تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
205

و كان عمر رضى الله عنه- فيما ذكر عنه- يعس بنفسه، و يرتاد منازل المسلمين، و يتفقد أحوالهم بيديه.

ذكر الخبر الوارد عنه بذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابو عامر، قال: حدثنا قره بن خالد، عن بكر بن عبد الله المزنى، قال: جاء عمر بن الخطاب الى باب عبد الرحمن بن عوف فضربه، فجاءت المرأة ففتحته، ثم قالت له: لا تدخل حتى ادخل البيت و اجلس مجلسى، فلم يدخل حتى جلست، ثم قالت:

ادخل، فدخل، ثم قال: هل من شي‏ء؟ فاتته بطعام فأكل، و عبد الرحمن قائم يصلى، فقال له: تجوز ايها الرجل، فسلم عبد الرحمن حينئذ، ثم اقبل عليه، فقال: ما جاء بك في هذه الساعة يا امير المؤمنين؟ قال: رفقه نزلت في ناحيه السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم، فانطلقا فأتيا السوق، فقعدا على نشز من الارض يتحدثان، فرفع لهما مصباح، فقال عمر: ا لم انه عن المصابيح بعد النوم! فانطلقا، فإذا هم قوم على شراب لهم، فقال: انطلق فقد عرفته، فلما اصبح ارسل اليه فقال:

يا فلان، كنت و أصحابك البارحه على شراب؟ قال: و ما علمك يا امير المؤمنين؟

قال: شي‏ء شهدته، فقال: او لم ينهك الله عن التجسس! قال:

فتجاوز عنه.

قال بكر بن عبد الله المزنى: و انما نهى عمر عن المصابيح، لان الفاره تأخذ الفتيله فترمى بها في سقف البيت فيحترق، و كان إذ ذاك سقف البيت من الجريد.

و حدثنى احمد بن حرب، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: حدثنى ابى، عن ربيعه بن عثمان، عن زيد بن اسلم، عن ابيه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رحمه الله) الى حره واقم، حتى إذا كنا بصرار، إذا نار تؤرث، فقال: يا اسلم، انى ارى هؤلاء ركبا قصر بهم الليل و البرد، انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امراه معها

206

صبيان لها، و قدر منصوبه على النار، و صبيانها يتضاغون، فقال عمر:

السلام عليكم يا اصحاب الضوء- و كره ان يقول: يا اصحاب النار- قالت: و عليك السلام، قال: ا ادنو؟ قالت: ادن بخير او دع، فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل و البرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: و اى شي‏ء في هذه القدر؟ قالت:

ماء اسكتهم به حتى يناموا، الله بيننا و بين عمر! قال: اى رحمك الله، ما يدرى عمر بكم! قالت: يتولى امرنا و يغفل عنا! فاقبل على، فقال:

انطلق بنا، فخرجنا نهرول، حتى أتينا دار الدقيق، فاخرج عدلا فيه كبه شحم، فقال: احمله على، فقلت: انا احمله عنك، قال: احمله على، مرتين او ثلاثا، كل ذلك اقول: انا احمله عنك، فقال لي في آخر ذلك: أنت تحمل عنى وزري يوم القيامه، لا أم لك! فحملته عليه، فانطلق و انطلقت معه نهرول، حتى انتهينا إليها، فالقى ذلك عندها، و اخرج من الدقيق شيئا، فجعل يقول لها: ذرى على، و انا احرك لك، و جعل ينفخ تحت القدر- و كان ذا لحيه عظيمه- فجعلت انظر الى الدخان من خلل لحيته حتى انضج و ادم القدر ثم أنزلها، و قال: ابغنى شيئا، فاتته بصحفه فأفرغها فيها، ثم جعل يقول: اطعميهم، و انا اسطح لك، فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلى عندها فضل ذلك، و قام و قمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيرا! أنت اولى بهذا الأمر من امير المؤمنين! فيقول:

قولي خيرا، انك إذا جئت امير المؤمنين وجدتني هناك ان شاء الله ثم تنحى ناحيه عنها، ثم استقبلها و ربض مربض السبع، فجعلت اقول له:

ان لك شأنا غير هذا، و هو لا يكلمني حتى رايت الصبية يصطرعون و يضحكون ثم ناموا و هدءوا، فقام و هو يحمد الله، ثم اقبل على فقال: يا اسلم، ان الجوع اسهرهم و ابكاهم، فاحببت الا انصرف حتى ارى ما رايت منهم.

و كان عمر إذا اراد ان يأمر المسلمين بشي‏ء او ينهاهم عن شي‏ء مما فيه صلاحهم بدا باهله، و تقدم اليهم بالوعظ لهم، و الوعيد على خلافهم امره‏

207

كالذي حدثنا ابو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابو بكر بن عياش، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر بالمدينة، عن سالم، قال: كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شي‏ء جمع اهله، فقال: انى نهيت الناس عن كذا و كذا، و ان الناس ينظرون إليكم نظر الطير- يعنى الى اللحم- و اقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله الا اضعفت عليه العقوبة.

قال ابو جعفر: و كان رضى الله عنه شديدا على اهل الريب، و في حق الله صليبا حتى يستخرجه، و لينا سهلا فيما يلزمه حتى يؤديه، و بالضعيف رحيما رءوفا حدثنى عبيد الله بن سعيد الزهري، قال: حدثنا عمى، قال:

حدثنا ابى، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عجلان، ان زيد بن اسلم حدثه عن ابيه، ان نفرا من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: كلم عمر بن الخطاب، فانه قد اخشانا حتى و الله ما نستطيع ان نديم اليه أبصارنا.

قال: فذكر ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر، فقال: اوقد قالوا ذلك! فو الله لقد لنت لهم حتى تخوفت الله في ذلك، و لقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، و ايم الله لأنا أشد منهم فرقا منهم منى! و حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو بكر، عن عاصم، قال:

استعمل عمر رجلا على مصر، فبينا عمر يوما مار في طريق من طرق المدينة إذ سمع رجلا و هو يقول: الله يا عمر! تستعمل من يخون و تقول: ليس على شي‏ء، و عاملك يفعل كذا! قال: فأرسل اليه، فلما جاءه اعطاه عصا و جبه صوف و غنما، فقال: ارعها- و اسمه عياض بن غنم- فان اباك كان راعيا، قال: ثم دعاه، فذكر كلاما، فقال: ان انا رددتك! فرده الى عمله، و قال: لي عليك الا تلبس رقيقا، و لا تركب برذونا! حدثنا ابو كريب، قال: حدثنا ابو اسامه، عن عبد الله بن الوليد، عن عاصم، عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاري، قال: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا، و اشهد عليه رهطا من المهاجرين و الانصار،

208

و اشترط عليه الا يركب برذونا، و لا يأكل نقيا، و لا يلبس رقيقا، و لا يتخذ بابا دون حاجات الناس.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا مسلم بن ابراهيم، عن سلام بن مسكين، قال: حدثنا عمران، ان عمر بن الخطاب كان إذا احتاج اتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، قال: فربما اعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، و ربما خرج عطاؤه فقضاه.

و عن ابى عامر العقدى، قال: حدثنا عيسى بن حفص، قال:

حدثنى رجل من بنى سلمه، عن ابن البراء بن معرور ان عمر رضى الله عنه خرج يوما حتى اتى المنبر، و قد كان اشتكى شكوى له، فنعت له العسل، و في بيت المال عكة، فقال: ان اذنتم لي فيها أخذتها، و الا فهى على حرام‏

. تسميه عمر رضى الله عنه امير المؤمنين‏

قال ابو جعفر: أول من دعى امير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم جرت بذلك السنه، و استعمله الخلفاء الى اليوم.

ذكر الخبر بذلك:

حدثنى احمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: حدثنى‏

9

أم عمرو بنت حسان الكوفية

3

، عن أبيها، قال: لما ولى عمر قيل: يا خليفه خليفه رسول الله، فقال عمر رضى الله عنه: هذا امر يطول، كلما جاء خليفه قالوا: يا خليفه خليفه خليفه رسول الله! بل أنتم المؤمنون و انا اميركم، فسمى امير المؤمنين.

قال احمد بن عبد الصمد: سالتها كم اتى عليك من السنين؟ قالت:

مائه و ثلاث و ثلاثون سنه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا

209

ابو حمزه، عن جابر، قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: يا خليفه الله، قال: خالف الله بك! فقال: جعلني الله فداءك! قال: إذا يهينك الله!

وضعه التاريخ‏

قال ابو جعفر: و كان أول من وضع التاريخ و كتبه- فيما حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر- في سنه ست عشره في شهر ربيع الاول منها، و قد مضى ذكرى سبب كتابه ذلك، و كيف كان الأمر فيه.

و عمر رضى الله عنه أول من ارخ الكتب، و ختم بالطين.

و هو أول من جمع الناس على امام يصلى بهم التراويح في شهر رمضان، و كتب بذلك الى البلدان، و امرهم به، و ذلك- فيما حدثنى به الحارث، قال:

حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر- في سنه اربع عشره، و جعل للناس قارئين: قارئا يصلى بالرجال و قارئا يصلى بالنساء

حمله الدرة و تدوينه الدواوين‏

و هو أول من حمل الدرة، و ضرب بها، و هو أول من دون للناس في الاسلام الدواوين، و كتب الناس على قبائلهم، و فرض لهم العطاء.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنى عائذ بن يحيى، عن ابى الحويرث، عن جبير بن الحويرث بن نقيد، ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له على بن ابى طالب: تقسم كل سنه ما اجتمع إليك من مال، فلا تمسك منه شيئا و قال عثمان بن عفان: ارى مالا كثيرا يسع الناس، و ان لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت ان ينتشر الأمر فقال له الوليد بن هشام بن المغيره: يا امير المؤمنين قد جئت الشام، فرايت ملوكها قد دونوا ديوانا، و جندوا جندا، فدون ديوانا، و جند جندا فاخذ بقوله، فدعا عقيل بن ابى طالب و مخرمه بن نوفل‏

210

و جبير بن مطعم، و كانوا من نساب قريش- فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدءوا ببني هاشم، ثم اتبعوهم أبا بكر و قومه، ثم عمر و قومه على الخلافه، فلما نظر فيه عمر قال: لوددت و الله انه هكذا، و لكن ابدءوا بقرابه رسول الله ص، الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى اسامه بن زيد بن اسلم، عن ابيه، عن جده، قال: رايت عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين عرض عليه الكتاب، و بنو تيم على اثر بنى هاشم و بنو عدى على اثر بنى تيم، فاسمعه يقول:

ضعوا عمر موضعه، و ابدءوا بالاقرب فالأقرب من رسول الله، فجاءت بنو عدى الى عمر، فقالوا: أنت خليفه رسول الله، قال: او خليفه ابى بكر، و ابو بكر خليفه رسول الله، قالوا: و ذاك، فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم! قال: بخ بخ بنى عدى! أردتم الاكل على ظهري، و ان اذهب حسناتي لكم! لا و الله حتى تاتيكم الدعوة، و ان اطبق عليكم الدفتر و لو ان تكتبوا في آخر الناس، ان لي صاحبين سلكا طريقا، فان خالفتهما خولف بي، و الله ما أدركنا الفضل في الدنيا، و لا نرجو ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا الا بمحمد ص، فهو شرفنا، و قومه اشرف العرب، ثم الأقرب فالأقرب، ان العرب شرفت برسول الله، و لعل بعضها يلقاه الى آباء كثيره، و ما بيننا و بين ان نلقاه الى نسبه ثم لا نفارقه الى آدم الا آباء يسيره، مع ذلك و الله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، و جئنا بغير عمل، فهم اولى بمحمد منا يوم القيامه، فلا ينظر رجل الى قرابه، و ليعمل لما عند الله، فان من قصر به عمله لم يسرع به نسبه.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى حزام بن هشام الكعبي، عن ابيه، قال: رايت عمر ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه يحمل ديوان خزاعة حتى ينزل قديدا،

211

فنأتيه بقديد، فلا يغيب عنه امراه بكر و لا ثيب، فيعطيهن في ايديهن، ثم يروح فينزل عسفان، فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفى.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى عبد الله بن جعفر الزهري و عبد الملك بن سليمان، عن اسماعيل بن محمد بن سعد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عمر ابن الخطاب، يقول: و الله الذى لا اله الا هو، ثلاثا، ما من احد الا له في هذا المال حق أعطيه او منعه، و ما احد أحق به من احد الا عبد مملوك، و ما انا فيه الا كأحدهم، و لكنا على منازلنا من كتاب الله، و قسمنا من رسول الله ص، و الرجل و بلاؤه في الاسلام، و الرجل و قدمه في الاسلام، و الرجل و غناؤه في الاسلام، و الرجل و حاجته، و الله لئن بقيت ليأتين الراعى بجبل صنعاء حظه من هذا المال و هو مكانه.

