تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
305

من الباب، و اما من أخذ طريق الخزر و بلادها، فانه خرج على جيلان و جرجان و فيهم سلمان الفارسي و ابو هريرة، و أخذ القوم جسد عبد الرحمن فجعلوه في سفط، فبقى في ايديهم، فهم يستسقون به الى اليوم و يستنصرون به.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن داود بن يزيد، عن الشعبى، قال: و الله لسلمان بن ربيعه كان ابصر بالمضارب من الجازر بمفاصل الجزور.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل من بنى كنانه، قال: لما تتابعت الغزوات على الخزر، و تذامروا و تعايروا و قالوا: كنا أمه لا يقرن لنا احد حتى جاءت هذه الامه القليله، فصرنا لا نقوم لها فقال بعضهم لبعض: ان هؤلاء لا يموتون، و لو كانوا يموتون لما اقتحموا علينا و ما اصيب في غزواتها احد الا في آخر غزوه عبد الرحمن، فقالوا: ا فلا تجربون! فكمنوا في الغياض، فمر بأولئك الكمين مرار من الجند، فرموهم منها، فقتلوهم، فواعدوا رءوسهم، ثم تداعوا الى حربهم، ثم اتعدوا يوما، فاقتتلوا، فقتل عبد الرحمن، و اسرع في الناس فافترقوا فرقين، فرق نحو الباب فحماهم سلمان حتى اخرجهم، و فرق أخذوا نحو الخزر، فطلعوا على جيلان و جرجان، فيهم سلمان الفارسي و ابو هريرة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف،

3

عن المستنير بن يزيد، عن أخيه قيس‏

3

، عن ابيه: قال كان يزيد بن معاويه و علقمه بن قيس و معضد الشيبانى و ابو مفزر التميمى في خباء، و عمرو بن عتبة و خالد بن ربيعه و الحلحال بن ذرى و القرثع في خباء، و كانوا متجاورين في عسكر بلنجر، و كان القرثع يقول: ما احسن لمع الدماء على الثياب! و كان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه ابيض: ما احسن حمره الدماء في بياضك! و غزا اهل الكوفه بلنجر سنين من اماره عثمان لم تئم فيهن امراه، و لم ييتم فيهن صبى من قتل، حتى كان سنه تسع، فلما كان سنه تسع قبل‏

306

المزاحفة بيومين راى يزيد بن معاويه ان غزالا جي‏ء به الى خبائه، لم ير غزالا احسن منه حتى لف في ملحفته، ثم اتى به قبر عليه اربعه نفر لم ير قبرا أشد استواء منه و لا احسن منه، حتى دفن فيه، فلما تغادى الناس على الترك رمى يزيد بحجر، فهشم راسه، فكأنما زين ثوبه بالدماء زينه، و ليس يتلطخ، فكان ذلك الغزال الذى راى، و كان بذلك الدم على ذلك القباء الحسن، فلما كان قبل المزاحفة بيوم تغادوا، فقال معضد لعلقمه: اعرنى بردك اعصب به راسى، ففعل، فاتى البرج الذى اصيب فيه يزيد، فرماهم فقتل منهم، و رمى بحجر في عراده، ففضخ هامته، و اجتره اصحابه فدفنوه الى جنب يزيد، و أصاب عمرو بن عتبة جراحه، فراى قباءه كما اشتهى.

و قتل، فلما كان يوم المزاحفة قاتل القرثع حتى خرق بالحراب، فكأنما كان قباؤه ثوبا ارضه بيضاء و وشيه احمر، و ما زال الناس ثبوتا حتى اصيب، و كانت هزيمه الناس مع مقتله.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن داود بن يزيد، قال: كان يزيد بن معاويه النخعى رضى الله عنه و عمرو بن عتبة و معضد أصيبوا يوم بلنجر، فاما معضد فانه اعتجر ببرد لعلقمه، فأتاه شظية من حجر منجنيق فأمه، فاستصغره، و وضع يده عليه فمات فغسل دمه علقمه، فلم يخرج، و كان يحضر فيه الجمعه، و قال يحرضنى عليه: ان فيه دم معضد فاما عمرو فلبس قباء ابيض، و قال: ما احسن الدم على هذا! فأتاه حجر فقتله، و ملاه دما، و اما يزيد فدلى عليه شي‏ء فقتله، و قد كانوا حفروا قبرا فاعدوه، فنظر اليه يزيد، فقال: ما احسنه! و ارى فيما يرى النائم ان غزالا لم ير غزال احسن منه، جي‏ء به حتى دفن فيه، فكان هو ذلك الغزال و كان يزيد رقيقا جميلا (رحمه الله)، و بلغ ذلك عثمان، فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! انتكث اهل الكوفه اللهم تب عليهم و اقبل بهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: استعمل سعيد على ذلك الفرج سلمان بن ربيعه، و استعمل على الغزو

307

باهل الكوفه حذيفة بن اليمان، و كان على ذلك الفرج قبل ذلك عبد الرحمن ابن ربيعه، و امدهم عثمان في سنه عشر باهل الشام، عليهم حبيب بن مسلمه القرشي، فتامر عليه سلمان، و ابى عليه حبيب، حتى قال اهل الشام: لقد هممنا بضرب سلمان، فقال في ذلك الناس: إذا و الله نضرب حبيبا و نحبسه، و ان ابيتم كثرت القتلى فيكم و فينا.

و قال أوس بن مغراء في ذلك:

ان تضربوا سلمان نضرب حبيبكم* * * و ان ترحلوا نحو ابن عفان نرحل‏

و ان تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا* * * و هذا امير في الكتائب مقبل‏

و نحن ولاه الثغر كنا حماته* * * ليالي نرمي كل ثغر و ننكل‏

فاراد حبيب ان يتأمر على صاحب الباب كما كان يتأمر امير الجيش إذا جاء من الكوفه، فلما احس حذيفة اقر و أقروا، فغزاها حذيفة ابن اليمان ثلاث غزوات، فقتل عثمان في الثالثه، و لقيهم مقتل عثمان، فقال:

اللهم العن قتله عثمان و غزاه عثمان و شناه عثمان اللهم انا كنا نعاتبه و يعاتبنا، متى ما كان من قبله يعاتبنا و نعاتبه! فاتخذوا ذلك سلما الى الفتنة، اللهم لا تمتهم الا بالسيوف و في هذه السنه مات عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، زعم الواقدى ان عبد الله بن جعفر حدثه بذلك عن يعقوب بن عتبة، و انه يوم مات كان ابن خمس و سبعين سنه.

قال: و فيها مات العباس بن عبد المطلب، و هو يومئذ ابن ثمان و ثمانين سنه، و كان اسن من رسول الله(ص)بثلاث سنين.

قال: و فيها مات عبد الله بن زيد بن عبد ربه (رحمه الله)، الذى ارى الاذان‏

308

قال: و فيها توفى عبد الله بن مسعود بالمدينة، فدفن بالبقيع (رحمه الله) فقال قائل: صلى عليه عمار، و قال قائل: صلى عليه عثمان.

و فيها مات ابو طلحه (رحمه الله).

ذكر الخبر عن وفاه ابى ذر

قال: و فيها مات ابو ذر رضى الله عنه في روايه سيف ذكر الخبر عن وفاته:

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية عن يزيد الفقعسي، قال: لما حضرت أبا ذر الوفاة، و ذلك في سنه ثمان في ذي الحجه من اماره عثمان، نزل بابى ذر، فلما اشرف قال لابنته: استشرفى يا بنيه فانظرى هل ترين أحدا! قالت: لا، قال: فما جاءت ساعتي بعد، ثم امرها فذبحت شاه، ثم طبختها، ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنون فقولي لهم: ان أبا ذر يقسم عليكم الا تركبوا حتى تأكلوا، فلما نضجت قدرها قال لها: انظري هل ترين أحدا؟ قالت: نعم، هؤلاء ركب مقبلون، قال:

استقبلي بي الكعبه ففعلت، و قال: بسم الله، و بالله، و على مله رسول الله(ص)ثم خرجت ابنته فتلقتهم و قالت: رحمكم الله! اشهدوا أبا ذر- قالوا: و اين هو؟ فأشارت لهم اليه و قد مات- فادفنوه، قالوا:

نعم و نعمه عين! لقد أكرمنا الله بذلك، و إذا ركب من اهل الكوفه فيهم ابن مسعود، فمالوا اليه و ابن مسعود يبكى و يقول: [صدق رسول الله ص: يموت وحده، و يبعث وحده،] فغسلوه و كفنوه و صلوا عليه و دفنوه، فلما أرادوا ان يرتحلوا قالت لهم: ان أبا ذر يقرا عليكم السلام، و اقسم عليكم الا تركبوا حتى تأكلوا، ففعلوا، و حملوهم حتى اقدموهم مكة، و نعوه الى عثمان، فضم ابنته الى عياله، و قال: يرحم الله أبا ذر، و يغفر لرافع ابن خديج سكونه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القعقاع بن الصلت،

309

عن رجل، عن كليب بن الحلحال، عن الحلحال بن ذرى، قال:

خرجنا مع ابن مسعود سنه احدى و ثلاثين و نحن اربعه عشر راكبا حتى أتينا على الربذة فإذا امراه قد تلقتنا، فقالت: اشهدوا أبا ذر- و ما شعرنا بامره و لا بلغنا- فقلنا: و اين ابو ذر؟ فأشارت الى خباء، فقلنا: ما له؟ قالت:

فارق المدينة لامر قد بلغه فيها، ففارقها قال ابن مسعود: ما دعاه الى الاعراب؟ فقالت: اما ان امير المؤمنين قد كره ذلك، و لكنه كان يقول:

هي بعد، و هي مدينه فمال ابن مسعود اليه و هو يبكى، فغسلناه و كفناه، و إذا خباء منضوخ بمسك، فقلنا للمرأة: ما هذا؟ فقالت: كانت مسكه، فلما حضر قال: ان الميت يحضره شهود يجدون الريح، و لا يأكلون، فدوفى تلك المسكه بماء، ثم رشى بها الخباء فاقريهم ريحها، و اطبخى هذا اللحم، فانه سيشهدنى قوم صالحون يلون دفنى، فاقريهم، فلما دفناه دعتنا الى الطعام فأكلنا، و أردنا احتمالها، فقال ابن مسعود: امير المؤمنين قريب، نستامره، فقدمنا مكة فأخبرناه الخبر، فقال: يرحم الله أبا ذر، و يغفر له نزوله الربذة! و لما صدر خرج فاخذ طريق الربذة، فضم عياله الى عياله، و توجه نحو المدينة، و توجهنا نحو العراق، و عدتنا: ابن مسعود و ابو مفزر التميمى، و بكر بن عبد الله التميمى، و الأسود بن يزيد النخعى و علقمه بن قيس النخعى، و الحلحال ابن ذرى الضبي و الحارث بن سويد التميمى، و عمرو بن عتبة بن فرقد السلمى، و ابن ربيعه السلمى، و ابو رافع المزنى، و سويد بن مثعبه التميمى، و زياد بن معاويه النخعى، و أخو القرثع الضبي، و أخو معضد الشيبانى‏

. فتح مرو روذ و الطالقان و الفارياب و الجوزجان و طخارستان‏

و في سنه اثنتين و ثلاثين فتح ابن عامر مرو روذ و الطالقان و الفارياب و الجوزجان و طخارستان.

ذكر الخبر عن ذلك:

قال على: أخبرنا سلمه بن عثمان و غيره، عن اسماعيل بن مسلم، عن‏

310

ابن سيرين، قال: بعث ابن عامر الأحنف بن قيس الى مرو روذ، فحصر أهلها، فخرجوا اليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم الى حصنهم، فاشرفوا عليهم، فقالوا: يا معشر العرب، ما كنتم عندنا كما نرى، و لو علمنا انكم كما نرى لكانت لنا و لكم حال غير هذه، فأمهلونا ننظر يومنا، و ارجعوا الى عسكركم فرجع الأحنف، فلما اصبح غاداهم و قد أعدوا له الحرب، فخرج رجل من العجم معه كتاب من المدينة، فقال: انى رسول فآمنوني، فآمنوه، فإذا رسول من مرزبان مرو ابن أخيه و ترجمانه، و إذا كتاب المرزبان الى الأحنف، فقرا الكتاب، قال: فإذا هو: الى امير الجيش، انا نحمد الله الذى بيده الدول، يغير ما شاء من الملك، و يرفع من شاء بعد الذلة، و يضع من شاء بعد الرفعه.

انه دعانى الى مصالحتك و موادعتك ما كان من اسلام جدي، و ما كان راى من صاحبكم من الكرامه و المنزله، فمرحبا بكم و أبشروا، و انا ادعوكم الى الصلح فيما بينكم و بيننا، على ان أؤدي إليكم خراجا ستين الف درهم، و ان تقروا بيدي ما كان ملك الملوك كسرى اقطع جد ابى حيث قتل الحيه التي اكلت الناس، و قطعت السبل من الارضين و القرى بما فيها من الرجال، و لا تأخذوا من احد من اهل بيتى شيئا من الخراج، و لا تخرج المرزبه من اهل بيتى الى غيركم، فان جعلت ذلك لي خرجت إليك، و قد بعثت إليك ابن أخي ماهك ليستوثق منك بما سالت.

