تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
255

ماشيتنا، فجعلوا يبقرونها على السخال يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون الف شاه في جلد، فقلنا: ما ايسر هذا لأمير المؤمنين! فاحتملنا ذلك، و خليناهم و ذلك ثم انهم سامونا ان يأخذوا كل جميله من بناتنا فقلنا: لم نجد هذا في كتاب و لا سنه، و نحن مسلمون، فأحببنا ان نعلم:

ا عن راى امير المؤمنين ذلك أم لا؟ قال: نفعل، فلما طال عليهم و نفدت نفقاتهم، كتبوا اسماءهم في رقاع، و رفعوها الى الوزراء، و قالوا: هذه اسماؤنا و انسابنا، فان سألكم امير المؤمنين عنا فاخبروه، ثم كان وجههم الى إفريقية، فخرجوا على عامل هشام فقتلوه، و استولوا على إفريقية، و بلغ هشاما الخبر، و سال عن النفر، فرفعت اليه اسماؤهم، فإذا هم الذين جاء الخبر انهم صنعوا.

ما صنعوا.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: و ارسل عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين و عبد الله بن نافع بن عبد القيس من فورهما ذلك من إفريقية الى الاندلس، فاتياهما من قبل البحر.

و كتب عثمان الى من انتدب من اهل الاندلس اما بعد، فان القسطنطينية انما تفتح من قبل الاندلس، و انكم ان افتتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الاجر، و السلام و قال كعب الاحبار: يعبر البحر الى الاندلس اقوام يفتتحونها، يعرفون بنورهم يوم القيامه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: فخرجوا و معهم البربر، فأتوها من برها، ففتحها الله على المسلمين و أفرنجة، و ازدادوا في سلطان المسلمين مثل إفريقية، فلما عزل عثمان عبد الله ابن سعد بن ابى سرح صرف الى عمله عبد الله بن نافع بن عبد القيس، و كان عليها، و رجع عبد الله بن سعد الى مصر، و لم يزل امر الاندلس كأمر إفريقية حتى كان زمان هشام، فمنع البربر ارضهم، و بقي من في الاندلس على حاله‏

256

و اما الواقدى فانه ذكر ان ابن ابى سبره حدثه عن محمد بن ابى حرمله، عن كريب، قال: لما نزع عثمان عمرو بن العاص عن مصر غضب عمرو غضبا شديدا، و حقد على عثمان، فوجه عبد الله بن سعد، و امره ان يمضى الى إفريقية، و ندب عثمان الناس الى إفريقية، فخرج إليها عشره آلاف من قريش و الانصار و المهاجرين.

قال الواقدى: و حدثنى اسامه بن زيد الليثى، عن ابن كعب، قال:

لما وجه عثمان عبد الله بن سعد الى إفريقية، كان الذى صالحهم عليه بطريق إفريقية جرجير الفى الف دينار و خمسمائة الف دينار و عشرين الف دينار، فبعث ملك الروم رسولا، و امره ان يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار، كما أخذ منهم عبد الله بن سعد، فجمع رؤساء إفريقية، فقال: ان الملك قد أمرني ان آخذ منكم ثلاثمائة قنطار ذهب مثل ما أخذ منكم عبد الله بن سعد، فقالوا:

ما عندنا مال نعطيه، فاما ما كان بأيدينا فقد افتدينا به أنفسنا، و اما الملك فانه سيدنا فليأخذ ما كان له عندنا من جائزه كما كنا نعطيه كل سنه.

فلما راى ذلك امر بحبسهم، فبعثوا الى قوم من اصحابهم، فقدموا عليه، فكسروا السجن فخرجوا، و كان الذى صالحهم عليه عبد الله بن سعد ثلاثمائة قنطار ذهب، فامر بها عثمان لال الحكم قلت: او لمروان؟ قال: لا ادرى.

قال ابن عمر: و حدثنى اسامه بن زيد، عن يزيد بن ابى حبيب، قال: نزع عثمان عمرو بن العاص عن خراج مصر، و استعمل عبد الله بن سعد على الخراج، فتباغيا، فكتب عبد الله بن سعد الى عثمان يقول:

ان عمرا كسر الخراج و كتب عمرو: ان عبد الله كسر على حيله الحرب، فكتب عثمان الى عمرو: انصرف، و ولى عبد الله بن سعد الخراج و الجند، فقدم عمرو مغضبا، فدخل على عثمان و عليه جبه يمانيه محشوه قطنا، فقال له عثمان: ما حشو جبتك؟ قال: عمرو، قال عثمان: قد علمت ان حشوها عمرو و لم ارد هذا، انما سالت: ا قطن هو أم غيره؟

قال الواقدى: و حدثنى اسامه بن زيد، عن يزيد بن ابى حبيب،

257

قال: بعث عبد الله بن سعد الى عثمان بمال من مصر، قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان، فقال عثمان: يا عمرو، هل تعلم ان تلك اللقاح درت بعدك! فقال عمرو: ان فصالها هلكت.

و حج بالناس في هذه السنه عثمان بن عفان رضى الله عنه.

و قال الواقدى: و في هذه السنه كان فتح اصطخر الثانى على يد عثمان ابن ابى العاص.

قال: و فيها غزا معاويه قنسرين‏

258

ثمان و عشرين‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث المشهوره‏

فمما ذكر انه كان فيها فتح قبرس، على يد معاويه، غزاها بأمر عثمان اياه، و ذلك في قول الواقدى.

فاما ابو معشر فانه قال: كانت قبرس سنه ثلاث و ثلاثين، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و قال بعضهم: كانت قبرس سنه سبع و عشرين، غزاها- فيما ذكر- جماعه من اصحاب رسول الله ص، فيهم ابو ذر و عباده بن الصامت، و معه زوجته أم حرام و المقداد و ابو الدرداء، و شداد بن أوس.

ذكر الخبر عن غزوه معاويه إياها:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان النصرى و ابى المجالد جراد بن عمرو، عن رجاء بن حيوه و ابى حارثة و ابى عثمان، عن رجاء و عباده و خالد: قالوا: الح معاويه في زمانه على عمر بن الخطاب رضى الله عنه في غزو البحر و قرب الروم من حمص، و قال: ان قريه من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم و صياح دجاجهم، حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر، فكتب عمر الى عمرو بن العاص: صف لي البحر و راكبه، فان نفسي تنازعنى اليه و قال عباده و خالد: لما اخبره ما للمسلمين في ذلك و ما على المشركين، فكتب اليه عمرو: انى رايت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ان ركن خرق القلوب، و ان تحرك ازاغ العقول، يزداد فيه اليقين قله، و الشك كثره، هم فيه كدود على عود، ان مال غرق، و ان نجا برق‏

259

فلما قراه عمر كتب الى معاويه: لا و الذى بعث محمدا بالحق لا احمل فيه مسلما ابدا.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سعيد، عن عباده بن نسى، عن جناده بن ابى اميه الأزدي، قال: كان معاويه كتب الى عمر كتابا في غزو البحر يرغبه فيه، و يقول: يا امير المؤمنين، ان بالشام قريه يسمع أهلها نباح كلاب الروم و صياح ديوكهم، و هم تلقاء ساحل من سواحل حمص، فاتهمه عمر لأنه المشير، فكتب الى عمرو: ان صف لي البحر، ثم اكتب الى بخبره: فكتب اليه: يا امير المؤمنين، انى رايت خلقا عظيما، يركبه خلق صغير، ليس الا السماء و الماء، و انما هم كدود على عود، ان مال غرق، و ان نجا برق.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان و ابى حارثة، عن عباده، عن جناده بن ابى اميه و الربيع و ابى المجالد، قالوا:

كتب عمر الى معاويه: انا سمعنا ان بحر الشام يشرف على اطول شي‏ء على الارض، يستأذن الله في كل يوم و ليله في ان يفيض على الارض فيغرقها، فكيف احمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب، و تالله لمسلم أحب الى مما حوت الروم، فإياك ان تعرض لي، و قد تقدمت إليك، و قد علمت ما لقى العلاء منى، و لم اتقدم اليه في مثل ذلك.

و قالوا: ترك ملك الروم الغزو، و كاتب عمر و قاربه، و ساله عن كلمه يجتمع فيها العلم كله، فكتب اليه: أحب للناس ما تحب لنفسك، و اكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمه كلها و اعتبر الناس بما يليك، تجتمع لك المعرفة كلها.

و كتب اليه ملك الروم- و بعث اليه بقارورة: ان املا لي هذه القارورة من كل شي‏ء، فملأها ماء، و كتب اليه: ان هذا كل شي‏ء من الدنيا

260

و كتب اليه ملك الروم: ما بين الحق و الباطل؟ فكتب اليه: اربع أصابع الحق، فيما يرى عيانا، و الباطل كثيرا يستمع به فيما لم يعاين.

و كتب اليه ملك الروم يسأله عما بين السماء و الارض و بين المشرق و المغرب، فكتب اليه: مسيره خمسمائة عام للمسافر، لو كان طريقا مبسوطا.

قال: و بعثت أم كلثوم بنت على بن ابى طالب الى ملكه الروم بطيب و مشارب و احفاش من احفاش النساء، و دسته الى البريد، فابلغه لها، و أخذ منه و جاءت امراه هرقل، و جمعت نساءها، و قالت: هذه هديه امراه ملك العرب، و بنت نبيهم، و كاتبتها و كافاتها، و اهدت لها، و فيما اهدت لها عقد فاخر فلما انتهى به البريد اليه امره بإمساكه، و دعا: الصلاة جامعه، فاجتمعوا، فصلى بهم ركعتين، و قال: انه لا خير في امر ابرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هديه أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فاهدت لها امراه ملك الروم، فقال قائلون: هو لها بالذي لها، و ليست امراه الملك بذمه فتصانع به، و لا تحت يدك فتتقيك.

و قال آخرون: قد كنا نهدى الثياب لنستثيب، و نبعث بها لتباع، و لنصيب ثمنا فقال: و لكن الرسول رسول المسلمين، و البريد بريدهم، و المسلمون عظموها في صدرها فامر بردها الى بيت المال، و رد عليها بقدر نفقتها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة، عن خالد بن معدان، قال: أول من غزا في البحر معاويه بن ابى سفيان زمان عثمان بن عفان، و قد كان استاذن عمر فيه فلم يأذن له، فلما ولى عثمان لم يزل به معاويه، حتى عزم عثمان على ذلك باخره، و قال: لا تنتخب الناس، و لا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله و اعنه، ففعل و استعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي حليف بنى فزاره، فغزا خمسين غزاه من بين شاتيه و صائفه في البحر، و لم يغرق فيه احد و لم ينكب،

261

و كان يدعو الله ان يرزقه العافيه في جنده، و الا يبتليه بمصاب احد منهم، ففعل، حتى إذا اراد الله ان يصيبه وحده، خرج في قارب طليعه، فانتهى الى المرقى من ارض الروم، و عليه سؤال يعترون بذلك المكان، فتصدق عليهم، فرجعت امراه من السؤال الى قريتها، فقالت للرجال: هل لكم في عبد الله بن قيس؟ قالوا: و اين هو؟ قالت: في المرقى، قالوا: اى عدوه الله! و من اين تعرفين عبد الله بن قيس؟ فوبختهم، و قالت: أنتم اعجز من ان يخفى عبد الله على احد فثاروا اليه، فهجموا عليه، فقاتلوه و قاتلهم، فاصيب وحده، و افلت الملاح حتى اتى اصحابه، فجاءوا حتى ارقوا، و الخليفة منهم سفيان بن عوف الأزدي، فخرج فقاتلهم، فضجر و جعل يعبث باصحابه و يشتمهم، فقالت جاريه عبد الله: وا عبد الله، ما هكذا كان يقول حين يقاتل! فقال سفيان: و كيف كان يقول؟ قالت:

الغمرات ثم ينجلينا.

فترك ما كان يقول، و لزم: الغمرات ثم ينجلينا و اصيب في المسلمين يومئذ، و ذلك آخر زمان عبد الله بن قيس الجاسي، و قيل لتلك المرأة بعد:

باى شي‏ء عرفتيه؟ قالت: بصدقته، اعطى كما يعطى الملوك، و لم يقبض قبض التجار.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، قالا: قيل لتلك المرأة التي استثارت الروم على عبد الله بن قيس:

كيف عرفته؟ قالت: كان كالتاجر، فلما سألته أعطاني كالملك، فعرفت انه عبد الله بن قيس.

و كتب الى معاويه و العمال: اما بعد، فقوموا على ما فارقتم عليه عمر، و لا تبدلوا، و مهما اشكل عليكم، فردوه إلينا نجمع عليه الامه، ثم نرده‏

262

عليكم، و إياكم ان تغيروا، فانى لست قابلا منكم الا ما كان عمر يقبل.

