تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
105

في سنه خمس و عشرين، و على سنتين من خلافه عثمان بن عفان رضى الله عنه، و عليها عمرو بن العاص.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق، قال: و حدثنى القاسم بن قزمان- رجل من اهل مصر- عن زياد بن جزء الزبيدى، انه حدثه انه كان في جند عمرو بن العاص حين افتتح مصر و الإسكندرية، قال: افتتحنا الإسكندرية في خلافه عمر بن الخطاب في سنه احدى و عشرين- او سنه اثنتين و عشرين- قال: لما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا و بين الإسكندرية قريه فقريه، حتى انتهينا الى بلهيب- قريه من قرى الريف، يقال لها قريه الريش- و قد بلغت سبايانا المدينة و مكة و اليمن.

قال: فلما انتهينا الى بلهيب ارسل صاحب الإسكندرية الى عمرو ابن العاص: انى قد كنت اخرج الجزية الى من هو ابغض الى منكم معشر العرب لفارس و الروم، فان احببت ان أعطيك الجزية على ان ترد على ما أصبتم من سبايا ارضى فعلت.

قال: فبعث اليه عمرو بن العاص: ان ورائي أميرا لا استطيع ان اصنع امرا دونه، فان شئت ان امسك عنك و تمسك عنى حتى اكتب اليه بالذي عرضت على، فان هو قبل ذلك منك قبلت، و ان أمرني بغير ذلك مضيت لأمره قال: فقال: نعم قال: فكتب عمرو بن العاص الى عمر ابن الخطاب- قال: و كانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به- يذكر له الذى عرض عليه صاحب الإسكندرية قال: و في أيدينا بقايا من سبيهم ثم وقفنا ببلهيب، و أقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا، فقراه علينا عمرو و فيه: اما بعد، فانه جاءني كتابك تذكر ان صاحب الإسكندرية عرض ان يعطيك الجزية على ان ترد عليه ما اصيب من سبايا ارضه، و لعمري لجزية قائمه تكون لنا و لمن بعدنا من المسلمين أحب الى من في‏ء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية ان يعطيك الجزية، على ان تخيروا من في ايديكم من سبيهم بين الاسلام و بين دين قومه، فمن اختار

106

منهم الاسلام فهو من المسلمين، له ما لهم و عليه ما عليهم، و من اختار دين قومه، وضع عليه من الجزية ما يوضع على اهل دينه، فاما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة و المدينة و اليمن فانا لا نقدر على ردهم، و لا نحب ان نصالحه على امر لا نفى له به قال: فبعث عمرو الى صاحب الإسكندرية يعلمه الذى كتب به امير المؤمنين قال: فقال: قد فعلت.

قال: فجمعنا ما في أيدينا من السبايا، و اجتمعت النصارى، فجعلنا ناتى بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيره بين الاسلام و بين النصرانية، فإذا اختار الاسلام كبرنا تكبيره هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية، قال: ثم نحوزه إلينا، و إذا اختار النصرانية نخرت النصارى، ثم حازوه اليهم، و وضعنا عليه الجزية، و جزعنا من ذلك جزعا شديدا، حتى كأنه رجل خرج منا اليهم قال: فكان ذلك الداب حتى فرغنا منهم، و قد اتى فيمن أتينا به بابى مريم عبد الله بن عبد الرحمن- قال القاسم: و قد أدركته و هو عريف بنى زبيد- قال: فوقفناه، فعرضنا عليه الاسلام و النصرانية- و أبوه و أمه و اخوته في النصارى- فاختار الاسلام، فحزناه إلينا، و وثب عليه أبوه و أمه و اخوته يجاذبوننا، حتى شققوا عليه ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا كما ترى ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، و ان هذه الكناسة التي ترى يا بن ابى القاسم لكناسة بناحيه الإسكندرية حولها احجار كما ترى، ما زادت و لا نقصت، فمن زعم غير ذلك ان الإسكندرية و ما حولها من القرى لم يكن لها جزية و لا لأهلها عهد، فقد و الله كذب قال القاسم: و انما هاج هذا الحديث ان ملوك بنى اميه كانوا يكتبون الى أمراء مصر ان مصر انما دخلت عنوه، و انما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، و نضع ما شئنا.

قال ابو جعفر: و اما سيف، فانه ذكر فيما كتب به الى السرى، يذكر ان شعيبا حدثه عنه، عن الربيع ابى سعيد، و عن ابى عثمان و ابى حارثة، قالوا: اقام عمر بايلياء بعد ما صالح أهلها، و دخلها أياما، فامضى عمرو ابن العاص الى مصر و امره عليها، ان فتح الله عليه، و بعث في اثره الزبير

107

ابن العوام مددا له، و بعث أبا عبيده الى الرماده، و امره ان فتح الله عليه ان يرجع الى عمله كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، قال: حدثنا ابو عثمان عن خالد و عباده، قالا: خرج عمرو بن العاص الى مصر بعد ما رجع عمر الى المدينة، حتى انتهى الى باب اليون، و اتبعه الزبير، فاجتمعا، فلقيهم هنالك ابو مريم جاثليق مصر و معه الاسقف في اهل النيات بعثه المقوقس لمنع بلادهم فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل اليهم: لا تعجلونا لنعذر إليكم، و ترون رأيكم بعد فكفوا اصحابهم، و ارسل اليهم عمرو: انى بارز فليبرز الى ابو مريم و ابو مريام، فأجابوه الى ذلك، و آمن بعضهم بعضا، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلده فاسمعا، ان الله عز و جل بعث محمدا(ص)بالحق و امره به، و امرنا به محمد ص، و ادى إلينا كل الذى امر به، ثم مضى صلوات الله عليه و رحمته و قد قضى الذى عليه، و تركنا على الواضحه، و كان مما امرنا به الاعذار الى الناس، فنحن ندعوكم الى الاسلام، فمن أجابنا اليه فمثلنا، و من لم يجبنا عرضنا عليه الجزية، و بذلنا له المنعه، و قد اعلمنا انا مفتتحوكم، و أوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم، و ان لكم ان أجبتمونا بذلك ذمه الى ذمه و مما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيين خيرا، [فان رسول الله(ص)أوصانا بالقبطين خيرا، لان لهم رحما و ذمه،] فقالوا: قرابه بعيده لا يصل مثلها الا الأنبياء، معروفه شريفه، كانت ابنه ملكنا، و كانت من اهل منف و الملك فيهم، فاديل عليهم اهل عين شمس، فقتلوهم و سلبوا ملكهم و اغتربوا، فلذلك صارت الى ابراهيم(ع)مرحبا به و أهلا، آمنا حتى نرجع إليك فقال عمرو: ان مثلي لا يخدع، و لكنى أؤجلكما ثلاثا لتنظرا و لتناظرا قومكما، و الا ناجزتكم، قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا، فزادهم يوما، فرجعا الى المقوقس فهم، فأبى ارطبون ان يجيبهما، و امر بمناهدتهم،

108

فقالا لأهل مصر: اما نحن فسنجهد ان ندفع عنكم، و لا نرجع اليهم، و قد بقيت اربعه ايام، فلا تصابون فيها بشي‏ء الا رجونا ان يكون له أمان فلم يفجا عمر و الزبير الا البيات من فرقب، و عمرو على عده، فلقوه فقتل و من معه، ثم ركبوا اكساءهم، و قصد عمرو و الزبير لعين شمس، و بها جمعهم، و بعث الى الفرما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها، و بعث عوف بن مالك الى الإسكندرية، فنزل عليها، فقال كل واحد منهما لأهل مدينته: ان تنزلوا فلكم الامان، فقالوا: نعم، فراسلوهم، و تربص بهم اهل عين شمس، و سبى المسلمون من بين ذلك و قال عوف بن مالك: ما احسن مدينتكم يا اهل الإسكندرية! فقالوا: ان الاسكندر قال: انى ابنى مدينه الى الله فقيره، و عن الناس غنيه- او لابنين مدينه الى الله فقيره، و عن الناس غنيه- فبقيت بهجتها.

و قال أبرهة لأهل الفرما: ما اخلق مدينتكم يا اهل الفرما؟ قالوا:

ان الفرما قال: انى ابنى مدينه عن الله غنيه، و الى الناس فقيره، فذهبت بهجتها.

و كان الاسكندر و الفرما اخوين.

قال ابو جعفر: قال الكلبى: كان الاسكندر و الفرما اخوين، ثم حدث بمثل ذلك، فنسبتا إليهما، فالفرما ينهدم فيها كل يوم شي‏ء، و خلقت مرآتها، و بقيت جده الإسكندرية.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، قالا: لما نزل عمرو على القوم بعين شمس، و كان الملك بين القبط و النوب، و نزل معه الزبير عليها قال اهل مصر لملكهم: ما تريد الى قوم فلوا كسرى و قيصر، و غيرهم على بلادهم! صالح القوم و اعتقد منهم، و لا تعرض لهم، و لا تعرضنا لهم- و ذلك في اليوم الرابع- فأبى، و ناهدوهم فقاتلوهم، و ارتقى الزبير سورها، فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو، و خرجوا اليه مصالحين، فقبل منهم، و نزل الزبير عليهم عنوه، حتى خرج على عمرو من الباب‏

109

معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة، فأجروا ما أخذ عنوه مجرى ما صالح عليه، فصاروا ذمه، و كان صلحهم:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى عمرو بن العاص اهل مصر من الامان على انفسهم و ملتهم و أموالهم و كنائسهم و صلبهم، و برهم و بحرهم، لا يدخل عليهم شي‏ء من ذلك و لا ينتقص، و لا يساكنهم النوب و على اهل مصر ان يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، و انتهت زياده نهرهم خمسين الف الف، و عليهم ما جنى لصوتهم، فان ابى احد منهم ان يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، و ذمتنا ممن ابى بريئة، و ان نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، و من دخل في صلحهم من الروم و النوب فله مثل ما لهم، و عليه مثل ما عليهم، و من ابى و اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، او يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جبايه ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله و ذمته و ذمه رسوله و ذمه الخليفة امير المؤمنين و ذمم المؤمنين، و على النوبه، الذين استجابوا ان يعينوا بكذا و كذا راسا، و كذا و كذا فرسا، على الا يغزوا و لا يمنعوا من تجاره صادره و لا وارده شهد الزبير و عبد الله و محمد ابناه و كتب وردان و حضر.

فدخل في ذلك اهل مصر كلهم، و قبلوا الصلح، و اجتمعت الخيول فمصر عمرو الفسطاط، و نزله المسلمون، و ظهر ابو مريم و ابو مريام، فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فقال: ا و لهم عهد و عقد؟ ا لم نحالفكما و يغار علينا من يومكما! و طردهما، فرجعا و هما يقولان: كل شي‏ء أصبتموه الى ان نرجع إليكم ففي ذمه منكم، فقال لهما: ا تغيرون علينا و هم في ذمه؟ قالا: نعم، و قسم عمرو ذلك السبى على الناس، و توزعوه، و وقع في بلدان العرب و قدم البشير على عمر بعد بالأخماس، و بعث الوفود

110

فسألهم عمر، فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق و صاحبه، فقال:

الا اراهما يبصران و أنتم تجاهلون و لا تبصرون! من قاتلكم فلا أمان له، و من لم يقاتلكم فاصابه منكم شي‏ء من اهل القرى فله الامان في الأيام الخمسة حتى تنصرم، و بعث في الافاق حتى رد ذلك السبى الذى سبوا ممن لم يقاتل في الأيام الخمسة الا من قاتل بعد، فترادوهم الا ما كان من ذلك الضرب، و حضرت القبط باب عمرو، و بلغ عمرا انهم يقولون: ما ارث العرب و اهون عليهم انفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم! فخاف ان يستثيرهم ذلك من امرهم، فامر بجزر فذبحت، فطبخت بالماء و الملح، و امر أمراء الأجناد ان يحضروا، و اعلموا اصحابهم، و جلس و اذن لأهل مصر، و جي‏ء باللحم و المرق فطافوا به على المسلمين، فأكلوا اكلا عربيا، انتشلوا و حسوا و هم في العباء و لا سلاح، فافترق اهل مصر و قد ازدادوا طمعا و جراه، و بعث في أمراء الجنود في الحضور باصحابهم من الغد، و امرهم ان يجيئوا في ثياب اهل مصر و احذيتهم، و امرهم ان يأخذوا اصحابهم بذلك ففعلوا، و اذن لأهل مصر، فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس، و قام عليهم القوام بألوان مصر، فأكلوا اكل اهل مصر، و نحوا نحوهم، فافترقوا و قد ارتابوا، و قالوا: كدنا و بعث اليهم ان تسلحوا للعرض غدا، و غدا على العرض، و اذن لهم فعرضهم عليهم ثم قال: انى قد علمت انكم رايتم في انفسكم انكم في شي‏ء حين رايتم اقتصاد العرب و هون تزجيتهم، فخشيت ان تهلكوا، فاحببت ان أريكم حالهم، و كيف كانت في ارضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فظفروا بكم، و ذلك عيشهم، و قد كلبوا على بلادكم قبل ان ينالوا منها ما رايتم في اليوم الثانى، فاحببت ان تعلموا ان من رايتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثانى، و راجع الى عيش اليوم الاول فتفرقوا و هم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.