قال: فكتب اليه الأحنف: بسم الله الرحمن الرحيم، من صخر بن قيس امير الجيش الى باذان مرزبان مرو روذ و من معه من الأساورة و الأعاجم.

سلام على من اتبع الهدى، و آمن و اتقى اما بعد، فان ابن أخيك ماهك‏

311

قدم على، فنصح لك جهده، و ابلغ عنك، و قد عرضت ذلك على من معى من المسلمين، و انا و هم فيما عليك سواء، و قد أجبناك الى ما سالت و عرضت على ان تؤدى عن أكرتك و فلاحيك و الارضين ستين الف درهم الى و الى الوالي من بعدي من أمراء المسلمين، الا ما كان من الارضين التي ذكرت ان كسرى الظالم لنفسه اقطع جد ابيك لما كان من قتله الحيه التي افسدت الارض و قطعت السبل و الارض‏ لِلَّهِ‏ و لرسوله‏ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، و ان عليك نصره المسلمين و قتال عدوهم بمن معك من الأساورة، ان أحب المسلمون ذلك و ارادوه، و ان لك على ذلك نصره المسلمين على من يقاتل من وراءك من اهل ملتك، جار لك بذلك منى كتاب يكون لك بعدي، و لا خراج عليك و لا على احد من اهل بيتك من ذوى الارحام، و ان أنت اسلمت و اتبعت الرسول كان لك من المسلمين العطاء و المنزله و الرزق و أنت أخوهم، و لك بذلك ذمتي و ذمه ابى و ذمم المسلمين و ذمم آبائهم شهد على ما في هذا الكتاب جزء ابن معاويه- او معاويه بن جزء السعدي- و حمزه بن الهرماس و حميد بن الخيار المازنيان، و عياض بن ورقاء الأسيدي و كتب كيسان مولى بنى ثعلبه يوم الأحد من شهر الله المحرم و ختم امير الجيش الأحنف بن قيس و نقش خاتم الأحنف: نعبد الله.

قال على: أخبرنا مصعب بن حيان، عن أخيه مقاتل بن حيان‏

3

، قال:

صالح ابن عامر اهل مرو، و بعث الأحنف في اربعه آلاف الى طخارستان فاقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مرو روذ، و جمع له اهل طخارستان، و اهل الجوزجان و الطالقان و الفارياب، فكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفا.

و اتى الأحنف خبرهم و ما جمعوا له، فاستشار الناس فاختلفوا، فبين قائل: نرجع الى مرو، و قائل: نرجع الى ابرشهر، و قائل: نقيم نستمد، و قائل: نلقاهم فنناجزهم.

قال: فلما امسى الأحنف خرج يمشى في العسكر، و يستمع حديث الناس، فمر باهل خباء و رجل يوقد تحت خزيره او يعجن، و هم يتحدثون و يذكرون العدو، فقال بعضهم: الرأي للأمير ان يسير إذا اصبح، حتى‏

312

يلقى القوم حيث لقيهم- فانه ارعب لهم- فيناجزهم فقال صاحب الخزيرة او العجين: ان فعل ذلك فقد أخطأ و أخطأتم، ا تامرونه ان يلقى حد العدو مصحرا في بلادهم، فيلقى جمعا كثيرا بعدد قليل، فان جالوا جولة اصطلمونا! و لكن الرأي له ان ينزل بين المرغاب و الجبل، فيجعل المرغاب عن يمينه و الجبل عن يساره، فلا يلقاه من عدوه و ان كثروا الا عدد اصحابه فرجع الأحنف و قد اعتقد ما قال، فضرب عسكره، و اقام فأرسل اليه اهل مرو يعرضون عليه ان يقاتلو معه، فقال انى اكره ان استنصر بالمشركين، فأقيموا على ما أعطيناكم، و جعلنا بيننا و بينكم، فان ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم، و ان ظفروا بنا و قاتلوكم فقاتلوا عن انفسكم.

قال: فوافق المسلمين صلاه العصر، فعاجلهم المشركون فناهضوهم فقاتلوهم، و صبر الفريقان حتى امسوا و الأحنف يتمثل بشعر ابن جؤيه الأعرجي:

أحق من لم يكره المنيه* * * حزور ليست له ذريه‏

قال على: أخبرنا ابو الاشهب السعدي، عن ابيه، قال: لقى الأحنف اهل مرو روذ و الطالقان و الفارياب و الجوزجان في المسلمين ليلا، فقاتلهم حتى ذهب عامه الليل، ثم هزمهم الله، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا الى رسكن- و هي على اثنى عشر فرسخا من قصر الأحنف- و كان مرزبان مرو روذ، قد تربص بحمل ما كانوا صالحوه عليه، لينظر ما يكون من امرهم.

قال: فلما ظفر الأحنف سرح رجلين الى المرزبان، و امرهما الا يكلماه حتى يقبضاه ففعلا فعلم انهم لم يصنعوا ذاك به الا و قد ظفروا، فحمل ما كان عليه.

قال على: و أخبرنا المفضل الضبي، عن ابيه، قال: سار الأقرع بن حابس الى الجوزجان، بعثه الأحنف في جريدة خيل الى بقية كانت بقيت‏

313

من الزحوف الذين هزمهم الأحنف، فقاتلهم، فجال المسلمون جولة، فقتل فرسان من فرسانهم، ثم اظفر الله المسلمين بهم فهزموهم و قتلوهم، فقال كثير النهشلي:

سقى مزن السحاب إذا استهلت* * * مصارع فتية بالجوزجان‏

الى القصرين من رستاق خوط* * * اقادهم هناك الاقرعان‏

و هي طويله‏

ذكر صلح الأحنف مع اهل بلخ‏

و في هذه السنه، جرى صلح بين الأحنف و بين اهل بلخ.

ذكر الخبر بذلك:

قال على: أخبرنا زهير بن الهنيد، عن اياس بن المهلب، قال:

سار الأحنف من مرو الروذ الى بلخ فحاصرهم، فصالحه أهلها على أربعمائة الف، فرضى منهم بذلك، و استعمل ابن عمه، و هو اسيد بن المتشمس ليأخذ منهم ما صالحوه عليه، و مضى الى خارزم، فأقام حتى هجم عليه الشتاء، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قال له حصين: قد قال لك عمرو بن معديكرب، قال: و ما قال؟ قال: قال:

إذا لم تستطع امرا فدعه* * * و جاوزه الى ما تستطيع‏

قال: فامر الأحنف بالرحيل، ثم انصرف الى بلخ، و قد قبض ابن عمه ما صالحهم عليه، و كان وافق و هو يجيبهم المهرجان، فاهدوا اليه هدايا من آنيه الذهب و الفضه و دنانير و دراهم و متاع و ثياب، فقال ابن عم الأحنف:

هذا ما صالحناكم عليه؟ قالوا: لا، و لكن هذا شي‏ء نصنعه في هذا اليوم بمن ولينا نستعطفه به، قال: و ما هذا اليوم؟ قالوا: المهرجان، قال: ما ادرى ما هذا؟ و انى لأكره ان ارده، و لعله من حقي، و لكن اقبضه و اعزله‏

314

حتى انظر فيه، فقبضه، و قدم الأحنف فاخبره، فسألهم عنه، فقالوا له مثل ما قالوا لابن عمه، فقال: اتى به الأمير، فحمله الى ابن عامر، فاخبره عنه، فقال: اقبضه يا أبا بحر، فهو لك؟ قال: لا حاجه لي فيه، فقال ابن عامر: ضمه إليك يا مسمار، قال: قال الحسن: فضمه القرشي و كان مضما.

قال على: و أخبرنا عمرو بن محمد المري، عن اشياخ من بنى مره، ان الأحنف استعمل على بلخ بشر بن المتشمس.

قال على: و أخبرنا صدقه بن حميد، عن ابيه، قال: بعث ابن عامر- حين صالح اهل مرو، و صالح الأحنف اهل بلخ- خليد بن عبد الله الحنفي الى هراة و باذغيس، فافتتحهما، ثم كفروا بعد فكانوا مع قارن.

قال على: و أخبرنا مسلمه، عن داود، قال: و لما رجع الأحنف الى ابن عامر قال الناس لابن عامر: ما فتح على احد ما قد فتح عليك، فارس و كرمان و سجستان و عامه خراسان! قال: لا جرم، لاجعلن شكرى لله على ذلك ان اخرج محرما معتمرا من موقفى هذا فاحرم بعمره من نيسابور، فلما قدم على عثمان لامه على احرامه من خراسان، و قال: ليتك تضبط ذلك من الوقت الذى يحرم منه الناس! قال على: أخبرنا مسلمه، عن السكن بن قتادة العرينى، قال: استخلف ابن عامر على خراسان قيس بن الهيثم، و خرج ابن عامر منها في سنه اثنتين و ثلاثين قال: فجمع قارن جمعا كثيرا من ناحيه الطبسين و اهل باذغيس و هراة و قهستان، فاقبل في اربعين ألفا، فقال لعبد الله بن خازم: ما ترى؟

قال: ارى ان تخلى البلاد فانى أميرها، و معى عهد من ابن عامر، إذا كانت حرب بخراسان فانا أميرها- و اخرج كتابا قد افتعله عمدا- فكره قيس مشاغبته، و خلاه و البلاد، و اقبل الى ابن عامر، فلامه ابن عامر،

315

و قال: تركت البلاد حربا و اقبلت! قال: جاءني بعهد منك فقالت له أمه: قد نهيتك ان تدعهما في بلد، فانه يشغب عليه.

قال: فسار ابن خازم الى قارن في اربعه آلاف، و امر الناس فحملوا الودك، فلما قرب من عسكره امر الناس، فقال: ليدرج كل رجل منكم على زج رمحه ما كان معه من خرقه او قطن او صوف، ثم اوسعوه من الودك من سمن او دهن او زيت او اهاله ثم سار حتى إذا امسى قدم مقدمته ستمائه، ثم اتبعهم، و امر الناس فاشعلوا النيران في اطراف الرماح، و جعل يقتبس بعضهم من بعض قال: و انتهت مقدمته الى عسكر قارن، فاتوهم نصف الليل، و لهم حرس، فناوشوهم، و هاج الناس على دهش، و كانوا آمنين في انفسهم من البيات، و دنا ابن خازم منهم، فرأوا النيران يمنه و يسره، و تتقدم و تتأخر، و تتخفض و ترتفع، فلا يرون أحدا فهالهم ذلك، و مقدمه ابن خازم يقاتلونهم، ثم غشيهم ابن خازم بالمسلمين، فقتل قارن، و انهزم العدو فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا، و أصابوا سبيا كثيرا، فزعم شيخ من بنى تميم، قال: كانت أم الصلت بن حريث من سبى قارن، و أم زياد بن الربيع منهم، و أم عون ابى عبد الله بن عون الفقيه منهم.

قال على: حدثنا مسلمه، قال: أخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه، و كتب بالفتح الى ابن عامر، فرضى و اقره على خراسان، فلبث عليها حتى انقضى امر الجمل، فاقبل الى البصره، فشهد وقعه ابن الحضرمى، و كان معه في دار سبيل.

قال على: و أخبرنا الحسن بن رشيد، عن سليمان بن كثير العمى الخزاعي، قال: جمع قارن للمسلمين جمعا كثيرا، فضاق المسلمون بامرهم، فقال قيس‏

316

ابن الهيثم لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: ارى انك لا تطيق كثره من قد أتانا، فاخرج بنفسك الى ابن عامر فتخبره بكثرة من قد جمعوا لنا، و نقيم نحن في هذه الحصون و نطاولهم حتى تقدم و يأتينا مددكم.

قال: فخرج قيس بن الهيثم، فلما امعن اظهر ابن خازم عهدا، و قال: قد ولانى ابن عامر خراسان، فسار الى قارن، فظفر به، و كتب بالفتح الى ابن عامر، فاقره ابن عامر على خراسان، فلم يزل اهل البصره يغزون من لم يكن صالح من اهل خراسان، فإذا رجعوا خلفوا اربعه آلاف للعقبه، فكانوا على ذلك حتى كانت الفتنة

317

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و ثلاثين‏

ففيها كانت غزوه معاويه حصن المرأة من ارض الروم من ناحيه ملطيه في قول الواقدى.

و فيها كانت غزوه عبد الله بن سعد بن ابى سرح إفريقية الثانيه حين نقض أهلها العهد.

و فيها قدم عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس الى خراسان و قد انتقض أهلها، ففتح المروين: مرو الشاهجان صلحا، و مرو الروذ بعد قتال شديد، و تبعه عبد الله بن عامر، فنزل ابرشهر، ففتحها صلحا في قول الواقدى.

