بن عبد الرحمن الخميسى، عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا من الكوفه معتمرين حين أتانا قتل عثمان رضى الله عنه، فلما انتهينا الى الربذة- و ذلك في وجه الصبح- إذا الرفاق و إذا بعضهم يحدو

456

بعضا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: امير المؤمنين، فقلت: ما له؟ قالوا:

غلبه طلحه و الزبير، فخرج يعترض لهما ليردهما، فبلغه انهما قد فأتاه، فهو يريد ان يخرج في آثارهما، فقلت: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! آتى عليا فاقاتل معه هذين الرجلين و أم المؤمنين او اخالفه! ان هذا لشديد.

فخرجت فأتيته، فأقيمت الصلاة بغلس، فتقدم فصلى، [فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال: قد امرتك فعصيتني، فتقتل غدا بمضيعه لا ناصر لك، فقال على: انك لا تزال تخن خنين الجاريه! و ما الذى أمرتني فعصيتك؟

قال: امرتك يوم احيط بعثمان رضى الله عنه ان تخرج من المدينة فيقتل و لست بها، ثم امرتك يوم قتل الا تبايع حتى يأتيك وفود اهل الأمصار و العرب و بيعه كل مصر، ثم امرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا ان تجلس في بيتك حتى يصطلحوا، فان كان الفساد كان على يدي غيرك، فعصيتني في ذلك كله قال: اى بنى، اما قولك: لو خرجت من المدينة حين احيط بعثمان، فو الله لقد احيط بنا كما احيط به و اما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعه الأمصار، فان الأمر امر اهل المدينة، و كرهنا ان يضيع هذا الأمر.

و اما قولك حين خرج طلحه و الزبير، فان ذلك كان وهنا على اهل الاسلام، و و الله ما زلت مقهورا مذ وليت، منقوصا لا اصل الى شي‏ء مما ينبغى و اما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمنى! او من تريدنى؟ ا تريد ان أكون مثل الضبع التي يحاط بها و يقال: دباب دباب! ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج، و إذا لم انظر فيما لزمنى من هذا الأمر و يعنيني فمن ينظر فيه! فكف عنك اى بنى‏]

. شراء الجمل لعائشة رضى الله عنها، و خبر كلاب الحوأب‏

حدثنى اسماعيل بن موسى الفزارى، قال: أخبرنا على بن عابس الأزرق، قال: حدثنا ابو الخطاب الهجرى، عن صفوان بن قبيصة الأحمسي، قال: حدثنى العرني صاحب الجمل، قال: بينما انا اسير

457

على جمل إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحب الجمل، تبيع جملك؟

قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بألف درهم، قال: مجنون أنت! جمل يباع بألف درهم! قال: قلت: نعم، جملي هذا، قال: و مم ذلك؟

قلت: ما طلبت عليه أحدا قط الا أدركته، و لا طلبنى و انا عليه احد الا فته قال: لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا، قال: قلت: و لمن تريده؟ قال: لامك، قلت: لقد تركت أمي في بيتها قاعده ما تريد براحا، قال: انما أريده لام المؤمنين عائشة، قلت: فهو لك، فخذه بغير ثمن، قال: لا، و لكن ارجع معنا الى الرحل فلنعطك ناقه مهريه و نزيدك دراهم، قال: فرجعت فأعطوني ناقه لها مهريه، و زادونى أربعمائة او ستمائه درهم، فقال لي: يا أخا عرينه، هل لك دلاله بالطريق؟ قال: قلت:

نعم، انا من ادرك الناس، قال: فسر معنا، فسرت معهم فلا امر على واد و لا ماء الا سألوني عنه، حتى طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها، قالوا: اى ماء هذا؟ قلت: ماء الحوأب، قال: فصرخت عائشة باعلى صوتها، ثم ضربت عضد بعيرها فاناخته، ثم قالت: انا و الله صاحبة كلاب الحوأب طروقا، ردوني! تقول ذلك ثلاثا فأناخت و أناخوا حولها و هم على ذلك، و هي تابى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد قال: فجاءها ابن الزبير فقال: النجاء النجاء، فقد أدرككم و الله على بن ابى طالب! قال:

فارتحلوا و شتموني، فانصرفت، فما سرت الا قليلا و إذا انا بعلى و ركب معه نحو من ثلاثمائة، فقال لي على: يا ايها الراكب! فأتيته فقال: اين اتيت الظعينة؟ قلت: في مكان كذا و كذا، و هذه ناقتها، و بعتهم جملي، قال: و قد ركبته؟ قلت: نعم، و سرت معهم حتى أتينا ماء الحوأب فنبحت عليها كلابها، فقالت كذا و كذا، فلما رايت اختلاط امرهم انفتلت و ارتحلوا، فقال على: هل لك دلاله بذى قار؟ قلت: لعلى ادل الناس، قال: فسر معنا، فسرنا حتى نزلنا ذا قار، فامر على بن ابى طالب بجوالقين فضم أحدهما الى صاحبه، ثم جي‏ء برحل فوضع عليهما، ثم جاء يمشى حتى صعد عليه، و سدل رجليه من جانب واحد، ثم حمد الله و اثنى‏

458

عليه، و صلى على محمد ص، ثم قال: قد رايتم ما صنع هؤلاء القوم و هذه المرأة فقام اليه الحسن فبكى، فقال له على: قد جئت تخن خنين الجاريه! فقال: اجل، امرتك فعصيتني، فأنت اليوم تقتل بمضيعه لا ناصر لك، قال: حدث القوم بما أمرتني به، قال: امرتك حين سار الناس الى عثمان الا تبسط يدك ببيعه حتى تجول جائله العرب، فإنهم لن يقطعوا امرا دونك، فأبيت على، و امرتك حين سارت هذه المرأة و صنع هؤلاء القوم ما صنعوا ان تلزم المدينة و ترسل الى من استجاب لك من شيعتك، قال على: صدق و الله، و لكن و الله يا بنى ما كنت لأكون كالضبع تستمع للدم، [ان النبي(ص)قبض و ما ارى أحدا أحق بهذا الأمر منى، فبايع الناس أبا بكر، فبايعت كما بايعوا، ثم ان أبا بكر رضى الله عنه هلك و ما ارى أحدا أحق بهذا الأمر منى، فبايع الناس عمر بن الخطاب، فبايعت كما بايعوا، ثم ان عمر رضى الله عنه هلك و ما ارى أحدا أحق بهذا الأمر منى، فجعلني سهما من سته اسهم، فبايع الناس عثمان فبايعت كما بايعوا، ثم سار الناس الى عثمان رضى الله عنه فقتلوه، ثم أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين، فانا مقاتل من خالفني بمن اتبعنى حتى يحكم الله بيني و بينهم و هو خير الحاكمين‏]

. قول عائشة رضى الله عنها: و الله لاطلبن بدم عثمان و خروجها و طلحه و الزبير فيمن تبعهم الى البصره‏

كتب الى على بن احمد بن الحسن العجلى ان الحسين بن نصر العطار، قال: حدثنا ابى نصر بن مزاحم العطار، قال: حدثنا سيف بن عمر، عن محمد بن نويره و طلحه بن الأعلم الحنفي قال: و حدثنا عمر بن سعد، عن اسد بن عبد الله، عمن ادرك من اهل العلم، ان عائشة رضى الله عنها لما انتهت الى سرف راجعه في طريقها الى مكة، لقيها عبد بن أم كلاب- و هو

459

عبد بن ابى سلمه، ينسب الى أمه- فقالت له: مهيم؟ قال: قتلوا عثمان رضى الله عنه، فمكثوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ما ذا؟ قال: أخذها اهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور الى خير مجاز، اجتمعوا على على بن ابى طالب فقالت: و الله ليت ان هذه انطبقت على هذه ان تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني، فانصرفت الى مكة و هي تقول: قتل و الله عثمان مظلوما، و الله لاطلبن بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: و لم؟ فو الله ان أول من امال حرفه لانت! و لقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر، قالت: انهم استتابوه ثم قتلوه، و قد قلت و قالوا، و قولي الأخير خير من قولي الاول، فقال لها ابن أم كلاب:

فمنك البداء و منك الغير* * * و منك الرياح و منك المطر

و أنت امرت بقتل الامام* * * و قلت لنا انه قد كفر

فهبنا أطعناك في قتله* * * و قاتله عندنا من امر

و لم يسقط السقف من فوقنا* * * و لم تنكف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذا تدرأ* * * يزيل الشبا و يقيم الصعر

و يلبس للحرب أثوابها* * * و ما من وفى مثل من قد غدر

فانصرفت الى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر، فسترت و اجتمع إليها الناس، فقالت: يا ايها الناس، ان عثمان قتل مظلوما، و و الله لاطلبن بدمه.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

كان على في هم من توجه القوم لا يدرى الى اين يأخذون! و كان ان يأتوا البصره أحب اليه فلما تيقن ان القوم يعارضون طريق البصره سر بذلك.

و قال: الكوفه فيها رجال العرب و بيوتاتهم، فقال له ابن عباس: ان الذى يسرك من ذلك ليسوؤنى، ان الكوفه فسطاط فيه اعلام من اعلام العرب، و لا يحملهم‏

460

عده القوم، و لا يزال فيهم من يسمو الى امر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الذى قد نال حتى يفثاه فيفسد بعضهم على بعض [فقال على: ان الأمر ليشبه ما تقول، و لكن الأثرة لأهل الطاعة و الحق بأحسنهم سابقه و قدمه، فان استووا اعفيناهم و اجتبرناهم، فان أقنعهم ذلك كان خيرا لهم، و ان لم يقنعهم كلفونا اقامتهم و كان شرا على من هو شر له‏] فقال ابن عباس:

ان ذلك لامر لا يدرك الا بالقنوع كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

لما اجتمع الرأي من طلحه و الزبير و أم المؤمنين و من بمكة من المسلمين على السير الى البصره و الانتصار من قتله عثمان رضى الله عنه، خرج الزبير و طلحه حتى لقيا ابن عمر و دعواه الى الخفوف، فقال: انى امرؤ من اهل المدينة، فان يجتمعوا على النهوض انهض، و ان يجتمعوا على القعود اقعد، فتركاه و رجعا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن ابى مليكه، قال: جمع الزبير بنيه حين اراد الرحيل، فودع بعضهم و اخرج بعضهم، و اخرج ابنى أسماء جميعا، فقال: يا فلان أقم، يا عمرو أقم فلما راى ذلك عبد الله بن الزبير، قال: يا عروه أقم، و يا منذر أقم، فقال الزبير: ويحك! استصحب ابنى و استمتع منهما، فقال: ان خرجت بهم جميعا فاخرج، و ان خلفت منهم أحدا فخلفهما و لا تعرض أسماء للثكل من بين نسائك فبكى و تركهما، فخرجوا حتى إذا انتهوا الى جبال اوطاس تيامنوا و سلكوا طريقا نحو البصره، و تركوا طريقها يسارا، حتى إذا دنوا منها فدخلوها ركبوا المنكدر.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن الشهيد، عن ابن ابى مليكه، قال: خرج الزبير و طلحه ففصلا، ثم خرجت عائشة فتبعها أمهات المؤمنين الى ذات عرق، فلم ير يوم كان اكثر باكيا على الاسلام او باكيا له من ذلك اليوم، كان يسمى يوم النحيب و امرت‏

461

عبد الرحمن بن عتاب، فكان يصلى بالناس، و كان عدلا بينهم كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن معن السلمى، قال: لما تيامن عسكرها عن اوطاس أتوا على مليح بن عوف السلمى، و هو مطلع ما له، فسلم على الزبير، و قال:

يا أبا عبد الله، ما هذا؟ قال: عدى على امير المؤمنين رضى الله عنه فقتل بلا تره و لا عذر، قال: و من؟ قال: الغوغاء من الأمصار و نزاع القبائل، و ظاهرهم الاعراب و العبيد، قال: فتريدون ما ذا؟ قال: ننهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يبطل، فان في ابطاله توهين سلطان الله بيننا ابدا، إذا لم يفطم الناس عن أمثالها لم يبق امام الا قتله هذا الضرب، قال: و الله ان ترك هذا لشديد، و لا تدرون الى اين ذلك يسير! فودع كل واحد منهما صاحبه، و افترقا و مضى الناس‏

دخولهم البصره و الحرب بينهم و بين عثمان بن حنيف‏

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و مضى الناس حتى إذا عاجوا عن الطريق و كانوا بفناء البصره، لقيهم عمير ابن عبد الله التميمى، فقال: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله ان تقدمى اليوم على قوم تراسلى منهم أحدا فيكفيكهم! فقالت: جئتني بالرأي، امرؤ صالح، قال: فعجلى ابن عامر فليدخل، فان له صنائع فليذهب الى صنائعه فليلقوا الناس حتى تقدمى و يسمعوا ما جئتم فيه فارسلته فاندس الى البصره، فاتى القوم و كتبت عائشة رضى الله عنها الى رجال من اهل البصره، و كتبت الى الأحنف بن قيس و صبره بن شيمان و أمثالهم من الوجوه، و مضت حتى إذا كانت بالحفير انتظرت الجواب بالخبر، و لما بلغ ذلك اهل البصره دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين- و كان رجل عامه- و الزه بابى الأسود الدؤلى- و كان رجل خاصه- فقال: انطلقا الى هذه المرأة فاعلما علمها و علم من معها، فخرجا فانتهيا إليها و الى الناس و هم بالحفير، فاستأذنا

462

فأذنت لهما، فسلما و قالا: ان أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: و الله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم و لا يغطى لبنيه الخبر ان الغوغاء من اهل الأمصار و نزاع القبائل غزوا حرم رسول الله(ص)و أحدثوا فيه الاحداث، و آووا فيه المحدثين، و استوجبوا فيه لعنه الله و لعنه رسوله، مع ما نالوا من قتل امام المسلمين بلا تره و لا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، و انتهبوا المال الحرام، و أحلوا البلد الحرام، و الشهر الحرام، و مزقوا الاعراض و الجلود، و أقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين، غير نافعين و لا متقين، لا يقدرون على امتناع و لا يأمنون، فخرجت في المسلمين اعلمهم ما اتى هؤلاء القوم و ما فيه الناس وراءنا، و ما ينبغى لهم ان يأتوا في اصلاح هذا و قرات: «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏» ننهض في الإصلاح ممن امر الله عز و جل و امر رسول الله ص، الصغير و الكبير و الذكر و الأنثى، فهذا شأننا الى معروف نأمركم به، و نحضكم عليه، و منكر ننهاكم عنه، و نحثكم على تغييره.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

فخرج ابو الأسود و عمران من عندها فأتيا طلحه فقالا: ما اقدمك؟ قال:

الطلب بدم عثمان، قالا: ا لم تبايع عليا؟ قال: بلى، و اللج على عنقى، و ما استقيل عليا ان هو لم يحل بيننا و بين قتله عثمان، ثم أتيا الزبير فقالا: ما اقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ا لم تبايع عليا؟ قال: بلى، و اللج على عنقى، و ما استقيل عليا ان هو لم يحل بيننا و بين قتله عثمان فرجعا الى أم المؤمنين فودعاها فودعت عمران، و قالت: يا أبا الأسود إياك ان يقودك الهوى الى النار، «كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ» الآية فسرحتهما، و نادى مناديها بالرحيل، و مضى الرجلان حتى دخلا على عثمان بن حنيف، فبدر ابو الأسود عمران فقال:

463

يا بن حنيف قد اتيت فانفر* * * و طاعن القوم و جالد و اصبر

و ابرز لهم مستلئما و شمر

.

