تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
155

و بين اهل اذربيجان كتابا حيث جمع له عمل بكير الى عمله:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطاب امير المؤمنين اهل اذربيجان- سهلها و جبلها و حواشيها و شفارها و اهل مللها- كلهم الامان على انفسهم و أموالهم و مللهم و شرائعهم، على ان يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس على صبى و لا امراه و لا زمن ليس في يديه شي‏ء من الدنيا، و لا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شي‏ء، لهم ذلك و لمن سكن معهم، و عليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما و ليله و دلالته، و من حشر منهم في سنه وضع عنه جزاء تلك السنه، و من اقام فله مثل ما لمن اقام من ذلك، و من خرج فله الامان حتى يلجأ الى حرزه و كتب جندب، و شهد بكير بن عبد الله الليثى و سماك بن خرشه الأنصاري و كتب في سنه ثمان عشره.

قالوا: و فيها، قدم عتبة على عمر بالخبيص الذى كان اهداه له، و ذلك ان عمر كان يأخذ عماله بموافاه الموسم في كل سنه يحجر عليهم بذلك الظلم، و يحجزهم به عنه‏

فتح الباب‏

و في هذه السنه كان فتح الباب في قول سيف و روايته، قال: و قالوا- يعنى الذين ذكرت اسماءهم قبل: رد عمر أبا موسى الى البصره، و رده سراقه بن عمرو- و كان يدعى ذا النور- الى الباب، و جعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعه- و كان أيضا يدعى ذا النور- و جعل على احدى المجنبتين حذيفة بن اسيد الغفاري، و سمى للأخرى بكير بن عبد الله الليثى- و كان بإزاء الباب قبل قدوم سراقه بن عمرو عليه، و كتب اليه ان يلحق به-

156

و جعل على المقاسم سلمان بن ربيعه فقدم سراقه عبد الرحمن بن ربيعه، و خرج في الاثر، حتى إذا خرج من اذربيجان نحو الباب، قدم على بكير في ادانى الباب، فاستدف ببكير، و دخل بلاد الباب على ما عباه عمر.

و امده عمر بحبيب بن مسلمه، صرفه اليه من الجزيرة، و بعث زياد بن حنظله مكانه على الجزيرة و لما اطل عبد الرحمن بن ربيعه على الملك بالباب- و الملك بها يومئذ شهربراز، رجل من اهل فارس، و كان على ذلك الفرج، و كان اصله من اهل شهربراز الملك الذى افسد بنى إسرائيل، و اعرى الشام منهم- فكاتبه شهربراز، و استامنه على ان يأتيه، ففعل فأتاه، فقال:

انى بإزاء عدو كلب و امم مختلفه، لا ينسبون الى احساب، و ليس ينبغى لذى الحسب و العقل ان يعين امثال هؤلاء، و لا يستعين بهم على ذوى الاحساب و الأصول، و ذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، و لست من القبج في شي‏ء، و لا من الأرمن، و انكم قد غلبتم على بلادي و امتى، فانا اليوم منكم و يدي مع ايديكم، و صغوى معكم، و بارك الله لنا و لكم، و جزيتنا إليكم النصر لكم، و القيام بما تحبون، فلا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم.

فقال عبد الرحمن: فوقى رجل قد اظلك فسر اليه، فجوزه، فسار الى سراقه فلقيه بمثل ذلك، فقال سراقه: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، و لا بد من الجزاء ممن يقيم و لا ينهض فقبل ذلك، و صار سنه فيمن كان يحارب العدو من المشركين، و فيمن لم يكن عنده الجزاء، الا ان يستنفروا فتوضع عنهم جزاء تلك السنه و كتب سراقه الى عمر بن الخطاب بذلك، فاجازه و حسنه، و ليس لتلك البلاد التي في ساحه تلك الجبال نبك لم يقم الأرمن بها الا على اوفاز، و انما هم سكان ممن حولها و من الطراء استاصلت الغارات نبكها من اهل القرار، و أرز اهل الجبال منهم الى جبالهم، و جلوا عن قرار ارضهم، فكان لا يقيم بها الا الجنود و من اعانهم او تجر اليهم، و اكتتبوا من سراقه بن عمرو كتابا:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى سراقه بن عمرو عامل امير المؤمنين‏

157

عمر بن الخطاب شهربراز و سكان أرمينية و الأرمن من الامان، اعطاهم أمانا لأنفسهم و أموالهم و ملتهم الا يضاروا و لا ينتقضوا، و على اهل أرمينية و الأبواب، الطراء منهم و التناء و من حولهم فدخل معهم ان ينفروا لكل غاره، و ينفذوا لكل امر ناب او لم ينسب رآه الوالي صلاحا، على ان توضع الجزاء عمن أجاب الى ذلك الا الحشر، و الحشر عوض من جزائهم و من استغنى عنه منهم و قعد فعليه مثل ما على اهل اذربيجان من الجزاء و الدلالة و النزل يوما كاملا، فان حشروا وضع ذلك عنهم، و ان تركوا أخذوا به شهد عبد الرحمن بن ربيعه، و سلمان بن ربيعه، و بكير بن عبد الله و كتب مرضى بن مقرن و شهد و وجه سراقه بعد ذلك بكير بن عبد الله و حبيب بن مسلمه و حذيفة بن اسيد و سلمان بن ربيعه الى اهل تلك الجبال المحيطة بإرمينية، فوجه بكيرا الى موقان، و وجه حبيبا الى تفليس، و حذيفة بن اسيد الى من بجبال اللان، و سلمان بن ربيعه الى الوجه الآخر، و كتب سراقه بالفتح و بالذي وجه فيه هؤلاء النفر الى عمر بن الخطاب، فاتى عمر امر لم يكن يرى انه يستتم له على ما خرج عليه في سريح بغير مئونة و كان فرجا عظيما به جند عظيم، انما ينتظر اهل فارس صنيعهم، ثم يضعون الحرب او يبعثونها.

فلما استوسقوا و استحلوا عدل الاسلام مات سراقه، و استخلف عبد الرحمن ابن ربيعه، و قد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقه، فلم يفتح احد منهم ما وجه له الا بكير فانه فض موقان، ثم تراجعوا على الجزية، فكتب لهم:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى بكير بن عبد الله اهل موقان من جبال القبج الامان على أموالهم و انفسهم و ملتهم و شرائعهم على الجزاء، دينار على كل حالم او قيمته، و النصح، و دلاله المسلم و نزله يومه و ليلته، فلهم الامان ما أقروا و نصحوا، و علينا الوفاء، و الله المستعان فان تركوا ذلك و استبان منهم غش فلا أمان لهم الا ان يسلموا الغششه برمتهم، و الا فهم متمالئون شهد الشماخ بن ضرار و الرسارس بن جنادب، و حمله بن جويه.

و كتب سنه احدى و عشرين‏

158

قالوا: و لما بلغ عمر موت سراقه و استخلافه عبد الرحمن بن ربيعه اقر عبد الرحمن على فرج الباب، و امره بغزو الترك، فخرج عبد الرحمن بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهربراز: ما تريد ان تصنع؟ قال: اريد بلنجر، قال: انا لنرضى منهم ان يدعونا من دون الباب قال: لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم، و تالله ان معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الامعان لبلغت بهم الردم قال: و ما هم؟ قال: اقوام صحبوا رسول الله(ص)و دخلوا في هذا الأمر بنيه، كانوا اصحاب حياء و تكرم في الجاهلية، فازداد حياؤهم و تكرمهم، فلا يزال هذا الأمر دائما لهم، و لا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم، و حتى يلفتوا عن حالهم بمن غيرهم فغزا بلنجر غزاه في زمن عمر لم تئم فيها امراه، و لم ييتم فيها صبى، و بلغ خيله في غزاتها البيضاء على راس مائتي فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم، ثم غزا غزوات في زمان عثمان، و اصيب عبد الرحمن حين تبدل اهل الكوفه في اماره عثمان لاستعماله من كان ارتد استصلاحا لهم، فلم يصلحهم ذلك، و زادهم فسادا ان سادهم من طلب الدنيا، و عضلوا بعثمان حتى جعل يتمثل:

و كنت و عمرا كالمسمن كلبه* * * فخدشه أنيابه و اظافره‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سلمان بن ربيعه، قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعه حال الله بين الترك و الخروج عليه، و قالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل الا و معه الملائكة تمنعه من الموت، فتحصنوا منه و هربوا، فرجع بالغنم و الظفر، و ذلك في اماره عمر، ثم انه غزاهم غزوات في زمن عثمان، ظفر كما كان يظفر، حتى إذا تبدل اهل الكوفه لاستعمال عثمان من كان ارتد فغزاهم بعد ذلك، تذامرت الترك و قال بعضهم لبعض: انهم لا يموتون، قال: انظروا، و فعلوا فاختفوا لهم في الغياض، فرمى رجل منهم رجلا من‏

159

المسلمين على غره فقتله، و هرب عنه اصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتد قتالهم، و نادى مناد من الجو: صبرا آل عبد الرحمن و موعدكم الجنه! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل، و انكشف الناس، و أخذ الراية سلمان بن ربيعه، فقاتل بها، و نادى المنادى من الجو: صبرا آل سلمان ابن ربيعه! فقال سلمان: او ترى جزعا! ثم خرج بالناس، و خرج سلمان و ابو هريرة الدوسي على جيلان، فقطعوها الى جرجان، و اجترأ الترك بعدها و لم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الان.

و حدث عمرو بن معد يكرب عن مطر بن ثلج التميمى، قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعه بالباب و شهربراز عنده، فاقبل رجل عليه شحوبه، حتى دخل على عبد الرحمن، فجلس الى شهربراز، و على مطر قباء برود يمينيه، ارضه حمراء، و وشيه اسود- او وشيه احمر- و ارضه سوداء، فتساءلا.

ثم ان شهربراز، قال: ايها الأمير، ا تدرى من اين جاء هذا الرجل؟

هذا الرجل بعثته منذ سنين نحو السد لينظر ما حاله و من دونه، و زودته مالا عظيما، و كتبت له الى من يليني، و اهديت له، و سألته ان يكتب له الى من وراءه، و زودته لكل ملك هديه، ففعل ذلك بكل ملك بينه و بينه، حتى انتهى اليه، فانتهى الى الملك الذى السد في ظهر ارضه، فكتب له الى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره و معه عقابه، فاعطاه حريره، قال: فتشكر لي البازيار، فلما انتهينا فإذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، و إذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظرت الى ذلك كله، و تفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسلك اكافك! انه لا يلى ملك بعد ملك الا تقرب الى الله بافضل ما عنده من الدنيا، فيرمى به في هذا اللهب، فشرح بضعه لحم معه، فألقاها في ذلك الهواء، و انقضت عليها العقاب، و قال: ان أدركتها قبل ان تقع فلا شي‏ء، و ان لم تدركها حتى تقع فذلك شي‏ء، فخرجت علينا العقاب باللحم في مخالبها، و إذا فيه ياقوته، فأعطانيها،

160

و ها هي هذه فتناولها شهربراز حمراء، فناولها عبد الرحمن، فنظر إليها، ثم ردها الى شهربراز، و قال شهربراز: لهذه خير من هذا البلد- يعنى الباب- و ايم الله لأنتم أحب الى ملكه من آل كسرى، و لو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها منى، و ايم الله لا يقوم لكم شي‏ء ما وفيتم و وفى ملككم الاكبر.

فاقبل عبد الرحمن على الرسول، و قال: ما حال هذا الردم و ما شبهه؟

فقال: هذا الثوب الذى على هذا الرجل، قال: فنظر الى ثوبي، فقال مطر بن ثلج لعبد الرحمن بن ربيعه: صدق و الله الرجل، لقد نفذ و راى، فقال: اجل، وصف صفه الحديد و الصفر، و قال: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ» الى آخر الآية.

و قال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمه مائه الف في بلادي هذه، و ثلاثة آلاف الف او اكثر في تلك البلدان.

و زعم الواقدى ان معاويه غزا الصائفه في هذه السنه، و دخل بلاد الروم في عشره آلاف من المسلمين‏

. [أخبار متفرقة]

و قال بعضهم: في هذه السنه كانت وفاه خالد بن الوليد.