و اما ابو معشر فانه قال- فيما حدثنى احمد بن ثابت الرازى، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه، قال: كانت قبرس سنه ثلاث و ثلاثين، و قد ذكرنا قول من خالفه في ذلك، و الخبر عن قبرس.

و فيها: كان تسيير عثمان بن عفان من سير من اهل العراق الى الشام‏

ذكر تسيير من سير من اهل الكوفه إليها

اختلف اهل السير في ذلك، فاما سيف فانه ذكر فيما كتب به الى السرى عن شعيب عنه، عن محمد و طلحه، قالا: كان سعيد بن العاص لا يغشاه الا نازله اهل الكوفه و وجوه اهل الأيام و اهل القادسية و قراء اهل البصره و المتسمتون، و كان هؤلاء دخلته إذا خلا، فاما إذا جلس للناس‏

318

فانه يدخل عليه كل احد، فجلس للناس يوما، فدخلوا عليه، فبيناهم جلوس يتحدثون قال خنيس بن فلان: ما اجود طلحه بن عبيد الله! فقال سعيد ابن العاص: ان من له مثل النشاستج لحقيق ان يكون جوادا، و الله لو ان لي مثله لاعاشكم الله عيشا رغدا فقال عبد الرحمن بن خنيس- و هو حدث: و الله لوددت ان هذا الملطاط لك- يعنى ما كان لال كسرى على جانب الفرات الذى يلى الكوفه- قالوا: فض الله فاك! و الله لقد هممنا بك، فقال: خنيس غلام فلا تجازوه، فقالوا: يتمنى له من سوادنا! قال:

و يتمنى لكم اضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا و لا له، قال: ما هذا بكم! قالوا:

أنت و الله امرته بها، فثار اليه الاشتر و ابن ذي الحبكه و جندب و صعصعة و ابن الكواء و كميل بن زياد و عمير بن ضائى، فاخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غشى عليهما، و جعل سعيد يناشدهم و يابون، حتى قضوا منهما وطرا، فسمعت بذلك بنو اسد، فجاءوا و فيهم طليحة فأحاطوا بالقصر، و ركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، و قالوا: افلتنا و خلصنا.

فخرج سعيد الى الناس، فقال: ايها الناس، قوم تنازعوا و تهاووا، و قد رزق الله العافيه ثم قعدوا و عادوا في حديثهم، و تراجعوا فساءهم و ردهم، و افاق الرجلان، فقال: ا بكما حياه؟ قالا: قتلتنا غاشيتك، قال: لا يغشونى و الله ابدا، فاحفظا على ألسنتكما و لا تجرئا على الناس ففعلا و لما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك قعدوا في بيوتهم، و أقبلوا على الإذاعة حتى لامه اهل الكوفه في امرهم، فقال: هذا اميركم و قد نهاني ان احرك شيئا، فمن اراد منكم ان يحرك شيئا فليحركه.

فكتب اشراف اهل الكوفه و صلحاؤهم الى عثمان في اخراجهم، فكتب:

إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فالحقوهم بمعاويه فاخرجوهم، فذلوا و انقادوا حتى اتوه- و هم بضعه عشر- فكتبوا بذلك الى عثمان، و كتب عثمان الى معاويه:

ان اهل الكوفه قد اخرجوا إليك نفرا خلقوا للفتنة، فرعهم و قم عليهم،

319

فان آنست منهم رشدا فاقبل منهم، و ان اعيوك فارددهم عليهم فلما قدموا على معاويه رحب بهم و انزلهم كنيسه تسمى مريم، و اجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق، و جعل لا يزال يتغدى و يتعشى معهم، فقال لهم يوما: انكم قوم من العرب لكم اسنان و السنه، و قد ادركتم بالإسلام شرفا و غلبتم الأمم و حويتم مراتبهم و مواريثهم، و قد بلغنى انكم نقمتم قريشا، و ان قريشا لو لم تكن عدتم اذله كما كنتم، ان ائمتكم لكم الى اليوم جنه فلا تشذوا عن جنتكم، و ان ائمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، و يحتملون منكم المئونة، و الله لتنتهن او ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم و بعد موتكم.

فقال رجل من القوم: اما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن اكثر العرب و لا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، و اما ما ذكرت من الجنه فان الجنه إذا اخترقت خلص إلينا.

فقال معاويه: عرفتكم الان، علمت ان الذى اغراكم على هذا قله العقول، و أنت خطيب القوم، و لا ارى لك عقلا، اعظم عليك امر الاسلام، و اذكرك به، و تذكرني الجاهلية! و قد وعظتك و تزعم لما يجنك انه يخترق، و لا ينسب ما يخترق الى الجنه، اخزى الله أقواما أعظموا امركم، و رفعوا الى خليفتكم! افقهوا- و لا اظنكم تفقهون- ان قريشا لم تعز في جاهلية و لا اسلام الا بالله عز و جل، لم تكن باكثر العرب و لا اشدهم، و لكنهم كانوا اكرمهم أحسابا، و امحضهم انسابا، و اعظمهم اخطارا، و اكملهم مروءة، و لم يمتنعوا في الجاهلية و الناس يأكل بعضهم بعضا الا بالله الذى لا يستذل من أعز، و لا يوضع من رفع، فبواهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم! هل تعرفون عربا او عجما او سودا او حمرا الا قد اصابه الدهر في بلده و حرمته بدولة، الا ما كان من قريش، فانه لم يردهم احد من الناس بكيد الا جعل الله‏

320

خده الأسفل، حتى اراد الله ان يتنقذ من اكرم و اتبع دينه من هوان الدنيا و سوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابا فكان خيارهم قريشا، ثم بنى هذا الملك عليهم، و جعل هذه الخلافه فيهم، و لا يصلح ذلك الا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية و هم على كفرهم بالله، افتراه لا يحوطهم و هم على دينه و قد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أف لك و لأصحابك! و لو ان متكلما غيرك تكلم، و لكنك ابتدأت فاما أنت يا صعصعة فان قريتك شر قرى عربية، أنتنها نبتا، و أعمقها واديا، و اعرفها بالشر، و الامها جيرانا، لم يسكنها شريف قط و لا وضيع الا سب بها، و كانت عليه هجنه، ثم كانوا اقبح العرب القابا، و الامه اصهارا، نزاع الأمم، و أنتم جيران الخط و فعله فارس، حتى أصابتكم دعوه النبي(ص)و نكبتك دعوته، و أنت نزيع شطير في عمان، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوه النبي ص، فأنت شر قومك، حتى إذا ابرزك الاسلام، و خلطك بالناس، و حملك على الأمم التي كانت عليك، اقبلت تبغى دين الله عوجا، و تنزع الى اللامة و الذلة و لا يضع ذلك قريشا، و لن يضرهم، و لن يمنعهم من تاديه ما عليهم، ان الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر من بين أمتكم، فاغرى بكم الناس، و هو صارعكم لقد علم انه لا يستطيع ان يرد بكم قضاء قضاه الله، و لا امرا اراده الله، و لا تدركون بالشر امرا ابدا الا فتح الله عليكم شرا منه و اخزى.

ثم قام و تركهم، فتذامروا فتقاصرت اليهم انفسهم، فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال: انى قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا و الله لا ينفع الله بكم أحدا و لا يضره، و لا أنتم برجال منفعه و لا مضره، و لكنكم رجال نكير.

و بعد، فان أردتم النجاة فالزموا جماعتكم، و ليسعكم ما وسع الدهماء، و لا يبطرنكم الانعام، فان البطر لا يعترى الخيار، اذهبوا حيث شئتم، فانى كاتب الى امير المؤمنين فيكم‏

321

فلما خرجوا دعاهم فقال: انى معيد عليكم ان رسول الله(ص)كان معصوما فولاني، و ادخلنى في امره، ثم استخلف ابو بكر رضى الله عنه فولاني، ثم استخلف عمر فولاني، ثم استخلف عثمان فولاني، فلم ال لأحد منهم و لم يولنى الا و هو راض عنى، و انما طلب رسول الله(ص)للأعمال اهل الجزاء عن المسلمين و الغناء، و لم يطلب لها اهل الاجتهاد و الجهل بها و الضعف عنها، و ان الله ذو سطوات و نقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لامر و أنتم تعلمون من انفسكم غير ما تظهرون، فان الله غير تارككم حتى يختبركم و يبدى للناس سرائركم، و قد قال عز و جل:

«الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏».

و كتب معاويه الى عثمان: انه قدم على اقوام ليست لهم عقول و لا اديان، اثقلهم الاسلام، و اضجرهم العدل، لا يريدون الله بشي‏ء، و لا يتكلمون بحجه، انما همهم الفتنة و اموال اهل الذمة، و الله مبتليهم و مختبرهم، ثم فاضحهم و مخزيهم، و ليسوا بالذين ينكون أحدا الا مع غيرهم، فانه سعيدا و من قبله عنهم، فإنهم ليسوا لاكثر من شغب او نكير.

و خرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا الى الكوفه، فإنهم يشمتون بكم، و ميلوا بنا الى الجزيرة، و دعوا العراق و الشام فاووا الى الجزيرة، و سمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- و كان معاويه قد ولاه حمص و ولى عامل الجزيرة حران و الرقة- فدعا بهم، فقال:

يا آله الشيطان، لا مرحبا بكم و لا أهلا! قد رجع الشيطان محسورا و أنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن ان لم يؤد بكم حتى يحسركم يا معشر من لا ادرى ا عرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني انكم تقولون لمعاوية، انا ابن خالد بن الوليد، انا ابن من قد عجمته العاجمات، انا ابن فاقئ الرده، و الله لئن بلغنى يا صعصعة ابن ذل ان أحدا ممن معى دق انفك ثم امصك‏

322

لاطيرن بك طيره بعيده المهوى فأقامهم أشهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: يا بن الحطيئه، اعلمت ان من لم يصلحه الخير اصلحه الشر! ما لك لا تقول كما كان يبلغني انك تقول لسعيد و معاويه! فيقول و يقولون:

نتوب الى الله، أقلنا اقالك الله! فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم.

و سرح الاشتر الى عثمان، و قال لهم: ما شئتم، ان شئتم فاخرجوا، و ان شئتم فأقيموا و خرج الاشتر، فاتى عثمان بالتوبة و الندم و النزوع عنه و عن اصحابه، فقال:

سلمكم الله و قدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ و ذكر من فضله، فقال: ذاك إليكم، فرجع الى عبد الرحمن و اما محمد بن عمر، فانه ذكر ان أبا بكر بن اسماعيل حدثه عن ابيه، عن عامر بن سعد، ان عثمان بعث سعيد بن العاص الى الكوفه أميرا عليها، حين شهد على الوليد بن عقبه بشرب الخمر من شهد عليه، و امره ان يبعث اليه الوليد بن عقبه قال: قدم سعيد بن العاص الكوفه، فأرسل الى الوليد:

3

ان امير المؤمنين يأمرك ان تلحق به قال: فتضجع أياما، فقال له: انطلق الى أخيك، فانه قد أمرني ان ابعثك اليه، قال: و ما صعد منبر الكوفه حتى امر به ان يغسل، فناشده رجال من قريش كانوا قد خرجوا معه من بنى اميه، و قالوا: ان هذا قبيح، و الله لو اراد هذا غيرك لكان حقا ان تذب عنه، يلزمه عار هذا ابدا قال: فأبى الا ان يفعل، فغسله و ارسل الى الوليد ان يتحول من دار الإمارة، فتحول منها، و نزل دار عماره بن عقبه، فقدم الوليد على عثمان، فجمع بينه و بين خصمائه، فراى ان يجلده، فجلده الحد.

قال محمد بن عمر: حدثنى شيبان، عن مجالد، عن الشعبى، قال:

قدم سعيد بن العاص الكوفه، فجعل يختار وجوه الناس يدخلون عليه‏

323

و يسمرون عنده، و انه سمر عنده ليله وجوه اهل الكوفه، منهم مالك بن كعب الارحبى، و الأسود بن يزيد و علقمه بن قيس النخعيان، و فيهم مالك الاشتر في رجال، فقال سعيد: انما هذا السواد بستان لقريش، فقال الاشتر:

ا تزعم ان السواد الذى افاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك و لقومك! و الله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبا الا ان يكون كأحدنا، و تكلم معه القوم.

قال: فقال عبد الرحمن الأسدي- و كان على شرطه سعيد:

ا تردون على الأمير مقالته! و اغلظ لهم، فقال الاشتر: من هاهنا! لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديدا، حتى غشى عليه، ثم جر برجله فالقى، فنضح بماء فأفاق، فقال له سعيد: ا بك حياه؟ فقال:

قتلني من انتخبت- زعمت- للإسلام، فقال: و الله لا يسمر منهم عندي احد ابدا، فجعلوا يجلسون في مجالسهم و بيوتهم يشتمون عثمان و سعيدا، و اجتمع الناس اليهم، حتى كثر من يختلف اليهم فكتب سعيد الى عثمان يخبره بذلك، و يقول: ان رهطا من اهل الكوفه- سماهم له عشره- يؤلبون و يجتمعون على عيبك و عيبي و الطعن في ديننا، و قد خشيت ان ثبت امرهم ان يكثروا، فكتب عثمان الى سعيد: ان سيرهم الى معاويه- و معاويه يومئذ على الشام- فسيرهم- و هم تسعه نفر- الى معاويه، فيهم مالك الاشتر، و ثابت بن قيس بن منقع، و كميل بن زياد النخعى، و صعصعة بن صوحان.

