تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
55

ان الاعزه و الأكارم معشر* * * فضوا الجزيرة عن فراخ الهام‏

غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا* * * عن غزو من يأوي بلاد الشام‏

و لما نزل عمر الجابية، و فرغ اهل حمص أمد عياض بن غنم بحبيب ابن مسلمه، فقدم على عياض مددا، و كتب ابو عبيده الى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله ان يضم اليه عياض بن غنم إذ ضم خالدا الى المدينة، فصرفه اليه، و صرف سهيل بن عدى و عبد الله بن عبد الله الى الكوفه ليصرفهما الى المشرق، و استعمل حبيب بن مسلمه على عجم الجزيرة و حربها، و الوليد بن عقبه على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.

قالوا: و لما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر الى ملك الروم:

انه بلغنى ان حيا من احياء العرب ترك دارنا و اتى دارك، فو الله لتخرجنه او لننبذن الى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك فاخرجهم ملك الروم، فخرجوا فتم منهم على الخروج اربعه آلاف مع ابى عدى بن زياد، و خنس بقيتهم، فتفرقوا فيما يلى الشام و الجزيرة من بلاد الروم، فكل ايادى في ارض العرب من أولئك الأربعة الآلاف، و ابى الوليد بن عقبه ان يقبل من بنى تغلب الا الاسلام، فقالوا له: اما من نقب على قومه في صلح سعد و من كان قبله فأنتم و ذاك، و اما من لم ينقب عليه احد و لم يجر ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم الى عمر، فأجابه عمر: انما ذلك لجزيره العرب لا يقبل منهم فيها الا الاسلام، فدعهم على الا ينصروا وليدا، و اقبل منهم إذا أسلموا فقبل منهم على الا ينصروا وليدا، و لا يمنعوا أحدا منهم من الاسلام، فاعطى بعضهم ذلك فأخذوا به، و ابى بعضهم الا الجزاء، فرضى منهم بما رضى من العباد و تنوخ.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن ابى سيف التغلبى، قال: كان رسول الله(ص)قد عاهد وفدهم‏

56

على الا ينصروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد و على من وفدهم، و لم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر قال مسلموهم: لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا، و لكن أضعفوا عليهم الصدقه التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء، فإنهم يغضبون من ذكر الجزاء على الا ينصروا مولودا إذا اسلم آباؤهم.

فخرج وفدهم في ذلك الى عمر، فلما بعث الوليد اليه برءوس النصارى و بديانيهم، قال لهم عمر: أدوا الجزية، فقالوا: لعمر: ابلغنا مامننا، و الله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن ارض الروم، و الله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم انفسكم، و خالفتم أمتكم فيمن خالف و افتضح من عرب الضاحيه، و تالله لتؤدُّنَّه و أنتم صغره قماه، و لئن هربتم الى الروم لاكتبن فيكم، ثم لاسبينكم قالوا: فخذ منا شيئا و لا تسمه جزاء، فقال: اما نحن فنسميه جزاء، و سموه أنتم ما شئتم [فقال له على بن ابى طالب:

يا امير المؤمنين، ا لم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقه؟] قال: بلى، و اصغى اليه، فرضى به منهم جزاء، فرجعوا على ذلك، و كان في بنى تغلب عز و امتناع، و لا يزالون ينازعون الوليد، فهم بهم الوليد، و قال في ذلك:

إذا ما عصبت الراس منى بمشوذ* * * فغيك منى تغلب ابنه وائل‏

و بلغت عنه عمر، فخاف ان يحرجوه و ان يضعف صبره فيسطو عليهم، فعزله و امر عليهم فرات بن حيان و هند بن عمرو الجملي، و خرج الوليد و استودع إبلا له حريث بن النعمان، احد بنى كنانه بن تيم من بنى تغلب، و كانت مائه من الإبل فاختانها بعد ما خرج الوليد.

و كان فتح الجزيرة في سنه سبع عشره في ذي الحجه‏

. خروج عمر بن الخطاب الى الشام‏

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- خرج عمر من المدينة يريد

57

الشام حتى بلغ سرغ، في قول ابن إسحاق، حدثنا بذلك ابن حميد عن سلمه عنه، و في قول الواقدى.

ذكر الخبر عن خروجه إليها:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، قال:

خرج عمر الى الشام غازيا في سنه سبع عشره، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، فاخبروه ان الارض سقيمه، فرجع بالناس الى المدينة.

و قد كان عمر- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله ابن عباس- خرج غازيا، و خرج معه المهاجرون و الانصار و اوعب الناس معه، حتى إذا نزل بسرغ، لقيه أمراء الأجناد: ابو عبيده ابن الجراح، و يزيد بن ابى سفيان، و شرحبيل بن حسنه، فاخبروه ان الارض سقيمه، فقال عمر: اجمع الى المهاجرين الأولين، قال:

فجمعتهم له، فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجت لوجه تريد فيه الله و ما عنده، و لا نرى ان يصدك عنه بلاء عرض لك و منهم القائل: انه لبلاء و فناء ما نرى ان تقدم عليه، فلما اختلفوا عليه قال:

قوموا عنى، ثم قال: اجمع لي مهاجره الانصار، فجمعتهم له، فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين، فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عنى، ثم قال: اجمع لي مهاجره الفتح من قريش، فجمعتهم له، فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان، و قالوا: ارجع بالناس، فانه بلاء و فناء قال: فقال لي عمر: يا بن عباس، اصرخ في الناس فقل: ان امير المؤمنين يقول لكم انى مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه قال: فاصبح عمر على ظهر، و اصبح الناس عليه، فلما اجتمعوا عليه قال: ايها الناس، انى راجع فارجعوا، فقال له ابو عبيده بن الجراح: ا فرارا من قدر الله! قال: نعم فرارا من قدر الله الى قدر الله، ا رايت لو ان‏

58

رجلا هبط واديا له عدوتان: إحداهما خصبه و الاخرى جدبه، ا ليس يرعى من رعى الجدبه بقدر الله، و يرعى من رعى الخصبه بقدر الله! ثم قال: لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيده! ثم خلا به بناحيه دون الناس، فبينا الناس على ذلك إذ اتى عبد الرحمن بن عوف- و كان متخلفا عن الناس لم يشهدهم بالأمس- فقال: ما شان الناس؟ فاخبر الخبر، فقال: عندي من هذا علم، فقال: عمر: فأنت عندنا الامين المصدق، فما ذا عندك؟

[قال: سمعت رسول الله(ص)يقول: إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، و إذا وقع و أنتم به فلا تخرجوا فرارا منه،] و لا يخرجنكم الا ذلك، فقال عمر: فلله الحمد! انصرفوا ايها الناس، فانصرف بهم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعه و سالم بن عبد الله بن عمر، انهما حدثاه ان عمر انما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف، فلما رجع عمر رجع عمال الأجناد الى اعمالهم و اما سيف، فانه روى في ذلك ما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان و الربيع، قالوا: وقع الطاعون بالشام و مصر و العراق، و استقر بالشام، و مات فيه الناس الذين هم في كل الأمصار في المحرم و صفر، و ارتفع عن الناس و كتبوا بذلك الى عمر ما خلا الشام، فخرج حتى إذا كان منها قريبا بلغه انه أشد ما كان، فقال و قال الصحابه:

[قال رسول الله ص: إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها،] فرجع حتى ارتفع عنها، و كتبوا بذلك اليه و بما في ايديهم من المواريث، فجمع الناس في جمادى الاولى سنه سبع عشره، فاستشارهم في البلدان، فقال: انى قد بدا لي ان اطوف على المسلمين في بلدانهم لانظر في آثارهم، فأشيروا على- و كعب الاحبار

59

في القوم، و في تلك السنه من اماره عمر اسلم- فقال كعب: بأيها تريد ان تبدا يا امير المؤمنين؟ قال: بالعراق، قال: فلا تفعل، فان الشر عشره اجزاء و الخير عشره اجزاء، فجزء من الخير بالمشرق و تسعه بالمغرب، و ان جزءا من الشر بالمغرب و تسعه بالمشرق، و بها قرن الشيطان، و كل داء عضال.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد، عن الأصبغ، عن على، قال: قام اليه على، فقال: [يا امير المؤمنين، و الله ان الكوفه للهجره بعد الهجره، و انها لقبه الاسلام، و ليأتين عليها يوم لا يبقى مؤمن الا أتاها و حن إليها، و الله لينصرن بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط].

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المطرح، عن القاسم، عن ابى امامه، قال: و قال عثمان: يا امير المؤمنين، ان المغرب ارض الشر، و ان الشر قسم مائه جزء، فجزء في الناس و سائر الاجزاء بها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى يحيى التميمى، عن ابى ماجد، قال: قال عمر: الكوفه رمح الله، و قبة الاسلام، و جمجمة العرب، يكفون ثغورهم، و يمدون الأمصار، فقد ضاعت مواريث اهل عمواس، فابدا بها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و ابى حارثة و الربيع بن النعمان، قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشام، ابدا بها فاقسم المواريث، و اقيم لهم ما في نفسي، ثم ارجع فاتقلب في البلاد، و انبذ اليهم امرى فاتى عمر الشام اربع مرات، مرتين في سنه ست عشره، و مرتين في سنه سبع عشره، لم يدخلها في الاولى من الآخرتين.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن بكر بن وائل، عن محمد بن مسلم، قال: [قال رسول الله ص: قسم الحفظ عشره اجزاء، فتسعه في الترك و جزء في سائر الناس، و قسم البخل عشره اجزاء، فتسعه في فارس، و جزء في سائر الناس، و قسم السخاء عشره اجزاء،

60

فتسعه في السودان، و جزء في سائر الناس، و قسم الشبق عشره اجزاء، فتسعه في الهند، و جزء في سائر الناس، و قسم الحياء عشره اجزاء، فتسعه في النساء، و جزء في سائر الناس، و قسم الحسد عشره اجزاء، فتسعه في العرب و جزء في سائر الناس، و قسم الكبر عشره اجزاء، فتسعه في الروم و جزء في سائر الناس‏].

و اختلف في خبر طاعون عمواس و في اى سنه كان، فقال ابن إسحاق ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عنه، قال: ثم دخلت سنه ثماني عشره، ففيها كان طاعون عمواس، فتفانى فيها الناس، فتوفى ابو عبيده ابن الجراح، و هو امير الناس، و معاذ بن جبل، و يزيد بن ابى سفيان، و الحارث ابن هشام، و سهيل بن عمرو، و عتبة بن سهيل، و اشراف الناس.