و فيها ولد يزيد بن معاويه و عبد الملك بن مروان.

و حج بالناس في هذه السنه عمر بن الخطاب، و كان عامله على مكة عتاب بن اسيد، و على اليمن يعلى بن اميه، و على سائر امصار المسلمين الذين كانوا عماله في السنه التي قبلها، و قد ذكرناهم قبل‏

. ذكر تعديل الفتوح بين اهل الكوفه و البصره‏

و في هذه السنه عدل عمر فتوح اهل الكوفه و البصره بينهم.

ذكر الخبر بذلك:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، و سعيد، قالوا: اقام عمار بن ياسر عاملا على الكوفه سنه في اماره‏

161

عمر و بعض اخرى و كتب عمر بن سراقه و هو يومئذ على البصره الى عمر ابن الخطاب يذكر له كثره اهل البصره، و عجز خراجهم عنهم، و يسأله ان يزيدهم احد الماهين او ماسبذان و بلغ ذلك اهل الكوفه، فقالوا لعمار: اكتب لنا الى عمر ان رامهرمز و ايذج لنا دونهم، لم يعينونا عليهما بشي‏ء، و لم يلحقوا بنا حتى افتتحناهما، فقال عمار: ما لي و لما هاهنا! فقال له عطارد: فعلام تدع فيئنا ايها العبد الأجدع! فقال: لقد سببت أحب اذنى الى و لم يكتب في ذلك فابغضوه، و لما ابى اهل الكوفه الا الخصومه فيهما لأهل البصره شهد لهم اقوام على ابى موسى، انه قد كان آمن اهل رامهرمز و ايذج، و ان اهل الكوفه و النعمان راسلوهم و هم في أمان فأجاز لهم عمر ذلك، و أجراها لأهل البصره بشهاده الشهود و ادعى اهل البصره في أصبهان قريات افتتحها ابو موسى دون جى، ايام امدهم بهم عمر الى عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فقال اهل الكوفه: اتيتمونا مددا و قد افتتحنا البلاد، فاسيناكم في المغانم، و الذمة ذمتنا، و الارض أرضنا، فقال عمر: صدقوا ثم ان اهل الأيام و اهل القادسية من اهل البصره أخذوا في امر آخر حتى قالوا: فليعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم و حواشيه فقال لهم عمر: ا ترضون بماه؟ و قال لأهل الكوفه: ا ترضون ان نعطيهم من ذلك احد الماهين؟ فقالوا: ما رايت انه ينبغى فاعمل به، فأعطاهم ماه دينار بنصيبهم لمن كان شهد الأيام و القادسية منهم الى سواد البصره و مهرجانقذق، و كان ذلك لمن شهد الأيام و القادسية من اهل البصره و لما ولى معاويه بن ابى سفيان- و كان معاويه هو الذى جند قنسرين من رافضه العراقين ايام على، و انما كانت قنسرين رستاقا من رساتيق حمص حتى مصرها معاويه و جندها بمن ترك الكوفه و البصره في ذلك الزمان، و أخذ لهم معاويه بنصيبهم من فتوح العراق اذربيجان و الموصل و الباب، فضمها فيما ضم، و كان اهل الجزيرة و الموصل يومئذ ناقله رميتا بكل من كان ترك هجرته من اهل البلدين، و كانت الباب و اذربيجان و الجزيرة

162

و الموصل من فتوح اهل الكوفه- نقل ذلك الى من انتقل منهم الى الشام ازمان على، و الى من رميت به الجزيرة و الموصل ممن كان ترك هجرته ايام على، و كفر اهل أرمينية زمان معاويه، و قد امر حبيب بن مسلمه على الباب- و حبيب يومئذ بجرزان- و كاتب اهل تفليس و تلك الجبال، ثم ناجزهم، حتى استجابوا و اعتقدوا من حبيب و كتب بينه و بينهم كتابا بعد ما كاتبهم: بسم الله الرحمن الرحيم من حبيب بن مسلمه الى اهل تفليس من جرزان ارض الهرمز و سلم أنتم، فانى احمد الله إليكم الذى لا اله الا هو، فانه قد قدم علينا رسولكم تفلى، فبلغ عنكم، و ادى الذى بعثتم و ذكر تفلى عنكم انا لم نكن أمه فيما تحسبون، و كذلك كنا حتى هدانا الله عز و جل بمحمد ص، و أعزنا بالإسلام بعد قله و ذله و جاهلية و ذكر تفلى انكم احببتم سلمنا فما كرهت و الذين آمنوا معى، و قد بعثت إليكم عبد الرحمن بن جزء السلمى، و هو من اعلمنا من اهل العلم بالله و اهل القرآن، و بعثت معه بكتابي بامانكم، فان رضيتم دفعه إليكم، و ان كرهتم آذنكم بحرب على سواء ان الله لا يحب الخائنين: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من حبيب بن مسلمه لأهل تفليس من جرزان ارض الهرمز، بالأمان على انفسكم و أموالكم و صوامعكم و بيعكم و صلواتكم، على الاقرار بصغار الجزية، على كل اهل بيت دينار واف، و لنا نصحكم و نصركم على عدو الله و عدونا، و قرى المجتاز ليله من حلال طعام اهل الكتاب و حلال شرابهم، و هداية الطريق في غير ما يضر فيه بأحد منكم.

فان اسلمتم و اقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة، فاخواننا في الدين و موالينا، و من تولى عن الله و رسله و كتبه و حزبه فقد آذناكم بحرب على سواء، ان الله لا يحب‏

163

الخائنين شهد عبد الرحمن بن خالد، و الحجاج، و عياض و كتب رياح، و اشهد الله و ملائكته و الذين آمنوا، و كفى بالله شهيدا

. ذكر عزل عمار عن الكوفه‏

و في هذه السنه عزل عمر بن الخطاب عمارا عن الكوفه، و استعمل أبا موسى في قول بعضهم، و قد ذكرت ما قال الواقدى في ذلك قبل.

ذكر السبب في ذلك:

قد تقدم ذكرى بعض سبب عزله، و نذكر بقيته ذكر السرى- فيما كتب به الى- عن شعيب، عن سيف، عمن تقدم ذكرى من شيوخه، قال: قالوا: و كتب اهل الكوفه، عطارد ذلك و اناس معه الى عمر في عمار، و قالوا: انه ليس بامير، و لا يحتمل ما هو فيه، و نزا به اهل الكوفه فكتب عمر الى عمار: ان اقبل، فخرج بوفد من اهل الكوفه، و وفد رجالا ممن يرى انهم معه، فكانوا أشد عليه ممن تخلف، فجزع فقيل له:

يا أبا اليقظان، ما هذا الجزع! فقال: و الله ما احمد نفسي عليه، و لقد ابتليت به- و كان سعد بن مسعود الثقفى عم المختار، و جرير بن عبد الله معه- فسعيا به، و أخبرا عمر بأشياء يكرهها، فعزله عمر و لم يوله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن جميع، عن ابى الطفيل، قال: قيل لعمار: اساءك العزل؟ فقال: و الله ما سرني حين استعملت، و لقد ساءني حين عزلت.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن اسماعيل بن ابى خالد و مجالد، عن الشعبى، قال: قال عمر لأهل الكوفه: اى منزليكم اعجب إليكم؟- يعنى الكوفه او المدائن- و قال: انى لاسالكم و انى لاعرف فضل أحدهما على الآخر في وجوهكم، فقال جرير: اما منزلنا هذا الأدنى فانه ادنى محله من السواد من البر، و اما الآخر فوعك البحر و غمه و بعوضة

164

فقال عمار: كذبت، فقال عمر لعمار: بل أنت اكذب منه، و قال:

ما تعرفون من اميركم عمار؟ فقال جرير: هو و الله غير كاف و لا مجز و لا عالم بالسياسة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سياه، عن هشام بن عبد الرحمن الثقفى، ان سعد بن مسعود، قال: و الله ما يدرى علام استعملته! فقال عمر: علام استعملتك يا عمار؟ قال: على الحيرة و أرضها فقال: قد سمعت بالحيرة تجارا تختلف إليها، قال: و على اى شي‏ء؟ قال: على بابل و أرضها، قال: قد سمعت بذكرها في القرآن.

قال: و على اى شي‏ء؟ قال: على المدائن و ما حولها، قال: ا مدائن كسرى؟

قال: نعم قال: و على اى شي‏ء؟ قال: على مهرجانقذق و أرضها.

قالوا: قد اخبرناك انه لا يدرى علام بعثته! فعزله عنهم، ثم دعاه بعد ذلك، فقال: اساءك حين عزلتك؟ فقال: و الله ما فرحت به حين بعثتني، و لقد ساءني حين عزلتني فقال: لقد علمت ما أنت بصاحب عمل، و لكنى تاولت: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏».

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن خليد بن ذفره النمرى، عن ابيه بمثله و زياده، فقال: او تحمد نفسك بمعرفة من تعالجه منذ قدمت! و قال: و الله يا عمار لا ينتهى بك حدك حتى يلقيك في هنه، و تالله لئن أدركك عمر لترقن، و لئن رققت لتبتلين، فسل الله الموت ثم اقبل على اهل الكوفه فقال: من تريدون يا اهل الكوفه؟

فقالوا: أبا موسى فأمره عليهم بعد عمار، فأقام عليهم سنه، فباع غلامه‏

165

العلف و سمعه الوليد بن عبد شمس، يقول: ما صحبت قوما قط الا آثرتهم، و و الله ما منعني ان اكذب شهود البصره الا صحبتهم، و لئن صحبتكم لامنحنكم خيرا فقال الوليد: ما ذهب بأرضنا غيرك، و لا جرم لا تعمل علينا فخرج و خرج معه نفر، فقالوا: لا حاجه لنا في ابى موسى، قال: و لم؟ قالوا: غلام له يتجر في حشرنا فعزله عنهم و صرفه الى البصره، و صرف عمر بن سراقه الى الجزيرة و قال لأصحاب ابى موسى الذين شخصوا في عزله من اهل الكوفه: اقوى مشدد أحب إليكم أم ضعيف مؤمن؟ فلم يجد عندهم شيئا، فتنحى، فخلا في ناحيه المسجد، فنام فأتاه المغيره بن شعبه فكلاه حتى استيقظ، فقال: ما فعلت هذا يا امير المؤمنين الا من عظيم، فهل نابك من نائب؟ قال: و اى نائب اعظم من مائه الف لا يرضون عن امير، و لا يرضى عنهم امير! و قال في ذلك ما شاء الله.

و اختطت الكوفه حين اختطت على مائه الف مقاتل، و أتاه اصحابه، فقالوا: يا امير المؤمنين، ما شانك؟ قال: شأني اهل الكوفه قد عضلوا بي.

و اعاد عليهم عمر المشورة التي استشار فيها، فأجابه المغيره فقال: اما الضعيف المسلم فضعفه عليك و على المسلمين و فضله له، و اما القوى المشدد فقوته لك و للمسلمين، و شداده عليه و له فبعثه عليهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن سعيد بن عمرو، ان عمر قال قبل ان استعمل المغيره: ما تقولون في توليه رجل ضعيف مسلم او رجل قوى مشدد؟ فقال المغيره: اما الضعيف المسلم فان اسلامه لنفسه و ضعفه عليك، و اما القوى المشدد فان شداده لنفسه و قوته للمسلمين قال: فانا باعثوك يا مغيره فكان المغيره عليها حتى مات عمر رضى الله تعالى عنه و ذلك نحو من سنتين و زياده فلما ودعه المغيره للذهاب الى الكوفه، قال له: يا مغيره ليأمنك الأبرار، و ليخفك الفجار.

ثم اراد عمر ان يبعث سعدا على عمل المغيره فقتل قبل ان يبعثه، فاوصى به، و كان من سنه عمر و سيرته ان يأخذ عماله بموافاه الحج في كل سنه‏

166

للسياسة، و ليحجزهم بذلك عن الرعية، و ليكون لشكاه الرعية وقتا و غاية ينهونها فيه اليه.