قال اسماعيل بن محمد: فذكرت ذلك لأبي، فعرف الحديث.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى محمد بن عبد الله عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: رايت خيلا عند عمر بن الخطاب موسومه في افخاذها: حبيس في سبيل الله.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن سلمان، ان عمر قال له: املك انا أم خليفه؟ فقال له سلمان: ان أنت جبيت من ارض المسلمين درهما او اقل او اكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفه، فاستعبر عمر.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى اسامه بن زيد، قال: حدثنى نافع مولى آل الزبير، قال: سمعت أبا هريرة يقول: يرحم الله ابن حنتمه! لقد رايته عام الرماده، و انه ليحمل على ظهره جرابين و عكة زيت في يده، و انه ليعتقب هو و اسلم،

212

فلما رآنى قال: من اين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا، فأخذت اعقبه، فحملناه حتى انتهينا الى صرار، فإذا صرم نحو من عشرين بيتا من محارب، فقال عمر: ما اقدمكم؟ قالوا: الجهد، و اخرجوا لنا جلد الميته مشويا كانوا يأكلونه، و رمه العظام مسحوقه كانوا يستفونها، فرايت عمر طرح رداءه، ثم اتزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، فأرسل اسلم الى المدينة فجاء بابعره فحملهم عليها حتى انزلهم الجبانة، ثم كساهم و كان يختلف اليهم و الى غيرهم حتى رفع الله ذلك.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرني موسى بن يعقوب، عن عمه، عن هشام بن خالد، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يقول: لا تذرن إحداكن الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذره قليلا قليلا، و تسوطه بمسوطها، فانه اريع له، و احرى الا يتقرد.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن مصعب القرقسانى، قال: حدثنا ابو بكر بن عبد الله بن ابى مريم، عن راشد بن سعد، ان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه اتى بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فاقبل سعد بن ابى وقاص يزاحم الناس، حتى خلص اليه، فعلاه عمر بالدرة، و قال: انك اقبلت لا تهاب سلطان الله في الارض، فاحببت ان اعلمك ان سلطان الله لن يهابك.

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عمر بن سليمان بن ابى حثمه، عن ابيه، قال: قالت الشفا ابنه عبد الله- و رايت فتيانا يقصدون في المشى، و يتكلمون رويدا، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نساك، فقالت: كان و الله عمر إذا تكلم اسمع، و إذا مشى اسرع، و إذا ضرب اوجع، هو و الله الناسك حقا.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على بن محمد، قال: حدثنا عبد الله‏

213

ابن عامر، قال: اعان عمر رجلا على حمل شي‏ء، فدعا له الرجل، و قال: نفعك بنوك يا امير المؤمنين! فقال: بل أغناني الله عنهم.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على بن محمد، عن عمر بن مجاشع.

قال: قال عمر بن الخطاب: القوه في العمل الا تؤخر عمل اليوم لغد، و الأمانة الا تخالف سريره علانية، و اتقوا الله عز و جل، فإنما التقوى بالتوقى، و من يتق الله يقه.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن عوانه، عن الشعبى- و غير عوانه زاد أحدهما على الآخر- ان عمر رضى الله تعالى عنه كان يطوف في الاسواق، و يقرا القرآن، و يقضى بين الناس حيث ادركه الخصوم.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن محمد بن صالح، انه سمع موسى بن عقبه يحدث ان رهطا أتوا عمر، فقالوا: كثر العيال، و اشتدت المئونة، فزدنا في أعطياتنا، قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر، و اتخذتم الخدم في مال الله عز و جل! اما و الله لوددت انى و إياكم في سفينه في لجه البحر، تذهب بنا شرقا و غربا، فلن يعجز الناس ان يولوا رجلا منهم، فان استقام اتبعوه، و ان جنف قتلوه، فقال طلحه: و ما عليك لو قلت: ان تعوج عزلوه! فقال: لا، القتل انكل لمن بعده، احذروا فتى قريش و ابن كريمها الذى لا ينام الا على الرضا، و يضحك عند الغضب، و هو يتناول من فوقه و من تحته.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن عبد الله بن داود الواسطي، عن زيد بن اسلم، قال: قال عمر: كنا نعد المقرض بخيلا، انما كانت المواساه.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن ابن داب، عن ابى معبد الأسلمي، عن ابن عباس، ان عمر قال لناس من قريش: بلغنى انكم تتخذون مجالس، لا يجلس اثنان معا حتى يقال: من صحابه فلان؟ من‏

214

جلساء فلان؟ حتى تحوميت المجالس، و ايم الله ان هذا لسريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم، و لكأني بمن ياتى بعدكم يقول:

هذا راى فلان، قد قسموا الاسلام اقساما، أفيضوا مجالسكم بينكم، و تجالسوا معا، فانه ادوم لالفتكم، و اهيب لكم في الناس اللهم ملونى و مللتهم، و احسست من نفسي و أحسوا منى، و لا ادرى باينا يكون الكون، و قد اعلم ان لهم قبيلا منهم، فاقبضنى إليك.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، قال: حدثنا ابراهيم بن محمد، عن ابيه، قال: اتخذ عبد الله بن ابى ربيعه أفراسا بالمدينة، فمنعه عمر بن الخطاب، فكلموه في ان يأذن له، قال: لا آذن له، الا ان يجي‏ء بعلفها من غير المدينة فارتبط أفراسا، و كان يحمل إليها علفا من ارض له باليمن.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، قال: حدثنا ابو اسماعيل الهمدانى، عن مجالد، قال: بلغنى ان قوما ذكروا لعمر بن الخطاب رجلا، فقالوا:

يا امير المؤمنين، فاضل لا يعرف من الشر شيئا، قال: ذاك اوقع له فيه!

ذكر بعض خطبه رضى الله تعالى عنه‏

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن ابى معشر، عن ابن المنكدر و غيره، و ابى معاذ الأنصاري عن الزهري، و يزيد بن عياض عن عبد الله ابن ابى بكر، و على بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عياض، عن عبد الله بن ابى إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروه بن الزبير، ان عمر رضى الله تعالى عنه خطب فحمد الله و اثنى عليه بما هو اهله، ثم ذكر الناس بالله عز و جل و اليوم الآخر، ثم قال: يا ايها الناس، انى قد وليت عليكم، و لو لا رجاء ان أكون خيركم لكم، و اقواكم عليكم، و أشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم، ما توليت ذلك منكم، و لكفى عمر

215

مهما محزنا انتظار موافقه الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، و وضعها اين أضعها، و بالسير فيكم كيف اسير! فربى المستعان، فان عمر اصبح لا يثق بقوة و لا حيله ان لم يتداركه الله عز و جل برحمته و عونه و تاييده.

ثم خطب فقال:

ان الله عز و جل قد ولانى امركم، و قد علمت انفع ما بحضرتكم لكم، و انى اسال الله ان يعينني عليه، و ان يحرسنى عنده، كما حرسنى عند غيره، و ان يلهمني العدل في قسمكم كالذي امر به، و انى امرؤ مسلم و عبد ضعيف، الا ما اعان الله عز و جل، و لن يغير الذى وليت من خلافتكم من خلقى شيئا ان شاء الله، انما العظمه لله عز و جل، و ليس للعباد منها شي‏ء، فلا يقولن احد منكم: ان عمر تغير منذ ولى اعقل الحق من نفسي و اتقدم، و أبين لكم امرى، فأيما رجل كانت له حاجه او ظلم مظلمه، او عتب علينا في خلق، فليؤذنى، فإنما انا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم و علانيتكم، و حرماتكم و اعراضكم، و أعطوا الحق من انفسكم، و لا يحمل بعضكم بعضا على ان تحاكموا الى، فانه ليس بيني و بين احد من الناس هواده، و انا حبيب الى صلاحكم، عزيز على عتبكم و أنتم اناس عامتكم حضر في بلاد الله، و اهل بلد لا زرع فيه و لا ضرع الا ما جاء الله به اليه.

و ان الله عز و جل قد وعدكم كرامة كثيره، و انا مسئول عن أمانتي و ما انا فيه، و مطلع على ما بحضرتى بنفسي ان شاء الله، لا اكله الى احد، و لا استطيع ما بعد منه الا بالامناء و اهل النصح منكم للعامه، و لست اجعل أمانتي الى احد سواهم ان شاء الله.

و خطب أيضا، فقال بعد ما حمد الله و اثنى عليه و صلى على النبي ص:

ايها الناس، ان بعض الطمع فقر، و ان بعض الياس غنى، و انكم تجمعون ما لا تاكلون، و تاملون ما لا تدركون، و أنتم مؤجلون في دار غرور كنتم على‏

216

عهد رسول الله ص، تؤخذون بالوحي، فمن اسر شيئا أخذ بسريرته، و من اعلن شيئا أخذ بعلانيته، فأظهروا لنا احسن اخلاقكم، و الله اعلم بالسرائر، فانه من اظهر شيئا و زعم ان سريرته حسنه لم نصدقه، و من اظهر لنا علانية حسنه ظننا به حسنا و اعلموا ان بعض الشح شعبه من النفاق، ف أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏.

ايها الناس، أطيبوا مثواكم، و أصلحوا أموركم، و اتقوا الله ربكم، و لا تلبسوا نساءكم القباطي، فانه ان لم يشف فانه يصف.

ايها الناس، انى لوددت ان انجو كفافا لا لي و لا على، و انى لأرجو ان عمرت فيكم يسيرا او كثيرا ان اعمل بالحق فيكم ان شاء الله، و الا يبقى احد من المسلمين و ان كان في بيته الا أتاه حقه و نصيبه من مال الله، و لا يعمل اليه نفسه، و لم ينصب اليه يوما و أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، و لقليل في رفق خير من كثير في عنف، و القتل حتف من الحتوف، يصيب البر و الفاجر، و الشهيد من احتسب نفسه و إذا اراد احدكم بعيرا فليعمد الى الطويل العظيم فليضربه بعصاه، فان وجده حديد الفؤاد فليشتره قالوا: و خطب أيضا فقال:

ان الله سبحانه و بحمده قد استوجب عليكم الشكر، و اتخذ عليكم الحج فيما آتاكم من كرامة الآخرة و الدنيا، عن غير مساله منكم له، و لا رغبه منكم فيه اليه، فخلقكم تبارك و تعالى و لم تكونوا شيئا لنفسه و عبادته، و كان قادرا ان يجعلكم لاهون خلقه عليه، فجعل لكم عامه خلقه، و لم يجعلكم لشي‏ء غيره، و سخر لكم ما في السموات و ما في الارض، و اسبغ عليكم نعمه ظاهره و باطنه، و حملكم في البر و البحر، و رزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون‏

217

ثم جعل لكم سمعا و بصرا و من نعم الله عليكم نعم عم بها بنى آدم، و منها نعم اختص بها اهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصها و عوامها في دولتكم و زمانكم و طبقتكم، و ليس من تلك النعم نعمه وصلت الى امرئ خاصه الا لو قسم ما وصل اليه منها بين الناس كلهم اتعبهم شكرها، و فدحهم حقها، الا بعون الله مع الايمان بالله و رسوله، فأنتم مستخلفون في الارض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمه مخالفه لدينكم الا امتان، أمه مستعبده للإسلام و اهله، يجزون لكم، يستصفون معايشهم و كدائحهم و رشح جباههم، عليهم المئونة و لكم المنفعه، و أمه تنتظر وقائع الله و سطواته في كل يوم و ليله، قد ملا الله قلوبهم رعبا، فليس لهم معقل يلجئون اليه، و لا مهرب يتقون به، قد دهمتهم جنود الله عز و جل و نزلت بساحتهم، مع رفاغه العيش، و استفاضه المال، و تتابع البعوث، و سد الثغور باذن الله، مع العافيه الجليله العامه التي لم تكن هذه الامه على احسن منها مذ كان الاسلام، و الله المحمود، مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى ان يبلغ مع هذا شكر الشاكرين و ذكر الذاكرين و اجتهاد المجتهدين، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، و لا يقدر قدرها، و لا يستطاع أداء حقها الا بعون الله و رحمته و لطفه! فنسأل الله الذى لا اله الا هو الذى أبلانا هذا، ان يرزقنا العمل بطاعته، و المسارعة الى مرضاته.

و اذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، و استتموا نعمه الله عليكم و في مجالسكم مثنى و فرادى، فان الله عز و جل قال لموسى: «أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏» و قال لمحمد ص:

«وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ‏» فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبه من الحق، تؤمنون بها، و تستريحون إليها، مع المعرفة بالله و دينه، و ترجون بها الخير فيما بعد الموت، لكان ذلك، و لكنكم كنتم أشد الناس معيشة، و اثبتهم بالله جهاله فلو كان هذا الذى استشلاكم‏

218

به لم يكن معه حظ في دنياكم، غير انه ثقه لكم في آخرتكم التي إليها المعاد و المنقلب، و أنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه احرياء ان تشحوا على نصيبكم منه، و ان تظهروه على غيره، فبله ما انه قد جمع لكم فضيله الدنيا و كرامة الآخرة، و من شاء ان يجمع له ذلك منكم، فاذكركم الله الحائل بين قلوبكم الا ما عرفتم حق الله فعلمتم له، و قسرتم انفسكم على طاعته، و جمعتم مع السرور بالنعم خوفا لها و لانتقالها، و وجلا منها و من تحويلها، فانه لا شي‏ء اسلب للنعمة من كفرانها، و ان الشكر امن للغير، و نماء للنعمة، و استيجاب للزيادة، هذا لله على من امركم و نهيكم واجب‏

. من ندب عمر و رثاه رضى الله عنه‏

ذكر بعض ما رثى به حدثنى عمر، قال: حدثنا على، قال: حدثنا ابو عبد الله البرجمى، عن هشام بن عروه، ان باكيه بكت على عمر، فقالت: و احرى على عمر! حر انتشر، فملأ البشر و قالت اخرى: و احرى على عمر! حر انتشر، حتى شاع في البشر.

حدثنى عمر، قال حدثنا على، قال: حدثنا ابن داب و سعيد بن خالد، عن صالح بن كيسان، عن المغيره بن شعبه، قال: لما مات عمر رضى الله عنه بكته ابنه ابى حثمه، فقالت: وا عمراه! اقام الاود، و ابرا العمد، أمات الفتن، و أحيا السنن، خرج نقى الثوب، بريئا من العيب.

قال: و قال المغيره بن شعبه: لما دفن عمر اتيت عليا و انا أحب ان اسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض راسه و لحيته و قد اغتسل، و هو ملتحف بثوب، لا يشك ان الأمر يصير اليه، [فقال: يرحم الله ابن الخطاب! لقد صدقت ابنه ابى حثمه، لقد ذهب بخيرها، و نجا من شرها، اما و الله ما قالت، و لكن قولت‏].

و قالت عاتكه ابنه زيد بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه:

219

فجعنى فيروز لا در دره* * * بابيض تال للكتاب منيب‏

رءوف على الأدنى غليظ على العدا* * * أخي ثقه في النائبات مجيب‏

متى ما يقل لا يكذب القول فعله* * * سريع الى الخيرات غير قطوب‏

و قالت أيضا:

عين جودي بعبره و نحيب* * * لا تملى على الامام النجيب‏

فجعتني المنون بالفارس المعلم* * * يوم الهياج و التلبيب‏

عصمه الناس و المعين على الدهر* * * و غيث المنتاب و المحروب‏

قل لأهل السراء و البؤس موتوا* * * قد سقته المنون كاس شعوب‏

و قالت امراه تبكيه:

سيبكيك نساء الحى* * * يبكين شجيات‏

و يخمشن وجوها* * * كالدنانير نقيات‏

و يلبسن ثياب الحزن* * * بعد القصبيات‏

شي‏ء من سيره مما لم يمض ذكره‏

حدثنا عمر بن شبه، قال: حدثنا على بن محمد، عن ابن جعدبه، عن اسماعيل بن ابى حكيم، عن سعيد بن المسيب، قال: حج عمر، فلما كان بضجنان قال: لا اله الا الله العظيم العلى، المعطى ما شاء من شاء! كنت ارعى ابل الخطاب بهذا الوادى في مدرعه صوف، و كان فظا يتعبنى إذا عملت، و يضربني إذا قصرت، و قد أمسيت و ليس بيني و بين الله احد، ثم تمثل:

لا شي‏ء فيما ترى تبقى بشاشته* * * يبقى الإله و يودى المال و الولد

لم تغن عن هرمز يوما خزائنه* * * و الخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

220

و لا سليمان إذ تجرى الرياح له* * * و الانس و الجن فيما بينها ترد

اين الملوك التي كانت نوافلها* * * من كل أوب إليها راكب يفد

حوضا هنالك مورودا بلا كذب* * * لا بد من ورده يوما كما وردوا

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على، قال: حدثنا ابو الوليد المكى، قال: بينما عمر جالس إذ اقبل رجل اعرج يقود ناقه تظلع، حتى وقف عليه، فقال:

انك مسترعى و انا رعيه* * * و انك مدعو بسيماك يا عمر

إذا يوم شر شره لشراره* * * فقد حملتك اليوم احسابها مضر

فقال: لا حول و لا قوه الا بالله. و شكا الرجل ظلع ناقته، فقبض عمر الناقه و حمله على جمل احمر و زوده، و انصرف ثم خرج عمر في عقب ذلك حاجا، فبينا هو يسير إذ لحق راكبا يقول:

ما ساسنا مثلك يا بن الخطاب* * * ابر بالأقصى و لا بالاصحاب‏

بعد النبي صاحب الكتاب

.

فنخسه عمر بمخصره معه، و قال: فأين ابو بكر! حدثنى عمر، قال: حدثنا على بن محمد، عن محمد بن صالح، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: استعمل عمر عتبة بن ابى سفيان على كنانه، فقدم معه بمال، فقال: ما هذا يا عتبة؟ قال: مال خرجت به معى و تجرت فيه، قال: و مالك تخرج المال معك في هذا الوجه! فصيره في بيت المال فلما قام عثمان قال لأبي سفيان: ان طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليه، فقال ابو سفيان: انك ان خالفت صاحبك قبلك ساء راى الناس فيك، إياك ان ترد على من كان قبلك، فيرد عليك من بعدك.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان‏

221

و ابى المجالد جراد بن عمرو و ابى عثمان و ابى حارثة

3

و ابى عمرو مولى ابراهيم بن طلحه‏

3

، عن زيد بن اسلم، عن ابيه، قالوا: ان هند ابنه عتبة قامت الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فاستقرضته من بيت المال اربعه آلاف تتجر فيها و تضمنها، فاقرضها، فخرجت فيها الى بلاد كلب، فاشترت و باعت، فبلغها ان أبا سفيان و عمرو بن ابى سفيان قد أتيا معاويه، فعدلت اليه من بلاد كلب، فاتت معاويه، و كان ابو سفيان قد طلقها، قال:

ما اقدمك اى أمه؟ قالت: النظر إليك اى بنى، انه عمر، و انما يعمل لله، و قد أتاك ابوك فخشيت ان تخرج اليه من كل شي‏ء، و اهل ذلك هو، فلا يعلم الناس من اين اعطيته فيؤنبونك و يؤنبك عمر، فلا يستقيلها ابدا، فبعث الى ابيه و الى أخيه بمائه دينار، و كساهما و حملهما، فتعظمها عمرو، فقال ابو سفيان: لا تعظمها، فان هذا عطاء لم تغب عنه هند، و مشوره قد حضرتها هند، و رجعوا جميعا، فقال ابو سفيان لهند: ا ربحت؟ فقالت:

الله اعلم، معى تجاره الى المدينة فلما أتت المدينة و باعت شكت الوضيعه، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، و لكنه مال المسلمين، و هذه مشوره لم يغب عنها ابو سفيان، فبعث اليه فحبسه حتى اوفته، و قال لأبي سفيان:

بكم أجازك معاويه؟ فقال: بمائه دينار و حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن مسلمه بن محارب، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن ابى صعصعة عن الأحنف، قال: اتى عبد الله بن عمير عمر، و هو يفرض للناس- و استشهد أبوه يوم حنين- فقال: يا امير المؤمنين، افرض لي، فلم يلتفت اليه، فنخسه، فقال عمر: حس! و اقبل عليه فقال: من أنت؟ قال: عبد الله بن عمير، قال: يا يرفا، أعطه ستمائه، فاعطاه خمسمائة، فلم يقبلها، و قال: امر لي امير المؤمنين بستمائة، و رجع الى عمر فاخبره، فقال عمر: يا يرفا، أعطه ستمائه و حله، فاعطاه فلبس‏

222

الحله التي كساه عمر، و رمى بما كان عليه، فقال له عمر: يا بنى، خذ ثيابك هذه فتكون لمهنه اهلك، و هذه لزينتك.

حدثنى عمر، قال: حدثنا على، قال حدثنا: ابو الوليد المكى، عن رجل من ولد

9

طلحه، عن ابن عباس، قال: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فانا لنسير ليله، و قد دنوت منه، إذ ضرب مقدم رحله بسوطه، و قال:

كذبتم و بيت الله يقتل احمد* * * و لما نطاعن دونه و نناضل‏

و نسلمه حتى نصرع حوله* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

ثم قال، استغفر الله، ثم سار فلم يتكلم قليلا، ثم قال:

و ما حملت من ناقه فوق رحلها* * * ابر و اوفى ذمه من محمد

و اكسى لبرد الخال قبل ابتذاله* * * و اعطى لرأس السابق المتجرد

ثم قال: استغفر الله، يا بن عباس، ما منع عليا من الخروج معنا؟

قلت: لا ادرى، قال: يا بن عباس، ابوك عم رسول الله ص، و أنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا ادرى، قال: لكنى ادرى، يكرهون ولايتكم لهم! قلت: لم، و نحن لهم كالخير؟ قال: اللهم غفرا، يكرهون ان تجتمع فيكم النبوه و الخلافه، فيكون بجحا بجحا، لعلكم تقولون: ان أبا بكر فعل ذلك، لا و الله و لكن أبا بكر اتى احزم ما حضره، و لو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم، انشدنى لشاعر الشعراء زهير قوله:

إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية* * * من المجد من يسبق إليها يسود

فانشدته و طلع الفجر، فقال: اقرا الواقعة، فقرأتها، ثم نزل فصلى، و قرأ بالواقعة.

حدثنى ابن حميد، قال: حدثنا سلمه، عن محمد بن إسحاق.

عن رجل، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال بينما عمر بن الخطاب‏

223

رضى الله عنه و بعض اصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان اشعر، و قال بعضهم: بل فلان اشعر، قال: فاقبلت، فقال عمر: قد جاءكم اعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا بن عباس؟ قال: فقلت:

زهير بن ابى سلمى، فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت، فقلت: امتدح قوما من بنى عبد الله بن غطفان، فقال:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم* * * قوم باولهم او مجدهم قعدوا

قوم ابوهم سنان حين تنسبهم* * * طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا

انس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا* * * مرزءون بها ليل إذا حشدوا

محسدون على ما كان من نعم* * * لا ينزع الله منهم ماله حسدوا

فقال عمر: احسن، و ما اعلم أحدا اولى بهذا الشعر من هذا الحى من بنى هاشم! لفضل رسول الله(ص)و قرابتهم منه، فقلت: وفقت يا امير المؤمنين، و لم تزل موفقا، فقال: يا بن عباس، ا تدرى ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت ان اجيبه، فقلت: ان لم أكن ادرى فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا ان يجمعوا لكم النبوه و الخلافه، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فاصابت و وفقت فقلت: يا امير المؤمنين، ان تاذن لي في الكلام، و تمط عنى الغضب تكلمت.