و قد كانت تنتقض فيما بين صلح عمر و ولايه عثمان تلك الناحية فيبعث إليها الرجل فيفتحها الله على يديه، فيحسب له ذلك، و اما الفتوح فلاول من وليها.

قال ابو جعفر: و لما غزا معاويه قبرس، صالح أهلها- فيما حدثنى على بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني سليمان بن ابى كريمه و الليث بن سعد و غيرهما من مشيخه ساحل دمشق، ان صلح قبرس وقع على جزية سبعه آلاف دينار يؤدونها الى المسلمين في كل سنه، و يؤدون الى الروم مثلها، ليس للمسلمين ان يحولوا بينهم و بين ذلك، على الا يغزوهم و لا يقاتلوا من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم، و عليهم ان يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم اليهم، و على ان يبطرق امام المسلمين عليهم منهم.

و قال الواقدى: غزا معاويه في سنه ثمان و عشرين قبرس، و غزاها اهل مصر و عليهم عبد الله بن سعد بن ابى سرح، حتى لقوا معاويه، فكان على الناس.

قال: و حدثنى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، قال: لما سبيناهم نظرت الى ابى الدرداء يبكى، فقلت له: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام و اهله، و أذل فيه الكفر و اهله؟ قال: فضرب بيده على منكبى، و قال: ثكلتك أمك يا جبير! ما اهون الخلق على الله إذا تركوا امره! بينا هي أمه ظاهره قاهره للناس لهم الملك، إذ تركوا امر الله، فصاروا الى ما ترى، فسلط عليهم السباء، و إذا سلط السباء على قوم فليس لله فيهم حاجه.

قال الواقدى: و حدثنى ابو سعيد، ان معاويه بن ابى سفيان صالح‏

263

اهل قبرس في ولايه عثمان، و هو أول من غزا الروم، و في العهد الذى بينه و بينهم الا يتزوجوا في عدونا من الروم الا بإذننا.

قال الواقدى: و في هذه السنه غزا حبيب بن مسلمه سوريه من ارض الروم.

و فيها تزوج عثمان نائله ابنه الفرافصه الكلبية و كانت نصرانية، فتحنثت قبل ان يدخل بها.

قال: و فيها بنى داره بالمدينة، الزوراء، و فرغ منها.

قال: و فيها كان فتح فارس الاول، و اصطخر الآخر و أميرها هشام ابن عامر.

قال: و حج بالناس عثمان في هذه السنه‏

264

سنه تسع و عشرين‏

ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهوره‏

ففيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصره، و كان عامله عليها ست سنين، و ولاها عبد الله بن عامر بن كريز، و هو يومئذ ابن خمس و عشرين سنه، فقدمها و قد قيل: ان أبا موسى انما عمل لعثمان على البصره ثلاث سنين.

و ذكر على بن محمد ان محاربا اخبره، عن عوف الأعرابي، قال:

خرج غيلان بن خرشه الضبي الى عثمان بن عفان، فقال: ا ما لكم صغير فتستشبوه فتولوه البصره! حتى متى يلى هذا الشيخ البصره! يعنى أبا موسى، و كان وليها بعد موت عمر ست سنين.

قال: فعزله عثمان عنها، و بعث عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعه ابن حبيب بن عبد شمس، و أمه دجاجه ابنه أسماء السلمى، و هو ابن خال عثمان بن عفان قال مسلمه: فقدم البصره، و هو ابن خمس و عشرين سنه، سنه تسع و عشرين‏

. ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصره‏

كتب الى السرى، يذكر ان شعيبا حدثه، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: لما ولى عثمان اقر أبا موسى على البصره ثلاث سنين، و عزله في الرابعه، و امر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، و على سجستان عبد الله بن عمير الليثى- و هو من كنانه- فاثخن فيها الى كابل، و اثخن عمير في خراسان حتى بلغ فرغانه، فلم يدع دونها كوره الا أصلحها، و بعث الى مكران عبيد الله بن معمر التيمى، فاثخن فيها حتى بلغ النهر

265

و بعث على كرمان عبد الرحمن بن غبيس، و بعث الى فارس و الاهواز نفرا، و ضم سواد البصره الى الحصين بن ابى الحر، ثم عزل عبد الله بن عمير، و استعمل عبد الله بن عامر فاقره عليها سنه ثم عزله، و استعمل عاصم بن عمرو، و عزل عبد الرحمن بن غبيس، و اعاد عدى بن سهيل بن عدى.

و لما كان في السنه الثالثه كفر اهل ايذج و الأكراد، فنادى ابو موسى في الناس، و حضهم و ندبهم، و ذكر من فضل الجهاد في الرجله، حتى حمل نفر على دوابهم، و اجمعوا على ان يخرجوا رجالا و قال آخرون: لا و الله لا نعجل بشي‏ء حتى ننظر ما صنيعه؟ فان اشبه قوله فعله فعلنا كما فعل أصحابنا.

فلما كان يوم خرج اخرج ثقله من قصره على اربعين بغلا، فتعلقوا بعنانه، و قالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، و ارغب من الرجله فيما رغبتنا فيه، فقنع القوم حتى تركوا دابته و مضى، فاتوا عثمان، فاستعفوه منه، و قالوا: ما كل ما نعلم نحب ان نقوله، فأبدلنا به، فقال: من تحبون؟ فقال غيلان بن خرشه: في كل احد عوض من هذا العبد الذى قد اكل أرضنا، و أحيا امر الجاهلية فينا، فلا ننفك من اشعرى كان يعظم ملكه عن الاشعرين، و يستصغر ملك البصره، و إذا امرت علينا صغيرا كان فيه عوض منه، او مهترا كان فيه عوض منه، و من بين ذلك من جميع الناس خير منه.

فدعا عبد الله بن عامر و امره على البصره، و صرف عبيد الله بن معمر الى فارس، و استعمل على عمله عمير بن عثمان بن سعد فاستعمل على خراسان في سنه اربع أمين بن احمر اليشكري، و استعمل على سجستان في سنه اربع عمران بن الفصيل البرجمى، و على كرمان عاصم بن عمرو، فمات بها.

فجاشت فارس، و انتقضت بعبيد الله بن معمر، فاجتمعوا له بإصطخر، فالتقوا على باب اصطخر، فقتل عبيد الله و هزم جنده، و بلغ الخبر عبد الله ابن عامر، فاستنفر اهل البصره، و خرج معه الناس، و على مقدمته عثمان ابن ابى العاص، فالتقوا هم و هم بإصطخر، و قتل منهم مقتله عظيمه لم يزالوا

266

منها في ذل، و كتب بذلك الى عثمان، فكتب اليه بامره هرم بن حسان اليشكري، و هرم بن حيان العبدى من عبد القيس، و الخريت بن راشد من بنى سامه، و المنجاب بن راشد، و الترجمان الهجيمي، على كور فارس، و فرق خراسان بين نفر سته: الأحنف على المروين، و حبيب بن قره اليربوعى على بلخ- و كانت مما افتتح اهل الكوفه- و خالد بن عبد الله بن زهير على هراة، و أمين بن احمد اليشكري على طوس، و قيس بن الهيثم السلمى على نيسابور- و هو أول من خرج- و عبد الله بن خازم، و هو ابن عمه ثم ان عثمان جمعها له قبل موته، فمات و قيس على خراسان، و استعمل أمين بن احمر على سجستان، ثم جعل عليها عبد الرحمن بن سمره- و هو من آل حبيب ابن عبد شمس، فمات عثمان و هو عليها، و مات و عمران على كرمان- و عمير ابن عثمان بن سعد على فارس، و ابن كندير القشيرى على مكران.

و قال على بن محمد: أخبرنا على بن مجاهد، عن أشياخه، قال:

قال غيلان بن خرشه لعثمان بن عفان: اما منكم خسيس فترفعوه! اما منكم فقير فتجيروه! يا معشر قريش، حتى متى يأكل هذا الشيخ الأشعري هذه البلاد! فانتبه لها الشيخ، فولاها عبد الله بن عامر.

قال على بن محمد: أخبرنا ابو بكر الهذلي، قال: ولى عثمان ابن عامر البصره، فقال الحسن: قال ابو موسى: ياتيكم غلام خراج ولاج كريم الجدات و الخالات و العمات، يجمع له الجندان قال: قال الحسن: فقدم ابن عامر، فجمع له جند ابى موسى و جند عثمان بن ابى العاص الثقفى، و كان عثمان بن ابى العاص فيمن عبر من عمان و البحرين.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

وفد قيس بن هيثم عبد الله بن خازم الى عبد الله بن عامر في زمان عثمان، و كان عبد الله بن خازم على عبد الله بن عامر كريما، فقال له: اكتب لي على خراسان عهدا ان خرج منها قيس بن الهيثم ففعل، فرجع الى خراسان، فلما قتل عثمان و بلغ الناس الخبر، و جاش العدو لذلك، قال قيس: ما ترى يا عبد الله؟ قال: ارى ان تخلفني و لا تخلف عن المضى حتى تنظر فيما تنظر ففعل‏

267

و استخلفه، فاخرج عبد الله عهد خلافته، و ثبت على خراسان الى ان قام على رضى الله تعالى عنه، و كانت أم عبد الله عجلى، فقال قيس: انا كنت أحق ان أكون ابن عجلى من عبد الله، و غضب مما صنع به الآخر.

و في هذه السنه افتتح عبد الله بن عامر فارس في قول الواقدى و في قول ابى معشر، حدثنى بقول ابى معشر

9

احمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق ابن عيسى، عنه و اما قول سيف فقد ذكرناه قبل‏

. [أخبار متفرقة]

و في هذه السنه- اعنى سنه تسع و عشرين- زاد عثمان في مسجد رسول الله(ص)و وسعه، و ابتدأ في بنائه في شهر ربيع الاول، و كانت القصة تحمل الى عثمان من بطن نخل، و بناه بالحجارة المنقوشه، و جعل عمده من حجارة فيها رصاص، و سقفه ساجا، و جعل طوله ستين و مائه ذراع، و عرضه مائه و خمسين ذراعا، و جعل ابوابه على ما كانت عليه على عهد عمر، سته أبواب.

و حج بالناس في هذه السنه عثمان، فضرب بمنى فسطاطا، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، و اتم الصلاة بها و بعرفه.

فذكر الواقدى، عن عمر بن صالح بن نافع،

3

عن صالح مولى التوءمه‏

3

، قال: سمعت ابن عباس يقول: ان أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهرا انه صلى بالناس بمنى في ولايته ركعتين، حتى إذا كانت السنه السادسه أتمها، فعاب ذلك غير واحد من اصحاب النبي ص، و تكلم في ذلك من يريد ان يكثر عليه، [حتى جاءه على فيمن جاءه، فقال: و الله ما حدث امر و لا قدم عهد، و لقد عهدت نبيك(ص)يصلى ركعتين ثم أبا بكر، ثم عمر، و أنت صدرا من ولايتك، فما ادرى ما ترجع اليه!] فقال: راى رايته‏

268

قال الواقدى: و حدثنى داود بن خالد، عن عبد الملك بن عمرو بن ابى سفيان الثقفى، عن عمه، قال: صلى عثمان بالناس بمنى أربعا، فاتى آت عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلى بالناس أربعا! فصلى عبد الرحمن باصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ا لم تصل في هذا المكان مع رسول الله(ص)ركعتين؟ قال:

بلى، قال: ا فلم تصل مع ابى بكر ركعتين؟ قال: بلى، قال: ا فلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال: بلى، قال: ا لم تصل صدرا من خلافتك ركعتين؟

قال: بلى، قال: فاسمع منى يا أبا محمد، انى اخبرت ان بعض من حج من اهل اليمن و جفاه الناس قد قالوا في عامنا الماضى: ان الصلاة للمقيم ركعتان، هذا امامكم عثمان يصلى ركعتين، و قد اتخذت بمكة أهلا، فرايت ان اصلى أربعا لخوف ما اخاف على الناس، و اخرى قد اتخذت بها زوجه، ولى بالطائف مال، فربما اطلعته فاقمت فيه بعد الصدر فقال عبد الرحمن ابن عوف: ما من هذا شي‏ء لك فيه عذر، اما قولك: اتخذت أهلا، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت و تقدم بها إذا شئت، انما تسكن بسكناك و اما قولك: ولى مال بالطائف، فان بينك و بين الطائف مسيره ثلاث ليال و أنت لست من اهل الطائف و اما قولك: يرجع من حج من اهل اليمن و غيرهم فيقولون: هذا امامكم عثمان يصلى ركعتين و هو مقيم، فقد كان رسول الله(ص)ينزل عليه الوحى و الناس يومئذ الاسلام فيهم قليل، ثم ابو بكر مثل ذلك، ثم عمر، فضرب الاسلام بجرانه، فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين، فقال عثمان: هذا راى رايته.