و في هذه السنه غزا الأحنف بن قيس- في قول بعضهم خراسان- و حارب يزدجرد، و اما في روايه سيف فان خروج الأحنف الى خراسان كان في سنه ثمان عشره من الهجره‏

ذكر مصير يزدجرد الى خراسان و ما كان السبب في ذلك‏

اختلف اهل السير في سبب ذلك و كيف كان الأمر فيه، فاما ما ذكره سيف عن اصحابه في ذلك، فانه فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى- و هو يومئذ ملك فارس- لما انهزم اهل جلولاء خرج يريد الري، و قد جعل له محمل واحد يطبق ظهر بعيره، فكان إذا سار نام فيه و لم يعرس بالقوم فانتهوا به الى مخاضه و هو نائم في محمله، فانبهوه ليعلم، و لئلا يفزع إذا خاض البعير ان هو استيقظ، فعنفهم و قال: بئسما صنعتم! و الله لو تركتموني لعلمت ما مده هذه الامه، انى رايت انى و محمدا تناجينا عند الله، فقال له: املكهم مائه سنه، فقال: زدني، فقال: عشرا و مائه سنه، فقال: زدني، فقال: عشرين و مائه سنه، فقال: زدني، فقال: لك.

و انبهتمونى، فلو تركتموني لعلمت ما مده هذه الامه.

فلما انتهى الى الري، و عليها آبان جاذويه، وثب عليه فأخذه، فقال:

يا آبان جاذويه، تغدر بي! قال: لا، و لكن قد تركت ملكك، و صار في يد غيرك، فاحببت ان اكتتب على ما كان لي من شي‏ء، و ما اردت غير ذلك و أخذ خاتم يزدجرد و وصل الادم، و اكتتب الصكاك و سجل السجلات بكل ما اعجبه، ثم ختم عليها و رد الخاتم ثم اتى بعد سعدا فرد عليه كل شي‏ء في كتابه و لما صنع آبان جاذويه بيزدجرد ما صنع‏

167

خرج يزدجرد من الري الى أصبهان، و كره آبان جاذويه، فارا منه و لم يأمنه ثم عزم على كرمان، فأتاها و النار معه، فاراد ان يضعها في كرمان، ثم عزم على خراسان، فاتى مرو، فنزلها و قد نقل النار، فبنى لها بيتا و اتخذ بستانا، و بنى ازجا فرسخين من مرو الى البستان، فكان على راس فرسخين من مرو، و اطمان في نفسه و امن ان يؤتى، و كاتب من مرو من بقي من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون، فدانوا له، حتى اثار اهل فارس و الهرمزان فنكثوا، و ثار اهل الجبال و الفيرزان فنكثوا، و صار ذلك داعيه الى اذن عمر للمسلمين في الانسياح، فانساح اهل البصره و اهل الكوفه حتى اثخنوا في الارض، فخرج الأحنف الى خراسان، فاخذ على مهرجانقذق، ثم خرج الى أصبهان- و اهل الكوفه محاصرو جى- فدخل خراسان من الطبسين، فافتتح هراة عنوه، و استخلف عليها صحار بن فلان العبدى ثم سار نحو مرو الشاهجان، و ارسل الى نيسابور- و ليس دونها قتال- مطرف بن عبد الله بن الشخير و الحارث بن حسان الى سرخس، فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزلها، و نزل الأحنف مرو الشاهجان، و كتب يزدجرد و هو بمرو الروذ الى خاقان يستمده، و كتب الى ملك الصغد يستمده، فخرج رسولاه نحو خاقان و ملك الصغد، و كتب الى ملك الصين يستعينه، و خرج الأحنف من مرو الشاهجان، و استخلف عليها حاتم بن النعمان الباهلى بعد ما لحقت به امداد اهل الكوفه، على اربعه أمراء: علقمه بن النضر النضري، و ربعي بن عامر التميمى، و عبد الله بن ابى عقيل الثقفى، و ابن أم غزال الهمذاني، و خرج سائرا نحو مرو الروذ، حتى إذا بلغ ذلك يزدجرد خرج الى بلخ، و نزل الأحنف مرو الروذ، و قدم اهل الكوفه، فساروا الى بلخ، و اتبعهم الأحنف، فالتقى اهل الكوفه و يزدجرد ببلخ، فهزم الله يزدجرد، و توجه في اهل فارس الى النهر فعبر، و لحق الأحنف باهل‏

168

الكوفه، و قد فتح الله عليهم، فبلخ من فتوح اهل الكوفه و تتابع اهل خراسان ممن شذ او تحصن على الصلح فيما بين نيسابور الى طخارستان ممن كان في مملكه كسرى، و عاد الأحنف الى مرو الروذ، فنزلها و استخلف على طخارستان ربعي بن عامر، و هو الذى يقول فيه النجاشى- و نسبه الى أمه، و كانت من اشراف العرب:

الا رب من يدعى فتى ليس بالفتى* * * الا ان ربعي ابن كاس هو الفتى‏

طويل قعود القوم في قعر بيته* * * إذا شبعوا من ثفل جفتته سقى‏

كتب الأحنف الى عمر بفتح خراسان، فقال: لوددت انى لم أكن بعثت إليها جندا، و لوددت انه كان بيننا و بينها بحر من نار، فقال على:

و لم يا امير المؤمنين؟ قال: لان أهلها سينفضون منها ثلاث مرات، فيجتاحون في الثالثه، فكان ان يكون ذلك بأهلها أحب الى من ان يكون بالمسلمين.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عبد الرحمن الفزارى، عن ابى الجنوب اليشكري، [عن على بن ابى طالب ع، قال: لما قدم عمر على فتح خراسان، قال: لوددت ان بيننا و بينها بحرا من نار، فقال على: و ما يشتد عليك من فتحها! فان ذلك لموضع سرور،] قال: اجل و لكنى حتى اتى على آخر الحديث.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عيسى بن المغيره، و عن رجل من بكر بن وائل يدعى الوازع بن زيد بن خليده‏

3

، قال: لما بلغ عمر غلبه الأحنف على المروين و بلخ، قال: و هو الأحنف، و هو سيد اهل المشرق المسمى بغير اسمه و كتب عمر الى الأحنف: اما بعد، فلا تجوزن النهر و اقتصر على ما دونه، و قد عرفتم باى شي‏ء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذى دخلتم به خراسان يدم لكم النصر، و إياكم ان تعبروا فتفضوا و لما بلغ رسولا يزدجرد خاقان و غوزك، لم يستتب لهما انجاده حتى عبر

169

إليهما النهر مهزوما، و قد استتب فانجده خاقان- و الملوك ترى على أنفسها انجاد الملوك- فاقبل في الترك، و حشر اهل فرغانه و الصغد، ثم خرج بهم، و خرج يزدجرد راجعا الى خراسان، حتى عبر الى بلخ، و عبر معه خاقان، فارز اهل الكوفه الى مرو الروذ الى الأحنف، و خرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ و كان الأحنف حين بلغه عبور خاقان و الصغد نهر بلخ غازيا له، خرج في عسكره ليلا يتسمع: هل يسمع براى ينتفع به؟ فمر برجلين ينقيان علفا، اما تبنا و اما شعيرا، و أحدهما يقول لصاحبه:

لو ان الأمير اسندنا الى هذا الجبل، فكان النهر بيننا و بين عدونا خندقا، و كان الجبل في ظهورنا من ان نؤتى من خلفنا، و كان قتالنا من وجه واحد رجوت ان ينصرنا الله فرجع و اجتزا بها، و كان في ليله مظلمه، فلما اصبح جمع الناس، ثم قال: انكم قليل، و ان عدوكم كثير، فلا يهولنكم، ف كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، ارتحلوا من مكانكم هذا، فأسندوا الى هذا الجبل، فاجعلوه في ظهوركم، و اجعلوا النهر بينكم و بين عدوكم، و قاتلوهم من وجه واحد ففعلوا، و قد أعدوا ما يصلحهم، و هو في عشره آلاف من اهل البصره و اهل الكوفه نحو منهم و اقبلت الترك و من اجلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم و يراوحونهم و يتنحون عنهم بالليل ما شاء الله و طلب الأحنف علم مكانهم بالليل، فخرج ليله بعد ما علم علمهم، طليعه لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف، فلما كان في وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه، و ضرب بطبله، ثم وقف من العسكر موقفا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله، و هو يرتجز و يقول:

ان على كل رئيس حقا* * * ان يخضب الصعده او تندقا

ان لنا شيخا بها ملقى* * * سيف ابى حفص الذى تبقى‏

ثم وقف موقف التركى و أخذ طوقه، و خرج آخر من الترك، ففعل‏

170

فعل صاحبه الاول، ثم وقف دونه فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله و هو يرتجز:

ان الرئيس يرتبى و يطلع* * * و يمنع الخلاء اما اربعوا

ثم وقف موقف التركى الثانى، و أخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل الرجلين، و وقف دون الثانى منهما، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف، فقتله و هو يرتجز:

جرى الشموس ناجزا بناجز* * * محتفلا في جريه مشارز

ثم انصرف الأحنف الى عسكره، و لم يعلم بذلك احد منهم حتى دخله و استعد و كان من شيمه الترك انهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء، كلهم يضرب بطبله، ثم يخرجون بعد خروج الثالث، فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فاتوا على فرسانهم مقتلين، فتشاءم خاقان و تطير، فقال: قد طال مقامنا، و قد اصيب هؤلاء القوم بمكان لم يصب بمثله قط، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا، فكان وجوههم راجعين، و ارتفع النهار للمسلمين و لا يرون شيئا، و أتاهم الخبر بانصراف خاقان الى بلخ و قد كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى ترك خاقان بمرو الروذ، و خرج الى مرو الشاهجان، فتحصن منه حاتم بن النعمان و من معه، فحصرهم و استخرج خزائنه من موضعها، و خاقان ببلخ مقيم له، فقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم و دعوهم و لما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو، فاعجل عنه، و اراد ان يستقل به منها، إذ هو امر عظيم من خزائن اهل فارس، و اراد اللحاق بخاقان فقال له اهل فارس اى شي‏ء تريد ان تصنع؟ فقال:

اريد اللحاق بخاقان فأكون معه او بالصين، فقالوا له: مهلا، فان هذا راى سوء، انك انما تأتي قوما في مملكتهم و تدع أرضك و قومك، و لكن ارجع‏

171

بنا الى هؤلاء القوم فنصالحهم، فإنهم اوفياء و اهل دين، و هم يلون بلادنا، و ان عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكه من عدو يلينا في بلاده و لا دين لهم، و لا ندري ما وفاؤهم، فأبى عليهم و أبوا عليه، فقالوا: فدع خزائننا نردها الى بلادنا و من يليها، و لا تخرجها من بلادها الى غيرها، فأبى، فقالوا:

فانا لا ندعك، فاعتزلوا و تركوه في حاشيته، فاقتتلوا، فهزموه و أخذوا الخزائن، و استولوا عليها و نكبوه، و كتبوا الى الأحنف بالخبر، فاعترضهم المسلمون و المشركون بمرو يثفنونه، فقاتلوه و أصابوه في اخر القوم، و اعجلوه عن الاثقال، و مضى موائلا حتى قطع النهر الى فرغانه و الترك، فلم يزل مقيما زمان عمر رضى الله عنه كله يكاتبهم و يكاتبونه، او من شاء الله منهم فكفر اهل خراسان زمان عثمان و اقبل اهل فارس على الأحنف فصالحوه و عاقدوه، و دفعوا اليه تلك الخزائن و الأموال، و تراجعوا الى بلدانهم و أموالهم على افضل ما كانوا في زمان الاكاسره، فكانوا كأنما هم في ملكهم، الا ان المسلمين اوفى لهم و اعدل عليهم، فاغتبطوا و غبطوا، و أصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية.

و لما خلع اهل خراسان زمان عثمان اقبل يزدجرد حتى نزل بمرو، فلما اختلف هو و من معه و اهل خراسان أوى الى طاحونه، فاتوا عليه يأكل من كرد حول الرحا، فقتلوه ثم رموا به في النهر.