و حدثنى احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثنا عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: كان طاعون عمواس و الجابية في سنه ثماني عشره.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن شعبه بن الحجاج، عن المخارق بن عبد الله البجلي، عن طارق بن شهاب البجلي، قال: أتينا أبا موسى و هو في داره بالكوفه لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم ان تخفوا، فقد اصيب في الدار انسان بهذا السقم، و لا عليكم ان تنزهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم و نزهها حتى يرفع هذا الوباء، ساخبركم بما يكره مما يتقى، من ذلك ان يظن من خرج انه لو اقام مات، و يظن من اقام فاصابه ذلك لو انه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن هذا المرء المسلم فلا عليه ان يخرج، و ان يتنزه عنه، انى كنت مع ابى عبيده بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، و بلغ‏

61

ذلك عمر، كتب الى ابى عبيده ليستخرجه منه: ان سلام عليك، اما بعد، فانه قد عرضت لي إليك حاجه اريد ان اشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا الا تضعه من يدك حتى تقبل الى قال: فعرف ابو عبيده انه انما اراد ان يستخرجه من الوباء، قال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثم كتب اليه: يا امير المؤمنين، انى قد عرفت حاجتك الى، و انى في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبه عنهم، فلست اريد فراقهم حتى يقضى الله في و فيهم امره و قضاءه، فحللنى من عزمتك يا امير المؤمنين، و دعني في جندى فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا امير المؤمنين، ا مات ابو عبيده؟ قال: لا، و كان قد قال: ثم كتب اليه: سلام عليك، اما بعد، فإنك انزلت الناس أرضا غمقه، فارفعهم الى ارض مرتفعه نزهه فلما أتاه كتابه دعانى فقال: يا أبا موسى، ان كتاب امير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلا حتى اتبعك بهم، فرجعت الى منزلي لارتحل، فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت اليه، فقلت له: و الله لقد كان في اهلى حدث، فقال: لعل صاحبتك أصيبت! قلت: نعم، قال: فامر ببعيره فرحل له، فلما وضع رجله في غرزه طعن، فقال: و الله لقد اصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، و رفع عن الناس الوباء.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، عن ابان بن صالح، عن شهر بن حوشب الأشعري، عن رابه- رجل من قومه، و كان قد خلف على أمه بعد ابيه، كان شهد طاعون عمواس- قال: لما اشتعل الوجع قام ابو عبيده في الناس خطيبا، فقال: ايها الناس، ان هذا الوجع رحمه بكم و دعوه نبيكم محمد ص، و موت الصالحين قبلكم، و ان أبا عبيده يسال الله ان يقسم له منه حظه فطعن فمات،

62

و استخلف على الناس معاذ بن جبل قال: فقام خطيبا بعده، فقال:

ايها الناس، ان هذا الوجع رحمه ربكم، و دعوه نبيكم و موت الصالحين قبلكم، و ان معاذا يسال الله ان يقسم لال معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن بن معاذ، فمات ثم قام فدعا به لنفسه، فطعن في راحته، فلقد رايته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه، ثم يقول: ما أحب ان لي بما فيك شيئا من الدنيا، فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام خطيبا في الناس، فقال: ايها الناس، ان هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبلوا منه في الجبال فقال ابو وائله الهذلي: كذبت، و الله لقد صحبت رسول الله(ص)و أنت شر من حمارى هذا! قال: و الله ما ارد عليك ما تقول، و ايم الله لا نقيم عليه ثم خرج و خرج الناس فتفرقوا، و رفعه الله عنهم قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من راى عمرو بن العاص، فو الله ما كرهه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، عن رجل، عن ابى قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، انه كان يقول: بلغنى هذا من قول ابى عبيده و قول معاذ بن جبل: ان هذا الوجع رحمه بكم و دعوه نبيكم، و موت الصالحين قبلكم، فكنت اقول: كيف دعا به رسول الله(ص)لامته، حتى حدثنى بعض من لا اتهم عن رسول الله انه سمعه منه، و جاءه جبريل(ع)فقال: ان فناء أمتك يكون بالطعن او الطاعون، [فجعل رسول الله(ص)يقول: اللهم فناء الطاعون!] فعرفت انها التي كان قال ابو عبيده و معاذ.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، قال: و لما انتهى الى عمر مصاب ابى عبيده و يزيد بن ابى سفيان، امر معاويه ابن ابى سفيان على جند دمشق و خراجها، و امر شرحبيل بن حسنه على جند الأردن و خراجها.

و اما سيف، فانه زعم ان طاعون عمواس كان في سنه سبع عشره‏

63

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و ابى حارثة و الربيع باسنادهم، قالوا: كان ذلك الطاعون- يعنون طاعون عمواس- موتانا لم ير مثله، طمع له العدو في المسلمين، و تخوفت له قلوب المسلمين، كثر موته، و طال مكثه، مكث أشهرا حتى تكلم في ذلك الناس.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن ابى سعيد، قال: أصاب البصره من ذلك موت ذريع، فامر رجل من بنى تميم غلاما له أعجميا ان يحمل ابنا له صغيرا ليس له ولد غيره على حمار، ثم يسوق به الى سفوان، حتى يلحقه فخرج في آخر الليل ثم اتبعه، و قد اشرف على سفوان، و دنا من ابنه و غلامه، فرفع الغلام عقيرته يقول:

لن يعجزوا الله على حمار* * * و لا على ذي غره مطار

قد يصبح الموت امام السارى

فسكت حتى انتهى اليهم، فإذا هم هم، قال: ويحك، ما قلت! قال:

ما ادرى، قال: ارجع، فرجع بابنه، و علم انه قد اسمع آيه و أريها.

قال: و عزم رجل على الخروج الى ارض بها الطاعون فتردد بعد ما طعن، فإذا غلام له أعجمي يحدو به:

يا ايها المشعر هما لا تهم* * * انك ان تكتب لك الحمى تحم‏

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- كان خروج عمر الى الشام الخرجه الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك في قول سيف، و اما ابن إسحاق فقد مضى ذكره‏

. ذكر الخبر عن سيف في ذلك، و الخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك انه احدث في مصالح المسلمين:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و ابى حارثة و الربيع، قالوا: و خرج عمر و خلف عليا على المدينة، و خرج معه بالصحابة

64

و اغذوا السير و اتخذ ايله طريقا، حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق، و اتبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، و على رحله فرو مقلوب، و اعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه اوائل الناس، قالوا: اين امير المؤمنين؟ قال: امامكم- يعنى نفسه- و ذهبوا هم الى امامهم، فجازوه حتى انتهى هو الى ايله فنزلها و قيل للمتلقين: قد دخل امير المؤمنين ايله و نزلها.

فرجعوا اليه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروه، عن ابيه، قال: لما قدم عمر بن الخطاب ايله، و معه المهاجرون و الانصار دفع قميصا له كرابيس قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير الى الاسقف، و قال: اغسل هذا و ارقعه، فانطلق الاسقف بالقميص، و رقعه، و خاط له آخر مثله، فراح به الى عمر، فقال: ما هذا؟ قال الاسقف: اما هذا فقميصك قد غسلته و رقعته، و اما هذا فكسوه لك منى.

فنظر اليه عمر و مسحه، ثم لبس قميصه، و رد عليه ذلك القميص، و قال:

هذا انشفهما للعرق.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية و هلال، عن رافع بن عمر، قال: سمعت العباس بالجابية يقول لعمر: اربع من عمل بهن استوجب العدل: الأمانة في المال، و التسوية في القسم، و الوفاء بالعدة، و الخروج من العيوب، نظف نفسك و اهلك.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و الربيع و ابى حارثة باسنادهم، قالوا: قسم عمر الأرزاق، و سمى الشواتى و الصوائف، و سد فروج الشام و مسالحها، و أخذ يدور بها، و سمى ذلك في كل كوره، و استعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كل كوره، و عزل شرحبيل، و استعمل معاويه، و امر أبا عبيده و خالدا تحته، فقال له شرحبيل: ا عن‏

65

سخطه عزلتني يا امير المؤمنين؟ قال: لا، انك لكما أحب، و لكنى اريد رجلا اقوى من رجل، قال: نعم، فاعذرنى في الناس لا تدركني هجنه، فقام في الناس، فقال: ايها الناس، انى و الله ما عزلت شرحبيل عن سخطه، و لكنى اردت رجلا اقوى من رجل و امر عمرو بن عبسه على الاهراء، و سمى كل شي‏ء، ثم قام في الناس بالوداع.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى ضمره و ابى عمرو، عن المستورد، عن عدى بن سهيل، قال: لما فرغ عمر من فروجه و أموره قسم المواريث، فورث بعض الورثه من بعض، ثم أخرجها الى الأحياء من ورثه كل امرئ منهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبى:

و خرج الحارث بن هشام في سبعين من اهل بيته، فلم يرجع منهم الا اربعه، فقال المهاجر بن خالد بن الوليد:

من يسكن الشام يعرس به* * * و الشام ان لم يفننا كارب‏

افنى بنى ريطة فرسانهم* * * عشرون لم يقصص لهم شارب‏

و من بنى أعمامهم مثلهم* * * لمثل هذا اعجب العاجب‏

طعنا و طاعونا مناياهم* * * ذلك ما خط لنا الكاتب‏

قال: و قفل عمر من الشام الى المدينة في ذي الحجه، و خطب حين اراد القفول، فحمد الله و اثنى عليه، و قال: الا انى قد وليت عليكم و قضيت الذى على في الذى ولانى الله من امركم، ان شاء الله قسطنا بينكم فيئكم و منازلكم و مغازيكم، و ابلغنا ما لديكم، فجندنا لكم الجنود، و هيأنا لكم الفروج، و بواناكم و وسعنا عليكم ما بلغ فيئكم و ما قاتلتم عليه من شامكم، و سمينا لكم اطماعكم، و امرنا لكم باعطياتكم، و أرزاقكم و مغانمكم‏

66

فمن علم علم شي‏ء ينبغى العمل به فبلغنا نعمل به ان شاء الله، و لا قوه الا بالله و حضرت الصلاة، و قال الناس: لو امرت بلالا فاذن! فأمره فاذن، فما بقي احد كان ادرك رسول الله(ص)و بلال يؤذن له الا بكى حتى بل لحيته، و عمر اشدهم بكاء، و بكى من لم يدركه ببكائهم، و لذكره ص‏

. ذكر خبر عزل خالد بن الوليد

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و ابى حارثة، قالا: فما زال خالد على قنسرين حتى غزا غزوته التي أصاب فيها، و قسم فيها ما أصاب لنفسه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى المجالد مثله.

قالوا: و بلغ عمر ان خالدا دخل الحمام فتدلك بعد النوره بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب اليه: بلغنى انك تدلكت بخمر، و ان الله قد حرم ظاهر الخمر و باطنه، كما حرم ظاهر الإثم و باطنه، و قد حرم مس الخمر الا ان تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس، و ان فعلتم فلا تعودوا.

فكتب اليه خالد: انا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب اليه عمر: انى أظن آل المغيره قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه! فانتهى اليه ذلك.

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- ادرب خالد بن الوليد و عياض ابن غنم في روايه سيف عن شيوخه‏

67

ذكر من قال ذلك:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و ابى حارثة و المهلب، قالوا: و ادرب سنه سبع عشره خالد و عياض، فسارا فاصابا اموالا عظيمه، و كانا توجها من الجابية، مرجع عمر الى المدينة، و على حمص ابو عبيده و خالد تحت يديه على قنسرين، و على دمشق يزيد بن ابى سفيان، و على الأردن معاويه، و على فلسطين علقمه بن مجزز، و على الاهراء عمرو ابن عبسه، و على السواحل عبد الله بن قيس، و على كل عمل عامل.

فقامت مسالح الشام و مصر و العراق على ذلك الى اليوم لم تجز أمه الى اخرى عملها بعد، الا ان يقتحموا عليهم بعد كفر منهم، فيقدموا مسالحهم بعد ذلك، فاعتدل ذلك سنه سبع عشره.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى المجالد و ابى عثمان و الربيع و ابى حارثة، قالوا: و لما قفل خالد و بلغ الناس ما اصابت تلك الصائفه انتجعه رجال، فانتجع خالدا رجال من اهل الافاق، فكان الاشعث بن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين، فاجازه بعشره آلاف.

و كان عمر لا يخفى عليه شي‏ء في عمله، كتب اليه من العراق بخروج من خرج، و من الشام بجائزه من أجيز فيها- فدعا البريد، و كتب معه الى ابى عبيده ان يقيم خالدا و يعقله بعمامته، و ينزع عنه قلنسوته حتى يعلمهم من اين اجازه الاشعث، ا من ماله أم من اصابه أصابها؟ فان زعم انها من اصابه أصابها فقد اقر بخيانه، و ان زعم انها من ماله فقد اسرف.