قال: فخرج عبد الرحمن فلقى ابن مسعود، فقال: أبا محمد، غير ما يعلم؟ قال: لا، قال: فما اصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم، فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغنى انه صلى أربعا فصليت باصحابى أربعا، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغنى انه صلى أربعا، فصليت باصحابى ركعتين، و اما الان فسوف يكون الذى تقول- يعنى نصلى معه أربعا.

269

سنه ثلاثين‏

ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهوره‏

فمما كان فيها غزوه سعيد بن العاص طبرستان في قول ابى معشر، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن‏

9

حدثه‏

9

، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و في قول الواقدى و قول على بن محمد المدائني: حدثنى بذلك عمر بن شبه عنه.

و اما سيف بن عمر، فانه ذكر ان اصبهبذها صالح سويد بن مقرن على الا يغزوها، على مال بذله له قد مضى ذكرى الخبر عن ذلك قبل في ايام عمر رضى الله عنه.

و اما على بن محمد المدائني، فانه قال- فيما حدثنى به عنه عمر: لم يغزها احد حتى قام عثمان بن عفان رضى الله عنه، فغزاها سعيد بن العاص سنه ثلاثين.

ذكر الخبر عنه عن غزو سعيد بن العاص طبرستان‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنى على بن محمد، عن على بن مجاهد، عن حنش بن مالك، قال: غزا سعيد بن العاص من الكوفه سنه ثلاثين يريد خراسان، و معه حذيفة بن اليمان و ناس من اصحاب رسول الله ص، و معه الحسن و الحسين و عبد الله بن عباس و عبد الله ابن عمر و عبد الله بن عمرو بن العاص و عبد الله بن الزبير، و خرج عبد الله ابن عامر من البصره يريد خراسان، فسبق سعيدا و نزل ابرشهر، و بلغ نزوله ابرشهر سعيدا فنزل سعيد قومس، و هي صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فاتى جرجان، فصالحوه على مائتي الف، ثم اتى طميسه، و هي كلها من طبرستان جرجان، و هي مدينه على ساحل البحر، و هي في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلى صلاه الخوف، فقال لحذيفة:

كيف صلى رسول الله ص؟ فاخبره، فصلى بها سعيد صلاه‏

270

الخوف، و هم يقتتلون، و ضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حبل عاتقه، فخرج السيف من تحت مرفقه، و حاصرهم، فسألوا الامان، فأعطاهم على الا يقتل منهم رجلا واحدا، ففتحوا الحصن، فقتلهم جميعا الا رجلا واحدا، و حوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بنى نهد سفطا عليه قفل، فظن فيه جوهرا، و بلغ سعيدا، فبعث الى النهدي، فأتاه بالسفط، فكسروا قفله، فوجدوا فيه سفطا، ففتحوه، فإذا فيه خرقه سوداء مدرجه فنشروها، فوجدوا خرقه حمراء فنشروها، فإذا خرقه صفراء، و فيها ايران: كميت و ورد، فقال شاعر يهجو بنى نهد:

آب الكرام بالسبايا غنيمه* * * و فاز بنو نهد بايرين في سفط

كميت و ورد وافرين كلاهما* * * فظنوهما غنما فناهيك من غلط!

و فتح سعيد بن العاص نامية، و ليست بمدينه، هي صحارى.

و حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على بن محمد، قال: أخبرني على بن مجاهد، عن حنش بن مالك التغلبى، قال: غزا سعيد سنه ثلاثين، فاتى جرجان و طبرستان، معه عبد الله بن العباس و عبد الله بن عمر و ابن الزبير و عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني علج كان يخدمهم قال: كنت أتيتهم بالسفره، فإذا أكلوا أمروني فنفضتها و علقتها، فإذا امسوا اعطونى باقيه قال: و هلك مع سعيد بن العاص محمد بن الحكم ابن ابى عقيل الثقفى، جد يوسف بن عمر، فقال يوسف لقحذم: يا قحذم، ا تدرى اين مات محمد بن الحكم؟ قال: نعم، استشهد مع سعيد بن العاص بطبرستان، قال: لا، مات بها و هو مع سعيد، ثم قفل سعيد الى الكوفه، فمدحه كعب بن جعيل، فقال:

فنعم الفتى إذ جال جيلان دونه* * * و إذ هبطوا من دستبى ثم ابهرا

تعلم سعيد الخير ان مطيتي* * * إذا هبطت اشفقت من ان تعقرا

كأنك يوم الشعب ليث خفيه* * * تحرد من ليث العرين و اصحرا

271

تسوس الذى ما ساس قبلك واحد* * * ثمانين ألفا دارعين و حسرا

و حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن كليب بن خلف و غيره، ان سعيد بن العاص صالح اهل جرجان، ثم امتنعوا و كفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد احد، و منعوا ذلك الطريق، فلم يكن احد يسلك طريق خراسان من ناحيه قومس الا على وجل و خوف من اهل جرجان، و كان الطريق الى خراسان من فارس الى كرمان، فأول من صير الطريق من قومس قتيبة ابن مسلم حين ولى خراسان.

و حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن كليب بن خلف العمى، عن طفيل بن مرداس العمى و ادريس بن حنظله العمى، ان سعيد بن العاص صالح اهل جرجان، و كانوا يجبون أحيانا مائه الف و يقولون:

هذا صلحنا، و أحيانا مائتي الف، و أحيانا ثلاثمائه الف، و كانوا ربما أعطوا ذلك و ربما منعوه، ثم امتنعوا و كفروا، فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب، فلم يعازه احد حين قدمها، فلما صالح صولا و فتح البحيره و دهستان صالح اهل جرجان على صلح سعيد بن العاص.

و في هذه السنه- اعنى سنه ثلاثين- عزل عثمان الوليد بن عقبه عن الكوفه، و ولاها سعيد بن العاص في قول سيف بن عمر

. ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفه و توليته سعيدا عليها

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: لما بلغ عثمان الذى كان بين عبد الله و سعد غضب عليهما و هم بهما، ثم ترك ذلك و عزل سعدا، و أخذ ما عليه، و اقر عبد الله، و تقدم اليه، و امر مكان سعد الوليد بن عقبه- و كان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب- فقدم الوليد في السنه الثانيه من اماره عثمان، و قد كان سعد عمل عليها سنه و بعض اخرى، فقدم الكوفه، و كان أحب الناس في الناس و ارفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين، و ليس على داره باب ثم ان شبابا من شباب اهل الكوفه‏

272

نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي، و كاثروه، فنذر بهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما راى كثرتهم استصرخ، فقالوا له: اسكت، فإنما هي ضربه حتى نريحك من روعه هذه الليلة- و ابو شريح الخزاعي مشرف عليهم- فصاح بهم و ضربوه فقتلوه، و احاط الناس بهم فاخذوهم، و فيهم زهير بن جندب الأزدي و مورع بن ابى مورع الأسدي، و شبيل بن ابى الأزدي، في عده فشهد عليهم ابو شريح و ابنه انهم دخلوا عليه، فمنع بعضهم بعضا من الناس، فقتله بعضهم، فكتب فيهم الى عثمان، فكتب اليه في قتلهم، فقتلهم على باب القصر في الرحبه، و قال في ذلك عمرو بن عاصم التميمى:

لا تأكلوا ابدا جيرانكم سرفا* * * اهل الزعارة في ملك ابن عفان‏

و قال أيضا:

ان ابن عفان الذى جربتم* * * فطم اللصوص بمحكم الفرقان‏

ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا* * * في كل عنق منهم و بنان‏

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن ابى سعيد، قال: كان ابو شريح الخزاعي من اصحاب رسول الله ص، فتحول من المدينة الى الكوفه ليدنو من الغزو، فبينا هو ليله على السطح، إذ استغاث جاره، فأشرف فإذا هو بشباب من اهل الكوفه قد بيتوا جاره، و جعلوا يقولون له: لا تصح، فإنما هي ضربه حتى نريحك، فقتلوه فارتحل الى عثمان، و رجع الى المدينة و نقل اهله، و لهذا الحديث حين كثر احدثت القسامة، و أخذ بقول ولى المقتول: ليفطم الناس عن القتل عن ملا من الناس يومئذ.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عثمان: القسامة على المدعى عليه و على اوليائه، يحلف منهم خمسون رجلا إذا لم تكن بينه، فان نقصت قسامتهم، او ان نكل رجل واحد ردت قسامتهم و وليها المدعون، و احلفوا، فان حلف منهم خمسون استحقوا

273

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن عون بن عبد الله، قال: كان مما احدث عثمان بالكوفه الى ما كان من الخبر انه بلغه ان أبا سمال الأسدي في نفر من اهل الكوفه، ينادى مناد لهم إذا قدم الميار: من كان هاهنا من كلب او بنى فلان ليس لقومهم بها منزل فمنزله على ابى سمال فاتخذ موضع دار عقيل دار الضيفان و دار ابن هبار، و كان منزل عبد الله بن مسعود في هذيل في موضع الرماده، فنزل موضع داره، و ترك داره دار الضيافة، و كان الاضياف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المغيره بن مقسم، عمن ادرك من علماء اهل الكوفه، ان أبا سمال كان ينادى مناديه في السوق و الكناسة: من كان هاهنا من بنى فلان و فلان- لمن ليست له بها خطه- فمنزله على ابى سمال، فاتخذ عثمان للاضياف منازل.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مولى لال طلحه، عن موسى بن طلحه مثله و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: كان عمر بن الخطاب قد استعمل الوليد بن عقبه على عرب الجزيرة، فنزل في بنى تغلب و كان ابو زبيد في الجاهلية و الاسلام في بنى تغلب حتى اسلم، و كانت بنو تغلب أخواله، فاضطهده أخواله دينا له، فاخذ له الوليد بحقه، فشكرها له ابو زبيد، و انقطع اليه، و غشيه بالمدينة، فلما ولى الوليد الكوفه أتاه مسلما معظما على مثل ما كان يأتيه بالجزيرة و المدينة، فنزل دار الضيفان، و آخر قدمه قدمها ابو زبيد على الوليد، و قد كان ينتجعه و يرجع، و كان نصرانيا قبل ذلك، فلم يزل الوليد به و عنه حتى اسلم في آخر اماره الوليد، و حسن اسلامه، فاستدخله الوليد، و كان عربيا شاعرا حين قام على الاسلام، فاتى آت أبا زينب و أبا مورع و جندبا، و هم يحقدون‏

274

له مذ قتل ابناءهم، و يضعون له العيون، فقال لهم: هل لكم في الوليد يشارب أبا زبيد؟ فثاروا في ذلك، فقال ابو زينب و ابو مورع و جندب لأناس من وجوه اهل الكوفه: هذا اميركم و ابو زبيد خيرته، و هما عاكفان على الخمر، فقاموا معهم- و منزل الوليد في الرحبه مع عماره بن عقبه، و ليس عليه باب- فاقتحموا عليه من المسجد و بابه الى المسجد، فلم يفجا الوليد الا بهم، فنحى شيئا، فادخله تحت السرير، فادخل بعضهم يده فاخرجه لا يؤامره، فإذا طبق عليه تفاريق عنب- و انما نحاه استحياء ان يروا طبقه ليس عليه الا تفاريق عنب- فقاموا فخرجوا على الناس، فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون، و سمع الناس بذلك، فاقبل الناس عليهم يسبونهم و يلعنونهم، و يقولون: اقوام غضب الله لعمله، و بعضهم ارغمه الكتاب، فدعاهم ذلك الى التحسس و البحث، فستر عليهم الوليد ذلك، و طواه عن عثمان، و لم يدخل بين الناس في ذلك بشي‏ء، و كره ان يفسد بينهم، فسكت عن ذلك و صبر.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الفيض بن محمد، قال: رايت الشعبى جلس الى محمد بن عمرو بن الوليد- يعنى ابن عقبه- و هو خليفه محمد بن عبد الملك، فذكر محمد غزو مسلمه، فقال: كيف لو ادركتم الوليد، غزوه و امارته! ان كان ليغزو فينتهى الى كذا و كذا، ما قصر و لا انتقض عليه احد حتى عزل عن عمله، و على الباب يومئذ عبد الرحمن بن ربيعه الباهلى، و ان كان مما زاد عثمان بن عفان الناس على يده ان رد على كل مملوك بالكوفه من فضول الأموال ثلاثة في كل شهر، يتسعون بها من غير ان ينقص مواليهم من أرزاقهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن عون بن عبد الله، قال: جاء جندب و رهط معه الى ابن مسعود، فقالوا:

الوليد يعتكف على الخمر، و أذاعوا ذلك حتى طرح على السن الناس، فقال‏

275

ابن مسعود: من استتر عنا بشي‏ء لم نتتبع عورته، و لم نهتك ستره، فأرسل الى ابن مسعود فأتاه فعاتبه في ذلك، و قال: ا يرضى من مثلك بان يجيب قوما موتورين بما اجبت على! اى شي‏ء استتر به! انما يقال هذا للمريب، فتلاحيا و افترقا على تغاضب، لم يكن بينهما اكثر من ذلك.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: و اتى الوليد بساحر، فأرسل الى ابن مسعود يسأله عن حده، فقال:

و ما يدريك انه ساحر! قال: زعم هؤلاء النفر- لنفر جاءوا به- انه ساحر، قال: و ما يدريكم انه ساحر! قالوا: يزعم ذاك، قال: ا ساحر أنت؟

قال: نعم، قال: و تدرى ما السحر؟ قال: نعم، و ثار الى حمار، فجعل يركبه من قبل ذنبه، و يريهم انه يخرج من فمه و استه فقال ابن مسعود:

فاقتله فانطلق الوليد، فنادوا في المسجد ان رجلا يلعب بالسحر عند الوليد، فاقبلوا، و اقبل جندب- و اغتنمها- يقول: اين هو؟ اين هو؟ حتى اريه! فضربه، فاجتمع عبد الله و الوليد على حبسه، حتى كتب الى عثمان، فأجابهم عثمان ان استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه و انه لصادق بقوله فيما ظن من تعطيل حده و عزروه، و خلوا سبيله و تقدم الى الناس في الا يعملوا بالظنون، و الا يقيموا الحدود دون السلطان، فانا نقيد المخطئ، و نؤدب المصيب ففعل ذلك به، و ترك لأنه أصاب حدا، و غضب لجندب اصحابه، فخرجوا الى المدينة، فيهم ابو خشه الغفاري و جثامه بن الصعب بن جثامه و معهم جندب، فاستعفوه من الوليد، فقال لهم عثمان: تعملون بالظنون، و تخطئون في الاسلام، و تخرجون بغير اذن، ارجعوا فردهم، فلما رجعوا الى الكوفه، لم يبق موتور في نفسه الا أتاهم، فاجتمعوا على راى فاصدروه، ثم تغفلوا الوليد- و كان ليس عليه حجاب- فدخل عليه ابو زينب الأزدي و ابو مورع الأسدي، فسلا خاتمه، ثم خرجا الى عثمان، فشهدا عليه، و معهما نفر ممن يعرف من أعوانهم فبعث اليه عثمان، فلما قدم امر به سعيد ابن العاص، فقال: يا امير المؤمنين، أنشدك الله! فو الله انهما لخصمان موتوران‏

276

فقال: لا يضرك ذلك، انما نعمل بما ينتهى إلينا، فمن ظلم فالله ولى انتقامه، و من ظلم فالله ولى جزائه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى غسان سكن ابن عبد الرحمن بن حبيش، قال: اجتمع نفر من اهل الكوفه، فعملوا في عزل الوليد، فانتدب ابو زينب بن عوف و ابو مورع بن فلان الأسدي للشهادة عليه، فغشوا الوليد، و أكبوا عليه، فبيناهم معه يوما في البيت و له امرأتان في المخدع، بينهما و بين القوم ستر، إحداهما بنت ذي الخمار و الاخرى بنت ابى عقيل، فنام الوليد، و تفرق القوم عنه، و ثبت ابو زينب و ابو مورع، فتناول أحدهما خاتمه، ثم خرجا، فاستيقظ الوليد و امرأتاه عند راسه، فلم ير خاتمه، فسألهما عنه فلم يجد عندهما منه علما، قال: فأي القوم تخلف عنهم؟ قالتا: رجلان لا نعرفهما، ما غشياك الا منذ قريب.

قال: حلياهما، فقالتا: على أحدهما خميصه، و على الآخر مطرف، و صاحب المطرف أبعدهما منك، فقال: الطوال؟ قالتا: نعم، و صاحب الخميصه أقربهما إليك، فقال: القصير؟ قالتا: نعم، و قد رأينا يده على يدك قال: ذاك ابو زينب، و الآخر ابو مورع، و قد أرادا داهيه، فليت شعرى ما ذا يريدان! فطلبهما فلم يقدر عليهما، و كان وجههما الى المدينة، فقدما على عثمان، و معهما نفر ممن يعرف عثمان، ممن قد عزل الوليد عن الاعمال، فقالوا له، فقال: من يشهد؟ قالوا: ابو زينب و ابو مورع، و كاع الاخران، فقال: كيف رأيتما؟ قالا: كنا من غاشيته، فدخلنا عليه و هو يقي‏ء الخمر، فقال: ما يقي‏ء الخمر الا شاربها فبعث اليه، فلما دخل على عثمان رآهما، فقال متمثلا:

ما ان خشيت على امر خلوت به* * * فلم اخفك على أمثالها حار

فحلف له الوليد و اخبره خبرهم، فقال: نقيم الحدود و يبوء شاهد الزور بالنار، فاصبر يا أخي! فامر سعيد بن العاص فجلده، فاورث ذلك عداوة بين ولديهما حتى اليوم، و كانت على الوليد خميصه يوم امر به ان يجلد، فنزعها

277

عنه على بن ابى طالب (ع).

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الطنافسي، عن ابى عبيده الأيادي، قال: خرج ابو زينب و ابو مورع حتى دخلا على الوليد بيته، و عنده امرأتان: بنت ذي الخمار و بنت ابى عقيل، و هو نائم، قالت إحداهما: فأكب عليه أحدهما فاخذ خاتمه، فسألهما حين استيقظ، فقالتا: ما أخذناه، قال: من بقي آخر القوم؟ قالتا: رجلان، رجل قصير عليه خميصه، و رجل طويل عليه مطرف، و رأينا صاحب الخميصه أكب عليك، قال: ذاك ابو زينب فخرج يطلبهما، فإذا هو وجههما عن ملا من اصحاب لهما، و لا يدرى الوليد ما أرادا من ذلك فقدما على عثمان، فأخبراه الخبر على رءوس الناس، فأرسل الى الوليد، فقدم، فإذا هو بهما و دعا بهما عثمان، فقال: بم تشهدان؟ ا تشهدان انكما رأيتماه يشرب الخمر؟ فقالا: لا، و خافا، قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته و هو يقي‏ء الخمر فامر سعيد بن العاص فجلده، فاورث ذلك عداوة بين أهليهما.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن ابى العريف و يزيد الفقعسي، قالا: كان الناس في الوليد فرقتين: العامه معه و الخاصة عليه، فما زال عليهم من ذلك خشوع حتى كانت صفين، فولى معاويه، فجعلوا يقولون: عيب عثمان بالباطل، [فقال لهم على ع:

انكم و ما تعيرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل ردفه، ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بفعله، و عزله عن عمله! و ما ذنب عثمان فيما صنع عن امرنا!] و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عثمان رضى الله عنه: إذا جلد الرجل الحد ثم ظهرت توبته جازت شهادته.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن‏

9

ابى كبران، عن مولاه لهم- و اثنى عليها خيرا- قالت: كان الوليد ادخل على الناس خيرا،

278

حتى جعل يقسم للولائد و العبيد، و لقد تفجع عليه الأحرار و المماليك، كان يسمع الولائد و عليهن الحداد يقلن:

يا ويلتا قد عزل الوليد* * * و جاءنا مجوعا سعيد

ينقص في الصاع و لا يزيد* * * فجوع الإماء و العبيد

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، قال: كان الناس يقولون حين عزل الوليد و امر سعيد:

لا يبعد الملك إذ ولت شمائله* * * و لا الرياسة لما راس كتاب‏

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه باسنادهما، قالا: قدم سعيد بن العاص في سنه سبع من اماره عثمان، و كان سعيد بن العاص بقية العاص بن اميه، و كان اهله كثيرا تتابعوا، فلما فتح الله الشام قدمها، فأقام مع معاويه، و كان يتيما نشا في حجر عثمان، فتذكر عمر قريشا، و سال عنه فيما يتفقد من امور الناس، فقيل: يا امير المؤمنين، هو بدمشق، عهد العاهد به و هو ماموم بالموت فأرسل الى معاويه: ان ابعث لي سعيد بن العاص في منقل، فبعث به اليه و هو دنف، فما بلغ المدينة حتى افاق، فقال: يا بن أخي، قد بلغنى عنك بلاء و صلاح، فازدد يزدك الله خيرا و قال: هل لك من زوجه؟ قال: لا، قال: يا أبا عمرو، ما منعك من هذا الغلام ان تكون زوجته؟ قال: قد عرضت عليه فأبى، فخرج يسير في البر، فانتهى الى ماء، فلقى عليه اربع نسوه، فقمن له، فقال: ما لكن؟ و من انتن؟ فقلن: بنات سفيان بن عويف- و معهن امهن- فقالت: امهن:

هلك رجالنا، و إذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهن في اكفائهن، فزوج سعيدا احداهن و عبد الرحمن بن عوف الاخرى، و الوليد بن عقبه الثالثه، و أتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي، فقلن: قد هلك رجالنا، و بقي الصبيان، فضعنا في اكفائنا، فزوج سعيدا احداهن، و جبير بن مطعم احداهن، فشارك سعيد هؤلاء و هؤلاء، و قد كان عمومته ذوى بلاء في الاسلام، و سابقه حسنه، و قدمه مع رسول الله (ص)، فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال الناس‏

279

فقدم سعيد الكوفه في خلافه عثمان أميرا، و خرج معه من مكة- او المدينة- الاشتر و ابو خشه الغفاري و جندب بن عبد الله و ابو مصعب بن جثامه- و كانوا فيمن شخص مع الوليد يعيبونه، فرجعوا مع هذا- فصعد سعيد المنبر، فحمد الله و اثنى عليه، و قال: و الله لقد بعثت إليكم و انى لكاره، و لكنى لم أجد بدا إذ امرت ان اتمر الا ان الفتنة قد اطلعت خطمها و عينيها، و و الله لاضربن وجهها حتى اقمعها او تعييني، و انى لرائد نفسي اليوم و نزل.

و سال عن اهل الكوفه، فأقيم على حال أهلها.

فكتب الى عثمان بالذي انتهى اليه: ان اهل الكوفه قد اضطرب امرهم، و غلب اهل الشرف منهم و البيوتات و السابقه و القدمه، و الغالب على تلك البلاد روادف ردفت، و اعراب لحقت، حتى ما ينظر الى ذي شرف و لا بلاء من نازلتها و لا نابتتها.

فكتب اليه عثمان: اما بعد، ففضل اهل السابقه و القدمه ممن فتح الله عليه تلك البلاد، و ليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، الا ان يكونوا تثاقلوا عن الحق، و تركوا القيام به و قام به هؤلاء و احفظ لكل منزلته، و أعطهم جميعا بقسطهم من الحق، فان المعرفة بالناس بها يصاب العدل.

فأرسل سعيدا الى وجوه الناس من اهل الأيام و القادسية، فقال: أنتم وجوه من وراءكم، و الوجه ينبئ عن الجسد، فابلغونا حاجه ذي الحاجة و خله ذي الخله و ادخل معهم من يحتمل من اللواحق و الروادف، و خلص بالقراء و المتسمتين في سمره، فكأنما كانت الكوفه يبسا شملته نار، فانقطع الى ذلك الضرب ضربهم، و فشت القاله و الإذاعة فكتب سعيد الى عثمان بذلك، فنادى منادى عثمان: الصلاة جامعه! فاجتمعوا، فاخبرهم بالذي كتب به الى سعيد، و بالذي كتب به اليه فيهم، و بالذي جاءه من القاله و الإذاعة، فقالوا: اصبت فلا تسعفهم في ذلك، و لا تطعمهم فيما ليسوا له باهل، فانه إذا نهض في الأمور من ليس لها باهل لم يحتملها و أفسدها

280

فقال عثمان: يا اهل المدينة استعدوا و استمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن.