و لما اصيب يزدجرد بمرو- و هو يومئذ مختبئ في طاحونه يريد ان يطلب اللحاق بكرمان- فاحتوى فيئه المسلمون و المشركون، و بلغ ذلك الأحنف، فسار من فوره ذلك في الناس الى بلخ يريد خاقان، و يتبع حاشيه يزدجرد و اهله في المسلمين و المشركين من اهل فارس، و خاقان و الترك ببلخ فلما سمع بما القى يزدجرد و بخروج المسلمين مع الأحنف من مرو الروذ نحوه، ترك بلخ و عبر النهر، و اقبل الأحنف حتى نزل بلخ، و نزل اهل الكوفه في كورها الأربع، ثم رجع الى مرو الروذ فنزل بها، و كتب‏

172

بفتح خاقان و يزدجرد الى عمر، و بعث اليه بالأخماس، و وفد اليه الوفود.

قالوا: و لما عبر خاقان النهر، و عبرت معه حاشيه آل كسرى، او من أخذ نحو بلخ منهم مع يزدجرد، لقوا رسول يزدجرد الذى كان بعث الى ملك الصين، و اهدى اليه معه هدايا، و معه جواب كتابه من ملك الصين فسألوه عما وراءه، فقال: لما قدمت عليه بالكتاب و الهدايا كافانا بما ترون- و اراهم هديته و أجاب يزدجرد، فكتب اليه بهذا الكتاب بعد ما كان قال لي: قد عرفت ان حقا على الملوك انجاد الملوك على من غلبهم، فصف لي صفه هؤلاء القوم الذين اخرجوكم من بلادكم، فانى أراك تذكر قله منهم و كثره منكم، و لا يبلغ امثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما اسمع من كثرتكم الا بخير عندهم و شر فيكم، فقلت: سلني عما احببت، فقال: ا يوفون بالعهد؟ قلت: نعم، قال: و ما يقولون لكم قبل ان يقاتلوكم؟ قلت: يدعوننا الى واحده من ثلاث: اما دينهم فان اجبناهم اجرونا مجراهم، او الجزية و المنعه، او المنابذة قال: فكيف طاعتهم امراءهم؟ قلت: اطوع قوم لمرشدهم، قال: فما يحلون و ما يحرمون؟

فاخبرته، فقال: ا يحرمون ما حلل لهم، او يحلون ما حرم عليهم؟ قلت لا، قال: فان هؤلاء القوم لا يهلكون ابدا حتى يحلوا حرامهم و يحرموا حلالهم ثم قال: أخبرني عن لباسهم، فاخبرته، و عن مطاياهم، فقلت:

الخيل العراب- و وصفتها- فقال: نعمت الحصون هذه! و وصفت له الإبل و بروكها و انبعاثها بحملها، فقال: هذه صفه دواب طوال الأعناق.

و كتب معه الى يزدجرد كتابا: انه لم يمنعني ان ابعث إليك بجيش اوله بمرو و آخره بالصين الجهاله بما يحق على، و لكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، و لو خلى سربهم‏

173

ازالونى ما داموا على ما وصف، فسالمهم و ارض منهم بالمساكنه، و لا تهجم ما لم يهيجوك و اقام يزدجرد و آل كسرى بفرغانه، معهم عهد من خاقان و لما وقع الرسول بالفتح و الوفد بالخبر و معهم الغنائم بعمر بن الخطاب من قبل الأحنف، جمع الناس و خطبهم، و امر بكتاب الفتح فقرئ عليهم، فقال في خطبته: ان الله تبارك و تعالى ذكر رسوله(ص)و ما بعثه به من الهدى، و وعد على اتباعه من عاجل الثواب و آجله خير الدنيا و الآخرة فقال: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*»، فالحمد الذى انجز وعده، و نصر جنده الا ان الله قد اهلك ملك المجوسية، و فرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم الا و ان الله قد اورثكم ارضهم و ديارهم و أموالهم و ابناءهم، لينظر كيف تعملون! الا و ان المصرين من مسالحها اليوم كأنتم و المصرين فيما مضى من البعد، و قد وغلوا في البلاد، و الله بالغ امره، و منجز وعده، و متبع آخر ذلك اوله، فقوموا في امره على رجل يوف لكم بعهده، و يؤتكم وعده، و لا تبدلوا و لا تغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم، فانى لا اخاف على هذه الامه ان تؤتى الا من قبلكم.

قال ابو جعفر: ثم ان ادانى اهل خراسان و اقاصيه اعترضوا زمان عثمان ابن عفان لسنتين خلتا من امارته، و سنذكر بقية خبر انتقاضهم في موضعه ان شاء الله مع مقتل يزدجرد.

و حج بالناس في هذه السنه عمر بن الخطاب، و كانت عماله على الأمصار فيها عماله الذين كانوا عليها في سنه احدى و عشرين غير الكوفه و البصره، فان عامله على الكوفه و على الاحداث كان المغيره بن شعبه، و على البصره أبا موسى الأشعري‏

174

ثلاث و عشرين‏

فكان فيها فتح اصطخر في قول ابى معشر، حدثنى بذلك احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثنا محدث، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: كانت اصطخر الاولى و همذان سنه ثلاث و عشرين و قال الواقدى مثل ذلك و قال سيف: كان فتح اصطخر بعد توج الآخرة.

ذكر الخبر عن فتح توج‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: خرج اهل البصره الذين وجهوا الى فارس أمراء على فارس، و معهم ساريه بن زنيم و من بعث معهم الى ما وراء ذلك، و اهل فارس مجتمعون بتوج، فلم يصمدوا لجمعهم بجموعهم، و لكن قصد كل امير كوره منهم قصد امارته و كورته التي امر بها، و بلغ ذلك اهل فارس، فافترقوا الى بلدانهم، كما افترق المسلمون ليمنعوها، و كانت تلك هزيمتهم و تشتت أمورهم و تفريق جموعهم، فتطير المشركون من ذلك، و كأنما كانوا ينظرون الى ما صاروا اليه، فقصد مجاشع بن مسعود لسابور و أردشير خره فيمن معه من المسلمين، فالتقوا بتوج و اهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله ثم ان الله عز و جل هزم اهل توج للمسلمين، و سلط عليهم المسلمين، فقتلوهم كل قتله، و بلغوا منهم ما شاءوا، و غنمهم ما في عسكرهم فحووه، و هذه توج الآخرة، و لم يكن لها بعدها شوكه، و الاولى التي تنقذ فيها جنود العلاء ايام طاوس، الوقعه التي اقتتلوا فيها، و الوقعتان الاولى و الآخرة كلتاهما متساجلتان.

ثم دعوا الى الجزية و الذمة، فراجعوا و أقروا، و خمس مجاشع الغنائم، و بعث‏

175

بها، و وفد وفدا، و قد كانت البشراء و الوفود يجازون و تقضى لهم حوائجهم، لسنه جرت بذلك من رسول الله(ص)كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقه، عن عاصم بن كليب، عن ابيه، قال: خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج، فحاصرناها، و قاتلناهم ما شاء الله، فلما افتتحناها و حوينا نهبها نهبا كثيرا، و قتلنا قتلى عظيمه، و كان على قميص قد تخرق، فأخذت ابره و سلكا و جعلت اخيط قميصي بها ثم انى نظرت الى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت اضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته، فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيبا، فحمد الله، و اثنى عليه، فقال: ايها الناس لا تغلوا، فانه من غل جاء بما غل يوم القيامه ردوا و لو المخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فالقيته في الاخماس‏

فتح اصطخر

قال: و قصد عثمان بن ابى العاص لاصطخر، فالتقى هو و اهل اصطخر بجور فاقتتلوا ما شاء الله ثم ان الله عز و جل فتح لهم جور، و فتح المسلمون اصطخر، فقتلوا ما شاء الله، و أصابوا ما شاءوا، و فر من فر ثم ان عثمان دعا الناس الى الجزاء و الذمة، فراسلوه و راسلهم، فأجابه الهربذ و كل من هرب او تنحى، فتراجعوا و باحوا بالجزاء، و قد كان عثمان لما هزم القوم جمع اليه ما أفاء الله عليهم، فخمسه، و بعث بالخمس الى عمر، و قسم اربعه اخماس المغنم في الناس، و عفت الجند عن النهاب، و أدوا الأمانة، و استدقوا الدنيا فجمعهم عثمان، ثم قام فيهم، و قال: ان هذا الأمر لا يزال مقبلا، و لا يزال اهله معافين مما يكرهون، ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون و لم يسد الكثير مسد القليل اليوم‏

176

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى سفيان، عن الحسن، قال: قال عثمان بن ابى العاص يوم اصطخر: ان الله إذا اراد بقوم خيرا كفهم، و وفر امانتهم، فاحفظوها، فان أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم في كل يوم فقدان شي‏ء من أموركم.

ثم ان شهرك خلع في آخر اماره عمر و أول اماره عثمان، و نشط اهل فارس، و دعاهم الى النقض، فوجه اليه عثمان بن ابى العاص ثانيه، و بعث معه جنود أمد بهم، عليهم عبيد الله بن معمر، و شبل بن معبد البجلي، فالتقوا بفارس، فقال شهرك لابنه و هو في المعركة، و بينهم و بين قريه تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ، و كان بينهم و بين قرارهم اثنا عشر فرسخا:

يا بنى، اين يكون غداؤنا؟ هاهنا او ريشهر؟ فقال: يا أبت ان تركونا فلا يكون غداؤنا هاهنا و لا ريشهر، و لا يكونن الا في المنزل، و لكن و الله ما اراهم يتركوننا فما فرغا من كلامهما حتى انشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل فيه شهرك و ابنه، و قتل الله جل و عز منهم مقتله عظيمه و ولى قتل شهرك الحكم بن ابى العاص بن بشر بن دهمان، أخو عثمان.

و اما ابو معشر فانه قال: كانت فارس الاولى و اصطخر الآخرة في سنه ثمان و عشرين قال: و كانت فارس الآخرة و جور سنه تسع و عشرين، حدثنى بذلك احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثنى من سمع إسحاق بن عيسى، يذكر ذلك عن ابى معشر و حدثنى عبد الله بن احمد بن شبويه المروزى، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثنى عبيد الله، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: كان عثمان بن ابى العاص ارسل الى البحرين، فأرسل أخاه الحكم بن ابى العاص في الفين الى توج، و كان كسرى قد فر عن المدائن، و لحق بجور من فارس.

قال: فحدثني‏

9

زياد مولى الحكم بن ابى العاص‏

3

، عن الحكم بن ابى العاص، قال: قصد الى شهرك- قال عبيد: و كان كسرى ارسله- قال الحكم: فصعد الى في الجنود فهبطوا من عقبه، عليهم الحديد، فخشيت‏

177

ان تعشوا ابصار الناس، فأمرت مناديا، فنادى ان من كان عليه عمامة فليلفها على عينيه، و من لم يكن عليه عمامة فليغمض بصره، و ناديت ان حطوا عن دوابكم فلما راى شهرك ذلك حط أيضا ثم ناديت: ان اركبوا، فصففنا لهم و ركبوا، فجعلت الجارود العبدى على الميمنه و أبا صفره على الميسره- يعنى أبا المهلب- فحملوا على المسلمين فهزموهم، حتى ما اسمع لهم صوتا، فقال لي الجارود: ايها الأمير، ذهب الجند، فقلت: انك سترى امرك، فما لبثنا ان رجعت خيلهم، ليس عليها فرسانها، و المسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يدي، و معى بعض ملوكهم- يقال له المكعبر، فارق كسرى و لحق بي- فأتيت برأس ضخم، فقال المكعبر: هذا راس الازدهاق- يعنى شهرك- فحوصروا في مدينه سابور، فصالحهم- و ملكهم آذربيان- فاستعان الحكم بآذربيان على قتال اهل اصطخر، و مات عمر رضى الله عنه، فبعث عثمان عبيد الله بن معمر مكانه، فبلغ عبيد الله ان آذربيان يريد ان يغدر بهم، فقال له: انى أحب ان تتخذ لأصحابي طعاما، و تذبح لهم بقره، و تجعل عظامها في الجفنه التي تلينى، فانى أحب ان اتمشش العظام ففعل، فجعل يأخذ العظم الذى لا يكسر الا بالفئوس، فكسره بيده، فيتمخخه- و كان من أشد الناس- فقام الملك، فاخذ برجله، و قال: هذا مقام العائذ فاعطاه عهدا، فاصابت عبيد الله منجنيفه، فاوصاهم، فقال: انكم ستفتحون هذه المدينة ان شاء الله فاقتلوهم بي فيها ساعه ففعلوا فقتلوا منهم بشرا كثيرا.