فقال عثمان: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! دارت رحا الاسلام و رب الكعبه، فانظروا باى زيفان تزيف! فقال عمران: اى و الله لتعركنكم عركا طويلا ثم لا يساوى ما بقي منكم كثير شي‏ء، قال: فأشر على يا عمران، قال:

انى قاعد فاقعد، فقال عثمان: بل امنعهم حتى ياتى امير المؤمنين على، قال عمران: بل يحكم الله ما يريد، فانصرف الى بيته، و قام عثمان في امره، فأتاه هشام بن عامر فقال: يا عثمان، ان هذا الأمر الذى تروم يسلم الى شر مما تكره، ان هذا فتق لا يرتق، و صدع لا يجبر، فسامحهم حتى ياتى امر على و لاتحادهم، فأبى و نادى عثمان في الناس و امرهم بالتهيؤ، و لبسوا السلاح، و اجتمعوا الى المسجد الجامع، و اقبل عثمان على الكيد فكاد الناس لينظر ما عندهم، و امرهم بالتهيؤ، و امر رجلا و دسه الى الناس خدعا كوفيا قيسيا، فقام فقال: يا ايها الناس، انا قيس بن العقديه الحميسى، ان هؤلاء القوم الذين جاءوكم ان كانوا جاءوكم خائفين فقد جاءوا من المكان الذى يامن فيه الطير، و ان كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان رضى الله عنه فما نحن بقتله عثمان أطيعوني في هؤلاء القوم فردوهم من حيث جاءوا فقام الأسود ابن سريع السعدي، فقال: او زعموا انا قتله عثمان رضى الله عنه! فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتله عثمان منا و من غيرنا، فان كان القوم اخرجوا من ديارهم كما زعمت، فمن يمنعهم من اخراجهم الرجال او البلدان! فحصبه الناس، فعرف عثمان ان لهم بالبصرة ناصرا ممن يقوم معهم، فكسره ذلك و اقبلت عائشة رضى الله عنها فيمن معها، حتى إذا انتهوا الى المربد و دخلوا من اعلاه أمسكوا و وقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه، و خرج إليها من اهل البصره من اراد ان يخرج إليها و يكون معها، فاجتمعوا بالمربد و جعلوا يثوبون حتى غص بالناس.

فتكلم طلحه و هو في ميمنه المربد و معه الزبير و عثمان في ميسرته، فأنصتوا

464

له، فحمد الله و اثنى عليه، و ذكر عثمان رضى الله عنه و فضله و البلد و ما استحل منه، و عظم ما اتى اليه، و دعا الى الطلب بدمه، و قال: ان في ذلك اعزاز دين الله عز و جل و سلطانه، و اما الطلب بدم الخليفة المظلوم فانه حد من حدود الله، و انكم ان فعلتم أصبتم و عاد امركم إليكم، و ان تركتم لم يقم لكم سلطان، و لم يكن لكم نظام.

فتكلم الزبير بمثل ذلك فقال من في ميمنه المربد: صدقا و برا، و قالا الحق، و امرا بالحق و قال من في ميسرته: فجرا و غدرا، و قالا الباطل، و امرا به، قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان! و تحاثى الناس و تحاصبوا و ارهجوا فتكلمت عائشة- و كانت جهوريه يعلو صوتها كثره كأنه صوت امراه جليله- فحمدت الله جل و عز و اثنت عليه، و قالت: كان الناس يتجنون على عثمان رضى الله عنه و يزرون على عماله و يأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، و يرون حسنا من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا و نجدهم فجره كذبه يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا على المكاثره كاثروه فاقتحموا عليه داره، و استحلوا الدم الحرام، و المال الحرام، و البلد الحرام، بلا تره و لا عذر، الا ان مما ينبغى لا ينبغى لكم غيره، أخذ قتله عثمان رضى الله عنه و اقامه كتاب الله عز و جل:

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏».

فافترق اصحاب عثمان ابن حنيف فرقتين، فقالت فرقه: صدقت و الله و برت، و جاءت و الله بالمعروف، و قال الآخرون: كذبتم و الله ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا و تحاصبوا و ارهجوا، فلما رات ذلك عائشة انحدرت و انحدر اهل الميمنه مفارقين لعثمان حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين، و بقي اصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا، و مال بعضهم الى عائشة، و بقي بعضهم مع عثمان على فم السكة و اتى عثمان‏

465

ابن حنيف فيمن معه، حتى إذا كانوا على فم السكة، سكه المسجد عن يمين الدباغين استقبلوا الناس فأخذوا عليهم بفمها.

و فيما ذكر نصر بن مزاحم، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم ابن محمد، قال: و اقبل جاريه بن قدامه السعدي، فقال: يا أم المؤمنين، و الله لقتل عثمان بن عفان اهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضه للسلاح! انه قد كان لك من الله ستر و حرمه، فهتكت سترك و ابحت حرمتك، انه من راى قتالك فانه يرى قتلك، و ان كنت أتيتنا طائعة فارجعى الى منزلك، و ان كنت أتيتنا مستكرهه فاستعيني بالناس قال:

فخرج غلام شاب من بنى سعد الى طلحه و الزبير، فقال: اما أنت يا زبير فحوارى رسول الله ص، و اما أنت يا طلحه فوقيت رسول الله(ص)بيدك، و ارى أمكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا:

لا، قال: فما انا منكما في شي‏ء، و اعتزل و قال السعدي في ذلك:

صنتم حلائلكم و قدتم امكم* * * هذا لعمرك قله الإنصاف‏

امرت بجر ذيولها في بيتها* * * فهوت تشق البيد بالإيجاف‏

غرضا يقاتل دونها ابناؤها* * * بالنبل و الخطى و الأسياف‏

هتكت بطلحه و الزبير ستورها* * * هذا المخبر عنهم و الكافى‏

و اقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحه- و كان محمد رجلا عابدا- فقال: أخبرني عن قتله عثمان! فقال: نعم، دم عثمان ثلاثة اثلاث، ثلث على صاحبه الهودج- يعنى عائشة- و ثلث على صاحب الجمل الأحمر- يعنى طلحه- و ثلث على على بن ابى طالب، و ضحك الغلام و قال: الا أراني على ضلال! و لحق بعلى، و قال في ذلك شعرا:

سالت ابن طلحه عن هالك* * * بجوف المدينة لم يقبر

فقال ثلاثة رهط هم* * * أماتوا ابن عفان و استعبر

فثلث على تلك في خدرها* * * و ثلث على راكب الأحمر

466

و ثلث على ابن ابى طالب* * * و نحن بدويه قرقر

فقلت صدقت على الأولين* * * و أخطأت في الثالث الأزهر

رجع الحديث الى حديث سيف عن محمد و طلحه قال: فخرج ابو الأسود و عمران و اقبل حكيم بن جبله، و قد خرج و هو على الخيل، فانشب القتال، و اشرع اصحاب عائشة رضى الله عنها رماحهم و أمسكوا ليمسكوا فلم ينته و لم يثن، فقاتلهم و اصحاب عائشة كافون الا ما دافعوا عن انفسهم، و حكيم يذمر خيله و يركبهم بها، و يقول: انها قريش ليردينها جبنها و الطيش، و اقتتلوا على فم السكة، و اشرف اهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوى، فرموا باقى الآخرين بالحجارة، و امرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا الى مقبره بنى مازن، فوقفوا بها مليا، و ثار اليهم الناس، فحجز الليل بينهم فرجع عثمان الى القصر، و رجع الناس الى قبائلهم، و جاء ابو الجرباء، احد بنى عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم الى عائشة و طلحه و الزبير، فاشار عليهم بامثل من مكانهم فاستنصحوه و تابعوا رايه، فساروا من مقبره بنى مازن فأخذوا على مسناة البصره من قبل الجبانة حتى انتهوا الى الزابوقه، ثم أتوا مقبره بنى حصن و هي متنحيه الى دار الرزق، فباتوا يتاهبون، و بات الناس يسيرون اليهم، و أصبحوا و هم على رجل في ساحه دار الرق، و اصبح عثمان بن حنيف فغاداهم، و غدا حكيم بن جبله و هو يبربر و في يده الرمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذى تسب و تقول له ما اسمع؟ قال: عائشة، قال: يا بن الخبيثة، الام المؤمنين تقول هذا! فوضع حكيم السنان بين ثدييه فقتله ثم مر بامرأة و هو يسبها- يعنى عائشة- فقالت: من هذا الذى ألجأك الى هذا؟

قال: عائشة، قالت: يا بن الخبيثة، الام المؤمنين تقول هذا! فطعنها بين ثدييها فقتلها ثم سار، فلما اجتمعوا واقفوهم، فاقتتلوا بدار الرزق قتالا شديدا من حين بزغت الشمس الى ان زال النهار و قد كثر القتلى في اصحاب ابن حنيف و فشت الجراحه في الفريقين، و منادى عائشة يناشدهم و يدعوهم‏

467

الى الكف فيأبون، حتى إذا مسهم الشر و عضهم نادوا اصحاب عائشة الى الصلح و المتات فاجابوهم و تواعدوا، و كتبوا بينهم كتابا على ان يبعثوا رسولا الى المدينة، و حتى يرجع الرسول من المدينة، فان كانا اكرها خرج عثمان عنهما و اخلى لهما البصره، و ان لم يكونا اكرها خرج طلحه و الزبير:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه طلحه و الزبير و من معهما من المؤمنين و المسلمين، و عثمان بن حنيف و من معه من المؤمنين و المسلمين.

ان عثمان يقيم حيث ادركه الصلح على ما في يده، و ان طلحه و الزبير يقيمان حيث أدركهما الصلح على ما في أيديهما، حتى يرجع أمين الفريقين و رسولهم كعب بن سور من المدينة و لا يضار واحد من الفريقين الآخر في مسجد و لا سوق و لا طريق و لا فرضه، بينهم عيبه مفتوحه حتى يرجع كعب بالخبر، فان رجع بان القوم أكرهوا طلحه و الزبير فالأمر امرهما، و ان شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيته، و ان شاء دخل معهما، و ان رجع بأنهما لم يكرها فالأمر امر عثمان، فان شاء طلحه و الزبير أقاما على طاعه على و ان شاءا خرجا حتى يلحقا بطيتهما، و المؤمنون اعوان الفالح منهما.

فخرج كعب حتى يقدم المدينة، فاجتمع الناس لقدومه، و كان قدومه يوم جمعه، فقام كعب فقال: يا اهل المدينة، انى رسول اهل البصره إليكم، ا اكره هؤلاء القوم هذين الرجلين على بيعه على، أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه احد من القوم الا ما كان من اسامه بن زيد، فانه قام فقال: اللهم انهما لم يبايعا الا و هما كارهان فامر به تمام، فواثبه سهل بن حنيف و الناس، و ثار صهيب بن سنان و ابو أيوب بن زيد، في عده من اصحاب رسول الله ص، فيهم محمد بن مسلمه، حين خافوا ان يقتل اسامه، فقال:

اللهم نعم، فانفرجوا عن الرجل، فانفرجوا عنه، و أخذ صهيب بيده حتى اخرجه فادخله منزله، و قال: قد علمت ان أم عامر حامقه، اما وسعك‏

468

ما وسعنا من السكوت! قال: لا و الله، ما كنت ارى ان الأمر يترامى الى ما رايت، و قد ابسلنا لعظيم فرجع كعب و قد اعتد طلحه و الزبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتد به، منها ان محمد بن طلحه- و كان صاحب صلاه- قام مقاما قريبا من عثمان بن حنيف، فخشي بعض الزط و السيابجه ان يكون جاء لغير ما جاء له، فنحياه، فبعثا الى عثمان، هذه واحده.