و اعزله على كل حال، و اضمم إليك عمله فكتب ابو عبيده الى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس و جلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: يا خالد، امن مالك اجزت بعشره آلاف أم من اصابه؟ فلم يجبه حتى اكثر عليه، و ابو عبيده ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال اليه، فقال: ان امير المؤمنين امر فيك بكذا و كذا، ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته و قال: ما تقول! امن مالك أم من اصابه؟ قال: لا بل من مالي، فاطلقه و اعاد قلنسوته ثم عممه بيده، ثم قال: نسمع و نطيع لولاتنا، و نفخم و نخدم موالينا قالوا: و اقام خالد متحيرا لا يدرى ا معزول‏

68

أم غير معزول؟ و جعل ابو عبيده لا يخبره حتى إذا طال على عمر ان يقدم ظن الذى قد كان، فكتب اليه بالاقبال، فاتى خالد أبا عبيده، فقال:

رحمك الله، ما اردت الى ما صنعت! كتمتنى امرا كنت أحب ان اعلمه قبل اليوم! فقال ابو عبيده: انى و الله ما كنت لاروعك ما وجدت لذلك بدا، و قد علمت ان ذلك يروعك قال: فرجع خالد الى قنسرين، فخطب اهل عمله و ودعهم و تحمل، ثم اقبل الى حمص فخطبهم و ودعهم، ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه و قال: لقد شكوتك الى المسلمين، و بالله انك في امرى غير مجمل يا عمر، فقال عمر: من اين هذا الثراء؟

قال: من الانفال و السهمان، ما زاد على الستين ألفا فلك فقوم عمر عروضه فخرجت اليه عشرون ألفا، فادخلها بيت المال ثم قال: يا خالد، و الله انك على لكريم، و انك الى لحبيب، و لن تعاتبنى بعد اليوم على شي‏ء.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المستورد، عن ابيه، عن عدى بن سهيل، قال: كتب عمر الى الأمصار: انى لم اعزل خالدا عن سخطه و لا خيانة، و لكن الناس فتنوا به، فخفت ان يوكلوا اليه و يبتلوا به، فاحببت ان يعلموا ان الله هو الصانع، و الا يكونوا بعرض فتنه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عن سالم، قال: لما قدم خالد على عمر قال عمر متمثلا:

صنعت فلم يصنع كصنعك صانع* * * و ما يصنع الأقوام فالله يصنع‏

فاغرمه شيئا، ثم عوضه، و كتب فيه الى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم و ليبصرهم‏

. ذكر تجديد المسجد الحرام و التوسعه فيه‏

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- اعتمر عمر، و بنى المسجد الحرام- فيما زعم الواقدى- و وسع فيه، و اقام بمكة عشرين ليله، و هدم على اقوام أبوا ان يبيعوا، و وضع اثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها

69

قال: و كان ذلك الشهر الذى اعتمر فيه رجب، و خلف على المدينة زيد بن ثابت.

قال الواقدى: و في عمرته هذه امر بتجديد أنصاب الحرم، فامر بذلك مخرمه بن نوفل و الأزهر بن عبد عوف و حويطب بن عبد العزى و سعيد بن يربوع.

قال: و حدثنى كثير بن عبد الله المزنى، عن ابيه، عن جده، قال:

قدمنا مع عمر مكة في عمرته سنه سبع عشره، فمر بالطريق فكلمه اهل المياه ان يبتنوا منازل بين مكة و المدينة- و لم يكن قبل ذلك بناء- فاذن لهم، و شرط عليهم ان ابن السبيل أحق بالظل و الماء.

قال: و فيها تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم ابنه على بن ابى طالب، و هي ابنه فاطمه بنت رسول الله ص، و دخل بها في ذي القعده‏

. ذكر خبر عزل المغيره عن البصره و ولايه ابى موسى‏

قال: و في هذه السنه ولى عمر أبا موسى البصره، و امره ان يشخص اليه المغيره في ربيع الاول- فشهد عليه- فيما حدثنى معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب- ابو بكره، و شبل بن معبد البجلي، و نافع بن كلده، و زياد.

قال: و حدثنى محمد بن يعقوب بن عتبة، عن ابيه، قال: كان يختلف الى أم جميل، امراه من بنى هلال، و كان لها زوج هلك قبل ذلك من ثقيف، يقال له الحجاج بن عبيد، فكان يدخل عليها، فبلغ ذلك اهل البصره، فاعظموه، فخرج المغيره يوما من الأيام حتى دخل عليها، و قد وضعوا عليها الرصد، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعا، فكشفوا الستر، و قد واقعها فوفد ابو بكره الى عمر، فسمع صوته و بينه و بينه حجاب، فقال: ابو بكره؟ قال: نعم، قال: لقد جئت لشر، قال: انما جاء بي المغيره، ثم قص عليه القصة، فبعث عمر أبا موسى الأشعري عاملا، و امره‏

70

ان يبعث اليه المغيره، فاهدى المغيره لأبي موسى عقيلة، و قال: انى رضيتها لك، فبعث ابو موسى بالمغيره الى عمر.

قال الواقدى: و حدثنى عبد الرحمن بن محمد بن ابى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن ابيه، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال:

حضرت عمر حين قدم بالمغيره، و قد تزوج امراه من بنى مره، فقال له:

انك لفارغ القلب، طويل الشبق، فسمعت عمر يسال عن المرأة فقال:

يقال لها الرقطاء، و زوجها من ثقيف، و هو من بنى هلال قال ابو جعفر: و كان سبب ما كان بين ابى بكره و الشهاده عليه- فيما كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و المهلب و طلحه و عمرو باسنادهم، قالوا: كان الذى حدث بين ابى بكره و المغيره بن شعبه ان المغيره كان يناغيه، و كان ابو بكره ينافره عند كل ما يكون منه، و كانا بالبصرة، و كانا متجاورين بينهما طريق، و كانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحده منهما كوه مقابله الاخرى، فاجتمع الى ابى بكره نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح، ففتحت باب الكوة، فقام ابو بكره ليصفقه، فبصر بالمغيره، و قد فتحت الريح باب كوه مشربته، و هو بين رجلي امراه، فقال للنفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: من هذه؟ قال: أم جميل ابنه الافقم- و كانت أم جميل احدى بنى عامر بن صعصعة، و كانت غاشيه للمغيرة، و تغشى الأمراء و الاشراف- و كان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها- فقالوا: انما رأينا اعجازا، و لا ندري ما الوجه؟ ثم انهم صمموا حين قامت، فلما خرج المغيره الى الصلاة حال ابو بكره بينه و بين الصلاة و قال: لا تصل بنا فكتبوا الى عمر بذلك، و تكاتبوا، فبعث عمر الى ابى موسى، فقال: يا أبا موسى، انى مستعملك، انى ابعثك الى ارض قد باض بها الشيطان و فرخ، فالزم ما تعرف، و لا تستبدل فيستبدل الله بك فقال: يا امير المؤمنين،

71

اعنى بعده من اصحاب رسول الله من المهاجرين و الانصار، فانى وجدتهم في هذه الامه و هذه الاعمال كالملح لا يصلح الطعام الا به فاستعن بمن احببت فاستعان بتسعه و عشرين رجلا، منهم انس بن مالك و عمران بن حصين و هشام بن عامر ثم خرج ابو موسى فيهم حتى اناخ بالمربد، و بلغ المغيره ان أبا موسى قد اناخ بالمربد فقال: و الله ما جاء ابو موسى زائرا، و لا تاجرا، و لكنه جاء أميرا فإنهم لفي ذلك، إذ جاء ابو موسى حتى دخل عليهم، فدفع اليه ابو موسى كتابا من عمر، و انه لاوجز كتاب كتب به احد من الناس، اربع كلم عزل فيها، و عاتب، و استحث، و امر:

اما بعد، فانه بلغنى نبا عظيم، فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم اليه ما في يدك، و العجل و كتب الى اهل البصره: اما بعد، فانى قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم، و ليقاتل بكم عدوكم، و ليدفع عن ذمتكم، و ليحصى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، و لينقى لكم طرقكم.

و اهدى له المغيره وليده من مولدات الطائف تدعى عقيلة، و قال:

انى قد رضيتها لك- و كانت فارهة- و ارتحل: المغيره و ابو بكره و نافع بن كلده و زياد و شبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم و بين المغيره، فقال المغيره: سل هؤلاء الأعبد كيف راونى، مستقبلهم او مستدبرهم؟ و كيف رأوا المرأة او عرفوها؟ فان كانوا مستقبلي فكيف لم استتر، او مستدبرى فبأي شي‏ء استحلوا النظر الى في منزلي على امراتى! و الله ما اتيت الا امراتى- و كانت شبهها- فبدا بابى بكره، فشهد عليه انه رآه بين رجلي أم جميل و هو يدخله و يخرجه كالميل في المكحله، قال:

كيف رايتهما؟ قال مستدبرهما، قال: فكيف استثبت راسها؟ قال: تحاملت.

ثم دعا بشبل بن معبد، فشهد بمثل ذلك، فقال: استدبرتهما او استقبلتهما؟

72

قال: استقبلتهما و شهد نافع بمثل شهاده ابى بكره، و لم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال: رايته جالسا بين رجلي امراه، فرايت قدمين مخضوبتين تخفقان، و استين مكشوفتين، و سمعت حفزانا شديدا قال: هل رايت كالميل في المكحله؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، و لكن أشبهها، قال: فتنح، و امر بالثلاثة فجلدوا الحد، و قرأ: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ، فقال المغيره:

اشفنى من الأعبد، فقال: اسكت اسكت الله نامتك! اما و الله لو تمت الشهاده لرجمتك باحجارك‏

. فتح سوق الاهواز و مناذر و نهر تيرى‏

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- فتحت سوق الاهواز و مناذر و نهر تيرى في قول بعضهم، و في قول آخرين: كان ذلك في سنه ست عشره من الهجره.

ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك و على يدي من جرى:

كتب الى السرى، يذكر ان شعيبا حدثه عن سيف بن عمر، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: كان الهرمزان احد البيوتات السبعه في اهل فارس، و كانت امته مهرجانقذق و كور الاهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر اهل فارس، فلما انهزم يوم القادسية كان وجهه الى امته، فملكهم و قاتل بهم من أرادهم، فكان الهرمزان يغير على اهل ميسان و دستميسان من وجهين، من مناذر و نهر تيرى، فاستمد عتبة بن غزوان سعدا، فامده سعد بنعيم بن مقرن و نعيم بن مسعود، و امرهما ان يأتيا اعلى ميسان و دستميسان حتى يكونا بينهم و بين نهر تيرى و وجه عتبة ابن غزوان سلمى بن القين و حرمله بن مريطه- و كانا من المهاجرين مع رسول الله ص، و هما من بنى العدوية من بنى حنظله- فنزلا على حدود ارض ميسان و دستميسان، بينهم و بين مناذر، و دعوا

73

بنى العم، فخرج اليهم غالب الوائلى و كليب بن وائل الكلينى، فتركا نعيما و نعيما و نكبا عنهما، و أتيا سلمى و حرمله، و قالا: أنتما من العشيره، و ليس لكما مترك، فإذا كان يوم كذا و كذا فانهدا للهرمزان، فان أحدنا يثور بمناذر و الآخر بنهر تيرى، فنقتل المقاتله، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شي‏ء ان شاء الله و رجعا و قد استجابا و استجاب قومهما بنو العم بن مالك.