و نزل فاوى الى منزله، و تمثل مثله و مثل هذا الضرب الذين شرعوا في الخلاف:

ابنى عبيد قد اتى أشياعكم* * * عنكم مقالتكم و شعر الشاعر

فإذا أتتكم هذه فتلبسوا* * * ان الرماح بصيره بالحاسر

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروه، قال: كان عثمان اروى الناس للبيت و البيتين و الثلاثة الى الخمسة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن عبد الله الجمحى، عن عبيد الله بن عمر، قال: سمعته و هو يقول لأبي: ان عثمان جمع اهل المدينة، فقال: يا اهل المدينة، ان الناس يتمخضون بالفتنة، و انى و الله لأتخلصن لكم الذى لكم حتى انقله إليكم ان رايتم ذلك، فهل ترونه حتى ياتى من شهد مع اهل العراق الفتوح فيه، فيقيم معه في بلاده؟

فقام أولئك، و قالوا: كيف تنقل لنا ما أفاء الله علينا من الارضين يا امير المؤمنين؟

فقال: نبيعها ممن شاء بما كان له بالحجاز ففرحوا و فتح الله عليهم به امرا لم يكن في حسابهم، فافترقوا و قد فرجها الله عنهم به و كان طلحه ابن عبيد الله قد استجمع له عامه سهمان خيبر الى ما كان له سوى ذلك، فاشترى طلحه منه من نصيب من شهد القادسية و المدائن من اهل المدينة ممن اقام و لم يهاجر الى العراق النشاستج بما كان له بخيبر و غيرها من تلك الأموال، و اشترى منه بئر اريس شيئا كان لعثمان بالعراق، و اشترى منه مروان بن الحكم بمال كان له اعطاه اياه عثمان نهر مروان- و هو يومئذ اجمه- و اشترى منه رجال من القبائل بالعراق باموال كانت لهم في جزيرة العرب من اهل المدينة و مكة و الطائف و اليمن و حضرموت، فكان مما اشترى منه الاشعث بمال كان له في حضرموت ما كان له بطيزناباذ و كتب عثمان الى اهل الافاق في ذلك و بعده جربان الفي‏ء، و الفي‏ء الذى يتداعاه اهل الأمصار، فهو ما كان للملوك نحو كسرى و قيصر و من تابعهم من اهل بلادهم فأجلى‏

281

عنه، فأتاهم شي‏ء عرفوه و أخذ بقدر عده من شهدها من اهل المدينة، و بقدر نصيبهم، و ضم ذلك اليهم، فباعوه بما يليهم من الأموال بالحجاز و مكة و اليمن و حضرموت، يرد على أهلها الذين شهدوا الفتوح من بين اهل المدينة.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه مثل ذلك، الا انهما قالا: اشترى هذا الضرب رجال من كل قبيله ممن كان له هنالك شي‏ء، فاراد ان يستبدل به فيما يليه، فأخذوا، و جاز لهم عن تراض منهم و من الناس و اقرار بالحقوق، الا ان الذين لا سابقه لهم و لا قدمه لا يبلغون مبلغ اهل السابقه و القدمه في المجالس و الرياسة و الحظوة، ثم كانوا يعيبون التفضيل، و يجعلونه جفوه، و هم في ذلك يختفون به و لا يكادون يظهرونه، لأنه لا حجه لهم و الناس عليهم، فكان إذا لحق بهم لاحق من ناشئ او اعرابى او محرر استحلى كلامهم، فكانوا في زياده، و كان الناس في نقصان حتى غلب الشر.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: صرف حذيفة عن غزو الري الى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعه، و خرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه اذربيجان- و كذلك كانوا يصنعون، يجعلون للناس ردءا- فأقام حتى قفل حذيفة ثم رجعا.

و في هذه السنه- اعنى سنه ثلاثين- سقط خاتم رسول الله(ص)من يد عثمان في بئر اريس و هي على ميلين من المدينة، و كانت من اقل الابار ماء، فما ادرك حتى الساعة قعرها

. ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر اريس‏

حدثنى محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا ابو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز قال: و كان شريك يونس بن عبيد قال: حدثنا داود ابن ابى هند، عن عكرمه، عن ابن عباس، ان رسول الله ص‏

282

اراد ان يكتب الى الأعاجم كتبا يدعوهم الى الله عز و جل، فقال له رجل: يا رسول الله، انهم لا يقبلون كتابا الا مختوما، فامر رسول الله(ص)ان يعمل له خاتم من حديد، فجعله في اصبعه، فأتاه جبريل، فقال له: انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله(ص)من اصبعه، و امر بخاتم آخر يعمل له، فعمل له خاتم من نحاس، فجعله في اصبعه، فقال له جبريل ع: انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله(ص)من اصبعه، و امر رسول الله(ص)بخاتم من ورق، فصنع له خاتم من ورق فجعله في اصبعه، فاقره جبريل، و امر ان ينقش عليه: محمد رسول الله، فجعل يتختم به، و يكتب الى من اراد ان يكتب اليه من الأعاجم، و كان نقش الخاتم ثلاثة اسطر فكتب كتابا الى كسرى بن هرمز، فبعثه مع عمر بن الخطاب، فاتى به عمر كسرى فقرئ الكتاب، فلم يلتفت الى كتابه، فقال عمر: يا رسول الله، جعلني الله فداءك! أنت على سرير مرمول بالليف، و كسرى بن هرمز على سرير من ذهب، و عليه الديباج! [فقال رسول الله ص: اما ترضى ان تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة!] فقال: جعلني الله فداءك! قد رضيت.

و كتب كتابا آخر، فبعث به مع دحية بن خليفه الكلبى الى هرقل ملك الروم يدعوه الى الاسلام، فقراه و ضمه اليه، و وضعه عنده، فكان الخاتم في اصبع رسول الله(ص)يتختم به حتى قبضه الله عز و جل، ثم استخلف ابو بكر فتختم به حتى قبضه الله عز و جل، ثم ولى عمر بن الخطاب بعد فجعل يتختم به حتى قبضه الله، ثم ولى من بعده عثمان ابن عفان، فتختم به ست سنين، فحفر بئرا بالمدينة شربا للمسلمين، فقعد على راس البئر، فجعل يعبث بالخاتم، و يديره بإصبعه، فانسل الخاتم من اصبعه فوقع في البئر، فطلبوه في البئر، و نزحوا ما فيها من الماء، فلم يقدروا عليه، فجعل فيه مالا عظيما لمن جاء به، و اغتم لذلك غما شديدا، فلما يئس من الخاتم امر فصنع له خاتم آخر مثله، خلقه من فضه، على مثاله‏

283

و شبهه، و نقش عليه: محمد رسول الله، فجعله في اصبعه حتى هلك، فلما قتل ذهب الخاتم من يده فلم يدر من اخذه‏

اخبار ابى ذر (رحمه الله تعالى)

و في هذه السنه- اعنى سنه ثلاثين- كان ما ذكر من امر ابى ذر و معاويه، و اشخاص معاويه اياه من الشام الى المدينة، و قد ذكر في سبب اشخاصه اياه منها إليها امور كثيره، كرهت ذكر أكثرها.

فاما العاذرون معاويه في ذلك، فإنهم ذكروا في ذلك قصه كتب الى بها السرى، يذكر ان شعيبا حدثه عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقى أبا ذر، فقال: يا أبا ذر، الا تعجب الى معاويه، يقول: المال مال الله! الا ان كل شي‏ء لله كأنه يريد ان يحتجنه دون المسلمين، و يمحو اسم المسلمين فأتاه ابو ذر، فقال: ما يدعوك الى ان تسمى مال المسلمين مال الله! قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ا لسنا عباد الله، و المال ماله، و الخلق خلقه، و الأمر امره! قال: فلا تقله، قال: فانى لا اقول: انه ليس لله، و لكن ساقول: مال المسلمين.

قال: و اتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له: من أنت؟ اظنك و الله يهوديا! فاتى عباده بن الصامت فتعلق به، فاتى به معاويه، فقال: هذا و الله الذى بعث عليك أبا ذر، و قام ابو ذر بالشام و جعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء بشر الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ بمكاو من نار تكوى بها جباهم‏ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ‏ فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، و اوجبوه على الأغنياء، و حتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس.

فكتب معاويه الى عثمان: ان أبا ذر قد اعضل بي، و قد كان من امره كيت و كيت فكتب اليه عثمان: ان الفتنة قد اخرجت خطمها و عينيها،

284

فلم يبق الا ان تثب، فلا تنكأ القرح، و جهز أبا ذر الى، و ابعث معه دليلا و زوده، و ارفق به، و كفكف الناس و نفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت فبعث بابى ذر و معه دليل، فلما قدم المدينة و راى المجالس في اصل سلع، قال: بشر اهل المدينة بغاره شعواء و حرب مذكار.

و دخل على عثمان فقال: يا أبا ذر، ما لأهل الشام يشكون ذربك! فاخبره انه لا ينبغى ان يقال: مال الله، و لا ينبغى للأغنياء ان يقتنوا مالا.

فقال: يا أبا ذر، على ان اقضى ما على، و آخذ ما على الرعية، و لا اجبرهم على الزهد، و ان ادعوهم الى الاجتهاد و الاقتصاد.

قال: فتأذن لي في الخروج، فان المدينة ليست لي بدار؟ فقال:

او تستبدل بها الا شرا منها! قال: أمرني رسول الله(ص)ان اخرج منها إذا بلغ البناء سلعا، قال: فانفذ لما امرك به قال: فخرج حتى نزل الربذة، فخط بها مسجدا، و اقطعه عثمان صرمه من الإبل و اعطاه مملوكين، و ارسل اليه: ان تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابيا، ففعل.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عون، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: كان ابو ذر يختلف من الربذة الى المدينة مخافه الأعرابية، و كان يحب الوحده و الخلوه فدخل على عثمان، و عنده كعب الاحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، و قد ينبغى للمؤدى الزكاة الا يقتصر عليها حتى يحسن الى الجيران و الاخوان، و يصل القرابات فقال كعب: من ادى الفريضة فقد قضى ما عليه فرفع ابو ذر محجنه فضربه فشجه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، و قال: يا أبا ذر، اتق الله و اكفف يدك و لسانك، و قد كان قال له: يا بن اليهودية، ما أنت و ما هاهنا! و الله لتسمعن منى او لادخل عليك.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الاشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين، قال: خرج ابو ذر الى الربذة من قبل نفسه لما راى‏

285

عثمان لا ينزع له، و اخرج معاويه اهله من بعده، فخرجوا اليه و معهم جراب يثقل يد الرجل، فقال: انظروا الى هذا الذى يزهد في الدنيا ما عنده! فقالت امراته: اما و الله ما فيه دينار و لا درهم، و لكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا.

و لما نزل ابو ذر الربذة أقيمت الصلاة، و عليها رجل يلى الصدقه، فقال:

تقدم يا أبا ذر، فقال: لا، تقدم أنت، [فان رسول الله(ص)قال لي: اسمع و أطع، و ان كان عليك عبد مجدع،] فأنت عبد و لست باجدع- و كان من رقيق الصدقه، و كان اسود يقال له مجاشع.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جابر، قال: اجرى عثمان على ابى ذر كل يوم عظما، و على رافع ابن خديج مثله، و كانا قد تنحيا عن المدينة لشي‏ء سمعاه لم يفسر لهما، و أبصرا و قد اخطئا.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقه، عن عاصم بن كليب، عن سلمه بن نباته، قال: خرجنا معتمرين، فأتينا الربذة، فطلبنا أبا ذر في منزله، فلم نجده، و قالوا: ذهب الى الماء.

فتنحينا، و نزلنا قريبا من منزله، فمر و معه عظم جزور يحمله معه غلام، فسلم ثم مضى حتى اتى منزله، فلم يمكث الا قليلا حتى جاء، فجلس إلينا و قال: [ان رسول الله(ص)قال لي: اسمع و أطع و ان كان عليك حبشي مجدع،] فنزلت هذا الماء و عليه رقيق من رقيق مال الله، و عليهم حبشي- و ليس باجدع، و هو ما علمت، و اثنى عليه- و لهم في كل يوم جزور، و لي منها عظم آكله انا و عيالي قلت: ما لك من المال؟

قال: صرمه من الغنم و قطيع من الإبل، في أحدهما غلامي و في الآخر امتى، و غلامي حر الى راس السنه قال: قلت: ان أصحابك قبلنا اكثر الناس مالا، قال: اما انهم ليس لهم في مال الله حق الا و لي مثله‏

286

و اما الآخرون، فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيره، و أمورا شنيعة، كرهت ذكرها

. ذكر هرب يزدجرد الى خراسان‏

و في هذه السنه، هرب يزدجرد بن شهريار في قول بعضهم من فارس الى خراسان.

ذكر من قال ذلك و ما قال فيه:

ذكر على بن محمد ان مسلمه اخبره عن داود، قال: قدم ابن عامر البصره، ثم خرج الى فارس فافتتحها، و هرب يزدجرد من جوز- و هي أردشير خره- في سنه ثلاثين فوجه ابن عامر في اثره مجاشع بن مسعود السلمى، فاتبعه الى كرمان، فنزل مجاشع السيرجان بالعسكر، و هرب يزدجرد الى خراسان قال: و عبد القيس تقول: وجه ابن عامر هرم ابن حيان العبدى، و بكر بن وائل تقول: وجه ابن حسان اليشكري قال:

و اصحه عندنا مجاشع.