و بلغ عليا الخبر الذى كان بالمدينة من ذلك، فبادر بالكتاب الى عثمان يعجزه و يقول: و الله ما اكرها الا كرها على فرقه، و لقد اكرها على جماعه و فضل، فان كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، و ان كانا يريدان غير ذلك نظرنا و نظرا فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف، و قدم كعب فأرسلوا الى عثمان ان اخرج عنا، فاحتج عثمان بالكتاب و قال: هذا امر آخر غير ما كنا فيه، فجمع طلحه و الزبير الرجال في ليله مظلمه بارده ذات رياح و ندى، ثم قصدا المسجد فوافقا صلاه العشاء- و كانوا يؤخرونها- فأبطأ عثمان بن حنيف فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط و السيابجه السلاح ثم وضعوه فيهم، فاقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد و صبروا لهم، فاناموهم و هم اربعون، و ادخلوا الرجال على عثمان ليخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطؤوه و ما بقيت في وجهه شعره، فاستعظما ذلك، و ارسلا الى عائشة بالذي كان، و استطلعا رأيها، فأرسلت إليهما ان خلوا سبيله فليذهب حيث شاء و لا تحبسوه، فاخرجوا الحرس الذين كانوا مع عثمان في القصر و دخلوه، و قد كانوا يعتقبون حرس عثمان في كل يوم و في كل ليله اربعون، فصلى عبد الرحمن بن عتاب بالناس العشاء و الفجر، و كان الرسول فيما بين عائشة و طلحه و الزبير هو، أتاها بالخبر، و هو رجع إليهما بالجواب، فكان رسول القوم.

حدثنا عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن عن ابى مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن سهل بن سعد، قال: لما أخذوا عثمان بن حنيف أرسلوا ابان بن عثمان الى عائشة يستشيرونها في امره، قالت: اقتلوه، فقالت لها امراه: نشدتك بالله يا أم المؤمنين في عثمان و صحبته لرسول الله صلى الله‏

469

عليه و سلم! قالت: ردوا أبانا، فردوه، فقالت: احبسوه و لا تقتلوه، قال:

لو علمت انك تدعيننى لهذا لم ارجع، فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه و انتفوا شعر لحيته، فضربوه اربعين سوطا، و نتفوا شعر لحيته و راسه و حاجبيه و اشفار عينيه و حبسوه حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا ابى، قال: حدثنى وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال:

بلغنى انه لما بلغ طلحه و الزبير منزل على بذى قار انصرفوا الى البصره، فأخذوا على المنكدر، فسمعت عائشة رضى الله عنها نباح الكلاب، فقالت: اى ماء هذا؟ فقالوا: الحوأب، فقالت: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! انى لهيه، [قد سمعت رسول الله(ص)يقول و عنده نساؤه: ليت شعرى ايتكن تنبحها كلاب الحوأب!] فأرادت الرجوع، فأتاها عبد الله بن الزبير فزعم انه قال: كذب من قال ان هذا الحوأب و لم يزل حتى مضت، فقدموا البصره و عليها عثمان بن حنيف، فقال لهم عثمان: ما نقمتم على صاحبكم؟

فقالوا: لم نره اولى بها منا، و قد صنع ما صنع، قال: فان الرجل أمرني فاكتب اليه فاعلمه ما جئتم له، على ان اصلى بالناس حتى يأتينا كتابه، فوقفوا عليه و كتب، فلم يلبث الا يومين حتى وثبوا عليه فقاتلوه بالزابوقه عند مدينه الرزق، فظهروا، و أخذوا عثمان فأرادوا قتله، ثم خشوا غضب الانصار، فنالوه في شعره و جسده فقام طلحه و الزبير خطيبين فقالا: يا اهل البصره، توبه بحوبه، انما أردنا ان يستعتب امير المؤمنين عثمان و لم نرد قتله، فغلب سفهاء الناس الحلماء حتى قتلوه فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد، قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا، فقال الزبير: فهل جاءكم منى كتاب في شانه؟ ثم ذكر قتل عثمان رضى الله عنه و ما اتى اليه، و اظهر عيب على فقام اليه رجل من عبد القيس فقال: ايها الرجل، انصت حتى نتكلم، فقال عبد الله بن الزبير:

و ما لك و للكلام! فقال العبدى: يا معشر المهاجرين، أنتم أول من أجاب رسول الله ص، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الاسلام كما دخلتم، فلما توفى رسول الله(ص)بايعتم رجلا منكم،

470

و الله ما استامرتمونا في شي‏ء من ذلك فرضينا و اتبعناكم، فجعل الله عز و جل للمسلمين في امارته بركه، ثم مات رضى الله عنه و استخلف عليكم رجلا منكم، فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا و سلمنا، فلما توفى الأمير جعل الأمر الى سته نفر، فاخترتم عثمان و بايعتموه عن غير مشوره منا، ثم انكرتم من ذلك الرجل شيئا، فقتلتموه عن غير مشوره منا، ثم بايعتم عليا عن غير مشوره منا، فما الذى نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفي‏ء، او عمل بغير الحق؟ او عمل شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه! و الا فما هذا! فهموا بقتل ذلك الرجل، فقام من دونه عشيرته، فلما كان الغد وثبوا عليه و على من كان معه، فقتلوا سبعين رجلا.

رجع الحديث الى حديث سيف، عن محمد و طلحه قالا: فاصبح طلحه و الزبير و بيت المال و الحرس في أيديهما، و الناس معهما، و من لم يكن معهما مغمور مستسر، و بعثا حين أصبحا بان حكيما في الجمع، فبعثت:

لا تحبسا عثمان و دعاه ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته، و اصبح حكيم بن جبله في خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس و من نزع اليهم من افناء ربيعه، ثم وجهوا نحو دار الرزق و هو يقول: لست بأخيه ان لم انصره، و جعل يشتم عائشة رضى الله عنها، فسمعته امراه من قومه فقالت: يا بن الخبيثة، أنت اولى بذلك! فطعنها فقتلها، فغضبت عبد القيس الا من كان اغتمر منهم، فقالوا: فعلت بالأمس و عدت لمثل ذلك اليوم! و الله لندعنك حتى يقيدك الله فرجعوا و تركوه، و مضى حكيم بن جبله فيمن غزا معه عثمان بن عفان و حصره من نزاع القبائل كلها، و عرفوا ان لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا اليه، فانتهى بهم الى الزابوقه عند دار الرزق، و قالت عائشة: لا تقتلوا الا من قاتلكم، و نادوا من لم يكن من قتله عثمان رضى الله عنه فليكفف عنا، فانا لا نريد الا قتله عثمان و لا نبدأ أحدا، فانشب حكيم القتال و لم يرع للمنادى، فقال طلحه و الزبير: الحمد لله الذى جمع لنا ثارنا من اهل البصره، اللهم لا تبق منهم أحدا، و أقد منهم اليوم فاقتلهم فجادوهم القتال فاقتتلوا أشد

471

قتال و معه اربعه قواد، فكان حكيم بحيال طلحه، و ذريج بحيال الزبير، و ابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، و حرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فزحف طلحه لحكيم و هو في ثلاثمائة رجل، و جعل حكيم يضرب بالسيف و يقول:

اضربهم باليابس* * * ضرب غلام عابس‏

من الحياه آيس* * * في الغرفات نافس‏

فضرب رجل رجله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فأصاب جسده فصرعه، فأتاه حتى قتله، ثم اتكأ عليه و قال:

يا فخذ لن تراعى ان معى ذراعي احمى بها كراعى و قال و هو يرتجز:

ليس على ان اموت عار و العار في الناس هو الفرار و المجد لا يفضحه الدمار.

فاتى عليه رجل و هو رثيث، راسه على الآخر، فقال: ما لك يا حكيم؟

قال: قتلت، قال: من قتلك؟ قال: وسادتي، فاحتمله فضمه في سبعين من اصحابه، فتكلم يومئذ حكيم و انه لقائم على رجل، و ان السيوف لتاخذهم فما يتعتع، و يقول: انا خلفنا هذين و قد بايعا عليا و أعطياه الطاعة، ثم اقبلا مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان، ففرقا بيننا، و نحن اهل دار و جوار اللهم انهما لم يريدا عثمان فنادى مناد: يا خبيث، جزعت حين عضك نكال الله عز و جل الى كلام من نصبك و أصحابك بما ركبتم من الامام المظلوم، و فرقتم من الجماعه، و أصبتم من الدماء، و نلتم من الدنيا! فذق وبال الله عز و جل و انتقامه، و أقيموا فيمن أنتم.

و قتل ذريح و من معه، و افلت حرقوص بن زهير في نفر من اصحابه فلجئوا

472

الى قومهم، و نادى منادى الزبير و طلحه بالبصرة: الا من كان فيهم من قبائلكم احد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم فجي‏ء بهم كما يجاء بالكلاب، فقتلوا فما افلت منهم من اهل البصره جميعا الا حرقوص بن زهير، فان بنى سعد منعوه، و كان من بنى سعد، فمسهم في ذلك امر شديد، و ضربوا لهم فيه أجلا و خشنوا صدور بنى سعد و انهم لعثمانيه حتى قالوا: نعتزل، و غضبت عبد القيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعه و من كان هرب اليهم الى ما هم عليه من لزوم طاعه على، فامرا للناس باعطياتهم و أرزاقهم و حقوقهم، و فضلا بالفضل اهل السمع و الطاعة فخرجت عبد القيس و كثير من بكر بن وائل حين زووا عنهم الفضول، فبادروا الى بيت المال، و أكب عليهم الناس فأصابوا منهم، و خرج القوم حتى نزلوا على طريق على، و اقام طلحه و الزبير ليس معهما بالبصرة ثار الا حرقوص، و كتبوا الى اهل الشام بما صنعوا و صاروا اليه: انا خرجنا لوضع الحرب، و اقامه كتاب الله عز و جل باقامه حدوده في الشريف و الوضيع و الكثير و القليل، حتى يكون الله عز و جل هو الذى يردنا عن ذلك، فبايعنا خيار اهل البصره و نجباؤهم، و خالفنا شرارهم و نزاعهم، فردونا بالسلاح و قالوا فيما قالوا: نأخذ أم المؤمنين رهينه، ان أمرتهم بالحق و حثتهم عليه فأعطاهم الله عز و جل سنه المسلمين مره بعد مره، حتى إذا لم يبق حجه و لا عذر استبسل قتله امير المؤمنين فخرجوا الى مضاجعهم فلم يفلت منهم مخبر الا حرقوص بن زهير، و الله سبحانه مقيده ان شاء الله.

و كانوا كما وصف الله عز و جل، و انا نناشدكم الله في انفسكم الا نهضتم بمثل ما نهضنا به، فنلقى الله عز و جل و تلقونه و قد أعذرنا و قضينا الذى علينا.

و بعثوا به مع سيار العجلى، و كتبوا الى اهل الكوفه بمثله مع رجل من بنى عمرو بن اسد يدعى مظفر بن معرض و كتبوا الى اهل اليمامه و عليها سبره ابن عمرو العنبري مع الحارث السدوسي و كتبوا الى اهل المدينة مع ابن قدامه القشيرى، فدسه الى اهل المدينة.

و كتبت عائشة رضى الله عنها الى اهل الكوفه مع رسولهم: اما بعد فانى اذكركم الله عز و جل و الاسلام، أقيموا كتاب الله باقامه ما فيه، اتقوا الله‏

473

و اعتصموا بحبله، و كونوا مع كتابه، فانا قدمنا البصره فدعوناهم الى اقامه كتاب الله باقامه حدوده، فأجابنا الصالحون الى ذلك، و استقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، و قالوا: لنتبعنكم عثمان، ليزيدوا الحدود تعطيلا، فعاندوا فشهدوا علينا بالكفر و قالوا لنا المنكر، فقرأنا عليهم: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏» فاذعن لي بعضهم، و اختلفوا بينهم، فتركناهم و ذلك، فلم يمنع ذلك من كان منهم على رايه الاول من وضع السلاح في اصحابى، و عزم عليهم عثمان بن حنيف الا قاتلوني حتى منعني الله عز و جل بالصالحين، فرد كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستا و عشرين ليله ندعوهم الى كتاب الله و اقامه حدوده- و هو حقن الدماء ان تهراق دون من قد حل دمه- فأبوا و احتجوا بأشياء، فاصطلحنا عليها، فخافوا و غدروا و خانوا، فجمع الله عز و جل لعثمان رضى الله عنه ثارهم، فاقادهم فلم يفلت منهم الا رجل، و ارد انا الله، و منعنا منهم بعمير ابن مرثد و مرثد بن قيس، و نفر من قيس، و نفر من الرباب و الأزد.

فالزموا الرضا الا عن قتله عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقه، و لا تخاصموا الخائنين و لا تمنعوهم، و لا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا من الظالمين.

فكتبت الى رجال باسمائهم فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم و نصرتهم و اجلسوا في بيوتكم، فان هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان رضى الله عنه، و فرقوا بين جماعه الامه، و خالفوا الكتاب و السنه، حتى شهدوا علينا فيما امرناهم به، و حثثناهم عليه من اقامه كتاب الله و اقامه حدوده بالكفر، و قالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصالحون و عظموا ما قالوا، و قالوا: ما رضيتم ان قتلتم الامام حتى خرجتم على زوجه نبيكم ص، ان امرتكم بالحق لتقتلوها و اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و ائمه المسلمين! فعزموا و عثمان بن حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس و غوغائهم على زطهم و سيابجهم، فلذنا منهم بطائفة من الفسطاط، فكان ذلك الداب سته و عشرين يوما

474

ندعوهم الى الحق و الا يحولوا بيننا و بين الحق فغدروا و خانوا فلم نقايسهم، و احتجوا ببيعه طلحه و الزبير، فابردوا بريدا فجاءهم بالحجه فلم يعرفوا الحق، و لم يصبروا عليه، فغادونى في الغلس ليقتلوني، و الذى يحاربهم غيرى، فلم يبرحوا حتى بلغوا سده بيتى و معهم هاد يهديهم الى، فوجدوا نفرا على باب بيتى، منهم عمير بن مرثد، و مرثد بن قيس، و يزيد بن عبد الله بن مرثد، و نفر من قيس، و نفر من الرباب و الأزد، فدارت عليهم الرحا، فاطاف بهم المسلمون فقتلوهم، و جمع الله عز و جل كلمه اهل البصره على ما اجمع عليه الزبير و طلحه، فإذا قتلنا بثارنا وسعنا العذر و كانت الوقعه لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنه ست و ثلاثين و كتب عبيد بن كعب في جمادى.