و بلغ عمر، فقال لجلسائه: و الله ان حربه للينه ما لها سطوه و لا سوره كسورات الحروب من غيره، ان عمرا لعض ثم امره عليها و قام بها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى سعيد الربيع ابن النعمان، عن عمرو بن شعيب، قال: لما التقى عمرو و المقوقس بعين شمس،

111

و اقتتلت خيلاهما، جعل المسلمون يجولون بعد البعد فدمرهم عمرو، فقال رجل من اهل اليمن: انا لم نخلق من حجارة و لا حديد! فقال: اسكت، فإنما أنت كلب، قال: فأنت امير الكلاب، قال: فلما جعل ذلك يتواصل نادى عمرو: اين اصحاب رسول الله ص؟ فحضر من شهدها من اصحاب رسول الله ص، فقال: تقدموا، فبكم ينصر الله المسلمين فتقدموا و فيهم يومئذ ابو برده و ابو برزه، و ناهدهم الناس يتبعون الصحابه، ففتح الله على المسلمين، و ظفروا احسن الظفر.

و افتتحت مصر في ربيع الاول سنه ست عشره، و قام فيها ملك الاسلام على رجل، و جعل يفيض على الأمم و الملوك، فكان اهل مصر يتدفقون على الأجل، و اهل مكران على راسل و داهر، و اهل سجستان على الشاه و ذويه، و اهل خراسان و الباب على خاقان، و خاقان و من دونهما من الأمم، فكفكفهم عمر إبقاء على اهل الاسلام، و لو خلى سربهم لبلغوا كل منهل.

حدثنى على بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن ابى حبيب، ان المسلمين لما فتحوا مصر غزوا نوبه مصر، فقفل المسلمون بالجراحات، و ذهاب الحدق من جوده الرمى، فسموا رماه الحدق، فلما ولى عبد الله بن سعد بن ابى سرح مصر، ولاه إياها عثمان بن عفان رضى الله عنه، صالحهم على هديه عده رؤوس منهم، يؤدونهم الى المسلمين في كل سنه، و يهدى اليهم المسلمون في كل سنه طعاما مسمى و كسوه من نحو ذلك.

قال على: قال الوليد: قال ابن لهيعة: و امضى ذلك الصلح عثمان و من بعده من الولاه و الأمراء، و اقره عمر بن عبد العزيز نظرا منه للمسلمين، و إبقاء عليهم.

قال سيف: و لما كان ذو القعده من سنه ست عشره، وضع عمر رضى الله عنه مسالح مصر على السواحل كلها، و كان داعيه ذلك ان هرقل اغزى‏

112

مصر و الشام في البحر، و نهد لأهل حمص بنفسه، و ذلك لثلاث سنين و سته اشهر من اماره عمر رضى الله عنه‏

[أخبار متفرقة]

قال ابو جعفر: و في هذه السنه- اعنى سنه عشرين- غزا ارض الروم ابو بحريه الكندى عبد الله بن قيس، و هو أول من دخلها- فيما قيل و قيل:: أول من دخلها ميسره بن مسروق العبسى، فسلم و غنم.

قال: و قال الواقدى: و في هذه السنه عزل قدامه بن مظعون عن البحرين، وحده في شرب الخمر.

و فيها استعمل عمر أبا هريرة على البحرين و اليمامه.

قال: و فيها تزوج عمر فاطمه بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.

قال: و فيها توفى بلال بن رباح رضى الله عنه، و دفن في مقبره دمشق.

و فيها عزل عمر سعدا عن الكوفه لشكايتهم اياه، و قالوا: لا يحسن يصلى.

و فيها قسم عمر خيبر بين المسلمين، و اجلى اليهود منها، و بعث أبا حبيبه الى فدك فأقام لهم نصف، فأعطاهم، و مضى الى وادي القرى فقسمها.

و فيها اجلى يهود نجران الى الكوفه- فيما زعم الواقدى.

قال الواقدى: و في هذه السنه- اعنى سنه عشرين- دون عمر رضى الله عنه الدواوين قال ابو جعفر: قد ذكرنا قول من خالفه.

و فيها بعث عمر رضى الله عنه علقمه بن مجزز المدلجى الى الحبشه في البحر، و ذلك ان الحبشه كانت تطرفت- فيما ذكر- طرفا من اطراف الاسلام، فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه الا بحمل في البحر أحدا ابدا

113

و اما ابو معشر فانه قال- فيما حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوه الأساودة في البحر سنه احدى و ثلاثين.

قال الواقدى: و فيها مات اسيد بن الحضير في شعبان.

و فيها ماتت زينب بنت جحش.

و حج في هذه السنه عمر رضى الله عنه.

و كانت عماله في هذه السنه على الأمصار عماله عليها في السنه التي قبلها، الا من ذكرت انه عزله و استبدل به غيره، و كذلك قضاته فيها كانوا القضاه الذين كانوا في السنه التي قبلها

114

احدى و عشرين‏

قال ابو جعفر: و فيها كانت وقعه نهاوند في قول ابن إسحاق، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عنه.

و كذلك قال ابو معشر، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و كذلك قال الواقدى.

و اما سيف بن عمر فانه قال: كانت وقعه نهاوند في سنه ثمان عشره في سنه ست من اماره عمر، كتب الى بذلك السرى، عن شعيب، عن سيف.

ذكر الخبر عن وقعه المسلمين و الفرس بنهاوند

و كان ابتداء ذلك- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال- كان من حديث نهاوند ان النعمان بن مقرن كان عاملا على كسكر، فكتب الى عمر رضى الله عنه يخبره ان سعد ابن ابى وقاص استعمله على جبابه الخراج، و قد احببت الجهاد و رغبت فيه.

فكتب عمر الى سعد: ان النعمان كتب الى يذكر انك استعملته على جبايه الخراج، و انه قد كره ذلك، و رغب في الجهاد، فابعث به الى أهم وجوهك، الى نهاوند.

قال: و قد اجتمعت بنهاوند الأعاجم، عليهم ذو الحاجب- رجل من الأعاجم- فكتب عمر الى النعمان بن مقرن:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر امير المؤمنين الى النعمان بن‏

115

مقرن، سلام عليك، فانى احمد إليك الله الذى لا اله الا هو، اما بعد، فانه قد بلغنى ان جموعا من الأعاجم كثيره قد جمعوا لكم بمدينه نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله، و بعون الله، و بنصر الله، بمن معك من المسلمين، و لا توطئهم وعرا فتؤذيهم، و لا تمنعهم حقهم فتكفرهم، و لا تدخلنهم غيضه، فان رجلا من المسلمين أحب الى من مائه الف دينار و السلام عليك.

فسار النعمان اليه و معه وجوه اصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم)، منهم حذيفة بن اليمان، و عبد الله بن عمر بن الخطاب، و جرير بن عبد الله البجلي، و المغيره بن شعبه، و عمرو بن معديكرب الزبيدى، و طليحة بن خويلد الأسدي، و قيس بن مكشوح المرادى فلما انتهى النعمان بن مقرن في جنده الى نهاوند، طرحوا له حسك الحديد، فبعث عيونا، فساروا لا يعلمون بالحسك، فزجر بعضهم فرسه، و قد دخلت في يده حسكه، فلم يبرح، فنزل، فنظر في يده فإذا في حافره حسكه، فاقبل بها، و اخبر النعمان الخبر، فقال النعمان للناس: ما ترون؟ فقالوا: انتقل من منزلك هذا حتى يروا انك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك، فانتقل النعمان من منزله ذلك، و كنست الأعاجم الحسك، ثم خرجوا في طلبه، و عطف عليهم النعمان، فضرب عسكره، ثم عبى كتائبه، و خطب الناس فقال: ان اصبت فعليكم حذيفة بن اليمان، و ان اصيب فعليكم جرير بن عبد الله، و ان اصيب جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح، فوجد المغيره بن شعبه في نفسه إذ لم يستخلفه، فأتاه، فقال له: ما تريد ان تصنع؟ فقال: إذا اظهرت قاتلتهم، لانى رايت رسول الله(ص)يستحب ذلك، فقال المغيره: لو كنت بمنزلتك باكرتهم القتال، قال له النعمان: ربما باكرت القتال، ثم لم يسود الله وجهك و ذلك يوم الجمعه فقال النعمان:

نصلى ان شاء الله، ثم نلقى عدونا دبر الصلاة، فلما تصافوا قال النعمان للناس: انى مكبر ثلاثا، فإذا كبرت الاولى فشد رجل شسعه، و اصلح‏

116

من شانه، فإذا كبرت الثانيه، فشد رجل ازاره، و تهيأ لوجه حملته، فإذا كبرت الثالثه فاحملوا عليهم، فانى حامل و خرجت الأعاجم قد شدوا انفسهم بالسلاسل لئلا يفروا، و حمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فرمى النعمان بنشابه فقتل (رحمه الله)، فلفه اخوه سويد بن مقرن في ثوبه، و كتم قتله حتى فتح الله عليهم، ثم دفع الراية الى حذيفة بن اليمان، و قتل الله ذا الحاجب، و افتتحت نهاوند، فلم يكن للاعاجم بعد ذلك جماعه.

قال ابو جعفر: و قد كان- فيما ذكر لي- بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه السائب بن الأقرع، مولى ثقيف- و كان رجلا كاتبا حاسبا- فقال: الحق بهذا الجيش فكن فيهم، فان فتح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئهم، و خذ خمس الله و خمس رسوله، و ان هذا الجيش اصيب، فاذهب في سواد الارض، فبطن الارض خير من ظهرها.

قال السائب: فلما فتح الله على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظاما، فو الله انى لاقسم بين الناس، إذ جاءني علج من أهلها فقال: ا تؤمننى على نفسي و اهلى و اهل بيتى، على ان ادلك على كنوز النخيرجان- و هي كنوز آل كسرى- تكون لك و لصاحبك، لا يشركك فيها احد؟ قال: قلت:

نعم، قال: فابعث معى من ادله عليها، فبعثت معه، فاتى بسفطين عظيمين ليس فيهما الا اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت، فلما فرغت من قسمي بين الناس احتملتهما معى، ثم قدمت على عمر بن الخطاب، فقال: ما وراءك يا سائب؟

فقلت: خير يا امير المؤمنين، فتح الله عليك باعظم الفتح، و استشهد النعمان ابن مقرن (رحمه الله) فقال عمر: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! قال: ثم بكى فنشج، حتى انى لانظر الى فروع منكبيه من فوق كتده قال: فلما رايت ما لقى قلت: و الله يا امير المؤمنين ما اصيب بعده من رجل يعرف وجهه فقال المستضعفون من المسلمين: لكن الذى اكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم و انسابهم، و ما يصنعون بمعرفة عمر بن أم عمر! ثم قام ليدخل، فقلت: ان‏

117

معى مالا عظيما قد جئت به، ثم اخبرته خبر السفطين، قال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما، و الحق بجندك قال: فأدخلتهما بيت المال، و خرجت سريعا الى الكوفه قال: و بات تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما اصبح بعث في اثرى رسولا، فو الله ما أدركني حتى دخلت الكوفه، فأنخت بعيري، و اناخ بعيره على عرقوبى بعيري، فقال: الحق بامير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك، فلم اقدر عليك الا الان قال: قلت: ويلك! ما ذا و لما ذا؟ قال: لا ادرى و الله، قال: فركبت معه حتى قدمت عليه، فلما رآنى قال: ما لي و لابن أم السائب! بل ما لابن أم السائب و ما لي! قال: قلت:

و ما ذاك يا امير المؤمنين؟ قال: ويحك! و الله ما هو الا ان نمت في الليلة التي خرجت فيها، فباتت ملائكة ربى تسحبنى الى ذينك السفطين يشتعلان نارا، يقولون: لنكوينك بهما، فأقول: انى ساقسمهما بين المسلمين، فخذهما عنى لا ابالك و الحق بهما، فبعهما في أعطيه المسلمين و أرزاقهم.

قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفه، و غشيني التجار، فابتاعهما منى عمرو بن حريث المخزومي بألفي الف، ثم خرج بهما الى ارض الأعاجم، فباعهما باربعه آلاف الف، فما زال اكثر اهل الكوفه مالا بعد حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا اسد بن موسى، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن زياد بن حدير، قال: حدثنى ابى، ان عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، قال للهرمزان حين آمنه: لا باس، انصح لي، قال: نعم، قال: ان فارس اليوم راس و جناحان، قال: و اين الراس؟

قال: بنهاوند مع بندار، فان معه اساوره كسرى و اهل أصبهان، قال:

و اين الجناحان؟ فذكر مكانا نسيته، قال: فاقطع الجناحين يهن الراس.

