تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج4

- ابن جرير الطبري المزيد...
576 /
405

ابن طلحه، قال: كان لعثمان على طلحه خمسون ألفا، فخرج عثمان يوما الى المسجد، فقال له طلحه: قد تهيأ مالك فاقبضه، قال: هو لك يا أبا محمد معونه لك على مروءتك.

و حدثنى عمر، قال: حدثنا على، عن عبد ربه، عن نافع، عن اسماعيل ابن ابى خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال على لطلحة: أنشدك الله الا رددت الناس عن عثمان! قال: لا و الله حتى تعطى بنو اميه الحق من أنفسها.

و حدثنى عمر، قال: حدثنا على، قال: حدثنا ابو بكر البكرى، عن هشام بن حسان، عن الحسن، ان طلحه بن عبيد الله باع أرضا له من عثمان بسبعمائة الف، فحملها اليه، فقال طلحه: ان رجلا تتسق هذه عنده و في بيته لا يدرى ما يطرقه من امر الله عز و جل لغرير بالله سبحانه! فبات و رسوله يختلف بها في سكك المدينة يقسمها حتى اصبح، فاصبح و ما عنده منها درهم قال الحسن: و جاء هاهنا يطلب الدينار و الدرهم- او قال: الصفراء و البيضاء.

و حج بالناس في هذه السنه- اعنى سنه خمس و ثلاثين- عبد الله بن عباس بأمر عثمان اياه بذلك، حدثنى بذلك احمد بن ثابت الرازى، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر

. ذكر الخبر عن السبب الذى من اجله امر عثمان رضى الله عنه عبد الله ابن عباس رضى الله عنه ان يحج بالناس في هذه السنه‏

ذكر محمد بن عمر الواقدى ان اسامه بن زيد حدثه عن داود بن الحصين، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال: لما حصر عثمان الحصر الآخر قال‏

406

عكرمه: فقلت لابن عباس: او كانا حصرين؟ فقال ابن عباس: نعم، الحصر الاول، حصر اثنتى عشره- و قدم المصريون فلقيهم على بذى خشب، فردهم عنه، و قد كان و الله على له صاحب صدق، حتى اوغر نفس على عليه، جعل مروان و سعيد و ذووهما يحملونه على على فيتحمل، و يقولون: لو شاء ما كلمك احد، و ذلك ان عليا كان يكلمه و ينصحه و يغلظ عليه في المنطق في مروان و ذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك و أنت امامه و سلفه و ابن عمه و ابن عمته، فما ظنك بما غاب عنك منه! فلم يزالوا بعلى حتى اجمع الا يقوم دونه، فدخلت عليه اليوم الذى خرجت فيه الى مكة، فذكرت له ان عثمان دعانى الى الخروج فقال لي: ما يريد عثمان ان ينصحه احد، اتخذ بطانه اهل غش ليس منهم احد الا قد تسبب بطائفة من الارض يأكل خراجها و يستذل أهلها، فقلت له: ان له رحما و حقا، فان رايت ان تقوم دونه فعلت، فإنك لا تعذر الا بذلك.

قال ابن عباس: فالله يعلم انى رايت فيه الانكسار و الرقة لعثمان، ثم انى لأراه يؤتى اليه عظيم ثم قال عكرمه: و سمعت ابن عباس يقول: قال لي عثمان: يا بن عباس، اذهب الى خالد بن العاص و هو بمكة، فقل له:

يقرا عليك امير المؤمنين السلام، و يقول لك: انى محصور منذ كذا و كذا يوما، لا اشرب الا من الأجاج من دارى، و قد منعت بئرا اشتريتها من صلب مالي، رومه، فإنما يشربها الناس و لا اشرب منها شيئا، و لا آكل الا مما في بيتى، منعت ان آكل مما في السوق شيئا و انا محصور كما ترى، فأمره و قل له:

فليحج بالناس، و ليس بفاعل، فان ابى فاحجج أنت بالناس.

فقدمت الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص، فقلت له ما قال لي عثمان، فقال لي: هل طاقه بعداوة من ترى؟ فأبى ان يحج و قال: فحج أنت بالناس: فأنت ابن عم الرجل، و هذا الأمر لا يفضى الا اليه- يعنى عليا- و أنت أحق ان تحمل له ذلك، فحججت بالناس، ثم قفلت في آخر الشهر، فقدمت المدينة و إذا عثمان قد قتل، و إذا الناس يتواثبون‏

407

على رقبه على بن ابى طالب فلما رآنى على ترك الناس، و اقبل على فانتجانى، فقال: ما ترى فيما وقع؟ فانه قد وقع امر عظيم كما ترى لا طاقه لأحد به، فقلت: ارى انه لا بد للناس منك اليوم، فأرى انه لا يبايع اليوم احد الا اتهم بدم هذا الرجل، فأبى الا ان يبايع فاتهم بدمه.