ثم ذكر نحو حديث السرى، عن شعيب، الا انه قال: فقال صعصعة:

فان اخترقت الجنه، ا فليس يخلص إلينا؟ فقال معاويه: ان الجنه لا تخترق، فضع امر قريش على احسن ما يحضرك.

و زاد فيه أيضا: ان معاويه لما عاد اليهم من القابله و ذكرهم، قال فيما يقول: و انى و الله ما آمركم بشي‏ء الا قد بدأت فيه بنفسي و اهل بيتى و خاصتي، و قد عرفت قريش ان أبا سفيان كان أكرمها و ابن أكرمها، الا ما جعل الله لنبيه نبى الرحمه ص، فان الله انتخبه و اكرمه، فلم يخلق في احد من الأخلاق الصالحه شيئا الا اصفاه الله بأكرمها و أحسنها، و لم يخلق من الأخلاق السيئه شيئا في احد الا اكرمه الله عنها و نزهه، و انى لأظن ان‏

324

أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد الا حازما قال صعصعة: كذبت! قد ولدهم خير من ابى سفيان، من خلقه الله بيده، و نفخ فيه من روحه، و امر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر و الفاجر، و الأحمق و الكيس.

فخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابله، فتحدث عندهم طويلا، ثم قال: ايها القوم، ردوا على خيرا او اسكتوا و تفكروا و انظروا فيما ينفعكم و ينفع أهليكم، و ينفع عشائركم، و ينفع جماعه المسلمين، فاطلبوه تعيشوا و نعش بكم فقال صعصعة: لست باهل ذلك، و لا كرامة لك ان تطاع في معصية الله.

فقال: او ليس ما ابتدأتكم به ان امرتكم بتقوى الله و طاعته و طاعه نبيه ص، و ان تعتصموا بحبله جميعا و لا تفرقوا! قالوا: بل امرت بالفرقة و خلاف ما جاء به النبي(ص)قال: فانى آمركم الان، ان كنت فعلت فاتوب الى الله، و آمركم بتقواه و طاعته و طاعه نبيه(ص)و لزوم الجماعه، و كراهة الفرقة، و ان توقروا ائمتكم و تدلوهم على كل حسن ما قدرتم، و تعظوهم في لين و لطف في شي‏ء ان كان منهم.

فقال صعصعة: فانا نأمرك ان تعتزل عملك، فان في المسلمين من هو أحق به منك، قال: من هو؟ قال: من كان أبوه احسن قدما من ابيك، و هو بنفسه احسن قدما منك في الاسلام، فقال: و الله ان لي في الاسلام قدما، و لغيري كان احسن قدما منى، و لكنه ليس في زمانى احد اقوى على ما انا فيه منى، و لقد راى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيرى اقوى منى لم يكن لي عند عمر هواده و لا لغيري، و لم احدث من الحدث ما ينبغى لي ان اعتزل عملي، و لو راى ذلك امير المؤمنين و جماعه المسلمين لكتب الى بخط يده فاعتزلت عمله، و لو قضى الله ان يفعل ذلك لرجوت الا يعزم له على ذلك الا و هو خير، فمهلا فان في ذلك و أشباهه ما يتمنى الشيطان و يأمر، و لعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم و أمانيكم‏

325

ما استقامت الأمور لأهل الاسلام يوما و لا ليله، و لكن الله يقضيها و يدبرها، و هو بالغ امره، فعاودوا الخبر و قولوه.

فقالوا: لست لذلك أهلا، فقال: اما و الله ان لله لسطوات و نقمات، و انى لخائف عليكم ان تتايعوا في مطاوعه الشيطان حتى تحلكم مطاوعه الشيطان و معصية الرحمن دار الهوان من نقم الله في عاجل الأمر، و الخزي الدائم في الأجل.

فوثبوا عليه، فأخذوا برأسه و لحيته، فقال: مه، ان هذه ليست بأرض الكوفه، و الله لو راى اهل الشام ما صنعتم بي و انا امامهم ما ملكت ان انهاهم عنكم حتى يقتلوكم فلعمرى ان صنيعكم ليشبه بعضه بعضا، ثم اقام من عندهم، فقال: و الله لا ادخل عليكم مدخلا ما بقيت.

ثم كتب الى عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان امير المؤمنين من معاويه بن ابى سفيان، اما بعد يا امير المؤمنين، فإنك بعثت الى أقواما يتكلمون بالسنه الشياطين و ما يملون عليهم، و يأتون الناس- زعموا- من قبل القرآن، فيشبهون على الناس، و ليس كل الناس يعلم ما يريدون، و انما يريدون فرقه، و يقربون فتنه، قد اثقلهم الاسلام و اضجرهم، و تمكنت رقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من اهل الكوفه، و لست آمن ان أقاموا وسط اهل الشام ان يغروهم بسحرهم و فجورهم، فارددهم الى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الذى نجم فيه نفاقهم، و السلام.

فكتب اليه عثمان يأمره ان يردهم الى سعيد بن العاص بالكوفه، فردهم اليه، فلم يكونوا الا اطلق السنه منهم حين رجعوا.

و كتب سعيد الى عثمان يضج منهم، فكتب عثمان الى سعيد ان سيرهم الى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و كان أميرا على حمص‏

326

و كتب الى الاشتر و اصحابه: اما بعد، فانى قد سيرتكم الى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها، فإنكم لستم تالون الاسلام و اهله شرا و السلام.

فلما قرأ الاشتر الكتاب، قال: اللهم اسوانا نظرا للرعية و اعملنا فيهم بالمعصية، فعجل له النقمه.

فكتب بذلك سعيد الى عثمان، و سار الاشتر و اصحابه الى حمص، فانزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل، و اجرى عليهم رزقا.

قال محمد بن عمر: حدثنى عيسى بن عبد الرحمن، عن ابى إسحاق الهمدانى، قال: اجتمع نفر بالكوفه- يطعنون على عثمان- من اشراف اهل العراق: مالك بن الحارث الاشتر، و ثابت بن قيس النخعى، و كميل بن زياد النخعى، و زيد بن صوحان العبدى، و جندب بن زهير الغامدى، و جندب بن كعب الأزدي، و عروه بن الجعد، و عمرو بن الحمق الخزاعي.

فكتب سعيد بن العاص الى عثمان يخبره بامرهم، فكتب اليه ان سيرهم الى الشام و الزمهم الدروب‏

. ذكر الخبر عن تسيير عثمان من سير من اهل البصره الى الشام‏

مما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: لما مضى من اماره ابن عامر ثلاث سنين، بلغه ان في عبد القيس رجلا نازلا على حكيم بن جبله، و كان حكيم بن جبله رجلا لصا، إذا قفل الجيوش خنس عنهم، فسعى في ارض فارس، فيغير على اهل الذمة، و يتنكر لهم، و يفسد في الارض، و يصيب ما شاء ثم يرجع فشكاه اهل الذمة و اهل القبله الى عثمان فكتب الى عبد الله بن عامر: ان احبسه، و من كان مثله فلا يخرجن من البصره حتى تانسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع ان يخرج منها فلما قدم ابن السوداء نزل عليه و اجتمع اليه نفر فطرح لهم ابن السوداء و لم يصرح، فقبلوا منه، و استعظموه، و ارسل اليه ابن عامر، فسأله: ما أنت؟ فاخبره انه رجل من‏

327

اهل الكتاب، رغب في الاسلام، و رغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عنى فخرج حتى اتى الكوفه فاخرج منها فاستقر بمصر، و جعل يكاتبهم و يكاتبونه، و يختلف الرجال بينهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

ان حمران بن ابان تزوج امراه في عدتها، فنكل به عثمان، و فرق بينهما، و سيره الى البصره، فلزم ابن عامر، فتذاكروا يوما الركوب و المرور بعامر ابن عبد قيس- و كان منقبضا عن الناس- فقال حمران: الا اسبقكم فاخبره! فخرج فدخل عليه و هو يقرا في المصحف، فقال: الأمير اراد ان يمر بك فاحببت ان اخبرك، فلم يقطع قراءته و لم يقبل عليه، فقام من عنده خارجا.

فلما انتهى الى الباب لقيه ابن عامر، فقال: جئتك من عند امرئ لا يرى لال ابراهيم عليه فضلا، و استاذن ابن عامر، فدخل عليه، و جلس اليه، فاطبق عامر المصحف، و حدثه ساعه، فقال له ابن عامر: الا تغشانا؟

فقال: سعد بن ابى العرجاء يحب الشرف، فقال: الا نستعملك؟ فقال: حصين ابن ابى الحر يحب العمل، فقال: الا نزوجك! فقال: ربيعه بن عسل يعجبه النساء، قال: ان هذا يزعم انك لا ترى لال ابراهيم عليك فضلا، فتصفح المصحف، فكان أول ما وقع عليه و افتتح منه: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏»، فلما رد حمران تتبع ذلك منه، فسعى به، و شهد له اقوام فسيره الى الشام، فلما علموا علمه أذنوا له فأبى و لزم الشام.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، ان عثمان سير حمران بن ابان، ان تزوج امراه في عدتها، و فرق بينهما، و ضربه و سيره الى البصره، فلما اتى عليه ما شاء الله، و أتاه عنه الذى يحب، اذن له.

فقدم عليه المدينة، و قدم معه قوم سعوا بعامر بن عبد قيس، انه لا يرى التزويج، و لا يأكل اللحم، و لا يشهد الجمعه- و كان مع عامر انقباض،

328

و كان عمله كله خفيه- فكتب الى عبد الله بن عامر بذلك، فالحقه بمعاويه، فلما قدم عليه وافقه و عنده ثريده فأكل اكلا غريبا، فعرف ان الرجل مكذوب عليه، فقال: يا هذا، هل تدرى فيم اخرجت؟ قال: لا، قال: ابلغ الخليفة انك لا تاكل اللحم، و رايتك و عرفت ان قد كذب عليك، و انك لا ترى التزويج، و لا تشهد الجمعه، قال: اما الجمعه فانى اشهدها في مؤخر المسجد ثم ارجع في اوائل الناس، و اما التزويج فانى خرجت و انا يخطب على، و اما اللحم فقد رايت، و لكنى كنت امرا لا آكل ذبائح القصابين منذ رايت قصابا يجر شاه الى مذبحها، ثم وضع السكين على مذبحها، فما زال يقول: النفاق النفاق، حتى وجبت قال:

فارجع، قال: لا ارجع الى بلد استحل اهله منى ما استحلوا و لكنى اقيم بهذا البلد الذى اختاره الله لي و كان يكون في السواحل، و كان يلقى معاويه، فيكثر معاويه ان يقول: حاجتك؟ فيقول: لا حاجه لي، فلما اكثر عليه، قال: ترد على من حر البصره لعل الصوم ان يشتد على شيئا، فانه يخف على في بلادكم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، قالا: لما قدم مسيره اهل الكوفه على معاويه، انزلهم دارا، ثم خلا بهم، فقال لهم و قالوا له، فلما فرغوا قال: لم تؤتوا الا من الحمق، و الله ما ارى منطقا سديدا، و لا عذرا مبينا، و لا حلما و لا قوه، و انك يا صعصعة لاحمقهم، اصنعوا و قولوا ما شئتم ما لم تدعوا شيئا من امر الله، فان كل شي‏ء يحتمل لكم الا معصيته، فاما فيما بيننا و بينكم فأنتم أمراء انفسكم فرآهم بعد و هم يشهدون الصلاة، و يقفون مع قاص الجماعه، فدخل عليهم يوما و بعضهم يقرئ بعضا، فقال: ان في هذا لخلفا مما قدمتم به على من النزاع الى امر الجاهلية، اذهبوا حيث شئتم، و اعلموا انكم ان لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك دونهم، و ان لم تلزموها شقيتم بذلك دونهم، و لم تضروا أحدا، فجزوه خيرا،

329

و اثنوا عليه، فقال: يا بن الكواء، اى رجل انا؟ قال: بعيد الثرى، كثير المرعى، طيب البديهة، بعيد الغور، الغالب عليك الحلم، ركن من اركان الاسلام، سدت بك فرجه مخوفه قال: فأخبرني عن اهل الاحداث من اهل الأمصار فإنك اعقل أصحابك، قال: كاتبتهم و كاتبوني، و انكرونى و عرفتهم، فاما اهل الاحداث من اهل المدينة فهم احرص الامه على الشر، و اعجزه عنه و اما اهل الاحداث من اهل الكوفه فإنهم انظر الناس في صغير، و اركبه لكبير و اما اهل الاحداث من اهل البصره، فإنهم يردون جميعا، و يصدرون شتى، و اما اهل الاحداث من اهل مصر فهم اوفى الناس بشر، و أسرعه ندامه، و اما اهل الاحداث من اهل الشام فاطوع الناس لمرشدهم، و اعصاه لمغويهم.