فقال عمر: كذبت يا عدو الله! بل اعمد الى الراس فاقطعه، فإذا قطعه الله لم يعص عليه الجناحان قال: فاراد ان يسير اليه بنفسه، فقالوا: نذكرك الله يا امير المؤمنين ان تسير بنفسك الى حلبه العجم، فان اصبت لم يكن للمسلمين نظام، و لكن ابعث الجنود، فبعث اهل المدينة فيهم عبد الله بن‏

118

عمر بن الخطاب، و فيهم المهاجرون و الانصار، و كتب الى ابى موسى الأشعري ان سر باهل البصره، و كتب الى حذيفة بن اليمان ان سر باهل الكوفه حتى تجتمعوا جميعا بنهاوند، و كتب: إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن المزنى، فلما اجتمعوا بنهاوند، ارسل بندار العلج اليهم: ان أرسلوا إلينا رجلا نكلمه، فأرسلوا اليه المغيره بن شعبه قال ابى: كأني انظر اليه، رجلا طويل الشعر اعور، فارسلوه اليه، فلما جاء سالناه، فقال: وجدته قد استشار اصحابه، فقال: باى شي‏ء نأذن لهذا العربي؟ بشارتنا و بهجتنا و ملكنا، او نتقشف له فيما قبلنا حتى يزهد؟ فقالوا: لا، بل بافضل ما يكون من الشاره و العده، فتهيئوا بها، فلما أتيناهم كادت الحراب و النيازك يلتمع منها البصر، فإذا هم على راسه مثل الشياطين، و إذا هو على سرير من ذهب على راسه التاج قال: فمضيت كما انا و نكست، قال: فدفعت و نهنهت، فقلت: الرسل لا يفعل بهم هذا، فقالوا: انما أنت كلب، فقلت: معاذ الله! لأنا اشرف في قومى من هذا في قومه، فانتهرونى، و قالوا: اجلس، فأجلسوني قال- و ترجم له قوله: انكم معشر العرب ابعد الناس من كل خير، و اطول الناس جوعا، و أشقى الناس شقاء، و اقذر الناس قذرا، و ابعده دارا، و ما منعني ان آمر هؤلاء الأساورة حولي ان ينتظموكم بالنشاب الا تنجسا لجيفكم، فإنكم ارجاس، فان تذهبوا نخل عنكم، و ان تأتوا نركم مصارعكم، قال: فحمدت الله، و اثنيت عليه، فقلت: و الله ما أخطأت من صفتنا شيئا، و لا من نعتنا، ان كنا لأبعد الناس دارا، و أشد الناس جوعا، و أشقى الناس شقاء، و ابعد الناس من كل خير، حتى بعث الله عز و جل إلينا رسوله ص، فوعدنا النصر في الدنيا، و الجنه في الآخرة، فو الله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتح و النصر، حتى اتيناكم، و انا و الله لا نرجع الى ذلك الشقاء ابدا حتى نغلبكم على ما في ايديكم، او نقتل بأرضكم فقال: اما و الله ان الأعور قد صدقكم الذى في نفسه قال: فقمت و قد و الله ارعبت العلج جهدي قال: فأرسل‏

119

إلينا العلج: اما ان تعبروا إلينا بنهاوند، و اما ان نعبر إليكم فقال النعمان:

اعبروا، قال ابى: فلم أر و الله مثل ذلك اليوم، انهم يجيئون كأنهم جبال حديد، قد تواثقوا الا يفروا من العرب، و قد قرن بعضهم بعضا، سبعه في قران، و القوا حسك الحديد خلفهم، و قالوا: من فر منا عقره حسك الحديد.

فقال المغيره حين راى كثرتهم: لم أر كاليوم فشلا، ان عدونا يتركون يتاهبون لا يعجلون، اما و الله لو ان الأمر لي لقد اعجلتهم- و كان النعمان بن مقرن رجلا لينا- فقال له: فالله عز و جل يشهدك أمثالها فلا يحزنك و لا يعيبك موقفك، انه و الله ما منعني من ان اناجزهم الا شي‏ء شهدته من رسول الله ص، ان رسول الله كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلاة، و تهب الارواح، و يطيب القتال، فما منعني الا ذلك.

اللهم انى اسالك ان تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الاسلام، و ذل يذل به الكفار، ثم اقبضنى إليك بعد ذلك على الشهاده، أمنوا يرحمكم الله!.

فآمنا و بكينا ثم قال: انى هاز لوائى فتيسروا للسلاح، ثم هاز الثانيه، فكونوا متأهبين لقتال عدوكم، فإذا هززت الثالثه فليحمل كل قوم على من يليهم من عدوهم على بركة الله.

قال: و جاءوا بحسك الحديد قال: فجعل يلبث حتى إذا حضرت الصلاة و هبت الارواح كبر و كبرنا، ثم قال: أرجو ان يستجيب الله لي، و يفتح على، ثم هز اللواء فتيسرنا للقتال، ثم هزه الثانيه فكنا بإزاء العدو، ثم هزه الثالثه.

قال: فكبر و كبر المسلمون، و قالوا: فتحا يعز الله به الاسلام و اهله، ثم قال النعمان: ان اصبت فعلى الناس حذيفة بن اليمان، و ان اصيب حذيفة ففلان، و ان اصيب فلان ففلان، حتى عد سبعه آخرهم المغيره، ثم هز اللواء الثالثه، فحمل كل انسان على من يليه من العدو قال: فو الله ما علمت من المسلمين أحدا يومئذ يريد ان يرجع الى اهله، حتى يقتل او يظفر، فحملنا حمله واحده، و ثبتوا لنا، فما كنا نسمع الا وقع الحديد على الحديد، حتى اصيب المسلمون بمصائب عظيمه، فلما رأوا صبرنا و انا لا نبرح‏

120

العرصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعه، بعضهم على بعض في قياد، فيقتلون جميعا، و جعل يعقرهم حسك الحديد الذى وضعوا خلفهم.

فقال النعمان رضى الله عنه: قدموا اللواء، فجعلنا نقدم اللواء، و نقتلهم و نهزمهم فلما راى ان الله قد استجاب له و راى الفتح، جاءته نشابه فاصابت خاصرته، فقتلته قال: فجاء اخوه معقل فسجى عليه ثوبا، و أخذ اللواء فقاتل، ثم قال: تقدموا نقتلهم و نهزمهم، فلما اجتمع الناس قالوا:

اين أميرنا؟ قال معقل: هذا اميركم، قد اقر الله عينه بالفتح، و ختم له بالشهادة قال: فبايع الناس حذيفة و عمر بالمدينة يستنصر له، و يدعو له مثل الحبلى.

قال: و كتب الى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلما أتاه قال له: ابشر يا امير المؤمنين بفتح أعز الله به الاسلام و اهله، و أذل به الكفر و اهله قال: فحمد الله عز و جل، ثم قال: آلنعمان بعثك؟ قال: احتسب النعمان يا امير المؤمنين، قال: فبكى عمر و استرجع قال: و من ويحك! قال: فلان و فلان، حتى عد له ناسا كثيرا، ثم قال: و آخرين يا امير المؤمنين لا تعرفهم، فقال عمر و هو يبكى: لا يضرهم الا يعرفهم عمر، و لكن الله يعرفهم.

و اما سيف، فانه قال- فيما كتب الى السرى يذكر ان شعيبا حدثه عنه، و عن محمد و المهلب و طلحه و عمر و سعيد- ان الذى هاج امر نهاوند ان اهل البصره لما اشجوا الهرمزان، و اعجلوا اهل فارس عن مصاب جند العلاء، و وطئوا اهل فارس، كاتبوا ملكهم، و هو يومئذ بمرو، فحركوه، فكاتب الملك اهل الجبال من بين الباب و السند و خراسان و حلوان، فتحركوا و تكاتبوا، و ركب بعضهم الى بعض، فاجمعوا ان يوافوا نهاوند، و يبرموا فيها أمورهم، فتوافى الى نهاوند اوائلهم.

و بلغ سعد الخبر عن قباذ صاحب حلوان، فكتب الى عمر بذلك، فنزا بسعد اقوام، و ألبوا عليه فيما بين تراسل القوم و اجتماعهم الى نهاوند، و لم يشغلهم‏

121

ما دهم المسلمين من ذلك، و كان ممن نهض الجراح بن سنان الأسدي في نفر، فقال عمر: ان الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الأمر، و قد استعد لكم من استعدوا، و ايم الله لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم و ان نزلوا بكم فبعث عمر محمد بن مسلمه، و الناس في الاستعداد للاعاجم، و الأعاجم في الاجتماع- و كان محمد بن مسلمه هو صاحب العمال الذى يقتص آثار من شكى زمان عمر- فقدم محمد على سعد ليطوف به في اهل الكوفه، و البعوث تضرب على اهل الأمصار الى نهاوند، فطوف به على مساجد اهل الكوفه، لا يتعرض للمساله عنه في السر، و ليست المسألة في السر من شانهم إذ ذاك، و كان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد الا قالوا: لا نعلم الا خيرا، و لا نشتهي به بدلا، و لا نقول فيه، و لا نعين عليه، الا من مالا الجراح بن سنان و اصحابه، فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءا، و لا يسوغ لهم، و يتعمدون ترك الثناء، حتى انتهوا الى بنى عبس، فقال محمد: انشد بالله رجلا يعلم حقا الا قال! قال اسامه بن قتادة: اللهم ان نشدتنا فانه لا يقسم بالسويه، و و لا يعدل في الرعية، و لا يغزو في السريه فقال سعد:

اللهم ان كان قالها كاذبا و رئاء و سمعه فاعم بصره، و اكثر عياله، و عرضه لمضلات الفتن فعمى، و اجتمع عنده عشر بنات، و كان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا عثر عليه قال: دعوه سعد الرجل المبارك ثم اقبل على الدعاء على النفر، فقال: اللهم ان كانوا خرجوا أشرا و بطرا و كذبا فاجهد بلاءهم، فجهد بلاؤهم، فقطع الجراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بن على ليغتاله بساباط، و شدخ قبيصة بالحجارة، و قتل اربد بالوج‏ء و بنعال السيوف و قال سعد: انى لاول رجل اهرق دما من المشركين، و لقد جمع لي رسول الله(ص)ابويه، و ما جمعهما لأحد قبلي، و لقد رأيتني خمس الاسلام، و بنو اسد تزعم انى لا احسن‏

122

ان اصلى، و ان الصيد يلهيني و خرج محمد به و بهم الى عمر حتى قدموا عليه، فاخبره الخبر، فقال: يا سعد، ويحك، كيف تصلى! فقال: اطيل الاوليين، و احذف الأخريين، فقال: هكذا الظن بك! ثم قال: لو لا الاحتياط لكان سبيلهم بينا ثم قال: من خليفتك يا سعد على الكوفه؟ قال: عبد الله ابن عبد الله بن عتبان، فاقره و استعمله، فكان سبب نهاوند و بدء مشورتها و بعوثها في زمان سعد، و اما الوقعه ففي زمان عبد الله.

قالوا: و كان من حديثهم انهم نفروا لكتاب يزدجرد الملك، فتوافوا الى نهاوند، فتوافى إليها من بين خراسان الى حلوان، و من بين الباب الى حلوان، و من بين سجستان الى حلوان، فاجتمعت حلبه فارس و الفهلوج اهل الجبال من بين الباب الى حلوان ثلاثون الف مقاتل، و من بين خراسان الى حلوان ستون الف مقاتل، و من بين سجستان الى فارس و حلوان ستون الف مقاتل، و اجتمعوا على الفيرزان، و اليه كانوا توافوا و شاركهم موسى عن حمزه بن المغيره بن شعبه، عن ابى طعمه الثقفى- و كان قد ادرك ذلك- قال: ثم انهم قالوا: ان محمدا الذى جاء العرب بالدين لم يغرض غرضنا، ثم ملكهم ابو بكر من بعده فلم يغرض غرض فارس، الا في غاره تعرض لهم فيها، و الا فيما يلى بلادهم من السواد ثم ملك عمر من بعده، فطال ملكه و عرض، حتى تناولكم و انتقصكم السواد و الاهواز، و أوطأها، ثم لم يرض حتى اتى اهل فارس و المملكة في عقر دارهم، و هو آتيكم ان لم تأتوه، فقد اخرب بيت مملكتكم، و اقتحم بلاد ملككم، و ليس بمنته حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، و تقلعوا هذين المصرين، ثم تشغلوه في بلاده و قراره و تعاهدوا و تعاقدوا، و كتبوا بينهم على ذلك كتابا، و تمالئوا عليه.

و بلغ الخبر سعدا، و قد استخلف عبد الله بن عبد الله بن عتبان.

و لما شخص لقى عمر بالخبر مشافهة، و قد كان كتب الى عمر بذلك، و قال:

ان اهل الكوفه يستأذنوك في الانسياح قبل ان يبادروهم الشده- و قد كان عمر منعهم من الانسياح في الجبل‏

123

و كتب اليه أيضا عبد الله و غيره بانه قد تجمع منهم خمسون و مائه الف مقاتل، فان جاءونا قبل ان نبادرهم الشده ازدادوا جراه و قوه، و ان نحن عاجلناهم كان لنا ذلكم، و كان الرسول بذلك قريب بن ظفر العبدى.