قال على: و أخبرنا سلمه بن عثمان- و كان فاضلا- عن شيخ من اهل كرمان و الفضل الكرماني، عن ابيه، قال: اتبع مجاشع يزدجرد فخرج من السيرجان، فلما كان عند القصر في بيمند- و هو الذى يقال له قصر مجاشع- أصابهم الثلج و الدمق، فوقع الثلج، و اشتد البرد، و صار الثلج قامه رمح، فهلك الجند، و سلم مجاشع و رجل كانت معه جاريه، فشق‏

287

بطن بعير، فادخلها فيه و هرب، فلما كان من الغد، جاء فوجدها حيه فحملها، فسمى ذلك القصر قصر مجاشع، لان جيشه هلكوا فيه، و هو على خمسه فراسخ او سته من السيرجان.

قال على: أخبرنا ابو المقدام، عن بعض مشيخته، قال: خرج مجاشع على وفد اهل البصره من تستر- و فيهم الأحنف- و أخذ في غداه واحده على لجام واحد خمسين ألفا، سبق على الصفراء ابنه الغراء ابنه الغبراء، فأخذها منه عمر حين قاسم عماله الأموال.

قال على: فقلت للنضر بن إسحاق: ان أبا المقدام ذكر هذا الحديث! فقال: صدق، سمعته من عده من الحى و غيرهم، و فرسه الصفراء ابنه الغراء ابنه الغبراء و هو مجاشع بن مسعود بن ثعلبه بن عائذ بن وهب بن ربيعه بن يربوع بن سمال بن عوف بن إمرئ القيس بن بهثه بن سلم.

و يكنى أبا سليمان.

قال: و في هذه السنه زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء، و صلى بمنى أربعا.

و حج بالناس في هذه السنه عثمان رضى الله عنه‏

288

احدى و ثلاثين‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث المشهوره) فمما كان فيها من ذلك غزوه المسلمين الروم التي يقال لها:

غزوه الصواري‏

في قول الواقدى فاما ابو معشر فانه قال فيما حدثنى احمد بن ثابت الرازى، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوه الصواري سنه اربع و ثلاثين، و قال: كانت في سنه احدى و ثلاثين الأساودة في البحر و وقائع كسرى.

و قال الواقدى: غزوه الصواري و الأساودة كلتاهما كانتا في سنه احدى و ثلاثين.

(ذكر الخبر عن هاتين الغزوتين:) ذكر الواقدى ان محمد بن صالح حدثه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، ان اهل الشام خرجوا، عليهم معاويه بن ابى سفيان، و كانت الشام قد جمع جمعها لمعاوية بن ابى سفيان.

(ذكر السبب في جمعها له:) كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك و الربيع و ابى مجالد و ابى عثمان و ابى حارثة، قالوا: لما حضر ابو عبيده استخلف على عمله عياض بن غنم- و هو خاله و ابن عمه- و قد كان ولى بالجزيرة عملا، فعزله عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلحق بابى عبيده بالشام،

289

و كان معه، و كان جوادا مشهورا بالجود، لا يليق شيئا، و لا يمنع أحدا.

فكلم عمر في ذلك، فقيل له: عزلت خالدا و عتبت عليه العطاء، و عياض اجود العرب و اعطاهم، لا يمنع شيئا يسأله، فقال عمر: متى سيمه عياض في ماله حتى يخلص الى ما لنا! و انى مع ذلك لم أكن مغيرا امرا قضاه ابو عبيده و مات عياض بن غنم بعد ابى عبيده، فامر عمر على عمله سعيد بن حذيم الجمحى، و مات سعيد بعد، فامر عمر مكانه عمير بن سعد الأنصاري، و مات عمر و معاويه على دمشق و الأردن، و عمير بن سعد على حمص و قنسرين، و انما مصر قنسرين معاويه بن ابى سفيان لمن لحق به من اهل العراقين و مات يزيد بن ابى سفيان، فجعل عمر مكانه معاويه و نعاه لأبي سفيان، فقال: من جعلت على عمله يا امير المؤمنين؟ فقال:

معاويه، فقال: وصلتك رحم، فاجتمعت لمعاوية الأردن و دمشق، و مات عمر و معاويه على دمشق و الأردن و عمير بن سعد على حمص و قنسرين، و علقمه ابن مجزز على فلسطين و عمرو بن العاص على مصر.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عن سالم، قال: كان أول عامل استعمله عثمان بن عفان سعد بن ابى وقاص عن وصيه عمر ثم ان عمير بن سعد طعن فاضنى منها، فاستعفى عثمان و استاذنه في الرجوع الى اهله، فاذن له، و ضم حمص و قنسرين الى معاويه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، عن خالد بن معدان، قال: لما ولى عثمان اقر عمال عمر على الشام، فلما مات عبد الرحمن بن علقمه الكنانى- و كان على فلسطين- ضم عمله الى معاويه، و مرض عمير بن سعد في اماره عثمان مرضا طال به، فاستعفاه و استاذنه فاذن له، و ضم عمله الى معاويه، فاجتمع الشام على معاويه لسنتين‏

290

من اماره عثمان و كان عمرو بن العاص على مصر زمان عمر، مجتمعه له، فاقره عثمان صدرا من امارته.

رجع الحديث الى حديث الواقدى عن خبر الغزوتين اللتين ذكرتهما:

ان اهل الشام خرجوا، عليهم معاويه بن ابى سفيان، و على اهل البحر عبد الله بن سعد بن ابى سرح و قال: و خرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بإفريقية، فخرجوا في جمع لم يجتمع للروم مثله قط منذ كان الاسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب، فالتقوا هم و عبد الله بن سعد، فآمن بعضهم بعضا حتى قرنوا بين سفن المسلمين و اهل الشرك بين صواريها.

قال ابن عمر: حدثنى عيسى بن علقمه، عن عبد الله بن ابى سفيان، عن ابيه، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنت معهم، فالتقينا في البحر، فنظرنا الى مراكب ما رأينا مثلها قط، و كانت الريح علينا، فارسينا ساعه، و ارسوا قريبا منا، و سكنت الريح عنا، فقلنا: الأمن بيننا و بينكم قالوا: ذلك لكم و لنا منكم، ثم قلنا: ان احببتم فالساحل حتى يموت الاعجل منا و منكم، و ان شئتم فالبحر قال: فنخروا نخرة واحده، و قالوا: الماء، فدنونا منهم، فربطنا السفن بعضها الى بعض حتى كنا يضرب بعضنا بعضا على سفننا و سفنهم، فقاتلنا أشد القتال، و وثبت الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف على السفن، و يتواجئون بالخناجر، حتى رجعت الدماء الى الساحل تضربها الأمواج، و طرحت الأمواج جثث الرجال ركاما.

قال ابن عمر: فحدثني هشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، عن ابيه، عمن حضر ذلك اليوم، قال: رايت الساحل حيث تضرب الريح الموج، و ان عليه لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال، و ان الدم لغالب على‏

291

الماء، و لقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير، و قتل من الكفار ما لا يحصى، و صبروا يومئذ صبرا لم يصبروا في موطن قط مثله ثم انزل الله نصره على اهل الاسلام، و انهزم القسطنطين مدبرا، فما انكشف الا لما اصابه من القتل و الجراح، و لقد اصابه يومئذ جراحات مكث منها حينا جريحا.

قال ابن عمر: حدثنى‏

9

سالم مولى أم محمد

3

، عن خالد بن ابى عمران، عن حنش بن عبد الله الصنعانى، قال: كان أول ما سمع من محمد بن ابى حذيفة حين ركب الناس البحر سنه احدى و ثلاثين، لما صلى عبد الله بن سعد بن ابى سرح بالناس العصر، كبر محمد بن ابى حذيفة تكبيرا و رفع صوته حتى فرغ الامام عبد الله بن سعد بن ابى سرح، فلما انصرف سال:

ما هذا؟ فقيل له: هذا محمد بن ابى حذيفة يكبر، فدعاه عبد الله بن سعد، فقال له: ما هذه البدعة و الحدث؟ فقال له: ما هذه بدعه و لا حدث، و ما بالتكبير باس، قال: لا تعودن قال: فاسكت محمد بن ابى حذيفة، فلما صلى المغرب عبد الله بن سعد كبر محمد بن ابى حذيفة تكبيرا ارفع من الاول، فأرسل اليه: انك غلام احمق، اما و الله لو لا انى لا ادرى ما يوافق امير المؤمنين لقاربت بين خطوك فقال محمد بن ابى حذيفة: و الله مالك الى ذلك سبيل، و لو هممت به ما قدرت عليه قال: فكف خير لك، و الله لا تركب معنا، قال:

فاركب مع المسلمين؟ قال: اركب حيث شئت قال: فركب في مركب وحده ما معه الا القبط، حتى بلغوا ذات الصواري، فلقوا جموع الروم في خمسمائة مركب او ستمائه فيها القسطنطين بن هرقل، فقال: أشيروا على، قالوا: ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنواقيس، و بات المسلمون يصلون و يدعون الله.

ثم أصبحوا و قد اجمع القسطنطين ان يقاتل، فقربوا سفنهم، و قرب المسلمون فربطوا بعضها الى بعض، وصف عبد الله بن سعد المسلمين على‏

292

نواحي السفن، و جعل يأمرهم بقراءة القرآن، و يأمرهم بالصبر، و وثبت الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها، فكانوا يقاتلون على غير صفوف.

قال: فاقتتلوا قتالا شديدا ثم ان الله نصر المؤمنين، فقتلوا منهم مقتله عظيمه لم ينج من الروم الا الشريد.

قال: و اقام عبد الله بذات الصواري أياما بعد هزيمه القوم، ثم اقبل راجعا، و جعل محمد بن ابى حذيفة يقول للرجل: اما و الله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقا، فيقول الرجل: و اى جهاد؟ فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا و كذا، و فعل كذا و كذا حتى افسد الناس فقدموا بلدهم و قد افسدهم، و أظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به.

قال محمد بن عمر: فحدثني معمر بن راشد، عن الزهري، قال:

خرج محمد بن ابى حذيفة و محمد بن ابى بكر عام خرج عبد الله بن سعد، فاظهرا عيب عثمان و ما غير و ما خالف به أبا بكر و عمر، و ان دم عثمان حلال.

و يقولان: استعمل عبد الله بن سعد، رجلا كان رسول الله(ص)أباح دمه و نزل القرآن بكفره، و اخرج رسول الله(ص)قوما و ادخلهم، و نزع اصحاب رسول الله(ص)و استعمل سعيد بن العاص و عبد الله بن عامر فبلغ ذلك عبد الله بن سعد، فقال:

لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه احد من المسلمين، و لقوا العدو، و كانا اكل المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغى لنا ان نحكمه! عبد الله بن سعد استعمله عثمان، و عثمان فعل و فعل، فافسدا اهل تلك الغزاة، و عابا عثمان أشد العيب فأرسل عبد الله بن سعد إليهما ينهاهما أشد النهى، و قال: و الله لو لا انى لا ادرى ما يوافق امير المؤمنين لعاقبتكما و حبستكما.

قال الواقدى: و في هذه السنه توفى ابو سفيان بن حرب و هو ابن ثمان و ثمانين سنه.

و في هذه السنه- اعنى سنه احدى و ثلاثين- فتحت في قول الواقدى أرمينية على يدي حبيب بن مسلمه الفهري‏

293

ذكر الخبر عن مقتل يزدجرد ملك فارس‏

و في هذه السنه قتل يزدجرد ملك فارس.

ذكر الخبر عن سبب مقتله:

اختلف في سبب مقتله، و كيف كان ذلك، فقال على بن محمد:

أخبرنا غياث بن ابراهيم، عن ابن إسحاق، قال: هرب يزدجرد من كرمان في جماعه يسيره الى مرو، فسال مرزبانها مالا فمنعه، فخافوا على انفسهم، فأرسلوا الى الترك يستنصرونهم عليه، فاتوه فبيتوه، فقتلوا اصحابه، و هرب يزدجرد حتى اتى منزل رجل ينقر الأرحاء على شط المرغاب، فاوى اليه ليلا، فلما نام قتله.