حدثنا عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، عن عامر بن حفص، عن أشياخه، قال: ضرب عنق حكيم بن جبله رجل من الحدان يقال له ضخيم، فمال راسه، فتعلق بجلده، فصار وجهه في قفاه قال ابن المثنى الحدانى:

الذى قتل حكيما يزيد بن الاسحم الحدانى، وجد حكيم قتيلا بين يزيد بن الاسحم و كعب بن الاسحم، و هما مقتولان.

حدثنى عمر، قال: حدثنى ابو الحسن، قال: حدثنا ابو بكر الهذلي، عن ابى المليح، قال: لما قتل حكيم بن جبله أرادوا ان يقتلوا عثمان بن حنيف، فقال: ما شئتم، اما ان سهل بن حنيف وال على المدينة، و ان قتلتموني انتصر فخلوا سبيله و اختلفوا في الصلاة، فأمرت عائشة رضى الله عنها عبد الله ابن الزبير فصلى بالناس، و اراد الزبير ان يعطى الناس أرزاقهم و يقسم ما في بيت المال، فقال عبد الله ابنه: ان ارتزق الناس تفرقوا و اصطلحوا على عبد الرحمن بن ابى بكر، فصيروه على بيت المال.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن على، عن ابى بكر الهذلي، عن الجارود بن ابى سبره، قال: لما كانت الليلة التي أخذ فيها عثمان بن حنيف، و في رحبه مدينه الرزق طعام يرتزقه الناس، فاراد عبد الله ان يرزقه اصحابه و بلغ حكيم بن جبله ما صنع بعثمان، فقال: لست اخاف الله ان لم انصره،

475

فجاء في جماعه من عبد القيس و بكر بن وائل و اكثرهم عبد القيس، فاتى ابن الزبير مدينه الرزق، فقال: مالك يا حكيم؟ قال: نريد ان نرتزق من هذا الطعام، و ان تخلوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم على، و الله لو أجد أعوانا عليكم اخبطكم بهم ما رضيت بهذه منكم حتى اقتلكم بمن قتلتم، و لقد اصبحتم و ان دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا، اما تخافون الله عز و جل! بم تستحلون سفك الدماء! قال: بدم عثمان ابن عفان، قال: فالذين قتلتموهم قتلوا عثمان! اما تخافون مقت الله؟

فقال له عبد الله بن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، و لا نخلى سبيل عثمان ابن حنيف حتى يخلع عليا، قال حكيم: اللهم انك حكم عدل فاشهد و قال لأصحابه: انى لست في شك من قتال هؤلاء، فمن كان في شك فلينصرف و قاتلهم فاقتتلوا قتالا شديدا، و ضرب رجل ساق حكيم فاخذ حكيم ساقه فرماه بها، فأصاب عنقه فصرعه و وقذه ثم حبا اليه فقتله و اتكأ عليه، فمر به رجل فقال: من قتلك؟ قال: وسادتي، و قتل سبعون رجلا من عبد القيس قال الهذلي: قال حكيم حين قطعت رجله:

اقول لما جد بي زماعى للرجل يا رجلي لن تراعى ان معى من نجده ذراعي.

قال عامر و مسلمه: قتل مع حكيم ابنه الأشرف و اخوه الرعل بن جبله حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا المثنى بن عبد الله، عن عوف الأعرابي، قال: جاء رجل الى طلحه و الزبير و هما في المسجد بالبصرة، فقال: نشدتكما بالله في مسيركما! ا عهد إليكما فيه رسول الله(ص)شيئا! فقام طلحه و لم يجبه، فناشد الزبير فقال: لا، و لكن بلغنا ان عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا سليمان بن ارقم، عن قتادة،

3

عن ابى عمره مولى الزبير، قال: لما بايع اهل البصره الزبير و طلحه، قال الزبير: الا الف فارس اسير بهم الى على، فاما بيته و اما صبحته، لعلى‏

476

اقتله قبل ان يصل إلينا! فلم يجبه احد، فقال: ان هذه لهى الفتنة التي كنا نحدث عنها، فقال له مولاه: ا تسميها فتنه و تقاتل فيها! قال: ويحك! انا نبصر و لا نبصر، ما كان امر قط الا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فانى لا ادرى ا مقبل انا فيه أم مدبر! حدثنى احمد بن منصور، قال: حدثنى يحيى بن معين، قال:

حدثنا هشام بن يوسف، قاضى صنعاء، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير، عن موسى بن عقبه، عن علقمه بن وقاص الليثى، قال: لما خرج طلحه و الزبير و عائشة رضى الله عنهم رايت طلحه و أحب المجالس اليه اخلاها، و هو ضارب بلحيته على زوره، فقلت: يا أبا محمد، ارى أحب المجالس إليك اخلاها، و أنت ضارب بلحيتك على زورك، ان كرهت شيئا فاجلس قال: فقال لي: يا علقمه بن وقاص، بينا نحن يد واحده على من سوانا، إذ صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضا، انه كان منى في عثمان شي‏ء ليس توبتي الا ان يسفك دمى في طلب دمه قال: قلت: فرد محمد ابن طلحه فان لك ضيعه و عيالا، فان يك شي‏ء يخلفك، فقال: ما أحب ان ارى أحدا يخف في هذا الأمر فامنعه قال: فأتيت محمد بن طلحه فقلت له: لو اقمت، فان حدث به حدث كنت تخلفه في عياله و ضيعته، قال: ما أحب ان اسال الرجال عن امره.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو مخنف، عن مجالد بن سعيد، قال: لما قدمت عائشة رضى الله عنها البصره كتبت الى زيد بن صوحان: من عائشة ابنه ابى بكر أم المؤمنين حبيبه رسول الله(ص)الى ابنها الخالص زيد بن صوحان، اما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم، فانصرنا على امرنا هذا، فان لم تفعل فخذل الناس عن على.

فكتب إليها: من زيد بن صوحان الى عائشة ابنه ابى بكر الصديق‏

477

حبيبه رسول الله ص، اما بعد: فانا ابنك الخالص ان اعتزلت هذا الأمر و رجعت الى بيتك، و الا فانا أول من نابذك قال: زيد ابن صوحان: رحم الله أم المؤمنين! امرت ان تلزم بيتها و امرنا ان نقاتل، فتركت ما امرت به و أمرتنا به، و صنعت ما امرنا به و نهتنا عنه!

ذكر الخبر عن مسير على بن ابى طالب نحو البصره‏

مما كتب به الى السرى، ان شعيبا حدثه، قال: حدثنا سيف، عن عبيده بن معتب، عن يزيد الضخم، قال: لما اتى عليا الخبر و هو بالمدينة بأمر عائشة و طلحه و الزبير انهم قد توجهوا نحو العراق، خرج يبادر و هو يرجو ان يدركهم و يردهم، فلما انتهى الى الربذة أتاه عنهم انهم قد أمعنوا، فأقام بالربذة أياما، و أتاه عن القوم انهم يريدون البصره، فسرى بذلك عنه، و قال: ان اهل الكوفه أشد الى حبا، و فيهم رؤوس العرب و اعلامهم فكتب اليهم: انى قد اخترتكم على الأمصار و انى بالأثرة.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن محمد ابن عبد الرحمن بن ابى ليلى، عن ابيه، قال: كتب على الى اهل الكوفه:

بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد، فانى اخترتكم و النزول بين أظهركم لما اعرف من مودتكم و حبكم لله عز و جل و لرسوله ص، فمن جاءني و نصرني فقد أجاب الحق و قضى الذى عليه.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن قال: حدثنا حبان بن موسى، عن طلحه بن الأعلم و بشر بن عاصم، عن ابن ابى ليلى، عن ابيه، قال:

بعث محمد بن ابى بكر الى الكوفه و محمد بن عون، فجاء الناس الى ابى موسى يستشيرونه في الخروج، فقال ابو موسى: اما سبيل الآخرة فان تقيموا، و اما سبيل الدنيا فان تخرجوا، و أنتم اعلم و بلغ المحمدين قول ابى موسى، فبايناه و اغلظا له، فقال: اما و الله ان بيعه عثمان في عنقى و عنق صاحبكما الذى أرسلكما، ان أردنا ان نقاتل لا نقاتل حتى لا يبقى احد من قتله‏

478

عثمان الا قتل حيث كان و خرج على من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنه ست و ثلاثين، فقالت اخت على بن عدى من بنى عبد العزى ابن عبد شمس:

لاهم فاعقر بعلى جمله* * * و لا تبارك في بعير حمله‏

الا على بن عدى ليس له

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن ابى مخنف، عن نمير ابن وعله، عن الشعبى، قال: لما نزل على بالربذة اتته جماعه من طيّئ، فقيل لعلى: هذه جماعه من طيّئ قد اتتك، منهم من يريد الخروج معك و منهم من يريد التسليم عليك، قال: جزى الله كلا خيرا و فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ثم دخلوا عليه [فقال على: ما شهدتمونا به؟

قالوا: شهدناك بكل ما تحب، قال: جزاكم الله خيرا! فقد اسلمتم طائعين و قاتلتم المرتدين و وافيتم بصدقاتكم المسلمين‏] فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال: يا امير المؤمنين، ان من الناس من يعبر لسانه عما في قلبه، و انى و الله ما كل ما أجد في قلبي يعبر عنه لساني و ساجهد و بالله التوفيق، اما انا فسانصح لك في السر و العلانية و اقاتل عدوك في كل موطن و ارى لك من الحق ما لا أراه لأحد من اهل زمانك لفضلك و قرابتك قال: رحمك الله! قد ادى لسانك عما يجن ضميرك فقتل معه بصفين (رحمه الله).

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: لما قدم على الربذة اقام بها و سرح منها الى الكوفه محمد بن ابى بكر و محمد بن جعفر، و كتب اليهم: انى اخترتكم على الأمصار و فزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانا و أنصارا، و ايدونا و انهضوا إلينا فالاصلاح ما نريد، لتعود الامه اخوانا، و من أحب ذلك و آثره فقد أحب الحق و آثره، و من ابغض ذلك فقد ابغض الحق و غمصه.

فمضى الرجلان و بقي على بالربذة يتهيأ، و ارسل الى المدينة فلحقه ما اراد

479

من دابه و سلاح، و امر امره و قام في الناس فخطبهم، و قال: ان الله عز و جل أعزنا بالإسلام و رفعنا به و جعلنا به اخوانا بعد ذله و قله و تباغض و تباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الاسلام دينهم و الحق فيهم و الكتاب امامهم، حتى اصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الامه، الا ان هذه الامه لا بد مفترقه كما افترقت الأمم قبلهم، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن ثم عاد ثانيه، فقال: انه لا بد مما هو كائن ان يكون، الا و ان هذه الامه ستفترق على ثلاث و سبعين فرقه، شرها فرقه تنتحلنى و لا تعمل بعملي، فقد ادركتم و رايتم فالزموا دينكم و اهدوا بهدى نبيكم ص، و اتبعوا سنته، و اعرضوا ما اشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه و ما انكره فردوه، و ارضوا بالله جل و عز ربا و بالإسلام دينا و بمحمد(ص)نبيا، و بالقرآن حكما و اماما.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

لما اراد على الخروج من الربذة الى البصره قام اليه ابن لرفاعة بن رافع، فقال: يا امير المؤمنين، اى شي‏ء تريد؟ و الى اين تذهب بنا؟ فقال: اما الذى نريد و ننوى فالاصلاح، ان قبلوا منا و اجابونا اليه، قال: فان لم يجيبوا اليه؟ قال: ندعهم بعذرهم و نعطيهم الحق و نصبر، قال: فان لم يرضوا؟

قال: ندعهم ما تركونا، قال: فان لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال:

فنعم إذا و قام الحجاج بن غزيه الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول و قال:

دراكها دراكها قبل الفوت* * * و انفر بنا و اسم بنا نحو الصوت‏

لا والت نفسي ان هبت الموت

.

و الله لانصرن الله عز و جل كما سمانا أنصارا فخرج امير المؤمنين و على‏

480

مقدمته ابو ليلى بن عمر بن الجراح، و الراية مع محمد بن الحنفيه، و على الميمنه عبد الله بن عباس، و على الميسره عمر بن ابى سلمه او عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، و خرج على و هو في سبعمائة و ستين، و راجز على يرجز به:

سيروا ابابيل و حثوا السيرا إذ عزم السير و قولوا خيرا حتى يلاقوا و تلاقوا خيرا نغزو بها طلحه و الزبيرا و هو امام امير المؤمنين، و امير المؤمنين على على ناقه له حمراء يقود فرسا كميتا فتلقاهم بفيد غلام من بنى سعد بن ثعلبه بن عامر يدعى مره، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: امير المؤمنين، فقال: سفره فانية فيها دماء من نفوس فانية، فسمعها على فدعاه، فقال: ما اسمك؟ قال: مره، قال:

امر الله عيشك، كاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف، فلما نزل بفيد اتته اسد و طيّئ فعرضوا عليه انفسهم، فقال: الزموا قراركم، في المهاجرين كفاية.