ثم خرج سعد بعده فوافى مشوره عمر، فلما قدم الرسول بالكتاب الى عمر بالخبر فرآه قال: ما اسمك؟ قال: قريب، قال: ابن من؟ قال:

ابن ظفر، فتفاءل الى ذلك، و قال: ظفر قريب ان شاء الله، و لا قوه الا بالله! و نودى في الناس: الصلاة جامعه! فاجتمع الناس، و وافاه سعد، فتفاءل الى سعد بن مالك، و قام على المنبر خطيبا، فاخبر الناس الخبر، و استشارهم، و قال: هذا يوم له ما بعده من الأيام، الا و انى قد هممت بأمر و انى عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني و اوجزوا، وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ، و لا تكثروا و لا تطيلوا، فتفشغ بكم الأمور، و يلتوى عليكم الرأي، ا فمن الرأي ان اسير فيمن قبلي و من قدرت عليه، حتى انزل منزلا واسطا بين هذين المصرين، فاستنفرهم ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم، و يقضى ما أحب، فان فتح الله عليهم ان اضربهم عليهم في بلادهم، و ليتنازعوا ملكهم فقام عثمان بن عفان، و طلحه بن عبيد الله، و الزبير بن العوام، و عبد الرحمن بن عوف، في رجال من اهل الرأي من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فتكلموا كلاما، فقالوا: لا نرى ذلك، و لكن لا يغيبن عنهم رأيك و اثرك، و قالوا: بازائهم وجوه العرب و فرسانهم و اعلامهم، و من قد فض جموعهم، و قتل ملوكهم، و باشر من حروبهم ما هو اعظم من هذه، و انما استاذنوك و لم يستصرخوك، فاذن لهم، و اندب اليهم، و ادع لهم و كان الذى ينتقد له الرأي إذا عرض عليه العباس رضى الله عنه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حمزه، عن ابى طعمه، [قال: فقام على بن ابى طالب(ع)فقال: أصاب القوم يا امير المؤمنين الرأي، و فهموا ما كتب به إليك، و ان هذا

124

الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه لكثرة و لا قله، هو دينه الذى اظهر، و جنده الذى أعز، و ايده بالملائكة، حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله، و الله منجز وعده، و ناصر جنده، و مكانك منهم مكان النظام من الخرز، يجمعه و يمسكه، فان انحل تفرق ما فيه و ذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره ابدا و العرب اليوم و ان كانوا قليلا فهى كثير عزيز بالإسلام، فاقم و اكتب الى اهل الكوفه فهم اعلام العرب و رؤساؤهم، و من لم يحفل بمن هو اجمع و احد و أجد من هؤلاء فليأتهم الثلثان و ليقم الثلث، و اكتب الى اهل البصره ان يمدوهم ببعض من عندهم‏].

فسر عمر بحسن رأيهم، و اعجبه ذلك منهم و قام سعد فقال:

يا امير المؤمنين، خفض عليك، فإنهم انما جمعوا لنقمه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى بكر الهذلي قال: لما اخبرهم عمر الخبر و استشارهم، و قال: اوجزوا في القول، و لا تطيلوا فتفشغ بكم الأمور، و اعلموا ان هذا يوم له ما بعده من الأيام، تكلموا، فقام طلحه بن عبيد الله- و كان من خطباء اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)- فتشهد، ثم قال: اما بعد يا امير المؤمنين، فقد احكمتك الأمور، و عجمتك البلايا، و احتنكتك التجارب، و أنت و شانك، و أنت و رأيك، لا ننبو في يديك، و لا نكل عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، و ادعنا نجب، و احملنا نركب، و وفدنا نفد، و قدنا ننقد، فإنك ولى هذا الأمر، و قد بلوت و جربت و اختبرت، فلم ينكشف شي‏ء من عواقب قضاء الله لك الا عن خيار ثم جلس فعاد عمر فقال: ان هذا يوم له ما بعده من الأيام، فتكلموا فقام عثمان بن عفان، فتشهد، و قال: ارى يا امير المؤمنين ان تكتب الى اهل الشام فيسيروا من شامهم، و تكتب الى اهل اليمن فيسيروا من يمنهم،

125

ثم تسير أنت باهل هذين الحرمين الى المصرين: الكوفه و البصره، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فإنك إذا سرت بمن معك و عندك قل في نفسك ما قد تكاثر من عدد القوم، و كنت أعز عزا و اكثر، يا امير المؤمنين انك لا تستبقى من نفسك بعد العرب باقيه، و لا تمتع من الدنيا بعزيز، و لا تلوذ منها بحريز، ان هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فاشهده برأيك و أعوانك و لا تغب عنه ثم جلس.

فعاد عمر، فقال: ان هذا يوم له ما بعده من الأيام، فتكلموا، [فقام على بن ابى طالب فقال: اما بعد يا امير المؤمنين، فإنك ان اشخصت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ذراريهم، و ان اشخصت اهل اليمن من يمنهم سارت الحبشه الى ذراريهم، و انك ان شخصت من هذه الارض انتقضت عليك الارض من أطرافها و أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات و العيالات، اقرر هؤلاء في أمصارهم، و اكتب الى اهل البصره فليتفرقوا فيها ثلاث فرق، فلتقم فرقه لهم في حرمهم و ذراريهم، و لتقم فرقه في اهل عهدهم، لئلا ينتقضوا عليهم، و لتسر فرقه الى إخوانهم بالكوفه مددا لهم، ان الأعاجم ان ينظروا إليك غدا قالوا: هذا امير العرب، و اصل العرب، فكان ذلك أشد لكلبهم، و ألبتهم على نفسك و اما ما ذكرت من مسير القوم فان الله هو اكره لمسيرهم منك، و هو اقدر على تغيير ما يكره، و اما ما ذكرت من عددهم، فانا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، و لكنا كنا نقاتل بالنصر].

فقال عمر: اجل و الله، لئن شخصت من البلده لتنتقضن على الارض من أطرافها و أكنافها، و لئن نظرت الى الأعاجم لا يفارقن العرصة، و ليمدنهم من لم يمدهم، و ليقولن: هذا اصل العرب، فإذا

126

اقتطعتموه اقتطعتم اصل العرب، فأشيروا على برجل اوله ذلك الثغر غدا.

قالوا: أنت افضل رايا، و احسن مقدره، قال: أشيروا على به، و اجعلوه عراقيا قالوا: يا امير المؤمنين، أنت اعلم باهل العراق و جندك قد وفدوا عليك و رايتهم و كلمتهم، فقال: اما و الله لاولين امرهم رجلا ليكونن لاول الأسنة إذا لقيها غدا، فقيل: من يا امير المؤمنين؟ فقال: النعمان بن مقرن المزنى فقالوا: هولها- و النعمان يومئذ بالبصرة معه قواد من قواد اهل الكوفه امدهم بهم عمر عند انتقاض الهرمزان، فافتتحوا رامهرمز و ايذج، و أعانوهم على تستر و جندى سابور و السوس فكتب اليه عمر مع زر بن كليب و المقترب الأسود بن ربيعه بالخبر، و انى قد وليتك حربهم، فسر من وجهك ذلك حتى تأتي ماه، فانى قد كتبت الى اهل الكوفه ان يوافوك بها، فإذا اجتمع لك جنودك فسر الى الفيرزان و من تجمع اليه من الأعاجم من اهل فارس و غيرهم، و استنصروا الله، و أكثروا من قول: لا حول و لا قوه الا بالله.

و روى عن ابى وائل في سبب توجيه عمر النعمان بن مقرن الى نهاوند، ما حدثنى به محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفى، قال: حدثنا اميه بن خالد، قال: حدثنا ابو عوانه، عن حصين بن عبد الرحمن، قال:

قال ابو وائل: كان النعمان بن مقرن على كسكر، فكتب الى عمر:

مثلي و مثل كسكر كمثل رجل شاب و الى جنبه مومسه تلون له و تعطر، فأنشدك الله لما عزلتني عن كسكر، و بعثتني الى جيش من جيوش المسلمين! قال: فكتب اليه عمر: ان ائت الناس بنهاوند، فأنت عليهم قال:

فالتقوا، فكان أول قتيل، و أخذ الراية اخوه سويد بن مقرن، ففتح الله على المسلمين، و لم يكن لهم- يعنى للفرس- جماعه بعد يومئذ، فكان اهل كل مصر يغزون عدوهم في بلادهم‏

127

رجع الحديث الى حديث سيف و كتب- يعنى عمر- الى عبد الله بن عبد الله مع ربعي بن عامر، ان استنفر من اهل الكوفه مع النعمان كذا و كذا، فانى قد كتبت اليه بالتوجه من الاهواز الى ماه، فليوافوه بها، و ليسر بهم الى نهاوند، و قد امرت عليهم حذيفة بن اليمان، حتى ينتهى الى النعمان بن مقرن، و قد كتبت الى النعمان: ان حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة بن اليمان، فان حدث بحذيفه حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن، ورد قريب ابن ظفر ورد معه السائب بن الأقرع أمينا و قال: ان فتح الله عليكم فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، و لا تخدعني و لا ترفع الى باطلا، و ان نكب القوم فلا ترانى و لا أراك فقدما الى الكوفه بكتاب عمر بالاستحثاث، و كان اسرع اهل الكوفه الى ذلك الروادف، ليبلوا في الدين، و ليدركوا حظا، و خرج حذيفة بن اليمان بالناس و معه نعيم حتى قدموا على النعمان بالطزر، و جعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النسير و قد كتب عمر الى سلمى بن القين و حرمله بن مريطه و زر بن كليب و المقترب الأسود بن ربيعه، و قواد فارس الذين كانوا بين فارس و الاهواز، ان اشغلوا فارس عن إخوانكم، و حوطوا بذلك أمتكم و أرضكم، و أقيموا على حدود ما بين فارس و الاهواز حتى ياتيكم امرى و بعث مجاشع بن مسعود السلمى الى الاهواز، و قال له: انصل منها على ماه، فخرج حتى إذا كان بغضي شجر، امره النعمان ان يقيم مكانه، فأقام بين غضى شجر و مرج القلعة، و نصل سلمى و حرمله و زر و المقترب، فكانوا في تخوم أصبهان و فارس، فقطعوا بذلك عن اهل نهاوند امداد فارس و لما قدم اهل الكوفه على النعمان بالطزر جاءه كتاب عمر مع قريب:

ان معك حد العرب و رجالهم في الجاهلية، فادخلهم دون من هو دونهم في العلم بالحرب، و استعن بهم، و اشرب برأيهم، و سل طليحة و عمرا و عمرا و لا تولهم شيئا فبعث من الطزر طليحة و عمرا و عمرا طليعه ليأتوه بالخبر، و تقدم‏

128

اليهم الا يغلوا فخرج طليحة بن خويلد و عمرو بن ابى سلمى العنزي، و عمرو بن معد يكرب الزبيدى، فلما ساروا يوما الى الليل رجع عمرو بن ابى سلمى، فقالوا: ما رجعك؟ قال: كنت في ارض العجم، و قتلت ارض جاهلها، و قتل أرضا عالمها و مضى طليحة و عمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوما و ليله، و لم نر شيئا، و خفت ان يؤخذ علينا الطريق و نفذ طليحة و لم يحفل بهما فقال الناس: ارتد الثانيه، و مضى طليحة حتى انتهى الى نهاوند، و بين الطزر و نهاوند بضعه و عشرون فرسخا فعلم علم القوم، و اطلع على الاخبار، ثم رجع حتى إذا انتهى الى الجمهور كبر الناس، فقال: ما شان الناس؟ فاخبروه بالذي خافوا عليه، فقال: و الله لو لم يكن دين الا العربية ما كنت لاجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة فاتى النعمان فدخل عليه، فاخبروه الخبر، و اعلمه انه ليس بينه و بين نهاوند شي‏ء يكرهه، و لا احد.

فنادى عند ذلك النعمان بالرحيل، فأمرهم بالتعبيه و بعث الى مجاشع بن مسعود ان يسوق الناس، و سار النعمان على تعبيته، و على مقدمته نعيم بن مقرن، و على مجنبتيه حذيفة بن اليمان و سويد بن مقرن، و على المجرده القعقاع ابن عمرو، و على الساقه مجاشع، و قد توافى اليه امداد المدينة، فيهم المغيره و عبد الله، فانتهوا الى الاسبيذهان و القوم وقوف دون واى‏خرد على تعبيتهم و أميرهم الفيرزان، و على مجنبتيه الزردق و بهمن جاذويه الذى جعل مكان ذي الحاجب، و قد توافى اليهم بنهاوند كل من غاب عن القادسية و الأيام من اهل الثغور و امرائها و اعلام من اعلامهم ليسوا بدون من شهد الأيام و القوادس، و على خيولهم انوشق فلما رآهم النعمان كبر و كبر الناس معه‏

129

فتزلزلت الأعاجم، فامر النعمان و هو واقف بحط الاثقال، و بضرب الفسطاط، فضرب و هو واقف، فابتدره اشراف اهل الكوفه و أعيانهم، فسبق اليه يومئذ عده من اشراف اهل الكوفه تسابقوا فبنوا له فسطاطا سابقوا اكفاءهم فسبقوهم، و هم اربعه عشر، منهم حذيفة بن اليمان، و عقبه بن عمرو، و المغيره بن شعبه، و بشير بن الخصاصيه، و حنظله الكاتب بن الربيع، و ابن الهوبر، و ربعي بن عامر، و عامر بن مطر، و جرير بن عبد الله الحميرى، و الأقرع بن عبد الله الحميرى و جرير بن عبد الله البجلي، و الاشعث بن قيس الكندى، و سعيد بن قيس الهمدانى، و وائل بن حجر، فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء و انشب النعمان بعد ما حط الاثقال القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء و يوم الخميس، و الحرب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من اماره عمر، في سنه تسع عشره، و انهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعه، و حصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله و الأعاجم بالخيار، لا يخرجون الا إذا أرادوا الخروج، فاشتد ذلك على المسلمين، و خافوا ان يطول امرهم و سرهم ان يناجزهم عدوهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعه من الجمع تجمع اهل الرأي من المسلمين، فتكلموا، و قالوا: نراهم علينا بالخيار و أتوا النعمان في ذلك فاخبروه، فوافقوه و هو يروى في الذى رووا فيه فقال: على رسلكم، لا تبرحوا! و بعث الى من بقي من اهل النجدات و الرأي في الحروب، فتوافوا اليه، فتكلم النعمان، فقال:

قد ترون المشركين و اعتصامهم بالحصون من الخنادق و المدائن، و انهم لا يخرجون الا إذا شاءوا، و لا يقدر المسلمون على انغاضهم و انبعاثهم قبل مشيئتهم، و قد ترون الذى فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه و عليه من الخيار عليهم في الخروج، فما الرأي الذى به نحمشهم و نستخرجهم الى‏

130

المنابذة، و ترك التطويل؟

فتكلم عمرو بن ثبى- و كان اكبر الناس يومئذ سنا، و كانوا انما يتكلمون على الأسنان- فقال: التحصن عليهم أشد من المطاوله عليكم، فدعهم و لا تحرجهم و طاولهم، و قاتل من أتاك منهم، فردوا عليه جميعا رايه.

