تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
355

يومئذ، قال: و لم يخرج وجهى يومئذ، لا ادرى، و لعله قد قال مره اخرى:

و انا يومئذ ابن ثلاثين سنه- ثم اخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج قال:

فعرفها، فقال: استغفر الله و اتوب اليه قال: فقال لهم: ما تريدون؟

قال: فأخذوا ميثاقه- قال: و احسبه قال: و كتبوا عليه شرطا- قال: و أخذ عليهم الا يشقوا عصا، و لا يفارقوا جماعه ما قام لهم بشرطهم- او كما أخذوا عليه- قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد الا يأخذ اهل المدينة عطاء، فإنما هذا المال لمن قاتل عليه و لهؤلاء الشيوخ من اصحاب رسول الله(ص)قال: فرضوا بذلك، و أقبلوا معه الى المدينة راضين.

قال: فقام فخطب، فقال: انى ما رايت و الله وفدا في الارض هم خير لحوباتى من هذا الوفد الذين قدموا على و قد قال مره اخرى: خشيت من هذا الوفد من اهل مصر، الا من كان له زرع فليلحق بزرعه، و من كان له ضرع فليحتلب، الا انه لا مال لكم عندنا، انما هذا المال لمن قاتل عليه و لهؤلاء الشيوخ من اصحاب رسول الله(ص)قال: فغضب الناس، و قالوا: هذا مكر بنى اميه.

قال: ثم رجع الوفد المصريون راضين، فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع اليهم، ثم يفارقهم و يتبينهم قال: قالوا له: ما لك؟ ان لك لامرا! ما شانك؟ قال: فقال: انا رسول امير المؤمنين الى عامله بمصر، ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه الى عامله بمصر ان يصلبهم او يقتلهم او يقطع ايديهم و ارجلهم من خلاف.

قال: فاقبلوا حتى قدموا المدينة، قال: فاتوا عليا، فقالوا: ا لم تر الى عدو الله! انه كتب فينا بكذا و كذا، و ان الله قد أحل دمه، قم معنا اليه، قال:

و الله لا اقوم معكم، الى ان قالوا: فلم كتبت إلينا؟ فقال: و الله ما كتبت إليكم كتابا قط، قال: فنظر بعضهم الى بعض، ثم قال بعضهم لبعض:

ا لهذا تقاتلون، او لهذا تغضبون! قال: فانطلق على، فخرج من المدينة الى قريه قال: فانطلقوا حتى‏

356

دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا و كذا! قال: فقال: انما هما اثنتان: ان تقيموا على رجلين من المسلمين، او يميني بالله الذى لا اله الا هو ما كتبت و لا امللت و لا علمت قال: و قد تعلمون ان الكتاب يكتب على لسان الرجل، و قد ينقش الخاتم على الخاتم قال: فقالوا: فقد و الله أحل الله دمك، و نقضت العهد و الميثاق قال: فحاصروه.

و اما الواقدى فانه ذكر في سبب مسير المصريين الى عثمان و نزولهم ذا خشب أمورا كثيره، منها ما قد تقدم ذكريه، و منها ما اعرضت عن ذكره كراهة منى لبشاعته و منها ما ذكر ان عبد الله بن جعفر حدثه عن ابى عون مولى المسور، قال: كان عمرو بن العاص على مصر عاملا لعثمان، فعزله عن الخراج، و استعمله على الصلاة، و استعمل عبد الله بن سعد على الخراج، ثم جمعهما لعبد الله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل اليه يوما عثمان خاليا به، فقال: يا بن النابغة، ما اسرع ما قمل جربان جبتك! انما عهدك بالعمل عاما أول.

ا تطعن على و تأتيني بوجه و تذهب عنى باخر! و الله لو لا اكله ما فعلت ذلك قال: فقال عمرو: ان كثيرا مما يقول الناس و ينقلون الى ولاتهم باطل، فاتق الله يا امير المؤمنين في رعيتك! فقال عثمان: و الله لقد استعملتك على ظلعك، و كثره القاله فيك فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب، ففارقنى و هو عنى راض قال: فقال عثمان: و انا و الله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت، و لكنى لنت عليك فاجترات على، اما و الله لأنا أعز منك نفرا في الجاهلية، و قبل ان الى هذا السلطان فقال عمرو: دع عنك هذا، فالحمد لله الذى أكرمنا بمحمد(ص)و هدانا به، قد رايت العاصي بن وائل و رايت اباك عفان، فو الله للعاص كان اشرف من ابيك قال: فانكسر عثمان، و قال: ما لنا و لذكر الجاهلية! قال: و خرج عمرو و دخل مروان، فقال: يا امير المؤمنين، و قد بلغت مبلغا يذكر عمرو بن العاص اباك! فقال عثمان: دع هذا عنك، من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه‏

357

قال: فخرج عمرو من عند عثمان و هو محتقد عليه، ياتى عليا مره فيؤلبه على عثمان، و ياتى الزبير مره فيؤلبه على عثمان، و ياتى طلحه مره فيؤلبه على عثمان، و يعترض الحاج فيخبرهم بما احدث عثمان، فلما كان حصر عثمان الاول، خرج من المدينة، حتى انتهى الى ارض له بفلسطين يقال لها السبع، فنزل في قصر له يقال له العجلان، و هو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان! قال: فبينا هو جالس في قصره ذلك، و معه ابناه محمد و عبد الله، و سلامه ابن روح الجذامى، إذ مر بهم راكب، فناداه عمرو: من اين قدم الرجل؟

فقال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل؟ يعنى عثمان، قال: تركته محصورا شديد الحصار قال عمرو: انا ابو عبد الله، قد يضرط العير و المكواه في النار فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر، فناداه عمرو: ما فعل الرجل؟ يعنى عثمان، قال: قتل، قال: انا ابو عبد الله، إذا حككت قرحه نكاتها، ان كنت لاحرض عليه، حتى انى لاحرض عليه الراعى في غنمه في راس الجبل فقال له سلامه بن روح: يا معشر قريش، انه كان بينكم و بين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا ان نخرج الحق من حافره الباطل، و ان يكون الناس في الحق شرعا سواء و كانت عند عمرو اخت عثمان لامه أم كلثوم بنت عقبه بن ابى معيط، ففارقها حين عزله.

قال محمد بن عمر: و حدثنى عبد الله بن محمد، عن ابيه، قال: كان محمد بن ابى بكر و محمد بن ابى حذيفة بمصر يحرضان على عثمان، فقدم محمد بن ابى بكر و اقام محمد بن ابى حذيفة بمصر، فلما خرج المصريون خرج عبد الرحمن بن عديس البلوى في خمسمائة، و أظهروا انهم يريدون العمره، و خرجوا في رجب، و بعث عبد الله بن سعد رسولا سار احدى عشره ليله يخبر عثمان ان ابن عديس و اصحابه قد وجهوا نحوه، و ان محمد بن ابى حذيفة شيعهم الى عجرود، ثم رجع و اظهر محمد ان قال: خرج القوم عمارا، و قال في السر: خرج القوم الى امامهم فان نزع و الا قتلوه، و سار

358

القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خشب و قال عثمان قبل قدومهم حين جاءه رسول عبد الله بن سعد: هؤلاء قوم من اهل مصر يريدون- بزعمهم- العمره، و الله ما اراهم يريدونها، و لكن الناس قد دخل بهم، و أسرعوا الى الفتنة، و طال عليهم عمرى، اما و الله لئن فارقتهم ليتمنون ان عمرى كان طال عليهم مكان كل يوم بسنه مما يرون من الدماء المسفوكة، و الإحن و الأثرة الظاهره، و الأحكام المغيره قال: فلما نزل القوم ذا خشب جاء الخبر ان القوم يريدون قتل عثمان ان لم ينزع، و اتى رسولهم الى على ليلا، و الى طلحه، و الى عمار بن ياسر.

و كتب محمد بن ابى حذيفة معهم الى على كتابا، فجاءوا بالكتاب الى على، فلم يظهر على ما فيه، فلما راى عثمان ما راى جاء عليا فدخل عليه بيته، فقال: يا بن عم، انه ليس لي مترك، و ان قرابتي قريبه، ولى حق عظيم عليك، و قد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، و هم مصبحى، و انا اعلم ان لك عند الناس قدرا، و انهم يسمعون منك، فانا أحب ان تركب اليهم فتردهم عنى، فانى لا أحب ان يدخلوا على، فان ذلك جراه منهم على، و ليسمع بذلك غيرهم فقال على: علام اردهم؟ قال: على ان اصير الى ما اشرت به على و رايته لي، و لست اخرج من يديك، [فقال على: انى قد كنت كلمتك مره بعد مره، فكل ذلك نخرج فتكلم، و نقول و تقول، و ذلك كله فعل مروان بن الحكم و سعيد بن العاص و ابن عامر و معاويه، اطعتهم و عصيتني.

قال عثمان: فانى اعصيهم و أطيعك‏] قال: فامر الناس، فركبوا معه: المهاجرون و الانصار قال: و ارسل عثمان الى عمار بن ياسر، يكلمه ان يركب مع على فأبى، فأرسل عثمان الى سعد بن ابى وقاص، فكلمه ان ياتى عمارا فيكلمه ان يركب مع على، قال: فخرج سعد حتى دخل على عمار، فقال: يا أبا اليقظان، الا تخرج فيمن يخرج! و هذا على يخرج فاخرج معه، و اردد هؤلاء القوم عن امامك، فانى‏

359

لاحسب انك لم تركب مركبا هو خير لك منه.

قال: و ارسل عثمان الى كثير بن الصلت الكندى- و كان من اعوان عثمان- فقال: انطلق في اثر سعد فاسمع ما يقول سعد لعمار، و ما يرد عمار على سعد، ثم ائتنى سريعا.

قال: فخرج كثير حتى يجد سعدا عند عمار مخليا به، فالقم عينه جحر الباب، فقام اليه عمار و لا يعرفه، و في يده قضيب، فادخل القضيب الجحر الذى ألقمه كثير عينه، فاخرج كثير عينه من الجحر، و ولى مدبرا متقنعا فخرج عمار فعرف اثره، و نادى: يا قليل ابن أم قليل! اعلى تطلع و تستمع حديثي! و الله لو دريت انك هو لفقأت عينك بالقضيب، فان رسول الله(ص)قد أحل ذلك ثم رجع عمار الى سعد، فكلمه سعد و جعل يفتله بكل وجه، فكان آخر ذلك ان قال عمار: و الله لا اردهم عنه ابدا فرجع سعد الى عثمان، فاخبره بقول عمار، فاتهم عثمان سعدا ان يكون لم يناصحه، فاقسم له سعد بالله، لقد حرض فقبل منه عثمان.

قال: و ركب على(ع)الى اهل مصر، فردهم عنه، فانصرفوا راجعين.

قال محمد بن عمر: حدثنى محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، قال: لما نزلوا ذا خشب، كلم عثمان عليا و اصحاب رسول الله(ص)ان يردوهم عنه، فركب على و ركب معه نفر من المهاجرين، فيهم سعيد بن زيد، و ابو جهم العدوى، و جبير بن مطعم، و حكيم بن حزام، و مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد، و خرج من الانصار ابو اسيد الساعدي و ابو حميد الساعدي، و زيد بن ثابت، و حسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و معهم من العرب نيار بن مكرم و غيرهم ثلاثون رجلا، و كلمهم على و محمد بن مسلمه- و هما اللذان قدما- فسمعوا مقالتهما، و رجعوا قال محمود: فأخبرني محمد بن مسلمه، قال: ما برحنا من ذي خشب حتى رحلوا راجعين الى مصر، و جعلوا يسلمون على، فما انسى قول عبد الرحمن بن عديس:

ا توصينا يا أبا عبد الرحمن بحاجه؟ قال: قلت: تتقى الله وحده لا شريك له،

360

و ترد من قبلك عن امامه، فانه قد وعدنا ان يرجع و ينزع قال ابن عديس: افعل ان شاء الله قال: فرجع القوم الى المدينة.

قال محمد بن عمر: فحدثني عبد الله بن محمد، عن ابيه، قال:

لما رجع على(ع)الى عثمان رضى الله عنه، اخبره انهم قد رجعوا، و كلمه على كلاما في نفسه، قال له: اعلم انى قائل فيك اكثر مما قلت.

قال: ثم خرج الى بيته، قال: فمكث عثمان ذلك اليوم، حتى إذا كان الغد جاءه مروان، فقال له: تكلم و اعلم الناس ان اهل مصر قد رجعوا، و ان ما بلغهم عن امامهم كان باطلا، فان خطبتك تسير في البلاد قبل ان يتحلب الناس عليك من أمصارهم، فيأتيك من لا تستطيع دفعه قال:

فأبى عثمان ان يخرج قال: فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر، فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: اما بعد، فان هؤلاء القوم من اهل مصر كان بلغهم عن امامهم امر، فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا الى بلادهم قال: فناداه عمرو بن العاص من ناحيه المسجد: اتق الله يا عثمان، فإنك قد ركبت نهابير و ركبناها معك، فتب الى الله نتب.

قال: فناداه عثمان، و انك هناك يا بن النابغة! قملت و الله جبتك منذ تركتك من العمل قال: فنودي من ناحيه اخرى: تب الى الله و اظهر التوبة يكف الناس عنك قال: فرفع عثمان يديه مدا و استقبل القبله، فقال:

اللهم انى أول تائب تاب إليك و رجع الى منزله، و خرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين، فكان يقول: و الله انى كنت لألقى الراعى فاحرضه عليه.

قال محمد بن عمر: فحدثني على بن عمر، عن ابيه، قال: ثم ان عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين، فقال له: تكلم كلاما يسمعه الناس منك و يشهدون عليه، و يشهد الله على ما في قلبك من النزوع و الإنابة،

361

فان البلاد قد تمخضت عليك، فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفه، فتقول: يا على، اركب اليهم، و لا اقدر ان اركب اليهم، و لا اسمع عذرا.