قال: و كان من حديث العمى، و العمى مره بن مالك بن حنظله بن مالك بن زيد مناه بن تميم- انه تنخت عليه و على العصية بن إمرئ القيس افناء معد فعماه عن الرشد من لم ير نصره فارس على آل اردوان، فقال في ذلك كعب بن مالك اخوه- و يقال: صدى بن مالك:

لقد عم عنها مره الخير فانصمى* * * و صم فلم يسمع دعاء العشائر

ليتنخ عنا رغبه عن بلاده* * * و يطلب ملكا عاليا في الاساور

فبهذا البيت سمى العم، فقيل بنو العم، عموه عن الصواب بنصره اهل فارس كقول الله تبارك و تعالى: عَمُوا وَ صَمُّوا، و قال يربوع بن مالك:

لقد علمت عليا معد باننا* * * غداه التباهى غر ذاك التبادر

تنخنا على رغم العداه و لم ننخ* * * بحى تميم و العديد الجماهر

نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل* * * لنا فيهم احدى الهنات البهاتر

إذا العرب العلياء جاشت بحورها* * * فخرنا على كل البحور الزواخر

و قال أيوب بن العصية بن إمرئ القيس:

لنحن سبقنا بالتنوخ القبائلا* * * و عمدا تنخنا حيث جاءوا قنابلا

و كنا ملوكا قد عززنا الاوائلا* * * و في كل قرن قد ملكنا الحلائلا

74

فلما كانت تلك الليلة ليله الموعد من سلمى و حرمله و غالب و كليب، و الهرمزان يومئذ بين نهر تيرى بين دلث، خرج سلمى و حرمله صبيحتها في تعبئة، و انهضا نعيما و نعيما فالتقوا هم و الهرمزان بين دلث و نهر تيرى، و سلمى ابن القين على اهل البصره، و نعيم بن مقرن على اهل الكوفه فاقتتلوا فبيناهم في ذلك اقبل المدد من قبل غالب و كليب، و اتى الهرمزان الخبر بان مناذر و نهر تيرى قد أخذتا، فكسر الله في ذرعه و ذرع جنده، و هزمه و إياهم، فقتلوا منهم ما شاءوا، و أصابوا منهم ما شاءوا، و اتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، و أخذوا ما دونه، و عسكروا بحيال سوق الاهواز، و قد عبر الهرمزان جسر سوق الاهواز، و اقام بها، و صار دجيل بين الهرمزان و حرمله و سلمى و نعيم و نعيم و غالب و كليب.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيره العبدى، عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا

3

، قال: قدمت على هرم ابن حيان- فيما بين الدلوث و دجيل- بجلال من تمر، و كان لا يصبر عنه، و كان جل زاده إذا تزود التمر، فإذا فنى انتخب له مزاود من جلال و هم ينفرون فيحملها فيأكلها و يطعمها حيثما كان من سهل او جبل.

قالوا: و لما دهم القوم الهرمزان و نزلوا بحياله من الاهواز راى ما لا طاقه له به، فطلب الصلح، فكتبوا الى عتبة بذلك يستأمرونه فيه، و كاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة الى ذلك على الاهواز كلها و مهرجانقذق، ما خلا نهر تيرى و مناذر، و ما غلبوا عليه من سوق الاهواز، فانه لا يرد عليهم ما تنقذنا.

و جعل سلمى بن القين على مناذر مسلحه و امرها الى غالب، و حرمله على نهر تيرى و امرها الى كليب، فكانا على مسالح البصره و قد هاجرت طوائف بنى العم، فنزلوا منازلهم من البصره، و جعلوا يتتابعون على ذلك، و قد كتب بذلك عتبة الى عمر، و وفد وفدا منهم سلمى، و امره ان يستخلف على عمله، و حرمله- و كانا من الصحابه- و غالب و كليب، و وفد وفود من البصره‏

75

يومئذ، فأمرهم ان يرفعوا حوائجهم، فكلهم قال: اما العامه فأنت صاحبها، و لم يبق الا خواص أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، الا ما كان من الأحنف ابن قيس، فانه قال: يا امير المؤمنين، انك لكما ذكروا، و لقد يعزب عنك ما يحق علينا انهاؤه إليك مما فيه صلاح العامه، و انما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين اهل الخبر، و يسمع بآذانهم، و انا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى ارزنا الى البر، و ان إخواننا من اهل الكوفه نزلوا في مثل حدقه البعير الغاسقه، من العيون العذاب، و الجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم و لم تخضد، و انا معشر اهل البصره نزلنا سبخه هشاشه، زعقه نشاشة، طرف لها في الفلاة و طرف لها في البحر الأجاج، يجرى إليها ما جرى في مثل مري‏ء النعامة دارنا فعمه، و وظيفتنا ضيقه، و عددنا كثير، و اشرافنا قليل، و اهل البلاء فينا كثير، و درهمنا كبير، و قفيزنا صغير، و قد وسع الله علينا، و زادنا في أرضنا، فوسع علينا يا امير المؤمنين، و زدنا وظيفه توظف علينا، و نعيش بها فنظر الى منازلهم التي كانوا بها الى ان صاروا الى الحجر فنفلهموه و اقطعهموه، و كان مما كان لال كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة و الحجر، فاقتسموه، و كان سائر ما كان لال كسرى في ارض البصره على حال ما كان في ارض الكوفه ينزلونه من أحبوا، و يقتسمونه بينهم، لا يستاثرون به على بدء و لا ثنى، بعد ما يرفعون خمسه الى الوالي فكانت قطائع اهل البصره نصفين: نصفها مقسوم، و نصفها متروك للعسكر و للاجتماع، و كان اصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم اتى البصره مع عتبة خمسه آلاف، و كانوا بالكوفه ثلاثين ألفا، فالحق عمر اعدادهم من اهل البصره من اهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم، الحق جميع من شهد الاهواز.

ثم قال: هذا الغلام سيد اهل البصره، و كتب الى عتبة فيه بان يسمع منه‏

76

و يشرب برايه، و رد سلمى و حرمله و غالبا و كليبا الى مناذر و نهر تيرى، فكانوا عده فيه لكون ان كان، و ليميزوا خراجها كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: بينا الناس من اهل البصره و ذمتهم على ذلك وقع بين الهرمزان و بين غالب و كليب في حدود الارضين اختلاف و ادعاء، فحضر ذلك سلمى و حرمله لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبا و كليبا محقين و الهرمزان مبطلا، فحالا بينه و بينهما، فكفر الهرمزان أيضا و منع ما قبله، و استعان بالاكراد، فكثف جنده و كتب سلمى و حرمله و غالب و كليب ببغى الهرمزان و ظلمه و كفره الى عتبة بن غزوان، فكتب بذلك الى عمر، فكتب اليه عمر يأمره بامره، و امدهم عمر بحرقوص بن زهير السعدي، و كانت له صحبه من رسول الله ص، و امره على القتال و على ما غلب عليه فنهد الهرمزان بمن معه و سلمى و حرمله و غالب و كليب، حتى إذا انتهوا الى جسر سوق الاهواز أرسلوا الى الهرمزان: اما ان تعبروا إلينا و اما ان نعبر إليكم، فقال: اعبروا إلينا، فعبروا من فوق الجسر، فاقتتلوا فوق الجسر مما يلى سوق الاهواز، حتى هزم الهرمزان و وجه نحو رامهرمز، فاخذ على قنطره اربك بقرية الشغر حتى حل برامهرمز، و افتتح حرقوص سوق الاهواز، فأقام بها و نزل الجبل، و اتسقت له بلاد سوق الاهواز الى تستر، و وضع الجزية، و كتب بالفتح و الاخماس الى عمر، و وفد وفدا بذلك، فحمد الله، و دعا له بالثبات و الزيادة و قال الأسود بن سريع في ذلك- و كانت له صحبه:

لعمرك ما اضاع بنو أبينا* * * و لكن حافظوا فيمن يطيع‏

أطاعوا ربهم و عصاه قوم* * * أضاعوا امره فيمن يضيع‏

مجوس لا ينهنهها كتاب* * * فلاقوا كبه فيها قبوع‏

و ولى الهرمزان على جواد* * * سريع الشد يثفنه الجميع‏

77

و خلى سره الاهواز كرها* * * غداه الجسر إذ نجم الربيع‏

و قال حرقوص:

غلبنا الهرمزان على بلاد* * * لها في كل ناحيه ذخائر

سواء برهم و البحر فيها* * * إذا صارت نواجبها بواكر

لها بحر يعج بجانبيه* * * جعافر لا يزال لها زواخر

فتح تستر

و فيها فتحت تستر في قول سيف و روايته- اعنى سنه سبع عشره- و قال بعضهم: فتحت سنه ست عشره، و بعضهم يقول: في سنه تسع عشره.

ذكر الخبر عن فتحها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: لما انهزم الهرمزان يوم سوق الاهواز، و افتتح حرقوص بن زهير سوق الاهواز، اقام بها، و بعث جزء بن معاويه في اثره بأمر عمر الى سرق، و قد كان عهد اليه فيه: ان فتح الله عليهم ان يتبعه جزءا، و يكون وجهه الى سرق فخرج جزء في اثر الهرمزان، و الهرمزان متوجه الى رامهرمز هاربا، فما زال يقتلهم حتى انتهى الى قريه الشغر، و اعجزه بها الهرمزان، فمال جزء الى دورق من قريه الشغر، و هي شاغره برجلها- و دورق مدينه سرق فيها قوم لا يطيقون منعها- فأخذها صافيه، و كتب الى عمر بذلك و الى عتبة، و بدعائه من هرب الى الجزاء و المنعه، و اجابتهم الى ذلك.

فكتب عمر الى جزء بن معاويه و الى حرقوص بن زهير بلزوم ما غلبا عليه، و بالمقام حتى يأتيهما امره، و كتب اليه مع عتبة بذلك، ففعلا و استاذن جزء في عمران بلاده عمر، فاذن له، فشق الانهار، و عمر الموات و لما

78

نزل الهرمزان رامهرمز و ضاقت عليه الاهواز و المسلمون حلال فيها فيما بين يديه، طلب الصلح، و راسل حرقوصا و جزءا في ذلك، فكتب فيه حرقوص الى عمر، فكتب اليه عمر و الى عتبة، يأمره ان يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز و تستر و السوس و جندى سابور، و البنيان و مهرجانقذق، فأجابهم الى ذلك، فأقام أمراء الاهواز على ما اسند اليهم، و اقام الهرمزان على صلحه يجبى اليهم و يمنعونه، و ان غاوره اكراد فارس اعانوه و ذبوا عنه.

و كتب عمر الى عتبة ان اوفد على وفدا من صلحاء جند البصره عشره، فوفد الى عمر عشره، فيهم الأحنف فلما قدم على عمر قال: انك عندي مصدق، و قد رايتك رجلا، فأخبرني ا ان ظلمت الذمة، المظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فقال: لا بل لغير مظلمه، و الناس على ما تحب قال:

فنعم إذا! انصرفوا الى رحالكم فانصرف الوفد الى رحالهم، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبه فشمه، ثم قال: لمن هذا الثوب منكم؟

قال الأحنف: لي، قال: فبكم أخذته؟ فذكر ثمنا يسيرا، ثمانية او نحوها، و نقص مما كان اخذه به- و كان قد اخذه باثنى عشر- قال: فهلا بدون هذا، و وضعت فضلته موضعا تغنى به مسلما! حصوا وضعوا الفضول مواضعها تريحوا انفسكم و أموالكم، و لا تسرفوا فتخسروا انفسكم و أموالكم، ان نظر امرؤ لنفسه و قدم لها يخلف له و كتب عمر الى عتبة ان اعزب الناس عن الظلم، و اتقوا و احذروا ان يدال عليكم لغدر يكون منكم او بغى، فإنكم انما ادركتم بالله ما ادركتم على عهد عاهدكم عليه، و قد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم.

فأوفوا بعهد الله، و قوموا على امره يكن لكم عونا و ناصرا.

و بلغ عمر ان حرقوصا نزل جبل الاهواز و الناس يختلفون اليه، و الجبل كئود يشق على من رامه فكتب اليه: بلغنى انك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه الا على مشقة، فاسهل و لا تشق على مسلم و لا معاهد، و قم في امرك على رجل تدرك الآخرة و تصف لك الدنيا، و لا تدركنك فتره و لا عجله، فتكدر دنياك، و تذهب آخرتك‏

79

ثم ان حرقوصا تحرر يوم صفين و بقي على ذلك، و شهد النهروان مع الحرورية

. غزو المسلمين فارس من قبل البحرين‏

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- غزا المسلمون ارض فارس من قبل البحرين فيما زعم سيف و رواه.