و قالوا: انا على يقين من انجاز ربنا موعده لنا.

و تكلم عمرو بن معديكرب، فقال: ناهدهم و كاثرهم و لا تخفهم.

فردوا عليه جميعا رايه، و قالوا: انما تناطح بنا الجدران، و الجدران لهم اعوان علينا.

و تكلم طليحة فقال: قد قالا و لم يصيبا ما أرادا، و اما انا فأرى ان تبعث خيلا مؤديه، فيحدقوا بهم، ثم يرموا لينشبوا القتال، و يحمشوهم، فإذا استحمشوا و اختلطوا بهم و أرادوا الخروج ارزوا إلينا استطرادا، فانا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، و انا إذا فعلنا ذلك و رأوا ذلك منا طمعوا في هزيمتنا و لم يشكوا فيها، فخرجوا فجادونا و جاددناهم، حتى يقضى الله فيهم و فينا ما أحب.

فامر النعمان القعقاع بن عمرو- و كان على المجرده- ففعل، و انشب القتال بعد احتجاز من العجم، فانغضهم فلما خرجوا نكص، ثم نكص، ثم نكص، و اغتنمها الأعاجم، ففعلوا كما ظن طليحة و قالوا: هي هي، فخرجوا فلم يبق احد الا من يقوم لهم على الأبواب، و جعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع الى الناس، و انقطع القوم عن حصنهم بعض الانقطاع، و النعمان ابن مقرن و المسلمون على تعبيتهم في يوم جمعه في صدر النهار، و قد عهد النعمان الى الناس عهده، و امرهم ان يلزموا الارض و لا يقاتلوهم حتى يأذن لهم، ففعلوا و استتروا بالحجف من الرمى، و اقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، و شكا بعض الناس ذلك الى بعض، ثم قالوا للنعمان: الا ترى ما نحن فيه! الا ترى الى ما لقى الناس، فما تنتظر بهم!

131

ائذن للناس في قتالهم، فقال لهم النعمان: رويدا رويدا! قالوا له ذلك مرارا، فأجابهم بمثل ذلك مرارا: رويدا رويدا، فقال المغيره: لو ان هذا الأمر الى علمت ما اصنع! فقال: رويدا ترى امرك، و قد كنت تلى الأمر فتحسن، فلا يخذلنا الله و لا إياك، و نحن نرجو في المكث مثل الذى ترجو في الحث.

و جعل النعمان ينتظر بالقتال اكمال ساعات كانت أحب الى رسول الله(ص)في القتال ان يلقى فيها العدو، و ذلك عند الزوال و تفيؤ الأفياء و مهب الرياح فلما كان قريبا من تلك الساعة تحشحش النعمان، و سار في الناس على برذون احوى قريب من الارض، فجعل يقف على كل رايه، و يحمد الله و يثنى عليه، و يقول: قد علمتم ما اعزكم الله به من هذا الدين، و ما وعدكم من الظهور، و قد انجز لكم هوادي ما وعدكم و صدوره، و انما بقيت اعجازه و أكارعه، و الله منجز وعده، و متبع آخر ذلك اوله، و اذكروا ما مضى إذ كنتم اذله، و ما استقبلتم من هذا الأمر و أنتم اعزه، فأنتم اليوم عباد الله حقا و اولياؤه، و قد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من اهل الكوفه، و الذى لهم في ظفركم و عزكم، و الذى عليهم في هزيمتكم و ذلكم، و قد ترون من أنتم بازائه من عدوكم، و ما اخطرتم و ما اخطروا لكم، فاما ما اخطروا لكم فهذه الرثة و ما ترون من هذا السواد، و اما ما اخطرتم لهم فدينكم و بيضتكم، و لا سواء ما اخطرتم و ما اخطروا، فلا يكونن على دنياهم احمى منكم على دينكم، و اتقى الله عبد صدق الله، و ابلى نفسه فاحسن البلاء، فإنكم بين خيرين منتظرين، احدى الحسنيين، من بين شهيد حي مرزوق، او فتح قريب و ظفر يسير فكفى كل رجل ما يليه، و لم يكل قرنه الى أخيه، فيجتمع عليه قرنه و قرن نفسه، و ذلك من الملامة، و قد يقاتل الكلب عن صاحبه، فكل رجل منكم مسلط على ما يليه، فإذا قضيت امرى فاستعدوا فانى مكبر ثلاثا، فإذا كبرت التكبيره الاولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانيه فليشد عليه سلاحه،

132

و ليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثه، فانى حامل ان شاء الله فاحملوا معا اللهم أعز دينك، و انصر عبادك، و اجعل النعمان أول شهيد اليوم على اعزاز دينك و نصر عبادك! فلما فرغ النعمان من التقدم الى اهل المواقف، و قضى اليهم امره، رجع الى موقفه، فكبر الاولى و الثانيه و الثالثه، و الناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضه، ينحى بعضهم بعضا عن سننهم، و حمل النعمان و حمل الناس، و رايه النعمان تنقض نحوهم انقضاض العقاب، و النعمان معلم ببياض القباء و القلنسوة، فاقتتلوا بالسيوف قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعه يوم قط كانت أشد قتالا منها، فقتلوا فيها من اهل فارس فيما بين الزوال و الاعتام ما طبق ارض المعركة دما يزلق الناس و الدواب فيه، و اصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء، فزلق فرس النعمان في الدماء فصرعه، و اصيب النعمان حين زلق به فرسه، و صرع و تناول الراية نعيم بن مقرن قبل ان تقع، و سجى النعمان بثوب، و اتى حذيفة بالراية فدفعها اليه، و كان اللواء مع حذيفة، فجعل حذيفة نعيم بن مقرن مكانه، و اتى المكان الذى كان فيه النعمان فأقام اللواء، و قال له المغيره: اكتموا مصاب اميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا و فيهم، لكيلا يهن الناس، و اقتتلوا حتى إذا اظلهم الليل انكشف المشركون و ذهبوا، و المسلمون ملظون بهم متلبسون، فعمى عليهم قصدهم، فتركوه و أخذوا نحو اللهب الذى كانوا نزلوا دونه باسبيذهان، فوقعوا فيه، و جعلوا لا يهوى منهم احد الا قال: وايه خرد، فسمى بذلك وايه خرد الى اليوم، فمات فيه منهم مائه الف او يزيدون، سوى من قتل في المعركة منهم اعدادهم لم يفلت الا الشريد، و نجا الفيرزان بين الصرعى في المعركة، فهرب نحو همدان في ذلك الشريد، فاتبعه نعيم بن مقرن، و قدم القعقاع قدامه فادركه حين انتهى الى ثنية همدان، و الثنية مشحونه من بغال و حمير موقره عسلا، فحبسه الدواب‏

133

سنه 21 على اجله، فقتله على الثنية بعد ما امتنع، و قال المسلمون: ان لله جنودا من عسل، و استاقوا العسل و ما خالطه من سائر الاحمال، فاقبل بها، و سميت الثنية بذلك ثنية العسل، و ان الفيرزان لما غشيه القعقاع نزل فتوقل في الجبل إذ لم يجد مساغا، و توقل القعقاع في اثره حتى اخذه، و مضى الفلال حتى انتهوا الى مدينه همذان و الخيل في آثارهم، فدخلوها، فنزل المسلمون عليهم، و حووا ما حولها، فلما راى ذلك خسرو شنوم استامنهم، و قبل منهم على ان يضمن لهم همذان و دستبى، و الا يؤتى المسلمون منهم، فاجابوهم الى ذلك و آمنوهم، و امن الناس، و اقبل كل من كان هرب، و دخل المسلمون بعد هزيمه المشركين يوم نهاوند مدينه نهاوند و احتووا ما فيها و ما حولها، و جمعوا الاسلاب و الرثاث الى صاحب الاقباض السائب بن الأقرع فبيناهم كذلك على حالهم و في عسكرهم يتوقعون ما يأتيهم من إخوانهم بهمذان، اقبل الهربذ صاحب بيت النار على أمان، فابلغ حذيفة، فقال:

ا تؤمننى على ان اخبرك بما اعلم؟ قال: نعم، قال: ان النخيرجان وضع عندي ذخيره لكسرى، فانا أخرجها لك على امانى و أمان من شئت، فاعطاه ذلك، فاخرج له ذخيره كسرى، جوهرا كان ا عده لنوائب الزمان، فنظروا في ذلك، فاجمع راى المسلمين على رفعه الى عمر، فجعلوه له، فاخروه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الاخماس، و قسم حذيفة بن اليمان بين الناس غنائمهم، فكان سهم الفارس يوم نهاوند سته آلاف، و سهم الراجل الفين، و قد نفل حذيفة من الاخماس من شاء من اهل البلاء يوم نهاوند، و رفع ما بقي من الاخماس الى السائب بن الأقرع، فقبض السائب الاخماس، فخرج بها الى عمر و بذخيرة كسرى و اقام حذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ينتظر جواب عمر و امره، و كان رسوله بالفتح طريف بن سهم، أخو بنى ربيعه ابن مالك.

فلما بلغ الخبر اهل الماهين بان همذان قد أخذت، و نزلها نعيم ابن مقرن و القعقاع بن عمرو اقتدوا بخسروشنوم، فراسلوا حذيفة،

134

فأجابهم الى ما طلبوا، فاجمعوا على القبول، و عزموا على اتيان حذيفة، فخدعهم دينار- و هو دون أولئك الملوك، و كان ملكا، الا ان غيره منهم كان ارفع منه، و كان اشرفهم قارن- و قال: لا تلقوهم في جمالكم و لكن تقهلوا لهم، ففعلوا، و خالفهم فأتاهم في الديباج و الحلى، و اعطاهم حاجتهم و احتمل للمسلمين ما أرادوا، فعاقدوه عليهم، و لم يجد الآخرون بدا من متابعته و الدخول في امره، فقيل ماه دينار لذلك فذهب حذيفة بماه دينار، و قد كان النعمان عاقد بهراذان على مثل ذلك، فنسبت الى بهراذان، و وكل النسير بن ثور بقلعه قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم، فافتتحها فنسبت الى النسير، و قسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة و لمن اقام بغضي شجر و لأهل المسالح جميعا في في‏ء نهاوند مثل الذى قسم لأهل المعركة، لانهم كانوا ردءا للمسلمين لئلا يؤتوا من وجه من الوجوه و تململ عمر تلك الليلة التي كان قدر للقائهم، و جعل يخرج و يلتمس الخبر، فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه، فرجع الى المدينة ليلا، فمر به راكب في الليلة الثالثه من يوم نهاوند يريد المدينة فقال: يا عبد الله، من اين اقبلت؟

قال: من نهاوند، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر خير، فتح الله على النعمان، و استشهد، و اقتسم المسلمون في‏ء نهاوند، فأصاب الفارس سته آلاف.

و طواه الراكب حتى انغمس في المدينة، فدخل الرجل، فبات فاصبح فتحدث بحديثه، و نمى الخبر حتى بلغ عمر، و هو فيما هو فيه، فأرسل اليه، فسأله فاخبره، فقال: صدق و صدقت، هذا عثيم بريد الجن، و قد راى بريد الانس، فقدم عليه طريف بالفتح بعد ذلك، فقال: الخبر! فقال: ما عندي اكثر من الفتح، خرجت و المسلمون في الطلب و هم على رجل، و كتمه الا ما سره.