و قدم رجل من اهل الكوفه فيد قبل خروج على فقال: من الرجل؟ قال:

عامر بن مطر، قال: الليثى؟ قال الشيبانى: قال: أخبرني عما وراءك، قال:

فاخبره حتى ساله عن ابى موسى، فقال: ان اردت الصلح فابو موسى صاحب ذلك، و ان اردت القتال فابو موسى ليس بصاحب ذلك، قال: و الله ما اريد الا الإصلاح حتى يرد علينا، قال: قد اخبرتك الخبر، و سكت و سكت على.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن ابى محمد، عن عبد الله بن عمير، عن محمد بن الحنفيه، قال: قدم عثمان بن حنيف على على بالربذة و قد نتفوا شعر راسه و لحيته و حاجبيه، [فقال: يا امير المؤمنين، بعثتني ذا لحيه و جئتك امرد، قال: اصبت اجرا و خيرا، ان الناس وليهم قبلي رجلان، فعملا بالكتاب، ثم وليهم ثالث، فقالوا و فعلوا، ثم بايعوني، و بايعنى طلحه و الزبير، ثم نكثا بيعتي، و البا الناس على، و من العجب انقيادهما لأبي بكر و عمر و خلافهما على، و الله انهما ليعلمان انى لست بدون رجل ممن قد مضى، اللهم فاحلل ما عقدا، و لا تبرم ما قد احكما في أنفسهما و أرهما المساءة فيما قد عملا]

481

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و لما نزل على الثعلبية أتاه الذى لقى عثمان بن حنيف و حرسه، فقام و اخبر القوم الخبر، و قال: اللهم عافني مما ابتليت به طلحه و الزبير من قتل المسلمين، و سلمنا منهم اجمعين و لما انتهى الى الآساد أتاه ما لقى حكيم بن جبله و قتله عثمان بن عفان رضى الله عنه، [فقال: الله اكبر، ما ينجيني من طلحه و الزبير إذ أصابا ثارهما او ينجيهما! و قرأ: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» و قال:

دعا حكيم دعوه الزماع* * * حل بها منزله النزاع‏

] و لما انتهوا الى ذي قار انتهى اليه فيها عثمان بن حنيف، و ليس في وجهه شعر، فلما رآه على نظر الى اصحابه فقال: انطلق هذا من عندنا و هو شيخ، فرجع إلينا و هو شاب فلم يزل بذى قار يتلوم محمدا و محمدا، و أتاه الخبر بما لقيت ربيعه و خروج عبد القيس و نزولهم بالطريق، فقال: عبد القيس خير ربيعه، في كل ربيعه خير و قال:

يا لهف نفسي على ربيعه* * * ربيعه السامعه المطيعه‏

قد سبقتني فيهم الوقيعه* * * دعا على دعوه سميعه‏

حلوا بها المنزله الرفيعه

.

قال: و عرضت عليه بكر بن وائل، فقال لهم مثل ما قال لطيئ و اسد.

و لما قدم محمد و محمد على الكوفه و أتيا أبا موسى بكتاب امير المؤمنين، و قاما في الناس بامره، لم يجابا الى شي‏ء، فلما امسوا دخل ناس من اهل الحجى على ابى موسى، فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس باليوم، ان الذى تهاونتم به فيما مضى هو الذى جر عليكم ما ترون، و ما بقي انما هما امران: القعود سبيل الآخرة و الخروج سبيل الدنيا، فاختاروا فلم ينفر اليه احد، فغضب الرجلان و اغلظا لأبي موسى، فقال‏

482

ابو موسى: و الله ان بيعه عثمان رضى الله عنه لفي عنقى و عنق صاحبكما، فان لم يكن بد من قتال لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتله عثمان حيث كانوا فانطلقا الى على فوافياه بذى قار و اخبراه الخبر، و قد خرج مع الاشتر و قد كان يعجل الى الكوفه، فقال على: يا اشتر، أنت صاحبنا في ابى موسى و المعترض في كل شي‏ء، اذهب أنت و عبد الله بن عباس فاصلح ما افسدت.

فخرج عبد الله بن عباس و معه الاشتر، فقدما الكوفه و كلما أبا موسى و استعانا عليه بأناس من الكوفه، فقال للكوفيين: انا صاحبكم يوم الجرعة و انا صاحبكم اليوم، فجمع الناس فخطبهم و قال: يا ايها الناس، ان اصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) الذين صحبوه في المواطن اعلم بالله جل و عز و برسوله(ص)ممن لم يصحبه، و ان لكم علينا حقا فانا مؤديه إليكم.

كان الرأي الا تستخفوا بسلطان الله عز و جل، و لا تجترئوا على الله عز و جل، و كان الرأي الثانى ان تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا، و هم اعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، و لا تكلفوا الدخول في هذا، فاما إذ كان ما كان فإنها فتنه صماء، النائم فيها خير من اليقظان، و اليقظان فيها خير من القاعد، و القاعد خير من القائم، و القائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، و انصلوا الأسنة، و اقطعوا الأوتار، و آووا المظلوم و المضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، و تنجلى هذه الفتنة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و لما رجع ابن عباس الى على بالخبر دعا الحسن بن على فأرسله، فأرسل معه عمار بن ياسر، فقال له: انطلق فاصلح ما افسدت، فاقبلا حتى دخلا المسجد، فكان أول من أتاهما مسروق بن الأجدع، فسلم عليهما، و اقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان، علام قتلتم عثمان رضى الله عنه؟ قال: على شتم اعراضنا و ضرب ابشارنا! فقال: و الله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لكان خيرا للصابرين فخرج ابو موسى، فلقى الحسن فضمه اليه، و اقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان، ا عدوت فيمن عدا على امير المؤمنين، فاحللت‏

483

نفسك مع الفجار! فقال: لم افعل، و لم تسوؤنى؟ [و قطع عليهما الحسن، فاقبل على ابى موسى، فقال: يا أبا موسى، لم تثبط الناس عنا! فو الله ما أردنا الا الإصلاح، و لا مثل امير المؤمنين يخاف على شي‏ء] فقال: صدقت بابى أنت و أمي! و لكن المستشار مؤتمن، [سمعت رسول الله(ص)يقول: انها ستكون فتنه، القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الراكب،] قد جعلنا الله عز و جل اخوانا، و حرم علينا أموالنا و دماءنا، و قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏»، «وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» و قال جل و عز: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ‏».

فغضب عمار و ساءه و قام و قال: يا ايها الناس، انما قال له خاصه: أنت فيها قاعدا خير منك قائما و قام رجل من بنى تميم، فقال لعمار: اسكت ايها العبد، أنت أمس مع الغوغاء و اليوم تسافه أميرنا، و ثار زيد بن صوحان و طبقته و ثار الناس، و جعل ابو موسى يكفكف الناس، ثم انطلق حتى اتى المنبر، و سكن الناس، و اقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد و معه الكتابان من عائشة رضى الله عنها اليه و الى اهل الكوفه، و قد كان طلب كتاب العامه فضمه الى كتابه، فاقبل بهما و معه كتاب الخاصة و كتاب العامه: اما بعد، فثبطوا ايها الناس و اجلسوا في بيوتكم الا عن قتله عثمان بن عفان رضى الله عنه.

فلما فرغ من الكتاب قال: امرت بأمر و امرنا بأمر، امرت ان تقر في بيتها، و امرنا ان نقاتل حتى لا تكون فتنه، فأمرتنا بما امرت به و ركبت ما امرنا به فقام اليه شبث بن ربعي فقال: يا عمانى- و زيد من عبد القيس عمان و ليس من اهل البحرين- سرقت بجلولاء فقطعك الله، و عصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ما امرت الا بما امر الله عز و جل به بالإصلاح بين الناس، فقلت: و رب الكعبه، و تهاوى الناس و قام ابو موسى فقال: ايها الناس، أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المظلوم و يامن فيكم الخائف، انا اصحاب محمد (صلى الله عليه و سلم) اعلم بما سمعنا، ان الفتنة

484

إذا اقبلت شبهت و إذا ادبرت بينت، و ان هذه الفتنة باقره كداء البطن تجرى بها الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور، فتسكن أحيانا فلا يدرى من اين تؤتى، تذر الحليم كابن أمس، شيموا سيوفكم و قصدوا رماحكم، و أرسلوا سهامكم، و اقطعوا أوتاركم، و الزموا بيوتكم خلوا قريشا- إذ أبوا الا الخروج من دار الهجره و فراق اهل العلم بالإمرة- ترتق فتقها، و تشعب صدعها، فان فعلت فلانفسها سعت، و ان أبت فعلى أنفسها منت سمنها تهريق في أديمها، استنصحونى و لا تستغشونى، و أطيعوني يسلم لكم دينكم و دنياكم، و يشقى بحر هذه الفتنة من جناها.

فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد الله بن قيس، رد الفرات عن دراجه، اردده من حيث يجي‏ء حتى يعود كما بدا، فان قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه ثم قرأ:

«الم. أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا» الى آخر الآيتين، سيروا الى امير المؤمنين و سيد المسلمين، و انفروا اليه اجمعين تصيبوا الحق.

فقام القعقاع بن عمرو فقال: انى لكم ناصح، و عليكم شفيق، أحب ان ترشدوا، و لأقولن لكم قولا هو الحق، اما ما قال الأمير فهو الأمر لو ان اليه سبيلا، و اما ما قال زيد فزيد في الأمر فلا تستنصحوه فانه لا ينتزع احد من الفتنة طعن فيها و جرى إليها، و القول الذى هو القول انه لا بد من اماره تنظم الناس و تزع الظالم و تعز المظلوم، و هذا على يلى بما ولى، و قد انصف في الدعاء و انما يدعو الى الإصلاح، فانفروا و كونوا من هذا الأمر بمراى و مسمع.

و قال سيحان: ايها الناس، انه لا بد لهذا الأمر و هؤلاء الناس من وال يدفع الظالم و يعز المظلوم و يجمع الناس، و هذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه و بين صاحبيه، و هو المأمون على الامه، الفقيه في الدين، فمن نهض اليه فانا سائرون معه و لان عمار بعد نزوته الاولى فلما فرغ سيحان من خطبته، تكلم عمار فقال: هذا ابن عم رسول الله(ص)يستنفركم‏

485

الى زوجه رسول الله(ص)و الى طلحه و الزبير، و انى اشهد انها زوجته في الدنيا و الآخرة، فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه، فقال رجل:

يا أبا اليقظان، لهو مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له فقال الحسن:

اكفف عنا يا عمار، فان للإصلاح أهلا.

و قام الحسن بن على، فقال: يا ايها الناس، أجيبوا دعوه اميركم، و سيروا الى إخوانكم، فانه سيوجد لهذا الأمر من ينفر اليه، و الله لان يليه أولو النهى امثل في العاجلة و خير في العاقبه، فأجيبوا دعوتنا و أعينونا على ما ابتلينا به و ابتليتم.

فسامح الناس و أجابوا و رضوا به و اتى قوم من طيّئ عديا فقالوا: ما ذا ترى و ما ذا تامر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس، فاخبر بقيام الحسن و كلام من تكلم، فقال: قد بايعنا هذا الرجل، و قد دعانا الى جميل، و الى هذا الحدث العظيم لننظر فيه، و نحن سائرون و ناظرون.

و قام هند بن عمرو، فقال: ان امير المؤمنين قد دعانا و ارسل إلينا رسله حتى جاءنا ابنه، فاسمعوا الى قوله، و انتهوا الى امره، و انفروا الى اميركم فانظروا معه في هذا الأمر و اعينوه برأيكم.

و قام حجر بن عدى، فقال: ايها الناس أجيبوا امير المؤمنين و انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا مروا، انا أولكم، و قام الاشتر فذكر الجاهلية و شدتها، و الاسلام و رخاءه، و ذكر عثمان رضى الله عنه فقام اليه المقطع بن الهيثم بن فجيع العامري ثم البكائى، فقال: اسكت قبحك الله! كلب خلى و النباح، فثار الناس فأجلسوه.

و قام المقطع، فقال: انا و الله لا نحتمل بعدها ان يبوء احد بذكر احد من ائمتنا، و ان عليا عندنا لمقنع، و الله لئن يكن هذا الضرب لا يرضى بعلى، فعض امرؤ على لسانه في مشاهدنا، فاقبلوا على ما احثاكم.

فقال الحسن: صدق الشيخ، و قال الحسن: ايها الناس، انى غاد فمن شاء منكم ان يخرج معى على الظهر، و من شاء فليخرج في الماء فنفر معه تسعه آلاف، فاخذ بعضهم البر، و أخذ بعضهم الماء و على كل سبع رجل، أخذ البر سته آلاف و مائتان، و أخذ الماء الفان و ثمانمائه و فيما ذكر نصر بن مزاحم العطار، عن عمر بن سعيد، عن اسد بن‏

486

عبد الله، عمن ادرك من اهل العلم: ان عبد خير الخيوانى قام الى ابى موسى فقال: يا أبا موسى، هل كان هذان الرجلان- يعنى طلحه و الزبير- ممن بايع عليا؟ قال: نعم، قال: هل احدث حدثا يحل به نقض بيعته؟

قال: لا ادرى، قال: لا دريت، فانا تاركوك حتى تدرى! يا أبا موسى هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة التي تزعم انها هي فتنه؟ انما بقي اربع فرق: على بظهر الكوفه، و طلحه و الزبير بالبصرة، و معاويه بالشام، و فرقه اخرى بالحجاز، لا يجبى بها في‏ء، و لا يقاتل بها عدو، فقال له ابو موسى:

أولئك خير الناس، و هي فتنه، فقال له عبد خير: يا أبا موسى، غلب عليك غشك.

قال: و قد كان الاشتر قام الى على فقال: يا امير المؤمنين، انى قد بعثت الى اهل الكوفه رجلا قبل هذين فلم أره احكم شيئا و لا قدر عليه، و هذان اخلق من بعثت ان ينشب بهم الأمر على ما تحب، و لست ادرى ما يكون، فان رايت- اكرمك الله- يا امير المؤمنين ان تبعثني في أثرهم، فان اهل المصر احسن شي‏ء لي طاعه، و ان قدمت عليهم رجوت الا يخالفني منهم احد.