قال على: و أخبرنا الهذلي، قال: اتى يزدجرد مرو هاربا من كرمان، فسال مرزبانها و أهلها مالا، فمنعوه و خافوه، فبيتوه و لم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا اصحابه، و خرج هاربا على رجليه، معه منطقته و سيفه و تاجه، حتى انتهى الى منزل نقار على شط المرغاب، فلما غفل يزدجرد قتله النقار، و أخذ متاعه و القى جسده في المرغاب، و اصبح اهل مرو فاتبعوا اثره، حتى خفى عليهم عند منزل النقار، فاخذوه، فاقر لهم بقتله و اخرج متاعه، فقتلوا النقار و اهل بيته، و أخذوا متاعه و متاع يزدجرد، و اخرجوه من المرغاب فجعلوه في تابوت من خشب.

قال: فزعم بعضهم انهم حملوه الى اصطخر فدفن بها في أول سنه احدى و ثلاثين، و سميت مرو خذاه دشمن، و قد كان يزدجرد وطي‏ء امراه بها فولدت له غلاما ذاهب الشق- و ذلك بعد ما قتل يزدجرد- فسمى المخدج، فولد له اولاد بخراسان، فوجد قتيبة حين افتتح الصغد او غيرها جاريتين فقيل له: انهما من ولد المخدج، فبعث بهما- او بإحداهما- الى الحجاج بن يوسف، فبعث بها الى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص.

قال على: و أخبرنا روح بن عبد الله، عن خرداذبه الرازى، ان‏

294

يزدجرد اتى خراسان و معه خرزاذمهر، أخو رستم، فقال لماهويه مرزبان مرو: انى قد سلمت إليك الملك ثم انصرف الى العراق و اقام يزدجرد بمرو، و هم بعزل ماهويه، فكتب ماهويه الى الترك يخبرهم بانهزام يزدجرد و بقدومه عليه، و عاهدهم على مؤازرتهم عليه، و خلى لهم الطريق.

قال: و اقبل الترك الى مرو، و خرج اليهم يزدجرد فيمن معه من اصحابه، فقاتلهم و معه ماهويه في اساوره مرو، فاثخن يزدجرد في الترك، فخشي ماهويه ان ينهزم الترك، فتحول اليهم في اساوره مرو، فانهزم جند يزدجرد و قتلوا، و عقر فرس يزدجرد عند المساء، فمضى ماشيا هاربا حتى انتهى الى بيت فيه رحا على شط المرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه، فلما اصبح اليوم الثانى دخل صاحب الرحا بيته، فلما راى هيئة يزدجرد قال: ما أنت؟ انسى او جنى! قال: انسى، فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: انى مزمزم فاتنى بما ازمزم به، فذهب الطحان الى اسوار من الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: و ما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط، و قد طلب هذا منى فادخله على ماهويه، فقال: هذا يزدجرد، اذهبوا فجيئونى برأسه، فقال له الموبذ: ليس ذلك لك، قد علمت ان الدين و الملك مقترنان لا يستقيم أحدهما الا بالآخر، و متى فعلت انتهكت الحرمه التي لا بعدها و تكلم الناس و أعظموا ذلك، فشتمهم ماهويه، و قال للاساوره:

من تكلم فاقتلوه و امر عده فذهبوا مع الطحان، و امرهم ان يقتلوا يزدجرد، فانطلقوا فلما راوه كرهوا قتله، و تدافعوا ذلك و قالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه و هو نائم و معه حجر فشدخ به راسه، ثم احتز راسه، فدفعه اليهم، و القى جسده في المرغاب فخرج قوم من اهل مرو، فقتلوا الطحان، و هدموا رحاه، و خرج اسقف مرو، فاخرج جسد يزدجرد من المرغاب، فجعله في تابوت، و حمله الى اصطخر، فوضعه في ناووس‏

295

و قال آخرون في ذلك ما ذكر هشام بن محمد، انه ذكر له ان يزدجرد هرب بعد وقعه نهاوند، و كانت آخر وقعاتهم حتى سقط الى ارض أصبهان، و بها رجل يقال له مطيار من دهاقينها- و هو المنتدب كان لقتال العرب حين نكلت الأعاجم عنها- فدعاهم الى نفسه، فقال: ان وليت أموركم و سرت بكم اليهم ما تجعلون لي؟ فقالوا: نقر لك بفضلك فسار بهم، فأصاب من العرب شيئا يسيرا، فحظى به عندهم، و نال به افضل الدرجات فيهم.

فلما راى يزدجرد امر أصبهان و نزلها، أتاه مطيار ذات يوم زائرا، فحجبه بوابه، و قال له: قف حتى استاذن لك عليه، فوثب عليه فشجه انفه و حميه لحجبه اياه، و دخل البواب على يزدجرد مدمى، فلما نظر اليه أفظعه ذلك، و ركب من ساعته مرتحلا عن أصبهان، و أشير عليه ان ياتى اقصى مملكته فيكون بها، لاشتغال العرب عنه بما هم فيه الى يوم فسار متوجها الى ناحيه الري، فلما قدمها خرج اليه صاحب طبرستان، و عرض عليه بلاده، و اخبره بحصانتها، و قال له: ان أنت لم تجبني يومك هذا ثم أتيتني بعد ذلك لم اقبلك و لم آوك، فأبى عليه يزدجرد، و كتب له بالاصبهبذيه، و كان له فيما خلا عليه درجه اوضع منها.

و قال بعضهم: ان يزدجرد مضى من فوره ذلك الى سجستان، ثم سار منها الى مرو في الف رجل من الأساورة.

و قال بعضهم: ان يزدجرد وقع الى ارض فارس، فأقام بها اربع سنين، ثم اتى ارض كرمان، فأقام بها سنتين او ثلاث سنين، فطلب اليه دهقان كرمان ان يقيم عنده، فلم يفعل، و طلب من الدهقان ان يعطيه رهينه، فلم يعطه دهقان كرمان شيئا، فلم يعطه ما طلب، فاخذ برجله فسحبه و طرده عن بلاده، فوقع منها الى سجستان، فأقام بها نحوا من خمس سنين.

ثم اجمع ان ينزل خراسان فيجمع الجموع فيها و يسير بهم الى من غلبه على مملكته، فسار بمن معه الى مرو، و معه الرهن من اولاد الدهاقين، و معه من رؤسائهم فرخزاذ، فلما قدم مرو استغاث منهم بالملوك، و كتب اليهم يستمدهم، و الى صاحب الصين و ملك فرغانه و ملك كابل و ملك الخزر

296

و الدهقان يومئذ بمرو ماهويه بن مافناه بن فيد ابو براز و وكل ماهويه ابنه براز مدينه مرو- و كانت اليه- و اراد يزدجرد دخول المدينة لينظر إليها و الى قهندزها- و كان ماهويه قد تقدم الى ابنه الا يفتحها له ان رام دخولها تخوفا لمكره و غدره- فركب يزدجرد في اليوم الذى اراد دخولها، فاطاف بالمدينة، فلما انتهى الى باب من أبوابها، و اراد دخولها منه صاح ابو براز ببراز: ان افتح- و هو في ذلك يشد منطقته، و يومى‏ء اليه الا يفعل- و فطن لذلك رجل من اصحاب يزدجرد، فاعلمه ذلك، و استاذنه في ضرب عنق ماهويه، و قال: ان فعلت صفت لك الأمور بهذه الناحية، فأبى عليه.

و قال بعضهم: بل كان يزدجرد ولى مرو فرخزاذ، و امر براز ان يدفع القهندز و المدينة اليه، فأبى اهل المدينة ذلك، لان ماهويه أبا براز تقدم اليهم بذلك، و قال لهم: ليس هذا لكم بملك، فقد جاءكم مفلولا مجروحا، و مرو لا تحتمل ما يحتمل غيرها من الكور، فإذا جئتكم غدا فلا تفتحوا الباب فلما أتاهم فعلوا ذلك، و انصرف فرخزاذ، فجثا بين يدي يزدجرد، و قال: استصعبت عليك مرو، و هذه العرب قد اتتك قال:

فما الرأي؟ قال: الرأي ان نلحق ببلاد الترك و نقيم بها، حتى يتبين لنا امر العرب، فإنهم لا يدعون بلده الا دخلوها قال: لست افعل، و لكنى ارجع عودي على بدئي، فعصاه و لم يقبل رايه، و سار يزدجرد، فاتى براز دهقان مرو، و اجمع على صرف الدهقنة الى سنجان ابن أخيه، فبلغ ذلك ماهويه أبا براز، فعمل في هلاك يزدجرد و كتب الى نيزك طرخان يخبره ان يزدجرد وقع اليه مفلولا، و دعاه الى القدوم عليه لتكون أيديهما معا في اخذه، و الاستيثاق منه، فيقتلوه او يصالحوا عليه العرب، و جعل له ان هو اراحه منه ان يفى له كل يوم بألف درهم، و ساله ان يكتب الى يزدجرد مماكرا له لينحى عنه عامه جنده، و يحصل في طائفه من عسكره و خواصه، فيكون اضعف لركنه، و اهون لشوكته، و قال: تعلمه في كتابك اليه الذى عزمت عليه، من مناصحته و معونته على عدوه من العرب، حتى‏

297

بقهرهم، و تطلب اليه ان يشتق لك اسما من أسماء اهل الدرجات بكتاب مختوم بالذهب، و تعلمه انك لست قادما عليه حتى ينحى عنه فرخزاذ.

فكتب نيزك بذلك الى يزدجرد، فلما ورد عليه كتابه بعث الى عظماء مرو فاستشارهم، فقال له سنجان: لست ارى ان تنحى عنك جندك و فرخزاذ لشي‏ء، و قال ابو براز: بل ارى ان تتالف نيزك و تجيبه الى ما سال فقبل رايه، و فرق عنه جنده، و امر فرخزاذ ان ياتى اجمه سرخس، فصاح فرخزاذ، و شق جيبه، و تناول عمودا بين يديه يريد ضرب ابى براز به، و قال: يا قتله الملوك، قتلتم ملكين، و اظنكم قاتلى هذا! و لم يبرح فرخزاذ حتى كتب له يزدجرد بخط يده كتابا: هذا كتاب لفرخزاذ، انك قد سلمت يزدجرد و اهله و ولده و حاشيته و ما معه الى ماهويه دهقان مرو و اشهد عليه بذلك.

فاقبل نيزك الى موضع بين المروين، يقال له حلسدان، فلما اجمع يزدجرد على لقائه و المسير اليه، اشار عليه ابو براز الا يلقاه في السلاح فيرتاب به، و ينفر عنه، و لكن يلقاه بالمزامير و الملاهى، ففعل فسار فيمن اشار عليه ماهويه، و سمى له، و تقاعس عنه ابو براز، و كردس نيزك اصحابه كراديس.

فلما تدانيا استقبله نيزك ماشيا، و يزدجرد على فرس له، فامر لنيزك بجنيبه من جنائبه فركبها، فلما توسط عسكره تواقفا، فقال له نيزك فيما يقول: زوجني احدى بناتك و اناصحك، و اقاتل معك عدوك فقال له يزدجرد: و على تجترئ ايها الكلب! فعلاه نيزك بمخفقته، و صاح يزدجرد: غدر الغادر! و ركض منهزما، و وضع اصحاب نيزك سيوفهم فيهم، فأكثروا فيهم القتل و انتهى يزدجرد من هزيمته الى مكان من ارض مرو، فنزل عن فرسه، و دخل بيت طحان فمكث فيه ثلاثة ايام، فقال له الطحان: ايها الشقي، اخرج فاطعم شيئا، فإنك قد جعت منذ ثلاث، قال: لست‏

298

اصل الى ذلك الا بزمزمه و كان رجل من زمازمه مرو اخرج حنطه له ليطحنها، فكلمه الطحان ان يزمزم عنده ليأكل، ففعل ذلك، فلما انصرف سمع أبا براز يذكر يزدجرد، فسألهم عن حليته، فوصفوه له، فاخبرهم انه رآه في بيت طحان، و هو رجل جعد مقرون حسن الثنايا، مقرط مسور.