و حج بالناس في هذه السنه عثمان.

و زعم ابو معشر ان فتح قبرس كان في هذه السنه، و قد ذكرت من خالفه في ذلك‏

330

ثم دخلت‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث المذكوره) فزعم ابو معشر ان غزوه الصواري كانت فيها، حدثنى بذلك احمد، عمن حدثه، عن إسحاق، عنه و قد مضى الخبر عن هذه الغزوة و ذكر من خالف أبا معشر في وقتها.

و فيها كان رد اهل الكوفه سعيد بن العاص عن الكوفه.

ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان‏

و في هذه السنه تكاتب المنحرفون عن عثمان بن عفان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون انهم نقموا عليه.

ذكر الخبر عن صفه اجتماعهم لذلك و خبر الجرعة:

مما كتب الى به السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن قيس بن يزيد النخعى، قال: لما رجع معاويه المسيرين، قالوا: ان العراق و الشام ليسا لنا بدار، فعليكم بالجزيرة فأتوها اختيارا.

فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشده، فضرعوا له و تابعوه.

و سرح الاشتر الى عثمان، فدعا به، و قال: اذهب حيث شئت، فقال:

ارجع الى عبد الرحمن، فرجع و وفد سعيد بن العاص الى عثمان في سنه احدى عشره من اماره عثمان و قبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفه بسنه و بعض اخرى بعث الاشعث بن قيس على اذربيجان، و سعيد بن قيس على الري، و كان سعيد بن قيس على همذان، فعزل و جعل عليها النسير العجلى، و على أصبهان السائب بن الأقرع، و على ماه مالك بن حبيب اليربوعى، و على الموصل حكيم بن سلامه الحزامي، و جرير بن عبد الله على قرقيسياء، و سلمان‏

331

ابن ربيعه على الباب، و على الحرب القعقاع بن عمرو، و على حلوان عتيبة ابن النهاس، و خلت الكوفه من الرؤساء الا منزوعا او مفتونا.

فخرج يزيد بن قيس و هو يريد خلع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه، و ثاب اليه الذين كان فيه ابن السوداء يكاتبهم، فانقض عليه القعقاع، فاخذ يزيد بن قيس، فقال: انما نستعفى من سعيد، قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه، لا تجلس لهذا و لا يجتمعن إليك، و اطلب حاجتك، فلعمرى لتعطينها فرجع الى بيته و استاجر رجلا، و اعطاه دراهم و بغلا على ان ياتى المسيرين و كتب اليهم: لا تضعوا كتابي من ايديكم حتى تجيئوا، فان اهل المصر قد جامعونا فانطلق الرجل، فاتى عليهم و قد رجع الاشتر، فدفع اليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: بغثر، قالوا: ممن؟ قال: من كلب، قالوا: سبع ذليل يبغثر النفوس، لا حاجه لنا بك و خالفهم الاشتر، و رجع عاصيا، فلما خرج قال اصحابه: أخرجنا اخرجه الله، لا نجد بدا مما صنع، ان علم بنا عبد الرحمن لم يصدقنا و لم يستقلها، فاتبعوه فلم يلحقوه، و بلغ عبد الرحمن انهم قد رحلوا فطلبهم في السواد، فسار الاشتر سبعا و القوم عشرا، فلم يفجا الناس في يوم جمعه الا و الاشتر على باب المسجد يقول: ايها الناس، انى قد جئتكم من عند امير المؤمنين عثمان، و تركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم الى مائه درهم و رد اهل البلاء منكم الى الفين و يقول: ما بال اشراف النساء، و هذه العلاوة بين هذين العدلين! و يزعم ان فيئكم بستان قريش، و قد سايرته مرحلة، فما زال يرجز بذلك حتى فارقته، يقول:

ويل لاشراف النساء منى* * * صمحمح كأنني من جن‏

فاستخف الناس، و جعل اهل الحجى ينهونه فلا يسمع منهم، و كانت نفجه، فخرج يزيد، و امر مناديا ينادى: من شاء ان يلحق بيزيد

332

ابن قيس لرد سعيد و طلب امير غيره فليفعل و بقي حلماء الناس و اشرافهم و وجوههم في المسجد، و ذهب من سواهم، و عمرو بن حريث يومئذ الخليفة، فصعد المنبر فحمد الله و اثنى عليه، و قال: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، بعد ان كنتم‏ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، فلا تعودوا في شر قد استنقذكم الله عز و جل منه ابعد الاسلام و هديه و سنته لا تعرفون حقا، و لا تصيبون بابه! فقال القعقاع بن عمرو: ا ترد السيل عن عبابه! فاردد الفرات عن ادراجه، هيهات! لا و الله لا تسكن الغوغاء الا المشرفيه و يوشك ان تنتضى، ثم يعجون عجيج العتدان و يتمنون ما هم فيه فلا يرده الله عليهم ابدا فاصبر، فقال: اصبر، و تحول الى منزله، و خرج يزيد ابن قيس حتى نزل الجرعة، و معه الاشتر، و قد كان سعيد تلبث في الطريق، فطلع عليهم سعيد و هم مقيمون له معسكرون، فقالوا: لا حاجه لنا بك.

فقال: فما اختلفتم الان، انما كان يكفيكم ان تبعثوا الى امير المؤمنين رجلا و تضعوا الى رجلا و هل يخرج الالف لهم عقول الى رجل! ثم انصرف عنهم و تحسوا بمولى له على بعير قد حسر، فقال: و الله ما كان ينبغى لسعيد ان يرجع فضرب الاشتر عنقه، و مضى سعيد حتى قدم على عثمان، فاخبره الخبر، فقال: ما يريدون؟ اخلعوا يدا من طاعه؟ قال: أظهروا انهم يريدون البدل قال: فمن يريدون؟ قال: أبا موسى، قال: قد أثبتنا أبا موسى عليهم، و و الله لا نجعل لأحد عذرا، و لا نترك لهم حجه، و لنصبرن كما امرنا حتى نبلغ ما يريدون و رجع من قرب عمله من الكوفه، و رجع جرير من قرقيسياء و عتيبة من حلوان و قام ابو موسى فتكلم بالكوفه فقال: ايها الناس، لا تنفروا في مثل هذا، و لا تعودوا لمثله، الزموا جماعتكم و الطاعة، و إياكم و العجله، اصبروا، فكأنكم بامير قالوا: فصل بنا، قال لا، الا على السمع و الطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع و الطاعة لعثمان‏

333

حدثنى جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو بن حماد بن طلحه و على بن حسين بن عيسى، قالا: حدثنا حسين بن عيسى، عن ابيه، عن هارون بن سعد، عن العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري، انه قال: اجتمع ناس من المسلمين، فتذاكروا اعمال عثمان و ما صنع، فاجتمع رأيهم على ان يبعثوا اليه رجلا يكلمه، و يخبره بأحداثه، فأرسلوا اليه عامر ابن عبد الله التميمى ثم العنبري- و هو الذى يدعى عامر بن عبد قيس- فأتاه، فدخل عليه، فقال له: ان ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في اعمالك، فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فاتق الله عز و جل و تب اليه، و انزع عنها قال له عثمان: انظر الى هذا، فان الناس يزعمون انه قارئ، ثم هو يجي‏ء فيكلمني في المحقرات، فو الله ما يدرى اين الله! قال عامر: انا لا ادرى اين الله! قال: نعم، و الله ما تدرى اين الله، قال عامر: بلى و الله انى لادرى ان الله بالمرصاد لك فأرسل عثمان الى معاويه بن ابى سفيان، و الى عبد الله بن سعد بن ابى سرح، و الى سعيد بن العاص، و الى عمرو بن العاص بن وائل السهمي، و الى عبد الله بن عامر، فجمعهم ليشاورهم في امره و ما طلب اليه، و ما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: ان لكل امرئ وزراء و نصحاء، و انكم وزرائى و نصحائى و اهل ثقتي، و قد صنع الناس ما قد رايتم، و طلبوا الى ان اعزل عمالى، و ان ارجع عن جميع ما يكرهون الى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم، و أشيروا على.

فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا امير المؤمنين ان تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، و ان تجمرهم في المغازى حتى يذلوا لك فلا يكون همه احدهم الا نفسه، و ما هو فيه من دبره دابته، و قمل فروه ثم اقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا امير المؤمنين، ان كنت ترى رأينا فاحسم عنك الداء، و اقطع عنك الذى تخاف، و اعمل برأيي تصب، قال: و ما هو؟ قال: ان لكل قوم قاده متى تهلك يتفرقوا،

334

و لا يجتمع لهم امر، فقال عثمان: ان هذا الرأي لو لا ما فيه ثم اقبل معاويه فقال: ما رأيك؟ قال: ارى لك يا امير المؤمنين ان ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم، و انا ضامن لك قبلي.

ثم اقبل على عبد الله بن سعد، فقال: ما رأيك؟ قال: ارى يا امير المؤمنين ان الناس اهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم ثم اقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: ارى انك قد ركبت الناس بما يكرهون، فاعتزم ان تعتدل، فان أبيت فاعتزم ان تعتزل، فان أبيت فاعتزم عزما، و امض قدما، فقال عثمان: ما لك قمل فروك؟ ا هذا الجد منك! فاسكت عنه دهرا، حتى إذا تفرق القوم قال عمرو: لا و الله يا امير المؤمنين، لانت أعز على من ذلك، و لكن قد علمت ان سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فاردت ان يبلغهم قولي فيثقوا بي، فاقود إليك خيرا، او ادفع عنك شرا حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو بن حماد و على بن حسين، قالا: حدثنا حسين، عن ابيه، عن عمرو بن ابى المقدام، عن عبد الملك ابن عمير الزهري، انه قال: جمع عثمان أمراء الأجناد: معاويه بن ابى سفيان، و سعيد بن العاص، و عبد الله بن عامر، و عبد الله بن سعد بن ابى سرح، و عمرو بن العاص، فقال: أشيروا على، فان الناس قد تنمروا لي، فقال له معاويه: أشير عليك ان تامر أمراء اجنادك فيكفيك كل رجل منهم ما قبله، و اكفيك انا اهل الشام، فقال له عبد الله بن عامر:

ارى لك ان تجمرهم في هذه البعوث حتى يهم كل رجل منهم دبر دابته، و تشغلهم عن الارجاف بك، فقال عبد الله بن سعد: أشير عليك ان تنظر ما اسخطهم فترضيهم، ثم تخرج لهم هذا المال فيقسم بينهم.

ثم قام عمرو بن العاص فقال: يا عثمان، انك قد ركبت الناس بمثل بنى اميه، فقلت و قالوا، و زغت و زاغوا، فاعتدل او اعتزل، فان أبيت فاعتزم عزما، و امض قدما، فقال له عثمان: مالك قمل فروك! ا هذا الجد منك! فاسكت عمرو حتى إذا تفرقوا قال: لا و الله يا امير المؤمنين،

335

لانت اكرم على من ذلك، و لكنى قد علمت ان بالباب قوما قد علموا انك جمعتنا لنشير عليك، فاحببت ان يبلغهم قولي، فاقود لك خيرا، او ادفع عنك شرا فرد عثمان عماله على اعمالهم، و امرهم بالتضييق على من قبلهم، و امرهم بتجمير الناس في البعوث، و عزم على تحريم اعطياتهم ليطيعوه، و يحتاجوا اليه، ورد سعيد بن العاص أميرا على الكوفه، فخرج اهل الكوفه عليه بالسلاح، فتلقوه فردوه، و قالوا: لا و الله لا يلى علينا حكما ما حملنا سيوفنا.

حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو و على بن حسين، عن ابيه، عن هارون بن سعد، عن ابى يحيى عمير بن سعد النخعى، انه قال: كأني انظر الى الاشتر مالك بن الحارث النخعى على وجهه الغبار، و هو متقلد السيف، و هو يقول: و الله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا- يعنى سعيدا، و ذلك يوم الجرعة، و الجرعة مكان مشرف قرب القادسية- و هناك تلقاه اهل الكوفه.

حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو و على، قالا: حدثنا حسين، عن ابيه، عن هارون بن سعد، عن عمرو بن مره الجملي، عن ابى البختري الطائي، عن ابى ثور الحدائى- و حداء حي من مراد- انه قال:

دفعت الى حذيفة بن اليمان و ابى مسعود عقبه بن عمرو الأنصاري و هما في مسجد الكوفه يوم الجرعة، حيث صنع الناس بسعيد بن العاص ما صنعوا، و ابو مسعود يعظم ذلك، و يقول: ما ارى ان ترد على عقبيها حتى يكون فيها دماء، فقال حذيفة: و الله لتردن على عقبيها، و لا يكون فيها محجمه من دم، و ما اعلم منها اليوم شيئا الا و قد علمته و محمد(ص)حي، و ان الرجل ليصبح على الاسلام ثم يمسى و ما معه منه شي‏ء، ثم يقاتل اهل القبله و يقتله الله غدا، فينكص قلبه، فتعلوه استه فقلت لأبي ثور: فلعله قد كان، قال: لا و لله ما كان فلما رجع‏

336

سعيد بن العاص الى عثمان مطرودا، ارسل أبا موسى أميرا على الكوفه، فأقروه عليها.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن مسلم، عن واقد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمير الاشجعى، قال: قام في المسجد في الفتنة فقال: ايها الناس، اسكتوا، [فانى سمعت رسول الله(ص)يقول: من خرج و على الناس امام- و الله ما قال: عادل- ليشق عصاهم، و يفرق جماعتهم، فاقتلوه كائنا من كان‏].

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

لما استعوى يزيد بن قيس الناس على سعيد بن العاص، خرج منه ذكر لعثمان، فاقبل اليه القعقاع بن عمرو حتى اخذه، فقال: ما تريد؟

ا لك علينا في ان نستعفى سبيل؟ قال: لا، فهل الا ذلك؟ قال: لا، قال: فاستعف و استجلب يزيد اصحابه من حيث كانوا، فردوا سعيدا، و طلبوا أبا موسى، فكتب اليهم عثمان:

بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد، فقد امرت عليكم من اخترتم، و اعفيتكم من سعيد، و الله لافرشنكم عرضي، و لأبذلن لكم صبري، و لاستصلحنكم بجهدى، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله فيه الا سالتموه، و لا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه الا استعفيتم منه، انزل فيه عند ما احببتم، حتى لا يكون لكم على حجه.

و كتب بمثل ذلك في الأمصار، فقدمت اماره ابى موسى و غزو حذيفة و تامر ابو موسى، و رجع العمال الى اعمالهم، و مضى حذيفة الى الباب.

و اما الواقدى فانه زعم ان عبد الله بن محمد حدثه، عن ابيه، قال:

لما كانت سنه اربع و ثلاثين كتب اصحاب رسول الله(ص)بعضهم الى بعض: ان اقدموا، فان كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد.

و كثر الناس على عثمان، و نالوا منه اقبح ما نيل من احد، و اصحاب رسول‏

337

الله(ص)يرون و يسمعون، ليس فيهم احد ينهى و لا يذب الا نفير، منهم، زيد بن ثابت، و ابو اسيد الساعدي، و كعب بن مالك، و حسان بن ثابت فاجتمع الناس، [و كلموا على بن ابى طالب.

فدخل على عثمان، فقال: الناس ورائي، و قد كلموني فيك، و الله ما ادرى ما اقول لك، و ما اعرف شيئا تجهله، و لا ادلك على امر لا تعرفه، انك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك الى شي‏ء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشي‏ء فنبلغكه، و ما خصصنا بأمر دونك، و قد رايت و سمعت، و صحبت رسول الله(ص)و نلت صهره، و ما ابن ابى قحافة باولى بعمل الحق منك، و لا ابن الخطاب باولى شي‏ء من الخير منك، و انك اقرب الى رسول الله(ص)رحما، و لقد نلت من صهر رسول الله(ص)ما لم ينالا، و لا سبقاك الى شي‏ء فالله الله في نفسك، فإنك و الله ما تبصر من عمى، و لا تعلم من جهل، و ان الطريق لواضح بين، و ان اعلام الدين لقائمه تعلم يا عثمان ان افضل عباد الله عند الله امام عادل، هدى و هدى، فأقام سنه معلومه، و أمات بدعه متروكه، فو الله ان كلا لبين، و ان السنن لقائمه لها اعلام، و ان البدع لقائمه لها اعلام، و ان شر الناس عند الله امام جائر، ضل و ضل به، فامات سنه معلومه، و أحيا بدعه متروكه، و انى سمعت رسول الله(ص)يقول: يؤتى يوم القيامه بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر، فيلقى في جهنم، فيدور في جهنم كما تدور الرحا، ثم يرتطم في غمره جهنم و انى احذرك الله، و احذرك سطوته و نقماته، فان عذابه شديد اليم و احذرك ان تكون امام هذه الامه المقتول، فانه يقال: يقتل في هذه الامه امام، فيفتح عليها القتل و القتال الى يوم القيامه، و تلبس أمورها عليها، و يتركهم شيعا، فلا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجا، و يمرجون فيها مرجا]

338

فقال عثمان: قد و الله علمت، ليقولن الذى قلت، اما و الله لو كنت مكاني ما عنفتك، و لا اسلمتك، و لا عبت عليك، و لا جئت منكرا ان وصلت رحما، و سددت خله، و آويت ضائعا، و وليت شبيها بمن كان عمر يولى أنشدك الله يا على، هل تعلم ان المغيره بن شعبه ليس هناك! قال: نعم، قال: فتعلم ان عمر ولاه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني ان وليت ابن عامر في رحمه و قرابته؟ [قال على: ساخبرك، ان عمر ابن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه، ان بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به اقصى الغاية، و أنت لا تفعل، ضعفت و رفقت على اقربائك‏].

قال عثمان: هم اقرباؤك أيضا [فقال على: لعمري ان رحمهم منى لقريبه، و لكن الفضل في غيرهم،] قال عثمان: هل تعلم ان عمر ولى معاويه خلافته كلها؟ فقد وليته [فقال على: أنشدك الله هل تعلم ان معاويه كان اخوف من عمر من يرفا غلام عمر منه؟ قال: نعم.

قال على: فان معاويه يقتطع الأمور دونك و أنت تعلمها، فيقول للناس:

هذا امر عثمان، فيبلغك و لا تغير على معاويه‏] ثم خرج على من عنده، و خرج عثمان على اثره، فجلس على المنبر، فقال: اما بعد، فان لكل شي‏ء آفه، و لكل امر عاهة، و ان آفه هذه الامه، و عاهة هذه النعمه، عيابون طعانون، يرونكم ما تحبون و يسرون ما تكرهون، يقولون لكم و تقولون، امثال النعام يتبعون أول ناعق، أحب مواردها إليها البعيد، لا يشربون الا نغصا و لا يردون الا عكرا، لا يقوم لهم رائد، و قد أعيتهم الأمور، و تعذرت عليهم المكاسب الا فقد و الله عبتم على بما اقررتم لابن الخطاب بمثله، و لكنه وطئكم برجله، و ضربكم بيده، و قمعكم بلسانه، فدنتم له على ما احببتم او كرهتم، و لنت لكم، و أوطأت لكم كتفي، و كففت يدي و لساني عنكم، فاجتراتم على اما و الله لأنا أعز نفرا، و اقرب ناصرا

339

و اكثر عددا، و اقمن ان قلت هلم اتى الى، و لقد اعددت لكم اقرانكم، و افضلت عليكم فضولا، و كشرت لكم عن نابي، و اخرجتم منى خلقا لم أكن احسنه، و منطقا لم انطق به، فكفوا عليكم السنتكم، و طعنكم و عيبكم على ولاتكم، فانى قد كففت عنكم من لو كان هو الذى يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا الا فما تفقدون من حقكم؟ و الله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، و من لم تكونوا تختلفون عليه فضل فضل من مال، فما لي لا اصنع في الفضل ما اريد! فلم كنت اماما! فقام مروان ابن الحكم، فقال: ان شئتم حكمنا و الله بيننا و بينكم السيف، نحن و الله و أنتم كما قال الشاعر:

فرشنا لكم اعراضنا فنبت بكم* * * معارسكم تبنون في دمن الثرى‏

فقال عثمان: اسكت لاسكت، دعني و اصحابى، ما منطقك في هذا! ا لم ا تقدم إليك الا تنطق! فسكت مروان، و نزل عثمان.

و في هذه السنه مات ابو عبس بن جبر بالمدينة، و هو بدري و مات أيضا مسطح بن اثاثه، و عاقل بن ابى البكير من بنى سعد بن ليث، حليف لبنى عدى، و هما بدريان.

و حج بالناس في هذه السنه عثمان بن عفان رضى الله عنه‏

340

سنه خمس و ثلاثين‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك نزول اهل مصر ذا خشب، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: كان ذو خشب سنه خمس و ثلاثين، و كذلك قال الواقدى.

ذكر مسير من سار الى ذي خشب من اهل مصر و سبب مسير من سار الى ذي المروة من اهل العراق‏

فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبد الله بن سبا يهوديا من اهل صنعاء، أمه سوداء، فاسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم، فبدا بالحجاز، ثم البصره، ثم الكوفه، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند احد من اهل الشام، فاخرجوه حتى اتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم ان عيسى يرجع، و يكذب بان محمدا يرجع، و قد قال الله عز و جل: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ».

فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال: فقبل ذلك عنه، و وضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك: انه كان الف نبى، و لكل نبى وصى، و كان على وصى محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، و على خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من اظلم ممن لم يجز وصيه رسول الله ص، و وثب على وصى رسول الله ص، و تناول امر الامه! ثم قال لهم بعد ذلك: ان عثمان أخذها بغير حق، و هذا وصى رسول الله ص،

341

فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، و ابدءوا بالطعن على امرائكم، و أظهروا الأمر بالمعروف، و النهى عن المنكر، تستميلوا الناس، و ادعوهم الى هذا الأمر.

فبث دعاته، و كاتب من كان استفسد في الأمصار و كاتبوه، و دعوا في السر الى ما عليه رأيهم، و أظهروا الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و جعلوا يكتبون الى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، و يكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، و يكتب اهل كل مصر منهم الى مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم و هؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، و أوسعوا الارض اذاعه، و هم يريدون غير ما يظهرون، و يسرون غير ما يبدون، فيقول اهل كل مصر: انا لفي عافيه مما ابتلى به هؤلاء، الا اهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا:

انا لفي عافيه مما فيه الناس، و جامعه محمد و طلحه من هذا المكان، قالوا:

فاتوا عثمان، فقالوا: يا امير المؤمنين، ا يأتيك عن الناس الذى يأتينا؟ قال:

لا و الله، ما جاءني الا السلامة، قالوا: فانا قد أتانا و اخبروه بالذي اسقطوا اليهم، قال: فأنتم شركائى و شهود المؤمنين، فأشيروا على، قالوا:

نشير عليك ان تبعث رجالا ممن تثق بهم الى الأمصار حتى يرجعوا إليك باخبارهم.

فدعا محمد بن مسلمه فأرسله الى الكوفه، و ارسل اسامه بن زيد الى البصره، و ارسل عمار بن ياسر الى مصر، و ارسل عبد الله بن عمر الى الشام، و فرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمار، فقالوا: ايها الناس، ما أنكرنا شيئا، و لا انكره اعلام المسلمين و لا عوامهم، و قالوا جميعا: الأمر امر المسلمين، الا ان امراءهم يقسطون بينهم، و يقومون عليهم و استبطأ الناس عمارا حتى ظنوا انه قد اغتيل، فلم يفجأهم الا كتاب من عبد الله ابن سعد بن ابى سرح يخبرهم ان عمارا قد استماله قوم بمصر، و قد انقطعوا اليه، منهم عبد الله بن السوداء، و خالد بن ملجم، و سودان بن حمران، و كنانه بن بشر

342

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و عطية، قالوا: كتب عثمان الى اهل الأمصار: اما بعد، فانى آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، و قد سلطت الامه منذ وليت على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فلا يرفع على شي‏ء و لا على احد من عمالى الا اعطيته، و ليس لي و لعيالي حق قبل الرعية الا متروك لهم، و قد رفع الى اهل المدينة ان أقواما يشتمون، و آخرون يضربون، فيأمن ضرب سرا، و شتم سرا، من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان، منى او من عمالى، او تصدقوا فان الله يجزى المتصدقين فلما قرئ في الأمصار ابكى الناس، و دعوا لعثمان و قالوا: ان الامه لتمخض بشر و بعث الى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، و معاويه، و عبد الله بن سعد، و ادخل معهم في المشورة سعيدا و عمرا، فقال: ويحكم! ما هذه الشكاية؟

و ما هذه الإذاعة؟ انى و الله لخائف ان تكونوا مصدوقا عليكم، و ما يعصب هذا الا بي، فقالوا له: ا لم تبعث! ا لم نرجع إليك الخبر عن القوم! ا لم يرجعوا و لم يشافههم احد بشي‏ء! لا و الله ما صدقوا و لا بروا، و لا نعلم لهذا الأمر أصلا، و ما كنت لتاخذ به أحدا فيقيمك على شي‏ء، و ما هي الا اذاعه لا يحل الأخذ بها، و لا الانتهاء إليها.

قال: فأشيروا على، فقال سعيد بن العاص: هذا امر مصنوع يصنع في السر، فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.