و يقدم ركب آخرون من البصره، فتقول: يا على اركب اليهم، فان لم افعل رأيتني قد قطعت رحمك، و استخففت بحقك.

قال: فخرج عثمان فخطب الخطبه التي نزع فيها، و اعطى الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد الله، و اثنى عليه بما هو اهله، ثم قال: اما بعد ايها الناس، فو الله ما عاب من عاب منكم شيئا اجهله، و ما جئت شيئا الا و انا اعرفه، و لكنى منتنى نفسي و كذبتني، و ضل عنى رشدي، [و لقد سمعت رسول الله(ص)يقول: من زل فليتب، و من أخطأ فليتب، و لا يتماد في الهلكة، ان من تمادى في الجور كان ابعد من الطريق،] فانا أول من اتعظ، استغفر الله مما فعلت و اتوب اليه، فمثلى نزع و تاب، فإذا نزلت فليأتني اشرافكم فليرونى رأيهم، فو الله لئن ردني الحق عبدا لاستن بسنه العبد، و لأذلن ذل العبد، و لأكونن كالمرقوق، ان ملك صبر، و ان عتق شكر، و ما عن الله مذهب الا اليه، فلا يعجزن عنكم خياركم ان يدنوا الى، لئن أبت يميني لتتابعنى شمالى.

قال: فرق الناس له يومئذ، و بكى من بكى منهم، و قام اليه سعيد ابن زيد، فقال: يا امير المؤمنين، ليس بواصل لك من ليس معك، الله الله في نفسك! فاتمم على ما قلت فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان و سعيدا و نفرا من بنى اميه، و لم يكونوا شهدوا الخطبه، فلما جلس قال مروان: يا امير المؤمنين، ا تكلم أم اصمت؟ فقالت نائله ابنه الفرافصه، امراه عثمان الكلبية:

لا بل اصمت، فإنهم و الله قاتلوه و مؤثموه، انه قد قال مقاله لا ينبغى له ان ينزع عنها فاقبل عليها مروان، فقال: ما أنت و ذاك! فو الله لقد مات ابوك و ما يحسن يتوضأ، فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء، تخبر عن ابى و هو غائب تكذب عليه! و ان اباك لا يستطيع ان يدفع عنه، اما و الله لو لا انه عمه، و انه يناله غمه، اخبرتك عنه ما لن اكذب عليه‏

362

قال: فاعرض عنها مروان، ثم قال: يا امير المؤمنين، ا تكلم أم اصمت؟

قال: بل تكلم، فقال مروان: بابى أنت و أمي! و الله لوددت ان مقالتك هذه كانت و أنت ممتنع منيع فكنت أول من رضى بها، و اعان عليها، و لكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين، و خلف السيل الزبى، و حين اعطى الخطه الذليلة الذليل، و الله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها اجمل من توبه تخوف عليها، و انك ان شئت تقربت بالتوبة و لم تقرر بالخطيئة، و قد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس فقال عثمان: فاخرج اليهم فكلمهم، فانى استحى ان اكلمهم قال: فخرج مروان الى الباب و الناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب! شاهت الوجوه! كل انسان آخذ باذن صاحبه الا من اريد! جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، اما و الله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا امر لا يسركم، و لا تحمدوا غب رأيكم ارجعوا الى منازلكم، فانا و الله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا قال: فرجع الناس و خرج بعضهم حتى اتى عليا فاخبره الخبر، [فجاء على(ع)مغضبا، حتى دخل على عثمان، فقال: اما رضيت من مروان و لا رضى منك الا بتحرفك عن دينك و عن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به، و الله ما مروان بذى راى في دينه و لا نفسه، و ايم الله انى لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، و ما انا بعائد بعد مقامى هذا لمعاتبتك، اذهبت شرفك، و غلبت على امرك‏] فلما خرج على دخلت عليه نائله ابنه الفرافصه امراته، فقالت: ا تكلم او اسكت؟ فقال: تكلمى، فقالت: قد سمعت قول على لك، و انه ليس يعاودك، و قد اطعت مروان يقودك حيث شاء قال:

فما اصنع؟ قالت: تتقى الله وحده لا شريك له، و تتبع سنه صاحبيك من قبلك، فإنك متى اطعت مروان قتلك، و مروان ليس له عند الناس قدر و لا هيبة و لا محبه، و انما تركك الناس لمكان مروان، فأرسل الى على فاستصلحه،

363

فان له قرابه منك، و هو لا يعصى قال: فأرسل عثمان الى على، فأبى ان يأتيه، و قال: قد اعلمته انى لست بعائد.

قال: فبلغ مروان مقاله نائله فيه، قال: فجاء الى عثمان فجلس بين يديه، فقال: ا تكلم او اسكت؟ فقال: تكلم، فقال: ان بنت الفرافصه فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف فاسوى لك وجهك، فهى و الله انصح لي منك.

قال: فكف مروان.

قال محمد بن عمر: و حدثنى شرحبيل بن ابى عون، عن ابيه، قال:

سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم، قال: قبح الله مروان! خرج عثمان الى الناس فأعطاهم الرضا، و بكى على المنبر و بكى الناس حتى نظرت الى لحيه عثمان مخضله من الدموع، و هو يقول: اللهم انى اتوب إليك، اللهم انى اتوب إليك، اللهم انى اتوب إليك! و الله لئن ردني الحق الى ان أكون عبدا قنا لارضين به، إذا دخلت منزلي فادخلوا على، فو الله لا احتجب منكم، و لاعطينكم الرضا، و لأزيدنكم على الرضا، و لانحين مروان و ذويه قال: فلما دخل امر بالباب ففتح، و دخل بيته، و دخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذروة و الغارب حتى فتله عن رايه، و ازاله عما كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة ايام ما خرج استحياء من الناس، و خرج مروان الى الناس، فقال: شاهت الوجوه! الا من اريد! ارجعوا الى منازلكم، فان يكن لأمير المؤمنين حاجه بأحد منكم يرسل اليه، و الا قر في بيته قال عبد الرحمن: فجئت الى على فأجده بين القبر و المنبر، و أجد عنده عمار بن ياسر و محمد بن ابى بكر و هما يقولان:

صنع مروان بالناس و صنع قال: [فاقبل على على، فقال: احضرت خطبه عثمان؟ قلت: نعم، قال: ا فحضرت مقاله مروان للناس؟ قلت: نعم، قال على: عياذ الله، يا للمسلمين! انى ان قعدت في بيتى قال لي: تركتني‏

364

و قرابتي و حقي، و انى ان تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيقه له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن و صحبه رسول الله ص‏].

قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان: ائتنى، فقال على بصوت مرتفع عال مغضب: قل له: ما انا بداخل عليك و لا عائد.

قال: فانصرف الرسول قال: فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين خائبا، فسالت ناتلا غلامه: من اين جاء امير المؤمنين؟ فقال: كان عند على، فقال عبد الرحمن بن الأسود: فغدوت فجلست مع على ع، فقال لي:

جاءني عثمان البارحه، فجعل يقول: انى غير عائد، و انى فاعل، قال: فقلت له: بعد ما تكلمت به على منبر رسول الله ص، و اعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك، و خرج مروان الى الناس فشتمهم على بابك و يؤذيهم! قال: فرجع و هو يقول: قطعت رحمي و خذلتني، و جرات الناس على.

فقلت: و الله انى لأذب الناس عنك، و لكنى كلا جئتك بهنه أظنها لك رضا جاء بأخرى، فسمعت قول مروان على، و استدخلت مروان.

قال: ثم انصرف الى بيته قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل ارى عليا منكبا عنه لا يفعل ما كان يفعل، الا انى اعلم انه قد كلم طلحه حين حصر في ان يدخل عليه الروايا، و غضب في ذلك غضبا شديدا، حتى دخلت الروايا على عثمان.

قال محمد بن عمر: و حدثنى عبد الله بن جعفر، عن اسماعيل بن محمد، ان عثمان صعد يوم الجمعه المنبر، فحمد الله و اثنى عليه، فقام رجل، فقال: أقم كتاب الله، فقال عثمان: اجلس، فجلس حتى قام ثلاثا، فامر به عثمان فجلس، فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء، و سقط عن المنبر، و حمل فادخل داره مغشيا عليه، فخرج رجل من حجاب عثمان، و معه مصحف في يده و هو ينادى: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ‏» و دخل على بن‏

365

ابى طالب على عثمان رضى الله عنهما و هو مغشى عليه، و بنو اميه حوله، فقال: مالك يا امير المؤمنين؟ فاقبلت بنو اميه بمنطق واحد، فقالوا: يا على أهلكتنا و صنعت هذا الصنيع بامير المؤمنين! اما و الله لئن بلغت الذى تريد لتمرن عليك الدنيا فقام على مغضبا

. ذكر الخبر عن قتل عثمان رضى الله عنه‏

و في هذه السنه قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه.

ذكر الخبر عن قتله و كيف قتل:

قال ابو جعفر (رحمه الله): قد ذكرنا كثيرا من الأسباب التي ذكر قاتلوه انهم جعلوها ذريعه الى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت الى الاعراض عنها، و نذكر الان كيف قتل، و ما كان بدء ذلك و افتتاحه، و من كان المبتدئ به و المفتتح للجرأة عليه قبل قتله.

ذكر محمد بن عمر ان عبد الله بن جعفر حدثه عن أم بكر بنت المسور بن مخرمه، عن أبيها، قال: قدمت ابل من ابل الصدقه على عثمان، فوهبها لبعض بنى الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فأرسل الى المسور ابن مخرمه و الى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فاخذاها، فقسمها عبد الرحمن في الناس و عثمان في الدار.

قال محمد بن عمر: و حدثنى محمد بن صالح، عن عبيد الله بن رافع ابن نقاخه، عن عثمان بن الشريد، قال: مر عثمان على جبله بن عمرو الساعدي و هو بفناء داره، و معه جامعه، فقال: يا نعثل، و الله لأقتلنك، و لاحملنك على قلوص جرباء، و لاخرجنك الى حره النار ثم جاءه مره اخرى و عثمان على المنبر فانزله عنه.

حدثنى محمد، قال: حدثنى ابو بكر بن اسماعيل، عن ابيه، عن عامر بن سعد، قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيئ جبله‏

366

ابن عمرو الساعدي، مر به عثمان و هو جالس في ندى قومه، و في يد جبله بن عمرو جامعه، فلما مر عثمان سلم، فرد القوم، فقال جبله: لم تردون على رجل فعل كذا و كذا! قال: ثم اقبل على عثمان، فقال: و الله لاطرحن هذه الجامعه في عنقك او لتتركن بطانتك هذه قال عثمان: اى بطانه! فو الله انى لاتخير الناس، فقال: مروان تخيرته! و معاويه تخيرته! و عبد الله بن عامر بن كريز تخيرته! و عبد الله بن سعد تخيرته! منهم من نزل القرآن بدمه، و أباح رسول الله(ص)دمه.

قال: فانصرف عثمان، فما زال الناس مجترئين عليه الى هذا اليوم.

قال محمد بن عمر: و حدثنى ابن ابى الزناد، عن موسى بن عقبه، عن ابى حبيبه، قال: خطب عثمان الناس في بعض ايامه، فقال عمرو بن العاص: يا امير المؤمنين، انك قد ركبت نهابير و ركبناها معك، فتب نتب فاستقبل عثمان القبله و شهر يديه- قال ابو حبيبه: فلم أر يوما اكثر باكيا و لا باكيه من يومئذ- ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس، فقام اليه جهجاه الغفاري، فصاح: يا عثمان، الا ان هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءه و جامعه، فانزل فلندرعك العباءة، و لنطرحك في الجامعه، و لنحملك على الشارف، ثم نطرحك في جبل الدخان فقال عثمان: قبحك الله و قبح ما جئت به! قال ابو حبيبه: و لم يكن ذلك منه الا عن ملا من الناس، و قام الى عثمان خيرته و شيعته من بنى اميه فحملوه فادخلوه الدار.

قال ابو حبيبه: فكان آخر ما رايته فيه.

قال محمد: و حدثنى اسامه بن زيد الليثى، عن يحيى بن عبد الرحمن ابن خاطب، عن ابيه، قال: انا انظر الى عثمان يخطب على عصا النبي(ص)التي كان يخطب عليها و ابو بكر و عمر رضى الله عنهما، فقال له جهجاه: قم يا نعثل، فانزل عن هذا المنبر، و أخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظية منها فيها، فبقى الجرح حتى اصابته الاكله،

367

فرأيتها تدود، فنزل عثمان و حملوه و امر بالعصا فشدوها، فكانت مضببه، فما خرج بعد ذلك اليوم الا خرجه او خرجتين حتى حصر فقتل.