فقال: تكلم يا بن عباس، فقلت: اما قولك يا امير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فاصابت و وفقت، فلو ان قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز و جل لها لكان الصواب بيدها غير مردود و لا محسود و اما قولك: انهم كرهوا ان تكون لنا النبوه و الخلافه، فان الله عز و جل وصف قوما بالكراهية فقال: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ‏».

فقال عمر: هيهات و الله يا بن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت اكره ان افرك عنها، فتزيل منزلتك منى، فقلت: و ما هي يا امير المؤمنين؟

224

فان كانت حقا فما ينبغى ان تزيل منزلتي منك، و ان كانت باطلا فمثلى اماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغنى انك تقول: انما صرفوها عنا حسدا و ظلما! فقلت: اما قولك يا امير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل و الحليم، و اما قولك: حسدا، فان ابليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون، فقال عمر: هيهات! أبت و الله قلوبكم يا بنى هاشم الا حسدا ما يحول، و ضغنا و غشا ما يزول فقلت: مهلا يا امير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم اذهب الله عنهم الرجس و طهرهم‏ تَطْهِيراً بالحسد و الغش، فان قلب رسول الله(ص)من قلوب بنى هاشم فقال عمر: إليك عنى يا بن عباس، فقلت: افعل، فلما ذهبت لأقوم استحيا منى فقال: يا بن عباس، مكانك، فو الله انى لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا امير المؤمنين، ان لي عليك حقا و على كل مسلم، فمن حفظه فحفظه أصاب، و من اضاعه فحظه أخطأ.

ثم قام فمضى.

حدثنى احمد بن عمرو، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمى، قال: حدثنا عكرمه بن عمار، عن اياس بن سلمه، عن ابيه، قال:

مر عمر بن الخطاب رضى الله عنه في السوق و معه الدرة، فخفقنى بها خفقه، فأصاب طرف ثوبي، فقال: أمط عن الطريق، فلما كان في العام المقبل لقيني فقال: يا سلمه، تريد الحج؟ فقلت: نعم، فاخذ بيدي، فانطلق بي الى منزله فأعطاني ستمائه درهم، و قال: استعن بها على حجك، و اعلم انها بالخفقه التي خفقتك، قلت: يا امير المؤمنين ما ذكرتها! قال: و انا ما نسيتها.

حدثنى عبد الحميد بن بيان، قال أخبرنا محمد بن يزيد، عن اسماعيل ابن ابى خالد، عن سلمه بن كهيل، قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ايها الرعية: ان لنا عليكم حقا النصيحه بالغيب، و المعاونة على الخير، انه ليس من حلم أحب الى الله و لا أعم نفعا من حلم امام و رفقه ايها الرعية، انه ليس من جهل ابغض الى الله و لا أعم شرا من جهل امام و خرقه ايها الرعية، انه من يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانيه، يؤتى الله العافيه من فوقه‏

225

حدثنى محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا عيسى بن يزيد بن داب، عن عبد الرحمن ابن ابى زيد، عن عمران بن سواده، قال: صليت الصبح مع عمر، فقرا:

سُبْحانَ‏ و سوره معها، ثم انصرف و قمت معه، فقال: ا حاجه؟ قلت:

حاجه، قال: فالحق، قال: فلحقت، فلما دخل اذن لي، فإذا هو على سرير ليس فوقه شي‏ء، فقلت: نصيحه، فقال: مرحبا بالناصح غدوا و عشيا، قلت: عابت أمتك منك أربعا، قال: فوضع راس درته في ذقنه، و وضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هات، قلت: ذكروا انك حرمت العمره في اشهر الحج، و لم يفعل ذلك رسول الله(ص)و لا ابو بكر رضى الله عنه، و هي حلال، قال: هي حلال، لو انهم اعتمروا في اشهر الحج راوها مجزية من حجهم، فكانت قائبه قوب عامها، فقرع حجهم، و هو بهاء من بهاء الله، و قد اصبت قلت: و ذكروا انك حرمت متعه النساء و قد كانت رخصه من الله نستمتع بقبضه و نفارق عن ثلاث.

قال: ان رسول الله(ص)أحلها في زمان ضرورة، ثم رجع الناس الى السعه، ثم لم اعلم أحدا من المسلمين عمل بها و لا عاد إليها، فالان من شاء نكح بقبضه و فارق عن ثلاث بطلاق، و قد اصبت قال: قلت:

و اعتقت الامه ان وضعت ذا بطنها بغير عتاقه سيدها، قال: الحقت حرمه بحرمه، و ما اردت الا الخير، و استغفر الله قلت: و تشكوا منك نهر الرعية و عنف السياق قال: فشرع الدرة، ثم مسحها حتى اتى على آخرها، ثم قال: انا زميل محمد- و كان زامله في غزوه قرقره الكدر- فو الله انى لارتع فاشبع، و اسقى فاروى، و انهز اللفوت، و ازجر العروض، و أذب‏

226

قدري، و اسوق خطوى، و اضم العنود، و الحق القطوف، و اكثر الزجر، و اقل الضرب، و اشهر العصا، و ادفع باليد، لو لا ذلك لاغدرت.

قال: فبلغ ذلك معاويه، فقال: كان و الله عالما برعيتهم حدثنا يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن عليه، عن ابن عون، عن محمد، قال: نبئت ان عثمان قال: ان عمر كان يمنع اهله و أقرباءه ابتغاء وجه الله، و انى اعطى اهلى و اقربائى ابتغاء وجه الله، و لن يلقى مثل عمر ثلاثة.

و حدثنى على بن سهل، قال: حدثنا ضمره بن ربيعه، عن عبد الله ابن ابى سليمان، عن ابيه، قال: قدمت المدينة، فدخلت دارا من دورها، فإذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه عليه إزار قطري، يدهن ابل الصدقه بالقطران.

و حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن ابى وائل، قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه:

لو استقبلت من امرى ما استدبرت، لأخذت فضول اموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين.

و حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال: حدثنا منصور بن ابى الأسود، عن الاعمش، عن ابراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: كان الوفد إذا قدموا على عمر رضى الله عنه سألهم عن أميرهم، فيقولون خيرا، فيقول: هل يعود مرضاكم؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل يعود العبد؟

فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضعيف؟ هل يجلس على بابه؟

فان قالوا لخصله منها: لا، عزله‏

227

و حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو، قال: كان عمر بن الخطاب يقول: اربع من امر الاسلام لست مضيعهن و لا تاركهن لشي‏ء ابدا: القوه في مال الله و جمعه حتى إذا جمعناه وضعناه حيث امر الله، و قعدنا آل عمر ليس في أيدينا و لا عندنا منه شي‏ء.

و المهاجرون الذين تحت ظلال السيوف، الا يحبسوا و لا يجمروا، و ان يوفر في‏ء الله عليهم و على عيالاتهم، و أكون انا للعيال حتى يقدموا و الانصار الذين أعطوا الله عز و جل نصيبا، و قاتلوا الناس كافه، ان يقبل من محسنهم، و يتجاوز عن مسيئهم، و ان يشاوروا في الأمر و الاعراب الذين هم اصل العرب و ماده الاسلام، ان تؤخذ منهم صدقتهم على وجهها، و لا يؤخذ منهم دينار و لا درهم، و ان يرد على فقرائهم و مساكينهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن جريج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر: انى لأعلم ان الناس لا يعدلون بهذين الرجلين اللذين كان رسول الله(ص)يكون نجيا بينهما و بين جبريل يتبلغ عنه و يمل عليهما

. قصه الشورى‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على بن محمد، عن وكيع، عن الاعمش، عن ابراهيم و محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن ابى عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب و ابى مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن عباس بن سهل و مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر و يونس بن ابى إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، ان عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا امير المؤمنين، لو استخلفت! قال: من استخلف؟ [لو كان ابو عبيده بن الجراح حيا استخلفته، فان سألني ربى قلت: سمعت نبيك يقول: انه أمين هذه الامه، و لو كان سالم مولى ابى حذيفة حيا استخلفته، فان سألني ربى قلت: سمعت نبيك يقول: ان سالما شديد الحب لله‏] فقال‏

228

له رجل: ادلك عليه؟ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، و الله ما اردت الله بهذا، ويحك! كيف استخلف رجلا عجز عن طلاق امراته! لا ارب لنا في أموركم، ما حمدتها فارغب فيها لأحد من اهل بيتى، ان كان خيرا فقد أصبنا منه، و ان كان شرا فشرعنا آل عمر، بحسب آل عمر ان يحاسب منهم رجل واحد، و يسال عن امر أمه محمد، اما لقد جهدت نفسي، و حرمت اهلى، و ان نجوت كفافا لا وزر و لا اجر انى لسعيد، و انظر فان استخلفت فقد استخلف من هو خير منى، و ان اترك فقد ترك من هو خير منى، و لن يضيع الله دينه فخرجوا ثم راحوا، فقالوا: يا امير المؤمنين، لو عهدت عهدا! فقال: قد كنت اجمعت بعد مقالتي لكم ان انظر فاولى رجلا امركم، هو احراكم ان يحملكم على الحق- و اشار الى على- و رهقتنى غشيه، فرايت رجلا دخل جنه قد غرسها، فجعل يقطف كل غضه و يانعه فيضمه اليه و يصيره تحته، فعلمت ان الله غالب امره، و متوف عمر، فما اريد ان أتحملها حيا و ميتا، عليكم هؤلاء الرهط الذين [قال رسول الله ص: انهم من اهل الجنه،] سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم، و لست مدخله، و لكن السته: على و عثمان ابنا عبد مناف‏

3

، و عبد الرحمن و سعد خالا رسول الله ص‏

3

، و الزبير بن العوام حوارى رسول الله(ص)و ابن عمته، و طلحه الخير بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته و اعينوه، ان ائتمن أحدا منكم فليؤد اليه أمانته و خرجوا، فقال العباس لعلى: لا تدخل معهم، قال: اكره الخلاف، قال: إذا ترى ما تكره! فلما اصبح عمر دعا عليا و عثمان و سعدا و عبد الرحمن بن عوف و الزبير بن العوام، فقال: انى نظرت فوجدتكم رؤساء الناس و قادتهم، و لا يكون هذا الأمر الا فيكم، و قد قبض رسول الله(ص)و هو عنكم راض، انى لا اخاف الناس عليكم ان استقمتم، و لكنى اخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم، فيختلف الناس، فانهضوا الى حجره عائشة باذن منها، فتشاوروا و اختاروا رجلا منكم ثم قال: لا تدخلوا

229

حجره عائشة، و لكن كونوا قريبا، و وضع راسه و قد نزفه الدم.

فدخلوا فتناجوا، ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! ان امير المؤمنين لم يمت بعد، فاسمعه فانتبه فقال: الا اعرضوا عن هذا أجمعون، فإذا مت فتشاوروا ثلاثة ايام، و ليصل بالناس صهيب، و لا يأتين اليوم الرابع الا و عليكم أميرا منكم، و يحضر عبد الله بن عمر مشيرا، و لا شي‏ء له من الأمر، و طلحه شريككم في الأمر، فان قدم في الأيام الثلاثة فاحضروه امركم، و ان مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا امركم، و من لي بطلحه؟ فقال سعد بن ابى وقاص: انا لك به، و لا يخالف ان شاء الله.

فقال عمر: أرجو الا يخالف ان شاء الله، و ما أظن ان يلى الا احد هذين الرجلين: على او عثمان، فان ولى عثمان فرجل فيه لين، و ان ولى على ففيه دعابه، و احر به ان يحملهم على طريق الحق، و ان تولوا سعدا فأهلها هو، و الا فليستعن به الوالي، فانى لم اعزله عن خيانة و لا ضعف، و نعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف! مسدد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه.