و قال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذى عليهم إذا اعطيتهم الذى لهم، فانه خير من ان تدعهم قال معاويه: قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم الا الخير، و الرجلان اعلم بناحيتيهما، قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: ارى انك قد لنت لهم، و تراخيت‏

343

عنهم، و زدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى ان تلزم طريقه صاحبيك، فتشتد في موضع الشده، و تلين في موضع اللين ان الشده تنبغى لمن لا يالو الناس شرا، و اللين لمن يخلف الناس بالنصح، و قد فرشتهما جميعا اللين.

و قام عثمان فحمد الله و اثنى عليه و قال: كل ما أشرتم به على قد سمعت، و لكل امر باب يؤتى منه، ان هذا الأمر الذى يخاف على هذه الامه كائن، و ان بابه الذى يغلق عليه فيكفكف به اللين و المؤاتاة و المتابعة، الا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع احد ان يبادى بعيب أحدها، فان سده شي‏ء فرفق، فذاك و الله ليفتحن، و ليست لأحد على حجه حق، و قد علم الله انى لم آل الناس خيرا، و لا نفسي و و الله ان رحا الفتنة لدائره، فطوبى لعثمان ان مات و لم يحركها كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، و اغتفروا لهم، و إذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.

فلما نفر عثمان اشخص معاويه و عبد الله بن سعد الى المدينة، و رجع ابن عامر و سعيد معه و لما استقل عثمان رجز الحادي:

قد علمت ضوامر المطي* * * و ضامرات عوج القسي‏

ان الأمير بعده على* * * و في الزبير خلف رضى‏

و طلحه الحامى لها ولى

.

فقال كعب و هو يسير خلف عثمان: الأمير و الله بعده صاحب البغله- و اشار الى معاويه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبه الأسدي، عن رجل من بنى اسد، قال: ما زال معاويه يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمعوا اليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدا به الراجز:

ان الأمير بعده على* * * و في الزبير خلف رضى‏

قال كعب: كذبت! صاحب الشهباء بعده- يعنى معاويه- فاخبر معاويه، فسأله عن الذى بلغه، قال: نعم، أنت الأمير بعده، و لكنها و الله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا فوقعت في نفس معاويه.

و شاركهم في هذا المكان ابو حارثة و ابو عثمان، عن رجاء بن حيوه‏

344

و غيره قالوا: فلما ورد عثمان المدينة رد الأمراء الى اعمالهم، فمضوا جميعا، و اقام سعيد بعدهم، فلما ودع معاويه عثمان خرج من عنده و عليه ثياب السفر متقلدا سيفه، متنكبا قوسه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحه و الزبير و على، فقام عليهم، فتوكأ على قوسه بعد ما سلم عليهم، ثم قال:

انكم قد علمتم ان هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون الى رجال، فلم يكن منكم احد الا و في فصيلته من يرئسه، و يستبد عليه، و يقطع الأمر دونه، و لا يشهده، و لا يؤامره، حتى بعث الله جل و عز نبيه ص، و اكرم به من اتبعه، فكانوا يرئسون من جاء من بعده، وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ، يتفاضلون بالسابقه و القدمه و الاجتهاد، فان أخذوا بذلك و قاموا عليه كان الأمر امرهم، و الناس تبع لهم، و ان اصغوا الى الدنيا و طلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، و رده الله الى من كان يرئسهم و الا فليحذروا الغير، فان الله على البدل قادر، و له المشيئه في ملكه و امره انى قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا، و كانفوه تكونوا اسعد منه بذلك ثم ودعهم و مضى، فقال على: ما كنت ارى ان في هذا خيرا، فقال الزبير: لا و الله، ما كان قط اعظم في صدرك و صدورنا منه الغداة حدثنى عبد الله بن احمد بن شبويه، قال: حدثنى ابى، قال:

حدثنى عبد الله، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحه، قال: ارسل عثمان الى طلحه يدعوه، فخرجت معه حتى دخل على عثمان، و إذ على و سعد و الزبير و عثمان و معاويه، فحمد الله معاويه و اثنى عليه بما هو اهله، ثم قال: أنتم اصحاب رسول الله ص، و خيرته في الارض، و ولاه امر هذه الامه، لا يطمع في ذلك احد غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبه و لا طمع، و قد كبرت سنه، و ولى عمره، و لو انتظرتم به الهرم كان قريبا، مع انى أرجو ان يكون اكرم على الله ان يبلغ به ذلك، و قد فشت قاله خفتها عليكم، فما عتبتم فيه من شي‏ء فهذه يدي لكم به، و لا تطمعوا الناس في امركم، فو الله لئن طمعوا في ذلك لا رايتم فيها ابدا الا ادبارا قال على: و مالك و ذلك! و ما ادراك لا أم لك! قال: دع أمي مكانها، ليست بشر أمهاتكم، قد اسلمت و بايعت النبي ص‏

345

، و اجبنى فيما اقول لك فقال عثمان: صدق ابن أخي، انى اخبركم عنى و عما وليت، ان صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما و من كان منهما بسبيل احتسابا، و ان رسول الله(ص)كان يعطى قرابته، و انا في رهط اهل عيلة، و قله معاش، فبسطت يدي في شي‏ء من ذلك المال، لمكان ما اقوم به فيه، و رايت ان ذلك لي، فان رايتم ذلك خطا فردوه، فامرى لأمركم تبع قالوا: اصبت و احسنت، قالوا: اعطيت عبد الله بن خالد بن اسيد و مروان- و كانوا يزعمون انه اعطى مروان خمسه عشر ألفا، و ابن اسيد خمسين ألفا- فردوا منهما ذلك، فرضوا و قبلوا، و خرجوا راضين.

رجع الحديث الى حديث سيف، عن شيوخه:

و كان معاويه قد قال لعثمان غداه ودعه و خرج: يا امير المؤمنين، انطلق معى الى الشام قبل ان يهجم عليك من لا قبل لك به، فان اهل الشام على الأمر لم يزالوا فقال: انا لا أبيع جوار رسول الله(ص)بشي‏ء، و ان كان فيه قطع خيط عنقى قال: فابعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني اهل المدينة لنائبه ان نابت المدينة او إياك قال: انا اقتر على جيران رسول الله(ص)الأرزاق بجند تساكنهم، و اضيق على اهل دار الهجره و النصره! قال: و الله يا امير المؤمنين، لتغتالن او لتغزين، قال: حسبي‏ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏ و قال معاويه: يا ايسار الجزور، و اين ايسار الجزور! ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى و قد كان اهل مصر كاتبوا أشياعهم من اهل الكوفه و اهل البصره و جميع من أجابهم ان يثوروا خلاف امرائهم و اتعدوا يوما حيث شخص امراؤهم، فلم يستقم ذلك لأحد منهم، و لم ينهض الا اهل الكوفه، فان يزيد بن قيس الارحبى ثار فيها، و اجتمع اليه اصحابه، و على الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو، فأتاه فاحاط الناس بهم و ناشدوهم، فقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك على و على هؤلاء! فو الله انى لسامع مطيع، و انى للازم لجماعتى الا انى استعفى و من ترى من اماره سعيد، فقال: استعفى الخاصة من امر قد رضيته العامه؟ قال:

346

فذاك الى امير المؤمنين فتركهم و الاستعفاء، و لم يستطيعوا ان يظهروا غير ذلك، فاستقبلوا سعيدا، فردوه من الجرعة، و اجتمع الناس على ابى موسى، و اقره عثمان رضى الله تعالى عنه و لما رجع الأمراء لم يكن للسبئيه سبيل الى الخروج الى الأمصار، و كاتبوا أشياعهم من اهل الأمصار ان يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، و أظهروا انهم يأمرون بالمعروف، و يسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس، و لتحقق عليه، فتوافوا بالمدينة، و ارسل عثمان رجلين:

مخزوميا و زهريا، فقال: انظرا ما يريدون، و اعلما علمهم- و كانا ممن قد ناله من عثمان ادب، فاصطبرا للحق، و لم يضطغنا- فلما رأوهما باثوهما و اخبروهما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من اهل المدينة؟ قالوا:

ثلاثة نفر، فقالا: هل الا؟ قالوا لا! قالا: فكيف تريدون ان تصنعوا؟

قالوا: نريد ان نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع اليهم فنزعم لهم انا قررناه بها، فلم يخرج منها و لم يتب، ثم نخرج كانا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فان ابى قتلناه و كانت إياها، فرجعا الى عثمان بالخبر، فضحك و قال: اللهم سلم هؤلاء، فإنك ان لم تسلمهم شقوا.

اما عمار فحمل على عباس بن عتبة بن ابى لهب و عركه و اما محمد ابن ابى بكر فانه اعجب حتى راى ان الحقوق لا تلزمه، و اما ابن سهله فانه يتعرض للبلاء فأرسل الى الكوفيين و البصريين، و نادى: الصلاة جامعه! و هم عنده في اصل المنبر، فاقبل اصحاب رسول الله(ص)حتى أحاطوا بهم، فحمد الله و اثنى عليه، و اخبرهم خبر القوم، و قام الرجلان، فقالوا جميعا: اقتلهم، [فان رسول الله(ص)قال:

من دعا الى نفسه او الى احد و على الناس امام فعليه لعنه الله فاقتلوه‏] و قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لا أحل لكم الا ما قتلتموه و انا شريككم.

فقال عثمان: بل نعفو و نقبل و نبصرهم بجهدنا، و لا نحاد أحدا حتى يركب حدا، او يبدى كفرا ان هؤلاء ذكروا أمورا قد علموا منها مثل الذى علمتم، الا انهم زعموا انهم يذاكرونيها ليوجبوها على عند من لا يعلم.

و قالوا: اتم الصلاة في السفر، و كانت لا تتم، الا و انى قدمت بلدا

347

فيه اهلى، فاتممت لهذين الأمرين، او كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.

و قالوا: و حميت حمى، و انى و الله ما حميت، حمى قبلي، و الله ما حموا شيئا لأحد ما حموا الا غلب عليه اهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحدا، و اقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها و بين احد تنازع، ثم ما منعوا و لا نحوا منها أحدا الا من ساق درهما، و ما لي من بعير غير راحلتين، و ما لي ثاغية و لا راغيه، و انى قد وليت، و انى اكثر العرب بعيرا و شاء، فمالى اليوم شاه و لا بعير غير بعيرين لحجى، ا كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.

و قالوا: كان القرآن كتبا، فتركتها الا واحدا الا و ان القرآن واحد، جاء من عند واحد، و انما انا في ذلك تابع لهؤلاء، ا كذلك؟ قالوا:

نعم، و سألوه ان يقيلهم.

و قالوا: انى رددت الحكم و قد سيره رسول الله ص.

و الحكم مكي، سيره رسول الله(ص)من مكة الى الطائف، ثم رده رسول الله ص، فرسول الله(ص)سيره، و رسول الله(ص)رده، ا كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.

و قالوا: استعملت الاحداث و لم استعمل الا مجتمعا محتملا مرضيا، و هؤلاء اهل عملهم، فسلوهم عنه، و هؤلاء اهل بلده، و لقد ولى من قبلي احدث منهم، و قيل في ذلك لرسول الله(ص)أشد مما قيل لي في استعماله اسامه، ا كذلك؟ قالوا: اللهم نعم، يعيبون للناس ما لا يفسرون.

و قالوا: انى اعطيت ابن ابى سرح ما أفاء الله عليه و انى انما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائه الف، و قد انفذ مثل ذلك ابو بكر و عمر رضى الله عنهما، فزعم الجند انهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم و ليس ذاك لهم، ا كذاك؟ قالوا: نعم.

و قالوا: انى أحب اهل بيتى و أعطيهم، فاما حبى فانه لم يمل معهم على جور، بل احمل الحقوق عليهم، و اما اعطاؤهم فانى ما أعطيهم من مالي، و لا استحل اموال المسلمين لنفسي، و لا لأحد من الناس، و لقد كنت‏

348

اعطى العطية الكبيره الرغيبه من صلب مالي ازمان رسول الله(ص)و ابى بكر و عمر رضى الله عنهما، و انا يومئذ شحيح حريص، ا فحين اتيت على اسنان اهل بيتى، و فنى عمرى، و ودعت الذى لي في اهلى، قال الملحدون ما قالوا! و انى و الله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله، و لقد رددته عليهم، و ما قدم على الا الاخماس، و لا يحل لي منها شي‏ء، فولى المسلمون وضعها في أهلها دوني، و لا يتلفت من مال الله بفلس فما فوقه، و ما اتبلغ منه ما آكل الا مالي.

و قالوا: اعطيت الارض رجالا، و ان هذه الارضين شاركهم فيها المهاجرون و الانصار ايام افتتحت، فمن اقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة اهله، و من رجع الى اهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له، فنظرت في الذى يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بامرهم من رجال اهل عقار ببلاد العرب فنقلت اليهم نصيبهم، فهو في ايديهم دوني.