حدثنى احمد بن ابراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن ادريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، ان جهجاها الغفاري، أخذ عصا كانت في يد عثمان، فكسرها على ركبته، فرمى في ذلك المكان باكله حدثنى جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو،

3

عن محمد ابن إسحاق بن يسار المدني، عن عمه عبد الرحمن بن يسار

3

، انه قال: لما راى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من اصحاب النبي(ص)الى من بالآفاق منهم- و كانوا قد تفرقوا في الثغور: انكم انما خرجتم ان تجاهدوا في سبيل الله عز و جل، تطلبون دين محمد ص، فان دين محمد قد افسد من خلفكم و ترك، فهلموا فأقيموا دين محمد (صلى الله عليه و سلم) فاقبلوا من كل أفق حتى قتلوه و كتب عثمان الى عبد الله بن سعد بن ابى سرح عامله على مصر- حين تراجع الناس عنه، و زعم انه تائب- بكتاب في الذين شخصوا من مصر، و كانوا أشد اهل الأمصار عليه: اما بعد، فانظر فلانا و فلانا فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك، فانظر فلانا و فلانا فعاقبهم بكذا و كذا- منهم نفر من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، و منهم قوم من التابعين- فكان رسوله في ذلك ابو الأعور بن سفيان السلمى، حمله عثمان على جمل له، ثم امره ان يقبل حتى يدخل مصر قبل ان يدخلها القوم، فلحقهم ابو الأعور ببعض الطريق، فسألوه: اين يريد؟ قال: اريد مصر، و معه رجل من اهل الشام من خولان، فلما راوه على جمل عثمان، قالوا له: هل معك كتاب؟ قال: لا، قالوا: فيم أرسلت؟ قال: لا علم لي، قالوا: ليس معك كتاب و لا علم لك بما أرسلت! ان امرك لمريب! ففتشوه، فوجدوا معه كتابا في اداوه يابسه، فنظروا في الكتاب، فإذا فيه قتل بعضهم و عقوبة بعضهم في انفسهم و أموالهم فلما رأوا ذلك رجعوا الى المدينة، فبلغ الناس رجوعهم، و الذى كان من امرهم فتراجعوا من الافاق كلها، و ثار اهل المدينة

368

حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو و على، قالا: حدثنا حسين، عن ابيه، عن محمد بن السائب الكلبى، قال: انما رد اهل مصر الى عثمان بعد انصرافهم عنه انه ادركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة الى امير مصر ان يقتل بعضهم، و ان يصلب بعضهم فلما أتوا عثمان، قالوا: هذا غلامك، قال: غلامي انطلق بغير علمي، قالوا: جملك، قال: اخذه من الدار بغير امرى، قالوا: خاتمك، قال: نقش عليه، فقال عبد الرحمن ابن عديس التجيبى حين اقبل اهل مصر:

اقبلن من بلبيس و الصعيد* * * خوصا كأمثال القسي قود

مستحقبات حلق الحديد* * * يطلبن حق الله في الوليد

و عند عثمان و في سعيد* * * يا رب فارجعنا بما نريد

فلما راى عثمان ما قد نزل به، و ما قد انبعث عليه من الناس، كتب الى معاويه بن ابى سفيان و هو بالشام: بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فان اهل المدينة قد كفروا و أخلفوا الطاعة، و نكثوا البيعه، فابعث الى من قبلك من مقاتله اهل الشام على كل صعب و ذلول.

فلما جاء معاويه الكتاب تربص به، و كره اظهار مخالفه اصحاب رسول الله ص، و قد علم اجتماعهم، فلما أبطأ امره على عثمان كتب الى يزيد بن اسد بن كرز، و الى اهل الشام يستنفرهم و يعظم حقه عليهم، و يذكر الخلفاء و ما امر الله عز و جل به من طاعتهم و مناصحتهم، و وعدهم ان ينجدهم جند او بطانه دون الناس، و ذكرهم بلاءه عندهم، و صنيعه اليهم، فان كان عندكم غياث فالعجل العجل، فان القوم معاجلى.

فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن اسد بن كرز البجلي ثم القسرى، فحمد الله و اثنى عليه، ثم ذكر عثمان، فعظم حقه، و حضهم على نصره، و امرهم بالمسير اليه فتابعه ناس كثير، و ساروا معه حتى إذا كانوا بوادي القرى، بلغهم قتل عثمان رضى الله عنه، فرجعوا.

و كتب عثمان الى عبد الله بن عامر، ان اندب الى اهل البصره، نسخه كتابه الى اهل الشام‏

369

فجمع عبد الله بن عامر الناس، فقرا كتابه عليهم، فقامت خطباء من اهل البصره يحضونه على نصر عثمان و المسير اليه، فيهم مجاشع بن مسعود السلمى، و كان أول من تكلم، و هو يومئذ سيد قيس بالبصرة و قام أيضا قيس ابن الهيثم السلمى، فخطب و حض الناس على نصر عثمان، فسارع الناس الى ذلك، فاستعمل عليهم عبد الله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم، حتى إذا نزل الناس الربذة، و نزلت مقدمته عند صرار- ناحيه من المدينة- أتاهم قتل عثمان.

حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو و على، قالا: حدثنا حسين، عن ابيه، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن ابيه، قال: كتب اهل مصر بالسقيا- او بذى خشب- الى عثمان بكتاب، فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه، فلم يرد عليه شيئا، فامر به فاخرج من الدار، و كان اهل مصر الذين ساروا الى عثمان ستمائه رجل على اربعه الويه لها رءوس اربعه، مع كل رجل منهم لواء، و كان جماع امرهم جميعا الى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي- و كان من اصحاب النبي ص- و الى عبد الرحمن بن عديس التجيبى، فكان فيما كتبوا اليه: بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فاعلم ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، فالله الله! ثم الله الله! فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخره، و لا تلبس نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا.

و اعلم انا و الله لله نغضب، و في الله نرضى، و انا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبه مصرحه، ا ضلاله مجلحه مبلجه، فهذه مقالتنا لك، و قضيتنا إليك، و الله عذيرنا منك و السلام.

و كتب اهل المدينة الى عثمان يدعونه الى التوبة، و يحتجون و يقسمون له بالله لا يمسكون عنه ابدا حتى يقتلوه، او يعطيهم ما يلزمه من حق الله.

فلما خاف القتل شاور نصحاءه و اهل بيته، فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رايتم، فما المخرج؟ فأشاروا عليه ان يرسل الى على بن ابى طالب فيطلب اليه ان يردهم عنه، و يعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه‏

370

امداد، فقال: ان القوم لن يقبلوا التعليل، و هم محملي عهدا، و قد كان منى في قدمتهم الاولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به! فقال مروان بن الحكم: يا امير المؤمنين، مقاربتهم حتى تقوى امثل من مكاثرتهم على القرب، فأعطهم ما سالوك، و طاولهم ما طاولوك، فإنما هم بغوا عليك، فلا عهد لهم.

فأرسل الى على فدعاه، فلما جاءه قال: يا أبا حسن، انه قد كان من الناس ما قد رايت، و كان منى ما قد علمت، و لست آمنهم على قتلى، فارددهم عنى، فان لهم الله عز و جل ان اعتبهم من كل ما يكرهون، و ان أعطيهم الحق من نفسي و من غيرى، و ان كان في ذلك سفك دمى [فقال له على:

الناس الى عدلك احوج منهم الى قتلك، و انى لأرى قوما لا يرضون الا بالرضا، و قد كنت اعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من الله: لترجعن عن جميع ما نقموا، فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشي‏ء من ذلك، فلا تغرنى هذه المره من شي‏ء فانى معطيهم عليك الحق‏] قال: نعم، فأعطهم، فو الله لأفين لهم [فخرج على الى الناس، فقال: ايها الناس، انكم انما طلبتم الحق فقد أعطيتموه، ان عثمان قد زعم انه منصفكم من نفسه و من غيره، و راجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه و وكدوا عليه قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه لنا، فانا و الله لا نرضى بقول دون فعل‏] فقال لهم على: ذلك لكم ثم دخل عليه فاخبره الخبر، فقال عثمان: اضرب بيني و بينهم أجلا يكون لي فيه مهله، فانى لا اقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد، قال له على: ما حضر بالمدينة فلا اجل فيه، و ما غاب فأجله وصول امرك، قال: نعم، و لكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة ايام قال على: نعم، فخرج الى الناس فاخبرهم بذلك، و كتب بينهم و بين عثمان كتابا اجله فيه ثلاثا، على ان يرد كل مظلمه، و يعزل كل عامل كرهوه، ثم أخذ عليه في الكتاب اعظم ما أخذ الله على احد من خلقه من عهد و ميثاق، و اشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين و الانصار، فكف المسلمون عنه و رجعوا الى ان يفى لهم بما اعطاهم من نفسه، فجعل يتأهب للقتال، و يستعد بالسلاح- و قد كان اتخذ جندا عظيما من‏

371

رقيق الخمس- فلما مضت الأيام الثلاثة- و هو على حاله لم يغير شيئا مما كرهوه، و لم يعزل عاملا- ثار به الناس و خرج عمرو بن حزم الأنصاري حتى اتى المصريين و هم بذى خشب، فاخبرهم الخبر، و سار معهم حتى قدموا المدينة، فأرسلوا الى عثمان: ا لم نفارقك على انك زعمت انك تائب من احداثك، و راجع عما كرهنا منك، و أعطيتنا على ذلك عهد الله و ميثاقه! قال: بلى، انا على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب الذى وجدنا مع رسولك، و كتبت به الى عاملك؟

قال: ما فعلت و لا لي علم بما تقولون قالوا: بريدك على جملك، و كتاب كاتبك عليه خاتمك، قال: اما الجمل فمسروق، و قد يشبه الخط الخط، و اما الخاتم فانتقش عليه، قالوا: فانا لا نعجل عليك، و ان كنا قد اتهمناك، اعزل عنا عمالك الفساق، و استعمل علينا من لا يتهم على دمائنا و أموالنا، و اردد علينا مظالمنا قال عثمان: ما أراني إذا في شي‏ء ان كنت استعمل من هويتم، و اعزل من كرهتم، الأمر إذا امركم! قالوا: و الله لتفعلن او لتعزلن او لتقتلن، فانظر لنفسك اودع فأبى عليهم و قال: لم أكن لاخلع سربالا سربلنيه الله، فحصروه اربعين ليله، و طلحه يصلى بالناس حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا اسماعيل بن ابراهيم، عن ابن عون، قال: حدثنا الحسن، قال: أنبأني وثاب- قال: و كان فيمن ادركه عتق امير المؤمنين عمر رضى الله عنه، قال: و رايت بحلقه اثر طعنتين، كأنهما كتبان طعنهما يومئذ يوم الدار- قال: بعثني عثمان، فدعوت له الاشتر، فجاء- قال ابن عون: فاظنه قال: فطرحت لأمير المؤمنين وساده و له وساده- فقال: يا اشتر، ما يريد الناس منى؟ قال: ثلاثا ليس من احداهن بد، قال: ما هن؟ قال: يخيرونك بين ان تخلع لهم امرهم فتقول: هذا امركم فاختاروا له من شئتم، و بين ان تقص من نفسك، فان أبيت هاتين فان القوم قاتلوك فقال: اما من احداهن بد! قال: ما من احداهن بد، فقال: اما ان اخلع لهم امرهم فما كنت لاخلع سربالا سربلنيه الله عز و جل- قال: و قال غيره: و الله لان اقدم فتضرب عنقى أحب الى من‏

372

ان اخلع قميصا قمصنيه الله و اترك أمه محمد(ص)يعد و بعضها على بعض قال ابن عون: و هذا اشبه بكلامه- و اما ان أقص من نفسي، فو الله لقد علمت ان صاحبي بين يدي قد كانا يعاقبان و ما يقوم بدني بالقصاص، و اما ان تقتلوني، فو الله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي ابدا، و لا تصلون جميعا بعدي ابدا، و لا تقاتلون بعدي عدوا جميعا ابدا قال: فقام الاشتر فانطلق، فمكثنا أياما قال: ثم جاء رويجل كأنه ذئب، فاطلع من باب، ثم رجع و جاء محمد بن ابى بكر و ثلاثة عشر حتى انتهى الى عثمان، فاخذ بلحيته، فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه، و قال: ما اغنى عنك معاويه، ما اغنى عنك ابن عامر، ما اغنت عنك كتبك! قال: ارسل لحيتي يا بن أخي، ارسل لحيتي قال: و انا رايته استعدى رجلا من القوم بعينه، فقام اليه بمشقص حتى وجأ به في راسه قلت: ثم مه، قال: تغاووا عليه حتى قتلوه.

و ذكر الواقدى ان يحيى بن عبد العزيز حدثه عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمه، قال: خرجت في نفر من قومى الى المصريين و كان رؤساؤهم اربعه: عبد الرحمن بن عديس البلوى، و سودان بن حمران المرادى، و عمرو بن الحمق الخزاعي- و قد كان هذا الاسم غلب حتى كان يقال: حبيس بن الحمق- و ابن النباع قال: فدخلت عليهم و هم في خباء لهم اربعتهم، و رايت الناس لهم تبعا، قال: فعظمت حق عثمان و ما في رقابهم من البيعه، و خوفتهم بالفتنة، و اعلمتهم ان في قتله اختلافا و امرا عظيما، فلا تكونوا أول من فتحه، و انه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه، و انا ضامن لذلك قال القوم: فان لم ينزع؟ قال: قلت: فامركم إليكم.

قال: فانصرف القوم و هم راضون، فرجعت الى عثمان، فقلت: أخلني فاخلانى، فقلت: الله الله يا عثمان في نفسك! ان هؤلاء القوم انما قدموا يريدون دمك، و أنت ترى خذلان أصحابك لك، لا بل هم يقوون عدوك عليك قال: فأعطاني الرضا، و جزانى خيرا قال: ثم خرجت من عنده، فاقمت ما شاء الله ان اقيم‏

373

قال: و قد تكلم عثمان برجوع المصريين، و ذكر انهم جاءوا لامر، فبلغهم غيره فانصرفوا، فاردت ان آتيه فاعنفه بهما، ثم سكت فإذا قائل يقول:

قد قدم المصريون و هم بالسويداء، قال: قلت: أحق ما تقول؟ قال: نعم، قال: فأرسل الى عثمان.