و قال لأبي طلحه الأنصاري: يا أبا طلحه، ان الله عز و جل طالما أعز الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الانصار، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم و قال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، و قال لصهيب:

صل بالناس ثلاثة ايام، و ادخل عليا و عثمان و الزبير و سعدا و عبد الرحمن بن عوف و طلحه ان قدم، و احضر عبد الله بن عمر و لا شي‏ء له من الأمر، و قم على رءوسهم، فان اجتمع خمسه و رضوا رجلا و ابى واحد فاشدخ راسه- او اضرب راسه بالسيف- و ان اتفق اربعه فرضوا رجلا منهم و ابى اثنان، فاضرب رءوسهما، فان رضى ثلاثة رجلا منهم و ثلاثة رجلا منهم، فحكموا عبد الله ابن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، و اقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس.

فخرجوا، [فقال على لقوم كانوا معه من بنى هاشم: ان اطيع فيكم قومكم لم تؤمروا ابدا] و تلقاه العباس، فقال: عدلت عنا! فقال: و ما علمك؟

230

قال: قرن بي عثمان، و قال: كونوا مع الأكثر، فان رضى رجلان رجلا، و رجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن‏

3

، و عبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، او يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الاخران معى لم ينفعانى، بله انى لا أرجو الا أحدهما فقال له العباس: لم ارفعك في شي‏ء الا رجعت الى مستاخرا بما اكره، اشرت عليك عند وفاه رسول الله(ص)ان تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، و اشرت عليك بعد وفاته ان تعاجل الأمر فأبيت، و اشرت عليك حين سماك عمر في الشورى الا تدخل معهم فأبيت، احفظ عنى واحده، كلما عرض عليك القوم، فقل: لا، الا ان يولوك، و احذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، و ايم الله لا يناله الا بشر لا ينفع معه خير [فقال على: اما لئن بقي عثمان لاذكرنه ما اتى و لئن مات ليتداولنها بينهم، و لئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون،] ثم تمثل:

حلفت برب الراقصات عشيه* * * غدون خفافا فابتدرن المحصبا

ليختلين رهط ابن يعمر مارئا* * * نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا

و التفت فراى أبا طلحه فكره مكانه، فقال ابو طلحه: لم ترع أبا الحسن فلما مات عمر و اخرجت جنازته، تصدى على و عثمان: أيهما يصلى عليه، فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الإمرة، لستما من هذا في شي‏ء، هذا الى صهيب، استخلفه عمر، يصلى بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على امام فصلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد اهل الشورى في بيت المسور بن مخرمه- و يقال في بيت المال، و يقال في حجره عائشة بإذنها- و هم خمسه، معهم ابن عمر، و طلحه غائب، و أمروا أبا طلحه ان يحجبهم، و جاء عمرو بن العاص و المغيره بن شعبه فجلسا بالباب، فحصبهما سعد و اقامهما، و قال: تريدان ان تقولا: حضرنا و كنا في اهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر، و كثر بينهم الكلام، فقال ابو طلحه: انا كنت‏

231

لان تدفعوها اخوف منى لان تنافسوها! لا و الذى ذهب بنفس عمر، لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم، ثم اجلس في بيتى، فانظر ما تصنعون! فقال عبد الرحمن: ايكم يخرج منها نفسه و يتقلدها على ان يوليها افضلكم؟

فلم يجبه احد، فقال: فانا انخلع منها، فقال عثمان: انا أول من رضى، فانى [سمعت رسول الله(ص)يقول: أمين في الارض أمين في السماء،] فقال القوم: قد رضينا- و على ساكت- [فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟

قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق و لا تتبع الهوى، و لا تخص ذا رحم، و لا تالوا الامه!] فقال: اعطونى مواثيقكم على ان تكونوا معى على من بدل و غير، و ان ترضوا من اخترت لكم، على ميثاق الله الا اخص ذا رحم لرحمه، و لا آلو المسلمين فاخذ منهم ميثاقا و اعطاهم مثله، فقال لعلى، انك تقول: انى أحق من حضر بالأمر لقرابتك و سابقتك و حسن اثرك في الدين و لم تبعد، و لكن ا رايت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر؟ قال: عثمان و خلا بعثمان، فقال: تقول: شيخ من بنى عبد مناف، و صهر رسول الله(ص)و ابن عمه، لي سابقه و فضل- لم تبعد- فلن يصرف هذا الأمر عنى، و لكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط تراه أحق به؟ قال: على ثم خلا بالزبير، فكلمه بمثل ما كلم به عليا و عثمان، فقال: عثمان ثم خلا بسعد، فكلمه، فقال: عثمان فلقى على سعدا، فقال: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً»، اسالك برحم ابنى هذا من رسول الله ص، و برحم عمى حمزه منك الا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا على، فانى ادلى بما لا يدلى به عثمان و دار عبد الرحمن لياليه يلقى اصحاب رسول الله(ص)و من وافى المدينة من أمراء الأجناد و اشراف الناس، يشاورهم، و لا يخلو برجل الا امره بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل، اتى منزل المسور بن مخرمه بعد ابهيرار من الليل،

232

فأيقظه فقال: الا أراك نائما و لم أذق في هذه الليلة كثير غمض! انطلق فادع الزبير و سعدا.

فدعاهما فبدا بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلى دار مروان، فقال له: خل ابنى عبد مناف و هذا الأمر، قال: نصيبي لعلى، و قال لسعد: انا و أنت كلاله، فاجعل نصيبك لي فاختار، قال: ان اخترت نفسك فنعم، و ان اخترت عثمان فعلى أحب الى، ايها الرجل بايع لنفسك و أرحنا، و ارفع رءوسنا، قال: يا أبا إسحاق، انى قد خلعت نفسي منها على ان اختار، و لو لم افعل و جعل الخيار الى لم أردها، انى اريت كروضة خضراء كثيره العشب، فدخل فحل فلم أر فحلا قط اكرم منه، فمر كأنه سهم لا يلتفت الى شي‏ء مما في الروضة حتى قطعها، لم يعرج و دخل بعير يتلوه فاتبع اثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقرى يجر خطامه، يلتفت يمينا و شمالا و يمضى قصد الأولين حتى خرج، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة، و لا و الله لا أكون الرابع، و لا يقوم مقام ابى بكر و عمر بعدهما احد فيرضى الناس عنه قال سعد: فانى اخاف ان يكون الضعف قد أدركك، فامض لرأيك، فقد عرفت عهد عمر.

و انصرف الزبير و سعد، و ارسل المسور بن مخرمه الى على، فناجاه طويلا، و هو لا يشك انه صاحب الأمر، ثم نهض، و ارسل المسور الى عثمان فكان في نجيهما، حتى فرق بينهما اذان الصبح فقال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو، من اخبرك انه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا و عثمان فقد قال بغير علم، فوقع قضاء ربك على عثمان فلما صلوا الصبح جمع الرهط، و بعث الى من حضره من المهاجرين و اهل السابقه و الفضل من الانصار، و الى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التج المسجد باهله، فقال: ايها الناس، ان الناس قد أحبوا ان يلحق اهل الأمصار بامصارهم و قد علموا من أميرهم فقال سعيد بن زيد: انا نراك لها أهلا، فقال:

أشيروا على بغير هذا، فقال عمار: ان اردت الا يختلف المسلمون فبايع عليا فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، ان ان بايعت عليا قلنا: سمعنا

233

و أطعنا قال ابن ابى سرح: ان اردت الا تختلف قريش فبايع عثمان.

فقال عبد الله بن ابى ربيعه: صدق، ان بايعت عثمان قلنا: سمعنا و أطعنا.

فشتم عمار ابن ابى سرح، و قال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم و بنو اميه، فقال عمار: ايها الناس، ان الله عز و جل أكرمنا بنبيه، و أعزنا بدينه، فانى تصرفون هذا الأمر عن اهل بيت نبيكم! فقال رجل من بنى مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سميه، و ما أنت و تأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن ابى وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل ان يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: انى قد نظرت و شاورت، فلا تجعلن ايها الرهط على انفسكم سبيلا و دعا عليا، فقال: عليك عهد الله و ميثاقه لتعملن بكتاب الله و سنه رسوله و سيره الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو ان افعل و اعمل بمبلغ علمي و طاقتي، و دعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلى، قال:

نعم، فبايعه، [فقال على: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ، و الله ما وليت عثمان الا ليرد الأمر إليك، و الله كل يوم هو في شان،] فقال عبد الرحمن: يا على لا تجعل على نفسك سبيلا، فانى قد نظرت و شاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان فخرج على و هو يقول: سيبلغ الكتاب اجله فقال المقداد: يا عبد الرحمن، اما و الله لقد تركته من الذين يقضون بالحق و به يعدلون فقال: يا مقداد، و الله لقد اجتهدت للمسلمين، قال: ان كنت اردت بذلك الله فاثابك الله ثواب المحسنين فقال المقداد: ما رايت مثل ما اوتى الى اهل هذا البيت بعد نبيهم انى لاعجب من قريش انهم تركوا رجلا ما اقول ان أحدا اعلم و لا اقضى منه بالعدل، اما و الله لو أجد عليه أعوانا! فقال عبد الرحمن:

يا مقداد، اتق الله، فانى خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله! من اهل هذا البيت و من هذا الرجل؟ قال: اهل البيت بنو عبد المطلب، و الرجل على بن ابى طالب [فقال على: ان الناس ينظرون الى قريش، و قريش تنظر الى بيتها فتقول: ان ولى عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم ابدا، و ما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم‏] و قدم طلحه في اليوم الذى بويع‏

234

فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان، فقال: اكل قريش راض به؟ قال:

نعم، فاتى عثمان فقال له عثمان: أنت على راس امرك، ان أبيت رددتها، قال:

ا تردها؟ قال: نعم، قال: اكل الناس بايعوك؟ قال: نعم، قال: قد رضيت، لا ارغب عما قد اجمعوا عليه، و بايعه.

و قال المغيره بن شعبه لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد اصبت إذ بايعت عثمان! و قال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا، فقال عبد الرحمن:

كذبت يا اعور، لو بايعت غيره لبايعته، و لقلت هذه المقاله.

و قال الفرزدق،

صلى صهيب ثلاثا ثم أرسلها* * * على ابن عفان ملكا غير مقصور

خلافه من ابى بكر لصاحبه* * * كانوا أخلاء مهدى و مامور

و كان المسور بن مخرمه يقول: ما رايت رجلا بذ قوما فيما دخلوا فيه باشد مما بذهم عبد الرحمن بن عوف.

قال ابو جعفر: و اما المسور بن مخرمه، فان الرواية عندنا عنه ما حدثنى سلم بن جناده ابو السائب، قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز ابن ابى ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنا ابى، عن عبد الله بن جعفر، عن ابيه، عن المسور بن مخرمه- و كانت أمه عاتكه ابنه عوف- في الخبر الذى قد مضى ذكرى اوله في مقتل عمر بن الخطاب، قال: و نزل في قبره- يعنى في قبر عمر- الخمسة، يعنى اهل الشورى قال: ثم خرجوا يريدون بيوتهم، فناداهم عبد الرحمن: الى اين؟

هلموا! فتبعوه، و خرج حتى دخل بيت فاطمه ابنه قيس الفهريه، اخت الضحاك بن قيس الفهري- قال بعض اهل العلم: بل كانت زوجته، و كانت نجودا، يريد ذات راى- قال: فبدا عبد الرحمن بالكلام، فقال: يا هؤلاء، ان عندي رايا، و ان لكم نظرا، فاسمعوا تعلموا، و أجيبوا

235

تفقهوا، فان حابيا خير من زاهق، و ان جرعه من شروب بارد انفع من عذب موب، أنتم ائمه يهتدى بكم، و علماء يصدر إليكم، فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم، و لا تغمدوا السيوف عن أعدائكم، فتوتروا ثاركم، و تؤلتوا اعمالكم، لكل اجل كتاب، و لكل بيت امام بامره يقومون، و بنهيه يرعون. قلدوا امركم واحدا منكم تمشوا الهوينى و تلحقوا الطلب، لو لا فتنه عمياء، و ضلاله حيراء، يقول أهلها ما يرون، و تحلهم الحبوكرى ما عدت نياتكم معرفتكم، و لا اعمالكم نياتكم احذروا نصيحه الهوى، و لسان الفرقة، فان الحيله في المنطق ابلغ من السيوف في الكلم، علقوا امركم رحب الذراع فيما حل، مأمون الغيب فيما نزل، رضا منكم و كلكم رضا، و مقترعا منكم و كلكم منتهى، لا تطيعوا مفسدا ينتصح، و لا تخالفوا مرشدا ينتصر، اقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم.