و كان عثمان قد قسم ماله و ارضه في بنى اميه، و جعل ولده كبعض من يعطى، فبدا ببني ابى العاص، فاعطى آل الحكم رجالهم عشره آلاف، عشره آلاف، فأخذوا مائه الف، و اعطى بنى عثمان مثل ذلك، و قسم في بنى العاص و في بنى العيص و في بنى حرب، و لانت حاشيه عثمان لأولئك الطوائف، و ابى المسلمون الا قتلهم، و ابى الا تركهم، فذهبوا و رجعوا الى بلادهم على ان يغزوه مع الحجاج كالحجاج، فتكاتبوا و قالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوال، حتى إذا دخل شوال من سنه اثنتى عشره، ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى حارثة و ابى عثمان، قالوا: لما كان في شوال سنه خمس و ثلاثين خرج اهل مصر في اربع رفاق على اربعه أمراء: المقلل يقول: ستمائه، و المكثر يقول: الف على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوى، و كنانه بن بشر التجيبى، و عروه بن شيبم الليثى، و ابو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي و سواد بن رومان الأصبحي، و زرع بن يشكر اليافعى، و سودان ابن حمران السكوني، و قتيرة بن فلان السكوني، و على القوم جميعا

349

الغافقي بن حرب العكي، و لم يجترئوا ان يعلموا الناس بخروجهم الى الحرب، و انما اخرجوا كالحجاج، و معهم ابن السوداء و خرج اهل الكوفه في اربع رفاق، و على الرفاق زيد بن صوحان العبدى، و الاشتر النخعى، و زياد بن النضر الحارثى، و عبد الله بن الأصم، احد بنى عامر بن صعصعة، و عددهم كعدد اهل مصر، و عليهم جميعا سبعا عمرو بن الأصم و خرج اهل البصره في اربع رفاق، و على الرفاق حكيم بن جبله العبدى، و ذريح ابن عباد العبدى، و بشر بن شريح الحطم بن ضبيعه القيسى و ابن المحرش ابن عبد بن عمرو الحنفي و عددهم كعدد اهل مصر و أميرهم جميعا حرقوص ابن زهير السعدي، سوى من تلاحق بهم من الناس فاما اهل مصر فإنهم كانوا يشتهون عليا، و اما اهل البصره فإنهم كانوا يشتهون طلحه، و اما اهل الكوفه فإنهم كانوا يشتهون الزبير فخرجوا و هم على الخروج جميع و في الناس شتى، لا تشك كل فرقه الا ان الفلج معها، و ان امرها سيتم دون الأخريين، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من اهل البصره فنزلوا ذا خشب، و ناس من اهل الكوفه فنزلوا الاعوص، و جاءهم ناس من اهل مصر، و تركوا عامتهم بذى المروة و مشى فيما بين اهل مصر و اهل البصره زياد بن النضر و عبد الله بن الأصم، و قالا: لا تعجلوا و لا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة و نرتاد، فانه بلغنا انهم قد عسكروا لنا، فو الله ان كان اهل المدينة قد خافونا و استحلوا قتالنا و لم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد، و ان امرنا هذا لباطل، و ان لم يستحلوا قتالنا و وجدنا الذى بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر.

قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا ازواج النبي(ص)و عليا و طلحه و الزبير، و قالا: انما نأتم هذا البيت، و نستعفى هذا الوالي من بعض‏

350

عمالنا، ما جئنا الا لذلك، و استاذناهم للناس بالدخول، فكلهم ابى، و نهى و قال: بيض ما يفرخن، فرجعا اليهم فاجتمع من اهل مصر نفر فاتوا عليا و من اهل البصره نفر فاتوا طلحه، و من اهل الكوفه نفر فاتوا الزبير، و قال كل فريق منهم: ان بايعوا صاحبنا و الا كدناهم و فرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم، فاتى المصريون عليا و هو في عسكر عند احجار الزيت، عليه حله افواف معتم بشقيقه حمراء يمانيه، متقلد السيف، ليس عليه قميص، و قد سرح الحسن الى عثمان فيمن اجتمع اليه فالحسن جالس عند عثمان، و على عند احجار الزيت، فسلم عليه المصريون و عرضوا له، فصاح بهم و اطردهم، و قال: لقد علم الصالحون ان جيش ذي المروة و ذي خشب ملعونون على لسان محمد ص، فارجعوا لاصحبكم الله! قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك.

و اتى البصريون طلحه و هو في جماعه اخرى الى جنب على، و قد ارسل ابنيه الى عثمان، فسلم البصريون عليه و عرضوا له، فصاح بهم و اطردهم، و قال: لقد علم المؤمنون ان جيش ذي المروة و ذي خشب و الاعوص ملعونون على لسان محمد ص.

و اتى الكوفيون الزبير و هو في جماعه اخرى، و قد سرح ابنه عبد الله الى عثمان، فسلموا عليه و عرضوا له، فصاح بهم و اطردهم، و قال: لقد علم المسلمون ان جيش ذي المروة و ذي خشب و الاعوص ملعونون على لسان محمد ص، فخرج القوم و اروهم انهم يرجعون، فانفشوا عن ذي خشب و الاعوص، حتى انتهوا الى عساكرهم، و هي ثلاث مراحل، كي يفترق اهل المدينة، ثم يكروا راجعين فافترق اهل المدينة لخروجهم.

فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم، فبغتوهم، فلم يفجا اهل المدينة

351

الا و التكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، و أحاطوا بعثمان، و قالوا: من كف يده فهو آمن.

و صلى عثمان بالناس أياما، و لزم الناس بيوتهم، و لم يمنعوا أحدا من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم، و فيهم على، فقال: ما ردكم بعد ذهابكم و رجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا، و أتاهم طلحه فقال البصريون مثل ذلك، و أتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، و قال الكوفيون و البصريون: فنحن ننصر إخواننا و نمنعهم جميعا، كأنما كانوا على ميعاد.

فقال لهم على: كيف علمتم يا اهل الكوفه و يا اهل البصره بما لقى اهل مصر، و قد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا؟ هذا و الله امر ابرم بالمدينة! قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجه لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا و هو في ذلك يصلى بهم، و هم يصلون خلفه، و يغشى من شاء عثمان و هم في عينه أدق من التراب، و كانوا لا يمنعون أحدا من الكلام، و كانوا زمرا بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع.

و كتب عثمان الى اهل الأمصار يستمدهم: بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فان الله عز و جل بعث محمدا بالحق بشيرا و نذيرا، فبلغ عن الله ما امره به، ثم مضى و قد قضى الذى عليه، و خلف فينا كتابه، فيه حلاله و حرامه، و بيان الأمور التي قدر، فأمضاها على ما أحب العباد و كرهوا، فكان الخليفة ابو بكر رضى الله عنه و عمر رضى الله عنه، ثم ادخلت في الشورى عن غير علم و لا مساله عن ملا من الامه، ثم اجمع اهل الشورى عن ملا منهم و من الناس على، على غير طلب منى و لا محبه، فعملت فيهم ما يعرفون و لا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلف.

فلما انتهت الأمور، و انتكث الشر باهله، بدت ضغائن و أهواء على غير اجرام و لا تره فيما مضى الا إمضاء الكتاب، فطلبوا امرا و أعلنوا غيره بغير حجه و لا عذر، فعابوا على أشياء مما كانوا يرضون، و أشياء عن ملا من اهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي و كففتها عنهم منذ سنين‏

352

و انا ارى و اسمع، فازدادوا على الله عز و جل جراه، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله(ص)و حرمه و ارض الهجره، و ثابت اليهم الاعراب، فهم كالاحزاب ايام الأحزاب او من غزانا بأحد الا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.

فاتى الكتاب اهل الأمصار، فخرجوا على الصعبه و الذلول، فبعث معاويه حبيب بن مسلمه الفهري، و بعث عبد الله بن سعد معاويه بن حديج السكوني، و خرج من اهل الكوفه القعقاع بن عمرو.

و كان المحضضين بالكوفه على اعانه اهل المدينة عقبه بن عمرو و عبد الله ابن ابى اوفى و حنظله بن الربيع التميمى، في أمثالهم من اصحاب النبي(ص)و كان المحضضين بالكوفه من التابعين اصحاب عبد الله مسروق بن الأجدع، و الأسود بن يزيد، و شريح بن الحارث، و عبد الله بن عكيم، في أمثالهم، يسيرون فيها، و يطوفون على مجالسها، يقولون: يا ايها الناس، ان الكلام اليوم و ليس به غدا، و ان النظر يحسن اليوم و يقبح غدا، و ان القتال يحل اليوم و يحرم غدا، انهضوا الى خليفتكم، و عصمه امركم.

و قام بالبصرة عمران بن حصين و انس بن مالك، و هشام بن عامر في أمثالهم من اصحاب النبي(ص)يقولون مثل ذلك، و من التابعين كعب بن سور و هرم بن حيان العبدى، و اشباه لهما يقولون ذلك! و قام بالشام عباده بن الصامت و ابو الدرداء و ابو امامه في أمثالهم من اصحاب النبي(ص)يقولون مثل ذلك، و من التابعين شريك بن خباشه النميرى، و ابو مسلم الخولاني، و عبد الرحمن بن غنم بمثل ذلك، و قام بمصر خارجه في اشباه له، و قد كان بعض المحضضين قد شهد قدومهم، فلما رأوا حالهم انصرفوا الى أمصارهم بذلك و قاموا فيهم.

و لما جاءت الجمعه التي على اثر نزول المصريين مسجد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء

353

العدى، الله الله! فو الله، ان اهل المدينة ليعلمون انكم ملعونون على لسان محمد ص، فامحوا الخطايا بالصواب، فان الله عز و جل لا يمحو السيئ الا بالحسن.

فقام محمد بن مسلمه، فقال: انا اشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبله فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغنى الكتاب، فثار اليه من ناحيه اخرى محمد بن ابى قتيرة فأقعده، و قال فافظع، و ثار القوم باجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، و حصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه، فاحتمل فادخل داره، و كان المصريون لا يطمعون في احد من اهل المدينة ان يساعدهم الا في ثلاثة نفر، فإنهم كانوا يراسلونهم:

محمد بن ابى بكر، و محمد بن ابى حذيفة، و عمار بن ياسر، و شمر اناس من الناس فاستقتلوا، منهم سعد بن مالك، و ابو هريرة، و زيد بن ثابت، و الحسن بن على، فبعث اليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا فانصرفوا، و اقبل على(ع)حتى دخل على عثمان، و اقبل طلحه حتى دخل عليه، و اقبل الزبير حتى دخل عليه، يعودونه من صرعته، و يشكون بثهم، ثم رجعوا الى منازلهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عمرو، عن الحسن، قال: قلت له: هل شهدت حصر عثمان؟ قال: نعم، و انا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد، فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي او قمت، فاقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد و ما حوله، فاجتمع اليهم اناس من اهل المدينة، يعظمون ما صنعوا و أقبلوا على اهل المدينة يتوعدونهم، فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب، فطلع عثمان، فكأنما كانت نار طفئت، فعمد الى المنبر فصعده فحمد الله و اثنى عليه، فثار رجل، فأقعده رجل، و قام آخر فأقعده آخر، ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع، فاحتمل فادخل، فصلى بهم عشرين يوما، ثم منعوه من الصلاة.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه‏

354

و ابى حارثة و ابى عثمان، قالوا: صلى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما، ثم انهم منعوه الصلاة، فصلى بالناس أميرهم الغافقي، دان له المصريون و الكوفيون و البصريون، و تفرق اهل المدينة في حيطانهم، و لزموا بيوتهم، لا يخرج احد و لا يجلس الا و عليه سيفه يمتنع به من رهق القوم و كان الحصار اربعين يوما، و فيهن كان القتل، و من تعرض لهم وضعوا فيه السلاح، و كانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون و اما غير سيف فان منهم من قال: كانت مناظره القوم عثمان و سبب حصارهم اياه ما حدثنى به يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمى، قال: حدثنا ابى، قال: حدثنا ابو نضره،

3

عن ابى سعيد مولى ابى اسيد الأنصاري، قال: سمع عثمان ان وفد اهل مصر قد أقبلوا، قال:

فاستقبلهم، و كان في قريه له خارجه من المدينة- او كما قال- فلما سمعوا به، أقبلوا نحوه الى المكان الذى هو فيه- قال: و كره ان يقدموا عليه المدينة او نحوا من ذلك- قال: فاتوه، فقالوا له: ادع بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، قال: فقالوا له: افتح التاسعه- قال: و كانوا يسمون سوره يونس التاسعه- قال: فقرأها حتى اتى على هذه الآية: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏» قال: قالوا له: قف، فقالوا له: ا رايت ما حميت من الحمى؟ آلله اذن لك أم على الله تفترى! قال: فقال:

امضه، نزلت في كذا و كذا قال: و اما الحمى فان عمر حمى الحمى قبلي لا بل الصدقه، فلما وليت زادت ابل الصدقه فزدت في الحمى لما زاد في ابل الصدقه، امضه قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه، نزلت في كذا و كذا- قال: و الذى يتولى كلام عثمان يومئذ في سنك، قال:

يقول ابو نضره، يقول ذاك لي ابو سعيد، قال ابو نضره: و انا في سنك‏