قال: و إذا الخبر قد جاءه، و قد نزل القوم من ساعتهم ذا خشب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هؤلاء القوم قد رجعوا، فما الرأي فيهم؟

قال: قلت: و الله ما ادرى، الا انى أظن انهم لم يرجعوا لخير قال: فارجع اليهم فارددهم، قال: قلت: لا و الله ما انا بفاعل، قال: و لم؟ قال: لانى ضمنت لهم أمورا تنزع عنها فلم تنزع عن حرف واحد منها قال: فقال:

الله المستعان.

قال: و خرجت و قدم القوم و حلوا بالاسواف، و حصروا عثمان.

قال: و جاءني عبد الرحمن بن عديس و معه سودان بن حمران و صاحباه، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ا لم تعلم انك كلمتنا و رددتنا و زعمت ان صاحبنا نازع عما نكره؟ فقلت: بلى، قال: فإذا هم يخرجون الى صحيفه صغيره.

قال: و إذا قصبه من رصاص، فإذا هم يقولون: وجدنا جملا من ابل الصدقه عليه غلام عثمان، فأخذنا متاعه ففتشناه، فوجدنا فيه هذا الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فإذا قدم عليك عبد الرحمن ابن عديس فاجلده مائه جلده، و احلق راسه و لحيته، و اطل حبسه حتى يأتيك امرى، و عمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك، و سودان بن حمران مثل ذلك، و عروه بن النباع الليثى مثل ذلك قال: فقلت: و ما يدريكم ان عثمان كتب بهذا؟ قالوا: فيفتات مروان على عثمان بهذا! فهذا شر، فيخرج نفسه من هذا الأمر ثم قالوا: انطلق معنا اليه، فقد كلمنا عليا، و وعدنا ان يكلمه إذا صلى الظهر و جئنا سعد بن ابى وقاص، فقال: لا ادخل في امركم و جئنا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال مثل هذا، فقال محمد: فأين وعدكم على؟ قالوا: وعدنا إذا صلى الظهر ان يدخل عليه.

قال محمد: فصليت مع على، قال: ثم دخلت انا و على عليه، فقلنا:

374

ان هؤلاء المصريين بالباب، فاذن لهم- قال: و مروان عنده جالس- قال:

فقال مروان: دعني جعلت فداك اكلمهم! قال: فقال عثمان: فض الله فاك! اخرج عنى، و ما كلامك في هذا الأمر! قال: فخرج مروان، قال: و اقبل على عليه- قال: و قد انهى المصريون اليه مثل الذى انهوا الى- قال: فجعل على يخبره ما وجدوا في كتابهم قال: فجعل يقسم بالله ما كتب و لا علم و لا شوور فيه قال: فقال محمد بن مسلمه: و الله انه لصادق، و لكن هذا عمل مروان، فقال على: فادخلهم عليك، فليسمعوا عذرك، قال: ثم اقبل عثمان على على، فقال: ان لي قرابه و رحما، و الله لو كنت في هذه الحلقه لحللتها عنك، فاخرج اليهم، فكلمهم، فإنهم يسمعون منك قال على: و الله ما انا بفاعل، و لكن ادخلهم حتى تعتذر اليهم، قال: فادخلوا.

قال محمد بن مسلمه: فدخلوا يومئذ، فما سلموا عليه بالخلافة، فعرفت انه الشر بعينه، قالوا: سلام عليكم، فقلنا: و عليكم السلام، قال: فتكلم القوم و قد قدموا في كلامهم ابن عديس، فذكر ما صنع ابن سعد بمصر، و ذكر تحاملا منه على المسلمين و اهل الذمة، و ذكر استئثارا منه في غنائم المسلمين، فإذا قيل له في ذلك، قال: هذا كتاب امير المؤمنين الى، ثم ذكروا أشياء مما احدث بالمدينة، و ما خالف به صاحبيه قال: فرحلنا من مصر و نحن لا نريد الا دمك او تنزع، فردنا على و محمد بن مسلمه، و ضمن لنا محمد النزوع عن كل ما تكلمنا فيه- ثم أقبلوا على محمد بن مسلمه، فقالوا: هل قلت ذاك لنا؟ قال محمد: فقلت: نعم- ثم رجعنا الى بلادنا نستظهر بالله عز و جل عليك و يكون حجه لنا بعد حجه حتى إذا كنا بالبويب أخذنا غلامك فأخذنا كتابك و خاتمك الى عبد الله بن سعد، تأمره فيه بجلد ظهورنا، و المثل بنا في اشعارنا، و طول الحبس لنا، و هذا كتابك.

قال: فحمد الله عثمان و اثنى عليه، ثم قال: و الله ما كتبت و لا امرت، و لا شوورت و لا علمت قال: فقلت و على جميعا: قد صدق قال: فاستراح‏

375

إليها عثمان، فقال المصريون: فمن كتبه؟ قال: لا ادرى، قال: ا فيجترأ عليك فيبعث غلامك و جمل من صدقات المسلمين، و ينقش على خاتمك، و يكتب الى عاملك بهذه الأمور العظام و أنت لا تعلم! قال: نعم، قالوا:

فليس مثلك يلى، اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه قال:

لا انزع قميصا البسنيه الله عز و جل قال: و كثرت الأصوات و اللغط، فما كنت أظن انهم يخرجون حتى يواثبوه قال: و قام على فخرج، قال: فلما قام على قمت، قال: و قال للمصريين: اخرجوا، فخرجوا.

قال: و رجعت الى منزلي و رجع على الى منزله، فما برحوا محاصريه حتى قتلوه.

قال محمد بن عمر: و حدثنى عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن ابيه، عن سفيان بن ابى العوجاء، قال: قدم المصريون القدمه الاولى، فكلم عثمان محمد بن مسلمه، فخرج في خمسين راكبا من الانصار، فاتوهم بذى خشب فردهم، و رجع القوم حتى إذا كانوا بالبويب، وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب الى عبد الله بن سعد، فكروا، فانتهوا الى المدينة، و قد تخلف بها من الناس الاشتر و حكيم بن جبله، فاتوا بالكتاب، فأنكر عثمان ان يكون كتبه، و قال: هذا مفتعل، قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك! قال: اجل، و لكنه كتبه بغير امرى، قالوا: فان الرسول الذى وجدنا معه الكتاب غلامك، قال: اجل، و لكنه خرج بغير اذنى، قالوا: فالجمل جملك، قال: اجل، و لكنه أخذ بغير علمي، قالوا: ما أنت الا صادق او كاذب، فان كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما امرت به من سفك دمائنا بغير حقها، و ان كنت صادقا فقد استحققت ان تخلع لضعفك و غفلتك و خبث بطانتك، لأنه لا ينبغى لنا ان نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه و غفلته و قالوا له: انك ضربت رجالا من اصحاب النبي(ص)و غيرهم حين يعظونك و يأمرونك بمراجعه الحق عند ما

376

يستنكرون من اعمالك، فاقدمن نفسك من ضربته و أنت له ظالم، فقال: الامام يخطئ و يصيب، فلا اقيد من نفسي، لانى لو اقدت كل من اصبته بخطإ آتى على نفسي، قالوا: انك قد احدثت احداثا عظاما فاستحققت بها الخلع، فإذا كلمت فيها اعطيت التوبة ثم عدت إليها و الى مثلها، ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة و الرجوع الى الحق، و لامنا فيك محمد ابن مسلمه، و ضمن لنا ما حدث من امر، فاخفرته فتبرأ منك، و قال:

لا ادخل في امره، فرجعنا أول مره لنقطع حجتك و نبلغ اقصى الاعذار إليك، نستظهر بالله عز و جل عليك، فلحقنا كتاب منك الى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل و القطع و الصلب و زعمت انه كتب بغير علمك و هو مع غلامك و على جملك و بخط كاتبك و عليه خاتمك، فقد وقعت عليك بذلك التهمه القبيحه، مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم و الأثرة في القسم و العقوبة للامر بالتبسط من الناس، و الاظهار للتوبة، ثم الرجوع الى الخطيئة، و لقد رجعنا عنك و ما كان لنا ان نرجع حتى نخلعك و نستبدل بك من اصحاب رسول الله(ص)من لم يحدث مثل ما جربنا منك، و لم يقع عليه من التهمه ما وقع عليك، فاردد خلافتنا، و اعتزل امرنا، فان ذلك اسلم لنا منك، و اسلم لك منا فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، احمده و استعينه، و أومن به، و اتوكل عليه، و اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، و ان محمدا عبده و رسوله، ارسله‏ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* اما بعد، فإنكم لم تعدلوا في المنطق، و لم تنصفوا في القضاء، اما قولكم: تخلع نفسك، فلا انزع قميصا قمصنيه الله عز و جل و أكرمني به، و خصنى به على غيرى، و لكنى اتوب و انزع و لا اعود لشي‏ء عابه المسلمون، فانى و الله الفقير الى الله الخائف منه قالوا: ان هذا لو كان أول حدث احدثته ثم تبت منه و لم تقم عليه، لكان علينا ان نقبل منك، و ان ننصرف عنك، و لكنه قد كان منك من الاحداث قبل هذا ما قد علمت، و لقد انصرفنا عنك في المره الاولى، و ما نخشى ان تكتب فينا،

377

و لا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك و كيف نقبل توبتك و قد بلونا منك انك لا تعطى من نفسك التوبة من ذنب الا عدت اليه، فلسنا منصرفين حتى نعزلك و نستبدل بك، فان حال من معك من قومك و ذوى رحمك و اهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم، حتى نخلص إليك فنقتلك او تلحق أرواحنا بالله فقال عثمان: اما ان أتبرأ من الإمارة، فان تصلبونى أحب الى من ان ا تبرا من امر الله عز و جل و خلافته و اما قولكم:

تقاتلون من قاتل دوني، فانى لا آمر أحدا بقتالكم، فمن قاتل دوني فإنما قاتل بغير امرى، و لعمري لو كنت اريد قتالكم، لقد كنت كتبت الى الأجناد فقادوا الجنود، و بعثوا الرجال، او لحقت ببعض أطرافي بمصر او عراق، فالله الله في انفسكم فابقوا عليها ان لم تبقوا على، فإنكم مجتلبون بهذا الأمر- ان قتلتموني- دما قال: ثم انصرفوا عنه و آذنوه بالحرب، و ارسل الى محمد بن مسلمه فكلمه ان يردهم، فقال: و الله لا اكذب الله في سنه مرتين.

قال محمد بن عمر: حدثنى محمد بن مسلم، عن موسى بن عقبه، عن ابى حبيبه، قال: نظرت الى سعد بن ابى وقاص يوم قتل عثمان، دخل عليه ثم خرج من عنده و هو يسترجع مما يرى على الباب، فقال له مروان:

الان تندم! أنت اشعرته فاسمع سعدا يقول: استغفر الله، لم أكن أظن الناس يجترئون هذه الجرأة، و لا يطلبون دمه، و قد دخلت عليه الان فتكلم بكلام لم تحضره أنت و لا أصحابك، فنزع عن كل ما كره منه، و اعطى التوبة، و قال: لا اتمادى في الهلكة، ان من تمادى في الجور كان ابعد من الطريق، فانا اتوب و انزع فقال مروان: ان كنت تريد ان تذب عنه، فعليك بابن ابى طالب، فانه متستر، و هو لا يجبه، فخرج سعد حتى اتى عليا و هو بين القبر و المنبر، فقال: يا أبا حسن، قم فداك ابى و أمي! جئتك و الله بخير ما جاء به احد قط الى احد، تصل رحم ابن عمك، و تأخذ بالفضل عليه، و تحقن دمه، و يرجع الأمر على ما نحب، قد اعطى خليفتك‏

378

من نفسه الرضا [فقال على: تقبل الله منه يا أبا إسحاق! و الله ما زلت أذب عنه حتى انى لأستحي، و لكن مروان و معاويه و عبد الله بن عامر و سعيد ابن العاص هم صنعوا به ما ترى، فإذا نصحته و امرته ان ينحيهم استغشنى حتى جاء ما ترى‏] قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن ابى بكر، فسار عليا، فاخذ على بيدي، و نهض على و هو يقول: و اى خير توبته هذه! فو الله ما بلغت دارى حتى سمعت الهائعة، ان عثمان قد قتل، فلم نزل و الله في شر الى يومنا هذا.

قال محمد بن عمر: و حدثنى شرحبيل بن ابى عون، عن يزيد بن ابى حبيب، عن ابى الخير، قال: لما خرج المصريون الى عثمان رضى الله عنه، بعث عبد الله بن سعد رسولا اسرع السير يعلم عثمان بمخرجهم، و يخبره انهم يظهرون انهم يريدون العمره فقدم الرسول على عثمان بن عفان، يخبرهم فتكلم عثمان، و بعث الى اهل مكة يحذر من هناك هؤلاء المصريين، و يخبرهم انهم قد طعنوا على امامهم ثم ان عبد الله بن سعد خرج الى عثمان في آثار المصريين- و قد كان كتب اليه يستاذنه في القدوم عليه، فاذن له- فقدم ابن سعد، حتى إذا كان بايله بلغه ان المصريين قد رجعوا الى عثمان، و انهم قد حصروه، و محمد بن ابى حذيفة بمصر، فلما بلغ محمدا حصر عثمان و خروج عبد الله بن سعد عنه غلب على مصر، فاستجابوا له، فاقبل عبد الله بن سعد يريد مصر، فمنعه ابن ابى حذيفة، فوجه الى فلسطين، فأقام بها حتى قتل عثمان رضى الله عنه، و اقبل المصريون حتى نزلوا بالاسواف، فحصروا عثمان، و قدم حكيم بن جبله من البصره في ركب، و قدم الاشتر في اهل الكوفه، فتوافوا بالمدينة، فاعتزل الاشتر، فاعتزل حكيم بن جبله، و كان ابن عديس و اصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فكانوا خمسمائة، فأقاموا على حصاره تسعه و اربعين يوما حتى قتل يوم الجمعه لثمان عشره ليله مضت من ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين.