فقال له على: الحق بهم، فاقبل الاشتر حتى دخل الكوفه و قد اجتمع الناس في المسجد الأعظم، فجعل لا يمر بقبيله يرى فيها جماعه في مجلس او مسجد الا دعاهم و يقول: اتبعونى الى القصر، فانتهى الى القصر في جماعه من الناس، فاقتحم القصر فدخله و ابو موسى قائم في المسجد يخطب الناس و يثبطهم، يقول: ايها الناس، ان هذه فتنه عمياء صماء تطأ خطامها، النائم فيها خير من القاعد، و القاعد فيها خير من القائم، و القائم فيها خير من الماشي، و الماشي فيها خير من الساعى، و الساعى فيها خير من الراكب، انها فتنه باقره كداء البطن، أتتكم من قبل مامنكم، تدع الحليم فيها حيران كابن أمس.

انا معاشر اصحاب محمد(ص)اعلم بالفتنة، انها إذا اقبلت شبهت و إذا ادبرت اسفرت و عمار يخاطبه و الحسن يقول له: اعتزل عملنا لا أم لك! و تنح عن منبرنا و قال له عمار: أنت سمعت هذا من رسول الله ص‏

487

؟ فقال ابو موسى: هذه يدي بما قلت، فقال له عمار: انما قال لك رسول الله(ص)هذا خاصه، فقال: أنت فيها قاعدا خير منك قائما، ثم قال عمار: غلب الله من غالبه و جاحده.

قال نصر بن مزاحم: حدثنا عمر بن سعيد، قال: حدثنى رجل، عن نعيم، عن ابى مريم الثقفى، قال: و الله انى لفي المسجد يومئذ و عمار يخاطب أبا موسى و يقول له ذلك القول، إذ خرج علينا غلمان لأبي موسى يشتدون ينادون: يا أبا موسى، هذا الاشتر قد دخل القصر فضربنا و أخرجنا، فنزل ابو موسى، فدخل القصر، فصاح به الاشتر: اخرج من قصرنا لا أم لك! اخرج الله نفسك، فو الله انك لمن المنافقين قديما، قال: أجلني هذه العشية، فقال: هي لك، و لا تبيتن في القصر الليلة و دخل الناس ينتهبون متاع ابى موسى، فمنعهم الاشتر و اخرجهم من القصر، و قال: انى قد اخرجته، فكف الناس عنه‏

نزول امير المؤمنين ذا قار

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبى، قال: لما التقوا بذى قار تلقاهم على في اناس، فيهم ابن عباس فرحب بهم، و قال: يا اهل الكوفه، أنتم وليتم شوكه العجم و ملوكهم، و فضضتم جموعهم، حتى صارت إليكم مواريثهم، فاغنيتم حوزتكم، و اعنتم الناس على عدوهم، و قد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من اهل البصره، فان يرجعوا فذاك ما نريد و ان يلجوا داويناهم بالرفق، و بايناهم حتى يبدءونا بظلم، و لن ندع امرا فيه صلاح الا آثرناه على ما فيه الفساد ان شاء الله، و لا قوه الا بالله.

فاجتمع بذى قار سبعه آلاف و مائتان، و عبد القيس بأسرها في الطريق بين على و اهل البصره ينتظرون مرور على بهم، و هم آلاف- و في الماء الفان و أربعمائة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه باسنادهما، قالا: لما نزل على ذا قار ارسل ابن عباس و الاشتر بعد محمد بن ابى بكر و محمد

488

ابن جعفر، و ارسل الحسن بن على و عمارا بعد ابن عباس و الاشتر، فخف في ذلك الأمر جميع من كان نفر فيه، و لم يقدم فيه الوجوه اتباعهم فكانوا خمسه آلاف أخذ نصفهم في البر و نصفهم في البحر، و خف من لم ينفر فيها و لم يعمل لها و كان على طاعته ملازما للجماعة فكانوا اربعه آلاف، فكان رؤساء الجماعه: القعقاع بن عمرو و سعر بن مالك و هند بن عمرو و الهيثم ابن شهاب، و كان رؤساء النفار: زيد بن صوحان، و الاشتر مالك بن الحارث، و عدى بن حاتم، و المسيب بن نجبه، و يزيد بن قيس و معهم اتباعهم و امثال لهم ليسوا دونهم الا انهم لم يؤمروا، منهم حجر بن عدى و ابن محدوج البكرى، و اشباه لهما لم يكن في اهل الكوفه احد على ذلك الرأي غيرهم فبادروا في الوقعه الا قليلا، فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله الى اهل البصره و قال له: الق هذين الرجلين يا بن الحنظلية- و كان القعقاع من اصحاب النبي ص- فادعهما الى الألفة و الجماعه، و عظم عليهما الفرقة، و قال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاه منى؟ فقال: نلقاهم بالذي امرت به، فإذا جاء منهما امر ليس عندنا منك فيه راى اجتهدنا الرأي و كلمناهم على قدر ما نسمع و نرى انه ينبغى.

قال: أنت لها فخرج القعقاع حتى قدم البصره، فبدا بعائشة رضى الله عنها فسلم عليها، و قال: اى أمه، ما اشخصك و ما اقدمك هذه البلده؟ قالت:

اى بنى، اصلاح بين الناس، قال: فابعثى الى طلحه و الزبير حتى تسمعي كلامي و كلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: انى سالت أم المؤمنين:

ما أشخصها و اقدمها هذه البلاد؟ فقالت: اصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟

ا متابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فاخبرانى ما وجه هذا الإصلاح؟ فو الله لئن عرفنا لنصلحن، و لئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتله عثمان رضى الله عنه، فان هذا ان ترك كان تركا للقرآن، و ان عمل به كان احياء للقرآن.

فقال: قد قتلتما قتله عثمان من اهل البصره، و أنتم قبل قتلهم اقرب الى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائه الا رجلا، فغضب لهم سته آلاف، و اعتزلوكم‏

489

و خرجوا من بين أظهركم، و طلبتم ذلك الذى افلت- يعنى حرقوص بن زهير- فمنعه سته آلاف و هم على رجل، فان تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، و ان قاتلتموهم و الذين اعتزلوكم فاديلوا عليكم فالذي حذرتم و قربتم به هذا الأمر اعظم مما أراكم تكرهون، و أنتم احميتم مضر و ربيعه من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم و خذلانكم نصره لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم و الذنب الكبير فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت ما ذا؟ قال: اقول هذا الأمر دواؤه التسكين، و إذا سكن اختلجوا، فان أنتم بايعتمونا فعلامه خير و تباشير رحمه و درك بثار هذا الرجل، و عافيه و سلامه لهذه الامه، و ان أنتم ابيتم الا مكابرة هذا الأمر و اعتسافه، كانت علامه شر، و ذهاب هذا الثار، و بعثه الله في هذه الامه هزاهزها، فآثروا العافيه ترزقوها، و كونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون، و لا تعرضونا للبلاء و لا تعرضوا له فيصرعنا و إياكم.

و ايم الله انى لأقول هذا و ادعوكم اليه و انى لخائف الا يتم حتى يأخذ الله عز و جل حاجته من هذه الامه التي قل متاعها و نزل بها ما نزل، فان هذا الأمر الذى حدث امر ليس يقدر، و ليس كالأمور، و لا كقتل الرجل الرجل، و لا النفر الرجل، و لا القبيلة الرجل.

فقالوا: نعم، إذا قد احسنت و اصبت المقاله، فارجع فان قدم على و هو على مثل رأيك صلح هذا الأمر فرجع الى على فاخبره فاعجبه ذلك، و اشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، و رضيه من رضيه.

و اقبلت وفود البصره نحو على حين نزل بذى قار، فجاءت وفود تميم و بكر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما راى إخوانهم من اهل الكوفه، و على اى حال نهضوا اليهم، و ليعلموهم ان الذى عليه رأيهم الإصلاح، و لا يخطر لهم قتال على بال فلما لقوا عشائرهم من اهل الكوفه بالذي بعثهم فيه عشائرهم من اهل البصره و قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، و أدخلوهم على على فاخبروه خبرهم، سال على جرير بن شرس عن طلحه و الزبير، فاخبره عن‏

490

دقيق امرهما و جليله حتى تمثل له:

ا لا ابلغ بنى بكر رسولا* * * فليس الى بنى كعب سبيل‏

سيرجع ظلمكم منكم عليكم* * * طويل الساعدين له فضول‏

و تمثل على عندها:

ا لم تعلم أبا سمعان انا* * * نرد الشيخ مثلك ذا الصداع!

و يذهل عقله بالحرب حتى* * * يقوم فيستجيب لغير داع‏

فدافع عن خزاعة جمع بكر* * * و ما بك يا سراقه من دفاع‏

قال ابو جعفر: اخرج الى زياد بن أيوب كتابا فيه احاديث عن شيوخ ذكر انه سمعها منهم، قرأ على بعضها و لم يقرا على بعضها، فمما لم يقرا على من ذلك فكتبته منه، قال: حدثنا مصعب بن سلام التميمى، قال: حدثنا محمد بن سوقه، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن ابيه، قال: رايت فيما يرى النائم في زمان عثمان بن عفان ان رجلا يلى امور الناس مريضا على فراشه و عند راسه امراه، و الناس يريدونه و يبهشون اليه، فلو نهتهم المرأة لانتهوا، و لكنها لم تفعل، فاخذوه فقتلوه فكنت أقص رؤياى على الناس في الحضر و السفر، فيعجبون و لا يدرون ما تأويلها! فلما قتل عثمان رضى الله عنه أتانا الخبر و نحن راجعون من غزاتنا، فقال أصحابنا: رؤياك يا كليب.

فانتهينا الى البصره فلم نلبث الا قليلا حتى قيل: هذا طلحه و الزبير معهما أم المؤمنين، فراع ذلك الناس و تعجبوا، فإذا هم يزعمون للناس انهم انما خرجوا غضبا لعثمان و توبه مما صنعوا من خذلانه، و ان أم المؤمنين تقول: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث: اماره الفتى، و موقع الغمامه، و ضربه السوط و العصا، فما انصفنا ان لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها اليه: حرمه الشهر، و البلد، و الدم فقال الناس: ا فلم تبايعوا عليا و تدخلوا في امره! فقالوا: دخلنا

491

و اللج على أعناقنا و قيل هذا على قد اظلكم، فقال قومنا لي و لرجلين معى: انطلقوا حتى تأتوا عليا و اصحابه فسلوهم عن هذا الأمر الذى قد اختلط علينا، فخرجنا حتى إذا دنونا من العسكر طلع علينا رجل جميل على بغله، فقلت لصاحبي: ا رايتم المرأة التي كنت احدثكم عنها انها كانت عند راس الوالي؟ فإنها اشبه الناس بهذا، ففطن انا نخوض فيه، فلما انتهى إلينا قال: قفوا، ما الذى قلتم حين رأيتموني؟ فأبينا عليه، فصاح بنا و قال:

و الله لا تبرحون حتى تخبرونى، فدخلتنا منه هيبة، فأخبرناه فجاوزنا و هو يقول:

و الله لقد رايت عجبا، فقلنا لأدنى اهل العسكر إلينا: من هذا؟ فقال:

محمد بن ابى بكر، فعرفنا ان تلك المرأة عائشة رضى الله عنها، فازددنا لأمرها كراهية، و انتهينا الى على فسلمنا عليه، ثم سالناه عن هذا الأمر، فقال:

[عدا الناس على هذا الرجل و انا معتزل فقتلوه، ثم ولونى و انا كاره و لو لا خشيه على الدين لم اجبهم، ثم طفق هذان في النكث فأخذت عليهما و أخذت عهودهما عند ذلك، و أذنت لهما في العمره، فقدما على أمهما حليله رسول الله(ص)فرضيا لها ما رغبا لنسائهما عنه، و عرضاها لما لا يحل لهما و لا يصلح، فاتبعتهما لكيلا يفتقوا في الاسلام فتقا، و لا يخرقوا جماعه‏].

ثم قال اصحابه: و الله ما نريد قتالهم الا ان يقاتلوا و ما خرجنا الا لاصلاح فصاح بنا اصحاب على: بايعوا بايعوا، فبايع صاحبي، و اما انا فامسكت و قلت: بعثني قومى لامر، فلا احدث شيئا حتى ارجع اليهم فقال على:

فان لم يفعلوا؟ فقلت: لم افعل، فقال: ا رايت لو انهم بعثوك رائدا فرجعت اليهم، فاخبرتهم عن الكلا و الماء فحالوا الى المعاطش و الجدوبه ما كنت صانعا؟

قال: قلت: كنت تاركهم و مخالفهم الى الكلا و الماء، قال: فمد يدك، فو الله ما استطعت ان امتنع، فبسطت يدي فبايعته و كان يقول: على من ادهى العرب و قال: ما سمعت من طلحه و الزبير؟ فقلت: اما الزبير فانه يقول: بايعنا كرها، و اما طلحه فمقبل على ان يتمثل الاشعار، و يقول:

492

الا ابلغ بنى بكر رسولا* * * فليس الى بنى كعب سبيل‏

سيرجع ظلمكم منكم عليكم* * * طويل الساعدين له فضول‏

فقال: ليس كذلك، و لكن:

ا لم تعلم أبا سمعان انا* * * نصم الشيخ مثلك ذا الصداع‏

و يذهل عقله بالحرب حتى* * * يقوم فيستجيب لغير داع‏

ثم سار حتى نزل الى جانب البصره، و قد خندق طليحة و الزبير، فقال لنا أصحابنا من اهل البصره: ما سمعتم إخواننا من اهل الكوفه يريدون و يقولون؟

فقلنا: يقولون خرجنا للصلح و ما نريد قتالا، فبينا هم على ذلك لا يحدثون انفسهم بغيره، إذ خرج صبيان العسكرين فتسابوا ثم تراموا، ثم تتابع عبيد العسكرين، ثم ثلث السفهاء، و نشبت الحرب، و الجاتهم الى الخندق، فاقتتلوا عليه حتى اجلوا الى موضع القتال، فدخل منه اصحاب على و خرج الآخرون.