و كان عثمان بن ابى العاص لحق الحكم، و قد هزم شهرك، فكتب الى عمر:

ان بيني و بين الكوفه فرجه اخاف ان يأتيني العدو منها و كتب صاحب الكوفه بمثل ذلك: ان بيني و بين كذا فرجه فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمائة، فانزلهم البصره‏

178

ذكر فتح فسا و دارابجرد

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: و قصد ساريه بن زنيم، فسا و دارابجرد، حتى انتهى الى عسكرهم، فنزل عليهم و حاصرهم ما شاء الله ثم انهم استمدوا، فتجمعوا و تجمعت اليهم اكراد فارس، فدهم المسلمين امر عظيم، و جمع كثير، فراى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم و عددهم في ساعه من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعه! حتى إذا كان في الساعة التي راى فيها ما راى خرج اليهم، و كان اريهم و المسلمون بصحراء، ان أقاموا فيها احيط بهم، و ان ارزوا الى جبل من خلفهم لم يؤتوا الا من وجه واحد ثم قام فقال:

يايها الناس، انى رايت هذين الجمعين- و اخبر بحالهما- ثم قال: يا ساريه، الجبل، الجبل! ثم اقبل عليهم، و قال: ان لله جنودا، و لعل بعضها ان يبلغهم، و لما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم اجمع ساريه و المسلمون على الاسناد الى الجبل، ففعلوا و قاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم الله لهم، و كتبوا بذلك الى عمر و استيلائهم على البلد و دعاء اهله و تسكينهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عمر دثار بن ابى شبيب، عن ابى عثمان و ابى عمرو بن العلاء، عن رجل من بنى مازن، قال: كان عمر قد بعث ساريه بن زنيم الدؤلى الى فسا و دارابجرد، فحاصرهم ثم انهم تداعوا فاصحروا له، و كثروه فاتوه من كل جانب، فقال عمر و هو يخطب في يوم جمعه: يا ساريه بن زنيم، الجبل، الجبل! و لما كان ذلك اليوم و الى جنب المسلمين جبل، ان لجئوا اليه لم يؤتوا الا من وجه واحد، فلجئوا الى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم، فأصاب مغانمهم، و أصاب في المغانم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر، فوهبوه له،

179

فبعث به مع رجل، و بالفتح و كان الرسل و الوفد يجازون و تقضى لهم حوائجهم، فقال له ساريه: استقرض ما تبلغ به و ما تخلفه لأهلك على جائزتك فقدم الرجل البصره، ففعل، ثم خرج فقدم على عمر، فوجده يطعم الناس، و معه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقصد له، فاقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلس حتى إذا اكل القوم انصرف عمر، و قام فاتبعه، فظن عمر انه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى الى باب داره: ادخل- و قد امر الخباز ان يذهب بالخوان الى مطبخ المسلمين- فلما جلس في البيت اتى بغدائه خبز و زيت و ملح جريش، فوضع و قال:

ا لا تخرجين يا هذه فتاكلين؟ قالت: انى لاسمع حس رجل، فقال: اجل، فقالت: لو اردت ان ابرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة، فقال:

ا و ما ترضين ان يقال: أم كلثوم بنت على و امراه عمر! فقالت: ما اقل غناء ذلك عنى! ثم قال للرجل: ادن فكل، فلو كانت راضيه لكان اطيب مما ترى، فأكلا حتى إذا فرغ قال: رسول ساريه بن زنيم يا امير المؤمنين.

فقال: مرحبا و أهلا، ثم ادناه حتى مست ركبته ركبته، ثم ساله عن المسلمين، ثم ساله عن ساريه بن زنيم، فاخبره، ثم اخبره بقصة الدرج، فنظر اليه ثم صاح به، ثم قال: لا و لا كرامة حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم فطرده، فقال: يا امير المؤمنين، انى قد أنضيت ابلى و استقرضت في جائزتي، فأعطني ما اتبلغ به، فما زال عنه حتى ابدله بعيرا ببعيره من ابل الصدقه، و أخذ بعيره فادخله في ابل الصدقه، و رجع الرسول مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصره، فنفذ لامر عمر، و قد كان ساله اهل المدينة عن ساريه، و عن الفتح و هل سمعوا شيئا يوم الوقعه؟ فقال:

نعم، سمعنا: يا ساريه، الجبل، و قد كدنا نهلك، فلجانا اليه، ففتح الله علينا.

كتب الى السرى، عن شعيب عن سيف، عن المجالد، عن الشعبى، مثل حديث عمرو

180

ذكر فتح كرمان‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: و قصد سهيل بن عدى الى كرمان، و لحقه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، و على مقدمه سهيل بن عدى النسير بن عمرو العجلى، و قد حشد له اهل كرمان، و استعانوا بالقفس، فاقتتلوا في ادنى ارضهم، ففضهم الله، فأخذوا عليهم بالطريق، و قتل النسير مرزبانها، فدخل سهيل من قبل طريق القرى اليوم الى جيرفت، و عبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاءوا من بعير او شاء، فقوموا الإبل و الغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب، و كرهوا ان يزيدوا، و كتبوا الى عمر، فكتب اليهم: ان البعير العربي انما قوم بتعيير اللحم، و ذلك مثله، فإذا رايتم ان في البخت فضلا فزيدوا فإنما هي من قيمه.

و اما المدائني، فانه ذكر ان على بن مجاهد اخبره عن حنبل بن ابى حريده- و كان قاضى قهستان- عن مرزبان قهستان، قال: فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافه عمر بن الخطاب، ثم اتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا امير المؤمنين، انى افتتحت الطبسين فاقطعنيهما، فاراد ان يفعل، فقيل لعمر: انهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما، و هما بابا خراسان.

ذكر فتح سجستان‏

قالوا: و قصد عاصم بن عمرو لسجستان، و لحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلوهم فالتقوا هم و اهل سجستان في ادنى ارضهم، فهزموهم ثم اتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج، و مخروا ارض سجستان ما شاءوا ثم انهم طلبوا الصلح على زرنج و ما احتازوا من الارضين، فأعطوه، و كانوا قد اشترطوا في صلحهم ان فدا فدها حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروا خشيه‏

181

ان يصيبوا منها شيئا، فيخفروا فتم اهل سجستان على الخراج و المسلمون على الإعطاء، فكانت سجستان اعظم من خراسان، و ابعد فروجا، يقاتلون القندهار و الترك و امما كثيره، و كانت فيما بين السند الى نهر بلخ بحياله، فلم تزل اعظم البلدين، و اصعب الفرجين، و أكثرهما عددا و جندا، حتى زمان معاويه، فهرب الشاه من أخيه- و اسم أخي الشاه يومئذ رتبيل- الى بلد فيها يدعى آمل، و دانوا لسلم بن زياد، و هو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك و عقد لهم، و انزلهم بتلك البلاد، و كتب الى معاويه بذلك يرى انه قد فتح عليه فقال معاويه: ان ابن أخي ليفرح بأمر انه ليحزنني و ينبغى له ان يحزنه، قالوا: و لم يا امير المؤمنين؟ قال: لان آمل بلده بينها و بين زرنج صعوبة و تضايق، و هؤلاء قوم نكر غدر، فيضطرب الحبل غدا، فأهون ما يجي‏ء منهم ان يغلبوا على بلاد آمل بأسرها و تم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاويه كفر الشاه، و غلب على آمل، و خاف رتبيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذى هو به اليوم، و لم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج، فغزاها فحصرهم حتى اتتهم الامداد من البصره، فصار رتبيل و الذين جاءوا معه، فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع الى اليوم، و قد كانت تلك البلاد مذلله الى ان مات معاويه‏

فتح مكران‏

قالوا: و قصد الحكم بن عمرو التغلبى لمكران، حتى انتهى إليها، و لحق به شهاب بن المخارق بن شهاب، فانضم اليه، و امده سهيل بن عدى، و عبد الله بن عبد الله بن عتبان بأنفسهما، فانتهوا الى دوين النهر، و قد انفض اهل مكران اليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، و عبر اليهم راسل ملكهم ملك السند، فازدلف بهم مستقبل المسلمين.

فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على ايام، بعد ما كان‏

182

قد انتهى اليه اوائلهم، و عسكروا به ليلحق اخراهم، فهزم الله راسل و سلبه، و أباح المسلمين عسكره، و قتلوا في المعركة مقتله عظيمه، و اتبعوهم يقتلونهم أياما، حتى انتهوا الى النهر ثم رجعوا فأقاموا بمكران.

و كتب الحكم الى عمر بالفتح، و بعث بالأخماس مع صحار العبدى، و استامره في الفيله، فقدم صحار على عمر بالخبر و المغانم، فسأله عمر عن مكران- و كان لا يأتيه احد الا ساله عن الوجه الذى يجي‏ء منه- فقال: يا امير المؤمنين، ارض سهلها جبل، و ماؤها وشل، و تمرها دقل، و عدوها بطل، و خيرها قليل، و شرها طويل، و الكثير بها قليل، و القليل بها ضائع، و ما وراءها شر منها فقال: ا سجاع أنت أم مخبر؟

قال: لا بل مخبر، قال: لا، و الله لا يغزوها جيش لي ما اطعت، و كتب الى الحكم بن عمرو و الى سهيل الا يجوزن مكران احد من جنودكما، و اقتصرا على ما دون النهر، و امره ببيع الفيله بأرض الاسلام، و قسم أثمانها على من أفاءها الله عليه.

و قال الحكم بن عمرو في ذلك:

لقد شبع الأرامل غير فخر* * * بفي‏ء جاءهم من مكران‏

أتاهم بعد مسغبه و جهد* * * و قد صفر الشتاء من الدخان‏

فانى لا يذم الجيش فعلى* * * و لا سيفي يذم و لا سنانى‏

183

غداه ادفع الأوباش دفعا* * * الى السند العريضة و المدانى‏

و مهران لنا فيما أردنا* * * مطيع غير مسترخى العنان‏

فلو لا ما نهى عنه اميرى* * * قطعناه الى البدد الزواني‏

خبر بيروذ من الاهواز

قالوا: و لما فصلت الخيول الى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد و غيرهم، و كان عمر قد عهد الى ابى موسى حين سارت الجنود الى الكور ان يسير حتى ينتهى الى ذمه البصره، كي لا يؤتى المسلمون من خلفهم، و خشي ان يستلحم بعض جنوده او ينقطع منهم طرف، او يخلفوا في اعقابهم، فكان الذى حذر من اجتماع اهل بيروذ، و قد أبطأ ابو موسى حتى تجمعوا، فخرج ابو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذى تجمعوا بها في رمضان، فالتقوا بين نهر تيرى و مناذر، و قد توافى إليها اهل النجدات من اهل فارس و الأكراد، ليكيدوا المسلمين، و ليصيبوا منهم عوره، و لم يشكوا في واحده من اثنتين فقام المهاجرين زياد و قد تحنط و استقتل، فقال لأبي موسى: أقم على كل صائم لما رجع فافطر فرجع اخوه فيمن رجع لابرار القسم، و انما اراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال، و تقدم فقاتل حتى قتل، و وهن الله المشركين حتى تحصنوا في قله و ذله، و اقبل اخوه الربيع، فقال: هيئ يا والع الدنيا، و اشتد جزعه عليه، فرق ابو موسى للربيع للذي رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم في جند، و خرج ابو موسى حتى بلغ أصبهان، فلقى بها جنود اهل الكوفه محاصرى جى، ثم انصرف الى البصره، بعد

184

ظفر الجنود، و قد فتح الله على الربيع بن زياد اهل بيروذ من نهر تيرى، و أخذ ما كان معهم من السبى، فتنقى ابو موسى رجالا منهم ممن كان لهم فداء- و قد كان الفداء ارد على المسلمين من أعيانهم و قيمتهم فيما بينهم- و وفد الوفود و الاخماس، فقام رجل من عنزه فاستوفده، فأبى، فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، و جمع بينهما فوجد أبا موسى اعذر الا في امر خادمه، فضعفه فرده الى عمله، و فجر الآخر، و تقدم اليه في الا يعود لمثلها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، و طلحه و المهلب و عمرو، قالوا: لما رجع ابو موسى عن أصبهان بعد دخول الجنود الكور، و قد هزم الربيع اهل بيروذ، و جمع السبى و الأموال، فغدا على ستين غلاما من أبناء الدهاقين تنقاهم و عزلهم، و بعث بالفتح الى عمر، و وفد وفدا فجاءه رجل من عنزه، فقال: اكتبني في الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، و كتب ابو موسى الى عمر: ان رجلا من عنزه يقال له ضبة بن محصن، كان من امره و قص قصته.