قال محمد: و حدثنى ابراهيم بن سالم، عن ابيه، عن بسر بن سعيد، قال: و حدثنى عبد الله بن عياش بن ابى ربيعه، قال: دخلت على عثمان‏

379

رضى الله عنه، فتحدثت عنده ساعه، فقال: يا بن عياش، تعال.

فاخذ بيدي، فأسمعني كلام من على باب عثمان، فسمعنا كلاما، منهم من يقول: ما تنتظرون به؟ و منهم من يقول: انظروا عسى ان يراجع، فبينا انا و هو واقفان إذ مر طلحه بن عبيد الله، فوقف فقال: اين ابن عديس؟

فقيل: ها هو ذا، قال: فجاءه ابن عديس، فناجاه بشي‏ء، ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل، و لا يخرج من عنده قال: فقال لي عثمان: هذا ما امر به طلحه بن عبيد الله.

ثم قال عثمان: اللهم اكفنى طلحه بن عبيد الله، فانه حمل على هؤلاء و البهم، و الله انى لأرجو ان يكون منها صفرا، و ان يسفك دمه، انه انتهك منى ما لا يحل له، [سمعت رسول الله(ص)يقول: لا يحل دم امرئ مسلم الا في احدى ثلاث: رجل كفر بعد اسلامه فيقتل، او رجل زنى بعد احصانه فيرجم، او رجل قتل نفسا بغير نفس،] ففيم ا قتل! قال:

ثم رجع عثمان قال ابن عياش: فاردت ان اخرج فمنعونى حتى مر بي محمد بن ابى بكر فقال: خلوه، فخلوني.

قال محمد: حدثنى يعقوب بن عبد الله الأشعري، عن جعفر بن ابى المغيره، عن سعيد بن عبد الرحمن بن ابزى، عن ابيه، قال: رايت اليوم الذى دخل فيه على عثمان، فدخلوا من دار عمرو بن حزم خوخه هناك حتى دخلوا الدار، فناوشوهم شيئا من مناوشه و دخلوا، فو الله ما نسينا ان خرج سودان بن حمران، فاسمعه يقول: اين طلحه بن عبيد الله؟ قد قتلنا ابن عفان! قال محمد بن عمر: و حدثنى شرحبيل بن ابى عون، عن ابيه، عن ابى حفصة اليماني، قال: كنت لرجل من اهل البادية من العرب، فأعجبته- يعنى مروان- فاشترانى و اشترى امراتى و ولدى فأعتقنا جميعا، و كنت أكون معه، فلما حصر عثمان رضى الله عنه، شمرت معه بنو اميه، و دخل معه مروان الدار قال: فكنت معه في الدار، قال: فانا و الله انشبت القتال بين‏

380

الناس، رميت من فوق الدار رجلا من اسلم فقتلته، و هو نيار الأسلمي، فنشب القتال، ثم نزلت، فاقتتل الناس على الباب، و قاتل مروان حتى سقط فاحتملته، فادخلته بيت عجوز، و اغلقت عليه، و القى الناس النيران في أبواب دار عثمان، فاحترق بعضها، فقال عثمان: ما احترق الباب الا لما هو اعظم منه، لا يحركن رجل منكم يده، فو الله لو كنت اقصاكم لتخطوكم حتى يقتلوني، و لو كنت أدناكم ما جاوزونى الى غيرى، و انى لصابر كما عهد الى رسول الله ص، لاصرعن مصرعى الذى كتب الله عز و جل فقال مروان: و الله لا تقتل و انا اسمع الصوت، ثم خرج بالسيف على الباب يتمثل بهذا الشعر:

قد علمت ذات القرون الميل* * * و الكف و الأنامل الطفول‏

انى اروع أول الرعيل* * * بفاره مثل قطا الشليل‏

قال محمد: و حدثنى عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن ابيه، عن ابى حفصة، قال: لما كان يوم الخميس دليت حجرا من فوق الدار، فقتلت رجلا من اسلم يقال له نيار، فأرسلوا الى عثمان: ان أمكنا من قاتله قال: و الله ما اعرف له قاتلا، فباتوا ينحرفون علينا ليله الجمعه بمثل النيران، فلما أصبحوا غدوا، فأول من طلع علينا كنانه بن عتاب، في يده شعله من نار على ظهر سطوحنا، قد فتح له من دار آل حزم، ثم دخلت الشعل على اثره تنضح بالنفط، فقاتلناهم ساعه على الخشب، و قد اضطرم الخشب، فاسمع عثمان يقول لأصحابه: ما بعد الحريق شي‏ء! قد احترق الخشب، و احترقت الأبواب، و من كانت لي عليه طاعه فليمسك داره، فإنما يريدني القوم، و سيندمون على قتلى، و الله لو تركونى لظننت انى لا أحب الحياه، و لقد تغيرت حالي، و سقط أسناني، و رق عظمى.

قال: ثم قال لمروان: اجلس فلا تخرج، فعصاه مروان، فقال:

و الله لا تقتل، و لا يخلص إليك، و انا اسمع الصوت، ثم خرج الى الناس.

فقلت: ما لمولاي مترك! فخرجت معه أذب عنه، و نحن قليل، فاسمع مروان يتمثل:

381

قد علمت ذات القرون الميل* * * و الكف و الأنامل الطفول‏

ثم صاح: من يبارز؟ و قد رفع اسفل درعه، فجعله في منطقته قال:

فيثب اليه ابن النباع فضربه ضربه على رقبته من خلفه فاثبته، حتى سقط، فما ينبض منه عرق، فادخلته بيت فاطمه ابنه أوس جده ابراهيم بن العدى قال: فكان عبد الملك و بنو اميه يعرفون ذلك لال العدى.

حدثنى احمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثنى ابى، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الاخنس، عن ابن الحارث بن ابى بكر، عن ابيه ابى بكر بن الحارث بن هشام، قال:

كأني انظر الى عبد الرحمن بن عديس البلوى و هو مسند ظهره الى مسجد نبى الله(ص)و عثمان بن عفان رضى الله عنه محصور، فخرج مروان بن الحكم، فقال: من يبارز؟ فقال عبد الرحمن بن عديس لفلان ابن عروه: قم الى هذا الرجل، فقام اليه غلام شاب طوال، فاخذ رفرف الدرع فغرزه في منطقته، فاعور له عن ساقه، فاهوى له مروان و ضربه ابن عروه على عنقه، فكأني انظر اليه حين استدار و قام اليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه، قال: فوثبت عليه فاطمه ابنه أوس جده ابراهيم ابن عدى- قال: و كانت ارضعت مروان و ارضعت له- فقالت: ان كنت انما تريد قتل الرجل فقد قتل، و ان كنت تريد ان تلعب بلحمه فهذا قبيح.

قال: فكف عنه، فما زالوا يشكرونها لها، فاستعملوا ابنها ابراهيم بعد و قال ابن إسحاق: قال عبد الرحمن بن عديس البلوى حين سار الى المدينة من مصر:

اقبلن من بلبيس و الصعيد* * * مستحقبات حلق الحديد

يطلبن حق الله في سعيد* * * حتى رجعن بالذي نريد

حدثنى جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو بن حماد و على‏

382

ابن حسين، قالا: حدثنا حسين بن عيسى، عن ابيه، قال: لما مضت ايام التشريق أطافوا بدار عثمان رضى الله عنه، و ابى الا الإقامة على امره، و ارسل الى حشمه و خاصته فجمعهم، فقام رجل من اصحاب النبي(ص)يقال له نيار بن عياض- و كان شيخا كبيرا- فنادى: يا عثمان، فأشرف عليه من اعلى داره، فناشده الله، و ذكره الله لما اعتزلهم! فبينا هو يراجعه الكلام إذ رماه رجل من اصحاب عثمان فقتله بسهم، و زعموا ان الذى رماه كثير بن الصلت الكندى، فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتل نيار بن عياض فلنقتله به، فقال: لم أكن لاقتل رجلا نصرني و أنتم تريدون قتلى، فلما رأوا ذلك ثاروا الى بابه فاحرقوه، و خرج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابه، و خرج سعيد بن العاص في عصابه، و خرج المغيره بن الاخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهره في عصابه، فاقتتلوا قتالا شديدا، و كان الذى حداهم على القتال انه بلغهم ان مددا من اهل البصره قد نزلوا صرارا- و هي من المدينة على ليله- و ان اهل الشام قد توجهوا مقبلين، فقاتلوهم قتالا شديدا على باب الدار، فحمل المغيره بن الاخنس الثقفى على القوم و هو يقول مرتجزا:

قد علمت جاريه عطبول* * * لها و شاح و لها حجول‏

انى بنصل السيف خنشليل

.

فحمل عليه عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، و هو يقول:

ان تك بالسيف كما تقول* * * فاثبت لقرن ماجد يصول‏

بمشرفى حده مصقول

فضربه عبد الله فقتله، و حمل رفاعة بن رافع الأنصاري ثم الزرقي على مروان بن الحكم، فضربه فصرعه، فنزل عنه و هو يرى انه قتله، و جرح عبد الله بن الزبير جراحات، و انهزم القوم حتى لجئوا الى القصر، فاعتصموا

383

ببابه، فاقتتلوا عليه قتالا شديدا، فقتل في المعركة على الباب زياد بن نعيم الفهري في ناس من اصحاب عثمان، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو ابن حزم الأنصاري باب داره و هو الى جنب دار عثمان بن عفان، ثم نادى الناس فاقبلوا عليه من داره، فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا، و خلى لهم عن باب الدار، فخرجوا هرابا في طرق المدينة، و بقي عثمان في اناس من اهل بيته و اصحابه فقتلوا معه، و قتل عثمان رضى الله عنه.

حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمى، قال: حدثنا ابى، قال: حدثنا ابو نضره،

3

عن ابى سعيد مولى ابى اسيد الأنصاري، قال: اشرف عليهم عثمان رضى الله عنه ذات يوم، فقال:

السلام عليكم، قال فما سمع أحدا من الناس رد عليه الا ان يرد رجل في نفسه، فقال: أنشدكم بالله هل علمتم انى اشتريت رومه من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائى منها كرشاء رجل من المسلمين! قال: قيل: نعم.

قال: فما يمنعني ان اشرب منها حتى افطر على ماء البحر! قال: أنشدكم الله هل علمتم انى اشتريت كذا و كذا من الارض فزدته في المسجد؟ قيل:

نعم، قال: فهل علمتم أحدا من الناس منع ان يصلى فيه قبلي! قال:

أنشدكم الله، هل سمعتم نبى الله(ص)يذكر كذا و كذا، أشياء في شانه، و ذكر الله اياه أيضا في كتابه المفصل قال: ففشا النهى.

قال: فجعل الناس يقولون: مهلا عن امير المؤمنين، قال: و فشا النهى.

قال: و قام الاشتر- قال: و لا ادرى يومئذ او في يوم آخر- فقال: لعله قد مكر به و بكم! قال: فوطئه الناس، حتى لقى كذا و كذا، قال: فرايته اشرف عليهم مره اخرى، فوعظهم و ذكرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظه.

و كان الناس تأخذ فيهم الموعظه أول ما يسمعونها، فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم قال: ثم انه فتح الباب و وضع المصحف بين يديه قال: و ذاك انه راى من الليل ان نبى الله(ص)يقول: افطر عندنا الليلة.

قال ابو المعتمر: فحدثنا الحسن: ان محمد بن ابى بكر دخل عليه‏

384

فاخذ بلحيته قال: فقال له: قد أخذت منا مأخذا، و قعدت منى مقعدا ما كان ابو بكر ليقعده او ليأخذه قال: فخرج و تركه قال: و دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود قال: فخنقه ثم خفقه قال: ثم خرج فقال: و الله ما رايت شيئا قط الين من حلقه، و الله لقد خنقته حتى رايت نفسه يتردد في جسده كنفس الجان قال: فخرج.

قال في حديث ابى سعيد: دخل على عثمان رجل، فقال: بيني و بينك كتاب الله- قال: و المصحف بين يديه- قال: فيهوى له بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها، فقال: لا ادرى ا بأنها أم قطعها و لم يبنها قال: فقال:

اما و الله انها لاول كف خطت المفصل و قال في غير حديث ابى سعيد: فدخل عليه التجيبى، فاشعره مشقصا فانتضح الدم على هذه الآية:

«فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏» قال: فإنها في المصحف ما حكت.

قال و أخذت ابنه الفرافصه- في حديث ابى سعيد- حليها فوضعته في حجرها، و ذلك قبل ان يقتل، قال: فلما اشعر- او قال: قتل- ناحت عليه قال:

فقال بعضهم: قاتلها الله! ما اعظم عجيزتها! قال: فعلمت ان عدو الله لم يرد الا الدنيا.