ذكر الخبر بذلك:

كتب الى السرى، يقول: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سيف، عن محمد و المهلب و عمرو، قالوا: كان المسلمون بالبصرة و أرضها- و أرضها يومئذ سوادها، و الاهواز على ما هم عليه الى ذلك اليوم، ما غلبوا عليه منها ففي ايديهم، و ما صولحوا عليه منها ففي أيدي اهله، يؤدون الخراج و لا يدخل عليهم، و لهم الذمة و المنعه- و عميد الصلح الهرمزان و قد قال عمر: حسبنا لأهل البصره سوادهم و الاهواز، وددت ان بيننا و بين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه و لا نصل اليهم، كما قال لأهل الكوفه: وددت ان بينهم و بين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه، و لا نصل اليهم.

و كان العلاء بن الحضرمى على البحرين ازمان ابى بكر، فعزله عمر، و جعل قدامه بن المظعون مكانه، ثم عزل قدامه ورد العلاء، و كان العلاء يبارى سعدا لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد في الرده بالفضل، فلما ظفر سعد بالقادسية، و ازاح الاكاسره عن الدار، و أخذ حدود ما يلى السواد، و استعلى، و جاء باعظم مما كان العلاء جاء به، سر العلاء ان يصنع شيئا في الأعاجم، فرجا ان يدال كما قد كان اديل، و لم يقدر العلاء و لم ينظر فيما بين فضل الطاعة و المعصية بجد، و كان ابو بكر قد استعمله، و اذن له في قتال اهل الرده، و استعمله عمر، و نهاه عن البحر، فلم يقدر في الطاعة و المعصية و عواقبهما، فندب اهل البحرين الى فارس، فتسرعوا الى ذلك، و فرقهم اجنادا، على أحدهما

80

الجارود بن المعلى، و على الآخر السوار بن همام، و على الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، و خليد على جماعه الناس، فحملهم في البحر الى فارس بغير اذن عمر، و كان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيا، يكره التغرير بجنده استنانا بالنبي(ص)و بابى بكر، لم يغز فيه النبي(ص)و لا ابو بكر فعبرت تلك الجنود من البحرين الى فارس، فخرجوا في اصطخر، و بازائهم اهل فارس، و على اهل فارس الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين و بين سفنهم، فقام خليد في الناس، فقال: اما بعد، فان الله إذا قضى امرا جرت به المقادير حتى تصيبه، و ان هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على ان دعوكم الى حربهم، و انما جئتم لمحاربتهم، و السفن و الارض لمن غلب، ف اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ، وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ فأجابوه الى ذلك فصلوا الظهر، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الارض يدعى طاوس، و جعل السوار يرتجز يومئذ و يذكر قومه، و يقول:

يا آل عبد القيس للقراع* * * قد حفل الامداد بالجراع‏

و كلهم في سنن المصاع* * * يحسن ضرب القوم بالقطاع‏

حتى قتل و جعل الجارود يرتجز و يقول:

لو كان شيئا امما أكلته* * * او كان ماء سادما جهرته‏

لكن بحرا جاءنا انكرته

.

حتى قتل و يومئذ ولى عبد الله بن السوار و المنذر بن الجارود حياتهما الى ان ماتا و جعل خليد يومئذ يرتجز و يقول:

يال تميم اجمعوا النزول* * * و كاد جيش عمر يزول‏

و كلكم يعلم ما اقول

81

انزلوا، فنزلوا فاقتتل القوم فقتل اهل فارس مقتله لم يقتلوا مثلها قبلها ثم خرجوا يريدون البصره و قد غرقت سفنهم، ثم لم يجدوا الى الرجوع في البحر سبيلا ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق، فعسكروا و امتنعوا في نشوبهم و لما بلغ عمر الذى صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر القى في روعه نحو من الذى كان فاشتد غضبه على العلاء، و كتب اليه يعزله و توعده، و امره باثقل الأشياء عليه، و ابغض الوجوه اليه، بتأمير سعد عليه، و قال: الحق بسعد بن ابى وقاص فيمن قبلك، فخرج بمن معه نحو سعد و كتب عمر الى عتبة بن غزوان: ان العلاء بن الحضرمى حمل جندا من المسلمين، فاقطعهم اهل فارس، و عصاني، و اظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم الا ينصروا ان يغلبوا و ينشبوا، فاندب اليهم الناس، و اضممهم إليك من قبل ان يجتاحوا فندب عتبة الناس، و اخبرهم بكتاب عمر فانتدب عاصم بن عمرو، و عرفجة بن هرثمة، و حذيفة بن محصن، و مجزاه بن ثور، و نهار بن الحارث، و الترجمان بن فلان، و الحصين بن ابى الحر، و الأحنف بن قيس، و سعد بن ابى العرجاء، و عبد الرحمن بن سهل، و صعصعة بن معاويه، فخرجوا في اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، و عليهم ابو سبره بن ابى رهم احد بنى مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، و المسالح على حالها بالاهواز و الذمة، و هم ردء للغازى و المقيم فسار ابو سبره بالناس، و ساحل لا يلقاه احد، و لا يعرض له، حتى التقى ابو سبره و خليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غب وقعه القوم‏

82

بطاوس، و انما كان ولى قتالهم اهل اصطخر وحدهم، و الشذاذ من غيرهم، و قد كان اهل اصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق، و انشبوهم، استصرخوا عليهم اهل فارس كلهم، فضربوا اليهم من كل وجه و كوره، فالتقوا هم و ابو سبره بعد طاوس، و قد توافت الى المسلمين امدادهم و الى المشركين امدادهم، و على المشركين شهرك، فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، و قتل المشركين و أصاب المسلمون منهم ما شاءوا- و هي الغزاة التي شرفت فيها نابته البصره، و كانوا افضل نوابت الأمصار، فكانوا افضل المصرين نابته- ثم انكفئوا بما أصابوا، و قد عهد اليهم عتبة و كتب اليهم بالحث و قله العرجه، فانضموا اليه بالبصرة، فخرج أهلها الى منازلهم منها، و تفرق الذين تنقذوا من اهل هجر الى قبائلهم، و الذين تنقذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين و لما احرز عتبة الاهواز و أوطأ فارس، استاذن عمر في الحج، فاذن له، فلما قضى حجه استعفاه، فأبى ان يعفيه، و عزم عليه ليرجعن الى عمله، فدعا الله ثم انصرف، فمات في بطن نخله، فدفن، و بلغ عمر، فمر به زائرا لقبره، و قال: انا قتلتك، لو لا انه اجل معلوم و كتاب مرقوم، و اثنى عليه بفضله، و لم يختط فيمن اختط من المهاجرين، و انما ورث ولده منزلهم من فاخته ابنه‏

3

غزوان، و كانت تحت عثمان بن عفان، و كان خباب مولاه قد لزم سمته فلم يختط، و مات عتبة بن غزوان على راس ثلاث سنين و نصف من مفارقه سعد بالمدائن، و قد استخلف على الناس أبا سبره بن ابى رهم، و عماله على حالهم، و مسالحه على نهر تيرى و مناذر و سوق الاهواز و سرق و الهرمزان برامهرمز مصالح عليها، و على السوس و البنيان و جندى سابور و مهرجانقذق، و ذلك بعد تنقذ الذين كان حمل العلاء في البحر الى فارس، و نزولهم البصره.

و كان يقال لهم اهل طاوس، نسبوا الى الوقعه و اقر عمر أبا سبره‏

83

ابن ابى رهم على البصره بقية السنه ثم استعمل المغيره بن شعبه في السنه الثانيه بعد وفاه عتبة، فعمل عليها بقية تلك السنه و السنه التي تليها، لم ينتقض عليه احد في عمله، و كان مرزوقا السلامة، و لم يحدث شيئا الا ما كان بينه و بين ابى بكره.

ثم استعمل عمر أبا موسى على البصره، ثم صرف الى الكوفه، ثم استعمل عمر بن سراقه، ثم صرف عمر بن سراقه الى الكوفه من البصره، و صرف ابو موسى الى البصره من الكوفه، فعمل عليها ثانيه‏

ذكر فتح رامهرمز و تستر

و في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- كان فتح رامهرمز و السوس و تستر و فيها اسر الهرمزان في روايه سيف ذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: و لم يزل يزدجرد يثير اهل فارس أسفا على ما خرج منهم، فكتب يزدجرد الى اهل فارس و هو يومئذ بمرو، يذكرهم الأحقاد و يؤنبهم، ان قد رضيتم يا اهل فارس ان قد غلبتكم العرب على السواد و ما والاه، و الاهواز.

ثم لم يرضوا بذلك حتى توردوكم في بلادكم و عقر داركم، فتحركوا و تكاتبوا:

اهل فارس و اهل الاهواز، و تعاقدوا و تعاهدوا و تواثقوا على النصره، و جاءت الاخبار حرقوص بن زهير، و جاءت جزءا و سلمى و حرمله عن خبر غالب و كليب، فكتب سلمى و حرمله الى عمر و الى المسلمين بالبصرة، فسبق كتاب سلمى حرمله، فكتب عمر الى سعد: ان ابعث الى الاهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن، و عجل و ابعث سويد بن مقرن، و عبد الله بن ذي السهمين، و جرير بن عبد الله الحميرى، و جرير بن عبد الله البجلي، فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبينوا امره و كتب الى ابى موسى‏

84

ان ابعث الى الاهواز جندا كثيفا و امر عليهم سهل بن عدى- أخا سهيل ابن عدى- و ابعث معه البراء بن مالك، و عاصم بن عمرو، و مجزاه بن ثور، و كعب بن سور، و عرفجة بن هرثمة، و حذيفة بن محصن، و عبد الرحمن ابن سهل، و الحصين بن معبد، و على اهل الكوفه و اهل البصره جميعا ابو سبره ابن ابى رهم، و كل من أتاه فمدد له.

و خرج النعمان بن مقرن في اهل الكوفه، فاخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البر الى الاهواز على البغال يجنبون الخيل، و انتهى الى نهر تيرى فجازها، ثم جاز مناذر، ثم جاز سوق الاهواز، و خلف حرقوصا و سلمى و حرمله، ثم سار نحو الهرمزان- و الهرمزان يومئذ برامهرمز- و لما سمع الهرمزان بمسير النعمان اليه بادره الشده، و رجا ان يقتطعه، و قد طمع الهرمزان في نصر اهل فارس، و قد أقبلوا نحوه، و نزلت اوائل امدادهم بتستر، فالتقى النعمان و الهرمزان باربك، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم ان الله عز و جل هزم الهرمزان للنعمان، و اخلى رامهرمز و تركها و لحق بتستر، و سار النعمان من اربك حتى ينزل برامهرمز، ثم صعد لايذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه و تركه و رجع الى رامهرمز فأقام بها.

قالوا: و لما كتب عمر الى سعد و ابى موسى، و سار النعمان و سهل، سبق النعمان في اهل الكوفه سهلا و اهل البصره، و نكب الهرمزان، و جاء سهل في اهل البصره حتى نزلوا بسوق الاهواز، و هم يريدون رامهرمز، فاتتهم الوقعه و هم بسوق الاهواز، و أتاهم الخبر ان الهرمزان قد لحق بتستر، فمالوا من سوق الاهواز نحوه، فكان وجههم منها الى تستر، و مال النعمان من رامهرمز إليها، و خرج سلمى و حرمله و حرقوص و جزء، فنزلوا جميعا على تستر و النعمان على اهل الكوفه، و اهل البصره متساندون، و بها الهرمزان و جنوده من اهل فارس و اهل الجبال و الاهواز في الخنادق، و كتبوا بذلك الى عمر، و استمده ابو سبره فامدهم بابى موسى، فسار نحوهم، و على اهل الكوفه النعمان، و على اهل البصره ابو موسى، و على الفريقين جميعا ابو سبره،

85

فحاصروهم أشهرا، و أكثروا فيهم القتل و قتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار الى ان فتح الله على المسلمين مائه مبارز، سوى من قتل في غير ذلك، و قتل مجزاه بن ثور مثل ذلك، و قتل كعب بن سور مثل ذلك، و قتل ابو تميمه مثل ذلك في عده من اهل البصره و في الكوفيين مثل ذلك، منهم حبيب بن قره، و ربعي بن عامر، و عامر بن عبد الأسود- و كان من الرؤساء- في ذلك ما ازدادوا به الى ما كان منهم، و زاحفهم المشركون في ايام تستر ثمانين زحفا في حصارهم، يكون عليهم مره و لهم اخرى، حتى إذا كان في آخر زحف منها و اشتد القتال قال المسلمون: يا براء، اقسم على ربك ليهزمنهم لنا! فقال: اللهم اهزمهم لنا، و استشهدني.