ثم تكلم عثمان بن عفان، فقال: الحمد لله الذى اتخذ محمدا نبيا، و بعثه رسولا، صدقه وعده، و وهب له نصره على كل من بعد نسبا، او قرب رحما، ص، جعلنا الله له تابعين و بامره مهتدين، فهو لنا نور، و نحن بامره نقوم، عند تفرق الأهواء، و مجادله الأعداء، جعلنا الله بفضله ائمه و بطاعته أمراء، لا يخرج امرنا منا، و لا يدخل علينا غيرنا الا من سفه الحق، و نكل عن القصد، و احر بها يا بن عوف ان تترك، و احذر بها ان تكون ان خولف امرك و ترك دعاؤك، فانا أول مجيب لك، و داع إليك، و كفيل بما اقول زعيم، و استغفر الله لي و لكم.

ثم تكلم الزبير بن العوام بعده، فقال: اما بعد، فان داعى الله لا يجهل، و مجيبه لا يخذل، عند تفرق الأهواء ولى الأعناق، و لن يقصر عما قلت الا غوى،

236

و لن يترك ما دعوت اليه الا شقي، لو لا حدود لله فرضت، و فرائض لله حدت، تراح على أهلها، و تحيا لا تموت، لكان الموت من الإمارة نجاه، و الفرار من الولاية عصمه، و لكن لله علينا اجابه الدعوة، و اظهار السنه، لئلا نموت ميته عميه، و لا نعمى عمى جاهلية، فانا مجيبك الى ما دعوت، و معينك على ما امرت، و لا حول و لا قوه الا بالله، و استغفر الله لي و لكم ثم تكلم سعد بن ابى وقاص، فقال: الحمد لله بديئا كان، و آخرا يعود، احمده لما نجاني من الضلالة، و بصرني من الغواية، فبهدى الله فاز من نجا، و برحمته افلح من زكا، و بمحمد بن عبد الله(ص)انارت الطرق، و استقامت السبل، و ظهر كل حق، و مات كل باطل، إياكم ايها النفر و قول الزور، و امنيه اهل الغرور، فقد سلبت الأماني قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم، و نالوا ما نلتم، فاتخذهم الله عدوا، و لعنهم لعنا كبيرا.

قال الله عز و جل: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ‏» «كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ‏» انى نكبت قرني فأخذت سهمي الفالج، و أخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فانا به كفيل، و بما اعطيت عنه زعيم، و الأمر إليك يا بن عوف، بجهد النفس، و قصد النصح، و على الله قصد السبيل، و اليه الرجوع، و استغفر الله لي و لكم، و اعوذ بالله من مخالفتكم.

ثم تكلم على بن ابى طالب رضى الله تعالى عنه، فقال: الحمد لله الذى بعث محمدا منا نبيا، و بعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوه، و معدن الحكمه، و أمان اهل الارض، و نجاه لمن طلب، لنا حق ان نعطه نأخذه، و ان نمنعه نركب اعجاز الإبل و لو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله(ص)عهدا لانفذنا عهده، و لو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت لن يسرع احد قبلي الى دعوه حق و صله رحم، و لا حول و لا قوه الا بالله‏

237

اسمعوا كلامي، و عوا منطقي، عسى ان تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تنتضى فيه السيوف، و تخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعه، و يكون بعضكم ائمه لأهل الضلالة، و شيعه لأهل الجهاله، ثم أنشأ يقول:

فان تك جاسم هلكت فانى* * * بما فعلت بنو عبد بن ضخم‏

مطيع في الهواجر كل عي* * * بصير بالنوى من كل نجم‏

فقال عبد الرحمن: ايكم يطيب نفسا ان يخرج نفسه من هذا الأمر و يوليه غيره؟ قال: فأمسكوا عنه، قال: فانى اخرج نفسي و ابن عمى، فقلده القوم الأمر، و احلفهم عند المنبر، فحلفوا ليبايعن من بايع، و ان بايع باحدى يديه الاخرى فأقام ثلاثا في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبه القضاء- و بذلك سميت رحبه القضاء- فأقام ثلاثا يصلى بالناس صهيب.

قال: و بعث عبد الرحمن الى على، فقال له: ان لم ابايعك فأشر على، فقال: عثمان، ثم بعث الى عثمان، فقال: ان لم ابايعك، فمن تشير على؟

قال: على، ثم قال لهما: انصرفا فدعا الزبير، فقال: ان لم ابايعك، فمن تشير على، قال: عثمان، ثم دعا سعدا، فقال: من تشير على؟

فاما انا و أنت فلا نريدها، فمن تشير على؟ قال: عثمان فلما كانت الليلة الثالثه، قال: يا مسور، قلت: لبيك، قال: انك لنائم، و الله ما اكتحلت بغماض منذ ثلاث اذهب فادع لي عليا و عثمان، قال: قلت: يا خال، بأيهما ابدا؟ قال: بأيهما شئت، قال: فخرجت فأتيت عليا- و كان هواى فيه- فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معى الى غيرى؟ قلت: نعم، قال: الى من؟ قلت: الى عثمان، قال: فأينا امرك ان تبدا به؟ قلت: قد سألته فقال: بأيهما شئت، فبدأت بك، و كان هواى فيك قال: فخرج معى حتى أتينا المقاعد، فجلس عليها على، و دخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر، فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معى الى غيرى؟ قلت: نعم، الى على، قال: باينا امرك ان تبدا؟ قلت: سألته فقال: بأيهما شئت،

238

و هذا على على المقاعد، فخرج معى حتى دخلنا جميعا على خالي و هو في القبله قائم يصلى، فانصرف لما رآنا، ثم التفت الى على و عثمان، فقال:

انى قد سالت عنكما و عن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما، هل أنت يا على مبايعى على كتاب الله و سنه نبيه و فعل ابى بكر و عمر؟ [فقال: اللهم لا، و لكن على جهدي من ذلك و طاقتي‏] فالتفت الى عثمان، فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله و سنه نبيه و فعل ابى بكر و عمر؟ قال: اللهم نعم، فاشار بيده الى كتفيه، و قال: إذا شئتما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد، و صاح صائح: الصلاة جامعه- قال عثمان: فتأخرت و الله حياء لما رايت من اسراعه الى على، فكنت في آخر المسجد- قال: و خرج عبد الرحمن بن عوف و عليه عمامته التي عممه بها رسول الله ص، متقلدا سيفه، حتى ركب المنبر، فوقف وقوفا طويلا، ثم دعا بما لم يسمعه الناس.

ثم تكلم، فقال: ايها الناس، انى قد سألتكم سرا و جهرا عن امامكم، فلم اجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: اما على و اما عثمان، فقم الى يا على، فقام اليه على، فوقف تحت المنبر، فاخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله و سنه نبيه و فعل ابى بكر و عمر؟ قال:

اللهم لا، و لكن على جهدي من ذلك و طاقتي، قال: فأرسل يده ثم نادى:

قم الى يا عثمان، فاخذ بيده- و هو في موقف على الذى كان فيه- فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله و سنه نبيه و فعل ابى بكر و عمر؟ قال: اللهم نعم، قال: فرفع راسه الى سقف المسجد، و يده في يد عثمان، ثم قال:

اللهم اسمع و اشهد، اللهم انى قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبه عثمان قال: و ازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي(ص)من المنبر، و اقعد عثمان على الدرجة الثانيه، فجعل الناس يبايعونه، و تلكا على، فقال عبد الرحمن:

«فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً»، فرجع على يشق الناس، حتى بايع و هو يقول:

239

خدعه و أيما خدعه! قال عبد العزيز: و انما سبب قول على: خدعه، ان عمرو بن العاص كان قد لقى عليا في ليالي الشورى، فقال: ان عبد الرحمن رجل مجتهد، و انه متى اعطيته العزيمه كان ازهد له فيك، و لكن الجهد و الطاقه، فانه ارغب له فيك قال: ثم لقى عثمان، فقال: ان عبد الرحمن رجل مجتهد، و ليس و الله يبايعك الا بالعزيمة، فاقبل، فلذلك قال على: خدعه.

قال: ثم انصرف بعثمان الى بيت فاطمه ابنه قيس، فجلس و الناس معه، فقام المغيره بن شعبه خطيبا، فقال: يا أبا محمد، الحمد لله الذى وفقك، و الله ما كان لها غير عثمان- و على جالس- فقال عبد الرحمن: يا بن الدباغ، ما أنت و ذاك! و الله ما كنت ابايع أحدا الا قلت فيه هذه المقاله! قال: ثم جلس عثمان في جانب المسجد، و دعا بعبيد الله بن عمر- و كان محبوسا في دار سعد بن ابى وقاص، و هو الذى نزع السيف من يده بعد قتله جفينه و الهرمزان و ابنه ابى لؤلؤه، و كان يقول: و الله لاقتلن رجالا ممن شرك في دم ابى- يعرض بالمهاجرين و الانصار- فقام اليه سعد، فنزع السيف من يده، و جذب شعره حتى أضجعه الى الارض، و حبسه في داره حتى اخرجه عثمان اليه، فقال عثمان لجماعه من المهاجرين و الانصار: أشيروا على في هذا الذى فتق في الاسلام ما فتق، فقال على: ارى ان تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس و يقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص:

يا امير المؤمنين، ان الله قد أعفاك ان يكون هذا الحدث كان و لك على المسلمين سلطان، انما كان هذا الحدث و لا سلطان لك، قال عثمان: انا وليهم، و قد جعلتها ديه، و احتملتها في مالي.

قال: و كان رجل من الانصار يقال له زياد بن لبيد البياضي إذا راى عبيد الله بن عمر، قال:

الا يا عبيد الله مالك مهرب* * * و لا ملجأ من ابن اروى و لا خفر

240

اصبت دما و الله في غير حله* * * حراما و قتل الهرمزان له خطر

على غير شي‏ء غير ان قال قائل* * * ا تتهمون الهرمزان على عمر

فقال سفيه- و الحوادث جمه* * * نعم اتهمه قد اشار و قد امر

و كان سلاح العبد في جوف بيته* * * يقلبها و الأمر بالأمر يعتبر

قال: فشكا عبيد الله بن عمر الى عثمان زياد بن لبيد و شعره، فدعا عثمان زياد بن لبيد، فنهاه قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:

أبا عمرو عبيد الله رهن* * * فلا تشكك بقتل الهرمزان‏

فإنك ان غفرت الجرم عنه* * * و اسباب الخطا فرسا رهان‏

ا تعفو إذ عفوت بغير حق* * * فما لك بالذي تحكى يدان!

فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه و شذبه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، ان عبد الرحمن بن ابى بكر قال غداه طعن عمر:

مررت على ابى لؤلؤه عشى أمس، و معه جفينه و الهرمزان، و هم نجى، فلما رهقتهم ثاروا، و سقط منهم خنجر له راسان، نصابه في وسطه، فانظروا باى شي‏ء قتل، و قد تخلل اهل المسجد، و خرج في طلبه رجل من بنى تميم، فرجع اليهم التميمى، و قد كان الظ بابى لؤلؤه منصرفه عن عمر، حتى اخذه فقتله، و جاء بالخنجر الذى وصفه عبد الرحمن بن ابى بكر، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر، فامسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف، فاتى الهرمزان فقتله، فلما عضه السيف قال: لا اله الا الله ثم مضى حتى اتى جفينه- و كان نصرانيا من اهل الحيرة ظئرا لسعد بن مالك، اقدمه الى المدينة للصلح الذى بينه و بينهم، و ليعلم بالمدينة الكتابه- فلما علاه بالسيف صلب بين عينيه و بلغ ذلك صهيبا، فبعث اليه عمرو بن العاص، فلم يزل‏

241

به و عنه، و يقول: السيف بابى و أمي! حتى ناوله اياه، و ثاوره سعد فاخذ بشعره، و جاءوا الى صهيب‏

عمال عمر رضى الله عنه على الأمصار

و كان عامل عمر بن الخطاب رضى الله عنه- في السنه التي قتل فيها، و هي سنه ثلاث و عشرين- على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي، و على الطائف سفيان بن عبد الله الثقفى، و على صنعاء يعلى بن منيه، حليف بنى نوفل ابن عبد مناف، و على الجند عبد الله بن ابى ربيعه، و على الكوفه المغيره بن شعبه، و على البصره ابو موسى الأشعري، و على مصر عمرو بن العاص، و على حمص عمير بن سعد، و على دمشق معاويه بن ابى سفيان، و على البحرين و ما والاهما عثمان بن ابى العاص الثقفى.

و في هذه السنه- اعنى سنه ثلاث و عشرين- توفى، فيما زعم الواقدى- قتادة ابن النعمان الظفري، و صلى عليه عمر بن الخطاب.

و فيها غزا معاويه الصائفه حتى بلغ عموريه، و معه من اصحاب رسول الله(ص)عباده بن الصامت و ابو أيوب خالد بن زيد و ابو ذر و شداد بن أوس.

و فيها فتح معاويه عسقلان على صلح.

و قيل: كان على قضاء الكوفه في السنه التي توفى فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه شريح، و على البصره كعب بن سور، و اما مصعب بن عبد الله فانه ذكر ان مالك بن انس روى عن ابن شهاب، ان أبا بكر و عمر رضى الله عنهما لم يكن لهما قاض‏

242

ثم دخلت‏

ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهوره‏

ففيها بويع لعثمان بن عفان بالخلافة، و اختلف في الوقت الذى بويع له فيه، فقال بعضهم ما حدثنى به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال:

أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى ابو بكر بن اسماعيل بن محمد بن سعد ابن ابى وقاص، عن عثمان بن محمد الاخنسى قال: و أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنى ابو بكر بن عبد الله بن ابى سبره، عن يعقوب بن زيد عن ابيه، قالا: بويع عثمان بن عفان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجه سنه ثلاث و عشرين، فاستقبل بخلافته المحرم سنه اربع و عشرين.

و قال آخرون: ما حدثنى به احمد بن ثابت الرازى، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: بويع لعثمان عام الرعاف سنه اربع و عشرين، قيل: انما قيل لهذه السنه عام الرعاف، لأنه كثر الرعاف فيها في الناس.

و قال آخرون- فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن خليد بن ذفره و مجالد، قالا: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنه اربع و عشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، و زاد: و وفد فاستن به.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمر، عن الشعبى، قال: اجتمع اهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم، و قد دخل وقت العصر، و قد اذن مؤذن صهيب، و اجتمعوا بين الاذان و الإقامة، فخرج فصلى بالناس، و زاد الناس مائه، و وفد اهل الأمصار، و هو أول من صنع ذلك.

و قال آخرون- فيما ذكر ابن سعد، عن الواقدى، عن ابن جريج عن ابن مليكه، قال: بويع لعثمان لعشر مضين من المحرم، بعد مقتل عمر بثلاث ليال‏

243

خطبه عثمان رضى الله عنه و قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمه، قال: لما بايع اهل الشورى عثمان، خرج و هو اشدهم كابه، فاتى منبر رسول الله ص، فخطب الناس، فحمد الله و اثنى عليه، و صلى على النبي ص، و قال: انكم في دار قلعه، و في بقية اعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد اتيتم، صبحتم او مسيتم، الا و ان الدنيا طويت على الغرور، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ* اعتبروا بمن مضى، ثم وجدوا و لا تغفلوا، فانه لا يغفل عنكم اين أبناء الدنيا و إخوانها الذين اثاروها و عمروها، و متعوا بها طويلا، ا لم تلفظهم! ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، و اطلبوا الآخرة، فان الله قد ضرب لها مثلا، و للذي هو خير، فقال عز و جل: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ»- الى قوله- «أَمَلًا»، و اقبل الناس يبايعونه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى منصور، قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل ابيه، قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها الى بعض، فمر فيروز بابى، و معه خنجر له راسان، فتناوله منه، و قال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟ فقال: آنس به، فرآه رجل، فلما اصيب عمر، قال: رايت هذا مع الهرمزان، دفعه الى فيروز.

فاقبل عبيد الله فقتله، فلما ولى عثمان دعانى فأمكنني منه، ثم قال:

يا بنى، هذا قاتل ابيك، و أنت اولى به منا، فاذهب فاقتله، فخرجت به و ما في الارض احد الا معى، الا انهم يطلبون الى فيه فقلت لهم: الى قتله؟

قالوا: نعم- و سبوا عبيد الله- فقلت: ا فلكم ان تمنعوه؟ قالوا: لا، و سبوه‏

244

فتركته لله و لهم فاحتملوني، فو الله ما بلغت المنزل الا على رءوس الرجال و اكفهم‏

. ولايه سعد بن ابى وقاص الكوفه‏

و في هذه السنه عزل عثمان المغيره بن شعبه عن الكوفه، و ولاها سعد بن ابى وقاص- فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبى، قال: كان عمر قال: اوصى الخليفة من بعدي ان يستعمل سعد بن ابى وقاص، فانى لم أعز له عن سوء، و قد خشيت ان يلحقه من ذلك و كان أول عامل بعث به عثمان سعد بن ابى وقاص على الكوفه، و عزل المغيره بن شعبه، و المغيره يومئذ بالمدينة، فعمل عليها سعد سنه و بعض اخرى، و اقر أبا موسى سنوات.

و اما الواقدى فانه ذكر ان اسامه بن زيد بن اسلم حدثه، عن ابيه، ان عمر اوصى ان يقر عماله سنه، فلما ولى عثمان اقر المغيره بن شعبه على الكوفه سنه، ثم عزله، و استعمل سعد بن ابى وقاص ثم عزله، و استعمل الوليد ابن عقبه فان كان صحيحا ما رواه الواقدى من ذلك، فولاية سعد الكوفه من قبل عثمان كانت سنه خمس و عشرين‏

. كتب عثمان رضى الله عنه الى عماله و ولاته و العامه‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه باسنادهما، قالا: لما ولى عثمان بعث عبد الله بن عامر الى كابل- و هي عماله سجستان- فبلغ كابل حتى استفرغها، فكانت عماله سجستان اعظم من خراسان، حتى مات معاويه، و امتنع اهل كابل.

قالوا: و كان أول كتاب كتبه عثمان الى عماله: اما بعد، فان الله امر الأئمة ان يكونوا رعاه، و لم يتقدم اليهم ان يكونوا جباه، و ان صدر هذه‏

245

الامه خلقوا رعاه، لم يخلقوا جباه، و ليوشكن ائمتكم ان يصيروا جباه و لا يكونوا رعاه، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء و الأمانة و الوفاء الا و ان اعدل السيرة ان تنظروا في امور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، و تاخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمه، فتعطوهم الذى لهم، و تاخذوهم بالذي عليهم.

ثم العدو الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.

قالوا: و كان أول كتاب كتبه الى أمراء الأجناد في الفروج: اما بعد، فإنكم حماه المسلمين و ذادتهم، و قد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملامنا، و لا يبلغني عن احد منكم تغيير و لا تبديل فيغير الله ما بكم و يستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فانى انظر فيما الزمنى الله النظر فيه، و القيام عليه.

قالوا: و كان أول كتاب كتبه الى عمال الخراج: اما بعد، فان الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل الا الحق، خذوا الحق و أعطوا الحق به و الأمانة الأمانة، قوموا عليها، و لا تكونوا أول من يسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم الى ما اكتسبتم و الوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم و لا المعاهد، فان الله خصم لمن ظلمهم.

قالوا: و كان كتابه الى العامه: اما بعد، فإنكم انما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء و الاتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن امركم، فان امر هذه الامه صائر الى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، و بلوغ أولادكم من السبايا، و قراءة الاعراب و الأعاجم القرآن، فان رسول الله(ص)قال: [الكفر في العجمة،] فإذا استعجم عليهم امر تكلفوا و ابتدعوا.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عاصم بن سليمان، عن عامر الشعبى، قال: أول خليفه زاد الناس في اعطياتهم مائه عثمان، فجرت.

و كان عمر يجعل لكل نفس منفوسه من اهل الفي‏ء في رمضان درهما في كل يوم، و فرض لازواج رسول الله(ص)درهمين درهمين، فقيل له:

لو صنعت لهم طعاما فجمعتهم عليه! فقال: اشبع الناس في بيوتهم فاقر

246

عثمان الذى كان صنع عمر، و زاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبد الذى يتخلف في المسجد و ابن السبيل و المعترين بالناس في رمضان‏

غزوه اذربيجان و أرمينية

و في هذه السنه- اعنى سنه اربع و عشرين- غزا الوليد بن عقبه اذربيجان و أرمينية، لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه اهل الاسلام ايام عمر في روايه ابى مخنف، و اما في روايه غيره فان ذلك كان في سنه ست و عشرين.

ذكر الخبر عن ذلك و ما كان من امر المسلمين و امرهم في هذه الغزوة:

ذكر هشام بن محمد، ان أبا مخنف حدثه عن فروه بن لقيط الأزدي، ثم الغامدى، ان مغازي اهل الكوفه كانت الري و اذربيجان، و كان بالثغرين عشره آلاف مقاتل من اهل الكوفه، سته آلاف باذربيجان و اربعه آلاف بالري، و كان بالكوفه إذ ذاك اربعون الف مقاتل، و كان يغزو هذين الثغرين منهم عشره آلاف في كل سنه، فكان الرجل يصيبه في كل اربع سنين غزوه، فغزا الوليد بن عقبه في امارته على الكوفه في سلطان عثمان اذربيجان و أرمينية، فدعا سلمان بن ربيعه الباهلى فبعثه امامه مقدمه له، و خرج الوليد في جماعه الناس، و هو يريد ان يمعن في ارض أرمينية، فمضى في الناس حتى دخل اذربيجان، فبعث عبد الله بن شبيل بن عوف الأحمسي في اربعه آلاف، فاغار على اهل موقان و الببر و الطيلسان، فأصاب من أموالهم و غنم، و تحرز القوم منه، و سبى منهم سبيا يسيرا، فاقبل الى الوليد بن عقبه‏

247

ثم ان الوليد صالح اهل اذربيجان على ثمانمائه الف درهم، و ذلك هو الصلح الذى كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان سنه اثنتين و عشرين بعد وقعه نهاوند بسنه ثم انهم حبسوها عند وفاه عمر، فلما ولى عثمان و ولى الوليد ابن عقبه الكوفه، سار حتى وطئهم بالجيش، فلما رأوا ذلك انقادوا له، و طلبوا اليه ان يتم لهم على ذلك الصلح، ففعل، فقبض منهم المال، و بث فيمن حولهم من أعداء المسلمين الغارات، فلما رجع اليه عبد الله بن شبيل الأحمسي من غارته تلك- و قد سلم و غنم- بعث سلمان بن ربيعه الباهلى الى أرمينية في اثنى عشر ألفا، سنه اربع و عشرين فسار في ارض أرمينية فقتل و سبى و غنم ثم انه انصرف و قد ملا يديه حتى اتى الوليد فانصرف الوليد و قد ظفر و أصاب حاجته‏

. اجلاب الروم على المسلمين و استمداد المسلمين من بالكوفه‏

و في هذه السنه- في روايه ابى مخنف- جاشت الروم، حتى استمد من بالشام من جيوش المسلمين من عثمان مددا.