و اما سيف، فانه قال- فيما كتب الى السرى، عن شعيب، عنه: ذكر عن‏

9

بدر بن عثمان، عن عمه، قال: آخر خطبه خطبها عثمان رضى الله عنه في جماعه: ان الله عز و جل انما اعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، و لم يعطكموها لتركنوا إليها، ان الدنيا تفنى، و الآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، و لا تشغلنكم عن الباقيه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فان الدنيا منقطعه، و ان المصير الى الله اتقوا الله جل و عز، فان تقواه جنه من بأسه، و وسيله عنده، و احذروا من الله الغير، و الزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابا، «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً»

385

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى‏

9

حارثة و ابى عثمان، قالوا: لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته و عزم و عزم له المسلمون على الصبر و الامتناع عليهم بسلطان الله، قال: اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، و ليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عنى و ارسل الى طلحه و الزبير و على وعده: ان ادنوا فاجتمعوا فأشرف عليهم، فقال: يا ايها الناس، اجلسوا، فجلسوا جميعا، المحارب الطارئ، و المسالم المقيم، فقال: يا اهل المدينة، انى استودعكم الله، و اساله ان يحسن عليكم الخلافه من بعدي، و انى و الله لا ادخل على احد بعد يومى هذا حتى يقضى الله في قضاءه، و لادعن هؤلاء و ما وراء بابى غير معطيهم شيئا يتخذونه عليكم دخلا في دين الله او دنيا حتى يكون الله عز و جل الصانع في ذلك ما أحب و امر اهل المدينة بالرجوع و اقسم عليهم، فرجعوا الا الحسن و محمدا و ابن الزبير و أشباها لهم، فجلسوا بالباب عن امر آبائهم، و ثاب اليهم ناس كثير، و لزم عثمان الدار كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان و محمد و طلحه، قالوا: كان الحصر اربعين ليله و النزول سبعين، فلما مضت من الأربعين ثمان عشره، قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ اليهم من الافاق: حبيب من الشام، و معاويه من مصر، و القعقاع من الكوفه، و مجاشع من البصره، فعندها حالوا بين الناس و بين عثمان، و منعوه كل شي‏ء حتى الماء، و قد كان يدخل على بالشي‏ء مما يريد و طلبوا العلل فلم تطلع عليهم عله، فعثروا في داره بالحجارة ليرموا، فيقولوا: قوتلنا- و ذلك ليلا- فناداهم: الا تتقون الله! الا تعلمون ان في الدار غيرى! قالوا: لا و الله ما رميناك.

قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله، قال: كذبتم، ان الله عز و جل لو رمانا لم يخطئنا و أنتم تخطئوننا و اشرف عثمان على آل حزم و هم جيرانه، فسرح ابنا لعمرو الى على بأنهم قد منعونا الماء، فان قدرتم ان ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا و الى طلحه و الى الزبير، و الى عائشة رضى الله عنها و ازواج النبي ص، فكان اولهم انجادا له على و أم حبيبه، جاء على‏

386

في الغلس، [فقال: يا ايها الناس، ان الذى تصنعون لا يشبه امر المؤمنين و لا امر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة، فان الروم و فارس لتاسر فتطعم و تسقى، و ما تعرض لكم هذا الرجل، فبم تستحلون حصره و قتله!] قالوا: لا و الله و لا نعمه عين، لا نتركه يأكل و لا يشرب، فرمى بعمامته في الدار بانى قد نهضت فيما انهضتنى، فرجع و جاءت أم حبيبه على بغله لها برحاله مشتمله على اداوه، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبه، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: ان وصايا بنى اميه الى هذا الرجل، فاحببت ان القاه فاساله عن ذلك كيلا تهلك اموال ايتام و ارامل قالوا: كاذبه، و اهووا لها و قطعوا حبل البغله بالسيف، فندت بام حبيبه، فتلقاها الناس، و قد مالت رحالتها، فتعلقوا بها و أخذوها و قد كادت تقتل، فذهبوا بها الى بيتها و تجهزت عائشة خارجه الى الحج هاربه، و استتبعت أخاها، فأبى، فقالت: اما و الله لئن استطعت ان يحرمهم الله ما يحاولون لافعلن.

و جاء حنظله الكاتب حتى قام على محمد بن ابى بكر، فقال: يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، و تدعوك ذؤبان العرب الى ما لا يحل فتتبعهم! فقال: ما أنت و ذاك يا بن التميمية! فقال: يا بن الخثعمية، ان هذا الأمر ان صار الى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف، و انصرف و هو يقول:

عجبت لما يخوض الناس فيه* * * يرومون الخلافه ان تزولا

و لو زالت لزال الخير عنهم* * * و لاقوا بعدها ذلا ذليلا

و كانوا كاليهود او النصارى* * * سواء كلهم ضلوا السبيلا

و لحق بالكوفه و خرجت عائشة و هي ممتلئه غيظا على اهل مصر، و جاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين، لو اقمت كان اجدر ان يراقبوا هذا الرجل، فقالت: ا تريد ان يصنع بي كما صنع بام حبيبه، ثم لا أجد من يمنعني! لا و الله و لا اعير و لا ادرى الام يسلم امر هؤلاء! و بلغ طلحه‏

387

و الزبير ما لقى على و أم حبيبه، فلزموا بيوتهم، و بقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات، عليهم الرقباء، فأشرف عثمان على الناس، فقال: يا عبد الله ابن عباس- فدعى له- فقال: اذهب فأنت على الموسم- و كان ممن لزم الباب- فقال: و الله يا امير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب الى من الحج، فاقسم عليه لينطلقن فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنه، و رمى عثمان الى الزبير بوصيته، فانصرف بها- و في الزبير اختلاف: ا ادرك مقتله او خرج قبله- و قال عثمان: «يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ‏» الآية، اللهم حل بين الأحزاب و بين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، قال: بعثت ليلى ابنه عميس الى محمد بن ابى بكر و محمد بن جعفر، فقالت:

ان المصباح يأكل نفسه، و يضي‏ء للناس، فلا تأثما في امر تسوقانه الى من لا ياثم فيكما، فان هذا الأمر الذى تحاولون اليوم لغيركم غدا، فاتقوا ان يكون عملكم اليوم حسره عليكم، فلجا و خرجا مغضبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا عثمان، و تقول: ما صنع بكما! الا الزمكما الله! فلقيهما سعيد ابن العاص، و قد كان بين محمد بن ابى بكر و بينه شي‏ء، فانكره حين لقيه خارجا من عند ليلى، فتمثل له في تلك الحال بيتا:

استبق ودك للصديق و لا تكن* * * فيئا يعض بخاذل ملجاجا

فأجابه سعيد متمثلا:

ترون إذا ضربا صميما من الذى* * * له جانب ناء عن الجرم معور

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى حارثة و ابى عثمان، قالوا: فلما بويع الناس جاء السابق فقدم بالسلامة، فاخبرهم من الموسم انهم يريدون جميعا المصريين و أشياعهم، و انهم يريدون ان يجمعوا ذلك الى حجهم، فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور اهل الأمصار،

388

اعلقهم الشيطان، و قالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه الا قتل هذا الرجل، فيشتغل بذلك الناس عنا، و لم يبق خصله يرجون بها النجاة الا قتله فراموا الباب، فمنعهم من ذلك الحسن و ابن الزبير و محمد بن طلحه و مروان بن الحكم و سعيد ابن العاص و من كان من أبناء الصحابه اقام معهم، و اجتلدوا، فناداهم عثمان:

الله الله! أنتم في حل من نصرتي فأبوا، ففتح الباب، و خرج و معه الترس و السيف لينهنههم، فلما راوه ادبر المصريون، و ركبهم هؤلاء، و نهنههم فتراجعوا و عظم على الفريقين، و اقسم على الصحابه ليدخلن، فأبوا ان ينصرفوا، فدخلوا فاغلق الباب دون المصريين- و قد كان المغيره بن الاخنس بن شريق فيمن حج، ثم تعجل في نفر حجوا معه، فأدرك عثمان قبل ان يقتل و شهد المناوشة، و دخل الدار فيمن دخل و جلس على الباب من داخل، و قال: ما عذرنا عند الله ان تركناك و نحن نستطيع الا ندعهم حتى نموت! فاتخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحبا، يصلى و عنده المصحف، فإذا أعيا جلس فقرا فيه- و كانوا يرون القراءة في المصحف من العباده- و كان القوم الذين كفكفهم بينه و بين الباب، فلما بقي المصريون لا يمنعهم احد من الباب و لا يقدرون على الدخول جاءوا بنار، فاحرقوا الباب و السقيفة، فتأجج الباب و السقيفة، حتى إذا احترق الخشب خرت السقيفة على الباب، فثار اهل الدار و عثمان يصلى، حتى منعوهم الدخول، و كان أول من برز لهم المغيره بن الاخنس، و هو يرتجز:

قد علمت جاريه عطبول ذات و شاح و لها جديل انى بنصل السيف خنشليل لامنعن منكم خليلى بصارم ليس بذى فلول.

و خرج الحسن بن على و هو يقول:

لا دينهم ديني و لا انا منهم* * * حتى اسير الى طمار شمام‏

و خرج محمد بن طلحه و هو يقول:

انا ابن من حامى عليه بأحد* * * و رد أحزابا على رغم معد

389

و خرج سعيد بن العاص و هو يقول:

صبرنا غداه الدار و الموت واقب* * * بأسيافنا دون ابن اروى نضارب‏

و كنا غداه الروع في الدار نصره* * * نشافههم بالضرب و الموت ثاقب‏

فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير، و امره عثمان ان يصير الى ابيه في وصيه بما اراد، و امره ان ياتى اهل الدار فيأمرهم بالانصراف الى منازلهم، فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها، و يحدث الناس عن عثمان باخر ما مات عليه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى حارثة و ابى عثمان، قالوا: و احرقوا الباب و عثمان في الصلاة، و قد افتتح «طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏»- و كان سريع القراءة، فما كرثه ما سمع، و ما يخطئ و ما يتتعتع حتى اتى عليها قبل ان يصلوا اليه- ثم عاد فجلس الى عند المصحف و قرأ: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏».

و ارتجز المغيره بن الاخنس و هو دون الدار في اصحابه:

قد علمت ذات القرون الميل* * * و الحلى و الأنامل الطفول‏

لتصدقن بيعتي خليلى* * * بصارم ذي رونق مصقول‏

لا استقيل ان اقلت قيلى

.

و اقبل ابو هريرة، و الناس محجمون عن الدار الا أولئك العصبة، فدسروا فاستقتلوا، فقام معهم، و قال: انا اسوتكم، و قال هذا يوم طاب امضرب- يعنى انه حل القتال، و طاب و هذه لغة حمير- و نادى: يا قوم، ما لي ادعوكم الى النجاة و تدعونني الى النار! و بادر مروان يومئذ و نادى:

رجل رجل، فبرز له رجل من بنى ليث يدعى النباع، فاختلفا، فضربه‏

390

مروان اسفل رجليه، و ضربه الآخر على اصل العنق فقلبه، فانكب مروان، و استلقى، فاجتر هذا اصحابه، و اجتر الآخر اصحابه، فقال المصريون: اما و الله لو لا ان تكونوا حجه علينا في الامه لقد قتلناكم بعد تحذير، فقال المغيره:

من يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد، و هو يقول:

اضربهم باليابس* * * ضرب غلام بائس‏

من الحياه آيس

.

فأجابه صاحبه و قال الناس: قتل المغيره بن الاخنس، فقال الذى قتله: انا لله! فقال له عبد الرحمن بن عديس: ما لك؟ قال: انى اتيت فيما يرى النائم، فقيل لي: بشر قاتل المغيره بن الاخنس بالنار، فابتليت به، و قتل قباث الكنانى نيار بن عبد الله الأسلمي، و اقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملئوها و لا يشعر الذين بالباب، و اقبلت القبائل على ابنائهم، فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم، و ندبوا رجلا لقتله، فانتدب له رجل، فدخل عليه البيت، فقال: اخلعها و ندعك، فقال: ويحك! و الله ما كشفت امراه في جاهلية و لا اسلام، و لا تغنيت و لا تمنيت، و لا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ص، و لست خالعا قميصا كسانيه الله عز و جل، و انا على مكاني حتى يكرم الله اهل السعادة، و يهين اهل الشقاء فخرج و قالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا و الله، و الله ما ينجينا من الناس الا قتله، و ما يحل لنا قتله، فادخلوا عليه رجلا من بنى ليث، فقال:

ممن الرجل؟ فقال: ليثى، فقال: لست بصاحبي، قال: و كيف؟ فقال:

ا لست الذى دعا لك النبي(ص)في نفر ان تحفظوا يوم كذا و كذا؟ قال: بلى، قال: فلن تضيع، فرجع و فارق القوم، فادخلوا عليه رجلا من قريش، فقال: يا عثمان، انى قاتلك، قال: كلا يا فلان، لا تقتلني، قال: و كيف؟ قال: ان رسول الله(ص)استغفر لك يوم كذا و كذا، فلن تقارف دما حراما فاستغفر و رجع، و فارق اصحابه‏

391

فاقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله، و قال: يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم، فو الله ان سللتموه لا تغمدوه، ويلكم! ان سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فان قتلتموه لا يقوم الا بالسيف.

ويلكم! ان مدينتكم محفوفه بملائكة الله، و الله لئن قتلتموه لتتركنها، فقالوا:

يا بن اليهودية، و ما أنت و هذا! فرجع عنهم.

قالوا: و كان آخر من دخل عليه ممن رجع الى القوم محمد بن ابى بكر، فقال له عثمان: ويلك! اعلى الله تغضب! هل لي إليك جرم الا حقه أخذته منك! فنكل و رجع.