ثم خرج و خرج معه اصحابه، فأمعن، فرفع له راكب، فقال: قولوا، فقال عثمان بن عفان: السائب، فقال: السائب، فلما دنا منه قال: ما وراءك؟

135

قال: البشرى و الفتح، قال: ما فعل النعمان؟ قال: زلق فرسه في دماء القوم، فصرع فاستشهد، فانطلق راجعا و السائب يسايره، و سال عن عدد من قتل من المسلمين، فاخبره بعدد قليل، و ان النعمان أول من استشهد يوم فتح الفتوح- و كذلك كان يسميه اهل الكوفه و المسلمون- فلما دخل المسجد حطت الاحمال فوضعت في المسجد، و امر نفرا من اصحابه- منهم عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن ارقم- بالمبيت فيه، و دخل منزله، و اتبعه السائب بن الأقرع بذينك السفطين، و اخبره خبرهما و خبر الناس، فقال:

يا بن مليكه، و الله ما دروا هذا، و لا أنت معهم! فالنجاء النجاء، عودك على بدئك حتى تأتي حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليه، فاقبل راجعا بقبل حتى انتهى الى حذيفة بماه، فاقامهما فباعهما، فأصاب اربعه آلاف الف.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس الأسدي، ان رجلا يقال له جعفر بن راشد، قال لطليحه و هم مقيمون على نهاوند: لقد أخذتنا خله، فهل بقي من اعاجيبك شي‏ء تنفعنا به؟ فقال:

كما أنتم حتى انظر، فاخذ كساء فتقنع به غير كثير، ثم قال: البيان البيان، غنم الدهقان، في بستان، مكان أرونان فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمنه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى معبد العبسى و عروه ابن الوليد، عمن حدثهم من قومهم، قال: بينما نحن محاصرو اهل نهاوند خرجوا علينا ذات يوم، فقاتلونا فلم نلبثهم ان هزمهم الله، فتبع سماك بن عبيد العبسى- رجلا منهم- معه نفر ثمانية على افراس لهم فبارزهم، فلم يبرز له احد الا قتله، حتى اتى عليهم ثم حمل على الذى كانوا معه، فاسره و أخذ سلاحه، و دعا له رجلا اسمه عبد، فوكله به، فقال: اذهبوا بي الى اميركم حتى اصالحه على هذه الارض، و أؤدي اليه الجزية، و سلني أنت عن اسارك ما شئت، و قد مننت على إذ لم تقتلني، و انما انا عبدك الان، و ان أدخلتني على الملك، و اصلحت ما بيني و بينه وجدت لي شكرا، و كنت‏

136

لي أخا فخلى سبيله و آمنه، و قال: من أنت؟ قال: انا دينار- و البيت منهم يومئذ في آل قارن- فاتى به حذيفة، فحدثه دينار عن نجده سماك و ما قتل و نظره للمسلمين، فصالحه على الخراج، فنسبت اليه ماه، و كان يواصل سماكا و يهدى له، و يوافى الكوفه كلما كان عمله الى عامل الكوفه، فقدم الكوفه في اماره معاويه، فقام في الناس بالكوفه، فقال: يا معشر اهل الكوفه، أنتم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر و عثمان، ثم تغيرتم و فشت فيكم خصال اربع: بخل، و خب، و غدر، و ضيق، و لم يكن فيكم واحده منهن، فرمقتكم، فإذا ذلك في مولديكم، فعلمت من اين اتيتم، فإذا الخب من قبل النبط، و البخل من قبل فارس، و الغدر من قبل خراسان، و الضيق من قبل الاهواز.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى، قال: لما قدم بسبي نهاوند الى المدينة، جعل ابو لؤلؤه فيروز غلام المغيره بن شعبه لا يلقى منهم صغيرا الا مسح راسه و بكى و قال:

اكل عمر كبدي- و كان نهاونديا، فاسرته الروم ايام فارس، و اسره المسلمون بعد، فنسب الى حيث سبى.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى، قال: قتل في اللهب ممن هوى فيه ثمانون ألفا، و في المعركة ثلاثون ألفا مقترين، سوى من قتل في الطلب، و كان المسلمون ثلاثين ألفا، و افتتحت مدينه نهاوند في أول سنه تسع عشره، لسبع سنين من اماره عمر، لتمام سنه ثمان عشره.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و المهلب و طلحه في كتاب النعمان بن مقرن و حذيفة لأهل الماهين:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اعطى النعمان بن مقرن اهل ماه بهراذان،

137

اعطاهم الامان على انفسهم و أموالهم و أراضيهم، لا يغيرون على مله، و لا يحال بينهم و بين شرائعهم، و لهم المنعه ما أدوا الجزية في كل سنه الى من وليهم، على كل حالم في ماله و نفسه على قدر طاقته، و ما ارشدوا ابن السبيل، و أصلحوا الطرق، و قروا جنود المسلمين ممن مر بهم فاوى اليهم يوما و ليله، و وفوا و نصحوا، فان غشوا و بدلوا، فذمتنا منهم بريئة شهد عبد الله ابن ذي السهمين، و القعقاع بن عمرو، و جرير بن عبد الله.

و كتب في المحرم سنه تسع عشره.

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى حذيفة بن اليمان اهل ماه دينار، اعطاهم الامان على انفسهم و أموالهم و أراضيهم، لا يغيرون عن مله، و لا يحال بينهم و بين شرائعهم، و لهم المنعه ما أدوا الجزية في كل سنه الى من وليهم من المسلمين، على كل حالم في ماله و نفسه على قدر طاقته، و ما ارشدوا ابن السبيل، و أصلحوا الطرق، و قروا جنود المسلمين، من مر بهم، فاوى اليهم يوما و ليله، و نصحوا، فان غشوا و بدلوا فذمتنا منهم بريئة شهد القعقاع بن عمرو، و نعيم بن مقرن، و سويد بن مقرن و كتب في المحرم.

قالوا: و الحق عمر من شهد نهاوند فابلى من الروادف بلاء فاضلا في الفين الفين، الحقهم باهل القادسية.

و في هذه السنه امر عمر جيوش العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت، و امر بعض من كان بالبصرة من جنود المسلمين و حواليها بالمسير الى ارض فارس و كرمان و أصبهان، و بعض من كان منهم بناحيه الكوفه و ما هاتها الى أصبهان و اذربيجان و الري، و كان بعضهم يقول: انما كان ذلك من فعل عمر في سنه ثمان عشره و هو قول سيف بن عمر.

ذكر الخبر عما كان في هذه السنه- اعنى سنه احدى و عشرين- من امر الجندين اللذين ذكرت ان عمر امرهما بما ذكر انه امرهما به:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب‏

138

و عمرو و سعيد، قالوا: لما راى عمر ان يزدجرد يبعث عليه في كل عام حربا، و قيل له: لا يزال هذا الداب حتى يخرج من مملكته، اذن للناس في الانسياح في ارض العجم، حتى يغلبوا يزدجرد على ما كان في يدي كسرى، فوجه الأمراء من اهل البصره بعد فتح نهاوند، و وجه الأمراء من اهل الكوفه بعد فتح نهاوند، و كان بين عمل سعد بن ابى وقاص و بين عمل عمار بن ياسر اميران: أحدهما عبد الله بن عبد الله بن عتبان- و في زمانه كانت وقعه نهاوند- و زياد بن حنظله حليف بنى عبد بن قصى- و في زمانه امر بالانسياح- و عزل عبد الله بن عبد الله، و بعث في وجه آخر من الوجوه، و ولى زياد بن حنظله- و كان من المهاجرين- فعمل قليلا، و الح في الاستعفاء، فاعفى، و ولى عمار بن ياسر بعد زياد، فكان مكانه، و أمد اهل البصره بعبد الله بن عبد الله، و أمد اهل الكوفه بابى موسى، و جعل عمر بن سراقه مكانه، و قدمت الالويه من عند عمر الى نفر بالكوفه زمان زياد بن حنظله، فقدم لواء منها على نعيم بن مقرن، و قد كان اهل همذان كفروا بعد الصلح، فأمره بالسير نحو همذان، و قال: فان فتح الله على يديك فالى ما وراء ذلك، في وجهك ذلك الى خراسان و بعث عتبة ابن فرقد و بكير بن عبد الله و عقد لهما على اذربيجان، و فرقها بينهما، و امر أحدهما ان يأخذ إليها من حلوان الى ميمنتها، و امر الآخر ان يأخذ إليها من الموصل الى ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، و تياسر هذا عن صاحبه و بعث الى عبد الله بن عبد الله بلواء، و امره ان يسير الى أصبهان، و كان شجاعا بطلا من اشراف الصحابه و من وجوه الانصار، حليفا لبنى الحبلى من بنى اسد، و امده بابى موسى من البصره، و امر عمر بن سراقه على البصره.

و كان من حديث عبد الله بن عبد الله ان عمر حين أتاه فتح نهاوند بدا له ان يأذن في الانسياح فكتب اليه: ان سر من الكوفه حتى تنزل المدائن، فاندبهم و لا تنتخبهم، و اكتب الى بذلك، و عمر يريد توجيهه الى أصبهان.

فانتدب له فيمن انتدب عبد الله بن ورقاء الرياحي، و عبد الله بن الحارث‏

139

ابن ورقاء الأسدي و الذين لا يعلمون يرون ان أحدهما عبد الله بن بديل ابن ورقاء الخزاعي، لذكر ورقاء، و ظنوا انه نسب الى جده، و كان عبد الله ابن بديل بن ورقاء يوم قتل بصفين ابن اربع و عشرين سنه، و هو ايام عمر صبى و لما اتى عمر انبعاث عبد الله، بعث زياد بن حنظله، فلما أتاه انبعاث الجنود و انسياحهم امر عمارا بعد، و قرأ قول الله عز و جل: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏» و قد كان زياد صرف في وسط من اماره سعد الى قضاء الكوفه بعد اعفاء سلمان و عبد الرحمن ابنى ربيعه، ليقضى الى ان يقدم عبد الله بن مسعود من حمص، و قد كان عمل لعمر على ما سقى الفرات و دجلة النعمان و سويد ابنا مقرن، فاستعفيا، و قالا: اعفنا من عمل يتغول و يتزين لنا بزينه المومسة.

فاعفاهما، و جعل مكانهما حذيفة بن اسيد الغفاري و جابر بن عمرو المزنى، ثم استعفيا فاعفاهما، و جعل مكانهما حذيفة بن اليمان و عثمان بن حنيف، حذيفة على ما سقت دجلة و ما وراءها، و عثمان على ما سقى الفرات من السوادين جميعا، و كتب الى اهل الكوفه: انى بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، و جعلت عبد الله بن مسعود معلما و وزيرا، و وليت حذيفة بن اليمان ما سقت دجلة و ما وراءها، و وليت عثمان بن حنيف الفرات و ما سقى‏

. ذكر الخبر عن أصبهان‏

قالوا: و لما قدم عمار الى الكوفه أميرا، و قدم كتاب عمر الى عبد الله:

ان سر الى أصبهان و زياد على الكوفه، و على مقدمتك عبد الله بن ورقاء الرياحي، و على مجنبتيك عبد الله بن ورقاء الأسدي و عصمه بن عبد الله- و هو عصمه بن عبد الله بن عبيده بن سيف بن عبد الحارث- فسار عبد الله في الناس حتى قدم على حذيفة، و رجع حذيفة الى عمله، و خرج عبد الله فيمن كان معه و من انصرف معه من جند النعمان من نهاوند نحو جند

140

قد اجتمع له من اهل أصبهان عليهم الاستندار، و كان على مقدمته شهر براز جاذويه، شيخ كبير في جمع عظيم، فالتقى المسلمون و مقدمه المشركين برستاق من رساتيق أصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، و دعا الشيخ الى البراز، فبرز له عبد الله بن ورقاء، فقتله و انهزم اهل أصبهان، و سمى المسلمون ذلك الرستاق رستاق الشيخ، فهو اسمه الى اليوم و دعا عبد الله ابن عبد الله من يليه، فسال الاستندار الصلح، فصالحهم، فهذا أول رستاق أخذ من أصبهان ثم سار عبد الله من رستاق الشيخ نحو جى حتى انتهى الى جى و الملك بأصبهان يومئذ الفاذوسفان، و نزل بالناس على جى، فحاصرهم، فخرجوا اليه بعد ما شاء الله من زحف، فلما التقوا قال الفاذوسفان لعبد الله: لا تقتل اصحابى، و لا اقتل أصحابك، و لكن ابرز لي، فان قتلتك رجع أصحابك و ان قتلتني سالمك اصحابى، و ان كان اصحابى لا يقع لهم نشابه فبرز له عبد الله و قال: اما ان تحمل على، و اما ان احمل عليك، فقال: احمل عليك، فوقف له عبد الله، و حمل عليه الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قربوس سرجه فكسره، و قطع اللبب و الحزام، و زال اللبد و السرج، و عبد الله على الفرس، فوقع عبد الله قائما، ثم استوى على الفرس عريا، و قال له: اثبت، فحاجزه، و قال: ما أحب ان اقاتلك، فانى قد رايتك رجلا كاملا و لكن ارجع معك الى عسكرك فاصالحك، و ادفع المدينة إليك، على ان من شاء اقام و دفع الجزية و اقام على ماله، و على ان تجرى من أخذتم ارضه عنوه مجراهم، و يتراجعون، و من ابى ان يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء، و لكم ارضه قال:

لكم ذلك.

و قدم عليه ابو موسى الأشعري من ناحيه الاهواز، و قد صالح الفاذوسفان عبد الله فخرج القوم من جى، و دخلوا في الذمة الا ثلاثين رجلا من اهل أصبهان خالفوا قومهم و تجمعوا فلحقوا بكرمان في حاشيتهم، لجمع كان بها، و دخل عبد الله و ابو موسى جى- و جى مدينه أصبهان- و كتب بذلك‏

141

الى عمر، و اغتبط من اقام، و ندم من شخص فقدم كتاب عمر على عبد الله:

ان سر حتى تقدم على سهيل بن عدى فتجامعه على قتال من بكرمان، و خلف في جى من بقي عن جى، و استخلف على أصبهان السائب بن الأقرع.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن نفر من اصحاب الحسن، منهم المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن‏

9

اسيد بن المتشمس بن أخي الأحنف‏

3

، قال: شهدت مع ابى موسى فتح أصبهان، و انما شهدها مددا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو و سعيد، قالوا: كتاب صلح أصبهان:

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من عبد الله للفاذوسفان و اهل أصبهان و حواليها، انكم آمنون ما أديتم الجزية، و عليكم من الجزية بقدر طاقتكم في كل سنه تؤدونها الى الذى يلى بلادكم عن كل حالم، و دلاله المسلم و اصلاح طريقه و قراه يوما و ليله، و حملان الراجل الى مرحلة، لا تسلطوا على مسلم، و للمسلمين نصحكم و أداء ما عليكم، و لكم الامان ما فعلتم، فإذا غيرتم شيئا او غير مغير منكم و لم تسلموه فلا أمان لكم، و من سب مسلما بلغ منه، فان ضربه قتلناه و كتب و شهد عبد الله بن قيس، و عبد الله بن ورقاء، و عصمه بن عبد الله.