ذكر الخبر عن ذلك:

قال هشام: حدثنى ابو مخنف، قال: حدثنى فروه بن لقيط الأزدي، قال: لما أصاب الوليد حاجته من أرمينية في الغزوة التي ذكرتها في سنه اربع و عشرين من تاريخه، و دخل الموصل فنزل الحديثه، أتاه كتاب من عثمان رضى الله عنه:

اما بعد، فان معاويه بن ابى سفيان كتب الى يخبرني ان الروم قد اجلبت على المسلمين بجموع عظيمه، و قد رايت ان يمدهم إخوانهم من اهل الكوفه، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته و بأسه و شجاعته و اسلامه‏

248

في ثمانية آلاف او تسعه آلاف او عشره آلاف اليهم من المكان الذى يأتيك فيه رسولي، و السلام.

فقام الوليد في الناس، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال: اما بعد ايها الناس، فان الله قد ابلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنا، رد عليهم بلادهم التي كفرت، و فتح بلادا لم تكن افتتحت، و ردهم سالمين غانمين ماجورين، فالحمد لله رب العالمين و قد كتب الى امير المؤمنين يأمرني ان اندب منكم ما بين العشرة الآلاف الى الثمانية الآلاف، تمدون إخوانكم من اهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، و في ذلك الاجر العظيم، و الفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعه الباهلى قال: فانتدب الناس، فلم يمض ثالثه حتى خرج ثمانية آلاف رجل من اهل الكوفه، فمضوا حتى دخلوا مع اهل الشام الى ارض الروم، و على جند اهل الشام حبيب بن مسلمه بن خالد الفهري، و على جند اهل الكوفه سلمان بن ربيعه [الباهلى،] فشنوا الغارات على ارض الروم، فأصاب الناس ما شاءوا من سبى، و ملئوا ايديهم من المغنم، و افتتحوا بها حصونا كثيره.

و زعم الواقدى ان الذى أمد حبيب بن مسلمه بسلمان بن ربيعه كان سعيد بن العاص، و قال: كان سبب ذلك ان عثمان كتب الى معاويه يأمره ان يغزى حبيب بن مسلمه في اهل الشام أرمينية، فوجهه إليها، فبلغ حبيبا ان الموريان الرومي قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم و الترك، فكتب بذلك حبيب الى معاويه، فكتب معاويه به الى عثمان، فكتب عثمان، الى سعيد ابن العاص يأمره بامداد حبيب بن مسلمه، فامده بسلمان بن ربيعه في سته آلاف، و كان حبيب صاحب كيد، فاجمع على ان يبيت الموريان، فسمعته امراته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق الموريان او الجنه، ثم بيتهم، فقتل من اشرف له، و اتى السرادق فوجد امراته قد سبقت، و كانت أول امراه من العرب‏

249

ضرب عليها سرادق، و مات عنها حبيب، فخلف عليها الضحاك بن قيس الفهري، فهى أم ولده.

و اختلف فيمن حج بالناس في هذه السنه، فقال بعضهم: حج بالناس في هذه السنه عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان، كذلك قال ابو معشر و الواقدى.

و قال آخرون: بل حج في هذه السنه عثمان بن عفان.

و اما الاختلاف في الفتوح التي نسبها بعض الناس الى انها كانت في عهد عمر، و بعضهم الى انها كانت في اماره عثمان، فقد ذكرت قبل فيما مضى من كتابنا هذا ذكر اختلاف المختلفين في تاريخ كل فتح كان من ذلك‏

250

خمس و عشرين‏

ذكر الاحداث المشهوره التي كانت فيها

فقال ابو معشر، فيما حدثنى احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثنى محدث، عن إسحاق بن عيسى عنه: كان فتح الإسكندرية سنه خمس و عشرين.

و قال الواقدى: و في هذه السنه نقضت الإسكندرية عهدها، فغزاهم عمرو بن العاص فقتلهم، و قد ذكرنا خبرها قبل فيما مضى، و من خالف أبا معشر و الواقدى في تاريخ ذلك.

و فيها كان أيضا- في قول الواقدى- توجيه عبد الله بن سعد بن ابى سرح الخيل الى المغرب.

قال: و كان عمرو بن العاص قد بعث بعثا قبل ذلك الى المغرب، فأصابوا غنائم، فكتب عبد الله يستاذنه في الغزو الى إفريقية، فاذن له.

قال: و حج بالناس في هذه السنه عثمان، و استخلف على المدينة.

قال: و فيها فتح الحصون و أميرهم معاويه بن ابى سفيان.

قال: و فيها ولد يزيد بن معاويه.

قال: و فيها كانت سابور الاولى فتحت‏

251

سنه 24 ثم دخلت‏

سنه ست و عشرين‏

ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهوره‏

فكان فيها- في قول ابى معشر و الواقدى- فتح سابور، و قد مضى ذكر الخبر عنها في قول من خالفهما في ذلك.

و قال الواقدى: فيها امر عثمان بتجديد أنصاب الحرم و قال: فيها زاد عثمان في المسجد الحرام، و وسعه و ابتاع من قوم و ابى آخرون، فهدم عليهم، و وضع الاثمان في بيت المال، فصيحوا بعثمان، فامر بهم بالحبس، و قال: ا تدرون ما جرأكم على! ما جرأكم على الا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به ثم كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن اسيد، فاخرجوا.

قال: و حج بالناس في هذه السنه عثمان بن عفان.

و في هذه السنه عزل عثمان سعدا عن الكوفه، و ولاها الوليد بن عقبه في قول الواقدى، و اما في قول سيف فانه عزله عنها في سنه خمس و عشرين.

و فيها ولى الوليد عليها، و ذلك انه زعم انه عزل المغيره بن شعبه عن الكوفه حين مات عمر، و وجه سعدا إليها عاملا، فعمل له عليها سنه و أشهرا

ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفه سعدا و استعماله عليها الوليد

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبى، قال: كان أول ما نزغ به بين اهل الكوفه- و هو أول مصر نزغ الشيطان بينهم في الاسلام- ان سعد بن ابى وقاص استقرض من عبد الله بن مسعود من بيت المال مالا، فاقرضه، فلما تقاضاه لم يتيسر عليه، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس من الناس على استخراج المال، و استعان‏

252

سعد بأناس من الناس على استنظاره، فافترقوا و بعضهم يلوم بعضا، يلوم هؤلاء سعدا و يلوم هؤلاء عبد الله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن اسماعيل بن ابى خالد، عن قيس بن ابى حازم، قال: كنت جالسا عند سعد، و عنده ابن أخيه هاشم بن عتبة، فاتى ابن مسعود سعدا، فقال له: أد المال الذى قبلك، فقال له سعد: ما أراك الا ستلقى شرا! هل أنت الا ابن مسعود، عبد من هذيل! فقال: اجل، و الله انى لابن مسعود، و انك لابن حمينه، فقال هاشم: اجل و الله انكما لصاحبا رسول الله ص، ينظر إليكما فطرح سعد عودا كان في يده- و كان رجلا فيه جده- و رفع يديه، و قال: اللهم رب السموات و الارض فقال عبد الله: ويلك! قل خيرا، و لا تلعن، فقال سعد عند ذلك: اما و الله لو لا اتقاء الله لدعوت عليك دعوه لا تخطئك فولى عبد الله سريعا حتى خرج.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن المسيب بن عبد خير، عن عبد الله بن عكيم، قال: لما وقع بين ابن مسعود و سعد الكلام في قرض اقرضه عبد الله اياه، فلم يتيسر على سعد قضاؤه، غضب عليهما عثمان، و انتزعها من سعد، و عزله و غضب على عبد الله و اقره، و استعمل الوليد بن عقبه- و كان عاملا لعمر على ربيعه بالجزيرة- فقدم الكوفه فلم يتخذ لداره بابا حتى خرج من الكوفه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

لما بلغ عثمان الذى كان بين عبد الله و سعد فيما كان، غضب عليهما و هم بهما، ثم ترك ذلك، و عزل سعدا، و أخذ ما عليه، و اقر عبد الله، و تقدم اليه، و امر مكان سعد الوليد بن عقبه- و كان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب- فقدم الوليد في السنه الثانيه من اماره عثمان، و قد كان سعد عمل عليها سنه و بعض اخرى، فقدم الكوفه، و كان أحب الناس في الناس و ارفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين و ليس على داره باب‏

.

253

سبع و عشرين‏

ذكر الاحداث المشهوره التي كانت فيها

فمما كان فيها من ذلك فتح إفريقية على يد عبد الله بن سعد بن ابى سرح، كذلك حدثنى احمد بن ثابت الرازى، قال: حدثنا محدث، عن إسحاق ابن عيسى، عن ابى معشر، و هو قول الواقدى أيضا.

ذكر الخبر عن فتحها، و عن سبب ولايه عبد الله بن سعد ابن ابى سرح مصر، و عزل عثمان عمرو بن العاص عنها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه،.

قالا: مات عمر و على مصر عمرو بن العاص، و على قضائها خارجه بن حذافة السهمي، فولى عثمان، فاقرهما سنتين من امارته ثم عزل عمرا، و استعمل عبد الله ابن سعد بن ابى سرح.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، قالا: لما ولى عثمان اقر عمرو بن العاص على عمله، و كان لا يعزل أحدا الا عن شكاه او استعفاء من غير شكاه، و كان عبد الله بن سعد من جند مصر، فامر عبد الله بن سعد على جنده، و رماه بالرجال، و سرحه الى إفريقية و سرح معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس و عبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين، و قال لعبد الله بن سعد: ان فتح الله عز و جل عليك غدا إفريقية، فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمه نفلا.

و امر العبدين على الجند، و رماهما بالرجال، و سرحهما الى الاندلس، و امرهما و عبد الله بن سعد بالاجتماع على الأجل، ثم يقيم عبد الله بن سعد في عمله و يسيران الى عملهما

254

فخرجوا حتى قطعوا مصر، فلما وغلوا في ارض إفريقية فأمعنوا انتهوا الى الأجل، و معه الافناء، فاقتتلوا، فقتل الأجل، قتله عبد الله بن سعد و فتح إفريقية سهلها و جبلها ثم اجتمعوا على الاسلام، و حسنت طاعتهم، و قسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند، و أخذ خمس الخمس، و بعث باربعه أخماسه الى عثمان مع ابن وثيمه النصرى، و ضرب فسطاطا في موضع القيروان، و وفد وفدا، فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: انا نفلته- و كذلك كان يصنع- و قد امرت له بذلك، و ذاك إليكم الان، فان رضيتم فقد جاز، و ان سخطتم فهو رد قالوا: فانا نسخطه، قال: فهو رد، و كتب الى عبد الله برد ذلك و استصلاحهم، قالوا: فاعزله عنا، فانا لا نريد ان يتأمر علينا، و قد وقع ما وقع، فكتب اليه ان استخلف على إفريقية رجلا ممن ترضى و يرضون و اقسم الخمس الذى كنت نفلتك في سبيل الله، فإنهم قد سخطوا النفل.

ففعل، و رجع عبد الله بن سعد الى مصر و قد فتح إفريقية، و قتل الأجل.

فما زالوا من اسمع اهل البلدان و اطوعهم الى زمان هشام بن عبد الملك، احسن أمه سلاما و طاعه، حتى دب اليهم اهل العراق، فلما دب اليهم دعاه اهل العراق و استثاروهم، شقوا عصاهم، و فرقوا بينهم الى اليوم و كان من سبب تفريقهم انهم ردوا على اهل الأهواء، فقالوا: انا لا نخالف الأئمة بما تجنى العمال، و لا نحمل ذلك عليهم، فقالوا لهم: انما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورهم، فخرج ميسره في بضعه عشر إنسانا حتى يقدم على هشام، فطلبوا الاذن، فصعب عليهم، فاتوا الابرش، فقالوا: ابلغ امير المؤمنين ان أميرنا يغزو بنا و بجنده، فإذا أصاب نفلهم دوننا و قال: هم أحق به، فقلنا: هو اخلص لجهادنا، لأنا لا نأخذ منه شيئا، ان كان لنا فهم منه في حل، و ان لم يكن لنا لم نرده و قالوا: إذا حاصرنا مدينه قال: تقدموا و اخر جنده، فقلنا: تقدموا، فانه ازدياد في الجهاد، و مثلكم كفى اخوانه، فوقيناهم بأنفسنا و كفيناهم ثم انهم عمدوا الى‏