قالوا: فلما خرج محمد بن ابى بكر و عرفوا انكساره، ثار قتيرة و سودان ابن حمران السكونيان و الغافقي، فضربه الغافقي بحديده معه، و ضرب المصحف برجله فاستدار المصحف، فاستقر بين يديه، و سالت عليه الدماء، و جاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه نائله ابنه الفرافصه، و اتقت السيف بيدها، فتعمدها، و نفح أصابعها، فاطن أصابع يدها و ولت، فغمز اوراكها، و قال: انها لكبيره العجيزه، و ضرب عثمان فقتله، و دخل غلمه لعثمان مع القوم لينصروه- و قد كان عثمان اعتق من كف منهم- فلما رأوا سودان قد ضربه، اهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله، و وثب قتيرة على الغلام فقتله، و انتهبوا ما في البيت، و اخرجوا من فيه، ثم اغلقوه على ثلاثة قتلى فلما خرجوا الى الدار، وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، و دار القوم فأخذوا ما وجدوا، حتى تناولوا ما على النساء، و أخذ رجل ملاءه نائله- و الرجل يدعى كلثوم بن تجيب- فتنحت نائله، فقال: ويح أمك من عجيزه ما اتمك! و بصر به غلام لعثمان فقتله و قتل، و تنادى القوم:

ابصر رجل من صاحبه، و تنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا اليه، و سمع اصحاب بيت المال أصواتهم، و ليس فيه الا غرارتان، فقالوا:

النجاء، فان القوم انما يحاولون الدنيا، فهربوا و أتوا بيت المال فانتهبوه، و ماج‏

392

الناس فيه، فالتانئ يسترجع و يبكى، و الطارئ يفرح و ندم القوم، و كان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله، فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان و هو بحيث هو، قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! رحم الله عثمان و انتصر له، و قيل: ان القوم نادمون، فقال: دبروا دبروا، «وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏» الآية و اتى الخبر طلحه، فقال: رحم الله عثمان! و انتصر له و للإسلام، و قيل له:

ان القوم نادمون، فقال تبا لهم! و قرأ: «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏» و اتى على فقيل: قتل عثمان، فقال رحم الله عثمان، و خلف علينا بخير! و قيل: ندم القوم، فقرا: «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ»، الآية و طلب سعد، فإذا هو في حائطه، و قد قال: لا اشهد قتله، فلما جاءه قتله قال: فررنا الى المدينة تدنينا، و قرأ: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» اللهم اندمهم ثم خذهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبى، عن المغيره بن شعبه، قال: قلت لعلى: ان هذا الرجل مقتول، و انه ان قتل و أنت بالمدينة اتخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا و كذا، فإنك ان فعلت و كنت في غار باليمن طلبك الناس، فأبى و حصر عثمان اثنين و عشرين يوما، ثم احرقوا الباب، و في الدار اناس كثير، فيهم عبد الله بن الزبير و مروان، فقالوا: ائذن لنا، فقال: ان رسول الله(ص)عهد الى عهدا، فانا صابر عليه، و ان القوم لم يحرقوا باب الدار الا و هم يطلبون ما هو اعظم منه، فاحرج على رجل يستقتل و يقاتل، و خرج الناس كلهم، و دعا بالمصحف يقرا فيه و الحسن عنده، فقال: ان اباك الان لفي امر عظيم، فاقسمت عليك لما خرجت! و امر عثمان أبا كرب- رجلا من همدان-

393

و آخر من الانصار ان يقوما على باب بيت المال، و ليس فيه الا غرارتان من ورق، فلما اطفئت النار بعد ما ناوشهم ابن الزبير و مروان، و توعد محمد بن ابى بكر ابن الزبير و مروان، فلما دخل على عثمان هربا و دخل محمد بن ابى بكر على عثمان، فاخذ بلحيته، فقال: ارسل لحيتي، فلم يكن ابوك ليتناولها فأرسلها، و دخلوا عليه، فمنهم من يجؤه بنعل سيفه، و آخر يلكزه، و جاءه رجل بمشاقص معه، فوجاه في ترقوته، فسال الدم على المصحف و هم في ذلك يهابون في قتله، و كان كبيرا، و غشى عليه و دخل آخرون فلما راوه مغشيا عليه جروا برجله، فصاحت نائله و بناته، و جاء التجيبى مخترطا سيفه ليضعه في بطنه، فوقته نائله، فقطع يدها، و اتكأ بالسيف عليه في صدره و قتل عثمان رضى الله عنه قبل غروب الشمس، و نادى مناد: ما يحل دمه و يحرج ماله، فانتهبوا كل شي‏ء، ثم تبادروا بيت المال، فالقى الرجلان المفاتيح و نجوا، و قالوا: الهرب الهرب! هذا ما طلب القوم.

و ذكر محمد بن عمر، ان عبد الرحمن بن عبد العزيز حدثه عن عبد الرحمن ابن محمد، ان محمد بن ابى بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم، و معه كنانه بن بشر بن عتاب، و سودان بن حمران، و عمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عند امراته نائله و هو يقرا في المصحف في سوره البقره، فتقدمهم محمد بن ابى بكر، فاخذ بلحيه عثمان، فقال: قد اخزاك الله يا نعثل! فقال عثمان: لست بنعثل، و لكنى عبد الله و امير المؤمنين قال محمد:

ما اغنى عنك معاويه و فلان و فلان! فقال عثمان: يا بن أخي، دع عنك لحيتي، فما كان ابوك ليقبض على ما قبضت عليه فقال محمد: لو رآك ابى تعمل هذه الاعمال أنكرها عليك، و ما اريد بك أشد من قبضي على لحيتك، قال عثمان: استنصر الله عليك و استعين به ثم طعن جبينه بمشقص في يده و رفع كنانه بن بشر مشاقص كانت في يده، فوجا بها في اصل اذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله، فقال عبد الرحمن: سمعت أبا عون يقول: ضرب كنانه بن بشر جبينه‏

394

و مقدم راسه بعمود حديد، فخر لجبينه، فضربه سودان بن حمران المرادى بعد ما خر لجبينه فقتله.

قال محمد بن عمر: حدثنى عبد الرحمن بن ابى الزناد، عن عبد الرحمن ابن الحارث، قال: الذى قتله كنانه بن بشر بن عتاب التجيبى و كانت امراه منظور بن سيار الفزارى تقول: خرجنا الى الحج، و ما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالعرج سمعنا رجلا يتغنى تحت الليل:

الا ان خير الناس بعد ثلاثة* * * قتيل التجيبى الذى جاء من مصر

قال: و اما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان، فجلس على صدره و به رمق، فطعنه تسع طعنات قال عمرو: فاما ثلاث منهن فانى طعنتهن اياه الله، و اما ست فانى طعنتهن اياه لما كان في صدري عليه.

قال محمد: و حدثنى إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحه، قال: رايت عروه بن شييم ضرب مروان يوم الدار بالسيف على رقبته، فقطع احدى علباويه، فعاش مروان اوقص، و مروان الذى يقول:

ما قلت يوم الدار للقوم حاجزوا* * * رويدا و لا استبقوا الحياه على القتل‏

و لكنني قد قلت للقوم ماصعوا* * * بأسيافكم كيما يصلن الى الكهل‏

قال محمد الواقدى: و حدثنى يوسف بن يعقوب، عن عثمان بن محمد الاخنسى، قال: كان حصر عثمان قبل قدوم اهل مصر، فقدم اهل مصر يوم الجمعه، و قتلوه في الجمعه الاخرى.

و حدثنى عبد الله بن احمد المروزى، قال: حدثنى ابى، قال:

حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله، عن حرمله بن عمران، قال:

حدثنى يزيد بن ابى حبيب، قال: ولى قتل عثمان نهران الأصبحي، و كان قاتل عبد الله بن بسره، و هو رجل من بنى عبد الدار.

قال محمد بن عمر: و حدثنى الحكم بن القاسم،

3

عن ابى عون مولى‏

395

المسور بن مخرمه، قال: ما زال المصريون كافين عن دمه و عن القتال، حتى قدمت امداد العراق من البصره و من الكوفه و من الشام، فلما جاءوا شجعوا القوم، و بلغهم ان البعوث قد فصلت من العراق و من مصر من عند ابن سعد، و لم يكن ابن سعد بمصر قبل ذلك، كان هاربا قد خرج الى الشام، فقالوا:

نعاجله قبل ان تقدم الامداد قال محمد: و حدثنى الزبير بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: اشرف عثمان عليهم و هو محصور، و قد أحاطوا بالدار من كل ناحيه، فقال: أنشدكم بالله جل و عز، هل تعلمون انكم دعوتم الله عند مصاب امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان يخير لكم، و ان يجمعكم على خيركم! فما ظنكم بالله! ا تقولونه: لم يستجب لكم، و هنتم على الله سبحانه، و أنتم يومئذ اهل حقه من خلقه، و جميع أموركم لم تتفرق! أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبال من ولاه، و الدين يومئذ يعبد به الله و لم يتفرق اهله، فتوكلوا او تخذلوا، و تعاقبوا! أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشوره، و انما كابرتم مكابرة، فوكل الله الامه إذا عصته لم تشاوروا في الامام، و لم تجتهدوا في موضع كراهته! أم تقولون: لم يدر الله ما عاقبه امرى، فكنت في بعض امرى محسنا، و لأهل الدين رضا، فما احدثت بعد في امرى ما يسخط الله، و تسخطون مما لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني و سربلنى سربال كرامته! و أنشدكم بالله، هل تعلمون لي من سابقه خير و سلف خير قدمه الله لي، و اشهدنيه من حقه! و جهاد عدوه حق على كل من جاء بعدي ان يعرفوا لي فضلها فمهلا، لا تقتلوني، فانه لا يحل الا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد احصانه، او كفر بعد اسلامه، او قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها، فإنكم ان قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفعه الله عز و جل عنكم الى يوم القيامه و لا تقتلوني فإنكم ان قتلتموني لم تصلوا من بعدي جميعا ابدا، و لم تقتسموا بعدي فيئا جميعا ابدا، و لن يرفع الله عنكم الاختلاف ابدا.

قالوا له: اما ما ذكرت من استخاره الله عز و جل الناس بعد عمر رضى‏

396

الله عنه فيمن يولون عليهم، ثم ولوك بعد استخاره الله، فان كل ما صنع الله الخيره، و لكن الله سبحانه جعل امرك بليه ابتلى بها عباده و اما ما ذكرت من قدمك و سبقك مع رسول الله ص، فإنك قد كنت ذا قدم و سلف، و كنت أهلا للولاية، و لكن بدلت بعد ذلك، و احدثت ما قد علمت و اما ما ذكرت مما يصيبنا ان نحن قتلناك من البلاء، فانه لا ينبغى ترك اقامه الحق عليك مخافه الفتنة عاما قابلا و اما قولك: انه لا يحل الا قتل ثلاثة، فانا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الارض فسادا، و قتل من بغى ثم قاتل على بغيه، و قتل من حال دون شي‏ء من الحق و منعه ثم قاتل دونه و كابر عليه، و قد بغيت، و منعت الحق، و حلت دونه، و كابرت عليه، تابى ان تقيد من نفسك من ظلمت عمدا، و تمسكت بالاماره علينا و قد جرت في حكمك و قسمك! فان زعمت انك لم تكابرنا عليه، و ان الذين قاموا دونك و منعوك منا انما يقاتلون بغير امرك، فإنما يقاتلون لتمسكك بالاماره، فلو انك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك‏

. ذكر بعض سير عثمان بن عفان رضى الله عنه‏

حدثنى زياد بن أيوب، قال: حدثنا هشيم، قال: زعم ابو المقدام، عن الحسن بن ابى الحسن، قال: دخلت المسجد، فإذا انا بعثمان بن عفان متكئا على ردائه، فأتاه سقاءان يختصمان، فقضى بينهما.

و فيما كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عماره بن القعقاع، عن الحسن البصرى، قال: كان عمر بن الخطاب قد حجر على اعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان الا باذن و اجل، فشكوه فبلغه، فقام فقال: الا انى قد سننت الاسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعا، ثم ثنيا، ثم رباعيا، ثم سديسا، ثم بازلا، الا فهل ينتظر بالبازل‏

397

الا النقصان! الا فان الاسلام قد بزل الا و ان قريشا يريدون ان يتخذوا مال الله معونات دون عباده، الا فاما و ابن الخطاب حي فلا، انى قائم دون شعب الحره، آخذ بحلاقيم قريش و حجزها ان يتهافتوا في النار.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: فلما ولى عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما راوها و رأوا الدنيا، و رآهم الناس، انقطع اليهم من لم يكن له طول و لا مزيه في الاسلام، فكان مغموما في الناس، و صاروا اوزاعا اليهم و املوهم، و تقدموا في ذلك فقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم، و تقدمنا في التقرب و الانقطاع اليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الاسلام، و أول فتنه كانت في العامه، ليس الا ذلك.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبى قال: لم يمت عمر رضى الله عنه حتى ملته قريش، و قد كان حصرهم بالمدينة، فامتنع عليهم، و قال: ان اخوف ما اخاف على هذه الامه انتشاركم في البلاد، فان كان الرجل ليستأذنه في الغزو- و هو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين، و لم يكن فعل ذلك بغيرهم من اهل مكة- فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله(ص)ما يبلغك، و خير لك من الغزو اليوم الا ترى الدنيا و لا تراك، فلما ولى عثمان خلى عنهم، فاضطربوا في البلاد، و انقطع اليهم الناس، فكان أحب اليهم من عمر.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما ولى عثمان حج سنواته كلها الا آخر حجه، و حج بازواج رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كما كان يصنع عمر، فكان عبد الرحمن ابن عوف في موضعه، و جعل في موضع نفسه سعيد بن زيد، هذا في مؤخر القطار، و هذا في مقدمه، و امن الناس، و كتب في الأمصار ان يوافيه العمال في كل موسم و من يشكونهم و كتب الى الناس الى الأمصار، ان ائتمروا بالمعروف، و تناهوا عن المنكر، و لا يذل المؤمن نفسه، فانى مع الضعيف على القوى ما دام مظلوما ان شاء الله فكان الناس بذلك، فجرى ذلك الى‏

398

ان اتخذه اقوام وسيله الى تفريق الامه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

لم تمض سنه من اماره عثمان حتى اتخذ رجال من قريش اموالا في الأمصار، و انقطع اليهم الناس، و ثبتوا سبع سنين، كل قوم يحبون ان يلى صاحبهم.