فلما قدم الكتاب من عمر على عبد الله، و امر فيه باللحاق بسهيل بن عدى بكرمان خرج في جريدة خيل، و استخلف السائب، و لحق بسهيل قبل ان يصل الى كرمان.

و قد روى عن معقل بن يسار ان الذى كان أميرا على جيش المسلمين حين غزوا أصبهان النعمان بن مقرن.

ذكر الرواية بذلك:

حدثنا يعقوب بن ابراهيم و عمرو بن على، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال: حدثنا حماد بن سلمه، عن ابى عمران الجونى، عن علقمه‏

142

ابن عبد الله المزنى، عن معقل بن يسار، ان عمر بن الخطاب شاور الهرمزان، فقال: ما ترى؟ ابدا بفارس، أم باذربيجان، أم بأصبهان؟ فقال: ان فارس و اذربيجان الجناحان، و أصبهان الراس فان قطعت احد الجناحين قام الجناح الآخر، فان قطعت الراس وقع الجناحان، فابدا بالراس.

فدخل عمر المسجد و النعمان بن مقرن يصلى، فقعد الى جنبه، فلما قضى صلاته، قال: انى اريد ان استعملك، قال: اما جابيا فلا، و لكن غازيا، قال: فأنت غاز فوجهه الى أصبهان، و كتب الى اهل الكوفه ان يمدوه، فأتاها و بينه و بينهم النهر، فأرسل اليهم المغيره بن شعبه، فأتاهم، فقيل لملكهم- و كان يقال له ذو الحاجبين: ان رسول العرب على الباب، فشاور اصحابه، فقال: ما ترون؟ ا قعد له في بهجه الملك؟ فقالوا: نعم، فقعد على سريره، و وضع التاج على راسه، و قعد أبناء الملوك نحو السماطين عليهم القرطه و اسوره الذهب و ثياب الديباج ثم اذن له فدخل و معه رمحه و ترسه، فجعل يطعن برمحه بسطهم ليتطيروا، و قد أخذ بضبعيه رجلان، فقام بين يديه، فكلمه ملكهم، فقال: انكم يا معشر العرب أصابكم جوع شديد فخرجتم، فان شئتم أمرناكم و رجعتم الى بلادكم فتكلم المغيره، فحمد الله، و اثنى عليه، ثم قال: انا معاشر العرب، كنا ناكل الجيف و الميته، و يطؤنا الناس و لا نطؤهم، و ان الله عز و جل ابتعث منا نبيا، أوسطنا حسبا، و أصدقنا حديثا- فذكر النبي(ص)بما هو اهله- و انه وعدنا أشياء فوجدناها كما قال، و انه وعدنا انا سنظهر عليكم، و نغلب على ما هاهنا و انى ارى عليكم بزه و هيئة ما ارى من خلفي يذهبون حتى يصيبوها.

قال: ثم قلت في نفسي: لو جمعت جراميزى، فوثبت وثبه، فقعدت مع العلج على سريره لعله يتطير! قال: فوجدت غفله، فوثبت، فإذا انا معه على سريره قال: فاخذوه يتوجئونه و يطئونه بارجلهم قال: قلت:

143

هكذا تفعلون بالرسل! فانا لا نفعل هكذا، و لا نفعل برسلكم هذا فقال الملك: ان شئتم قطعتم إلينا، و ان شئتم قطعنا إليكم قال: فقلت: بل نقطع إليكم قال: فقطعنا اليهم فتسلسلوا كل عشره في سلسله، و كل خمسه و كل ثلاثة قال: فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيره للنعمان: يرحمك الله! انه قد اسرع في الناس فاحمل، فقال: و الله انك لذو مناقب، لقد شهدت مع رسول الله(ص)القتال، فكان إذا لم يقاتل أول النهار اخر القتال حتى تزول الشمس، و تهب الرياح، و ينزل النصر.

قال: ثم قال: انى هاز لوائى ثلاث مرات، فاما الهزه الاولى فقضى رجل حاجته و توضأ، و اما الثانيه فنظر رجل في سلاحه و في شسعه فاصلحه، و اما الثالثه فاحملوا، و لا يلوين احد على احد، و ان قتل النعمان فلا يلو عليه احد، فانى ادعو الله عز و جل بدعوه، فعزمت على كل امرئ منكم لما امن عليها! اللهم اعط اليوم النعمان الشهاده في نصر المسلمين، و افتح عليهم، و هز لواءه أول مره، ثم هز الثانيه، ثم هزه الثالثه، ثم شل درعه، ثم حمل فكان أول صريع، فقال معقل: فأتيت عليه، فذكرت عزمته، فجعلت عليه علما، ثم ذهبت- و كنا إذا قتلنا رجلا شغل عنا اصحابه- و وقع ذو الحاجبين عن بغلته فانشق بطنه، فهزمهم الله، ثم جئت الى النعمان و معى اداوه فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب، فقال: من أنت؟ قلت:

معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم، قال:

الحمد لله، اكتبوا بذلك الى عمر، و فاضت نفسه.

و اجتمع الناس الى الاشعث بن قيس، و فيهم ابن عمر و ابن الزبير، و عمرو بن معديكرب و حذيفة، فبعثوا الى أم ولده، فقالوا: اما عهد إليك عهدا؟ فقالت: هاهنا سفط فيه كتاب، فاخذوه، فكان فيه: ان قتل النعمان ففلان، و ان قتل فلان ففلان‏

144

[أخبار متفرقة]

و قال الواقدى: في هذه السنه- يعنى سنه احدى و عشرين- مات خالد ابن الوليد بحمص، و اوصى الى عمر بن الخطاب.

قال: و فيها غزا عبد الله و عبد الرحمن ابنا عمرو و ابو سروعه، فقدموا مصر، فشرب عبد الرحمن و ابو سروعه الخمر، و كان من امرهما ما كان.

قال: و فيها: سار عمرو بن العاص الى انطابلس- و هي برقه- فافتتحها، و صالح اهل برقه على ثلاثة عشر الف دينار، و ان يبيعوا من ابنائهم ما أحبوا في جزيتهم.

قال: و فيها ولى عمر بن الخطاب عمار بن ياسر على الكوفه، و ابن مسعود على بيت المال، و عثمان بن حنيف على مساحه الارض، فشكا اهل الكوفه عمارا، فاستعفى عمار عمر بن الخطاب، فأصاب جبير بن مطعم خاليا فولاه الكوفه، فقال: لا تذكره لأحد، فبلغ المغيره بن شعبه ان عمر خلا بجبير بن مطعم، فرجع الى امراته، فقال: اذهبى الى امراه جبير بن مطعم، فاعرضى عليها طعام السفر، فاتتها فعرضت عليها، فاستعجمت عليها، ثم قالت: نعم، فجيئنى به، فلما استيقن المغيره بذلك جاء الى عمر، فقال: بارك الله لك فيمن وليت! قال: فمن وليت؟ فاخبره انه ولى جبير ابن مطعم، فقال عمر: لا ادرى ما اصنع! و ولى المغيره بن شعبه الكوفه، فلم يزل عليها حتى مات عمر.

قال: و فيها بعث عمرو بن العاص عقبه بن نافع الفهري، فافتتح زويله بصلح و ما بين برقه و زويله سلم للمسلمين و حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن ابن إسحاق، قال:

كان بالشام في سنه احدى و عشرين غزوه الأمير معاويه بن ابى سفيان، و عمير بن سعد الأنصاري على دمشق و البثنية و حوران و حمص و قنسرين و الجزيرة، و معاويه على البلقاء و الأردن و فلسطين و السواحل و أنطاكية و معره‏

145

مصرين و قلقيه و عند ذلك صالح ابو هاشم بن عتبة بن ربيعه بن عبد شمس على قلقيه و أنطاكية و معره مصرين.

و قيل: و فيها ولد الحسن البصرى و عامر الشعبى.

قال الواقدى: و حج بالناس في هذه السنه عمر بن الخطاب، و خلف على المدينة زيد بن ثابت، و كان عامله على مكة و الطائف و اليمن و اليمامه و البحرين و الشام و مصر و البصره من كان عليها في سنه عشرين، و اما الكوفه فان عامله عليها كان عمار بن ياسر، و كان اليه الاحداث، و الى عبد الله ابن مسعود بيت المال، و الى عثمان بن حنيف الخراج، و الى شريح- فيما قيل- القضاء

146

اثنتين و عشرين‏

ذكر فتح همذان‏

قال ابو جعفر: ففيها فتحت اذربيجان، فيما حدثنى احمد بن ثابت الرازى، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال:

كانت اذربيجان سنه اثنتين و عشرين، و أميرها المغيره بن شعبه و كذلك قال الواقدى.

و اما سيف بن عمر، فانه قال فيما كتب الى به السرى عن شعيب عنه، قال: كان فتح اذربيجان سنه ثمان عشره من الهجره بعد فتح همذان و الري و جرجان و بعد صلح اصبهبذ طبرستان المسلمين قال: و كل ذلك كان في سنه ثمان عشره.

قال: فكان سبب فتح همذان- فيما زعم- ان محمدا و المهلب و طلحه و عمرا و سعيدا اخبروه ان النعمان لما صرف الى الماهين لاجتماع الأعاجم الى نهاوند، و صرف اليه اهل الكوفه وافوه مع حذيفة، و لما فصل اهل الكوفه من حلوان و أفضوا الى ماه هجموا على قلعه في مرج فيها مسلحه، فاستزلوهم، و كان أول الفتح، و انزلوا مكانهم خيلا يمسكون بالقلعه، فسموا معسكرهم بالمرج، مرج القلعة، ثم ساروا من مرج القلعة نحو نهاوند، حتى إذا انتهوا الى قلعه- فيها قوم خلفوا عليها النسير بن ثور في عجل و حنيفه، فنسبت اليه، و افتتحها بعد فتح نهاوند و لم يشهد نهاوند عجلى و لا حنفي- أقاموا مع النسير على القلعة، فلما جمعوا في‏ء نهاوند و القلاع اشركوا فيها جميعا، لان بعضهم قوى بعضا ثم وصفوا ما استقروا فيما بين مرج القلعة و بين نهاوند مما مروا به قبل ذلك فيما استقروا من المرج‏

147

إليها بصفاتها، و ازدحمت الركاب في ثنية من ثنايا ماه، فسميت بالركاب، فقيل: ثنية الركاب و أتوا على اخرى تدور طريقها بصخرة، فسموها ملويه، فدرست اسماؤها الاولى، و سميت بصفاتها، و مروا بالجبل الطويل المشرف على الجبال، فقال قائل منهم: كأنه سن سميره- و سميره امراه من المهاجرات من بنى معاويه، ضبيه لها سن مشرفه على أسنانها، فسمى ذلك الجبل بسنها- و قد كان حذيفة اتبع الفالة- فاله نهاوند- نعيم بن مقرن و القعقاع بن عمرو، فبلغا همذان، فصالحهم خسروشنوم، فرجعا عنهم، ثم كفر بعده فلما قدم عهده في العهود من عند عمر ودع حذيفة و ودعه حذيفة، هذا يريد همذان، و هذا يريد الكوفه راجعا و استخلف على الماهين عمرو بن بلال بن الحارث.

و كان كتاب عمر الى نعيم بن مقرن: ان سر حتى تأتي همذان، و ابعث على مقدمتك سويد بن مقرن، و على مجنبتيك ربعي بن عامر و مهلهل ابن زيد، هذا طائى، و ذاك تميمى فخرج نعيم بن مقرن في تعبيته حتى نزل ثنية العسل- و انما سميت ثنية العسل بالعسل الذى أصابوا فيها غب وقعه نهاوند حيث اتبعوا الفالة- فانتهى الفيرزان إليها، و هي غاصه بحوامل تحمل العسل و غير ذلك، فحبست الفيرزان حتى نزل، فتوقل في الجبل و غار فرسه فأدرك فاصيب و لما نزلوا كنكور سرقت دواب من دواب المسلمين، فسمى قصر اللصوص.

ثم انحدر نعيم من الثنية حتى نزل على مدينه همذان، و قد تحصنوا منهم، فحصرهم فيها، و أخذ ما بين ذلك و بين جرميذان، و استولوا على بلاد همذان كلها فلما راى ذلك اهل المدينة سألوا الصلح، على ان يجريهم و من استجاب مجرى واحدا، ففعل، و قبل منهم الجزاء على المنعه، و فرق دستبى بين نفر من اهل الكوفه، بين عصمه بن عبد الله الضبي و مهلهل بن زيد الطائي و سماك بن عبيد العبسى و سماك بن مخرمه الأسدي،

148

و سماك بن خرشه الأنصاري، فكان هؤلاء أول من ولى مسالح دستبى.

و قاتل الديلم.

و اما الواقدى فانه قال: كان فتح همذان و الري في سنه ثلاث و عشرين.

قال: و يقال افتتح الري قرظه بن كعب.

و حدثنى ربيعه بن عثمان ان فتح همذان كان في جمادى الاولى، على راس سته اشهر من مقتل عمر بن الخطاب، و كان أميرها المغيره بن شعبه.