فلما قدم الكتاب و الوفد و الفتح على عمر قدم العنزي فاتى عمر فسلم عليه، فقال: من أنت؟ فاخبره، فقال: لا مرحبا و لا أهلا! فقال:

اما المرحب فمن الله، و اما الأهل فلا اهل، فاختلف اليه ثلاثا، يقول له هذا و يرد عليه هذا، حتى إذا كان في اليوم الرابع، دخل عليه، فقال: ما ذا نقمت على اميرك؟ قال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، و له جاريه تدعى عقيلة، تغدى جفنه و تعشى جفنه، و ليس منا رجل يقدر على ذلك، و له قفيزان، و له خاتمان، و فوض الى زياد ابن ابى سفيان- و كان زياد يلى امور البصره- و اجاز الحطيئه بألف.

فكتب عمر كل ما قال‏

185

فبعث الى ابى موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، و دعا ضبة بن محصن، و دفع اليه الكتاب، فقال: اقرا ما كتبت، فقرا: أخذ ستين غلاما لنفسه فقال ابو موسى: دللت عليهم و كان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: و الله ما كذب و لا كذبت، و قال: له قفيزان، فقال ابو موسى: قفيز لأهلي اقوتهم، و قفيز للمسلمين في ايديهم، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة: و الله ما كذب و لا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت ابو موسى و لم يعتذر، و علم ان ضبة قد صدقه قال: و زياد يلى امور الناس و لا يعرف هذا ما يلى، قال: وجدت له نبلا و رايا، فاسندت اليه عملي.

قال: و اجاز الحطيئه بألف، قال: سددت قمه بمالي ان يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلت فرده عمر و قال: إذا قدمت فأرسل الى زيادا و عقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، و قدم زياد فقام بالباب، فخرج عمر و زياد بالباب قائم، و عليه ثياب بياض كتان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فاخبره، فقال: كم أثمانها؟ فاخبره بشي‏ء يسير، و صدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال الفان، قال: ما صنعت في أول عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، و اشتريت في الثانى ربيبى عبيدا فاعتقته، فقال: وفقت، و ساله عن الفرائض و السنن و القرآن، فوجده فقيها فرده، و امر أمراء البصره ان يشربوا برايه، و حبس عقيلة بالمدينة و قال عمر: الا ان ضبة العنزي غضب على ابى موسى في الحق ان اصابه، و فارقه مراغما ان فاته امر من امور الدنيا، فصدق عليه و كذب، فافسد كذبه صدقه، فإياكم و الكذب، فان الكذب يهدى الى النار و كان الحطيئه قد لقيه فاجازه في غزاه بيروذ، و كان ابو موسى قد ابتدأ حصارهم و غزاتهم حتى فلهم، ثم جازهم و وكل بهم الربيع، ثم‏

186

رجع اليهم بعد الفتح فولى القسم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عمرو، عن الحسن،

3

عن اسيد بن المتشمس بن أخي الأحنف بن قيس‏

3

، قال: شهدت مع ابى موسى يوم أصبهان فتح القرى، و عليها عبد الله بن ورقاء الرياحي و عبد الله بن ورقاء الأسدي ثم ان أبا موسى صرف الى الكوفه، و استعمل على البصره عمر بن سراقه المخزومي، بدوى.

ثم ان أبا موسى رد على البصره، فمات عمر و ابو موسى على البصره على صلاتها، و كان عملها مفترقا غير مجموع، و كان عمر ربما بعث اليه فامد به بعض الجنود، فيكون مددا لبعض الجيوش‏

ذكر خبر سلمه بن قيس الاشجعى و الأكراد

حدثنى عبد الله بن كثير العبدى، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا ابو جناب، قال: حدثنا ابو المحجل الرديني، عن مخلد البكرى و علقمه بن مرثد، عن سليمان بن بريده، ان امير المؤمنين كان إذا اجتمع اليه جيش من اهل الايمان امر عليهم رجلا من اهل العلم و الفقه، فاجتمع اليه جيش، فبعث عليهم سلمه بن قيس الاشجعى فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم الى ثلاث خصال: ادعوهم الى الاسلام فان أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، و ليس لهم في في‏ء المسلمين نصيب، و ان اختاروا ان يكونوا معكم فلهم مثل الذى لكم، و عليهم مثل الذى عليكم، فان أبوا فادعوهم الى الخراج، فان أقروا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم، و فرغوهم لخراجهم، و لا تكلفوهم فوق طاقتهم، فان‏

187

أبوا فقاتلوهم، فان الله ناصركم عليهم، فان تحصنوا منكم في حصن فسالوكم ان ينزلوا على حكم الله و حكم رسوله، فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله و رسوله فيهم! و ان سألوكم ان ينزلوا على ذمه الله و ذمه رسوله فلا تعطوهم ذمه الله و ذمه رسوله، و اعطوهم ذمم انفسكم، فان قاتلوكم فلا تغلوا و لا تغدروا و لا تمثلوا، و لا تقتلوا وليدا قال سلمه: فسرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم الى ما امر به امير المؤمنين فأبوا ان يسلموا، فدعوناهم الى الخراج فأبوا ان يقروا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتله، و سبينا الذرية، و جمعنا الرثة، فراى سلمه بن قيس شيئا من حليه، فقال: ان هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب انفسكم ان نبعث به الى امير المؤمنين، فان له بردا و مئونة؟ قالوا: نعم، قد طابت أنفسنا قال: فجعل تلك الحلية في سفط، ثم بعث برجل من قومه، فقال: اركب بها، فإذا اتيت البصره فاشتر على جوائز امير المؤمنين راحلتين، فاوقرهما زادا لك و لغلامك، ثم سر الى امير المؤمنين.

قال: ففعلت، فأتيت امير المؤمنين و هو يغدى الناس متكئا على عصا كما يصنع الراعى و هو يدور على القصاع، يقول: يا يرفا، زد هؤلاء لحما، زد هؤلاء خبزا، زد هؤلاء مرقه، فلما دفعت اليه، قال: اجلس، فجلست في ادنى الناس، فإذا طعام فيه خشونة طعامي، الذى معى اطيب منه فلما فرغ الناس من قصاعهم قال: يا يرفا، ارفع قصاعك ثم ادبر، فاتبعته فدخل دارا، ثم دخل حجره، فاستأذنت و سلمت، فاذن لي، فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من ادم محشوتين ليفا، فنبذ الى بإحداهما، فجلست عليها، و إذا بهو في صفه فيها بيت عليه ستير، فقال: يا أم كلثوم، غداءنا! فأخرجت اليه خبزه بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: يا أم كلثوم، الا تخرجين إلينا تاكلين معنا من هذا؟ قالت: انى اسمع عندك حس رجل،

188

قال: نعم و لا أراه من اهل البلد- قال: فذلك حين عرفت انه لم يعرفني- قالت: لو اردت ان اخرج الى الرجال لكسوتنى كما كسا ابن جعفر امراته، و كما كسا الزبير امراته، و كما كسا طلحه امراته! قال: او ما يكفيك ان يقال: أم كلثوم بنت على بن ابى طالب و امراه امير المؤمنين عمر! فقال:

كل، فلو كانت راضيه لاطعمتك اطيب من هذا قال: فاكلت قليلا- و طعامي الذى معى اطيب منه- و اكل، فما رايت أحدا احسن اكلا منه ما يتلبس طعامه بيده و لا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاءوا بعس من سلت فقال: اعط الرجل، قال: فشربت قليلا، سويقى الذى معى اطيب منه، ثم اخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، و قال: الحمد لله الذى أطعمنا فاشبعنا، و سقانا فاروانا قال: قلت: قد اكل امير المؤمنين فشبع، و شرب فروى، حاجتي يا امير المؤمنين! قال: و ما حاجتك؟ قال: قلت: انا رسول سلمه بن قيس، قال: مرحبا بسلمه بن قيس و رسوله، حدثنى عن المهاجرين كيف هم؟ قال: قلت: هم يا امير المؤمنين كما تحب من السلامة و الظفر على عدوهم قال: كيف أسعارهم؟ قال: قلت:

ارخص اسعار قال: كيف اللحم فيهم فإنها شجره العرب و لا تصلح العرب الا بشجرتها؟ قال: قلت: البقره فيهم بكذا، و الشاه فيهم بكذا يا امير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم الى ما أمرتنا به من الاسلام فأبوا، فدعوناهم الى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتله، و سبينا الذرية، و جمعنا الرثة، فراى سلمه في الرثة حليه، فقال للناس: ان هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب انفسكم ان ابعث به الى امير المؤمنين؟ فقالوا: نعم فاستخرجت سفطى، فلما نظر الى تلك الفصوص من بين احمر و اصفر و اخضر، وثب ثم جعل يده في خاصرته، ثم قال: لا اشبع الله إذا بطن عمر! قال: فظن النساء انى اريد ان اغتاله، فجئن الى الستر، فقال: كف ما جئت به، يا يرفا، جا عنقه قال: فانا

189

اصلح سفطى و هو يجأ عنقى! قلت: يا امير المؤمنين ابدع بي فاحملني، قال: يا يرفا أعطه راحلتين من الصدقه، فإذا لقيت افقر إليهما منك فادفعهما اليه قلت: افعل يا امير المؤمنين، فقال: اما و الله لئن تفرق المسلمون في مشاتيهم قبل ان يقسم هذا فيهم لافعلن بك و بصاحبك الفاقرة.

قال: فارتحلت حتى اتيت سلمه، فقلت: ما بارك الله لي فيما اختصصتني به، اقسم هذا في الناس قبل ان تصيبني و إياك فاقره، فقسمه فيهم، و الفص يباع بخمسه دراهم و سته دراهم، و هو خير من عشرين ألفا.

و اما السرى فانه ذكر- فيما كتب به الى يذكر عن شعيب، عن سيف، عن ابى جناب، عن سليمان بن بريده- قال: لقيت رسول سلمه ابن قيس الاشجعى، قال: كان عمر بن الخطاب إذا اجتمع اليه جيش من العرب ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير عن جعفر بن عون، غير انه قال في حديثه عن شعيب عن سيف: و اعطوهم ذمم انفسكم قال:

فلقينا عدونا من الأكراد، فدعوناهم.

و قال أيضا: و جمعنا الرثة، فوجد فيها سلمه حقتين جوهرا، فجعلها في سفط.

و قال أيضا: او ما كفاك ان يقال: أم كلثوم بنت على بن ابى طالب امراه عمر بن الخطاب! قالت: ان ذلك عنى لقليل الغناء، قال: كل.

و قال أيضا: فجاءوا بعس من سلت، كلما حركوه فار فوقه مما فيه، و إذا تركوه سكن ثم قال: اشرب، فشربت قليلا، شرابي الذى معى اطيب منه، فاخذ القدح فضرب به جبهته ثم قال: انك لضعيف الاكل، ضعيف الشرب.

و قال أيضا: قلت: رسول سلمه، قال: مرحبا بسلمه و برسوله، و كأنما خرجت من صلبه، حدثنى عن المهاجرين‏

190

و قال أيضا: ثم قال: لا اشبع الله إذا بطن عمر! قال: و ظن النساء انى قد اغتلته، فكشفن الستر، و قال: يا يرفا، جا عنقه، فوجا عنقى و انا اصيح، و قال: النجاء، و اظنك ستبطئ و قال: اما و الله الذى لا اله غيره لئن تفرق الناس الى مشاتيهم و سائر الحديث نحو حديث عبد الله بن كثير.

و حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا اسد بن موسى، قال: حدثنا شهاب بن خراش الحوشبى، قال: حدثنا الحجاج بن دينار، عن منصور ابن المعتمر، عن شقيق بن سلمه الأسدي، قال: حدثنا الذى جرى بين عمر بن الخطاب و سلمه بن قيس، قال: ندب عمر بن الخطاب الناس الى سلمه بن قيس الاشجعى بالحيرة، فقال: انطلقوا باسم الله ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير، عن جعفر.

قال ابو جعفر: و حج عمر بازواج رسول الله(ص)في هذه السنه، و هي آخر حجه حجها بالناس، حدثنى بذلك الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن الواقدى‏

. ذكر الخبر عن وفاه عمر

و في هذه السنه كانت وفاته.

ذكر الخبر عن مقتله:

حدثنى سلم بن جناده، قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن ابى ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنا ابى، عن عبد الله بن جعفر، عن ابيه،

3

عن المسور بن مخرمه.

- و كانت أمه عاتكه بنت عوف‏

3

- قال: خرج عمر بن الخطاب يوما يطوف في السوق، فلقيه ابو لؤلؤه غلام المغيره بن شعبه، و كان نصرانيا، فقال:

يا امير المؤمنين، أعدني على المغيره بن شعبه، فان على خراجا كثيرا،

191

قال: و كم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم، قال: و ايش صناعتك؟

قال: نجار، نقاش، حداد، قال: فما ارى خراجك بكثير على ما تصنع من الاعمال، قد بلغنى انك تقول: لو اردت ان اعمل رحا تطحن بالريح فعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لي رحا، قال: لئن سلمت لاعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق و المغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر رضى الله تعالى عنه: لقد توعدني العبد آنفا! قال: ثم انصرف عمر الى منزله، فلما كان من الغد جاءه كعب الاحبار فقال له: يا امير المؤمنين، اعهد، فإنك ميت في ثلاثة ايام، قال: و ما يدريك؟ قال:

اجده في كتاب الله عز و جل التوراة، قال عمر: آلله انك لتجد عمر ابن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، و لكنى أجد صفتك و حليتك، و انه قد فنى اجلك- قال: و عمر لا يحس وجعا و لا ألما- فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا امير المؤمنين، ذهب يوم و بقي يومان، قال:

ثم جاءه من غد الغد، فقال: ذهب يومان و بقي يوم و ليله، و هي لك الى صبيحتها قال: فلما كان الصبح خرج عمر الى الصلاة، و كان يوكل بالصفوف رجالا، فإذا استوت جاء هو فكبر قال: و دخل ابو لؤلؤه في الناس، في يده خنجر له راسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، احداهن تحت سرته، و هي التي قتلته، و قتل معه كليب ابن ابى البكير الليثى- و كان خلفه- فلما وجد عمر حر السلاح سقط، و قال: ا في الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا امير المؤمنين، هو ذا، قال: تقدم فصل بالناس، قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف، و عمر طريح، ثم احتمل فادخل داره، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال:

انى اريد ان اعهد إليك، فقال: يا امير المؤمنين نعم، ان اشرت على قبلت منك، قال: و ما تريد؟ قال: أنشدك الله، ا تشير على بذلك؟

قال: اللهم لا، قال: و الله لا ادخل فيه ابدا، قال: فهب لي صمتا

192

حتى اعهد الى النفر الذين توفى رسول الله(ص)و هو عنهم راض ادع لي عليا و عثمان و الزبير و سعدا قال: و انتظروا أخاكم طلحه ثلاثا فان جاء و الا فاقضوا امركم، أنشدك الله يا على ان وليت من امور الناس شيئا ان تحمل بنى هاشم على رقاب الناس، أنشدك الله يا عثمان ان وليت من امور الناس شيئا ان تحمل بنى ابى معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا سعد ان وليت من امور الناس شيئا ان تحمل اقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا ثم اقضوا امركم، و ليصل بالناس صهيب ثم دعا أبا طلحه الأنصاري، فقال: قم على بابهم، فلا تدع أحدا يدخل اليهم، و اوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار و الايمان، ان يحسن الى محسنهم، و ان يعفو عن مسيئهم، و اوصى الخليفة من بعدي بالعرب، فإنها ماده الاسلام، ان يؤخذ من صدقاتهم حقها فيوضع في فقرائهم، و اوصى الخليفة من بعدي بذمه رسول الله(ص)ان يوفى لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت! تركت الخليفة من بعدي على انقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر اخرج فانظر من قتلني؟ فقال:

يا امير المؤمنين، قتلك ابو لؤلؤه غلام المغيره بن شعبه، قال: الحمد لله الذى لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجده واحده، يا عبد الله بن عمر، اذهب الى عائشة فسلها ان تاذن لي ان ادفن مع النبي(ص)و ابى بكر، يا عبد الله بن عمر، ان اختلف القوم فكن مع الأكثر، و ان كانوا ثلاثة و ثلاثة فاتبع الحزب الذى فيه عبد الرحمن، يا عبد الله ائذن للناس، قال:

فجعل يدخل عليه المهاجرون و الانصار فيسلمون عليه، و يقول لهم: ا عن ملا منكم كان هذا؟ فيقولون: معاذ الله! قال: و دخل في الناس كعب، فلما نظر اليه عمر أنشأ يقول:

فأوعدني كعب ثلاثا أعدها* * * و لا شك ان القول ما قال لي كعب‏

193

و ما بي حذار الموت انى لميت* * * و لكن حذار الذنب يتبعه الذنب‏

قال: فقيل له: يا امير المؤمنين لو دعوت الطبيب! قال: فدعى طبيب من بنى الحارث بن كعب، فسقاه نبيذا فخرج النبيذ مشكلا، قال: فاسقوه لبنا، قال: فخرج اللبن محضا، فقيل له: يا امير المؤمنين، اعهد، قال: قد فرغت.

قال: ثم توفى ليله الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجه سنه ثلاث و عشرين.

قال: فخرجوا به بكره يوم الأربعاء، فدفن في بيت عائشة مع النبي(ص)و ابى بكر قال: و تقدم صهيب فصلى عليه، و تقدم قبل ذلك رجلان من اصحاب رسول الله ص: على و عثمان، قال: فتقدم واحد من عند راسه، و الآخر من عند رجليه، فقال عبد الرحمن:

لا اله الا الله، ما احرصكما على الإمرة! ا ما علمتما ان امير المؤمنين قال:

ليصل بالناس صهيب! فتقدم صهيب فصلى عليه قال: و نزل في قبره الخمسة.

قال ابو جعفر: و قد قيل ان وفاته كانت في غره المحرم سنه اربع و عشرين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنى ابو بكر بن اسماعيل بن محمد بن سعد، عن ابيه قال: طعن عمر رضى الله تعالى عنه يوم الأربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجه سنه ثلاث و عشرين، و دفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنه اربع و عشرين، فكانت ولايته عشر سنين و خمسه اشهر و احدى و عشرين ليله، من متوفى ابى بكر، على راس اثنتين و عشرين سنه و تسعه اشهر و ثلاثة عشر يوما من الهجره و بويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم قال: فذكرت ذلك لعثمان الاخنسى، فقال: ما أراك الا و هلت، توفى‏

194

عمر رضى الله تعالى عنه لاربع ليال بقين من ذي الحجه، و بويع لعثمان بن عفان لليلة بقيت من ذي الحجه، فاستقبل بخلافته المحرم سنه اربع و عشرين.

و حدثنى احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثنا

9

محدث‏

9

، عن إسحاق ابن عيسى، عن ابى معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجه تمام سنه ثلاث و عشرين، و كانت خلافته عشر سنين و سته اشهر و اربعه ايام، ثم بويع عثمان بن عفان.

قال ابو جعفر: و اما المدائني، فانه قال فيما حدثنى عمر عنه، عن شريك، عن الاعمش- او عن جابر الجعفى- عن عوف بن مالك الاشجعى و عامر بن ابى محمد، عن اشياخ من قومه، و عثمان بن عبد الرحمن، عن ابنى شهاب الزهري، قالوا: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجه.

قال: و قال غيرهم: لست بقين من ذي الحجه.

و اما سيف، فانه قال فيما كتب الى به السرى يذكر ان شعيبا حدثه عنه، عن خليد بن ذفره و مجالد، قال: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنه اربع و عشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، و زاد: و وفد فاستن به.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبى، قال: اجتمع اهل الشورى على عثمان، لثلاث مضين من المحرم، و قد دخل وقت العصر، و قد اذن مؤذن صهيب، و اجتمعوا بين الاذان و الإقامة، فخرج فصلى بالناس، و زاد الناس مائه، و وفد اهل الأمصار، و صنع فيهم.

و هو أول من صنع ذلك.

و حدثت عن هشام بن محمد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجه سنه ثلاث و عشرين، و كانت خلافته عشر سنين و سته اشهر و اربعه ايام‏

195

ذكر نسب عمر رضى الله عنه‏

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر و هشام ابن محمد و حدثنى عمر، قال: حدثنا على بن محمد، قالوا جميعا في نسب عمر: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤي و كنيته ابو حفص، و أمه حنتمه بنت هاشم بن المغيره بن عبد الله بن عمر بن مخزوم‏

. تسميته بالفاروق‏

قال ابو جعفر: و كان يقال له الفاروق.

و قد اختلف السلف فيمن سماه بذلك، فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله ص.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا ابو حزره يعقوب بن مجاهد، عن محمد بن ابراهيم، عن ابى عمرو ذكوان، قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت:

النبي ص.

و قال بعضهم: أول من سماه بهذا الاسم اهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد، عن ابيه، عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب:

بلغنا ان اهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، و كان المسلمون‏

196

يأثرون ذلك من قولهم، و لم يبلغنا ان رسول الله(ص)ذكر من ذلك شيئا

. ذكر صفته‏

حدثنا هناد بن السرى، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن ابى النجود، عن زر بن حبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد- او في جنازة زينب- آدم طوالا اصلع اعسر يسرا، يمشى كأنه راكب.

حدثنا هناد، قال: حدثنا شريك، عن عاصم، عن زر، قال:

رايت عمر ياتى العيد ماشيا حافيا اعمر ايسر متلببا بردا قطريا، مشرفا على الناس كأنه على دابه، و هو يقول: ايها الناس، هاجروا و لا تهجروا.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن ابى بكر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعه، قال: رايت عمر رجلا ابيض امهق، تعلوه حمره، طوالا اصلع.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا شعيب بن طلحه، عن ابيه، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت ابن عمر يصف عمر يقول: رجل ابيض، تعلوه حمره، طوال، اشيب، اصلع.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: أخبرنا خالد بن ابى بكر، قال: كان عمر يصفر لحيته، و يرجل راسه بالحناء

197

ذكر مولده و مبلغ عمره‏

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى اسامه بن زيد بن اسلم، عن ابيه، عن جده، قال:

سمعت عمر بن الخطاب، يقول: ولدت قبل الفجار الأعظم الآخر باربع سنين.

قال ابو جعفر: و اختلف السلف في مبلغ سنى عمر، فقال بعضهم:

كان يوم قتل ابن خمس و خمسين سنه.

ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنى زيد بن اخزم الطائي، قال: حدثنا ابو قتيبة، عن جرير ابن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قتل عمر بن الخطاب و هو ابن خمس و خمسين سنه.

و حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نعيم ابن حماد، قال: حدثنا الدراوردى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفى عمر و هو ابن خمس و خمسين سنه.

و حدثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب ان عمر توفى على راس خمس و خمسين سنه.

و قال آخرون: كان يوم توفى ابن ثلاث و خمسين سنه و اشهر.

ذكر من قال ذلك:

حدثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبى.

و قال آخرون توفى و هو ابن ثلاث و ستين سنه‏

198

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن ابى عدى، عن داود، عن عامر، قال: مات عمر و هو ابن ثلاث و ستين سنه.

و قال آخرون: توفى و هو ابن احدى و ستين سنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثت بذلك، عن ابى سلمه التبوذكى، عن ابى هلال، عن قتادة.