[و نادى على: الا لا تتبعوا مدبرا، و لا تجهزوا على جريح، و لا تدخلوا الدور، و نهى الناس، ثم بعث اليهم ان اخرجوا للبيعه، فبايعهم على الرايات و قال:

من عرف شيئا فليأخذه، حتى ما بقي في العسكرين شي‏ء الا قبض،] فانتهى اليه قوم من قيس شباب، فخطب خطيبهم، فقال: اين امراؤكم؟ فقال الخطيب: أصيبوا تحت نظار الجمل، ثم أخذ في خطبته، فقال على:

اما ان هذا لهو الخطيب السحسح و فرغ من البيعه، و استعمل عبد الله ابن عباس و هو يريد ان يقيم حتى يحكم امرها، فأمرني الاشتر ان اشترى له اثمن بعير بالبصرة ففعلت، فقال: ائت به عائشة، و اقرئها منى السلام، ففعلت، فدعت عليه و قالت: اردده عليه، فابلغته، فقال: تلومني عائشة ان افلت ابن أختها! و أتاه الخبر باستعمال على ابن عباس فغضب و قال: علام قتلنا الشيخ! إذ اليمن لعبيد الله، و الحجاز لقثم، و البصره لعبد الله، و الكوفه لعلى ثم دعا بدابته فركب راجعا و بلغ ذلك عليا فنادى: الرحيل،

493

ثم أجد السير فلحق به فلم يره انه قد بلغه عنه و قال: ما هذا السير؟ سبقتنا! و خشي ان ترك و الخروج ان يوقع في انفس الناس شرا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: لما جاءت وفود اهل البصره الى اهل الكوفه و رجع القعقاع من عند أم المؤمنين و طلحه و الزبير بمثل رأيهم، جمع على الناس، ثم قام على الغرائر، فحمد الله عز و جل و اثنى عليه و صلى على النبي(ص)و ذكر الجاهلية و شقاءها و الاسلام و السعادة و انعام الله على الامه بالجماعة بالخليفه بعد رسول الله ص، ثم الذى يليه، ثم حدث هذا الحدث الذى جره على هذه الامه اقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة، و أرادوا رد الأشياء على ادبارها، و الله بالغ امره، و مصيب ما اراد الا و انى راحل غدا فارتحلوا، الا و لا يرتحلن غدا احد اعان على عثمان بشي‏ء في شي‏ء من امور الناس، و ليغن السفهاء عنى انفسهم.

فاجتمع نفر، منهم علباء بن الهيثم، و عدى بن حاتم، و سالم بن ثعلبه العبسى، و شريح بن اوفى بن ضبيعه، و الاشتر، في عده ممن سار الى عثمان.

و رضى بسير من سار، و جاء معهم المصريون: ابن السوداء و خالد بن ملجم و تشاوروا، فقالوا: ما الرأي؟ و هذا و الله على، و هو ابصر الناس بكتاب الله و اقرب ممن يطلب قتله عثمان و اقربهم الى العمل بذلك، و هو يقول ما يقول، و لم ينفر اليه الا هم و القليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم و شاموه، و إذا رأوا قلتنا في كثرتهم! أنتم و الله ترادون، و ما أنتم بانجى من شي‏ء فقال الاشتر: اما طلحه و الزبير فقد عرفنا امرهما، و اما على فلم نعرف امره حتى كان اليوم، و راى الناس فينا و الله واحد، و ان يصطلحوا و على فعلى دمائنا، فهلموا فلنتواثب على على فنلحقه بعثمان، فتعود فتنه يرضى منا فيها بالسكون‏

494

فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرأي رايت! أنتم يا قتله عثمان من اهل الكوفه بذى قار الفان و خمسمائة او نحو من ستمائه، و هذا ابن الحنظلية و اصحابه في خمسه آلاف بالاشواق الى ان يجدوا الى قتالكم سبيلا، فارقا على ظلعك.

و قال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم و دعوهم، فان قلوا كان اقوى لعدوهم عليهم، و ان كثروا كان احرى ان يصطلحوا عليكم، دعوهم و ارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان حتى ياتيكم فيه من تتقون به، و امتنعوا من الناس.

فقال ابن السوداء: بئس ما رايت! ود و الله الناس انكم على جديله، و لم تكونوا مع اقوام برآء، و لو كان ذلك الذى تقول لتخطفكم كل شي‏ء.

فقال عدى بن حاتم: و الله ما رضيت و لا كرهت، و لقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث، فاما إذ وقع ما وقع و نزل من الناس بهذه المنزله، فان لنا عتادا من خيول و سلاح محمودا، فان اقدمتم أقدمنا و ان امسكتم احجمنا فقال ابن السوداء: احسنت! و قال سالم بن ثعلبه: من كان اراد بما اتى الدنيا فانى لم ارد ذلك، و الله لئن لقيتهم غدا لا ارجع الى بيتى، و لئن طال بقائى إذا انا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور و احلف بالله انكم لتفرقون السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم الا الى السيف فقال ابن السوداء: قد قال قولا.

و قال شريح بن اوفى: أبرموا أموركم قبل ان تخرجوا، و لا تؤخروا امرا ينبغى لكم تعجيله، و لا تعجلوا امرا ينبغى لكم تاخيره، فانا عند الناس بشر المنازل، فلا ادرى ما الناس صانعون غدا إذا ما هم التقوا! و تكلم ابن السوداء فقال: يا قوم، ان عزكم في خلطه الناس، فصانعوهم، و إذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال، و لا تفرغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدا من ان يمتنع، و يشغل الله عليا و طلحه و الزبير و من راى رأيهم عما تكرهون فابصروا الرأي، و تفرقوا عليه و الناس لا يشعرون.

و اصبح على على ظهر، فمضى و مضى الناس حتى إذا انتهى الى عبد القيس نزل بهم و بمن خرج من اهل الكوفه و هم امام ذلك، ثم ارتحل‏

495

حتى نزل على اهل الكوفه و هم امام ذلك، و الناس متلاحقون به و قد قطعهم، و لما بلغ اهل البصره رأيهم و نزل على بحيث نزل، قام ابو الجرباء الى الزبير ابن العوام فقال: ان الرأي ان تبعث الان الف فارس فيمسوا هذا الرجل و يصبحوه قبل ان يوافى اصحابه، فقال الزبير: يا أبا الجرباء، انا لنعرف امور الحرب، و لكنهم اهل دعوتنا، و هذا امر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم، هذا امر من لم يلق الله عز و جل فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامه، و مع ذلك انه قد فارقنا وافدهم على امر، و انا أرجو ان يتم لنا الصلح، فابشروا و اصبروا و اقبل صبره بن شيمان فقال: يا طلحه، يا زبير، انتهز ابنا هذا الرجل فان الرأي في الحرب خير من الشده فقالا: يا صبره انا و هم مسلمون، و هذا امر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن، او يكون فيه من رسول الله(ص)سنه، انما هو حدث و قد زعم قوم انه لا ينبغى تحريكه اليوم.

و هم على و من معه، فقلنا: نحن لا ينبغى لنا ان نتركه اليوم و لا نؤخره فقال على: هذا الذى ندعوكم اليه من اقرار هؤلاء القوم شر و هو خير من شر منه، و هو كأمر لا يدرك، و قد كاد ان يبين لنا، و قد جاءت الأحكام بين المسلمين بايثار أعمها منفعه و أحوطها و اقبل كعب بن سور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد توردكم اوائلهم! اقطعوا هذا العنق من هؤلاء فقالوا: يا كعب، ان هذا امر بيننا و بين إخواننا، و هو امر ملتبس، لا و الله ما أخذ اصحاب محمد(ص)مذ بعث الله عز و جل نبيه طريقا الا علموا اين مواقع اقدامهم، حتى حدث هذا فإنهم لا يدرون ا مقبلون هم أم مدبرون! ان الشي‏ء يحسن عندنا اليوم و يقبح عند إخواننا، فإذا كان من الغد قبح عندنا و حسن عندهم، و انا لنحتج عليهم بالحجه فلا يرونها حجه، ثم يحتجون بها على أمثالها، و نحن نرجو الصلح ان أجابوا اليه و تموا، و الا فان آخر الدواء الكي.

و قام الى على بن ابى طالب اقوام من اهل الكوفه يسالونه عن اقدامهم على القوم، فقام اليه فيمن قام الأعور بن بنان المنقرى، فقال له على: على الإصلاح و إطفاء النائرة، لعل الله يجمع شمل هذه الامه بنا و يضع حربهم، و قد أجابوني، قال: فان لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فان‏

496

لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم و قام اليه ابو سلامه الدالاني فقال: ا ترى لهؤلاء القوم حجه فيما طلبوا من هذا الدم، ان كانوا أرادوا الله عز و جل بذلك؟ قال: نعم، قال: فترى لك حجه بتاخيرك ذلك؟ قال: نعم، ان الشي‏ء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه احوطه و اعمه نفعا، قال: فما حالنا و حالكم ان ابتلينا غدا؟ قال: انى لأرجو الا يقتل احد نقى قلبه لله منا و منهم الا ادخله الله الجنه.

و قام اليه مالك بن حبيب، فقال: ما أنت صانع إذا لقيت هؤلاء القوم؟

قال: قد بان لنا و لهم ان الإصلاح الكف عن هذا الأمر، فان بايعونا فذلك، فان أبوا و أبينا الا القتال فصدع لا يلتئم، قال: فان ابتلينا فما بال قتلانا؟

قال: من اراد الله عز و جل نفعه ذلك و كان نجاءه و قام على، فخطب الناس فحمد الله و اثنى عليه و قال: يا ايها الناس، املكوا انفسكم، كفوا ايديكم و السنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم، و اصبروا على ما ياتيكم، و إياكم ان تسبقونا فان المخصوم غدا من خصم اليوم.

ثم ارتحل و اقدم و دفع تعبيته التي قدم فيها حتى إذا اطل على القوم بعث اليهم حكيم بن سلامه و مالك بن حبيب: ان كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع ابن عمرو فكفوا و اقرونا ننزل و ننظر في هذا الأمر.

فخرج اليه الأحنف بن قيس و بنو سعد مشمرين، قد منعوا حرقوص ابن زهير، و لا يرون القتال مع على بن ابى طالب فقال: يا على، ان قومنا بالبصرة يزعمون انك ان ظهرت عليهم غدا انك تقتل رجالهم و تسبى نساءهم.

[فقال: ما مثلي يخاف هذا منه، و هل يحل هذا الا ممن تولى و كفر، ا لم تسمع الى قول الله عز و جل: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَ كَفَرَ»، و هم قوم مسلمون!] هل أنت مغن عنى قومك؟ قال: نعم،

497

و اختر منى واحده من ثنتين، اما ان أكون آتيك فأكون معك بنفسي، و اما ان اكف عنك عشره آلاف سيف فرجع الى الناس فدعاهم الى القعود و قد بدا فقال: يال خندف، فأجابه ناس، ثم نادى يال تميم! فأجابه ناس، ثم نادى: يال سعد، فلم يبق سعدى الا اجابه، فاعتزل بهم، ثم نظر ما يصنع الناس، فلما وقع القتال و ظفر على جاءوا وافرين، فدخلوا فيما دخل فيه الناس.

و اما الذى يرويه المحدثون من امر الأحنف، فغير ما رواه سيف عمن ذكر من شيوخه و الذى يرويه المحدثون من ذلك ما حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن ادريس، قال: سمعت حصينا يذكر عن عمرو بن جاوان، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينة و نحن نريد الحج، فانا لبمنازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت فقال: قد فزعوا و قد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد، و إذا على و الزبير و طلحه و سعد بن ابى وقاص، و انا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان، فقيل: هذا عثمان قد جاء و عليه مليئه له صفراء قد قنع بها راسه، فقال:

ا هاهنا على؟ قالوا: نعم، قال: ا هاهنا الزبير؟ قالوا: نعم، قال: ا هاهنا طلحه؟ قالوا: نعم، قال أنشدكم بالله الذى لا اله الا هو، [ا تعلمون ان رسول الله(ص)قال: من يبتع مربد بنى فلان غفر الله له، فابتعته بعشرين او بخمسه و عشرين ألفا، فأتيت النبي(ص)فقلت: يا رسول الله، قد ابتعته، قال: اجعله في مسجدنا و اجره لك!] قالوا: اللهم نعم، و ذكر أشياء من هذا النوع قال الأحنف:

فلقيت طلحه و الزبير فقلت: من تامرانى به و ترضيانه لي؟ فانى لا ارى هذا الرجل الا مقتولا، قالا: على؟ قلت: ا تامرانى به و ترضيانه لي؟ قالا: نعم، فانطلقت حتى قدمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان رضى الله عنه و بها عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، فلقيتها فقلت: من تامرينى ان ابايع؟ قالت: على، قلت: تامريننى به و ترضينه‏

498

لي؟ قالت: نعم، فمررت على على بالمدينة فبايعته، ثم رجعت الى اهلى بالبصرة و لا ارى الأمر الا قد استقام، قال: فبينا انا كذلك، إذ آتاني آت فقال: هذه عائشة و طلحه و الزبير قد نزلوا جانب الخريبة، فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دم عثمان رضى الله عنه، فأتاني افظع امر أتاني قط! فقلت: ان خذلاني هؤلاء و معهم أم المؤمنين و حوارى رسول الله(ص)لشديد، و ان قتالى رجلا ابن عم رسول الله(ص)قد أمروني ببيعته لشديد فلما أتيتهم قالوا:

جئنا لنستنصر على دم عثمان رضى الله عنه، قتل مظلوما، فقلت: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله ا قلت لك: من تامرينى به؟ فقلت: على؟ فقلت: ا تامريننى به و ترضينه لي؟ قلت نعم! قالت: نعم، و لكنه بدل فقلت: يا زبير يا حوارى رسول الله ص، يا طلحه، أنشدكما الله، ا قلت لكما: ما تامرانى فقلتما: على؟ فقلت: ا تامرانى به و ترضيانه لي؟ فقلتما نعم! قالا: نعم، و لكنه بدل، فقلت: و الله لا اقاتلكم و معكم أم المؤمنين و حوارى رسول الله(ص)و لا اقاتل رجلا ابن عم رسول الله ص، أمرتموني ببيعته، اختاروا منى واحده من ثلاث خصال: اما ان تفتحوا لي الجسر فالحق بأرض الأعاجم حتى يقضى الله عز و جل من امره ما قضى، او الحق بمكة فأكون فيها حتى يقضى الله عز و جل من امره ما قضى، او اعتزل فأكون قريبا.