قال: فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، و ارزوا الى مدينتهم، و أحاطوا بها، فبيناهم على ذلك و قد ضاقت بهم المدينة، و طالت حربهم، خرج الى النعمان رجل فاستامنه على ان يدله على مدخل يؤتون منه، و رمى في ناحيه ابى موسى بسهم فقال: قد وثقت بكم و امنتكم و استامنتكم على ان دللتكم على ما تاتون منه المدينة، و يكون منه فتحها، فآمنوه في نشابه فرمى اليهم باخر، و قال: انهدوا من قبل مخرج الماء، فإنكم ستفتحونها، فاستشار في ذلك و ندب اليه، فانتدب له عامر بن عبد قيس، و كعب بن سور، و مجزاه بن ثور، و حسكه الحبطى، و بشر كثير، فنهدوا لذلك المكان ليلا، و قد ندب النعمان اصحابه حين جاءه الرجل، فانتدب له سويد بن المثعبة، و ورقاء بن الحارث، و بشر بن ربيعه الخثعمى، و نافع ابن زيد الحميرى، و عبد الله بن بشر الهلالي، فنهدوا في بشر كثير، فالتقوا هم و اهل البصره على ذلك المخرج، و قد انسرب سويد و عبد الله بن بشر، فاتبعهم هؤلاء و هؤلاء، حتى إذا اجتمعوا فيها- و الناس على رجل من خارج- كبروا فيها، و كبر المسلمون من خارج، و فتحت الأبواب، فاجتلدوا فيها، فاناموا كل مقاتل، و أرز الهرمزان الى القلعة، و اطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه و أقبلوا قبله قال لهم: ما شئتم!

86

قد ترون ضيق ما انا فيه و أنتم، و معى في جعبتى مائه نشابه، و الله ما تصلون الى ما دام معى منها نشابه، و ما يقع لي سهم، و ما خير أسارى إذا اصبت منكم مائه بين قتيل او جريح! قالوا: فتريد ما ذا؟ قال: ان أضع يدي في ايديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه، و امكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا، و اقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، و الراجل ألفا، و دعا صاحب الرميه بها، فجاء هو و الرجل الذى خرج بنفسه، فقالا: من لنا بالأمان الذى طلبنا، علينا و على من مال معنا؟ قالوا: و من مال معكم؟ قالا: من اغلق بابه عليه مدخلكم فأجازوا ذلك لهم، و قتل من المسلمين ليلتئذ اناس كثير، و ممن قتل الهرمزان بنفسه مجزاه بن ثور، و البراء بن مالك.

قالوا: و خرج ابو سبره في اثر الفل من تستر- و قد قصدوا للسوس- الى السوس، و خرج بالنعمان و ابى موسى و معهم الهرمزان، حتى اشتملوا على السوس، و احاط المسلمون بها، و كتبوا بذلك الى عمر فكتب عمر الى عمر بن سراقه بان يسير نحو المدينة، و كتب الى ابى موسى فرده على البصره، و قد رد أبا موسى على البصره ثلاث مرات بهذه، ورد عمر عليها مرتين، و كتب الى زر بن عبد الله بن كليب الفقيمي ان يسير الى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، و انصرف ابو موسى الى البصره بعد ما اقام الى رجوع كتاب عمر، و امر عمر على جند البصره المقترب، الأسود بن ربيعه احد بنى ربيعه بن مالك، و كان الأسود و زر من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) من المهاجرين- و كان الأسود قد وفد على رسول الله(ص)و قال: جئت لاقترب الى الله عز و جل بصحبتك، فسماه المقترب، و كان زر قد وفد على رسول الله ص، و قال: فنى بطنى، و كثر إخوتنا، فادع الله لنا، [فقال: اللهم اوف لزرعمره، فتحول اليهم العدد- و اوفد ابو سبره وفدا،] فيهم انس بن مالك و الأحنف بن قيس، و ارسل الهرمزان معهم، فقدموا مع ابى موسى البصره، ثم خرجوا نحو المدينة،

87

حتى إذا دخلوا هيئوا الهرمزان في هيئته، فالبسوه كسوته من الديباج الذى فيه الذهب، و وضعوا على راسه تاجا يدعى الاذين، مكللا بالياقوت، و عليه حليته، كيما يراه عمر و المسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفه، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروه، فلما انصرفوا مروا بغلمان من اهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلددكم!؟ تريدون امير المؤمنين؟ فانه نائم في ميمنه المسجد، متوسد برنسه- و كان عمر قد جلس لوفد اهل الكوفه في برنس، فلما فرغ من كلامهم و ارتفعوا عنه، و اخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام- فانطلقوا و معهم النظارة، حتى إذا راوه جلسوا دونه، و ليس في المسجد نائم و لا يقظان غيره، و الدرة في يده معلقة، فقال: الهرمزان: اين عمر؟ فقالوا: هو ذا، و جعل الوفد يشيرون الى الناس ان اسكتوا عنه، و اصغى الهرمزان الى الوفد، فقال: اين حرسه و حجابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس و لا حاجب، و لا كاتب و لا ديوان، قال: فينبغي له ان يكون نبيا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، و كثر الناس، فاستيقظ عمر بالجلبه، فاستوى جالسا، ثم نظر الى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله، و تامل ما عليه، و قال: اعوذ بالله من النار، و استعين الله! و قال: الحمد لله الذى أذل بالإسلام هذا و اشياعه، يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، و اهتدوا بهدى نبيكم، و لا تبطرنكم الدنيا فإنها غراره فقال الوفد: هذا ملك الاهواز، فكلمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شي‏ء، فرمى عنه بكل شي‏ء عليه الا شيئا يستره، و البسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: هيه يا هرمزان! كيف رايت وبال الغدر و عاقبه امر الله! فقال: يا عمر، انا و إياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا و بينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا و لا معكم، فلما كان معكم‏

88

غلبتمونا فقال عمر: انما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم و تفرقنا ثم قال عمر:

ما عذرك و ما حجتك في انتقاضك مره بعد مره؟ فقال: اخاف ان تقتلني قبل ان اخبرك، قال: لا تخف ذلك و استسقى ماء، فاتى به في قدح غليظ، فقال: لو مت عطشا لم استطع ان اشرب في مثل هذا، فاتى به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف، و قال: انى اخاف ان اقتل و انا اشرب الماء، فقال عمر: لا باس عليك حتى تشربه، فاكفاه، فقال عمر:

أعيدوا عليه، و لا تجمعوا عليه القتل و العطش، فقال: لا حاجه لي في الماء، انما اردت ان استامن به، فقال له عمر: انى قاتلك، قال: قد آمنتنى! فقال: كذبت! فقال انس: صدق يا امير المؤمنين، قد آمنته، قال:

ويحك يا انس! انا أؤمن قاتل مجزاه و البراء! و الله لتأتين بمخرج او لأعاقبنك! قال: قلت له: لا باس عليك حتى تخبرني، و قلت: لا باس عليك حتى تشربه، و قال له من حوله مثل ذلك، فاقبل على الهرمزان، و قال: خدعتني، و الله لا انخدع الا لمسلم، فاسلم. ففرض له على الفين، و انزله المدينة كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى سفيان طلحه ابن عبد الرحمن، عن ابن عيسى، قال: كان الترجمان يوم الهرمزان المغيره بن شعبه الى ان جاء المترجم، و كان المغيره يفقه شيئا من الفارسيه، فقال عمر للمغيرة: قل له: من اى ارض أنت؟ فقال المغيره: از كدام ارضى؟ فقال: مهرجانى، فقال: تكلم بحجتك، قال: كلام حي او ميت؟ قال: بل كلام حي، قال: قد آمنتنى، قال: خدعتني، ان للمخدوع في الحرب حكمه، لا و الله لا اؤمنك حتى تسلم، فأيقن انه القتل او الاسلام، فاسلم، ففرض له على الفين و انزله المدينة و قال للمغيرة:

ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها منكم احد الا خب، و ما خب الا دق إياكم و إياها، فإنها تنقض الاعراب و اقبل زيد فكلمه، و اخبر عمر بقوله، و الهرمزان بقول عمر

89

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و عمرو، عن الشعبى و سفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد: لعل المسلمين يفضون الى اهل الذمة بأذى و بامور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم الا وفاء و حسن ملكه، قال: فكيف هذا؟ فلم يجد عند احد منهم شيئا يشفيه و يبصر به مما يقولون، الا ما كان من الأحنف، فقال: يا امير المؤمنين، اخبرك انك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، و أمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، و ان ملك فارس حي بين اظهرهم، و انهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، و لم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه، و قد رايت انا لم نأخذ شيئا بعد شي‏ء الا بانبعاثهم، و ان ملكهم هو الذى يبعثهم، و لا يزال هذا دأبهم حتى تاذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس، و نخرجه من مملكته و عز امته، فهنالك ينقطع رجاء اهل فارس و يضربون جأشا فقال: صدقتني و الله، و شرحت لي الأمر عن حقه و نظر في حوائجهم و سرحهم.

و قدم الكتاب على عمر باجتماع اهل نهاوند و انتهاء اهل مهرجانقذق، و اهل كور الاهواز الى راى الهرمزان و مشيئته، فذلك كان سبب اذن عمر لهم في الانسياح‏

. ذكر فتح السوس‏

اختلف اهل السير في امرها، فاما المدائني فانه- فيما حدثنى عنه ابو زيد- قال: لما انتهى فل جلولاء الى يزدجرد و هو بحلوان، دعا بخاصته و الموبذ، فقال: ان القوم لا يلقون جمعا الا فلوه، فما ترون؟

فقال الموبذ: نرى ان تخرج فتنزل اصطخر، فإنها بيت المملكة، و تضم إليك خزائنك، و توجه الجنود فاخذ برايه، و سار الى أصبهان دعا سياه،

90

فوجهه في ثلاثمائه، فيهم سبعون رجلا من عظمائهم، و امره ان ينتخب من كل بلده يمر بها من أحب، فمضى سياه و اتبعه يزدجرد، حتى نزلوا اصطخر و ابو موسى محاصر السوس، فوجه سياه الى السوس، و الهرمزان الى تستر، فنزل سياه الكلبانيه، و بلغ اهل السوس امر جلولاء و نزول يزدجرد اصطخر منهزما، فسألوا أبا موسى الأشعري الصلح، فصالحهم، و سار الى رامهرمز و سياه بالكلبانيه، و قد عظم امر المسلمين عنده، فلم يزل مقيما حتى صار ابو موسى الى تستر، فتحول سياه، فنزل بين رامهرمز و تستر، حتى قدم عمار بن ياسر، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان، فقال: قد علمتم انا كنا نتحدث ان هؤلاء القوم اهل الشقاء و البؤس سيغلبون على هذه المملكة، و تروث دوابهم في ايوانات اصطخر و مصانع الملوك، و يشدون خيولهم بشجرها، و قد غلبوا على ما رايتم، و ليس يلقون جندا الا فلوه، و لا ينزلون بحصن الا فتحوه، فانظروا لأنفسكم قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفنى كل رجل منكم حشمه و المنقطعين اليه، فانى ارى ان ندخل في دينهم و وجهوا شيرويه في عشره من الأساورة الى ابى موسى يأخذ شروطا على ان يدخلوا في الاسلام فقدم شيرويه على ابى موسى، فقال: انا قد رغبنا في دينكم، فنسلم على ان نقاتل معكم العجم، و لا نقاتل معكم العرب، و ان قاتلنا احد من العرب منعتمونا منه، و ننزل حيث شئنا، و نكون فيمن شئنا منكم، و تلحقونا باشراف العطاء، و يعقد لنا الأمير الذى هو فوقك بذلك فقال ابو موسى: بل لكم ما لنا، و عليكم ما علينا، قالوا:

لا نرضى.