ثم ان ابن السوداء اسلم، و تكلم و قد فاضت الدنيا، و طلعت الاحداث على يديه، فاستطالوا عمر عثمان رضى الله عنه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عثمان بن حكيم ابن عباد بن حنيف، عن ابيه، قال: أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا، و انتهى وسع الناس طيران الحمام و الرمى على الجلاهقات، فاستعمل عليها عثمان رجلا من بنى ليث سنه ثمان، فقصها و كسر الجلاهقات و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب، قال أول من منع الحمام الطيارة و الجلاهقات عثمان، ظهرت بالمدينة فامر عليها رجلا، فمنعهم منها.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، عن ابيه نحوا منه، و زاد: و حدث بين الناس النشو.

قال: فأرسل عثمان طائفا يطوف عليهم بالعصا، فمنعهم من ذلك، ثم اشتد ذلك فافشى الحدود، و نبا ذلك عثمان، و شكاه الى الناس، فاجتمعوا على ان يجلدوا في النبيذ، فاخذ نفر منهم فجلدوا.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما حدثت الاحداث بالمدينة خرج منها رجال الى الأمصار مجاهدين، و ليدنوا من العرب، فمنهم من اتى البصره، و منهم من اتى الكوفه، و منهم من اتى الشام، فهجموا جميعا من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة الا ما كان من أبناء الشام، فرجعوا جميعا الى المدينة الا من كان بالشام، فأخبروا عثمان بخبرهم، فقام‏

399

عثمان في الناس خطيبا، فقال: يا اهل المدينة، أنتم اصل الاسلام، و انما يفسد الناس بفسادكم، و يصلحون بصلاحكم، و الله و الله و الله لا يبلغني عن احد منكم حدث احدثه الا سيرته، الا فلا اعرفن أحدا عرض دون أولئك بكلام و لا طلب، فان من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون ان يتكلم احد منهم بما عليه و لا له و جعل عثمان لا يأخذ أحدا منهم على شر او شهر سلاح: عصا فما فوقها الا سيره، فضج آباؤهم من ذلك حتى بلغه انهم يقولون: ما احدث التسيير الا ان رسول الله(ص)سير الحكم بن ابى العاص، فقال: ان الحكم كان مكيا، فسيره رسول الله(ص)منها الى الطائف، ثم رده الى بلده، فرسول الله(ص)سيره بذنبه، و رسول الله(ص)رده بعفوه و قد سير الخليفة من بعده، و عمر رضى الله عنه من بعد الخليفة، و ايم الله لاخذن العفو من اخلاقكم، و لأبذلنه لكم من خلقى، و قد دنت امور، و لا أحب ان تحل بنا و بكم، و انا على وجل و حذر، فاحذروا و اعتبروا كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت و يحيى بن سعيد، قالا: سال سائل سعيد بن المسيب عن محمد بن ابى حذيفة: ما دعاه الى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيما في حجر عثمان، فكان عثمان والى ايتام اهل بيته، و محتمل كلهم، فسال عثمان العمل حين ولى، فقال: يا بنى، لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك، و لكن لست هناك! قال: فاذن لي فلاخرج فلاطلب ما يقوتنى، قال: اذهب حيث شئت، و جهزه من عنده، و حمله و اعطاه، فلما وقع الى مصر كان فيمن تغير عليه ان منعه الولاية قيل: فعمار بن ياسر؟ قال: كان بينه و بين عباس بن عتبة بن ابى لهب كلام، فضربهما عثمان، فاورث ذاك بين آل عمار و آل عتبة شرا حتى اليوم، و كنى عما ضربا عليه و فيه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت، قال: فسالت ابن سليمان بن ابى حثمه، فأخبرني انه تقاذف كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، قال: سالت‏

400

سالم بن عبد الله عن محمد بن ابى بكر: ما دعاه الى ركوب عثمان؟ فقال:

الغضب و الطمع، قلت: ما الغضب و الطمع؟ قال: كان من الاسلام بالمكان الذى هو به، و غره اقوام فطمع و كانت له داله فلزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره، و لم يدهن، فاجتمع هذا الى هذا، فصار مذمما بعد ان كان محمدا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عن سالم ابن عبد الله، قال: لما ولى عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعا، و لم يعطل حقا، فاحبوه على لينه، فاسلمهم ذلك الى امر الله عز و جل.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم، قال: كان مما احدث عثمان فرضى به منه انه ضرب رجلا في منازعه استخف فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له، فقال: نعم، ا يفخم رسول الله(ص)عمه، و ارخص في الاستخفاف به! لقد خالف رسول الله(ص)من فعل ذلك، و من رضى به منه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن رزيق بن عبد الله الرازى، عن علقمه بن مرثد، عن حمران بن ابان، قال: أرسلني عثمان الى العباس بعد ما بويع، فدعوته اليه، فقال: ما لك تعبدتنى! قال:

لم أكن قط احوج إليك منى اليوم، قال: الزم خمسا، لا تنازعك الامه خزائمها ما لزمتها، قال: و ما هن؟ قال: الصبر عن القتل، و التحبب، و الصفح، و المداراة، و كتمان السر.

و ذكر محمد بن عمر، قال: حدثنى ابن ابى سبره، عن عمرو بن اميه الضمرى، قال: ان قريشا كان من اسن منهم مولعا باكل الخزيرة، و انى كنت اتعشى مع عثمان خزيرا من طبخ من اجود ما رايت قط، فيها بطون الغنم، و ادمها اللبن و السمن، فقال عثمان: كيف ترى هذا الطعام؟

فقلت: هذا اطيب ما اكلت قط، فقال: يرحم الله ابن الخطاب! اكلت‏

401

معه هذه الخزيرة قط؟ قلت: نعم، فكادت اللقمة تفرث في يدي حين اهوى بها الى فمي، و ليس فيها لحم، و كان ادمها السمن و لا لبن فيها.

فقال عثمان: صدقت، ان عمر رضى الله عنه اتعب و الله من تبع اثره، و انه كان يطلب بثنيه عن هذه الأمور ظلفا اما و الله ما آكله من مال المسلمين، و لكنى آكله من مالي، أنت تعلم انى كنت اكثر قريش مالا، و اجدهم في التجارة، و لم أزل آكل من الطعام ما لان منه، و قد بلغت سنا فأحب الطعام الى الينه، و لا اعلم لأحد على في ذلك تبعه.

قال محمد: و حدثنى ابن ابى سبره، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله ابن عامر، قال: كنت افطر مع عثمان في شهر رمضان، فكان يأتينا بطعام هو الين من طعام عمر، قد رايت على مائدة عثمان الدرمك الجيد و صغار الضان كل ليله، و ما رايت عمر قط اكل من الدقيق منخولا، و لا اكل من الغنم الا مسانها، فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمر! و من يطيق ما كان عمر يطيق! قال محمد: و حدثنى عبد الملك بن يزيد بن السائب، عن عبد الله بن السائب، قال: أخبرني ابى، قال: أول فسطاط رايته بمنى فسطاط لعثمان، و آخر لعبد الله بن عامر بن كريز، و أول من زاد النداء الثالث يوم الجمعه على الزوراء عثمان، و أول من نخل له الدقيق من الولاه عثمان رضى الله عنه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

بلغ عثمان ان ابن ذي الحبكه النهدي يعالج نيرنجا- قال محمد بن سلمه: انما هو نيرج- فأرسل الى الوليد بن عقبه ليسأله عن ذلك، فان اقر به فاوجعه، فدعا به فسأله، فقال: انما هو رفق و امر يعجب منه، فامر به فعزر، و اخبر الناس خبره، و قرأ عليهم كتاب عثمان: انه قد جد بكم، فعليكم بالجد، و إياكم و الهزال، فكان الناس عليه، و تعجبوا من وقوف عثمان‏

402

على مثل خبره، فغضب، فنفر في الذين نفروا، فضرب معهم، فكتب الى عثمان فيه، فلما سير الى الشام من سير، سير كعب بن ذي الحبكه و مالك ابن عبد الله- و كان دينه كدينه- الى دنباوند، لأنها ارض سحره، فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكه للوليد:

لعمري لئن طردتني ما الى التي* * * طمعت بها من سقطتي لسبيل‏

رجوت رجوعى يا بن اروى و رجعتي* * * الى الحق دهرا غال ذلك غول‏

و ان اغترابي في البلاد و جفوتى* * * و شتمي في ذات الإله قليل‏

و ان دعائي كل يوم و ليله* * * عليك بدنباوند كم لطويل‏

فلما ولى سعيد اقفله، و احسن اليه و استصلحه، فكفره، فلم يزدد الا فسادا و استعار ضابئ بن الحارث البرجمى في زمان الوليد بن عقبه من قوم من الانصار كلبا يدعى قرحان، يصيد الظباء، فحبسه عنهم، فنافره الانصاريون، و استغاثوا عليه بقومه فكاثروه، فانتزعوه منه و ردوه على الانصار، فهجاهم و قال في ذلك:

تحشم دوني وفد قرحان خطه* * * تضل لها الوجناء و هي حسير

فباتوا شباعا ناعمين كأنما* * * حباهم ببيت المرزبان امير

فكلبكم لا تتركوا فهو امكم* * * فان عقوق الأمهات كبير

فاستعدوا عليه عثمان، فأرسل اليه، فعزره و حبسه كما كان يصنع بالمسلمين، فاستثقل ذلك، فما زال في الحبس حتى مات فيه و قال في الفتك يعتذر الى اصحابه:

هممت و لم افعل و كدت وليتني* * * فعلت و وليت البكاء حلائله‏

و قائله قد مات في السجن ضابئ* * * الا من لخصم لم يجد من يجادله!

403

و قائله لا يبعد الله ضابئا* * * فنعم الفتى تخلو به و تحاوله‏

فلذلك صار عمير بن ضابئ سبئيا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير، عن أخيه، قال: و الله ما علمت و لا سمعت بأحد غزا عثمان رضى الله عنه، و لا ركب اليه الا قتل، لقد اجتمع بالكوفه نفر، فيهم الاشتر و زيد بن صوحان و كعب ابن ذي الحبكه و ابو زينب و ابو مورع و كميل بن زياد و عمير بن ضابئ، فقالوا: لا و الله لا يرفع راس ما دام عثمان على الناس، فقال عمير بن ضابئ و كميل بن زياد: نحن نقتله فركبا الى المدينة، فاما عمير فانه نكل عنه، و اما كميل بن زياد فانه جسر و ثاوره، و كان جالسا يرصده حتى اتى عليه عثمان، فوجا عثمان وجهه، فوقع على استه، و قال: أوجعتني يا امير المؤمنين! قال: او لست بفاتك! قال: لا و الله الذى لا اله الا هو، فحلف و قد اجتمع عليه الناس، فقالوا: نفتشه يا امير المؤمنين، فقال: لا، قد رزق الله العافيه، و لا اشتهى ان اطلع منه على غير ما قال و قال: ان كان كما قلت يا كميل فاقتد منى- و جثا- فو الله ما حسبتك الا تريدنى، و قال: ان كنت صادقا فاجزل الله، و ان كنت كاذبا فأذل الله و قعد له على قدميه و قال:

دونك! قال: قد تركت فبقيا حتى اكثر الناس في نجائهما، فلما قدم الحجاج قال: من كان من بعث المهلب فليواف مكتبه، و لا يجعل على نفسه سبيلا.

فقام اليه عمير، و قال: انى شيخ ضعيف، و لي ابنان قويان، فاخرج أحدهما مكاني او كليهما، فقال: من أنت؟ قال: انا عمير بن ضابئ، فقال:

و الله لقد عصيت الله عز و جل منذ اربعين سنه، و و الله لأنكلن بك المسلمين، غضبت لسارق الكلب ظالما، ان اباك إذ غل لهم، و انك هممت و نكلت، و انى أهم ثم لا انكل فضربت عنقه.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، قال: حدثنا رجل من بنى اسد، قال: كان من حديثه انه كان قد غزا عثمان رضى الله عنه فيمن غزاه، فلما قدم الحجاج و نادى بما نادى به، عرض رجل عليه ما عوض‏

404

نفسه، فقبل منه، فلما ولى قال أسماء بن خارجه: لقد كان شان عمير مما يهمني، قال: و من عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال:

ذكرتني الطعن و كنت ناسيا

ا ليس فيمن خرج الى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفه احد غيره؟ قال: نعم، كميل، قال: على بعمير، فضرب عنقه، و دعا بكميل فهرب، فاخذ النخع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر! فقال: اما و الله لتحبسن عنى لسانك او لأحسن راسك بالسيف قال: افعل فلما راى كميل ما لقى قومه من الخوف و هم ألفا مقاتل، قال: الموت خير من الخوف إذا اخيف الفان من سببى و حرموا.

فخرج حتى اتى الحجاج، فقال له الحجاج: أنت الذى اردت ثم لم يكشفك امير المؤمنين، و لم ترض حتى اقعدته للقصاص إذ دفعك عن نفسه؟ فقال:

على اى ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه او على عافيتي؟ قال: يا ادهم بن المحرز، اقتله، قال: و الاجر بيني و بينك؟ قال: نعم، قال ادهم: بل الاجر لك، و ما كان من اثم فعلى و قال مالك بن عبد الله- و كان من المسيرين:

مضت لابن اروى في كميل ظلامه* * * عفاها له و المستقيد يلام‏

و قال له لا اقبح اليوم مثله* * * عليك أبا عمرو و أنت امام‏

رويدك راسى و الذى نسكت له* * * قريش بنا على الكبير حرام‏

و للعفو امن يعرف الناس فضله* * * و ليس علينا في القصاص اثام‏

و لو علم الفاروق ما أنت صانع* * * نهى عنك نهيا ليس فيه كلام‏

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على بن محمد، عن سحيم بن حفص، قال: كان ربيعه بن الحارث بن عبد المطلب شريك عثمان في الجاهلية، فقال العباس بن ربيعه لعثمان: اكتب لي الى ابن عامر يسلفني مائه الف، فكتب، فاعطاه مائه الف وصله بها، و اقطعه داره، دار العباس ابن ربيعه اليوم.

و حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى‏