قالوا: انا ناتمر، ثم نرسل إليك فائتمروا فقالوا: نفتح له الجسر و يخبرهم بأخباركم! ليس ذاكم براى، اجعلوه هاهنا قريبا حيث تطئون على صماخه و تنظرون اليه فاعتزل بالجلحاء من البصره على فرسخين، فاعتزل معه زهاء على سته آلاف.

ثم التقى القوم فكان أول قتيل طلحه رضى الله عنه، و كعب بن سور معه المصحف يذكر هؤلاء و هؤلاء، حتى قتل من قتل منهم، و لحق الزبير بسفوان، من البصره كمكان القادسية منكم، فلقيه النعر، رجل من مجاشع، فقال: اين تذهب يا حوارى رسول الله ص؟ الى فأنت في ذمتي لا يوصل إليك، فاقبل معه، فاتى الأحنف خبره فقيل: ذاك الزبير قد لقى‏

499

بسفوان فما تامر؟ قال: جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثم يلحق ببيته، فسمعه عمير بن جرموز و فضالة بن حابس، و نفيع، فركبوا في طلبه، فلقوه مع النعر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه و هو على فرس له ضعيفه، فطعنه طعنه خفيفه، و حمل عليه الزبير و هو على فرس له يقال له ذو الخمار، حتى إذا ظن انه قاتله نادى عمير بن جرموز: يا نافع، يا فضالة، فحملوا عليه فقتلوه.

حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: معتمر بن سليمان، قال: نبانى ابى، عن حصين، قال: حدثنا عمرو بن جاوان، رجل من بنى تميم، و ذاك انى قلت له: ا رايت اعتزال الأحنف ما كان؟ فقال: سمعت الأحنف يقول: اتيت المدينة و انا حاج، فذكر نحوه الحمد لله على ما قضى و حكم‏

. بعثه على بن ابى طالب من ذي قار ابنه الحسن و عمار بن ياسر ليستنفرا له اهل الكوفه‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا بشير ابن عاصم، عن ابن ابى ليلى، عن ابيه، قال: خرج هاشم بن عتبة الى على بالربذة، فاخبره بقدوم محمد بن ابى بكر و قول ابى موسى، فقال: لقد اردت عزله، و سألني الاشتر ان اقره فرد على هاشما الى الكوفه و كتب الى ابى موسى:

انى وجهت هاشم بن عتبة لينهض من قبلك من المسلمين الى، فاشخص الناس فانى لم اولك الذى أنت به الا لتكون من أعواني على الحق فدعا ابو موسى السائب بن مالك الأشعري، فقال له: ما ترى؟ قال: ارى ان تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنى لا ارى ذلك فكتب هاشم الى على:

انى قد قدمت على رجل غال مشاق ظاهر الغل و الشنان و بعث بالكتاب مع المحل بن خليفه الطائي فبعث على الحسن بن على و عمار بن ياسر يستنفران له الناس، و بعث قرظه بن كعب الأنصاري أميرا على الكوفه،

500

و كتب معه: الى ابى موسى: اما بعد، فقد كنت ارى ان بعدك من هذا الأمر الذى لم يجعل الله عز و جل لك منه نصيبا سيمنعك من رد امرى، و قد بعثت الحسن بن على و عمار بن ياسر يستنفران الناس، و بعثت قرظه بن كعب واليا على المصر، فاعتزل عملنا مذموما مدحورا، فان لم تفعل فانى قد امرته ان ينابذك، فان نابذته فظفر بك ان يقطعك آرابا.

فلما قدم الكتاب على ابى موسى اعتزل، و دخل الحسن و عمار المسجد فقالا: ايها الناس، [ان امير المؤمنين يقول: انى خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما، و انى اذكر الله عز و جل رجلا رعى لله حقا الا نفر، فان كنت مظلوما أعانني، و ان كنت ظالما أخذ منى، و الله ان طلحه و الزبير لاول من بايعنى، و أول من غدر، فهل استأثرت بمال، او بدلت حكما! فانفروا، فمروا بمعروف و انهوا عن منكر].

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو مخنف، عن جابر، عن الشعبى، عن ابى الطفيل، قال: قال على: ياتيكم من الكوفه اثنا عشر الف رجل و رجل، فقعدت على نجفه ذي قار، فاحصيتهم فما زادوا رجلا، و لا نقصوا رجلا.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن ابن ابى ليلى، عن ابيه، قال: خرج الى على اثنا عشر الف رجل، و هم اسباع:

على قريش و كنانه و اسد و تميم و الرباب و مزينه معقل بن يسار الرياحي، و سبع قيس عليهم سعد بن مسعود الثقفى، و سبع بكر بن وائل و تغلب عليهم وعله بن مخدوج الذهلي، و سبع مذحج و الاشعرين عليهم حجر ابن عدى، و سبع بجيله و انمار و خثعم و الأزد عليهم مخنف بن سليم الأزدي.

نزول على الزاوية من البصره‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، عن مسلمه بن محارب، عن قتادة، قال: نزل على الزاوية و اقام أياما، فأرسل اليه الأحنف: ان‏

501

شئت اتيتك، و ان شئت كففت عنك اربعه آلاف سيف، فأرسل اليه على: كيف بما اعطيت أصحابك من الاعتزال! قال: ان من الوفاء لله عز و جل قتالهم، فأرسل اليه: كف من قدرت على كفه ثم سار على من الزاوية، و سار طلحه و الزبير و عائشة من الفرضه، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله- او عبد الله- بن زياد، فلما نزل الناس ارسل شقيق بن ثور الى عمرو بن مرحوم العبدى: ان اخرج، فإذا خرجت فمل بنا الى عسكر على فخرجا في عبد القيس و بكر بن وائل، فعدلوا الى عسكر امير المؤمنين، فقال الناس: من كان هؤلاء معه غلب، و دفع شقيق بن ثور رايتهم الى مولى له يقال له: رشراشه، فأرسل اليه وعله بن محدوج الذهلي:

ضاعت الاحساب، دفعت مكرمه قومك الى رشراشه، فأرسل شقيق: ان اغن شانك، فانا نغني شأننا فأقاموا ثلاثة ايام لم يكن بينهم قتال، يرسل اليهم على، و يكلمهم و يردعهم.

حدثنا عمر، قال: حدثنا ابو بكر الهذلي، عن قتادة، قال: سار على من الزاوية يريد طلحه و الزبير و عائشة، و ساروا من الفرضه يريدون عليا، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنه ست و ثلاثين يوم الخميس، فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل لعلى: هذا الزبير، قال: اما انه احرى الرجلين ان ذكر بالله ان يذكره، و خرج طلحه، فخرج إليهما على، فدنا منهما حتى اختلفت اعناق دوابهم، [فقال على: لعمري لقد اعددتما سلاحا و خيلا و رجالا، ان كنتما اعددتما عند الله عذرا فاتقيا الله سبحانه، و لا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ا لم أكن اخاكما في دينكما، تحرمان دمى و احرم دماءكما! فهل من حدث أحل لكما دمى؟ قال:

طلحه: البت الناس على عثمان رضى الله عنه، قال على: «يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ‏»، يا طلحه، تطلب‏

502

بدم عثمان رضى الله عنه! فلعن الله قتله عثمان‏] [يا زبير، ا تذكر يوم مررت مع رسول الله(ص)في بنى غنم، فنظر الى فضحك و ضحكت اليه، فقلت: لا يدع ابن ابى طالب زهوه، فقال لك رسول الله ص: صه، انه ليس به زهو، و لتقاتلنه و أنت له ظالم؟] فقال: اللهم نعم، و لو ذكرت ما سرت مسيرى هذا، و الله لا اقاتلك ابدا.

فانصرف على الى اصحابه، فقال: اما الزبير فقد اعطى الله عهدا الا يقاتلكم، و رجع الزبير الى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت الا و انا اعرف فيه امرى غير موطني هذا، قالت: فما تريد ان تصنع؟

قال: اريد ان ادعهم و اذهب، فقال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين الغارين، حتى إذا حدد بعضهم لبعض اردت ان تتركهم و تذهب! احسست رايات ابن ابى طالب، و علمت انها تحملها فتية انجاد، قال: انى قد حلفت الا اقاتله، و احفظه ما قال له، فقال: كفر عن يمينك، و قاتله، فدعا بغلام له يقال له مكحول، فاعتقه، فقال عبد الرحمن بن سليمان التيمى:

لم أر كاليوم أخا اخوان* * * اعجب من مكفر الايمان‏

بالعتق في معصية الرحمن

.

و قال رجل من شعرائهم:

يعتق مكحولا لصون دينه* * * كفاره لله عن يمينه.

و النكث قد لاح على جبينه

رجع الحديث الى حديث سيف عن محمد و طلحه: فأرسل عمران ابن حصين في الناس يخذل من الفريقين جميعا، كما صنع‏

503

الأحنف، و ارسل الى بنى عدى فيمن ارسل، فاقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: الا ان أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام، و يقول لكم: و الله لان أكون في جبل حضن مع اعنز خضر و ضان، اجز أصوافها، و اشرب ألبانها، أحب الى من ان ارمى في شي‏ء من هذين الصفين بسهم، فقالت بنو عدى جميعا بصوت واحد: انا و الله لا ندع ثقل رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لشي‏ء- يعنون أم المؤمنين.

حدثنا عمرو بن على، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا ابو نعامة العدوى، عن حجير بن الربيع، قال: قال لي عمران بن حصين:

سر الى قومك اجمع ما يكونون، فقم فيهم قائما، فقل: أرسلني إليكم عمران ابن حصين صاحب رسول الله ص، يقرا عليكم السلام و (رحمه الله)، و يحلف بالله الذى لا اله الا هو، لان يكون عبدا حبشيا مجدعا يرعى أعنزا حضنيات في راس جبل حتى يدركه الموت، أحب الى من ان يرمى بسهم واحد بين الفريقين، قال: فرفع شيوخ الحى رءوسهم اليه، فقالوا:

انا لا ندع ثقل رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لشي‏ء ابدا.

رجع الحديث الى حديث سيف عن محمد و طلحه: و اهل البصره فرق: فرقه مع طلحه و الزبير، و فرقه مع على، و فرقه لا ترى القتال مع احد من الفريقين، و جاءت عائشة رضى الله عنها من منزلها الذى كانت فيه حتى نزلت في مسجد الحدان في الأزد، و كان القتال في ساحتهم، و راس الأزد يومئذ صبره بن شيمان، فقال له كعب بن سور: ان الجموع إذا تراءوا لم تستطع، و انما هي بحور تدفق، فأطعني و لا تشهدهم، و اعتزل بقومك، فانى اخاف الا يكون صلح، و كن وراء هذه النطفه، و دع هذين الغارين من مضر و ربيعه، فهما اخوان، فان‏

504

اصطلحا فالصلح ما أردنا، و ان اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا- و كان كعب في الجاهلية نصرانيا- فقال صبره: أخشى ان يكون فيك شي‏ء من النصرانية، ا تأمرني ان اغيب عن اصلاح بين الناس، و ان اخذل أم المؤمنين و طلحه و الزبير ان ردوا عليهم الصلح، و ادع الطلب بدم عثمان! لا و الله لا افعل ذلك ابدا، فاطبق اهل اليمن على الحضور.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الضريس البجلي، عن ابن يعمر، قال: لما رجع الأحنف بن قيس من عند على لقيه هلال ابن وكيع بن مالك بن عمرو، فقال: ما رأيك؟ قال: الاعتزال، فما رأيك؟

قال: مكانفه أم المؤمنين، ا فتدعنا و أنت سيدنا! قال: انما أكون سيدكم غدا إذا قتلت و بقيت، فقال هلال: هذا و أنت شيخنا! فقال: انا الشيخ المعصى، و أنت الشاب المطاع فاتبعت بنو سعد الأحنف، فاعتزل بهم الى وادي السباع، و اتبعت بنو حنظله هلالا، و تابعت بنو عمرو أبا الجرباء فقاتلوا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن ابى عثمان، قال: لما اقبل الأحنف نادى: يا لأدُّ، اعتزلوا هذا الأمر، و ولوا هذين الفريقين كيسه و عجزه، فقام المنجاب بن راشد فقال: يال الرباب! لا تعتزلوا، و اشهدوا هذا الأمر، و تولوا كيسه، ففارقوا فلما قال:

يال تميم، اعتزلوا هذا الأمر و ولوا هذين الفريقين كيسه و عجزه، قام ابو الجرباء- و هو من بنى عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم- فقال: يال عمرو، لا تعتزلوا هذا الأمر و تولوا كيسه فكان ابو الجرباء على بنى عمرو بن تميم، و المنجاب بن راشد على بنى ضبة، فلما قال: يال زيد مناه، اعتزلوا هذا الأمر، و ولوا هذين الفريقين كيسه و عجزه قال هلال بن وكيع:

لا تعتزلوا هذا الأمر، و نادى: يال حنظله تولوا كيسه، فكان هلال على حنظله، و طاوعت سعد الأحنف، و اعتزلوا الى وادي السباع‏