و كتب ابو موسى الى عمر بن الخطاب، فكتب الى ابى موسى: أعطهم ما سالوك فكتب ابو موسى لهم، فأسلموا، و شهدوا معه حصار تستر، فلم يكن ابو موسى يرى منهم جدا و لا نكاية، فقال لسياه: يا اعور، ما أنت و أصحابك كما كنا نرى! قال: لسنا مثلكم في هذا الدين و لا بصائرنا كبصائركم، و ليس لنا فيكم حرم نحامى عنهم، و لم تلحقنا باشراف العطاء

91

و لنا سلاح و كراع و أنتم حسر فكتب ابو موسى الى عمر في ذلك، فكتب اليه عمر: ان الحقهم على قدر البلاء في افضل العطاء و اكثر شي‏ء اخذه احد من العرب ففرض لمائه منهم في الفين الفين، و لستة منهم في الفين، و خمسمائة لسياه و خسرو- و لقبه مقلاص- و شهريار، و شهرويه، و افروذين فقال الشاعر:

و لما راى الفاروق حسن بلائهم* * * و كان بما ياتى من الأمر أبصرا

فسن لهم الفين فرضا و قد راى* * * ثلاثمئين فرض عك و حميرا

قال: فحاصروا حصنا بفارس، فانسل سياه في آخر الليل في زي العجم حتى رمى بنفسه الى جنب الحصن، و نضح ثيابه بالدم، و اصبح اهل الحصن، فرأوا رجلا في زيهم صريعا، فظنوا انه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، فثار و قاتلهم حتى خلوا عن باب الحصن و هربوا، ففتح الحصن وحده، و دخله المسلمون، و قوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، و حاصروا حصنا، فمشى خسرو الى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم يكلمه، فرماه خسرو بنشابه فقتله.

و اما سيف فانه قال في روايته ما كتب به الى السرى، عن شعيب، عنه، عن محمد و طلحه و عمرو و دثار ابى عمر، عن ابى عثمان، قالوا: لما نزل ابو سبره في الناس على السوس، و احاط المسلمون بها، و عليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشوهم مرات، كل ذلك يصيب اهل السوس في المسلمين، فأشرف عليهم يوما الرهبان و القسيسون، فقالوا: يا معشر العرب، ان مما عهد إلينا علماؤنا و اوائلنا، انه لا يفتح السوس الا الدجال او قوم فيهم الدجال، فان كان الدجال فيكم فستفتحونها، و ان لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا و جاء صرف ابى موسى الى البصره، و عمل على اهل البصره المقترب مكان ابى موسى بالسوس، و اجتمع الأعاجم بنهاوند و النعمان على اهل الكوفه محاصرا لأهل السوس مع ابى سبره، و زر محاصر اهل نهاوند من‏

92

وجهه ذلك، و ضرب على اهل الكوفه، البعث مع حذيفة، و امرهم بموافاته بنهاوند، و اقبل النعمان على التهيؤ للسير الى نهاوند، ثم استقل في نفسه، فناوشهم قبل مضيه، فعاد الرهبان و القسيسون، و أشرفوا على المسلمين، و قالوا:

يا معشر العرب، لا تعنوا فانه لا يفتحها الا الدجال او قوم معهم الدجال، و صاحوا بالمسلمين و غاظوهم، و صاف بن صياد يومئذ مع النعمان في خيله، و ناهدهم المسلمون جميعا، و قالوا: نقاتلهم قبل ان نفترق، و لما يخرج ابو موسى بعد و اتى صاف باب السوس غضبان، فدقه برجله، و قال: انفتح فطار فتقطعت السلاسل، و تكسرت الأغلاق، و تفتحت الأبواب، و دخل المسلمون، فالقى المشركون بايديهم، و تنادوا: الصلح الصلح! و أمسكوا بايديهم، فاجابوهم الى ذلك بعد ما دخلوها عنوه، و اقتسموا ما أصابوا قبل الصلح، ثم افترقوا.

فخرج النعمان في اهل الكوفه من الاهواز حتى نزل على ماه، و سرح ابو سبره المقترب حتى ينزل على جندى سابور مع زر، فأقام النعمان بعد دخول ماه، حتى وافاه اهل الكوفه، ثم نهد بهم الى اهل نهاوند، فلما كان الفتح رجع صاف الى المدينة، فأقام بها، و مات بالمدينة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عمن اورد فتح السوس، قال: و قيل لأبي سبره: هذا جسد دانيال في هذه المدينة، قال: و ما لنا بذلك! فاقره بايديهم- قال عطية باسناده: ان دانيال كان لزم اسياف فارس بعد بختنصر، فلما حضرته الوفاة، و لم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الاسلام، اكرم كتاب الله عمن لم يجبه و لم يقبل منه، فاودعه ربه، فقال لابنه: ائت ساحل البحر، فاقذف بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام، و ضن به، و غاب مقدار ما كان ذاهبا و جائيا، و قال:

قد فعلت، قال: فما صنع البحر حين هوى فيه؟ قال: لم أره يصنع شيئا، فغضب و قال: و الله ما فعلت الذى امرتك به فخرج من عنده، ففعل مثل فعلته الاولى، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: كيف رايت البحر حين هوى فيه؟ قال: ماج و اصطفق، فغضب أشد من غضبه الاول، و قال:

و الله ما فعلت الذى امرتك به بعد، فعزم ابنه على القائه في البحر الثالثه،

93

فانطلق الى ساحل البحر، و القاه فيه، فانكشف البحر عن الارض حتى بدت، و انفجرت له الارض عن هواء من نور، فهوى في ذلك النور، ثم انطبقت عليه الارض، و اختلط الماء، فلما رجع اليه الثالثه ساله فاخبره الخبر، فقال: الان صدقت و مات دانيال بالسوس، فكان هنالك يستسقى بجسده، فلما افتتحها المسلمون أتوا به فأقروه في ايديهم، حتى إذا ولى ابو سبره عنهم الى جندى سابور اقام ابو موسى بالسوس و كتب الى عمر فيه، فكتب اليه يأمره بتوريته، فكفنه و دفنه المسلمون و كتب ابو موسى الى عمر بانه كان عليه خاتم و هو عندنا فكتب اليه ان تختمه، و في فصه نقش رجل بين اسدين‏

ذكر مصالحه المسلمين اهل جندى سابور

و فيها- اعنى سنه سبع عشره- كانت مصالحه المسلمين اهل جندى سابور.

ذكر الخبر عن امرهم و امرها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى عمرو و ابى سفيان و المهلب قالوا: لما فرغ ابو سبره من السوس خرج في جنده حتى نزل على جندى سابور، و زر بن عبد الله بن كليب محاصرهم، فأقاموا عليها يغادونهم و يراوحونهم القتال، فما زالوا مقيمين عليها حتى رمى اليهم بالأمان من عسكر المسلمين، و كان فتحها و فتح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجا المسلمين الا و أبوابها تفتح، ثم خرج السرح، و خرجت الاسواق، و انبث أهلها، فأرسل المسلمون: ان ما لكم؟ قالوا:

رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، و أقررنا لكم بالجزاء على ان تمنعونا فقالوا:

ما فعلنا، فقالوا: ما كذبنا، فسال المسلمون فيما بينهم، فإذا عبد يدعى مكنفا كان اصله منها، هو الذى كتب لهم فقالوا: انما هو عبد، فقالوا: انا لا نعرف حركم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه،

94

و لم نبدل، فان شئتم فاغدروا فأمسكوا عنهم، و كتبوا بذلك الى عمر، فكتب اليهم: ان الله عظم الوفاء، فلا تكونون اوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شك اجيزوهم، وفوا لهم فوفوا لهم، و انصرفوا عنهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: اذن عمر في الانسياح سنه سبع عشره في بلاد فارس، و انتهى في ذلك الى راى الأحنف بن قيس، و عرف فضله و صدقه، و فرق الأمراء و الجنود، و امر على اهل البصره أمراء، و امر على اهل الكوفه أمراء، و امر هؤلاء و هؤلاء بامره، و اذن لهم في الانسياح سنه سبع عشره، فساحوا في سنه ثمان عشره، و امر أبا موسى ان يسير من البصره الى منقطع ذمه البصره، فيكون هنالك حتى يحدث اليه، و بعث بالويه من ولى مع سهيل بن عدى حليف بنى عبد الاشهل، فقدم سهيل بالالويه، و دفع لواء خراسان الى الأحنف ابن قيس، و لواء أردشير خره و سابور الى مجاشع بن مسعود السلمى، و لواء اصطخر الى عثمان بن ابى العاص الثقفى، و لواء فسا و دارابجرد الى ساريه بن زنيم الكنانى، و لواء كرمان مع سهيل بن عدى، و لواء سجستان الى عاصم ابن عمرو- و كان عاصم من الصحابه- و لواء مكران الى الحكم بن عمير التغلبى فخرجوا في سنه سبع عشره، فعسكروا ليخرجوا الى هذه الكور فلم يستتب مسيرهم، حتى دخلت سنه ثمان عشره، و امدهم عمر باهل الكوفه، فامد سهيل بن عدى بعبد الله بن عبد الله بن عتبان، و أمد الأحنف بعلقمه ابن النضر، و بعبد الله بن ابى عقيل، و بربعى بن عامر، و بابن أم غزال.

و أمد عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الاشجعى، و أمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق المازنى قال بعضهم: كان فتح السوس و رامهرمز و توجيه الهرمزان الى عمر من تستر في سنه عشرين‏

. [أخبار متفرقة]

و حج بالناس في هذه السنه- اعنى سنه سبع عشره- عمر بن الخطاب، و كان عامله على مكة عتاب بن اسيد، و على اليمن يعلى بن اميه، و على اليمامه و البحرين عثمان بن ابى العاص و على عمان حذيفة بن محصن، و على‏

95

الشام من قد ذكرت اسماءهم قبل، و على الكوفه و أرضها سعد بن ابى وقاص، و على قضائها ابو قره، و على البصره و أرضها ابو موسى الأشعري- و قد ذكرت فيما مضى الوقت الذى عزل فيه عنها، و الوقت الذى رد فيه إليها أميرا و على القضاء- فيما قيل- ابو مريم الحنفي و قد ذكرت من كان على الجزيرة و الموصل قبل‏

96

سنه ثمان عشره‏

ذكر الاحداث التي كانت في سنه ثمان عشره‏

قال ابو جعفر: و في هذه السنه- اعنى سنه ثمان عشره- اصابت الناس مجاعه شديده و لزبه، و جدوب و قحوط، و ذلك هو العام الذى يسمى عام الرماده.

ذكر القحط و عام الرماده‏

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، قال: دخلت سنه ثمان عشره، و فيها كان عام الرماده و طاعون عمواس، فتفانى فيها الناس.

و حدثنى احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: كانت الرماده سنه ثمان عشره قال:

و كان في ذلك العام طاعون عمواس.

كتب الى السرى يقول: حدثنا شعيب، عن سيف، عن الربيع و ابى المجالد و ابى عثمان و ابى حارثة، قالوا: و كتب ابو عبيده الى عمر: ان نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، و ابو جندل، فسألناهم فتأولوا، و قالوا: خيرنا فاخترنا، قال: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏»! و لم يعزم علينا.