و قال آخرون: توفى و هو ابن ستين سنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، عن ابيه، قال:

توفى عمر و هو ابن ستين سنه.

قال محمد بن عمر: و هذا اثبت الاقاويل عندنا، و ذكر عن المدائني انه قال: توفى عمر و هو ابن سبع و خمسين سنه‏

ذكر أسماء ولده و نسائه‏

حدثنى ابو زيد عمر بن شبه، عن على بن محمد و الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر و حدثت عن هشام بن محمد- اجتمعت معاني أقوالهم، و اختلفت الألفاظ بها- قالوا: تزوج عمر في الجاهلية زينب ابنه مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح‏

3

، فولدت له عبد الله و عبد الرحمن الاكبر و حفصة.

و قال على بن محمد: و تزوج مليكه ابنه جرول الخزاعي في الجاهلية

3

، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها بعد عمر ابو الجهم بن حذيفة

199

و اما محمد بن عمر، فانه قال: زيد الاصغر و عبيد الله الذى قتل يوم صفين مع معاويه، أمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعه بن اصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب ابن عمرو بن خزاعة، و كان الاسلام فرق بينها و بين عمر.

قال على بن محمد:

3

و تزوج قريبه ابنه ابى اميه المخزومي في الجاهلية، ففارقها أيضا في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن ابى بكر الصديق.

قالوا: و تزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيره بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم في الاسلام‏

3

، فولدت له فاطمه فطلقها قال المدائني:

و قد قيل: لم يطلقها.

و تزوج جميله اخت عاصم بن ثابت بن ابى الاقلح- و اسمه قيس بن عصمه بن مالك بن ضبيعه بن زيد بن الأوس من الانصار في الاسلام‏

3

- فولدت له عاصما، فطلقها و تزوج أم كلثوم بنت على بن ابى طالب، و أمها فاطمه بنت رسول الله ص، و أصدقها- فيما قيل- اربعين ألفا، فولدت له زيدا و رقيه‏

3

. و تزوج لهيه، امراه من اليمن‏

3

، فولدت له عبد الرحمن قال المدائني:

ولدت له عبد الرحمن الاصغر قال: و يقال كانت أم ولد قال الواقدى:

لهيه هذه أم ولد و قال أيضا: ولدت له لهيه عبد الرحمن الأوسط و قال:

عبد الرحمن الاصغر أمه أم ولد

3

. و كانت عنده فكيهة، و هي أم ولد و في أقوالهم فولدت له زينب و قال الواقدى: هي اصغر ولد عمر.

و تزوج عاتكه ابنه زيد بن عمرو بن نفيل، و كانت قبله عند عبد الله ابن ابى بكر، فلما مات عمر تزوجها الزبير بن العوام.

قال المدائني: و خطب أم كلثوم بنت ابى بكر و هي صغيره، و ارسل فيها الى عائشة، فقالت: الأمر إليك، فقالت أم كلثوم: لا حاجه لي‏

200

فيه، فقالت لها عائشة: ترغبين عن امير المؤمنين! قالت: نعم، انه خشن العيش، شديد على النساء، فأرسلت عائشة الى عمرو بن العاص فاخبرته، فقال: اكفيك، فاتى عمر فقال: يا امير المؤمنين، بلغنى خبر اعيذك بالله منه، قال: و ما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت ابى بكر! قال: نعم، ا فرغبت بي عنها، أم رغبت بها عنى؟ قال: لا واحده، و لكنها حدثه نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين و رفق، و فيك غلظه، و نحن نهابك، و ما نقدر ان نردك عن خلق من اخلاقك، فكيف بها ان خالفتك في شي‏ء، فسطوت بها! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك.

قال: فكيف بعائشة و قد كلمتها؟ قال: انا لك بها، و ادلك على خير منها، أم كلثوم بنت على بن ابى طالب، تعلق منها بسبب من رسول الله ص.

قال المدائني: و خطب أم ابان بنت عتبة بن ربيعه، فكرهته، و قالت:

يغلق بابه، و يمنع خيره، و يدخل عابسا، و يخرج عابسا

. ذكر وقت اسلامه‏

قال ابو جعفر: ذكر انه اسلم بعد خمسه و اربعين رجلا و احدى و عشرين امراه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى محمد بن عبد الله، عن ابيه، قال: ذكرت له حديث عمر، فقال: أخبرني عبد الله بن ثعلبه بن صعير، قال: اسلم عمر بعد خمسه و اربعين رجلا و احدى و عشرين امراه‏

. ذكر بعض سيره‏

حدثنى ابو السائب، قال: حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن‏

201

حصين المري، قال: قال عمر: انما مثل العرب مثل جمل انف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقوده، فاما انا فو رب الكعبه لأحملنهم على الطريق.

و حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا اسماعيل بن ابراهيم، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: إذا كنت في منزله تسعنى و تعجز عن الناس فو الله ما تلك لي بمنزله حتى أكون أسوة للناس.

حدثنا خلاد بن اسلم، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال:

أخبرنا قطن، قال: حدثنا ابو يزيد المديني، قال: حدثنا مولى لعثمان ابن عفان، قال: كنت رديفا لعثمان بن عفان، حتى اتى على حظيرة الصدقه في يوم شديد الحر شديد السموم، فإذا رجل عليه إزار و رداء، قد لف راسه برداء يطرد الإبل يدخلها الحظيرة، حظيرة ابل الصدقه، فقال عثمان: من ترى هذا؟ قال: فانتهينا اليه، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: هذا و الله القوى الامين.

حدثنى جعفر بن محمد الكوفى و عباس بن ابى طالب، قالا: حدثنا ابو زكرياء يحيى بن مصعب الكلبى، قال: حدثنا عمر بن نافع، عن ابى بكر العبسى، قال: دخلت حير الصدقه مع عمر بن الخطاب و على بن ابى طالب، قال: فجلس عثمان في الظل يكتب، و قام على راسه يمل عليه ما يقول عمر، و عمر في الشمس قائم في يوم حار شديد الحر، عليه بردان اسودان، متزرا بواحد، و قد لف على راسه آخر، يعد ابل الصدقه، يكتب ألوانها و أسنانها، فقال على لعثمان- و سمعته يقول: نعت بنت شعيب في كتاب الله: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، ثم اشار على بيده الى عمر، فقال: [هذا القوى الامين!] حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا اسماعيل، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: لئن عشت ان شاء الله لأسيرن في الرعية حولا، فانى اعلم ان للناس حوائج تقطع دوني، اما عمالهم فلا يرفعونها الى، و اما هم فلا

202

يصلون الى، فاسير الى الشام، فأقيم بها شهرين، ثم اسير الى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم اسير الى مصر فأقيم بها شهرين، ثم اسير الى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم اسير الى الكوفه فأقيم بها شهرين، ثم اسير الى البصره فأقيم بها شهرين، و الله لنعم الحول هذا! حدثنى محمد بن عوف، قال: حدثنا ابو المغيره عبد القدوس بن الحجاج، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثنى ابو المخارق زهير ابن سالم، ان كعب الاحبار، قال: نزلت على رجل يقال له مالك- و كان جارا لعمر بن الخطاب- فقلت له: كيف بالدخول على امير المؤمنين؟

فقال: ليس عليه باب و لا حجاب، يصلى الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء.

حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان، عن يحيى، قال: أخبرني سالم، عن اسلم، قال: بعثني عمر بابل من ابل الصدقه الى الحمى، فوضعت جهازي على ناقه منها، فلما اردت ان أصدرها، قال:

اعرضها على، فعرضتها عليه، فراى متاعي على ناقه منها حسناء، فقال:

لا أم لك! عمدت الى ناقه تغنى اهل بيت المسلمين! فهلا ابن لبون بوالا، او ناقه شصوصا! حدثنى عمر بن اسماعيل بن مجالد الهمذاني، قال: حدثنا ابو معاويه عن ابى حيان، عن ابى الزنباع، عن ابى الدهقانه، قال: قيل لعمر بن الخطاب: ان هاهنا رجلا من اهل الأنبار له بصر بالديوان، لو اتخذته كاتبا! فقال عمر: لقد اتخذت إذا بطانه من دون المؤمنين! حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن ابيه، عن جده، ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب الناس، فقال: و الذى بعث محمدا بالحق، لو ان جملا هلك‏

203

ضياعا بشط الفرات خشيت ان يسال الله عنه آل الخطاب قال ابو زيد:

آل الخطاب يعنى نفسه، ما يعنى غيرها.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن ابى عدى، عن شعبه، عن ابى عمران الجونى، قال: كتب عمر الى ابى موسى: انه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم، فاكرم من قبلك من وجوه الناس، و بحسب المسلم الضعيف من العدل، ان ينصف في الحكم و في القسم.

و حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابن ادريس، قال: سمعت مطرفا، عن الشعبى، قال: اتى اعرابى عمر، فقال: ان ببعيرى نقبا و دبرا فاحملني، فقال له عمر، ما ببعيرك نقب و لا دبر، قال: فولى و هو يقول:

اقسم بالله ابو حفص عمر* * * ما مسها من نقب و لا دبر

فاغفر له اللهم ان كان فجر

.

فقال: اللهم اغفر لي! ثم دعا الأعرابي فحمله.

و حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا اسماعيل، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: نبئت ان رجلا كان بينه و بين عمر قرابه، فسأله فزبره، و اخرجه فكلم فيه، فقيل: يا امير المؤمنين، فلان سالك فزبرته و اخرجته، فقال: انه سألني من مال الله، فما معذرتي ان لقيته ملكا خائنا! فلو لا سألني من مالي! قال: فأرسل اليه بعشره آلاف.

و كان عمر (رحمه الله) إذا بعث عاملا له على عمل يقول- ما حدثنا به محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال: حدثنا شعبه، عن يحيى بن حضين، سمع طارق بن شهاب يقول: قال عمر في عماله: اللهم انى لم ابعثهم ليأخذوا أموالهم، و لا ليضربوا ابشارهم، من ظلمه اميره فلا امره عليه دوني.

و حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن ابى عدى، عن شعبه، عن‏

204

قتادة، عن سالم بن ابى الجعد، عن معدان بن ابى طلحه، ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب الناس يوم الجمعه، فقال: اللهم انى اشهدك على أمراء الأمصار انى انما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم و سنه نبيهم، و ان يقسموا فيهم فيئهم، و ان يعدلوا، فان اشكل عليهم شي‏ء رفعوه الى.

و حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، قال: سمعت أبا حصين، قال: كان عمر إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم، فيقول: انى لم استعملكم على أمه محمد(ص)على اشعارهم، و لا على ابشارهم، انما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، و تقضوا بينهم بالحق، و تقسموا بينهم بالعدل، و انى لم اسلطكم على ابشارهم و لا على اشعارهم، و لا تجلدوا العرب فتذلوها، و لا تجمروها فتفتنوها، و لا تغفلوا عنها فتحرموها، جردوا القرآن، و أقلوا الرواية عن محمد ص، و انا شريككم و كان يقتص من عماله، و إذا شكى اليه عامل له جمع بينه و بين من شكاه، فان صح عليه امر يجب اخذه به اخذه به و حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا اسماعيل بن ابراهيم، قال:

أخبرنا سعيد الجريرى، عن ابى نضره، عن ابى فراس، قال: خطب عمر ابن الخطاب، فقال: يا ايها الناس، انى و الله ما ارسل إليكم عمالا ليضربوا ابشاركم، و لا ليأخذوا أموالكم، و لكنى ارسلهم إليكم ليعلموكم دينكم و سنتكم، فمن فعل به شي‏ء سوى ذلك فليرفعه الى، فو الذى نفس عمر بيده لاقصنه منه فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا امير المؤمنين، ا رايتك ان كان رجل من أمراء المسلمين على رعيه، فأدب بعض رعيته، انك لتقصه منه! قال: اى و الذى نفس عمر بيده إذا لاقصنه منه، و كيف لا اقصه منه و قد رايت رسول الله(ص)يقص من نفسه! الا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، و لا تجمروهم فتفتنوهم، و لا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، و لا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم‏