فوجه اليه عند ذلك رجلا من الأساورة، و امره ان هو ظفر به ان يخنقه بوتر، ثم يطرحه في نهر مرو، فلقوا الطحان، فضربوه ليدل عليه فلم يفعل، و جحدهم ان يكون يعرف اين توجه فلما أرادوا الانصراف عنه قال لهم رجل منهم: انى أجد ريح المسك، و نظر الى طرف ثوبه من ديباج في الماء، فاجتذبه اليه، فإذا هو يزدجرد، فسأله الا يقتله و لا يدل عليه، و يجعل له خاتمه و سواره و منطقته، قال الآخر: أعطني اربعه دراهم و اخلى عنك، قال يزدجرد: ويحك خاتمي لك، و ثمنه لا يحصى! فأبى عليه، قال يزدجرد: قد كنت اخبر انى ساحتاج الى اربعه دراهم، و اضطر الى ان يكون اكلى اكل الهر، فقد عاينت، و جاءني بحقيقته، و انتزع احد قرطيه فاعطاه الطحان مكافاه له لكتمانه عليه، و دنا منه كأنه يكلمه بشي‏ء، فوصف له موضعه، و انذر الرجل اصحابه، فاتوه، فطلب اليهم يزدجرد الا يقتلوه و قال: ويحكم! انا نجد في كتبنا ان من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا، مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني و آتونى الدهقان او سرحونى الى العرب، فإنهم يستحيون مثلي من الملوك، فأخذوا ما كان عليه من الحلى، فجعلوه في جراب، و ختموا عليه، ثم خنقوه بوتر، و طرحوه في نهر مرو، فجرى به الماء حتى انتهى الى فوهه الرزيق، فتعلق بعود، فأتاه اسقف مرو، فحمله و لفه في طيلسان ممسك، و جعله في تابوت، و حمله الى بائى بابان اسفل ماجان، فوضعه في عقد كان يكون مجلس الاسقف فيه و ردمه، و سال ابو براز عن احد القرطين حين افتقده، فاخذ الذى دل عليه فضربه حتى اتى على نفسه، و بعث بما اصيب له الى الخليفة يومئذ، فاغرم الخليفة الدهقان قيمه القرط المفقود

299

و قال آخرون: بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إياها، فاخذ على طريق الطبسين و قهستان، حتى شارف مرو في زهاء اربعه آلاف رجل، ليجمع من اهل خراسان جموعا، و يكر الى العرب و يقاتلهم، فتلقاه قائدان متباغضان متحاسدان كانا بمرو، يقال لأحدهما براز و الآخر سنجان، و منحاه الطاعة، و اقام بمرو، و خص براز فحسده ذلك سنجان، و جعل براز يبغى سنجان الغوائل، و يوغل صدر يزدجرد عليه، و سعى بسنجان حتى عزم على قتله، و افشى ما كان عزم عليه من ذلك الى امراه من نسائه كان براز و أطأها، فأرسلت الى براز بنسوة زعمت باجماع يزدجرد على قتل سنجان، و فشا ما كان عزم عليه يزدجرد من ذلك فنذر سنجان، و أخذ حذره، و جمع جمعا كنحو اصحاب براز، و من كان مع يزدجرد من الجند، و توجه نحو القصر الذى كان يزدجرد نازله و بلغ ذلك براز، فنكص عن سنجان لكثرة جموعه، و رعب جمع سنجان يزدجرد و اخافه، فخرج من قصره متنكرا، و مضى على وجهه راجلا لينجو بنفسه، فمشى نحوا من فرسخين حتى وقع الى رحا ما، فدخل بيت الرحا، فجلس فيه كالا لغبا، فرآه صاحب الرحا ذا هيئة و طره و بزه كريمه، ففرش له، فجلس و أتاه بطعام فطعم، و مكث عنده يوما و ليله، فسأله صاحب الرحا ان يأمر له بشي‏ء، فبذل له منطقه مكلله بجوهر كانت عليه، فأبى صاحب الرحا ان يقبلها، و قال: انما كان يرضيني من هذه المنطقه اربعه دراهم كنت اطعم بها و اشرب، فاخبره انه لا ورق معه، فتملقه صاحب الرحا، حتى إذا غفا قام اليه بفاس له فضرب بها هامته فقتله، و احتز راسه، و أخذ ما كان عليه من ثياب و منطقه، و القى جيفته في النهر الذى كان تدور بمائه رحاه، و بقر بطنه، و ادخل فيه اصولا من اصول طرفاء كانت نابته في ذلك النهر لتحبس جثته في الموضع الذى القاه فيه، فلا يسفل فيعرف و يطلب قاتله و ما أخذ من سلبه، و هرب على وجهه.

و بلغ قتل يزدجرد رجلا من اهل الاهواز كان مطرانا على مرو،

300

يقال له إيلياء، فجمع من كان قبله من النصارى، و قال لهم: ان ملك الفرس قد قتل، و هو ابن شهريار بن كسرى، و انما شهريار ولد شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها و إحسانها الى اهل ملتها من غير وجه، و لهذا الملك عنصر في النصرانية مع ما نال النصارى في ملك جده كسرى من الشرف، و قبل ذلك في مملكه ملوك من اسلافه من الخير، حتى بنى لهم بعض البيع، و سدد لهم بعض ملتهم، فينبغي لنا ان نحزن لقتل هذا الملك من كرامته بقدر احسان اسلافه و جدته شيرين، كان الى النصارى، و قد رايت ان ابنى له ناووسا، و احمل جثته في كرامة حتى اواريها فيه.

فقال النصارى: امرنا لأمرك ايها المطران تبع، و نحن لك على رأيك هذا مواطئون فامر المطران فبنى في جوف بستان المطارنة بمرو ناووسا، و مضى بنفسه و معه نصارى مرو حتى استخرج جثه يزدجرد من النهر و كفنها، و جعلها في تابوت، و حمله من كان معه من النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الذى امر ببنائه له و واروه فيه، و ردموا بابه، فكان ملك يزدجرد عشرين سنه، منها اربع سنين في دعه و ست عشره سنه في تعب من محاربه العرب اياه و غلظتهم عليه.

و كان آخر ملك ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب‏

. شخوص عبد الله بن عامر الى خراسان و ما قام به من فتوح‏

و في هذه السنه- اعنى سنه احدى و ثلاثين- شخص عبد الله بن عامر الى خراسان ففتح ابرشهر و طوس و بيورد و نسا حتى بلغ سرخس، و صالح فيها اهل مرو.

ذكر الخبر عن ذلك:

ذكر ان ابن عامر لما فتح فارس قام اليه أوس بن حبيب التميمى، فقال:

اصلح الله الأمير! ان الارض بين يديك، و لم تفتتح من ذلك الا القليل، فسر فان الله ناصرك، قال: او لم نأمر بالمسير! و كره ان يظهر انه قبل‏

301

رايه، فذكر على بن محمد ان مسلمه بن محارب اخبره عن السكن بن قتادة العرينى، قال: فتح ابن عامر فارس و رجع الى البصره، و استعمل على اصطخر شريك بن الأعور الحارثى، فبنى شريك مسجد اصطخر، فدخل على ابن عامر رجل من بنى تميم، قال: كنا نقول: انه الأحنف- و يقال:

أوس بن جابر الجشمى جشم تميم- فقال له: ان عدوك منك هارب، و هو لك هائب، و البلاد واسعه، فسر فان الله ناصرك، و معز دينه.

فتجهز ابن عامر، و امر الناس بالجهاز للمسير، و استخلف على البصره زيادا، و سار الى كرمان، ثم أخذ الى خراسان، فقوم يقولون: أخذ طريق أصبهان، ثم سار الى خراسان.

قال على: أخبرنا المفضل الكرماني، عن ابيه، قال: كان اشياخ كرمان يذكرون ان ابن عامر نزل المعسكر بالسيرجان، ثم سار الى خراسان، و استعمل على كرمان مجاشع بن مسعود السلمى، و أخذ ابن عامر على مفازة رابر، و هي ثمانون فرسخا، ثم سار الى الطبسين يريد ابرشهر، و هي مدينه نيسابور، و على مقدمته الأحنف بن قيس، فاخذ الى قهستان، و خرج الى ابرشهر فلقيه الهياطلة، و هم اهل هراة، فقاتلهم الأحنف فهزمهم، ثم اتى ابن عامر نيسابور قال على: و أخبرنا ابو مخنف، عن نمير بن وعله، عن الشعبى، قال:

أخذ ابن عامر على مفازة خبيص، ثم على خواست- و يقال: على يزد- ثم على قهستان، فقدم الأحنف فلقيه الهياطلة، فقاتلهم فهزمهم، ثم اتى ابرشهر، فنزلها ابن عامر، و كان سعيد بن العاص في جند اهل الكوفه، فاتى جرجان و هو يريد خراسان، فلما بلغه نزول ابن عامر ابرشهر، رجع الى الكوفه.

قال على: أخبرنا على بن مجاهد، قال: نزل ابن عامر على ابرشهر فغلب على نصفها عنوه، و كان النصف الآخر في يد كنارى، و نصف نسا و طوس، فلم يقدر ابن عامر ان يجوز الى مرو، فصالح كنارى، فاعطاه ابنه أبا الصلت ابن كنارى و ابن أخيه سليما رهنا، و وجه عبد الله بن خازم الى هراة

302

و حاتم بن النعمان الى مرو، فاخذ ابن عامر ابنى كنارى، فصارا الى النعمان ابن الافقم النصرى فاعتقهما.

قال على: و أخبرنا ابو حفص الأزدي، عن ادريس بن حنظله العمى، قال: فتح ابن عامر مدينه ابرشهر عنوه، و فتح ما حولها طوس و بيورد و نسا و حمران، و ذلك سنه احدى و ثلاثين.

قال على: أخبرنا ابو السرى المروزى، عن ابيه، قال: سمعت موسى بن عبد الله بن خازم يقول: ابى صالح اهل سرخس، بعثه اليهم عبد الله بن عامر من ابرشهر و صالح ابن عامر اهل ابرشهر صلحا، فأعطوه جاريتين من آل كسرى بابونج و طهميج- او طهميج- فاقبل بهما معه، و بعث أمين ابن احمر اليشكري، ففتح ما حول ابرشهر: طوس و بيورد و نسا و حمران، حتى انتهى الى سرخس.

قال على: و أخبرنا الصلت بن دينار، عن ابن سيرين، قال:

بعث ابن عامر عبد الله بن خازم الى سرخس، ففتحها و أصاب ابن عامر جاريتين من آل كسرى، فاعطى إحداهما النوشجان، و ماتت بابونج.

قال على: و أخبرنا ابو الذيال زهير بن هنيد العدوى، عن اشياخ من اهل خراسان، ان ابن عامر سرح الأسود بن كلثوم العدوى- عدى الرباب- الى بيهق، و هو من ابرشهر، بينها و بين مدينه ابرشهر سته عشر فرسخا، ففتحها و قتل الأسود بن كلثوم قال: و كان فاضلا في دينه، كان من اصحاب عامر بن عبد الله العنبري و كان عامر يقول بعد ما اخرج من البصره: ما آسى من العراق على شي‏ء الا على مماء الهواجر، و تجاوب المؤذنين، و اخوان مثل الأسود بن كلثوم.

قال على: و أخبرنا زهير بن هنيد، عن بعض عمومته، قال: غلب ابن عامر على نيسابور، و خرج الى سرخس، فأرسل الى اهل مرو يطلب‏

303

الصلح، فبعث اليهم ابن عامر حاتم بن النعمان الباهلى، فصالح براز مرزبان مرو على الفى الف و مائتي الف.

قال: فأخبرنا

9

مصعب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان‏

3

، قال:

صالحهم على سته آلاف الف و مائتي الف.

و حج بالناس في هذه السنه عثمان رضى الله عنه‏

304

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و ثلاثين‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث المذكوره) فمن ذلك غزوه معاويه بن ابى سفيان المضيق، مضيق القسطنطينية، و معه زوجته عاتكه ابنه قرطه بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف‏

3

. و قيل: فاخته، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق، عن ابى معشر، و هو قول الواقدى‏

3

. و في هذه السنه استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعه على فرج بلنجر، و أمد الجيش الذى كان به مقيما مع حذيفة باهل الشام، عليهم حبيب بن مسلمه الفهري- في قول سيف- فوقع فيها الاختلاف بين سلمان و حبيب في الأمر، و تنازع في ذلك اهل الشام و اهل الكوفه.

ذكر الخبر بذلك:

فمما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه قالا: كتب عثمان الى سعيد: ان اغز سلمان الباب، و كتب الى عبد الرحمن ابن ربيعه و هو على الباب: ان الرعية قد ابطر كثيرا منهم البطنه، فقصر، و لا تقتحم بالمسلمين، فانى خاش ان يبتلوا، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، و كان لا يقصر عن بلنجر، فغزا سنه تسع من اماره عثمان حتى إذا بلغ بلنجر، حصروها و نصبوا عليها المجانيق و العرادات، فجعل لا يدنو منها احد الا اعنتوه او قتلوه، فأسرعوا في الناس، و قتل معضد في تلك الأيام.

ان الترك اتعدوا يوما، فخرج اهل بلنجر، و توافت اليهم الترك فاقتتلوا، فاصيب عبد الرحمن بن ربيعه- و كان يقال له ذو النور- و انهزم المسلمون فتفرقوا، فاما من أخذ طريق سلمان بن ربيعه فحماه حتى خرج‏