فكتب اليه عمر: فذلك بيننا و بينهم، «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏»، يعنى فانتهوا و جمع الناس، فاجتمعوا على ان يضربوا فيها ثمانين جلده، و يضمنوا الفسق من تأول عليها بمثل هذا، فان ابى قتل.

فكتب عمر الى ابى عبيده ان ادعهم، فان زعموا انها حلال فاقتلهم، و ان زعموا انها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث اليهم فسألهم على رءوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، و حد القوم، و ندموا على لجاجتهم،

97

و قال: ليحدثن فيكم يا اهل الشام حادث، فحدثت الرماده.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبى بمثله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: لما قدم على عمر كتاب ابى عبيده في ضرار و ابى جندل، كتب الى ابى عبيده في ذلك، و امره ان يدعو بهم على رءوس الناس فيسألهم:

ا حرام الخمر أم حلال؟ فان قالوا: حرام، فاجلدوهم ثمانين جلده، و استتبهم، و ان قالوا: حلال، فاضرب أعناقهم فدعا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيوا فلزموا البيوت و وسوس ابو جندل، فكتب ابو عبيده الى عمر: ان أبا جندل قد وسوس، الا ان يأتيه الله على يديك بفرج، فاكتب اليه و ذكره، فكتب اليه عمر و ذكره، فكتب اليه: من عمر الى ابى جندل «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*»، فتب و ارفع راسك، و ابرز و لا تقنط، فان الله عز و جل، يقول: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏» فلما قراه عليه ابو عبيده تطلق و اسفر عنه و كتب الى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، و كتب الى الناس: عليكم انفسكم، و من استوجب التغيير فغيروا عليه، و لا تعيروا أحدا فيفشوا فيكم البلاء.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوا منه، الا انه لم يذكر انه كتب الى الناس الا يعيروهم، و قال:

قالوا: جاشت الروم، دعونا نغزوهم، فان قضى الله لنا الشهاده فذلك، و الا عمدت للذي يريد فاستشهد ضرار بن الأزور في قوم، و بقي الآخرون فحدوا و قال ابو الزهراء القشيرى في ذلك:

ا لم تر ان الدهر يعثر بالفتى* * * و ليس على صرف المنون بقادر

98

صبرت و لم اجزع و قد مات اخوتى* * * و لست عن الصهباء يوما بصابر

رماها امير المؤمنين بحتفها* * * فخلانها يبكون حول المعاصر

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان و ابى المجالد جراد بن عمرو و ابى عثمان يزيد بن اسيد الغساني، و ابى حارثة محرز العبشمى باسنادهم، و محمد بن عبد الله، عن كريب، قالوا:

اصابت الناس في اماره عمر رضى الله عنه سنه بالمدينة و ما حولها، فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد، فسمى ذلك العام عام الرماده، فالى عمر الا يذوق سمنا و لا لبنا و لا لحما حتى يحيى الناس من أول الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا، فقدمت السوق عكة من سمن و وطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم اتى عمر، فقال: يا امير المؤمنين، قد ابر الله يمينك، و عظم اجرك، قدم السوق و طب من لبن و عكة من سمن، فابتعتهما بأربعين، فقال عمر: ا غليت بهما، فتصدق بهما، فانى اكره ان آكل إسرافا و قال عمر: كيف يعنيني شان الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم! كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف السلمى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنه سبع عشره و أول سنه ثمان عشره، و كانت الرماده جوعا أصاب الناس بالمدينة و ما حولها فاهلكهم حتى جعلت الوحش تأوي الى الانس، و حتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها من قبحها، و انه لمقفر.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان الناس بذلك و عمر كالمحصور عن اهل الأمصار، حتى اقبل بلال بن الحارث المزنى، فاستأذن عليه، فقال:

انا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله ص: لقد عهدتك كيسا، و ما زلت على رجل، فما شانك! فقال: متى رايت هذا؟

قال: البارحه، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعه! فصلى بهم ركعتين،

99

ثم قام فقال: ايها الناس، أنشدكم الله، هل تعلمون منى امرا غيره خير منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فان بلال بن الحارث يزعم ذيه و ذيه، فقالوا:

صدق بلال، فاستغث بالله و بالمسلمين، فبعث اليهم- و كان عمر عن ذلك محصورا- فقال عمر: الله اكبر! بلغ البلاء مدته فانكشف، ما اذن لقوم في الطلب الا و قد رفع عنهم‏

3

البلاء، فكتب الى أمراء الأمصار:

أغيثوا اهل المدينة و من حولها، فانه قد بلغ جهدهم، و اخرج الناس الى الاستسقاء، فخرج و خرج معه بالعباس ماشيا، فخطب فاوجز، ثم صلى، ثم جثا لركبتيه، و قال: اللهم‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اللهم اغفر لنا و ارحمنا و ارض عنا ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين حتى خاضوا الغدران كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عاما، فهزل المال، فقال اهل بيت من مزينه من اهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاه، قال: ليس فيهن شي‏ء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاه، فسلخ عن عظم احمر، فنادى: يا محمداه! فأرى فيما يرى النائم ان رسول الله(ص)أتاه، فقال: ابشر بالحيا! ائت عمر فاقرئه منى السلام، و قل له: ان عهدي بك و أنت وفى العهد، شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر! فجاء حتى اتى باب عمر، فقال لغلامه:

استاذن لرسول رسول الله ص، فاتى عمر فاخبره، ففزع و قال:

رايت به مسا! قال: لا، قال: فادخله، فدخل فاخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، و صعد المنبر، و قال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام، هل رايتم منى شيئا تكرهونه! قالوا: اللهم لا، قالوا: و لم ذاك؟ فاخبرهم، ففطنوا و لم يفطن، فقالوا: انما استبطأك في الاستسقاء، فاستسق بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فاوجز، ثم صلى ركعتين فاوجز، ثم قال:

اللهم عجزت عنا أنصارنا، و عجز عنا حولنا و قوتنا، و عجزت عنا أنفسنا،

100

و لا حول و لا قوه الا بك، اللهم فاسقنا، و احى العباد و البلاد! كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان و جراد ابى المجالد و ابى عثمان و ابى حارثة، كلهم عن رجاء- و زاد ابو عثمان و ابو حارثة: عن عباده و خالد، عن عبد الرحمن بن غنم- قالوا: كتب عمر الى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة و من حولها، و يستمدهم، فكان أول من قدم عليه ابو عبيده بن الجراح في اربعه آلاف راحله من طعام، فولاه قسمتها فيمن حول المدينة، فلما فرغ و رجع اليه امر له باربعه آلاف درهم، فقال: لا حاجه لي فيها يا امير المؤمنين، انما اردت الله و ما قبله، فلا تدخل على الدنيا، فقال: خذها فلا باس بذلك إذ لم تطلبه، فأبى فقال: خذها فانى قد وليت لرسول الله(ص)مثل هذا، فقال لي مثل ما قلت لك، فقلت له كما قلت لي فأعطاني فقبل ابو عبيده و انصرف الى عمله، و تتابع الناس و استغنى اهل الحجاز، و أحيوا مع أول الحيا.

و قالوا باسنادهم: و جاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الاستغاثة: ان البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله(ص)حفيرا، فصب في بحر العرب، فسده الروم و القبط، فان احببت ان يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرت له نهرا و بنيت له قناطير فكتب اليه عمر: ان افعل و عجل ذلك، فقال له اهل مصر: خراجك زاج، و اميرك راض، و ان تم هذا انكسر الخراج فكتب الى عمر بذلك، و ذكر ان فيه انكسار خراج مصر و خرابها فكتب اليه عمر: اعمل فيه و عجل، اخرب الله مصر في عمران المدينة و صلاحها، فعالجه عمرو و هو بالقلزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر، و لم يزد ذلك مصر الا رخاء، و لم ير اهل المدينة بعد الرماده مثلها، حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان رضى الله عنه فذلوا و تقاصروا و خشعوا

101

قال ابو جعفر: و زعم الواقدى ان الرقة و الرها و حران فتحت في هذه السنه على يدي عياض بن غنم، و ان عين الورده فتحت فيها على يدي عمير ابن سعد و قد ذكرت قول من خالفه في ذلك فيما مضى، و زعم ان عمر رضى الله عنه حول المقام في هذه السنه في ذي الحجه الى موضعه اليوم، و كان ملصقا بالبيت قبل ذلك و قال: مات في طاعون عمواس خمسه و عشرون ألفا.

قال ابو جعفر: و قال بعضهم: و في هذه السنه استقضى عمر شريح ابن الحارث الكندى على الكوفه، و على البصره كعب بن سور الأزدي.

قال: و حج بالناس في هذه السنه عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

و كانت ولاته في هذه السنه على الأمصار الولاه الذين كانوا عليها في سنه سبع عشره‏

102

سنه تسع عشره‏

ذكر الاحداث التي كانت في سنه تسع عشره‏

قال ابو جعفر: قال ابو معشر- فيما حدثنى احمد بن ثابت الرازى، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى عنه: ان فتح جلولاء كان في سنه تسع عشره على يدي سعد، و كذلك قال الواقدى.

و قال ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة و الرهاء و حران و راس العين و نصيبين في سنه تسع عشره.

قال ابو جعفر: و قد ذكرنا قول من خالفهم في ذلك قبل.

و قال ابو معشر: كان فتح قيساريه في هذه السنه- اعنى سنه تسع عشره- و أميرها معاويه بن ابى سفيان، حدثنى بذلك احمد بن ثابت الرازى، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و كالذي قال ابو معشر في ذلك قال الواقدى.

و اما ابن إسحاق فانه قال: كان فتح قيساريه من فلسطين و هرب هرقل و فتح مصر في سنه عشرين، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عنه.

و اما سيف بن عمر فانه قال: كان فتحها في سنه ست عشره.

قال: و كذلك فتح مصر.

و قد مضى الخبر عن فتح قيساريه قبل، و انا ذاكر خبر مصر و فتحها بعد في قول، من قال: فتحت سنه عشرين، و في قول من خالف ذلك.

قال ابو جعفر: و في هذه السنه- اعنى سنه تسع عشره- سالت حره ليلى نارا- فيما زعم الواقدى- فاراد عمر الخروج إليها بالرجال، ثم امرهم بالصدقه فانطفات‏

103

و زعم أيضا الواقدى ان المدائن و جلولاء فتحتا في هذه السنه، و قد مضى ذكر من خالفه في ذلك.

و حج بالناس في هذه السنه عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

و كان عماله على الأمصار و قضاته فيها الولاه و القضاه الذين كانوا عليها في سنه ثمان عشره‏

104

عشرين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من مغازي المسلمين و غير ذلك من أمورهم‏

قال ابو جعفر: ففي هذه السنه فتحت مصر في قول ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

فتحت مصر سنه عشرين.

و كذلك قال ابو معشر، حدثنى احمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، انه قال: فتحت مصر سنه عشرين، و أميرها عمرو بن العاص.

و حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: فتحت اسكندريه سنه خمس و عشرين.

و قال الواقدى- فيما حدثت عن ابن سعد عنه: فتحت مصر و الإسكندرية في سنه عشرين.

و اما سيف فانه زعم- فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف- انها فتحت و الإسكندرية في سنه ست عشره.

ذكر الخبر عن فتحها و فتح الإسكندرية

قال ابو جعفر: قد ذكرنا اختلاف اهل السير في السنه التي كان فيها فتح مصر و الإسكندرية، و نذكر الان سبب فتحهما، و على يدي من كان، على ما في ذلك من اختلاف بينهم أيضا، فاما ابن إسحاق فانه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه عنه، ان عمر رضى الله عنه حين فرغ من الشام كلها كتب الى عمرو بن العاص ان يسير الى مصر في جنده، فخرج حتى فتح باب اليون في سنه عشرين.

قال: و قد اختلف في فتح الإسكندرية، فبعض الناس يزعم انها فتحت‏