قال: و يقال: كان فتح الري قبل وفاه عمر بسنتين، و يقال: قتل عمر و جيوشه عليها.

رجع الحديث الى حديث سيف قال: فبينما نعيم في مدينه همذان في توطئتها في اثنى عشر ألفا من الجند تكاتب الديلم و اهل الري و اهل خ اذربيجان، ثم خرج موتا في الديلم حتى ينزل بواج روذ، و اقبل الزينبى ابو الفرخان في اهل الري حتى انضم اليه، و اقبل اسفندياذ أخو رستم في اهل اذربيجان، حتى انضم اليه، و تحصن أمراء مسالح دستبى، و بعثوا الى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس، و خرج اليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، و كانت وقعه عظيمه تعدل نهاوند، و لم تكن دونها، و قتل من القوم مقتله عظيمه لا يحصون و لا تقصر ملحمتهم من الملاحم الكبار، و قد كانوا كتبوا الى عمر باجتماعهم، ففزع منها عمر، و اهتم بحربها، و توقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه الا البريد بالبشارة، فقال:

ا بشير! فقال: بل عروه، فلما ثنى عليه: ا بشير؟ فطن، فقال: بشير، فقال عمر: رسول نعيم؟ قال: رسول نعيم، قال: الخبر؟ قال: البشرى بالفتح و النصر، و اخبره الخبر، فحمد الله، و امر بالكتاب فقرئ على الناس، فحمدوا الله ثم قدم سماك بن مخرمه و سماك بن عبيد و سماك بن خرشه في وفود من وفود اهل الكوفه بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سماك‏

149

و سماك و سماك، فقال: بارك الله فيكم، اللهم اسمك بهم الاسلام و ايدهم بالإسلام فكانت دستبى من همذان و مسالحها الى همذان، حتى رجع الرسول الى نعيم بن مقرن بجواب عمر بن الخطاب:

اما بعد، فاستخلف على همذان، و أمد بكير بن عبد الله بسماك بن خرشه، و سر حتى تقدم الري، فتلقى جمعهم، ثم أقم بها، فإنها اوسط تلك البلاد و اجمعها لما تريد فاقر نعيم يزيد بن قيس الهمذاني على همذان، و سار من واج الروذ بالناس الى الري.

و قال نعيم في واج الروذ:

لما أتاني ان موتا و رهطه* * * بنى باسل جروا جنود الأعاجم‏

نهضت اليهم بالجنود مساميا* * * لامنع منهم ذمتي بالقواصم‏

فجئنا اليهم بالحديد كأننا* * * جبال تراءى من فروع القلاسم‏

فلما لقيناهم بها مستفيضه* * * و قد جعلوا يسمون فعل المساهم‏

صدمناهم في واج روذ بجمعنا* * * غداه رميناهم باحدى العظائم‏

فما صبروا في حومه الموت ساعه* * * لحد الرماح و السيوف الصوارم‏

كأنهم عند انبثاث جموعهم* * * جدار تشظى لبنه للهوادم‏

أصبنا بها موتا و من لف جمعه* * * و فيها نهاب قسمه غير عاتم‏

تبعناهم حتى اووا في شعابهم* * * نقتلهم قتل الكلاب الجواحم‏

كأنهم في واج روذ وجوه* * * ضئين أصابتها فروج المخارم‏

و سماك بن مخرمه هو صاحب مسجد سماك‏

150

و اعاد فيهم نعيم كتاب صلح همذان، و خلف عليها يزيد بن قيس الهمذاني، و سار بالجنود حتى لحق بالري، و كان أول نسل الديلم من العرب، و قاولهم فيه نعيم‏

. فتح الري‏

قالوا: و خرج نعيم بن مقرن من واج روذ في الناس- و قد اخربها- الى دستبى، ففصل منها الى الري، و قد جمعوا له، و خرج الزينبى ابو الفرخان، فلقيه الزينبى بمكان يقال له قها مسالما و مخالفا لملك الري، و قد راى من المسلمين ما راى مع حسد سياوخش و اهل بيته، فاقبل مع نعيم و الملك يومئذ بالري سياوخش بن مهران بن بهرام شوبين، فاستمد اهل دنباوند و طبرستان و قومس و جرجان و قال: قد علمتم ان هؤلاء قد حلوا بالري، انه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الري الى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، و قد كان الزينبى قال لنعيم: ان القوم كثير، و أنت في قله، فابعث معى خيلا ادخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، و ناهدهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك فبعث معه نعيم خيلا من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فادخلهم الزينبى المدينة، و لا يشعر القوم، و بيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا و صبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم ثم انهم انهزموا فقتلوا مقتله عدوا بالقصب فيها، و أفاء الله على المسلمين بالري نحوا من في‏ء المدائن، و صالحه الزينبى على اهل الري و مرزبه عليهم نعيم، فلم يزل شرف الري في اهل الزينبى الاكبر، و منهم شهرام و فرخان، و سقط آل بهرام، و اخرب نعيم مدينتهم، و هي التي يقال لها العتيقة- يعنى مدينه الري- و امر الزينبى فبنى مدينه الري الحدثى و كتب نعيم الى عمر بالذي فتح الله عليه مع المضارب العجلى، و وفد بالأخماس مع عتيبة بن النهاس و ابى مفزر في وجوه من وجوه اهل الكوفه، و أمد بكير بن عبد الله بسماك بن‏

151

خرشه الأنصاري بعد ما فتح الري، فسار سماك الى اذربيجان مددا لبكير، و كتب نعيم لأهل الري كتابا:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اعطى نعيم بن مقرن الزينبى بن قوله، اعطاه الامان على اهل الري و من كان معهم من غيرهم على الجزاء، طاقه كل حالم في كل سنه، و على ان ينصحوا و يدلوا و لا يغلوا و لا يسلوا، و على ان يقروا المسلمين يوما و ليله، و على ان يفخموا المسلم، فمن سب مسلما او استخف به نهك عقوبة، و من ضربه قتل، و من بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غير جماعتكم و كتب و شهد و راسله المصمغان في الصلح على شي‏ء يفتدى به منهم من غير ان يسأله النصر و المنعه، فقبل منه، و كتب بينه و بينه كتابا على غير نصر و لا معونه على احد، فجرى ذلك لهم:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من نعيم بن مقرن لمردانشاه مصمغان دنباوند و اهل دنباوند و الخوار و اللارز و الشرز انك آمن و من دخل معك على الكف، ان تكف اهل أرضك، و تتقى من ولى الفرج بمائتي الف درهم وزن سبعه في كل سنه، لا يغار عليك، و لا يدخل عليك الا باذن، ما اقمت على ذلك حتى تغير، و من غير فلا عهد له و لا لمن لم يسلمه و كتب و شهد

فتح قومس‏

قالوا: و لما كتب نعيم بفتح الري مع المضارب العجلى، و وفد بالأخماس كتب اليه عمر: ان قدم سويد بن مقرن الى قومس، و ابعث على مقدمته سماك بن مخرمه و على مجنبتيه عتيبة بن النهاس و هند بن عمرو الجملي، ففصل سويد بن مقرن في تعبيته من الري نحو قومس، فلم يقم له احد، فأخذها سلما، و عسكر بها، فلما شربوا من نهر لهم يقال له ملاذ، فشا فيهم القصر، فقال لهم سويد: غيروا ماءكم حتى تعودوا كاهله، ففعلوا،

152

و استمرءوه، و كاتبه الذين لجئوا الى طبرستان منهم، و الذين أخذوا المفاوز، فدعاهم الى الصلح و الجزاء، و كتب لهم:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى سويد بن مقرن اهل قومس و من حشوا من الامان على انفسهم و مللهم و أموالهم، على ان يؤدوا الجزية عن يد، عن كل حالم بقدر طاقته، و على ان ينصحوا و لا يغشوا، و على ان يدلوا، و عليهم نزل من نزل بهم من المسلمين يوما و ليله من اوسط طعامهم، و ان بدلوا و استخفوا بعهدهم فالذمه منهم بريئة و كتب و شهد.

فتح جرجان‏

قالوا: و عسكر سويد بن مقرن ببسطام، و كاتب ملك جرجان رزبان صول ثم سار إليها، و كاتبه رزبان صول، و بادره بالصلح على ان يؤدى الجزاء، و يكفيه حرب جرجان، فان غلب اعانه فقبل ذلك منه، و تلقاه رزبان صول قبل دخول سويد جرجان، فدخل معه، و عسكر بها حتى جبى اليه الخراج، و سمى فروجها، فسدها بترك دهستان، فرفع الجزاء عمن اقام يمنعها، و أخذ الخراج من سائر أهلها، و كتب بينهم و بينه كتابا:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول ابن رزبان و اهل دهستان و سائر اهل جرجان، ان لكم الذمة، و علينا المنعه، على ان عليكم من الجزاء في كل سنه على قدر طاقتكم، على كل حالم، و من استعنا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا من جزائه، و لهم الامان على انفسهم و أموالهم و مللهم و شرائعهم، و لا يغير شي‏ء من ذلك هو اليهم ما أدوا و ارشدوا ابن السبيل و نصحوا و قروا المسلمين، و لم يبد منهم سل و لا غل، و من اقام فيهم فله مثل ما لهم، و من خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، و على ان من سب مسلما بلغ جهده، و من ضربه حل دمه شهد سواد بن قطبه، و هند بن عمرو، و سماك بن مخرمه، و عتيبة بن النهاس و كتب في سنه ثمان عشره‏

153

و اما المدائني، فانه قال- فيما حدثنا ابو زيد، عنه: فتحت جرجان في زمن عثمان سنه ثلاثين.

فتح طبرستان‏

قالوا: و ارسل الاصبهبذ سويدا في الصلح، على ان يتوادعا، و يجعل له شيئا على غير نصر و لا معونه على احد، فقبل ذلك منه، و جرى ذلك لهم، و كتب له كتابا:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان اصبهبذ خراسان على طبرستان و جيل جيلان من اهل العدو، انك آمن بأمان الله عز و جل على ان تكف لصوتك و اهل حواشى أرضك، و لا تؤوى لنا بغيه، و تنقى من ولى فرج أرضك بخمسمائة الف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا ان يغير عليك، و لا يتطرق أرضك، و لا يدخل عليك الا باذنك، سبيلنا عليكم بالاذن آمنه، و كذلك سبيلكم، و لا تؤوون لنا بغيه، و لا تسلون لنا الى عدو، و لا تغلون، فان فعلتم فلا عهد بيننا و بينكم شهد سواد بن قطبه التميمى، و هند بن عمرو المرادى، و سماك بن مخرمه الأسدي، و سماك بن عبيد العبسى، و عتيبة بن النهاس البكرى و كتب سنه ثمان عشره.

فتح اذربيجان‏

قال: و لما افتتح نعيم همذان ثانيه، و سار الى الري من واج روذ، كتب اليه عمر: ان يبعث سماك بن خرشه الأنصاري ممدا لبكير بن عبد الله باذربيجان، فاخر ذلك حتى افتتح الري، ثم سرحه من الري، فسار سماك نحو بكير باذربيجان، و كان سماك بن خرشه و عتبة بن فرقد

154

من أغنياء العرب، و قدما الكوفه بالغنى، و قد كان بكير سار حين بعث إليها، حتى إذا طلع بحيال جرميذان- طلع عليهم اسفندياذ بن الفرخزاد مهزوما من واج روذ، فكان أول قتال لقيه باذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جنده، و أخذ بكير اسفندياذ أسيرا، فقال له اسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فامسكنى عندك، فان اهل اذربيجان ان لم اصالح عليهم او أجي‏ء لم يقيموا لك، و جلوا الى الجبال التي حولها من القبج و الروم و من كان على التحصن تحصن الى يوم ما، فامسكه عنده، فأقام و هو في يده، و صارت البلاد اليه الا ما كان من حصن و قدم عليه سماك بن خرشه ممدا و اسفندياذ في اساره، و قد افتتح ما يليه، و افتتح عتبة بن فرقد ما يليه و قال بكير لسماك مقدمه عليه، و مازحه: ما الذى اصنع بك و بعتبه باغنيين؟ لئن اطعت ما في نفسي لامضين قدما و لاخلفنكما، فان شئت اقمت معى، و ان شئت اتيت عتبة فقد أذنت لك، فانى لا أراني الا تارككما و طالبا وجها هو اكره من هذا.

فاستعفى عمر، فكتب اليه بالاذن على ان يتقدم نحو الباب، و امره ان يستخلف على عمله، فاستخلف عتبة على الذى افتتح منها، و مضى قدما، و دفع اسفندياذ الى عتبة، فضمه عتبة اليه، و امر عتبة سماك بن خرشه- و ليس بابى دجانة- على عمل بكير الذى كان افتتح، و جمع عمر اذربيجان كلها لعتبه بن فرقد.

قالوا: و قد كان بهرام بن الفرخزاد أخذ بطريق عتبة بن فرقد، و اقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فهزمه عتبة، و هرب بهرام.

فلما بلغ الخبر بهزيمه بهرام و مهربه اسفندياذ و هو في الاسار عند بكير، قال: الان تم الصلح، و طفئت الحرب، فصالحه، و أجاب الى ذلك كلهم، و عادت اذربيجان سلما، و كتب بذلك بكير و عتبة الى عمر، و بعثوا بما خمسوا مما أفاء الله عليهم، و وفدوا الوفود بذلك، و كان بكير قد سبق عتبة بفتح ما ولى، و تم الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام و كتب عتبة بينه‏