قال محمد: فحدثني ابن ابى سبره، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عكرمه، قال: قال ابن عباس: قال لي عثمان رضى الله عنه: انى قد استعملت خالد بن العاص بن هشام على مكة، و قد بلغ اهل مكة ما صنع الناس، فانا خائف ان يمنعوه الموقف فيأبى، فيقاتلهم في حرم الله جل و عز و امنه و ان قوما جاءوا من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، فرايت ان اوليك امر الموسم و كتب معه الى اهل الموسم بكتاب يسألهم ان يأخذوا له بالحق ممن حصره فخرج ابن عباس، فمر بعائشة في الصلصل، فقالت: يا بن عباس، أنشدك الله- فإنك قد اعطيت لسانا ازعيلا- ان تخذل عن هذا الرجل، و ان تشكك فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم و انهجت، و رفعت لهم المنار، و تحلبوا من البلدان لامر قد حم، و قد رايت طلحه بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال و الخزائن مفاتيح، فان يل يسر بسيره ابن عمه ابى بكر، قال: قلت يا أمه لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس الا الى صاحبنا.

فقالت: ايها عنك! انى لست اريد مكابرتك و لا مجادلتك.

قال ابن ابى سبره: فأخبرني عبد المجيد بن سهيل، انه انتسخ رساله عثمان التي كتب بها من عكرمه، فإذا فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان امير المؤمنين الى المؤمنين و المسلمين، سلام عليكم، فانى احمد الله إليكم الذى لا اله الا هو، اما بعد، فانى اذكركم بالله جل و عز الذى انعم عليكم و علمكم الاسلام، و هداكم من الضلالة، و أنقذكم من الكفر، و أراكم البينات، و اوسع عليكم من‏

408

الرزق، و نصركم على العدو، و اسبغ عليكم نعمته، فان الله عز و جل يقول و قوله الحق: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» و قال عز و جل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏» «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» الى قوله: «لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏» و قال و قوله الحق: «وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا» و قال و قوله الحق: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ» الى قوله:

«فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏» و قوله عز و جل:

«إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا» الى «وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏» و قال و قوله الحق: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏» الى «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏» و قال و قوله الحق: «وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها» الى قوله: «وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏» و قال و قوله الحق: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏» الى «وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا» و قال و قوله الحق:

«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏» الى قوله: «وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏» و قال و قوله الحق: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ‏» الى «فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً»

409

اما بعد، فان الله عز و جل رضى لكم السمع و الطاعة و الجماعه، و حذركم المعصية و الفرقة و الاختلاف، و نبأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، و تقدم إليكم فيه ليكون له الحجه عليكم ان عصيتموه، فاقبلوا نصيحه الله عز و جل و احذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمه هلكت الا من بعد ان تختلف، الا ان يكون لها راس يجمعها، و متى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا، و سلط عليكم عدوكم، و يستحل بعضكم حرم بعض، و متى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، و تكونوا شيعا، و قد قال الله جل و عز لرسوله ص:

«إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ‏» و انى اوصيكم بما اوصاكم الله، و احذركم عذابه، فان شعيبا(ص)قال لقومه: «وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ‏» الى قوله:

«رَحِيمٌ وَدُودٌ».

اما بعد، فان أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس انما يدعون الى كتاب الله عز و جل و الحق، و لا يريدون الدنيا و لا منازعه فيها، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق، و نازع عنه حين يعطاه، و منهم تارك للحق و نازل عنه في الأمر، يريد ان يبتزه بغير الحق، طال عليهم عمرى، و راث عليهم املهم الإمرة، فاستعجلوا القدر، و قد كتبوا إليكم انهم قد رجعوا بالذي اعطيتهم، و لا اعلم انى تركت من الذى عاهدتهم عليه شيئا، كانوا زعموا انهم يطلبون الحدود، فقلت: أقيموها على من علمتم تعداها في احد، أقيموها على من ظلمكم من قريب او بعيد.

قالوا: كتاب الله يتلى، فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما انزل الله في الكتاب و قالوا: المحروم يرزق، و المال يوفى ليستن فيه السنه الحسنه، و لا يعتدى في الخمس و لا في الصدقه، و يؤمر ذو القوه و الأمانة،

410

و ترد مظالم الناس الى أهلها، فرضيت بذلك و اصطبرت له، و جئت نسوه النبي(ص)حتى كلمتهن، فقلت: ما تامرننى؟ فقلن:

تؤمر عمرو بن العاص و عبد الله بن قيس و تدع معاويه، فإنما امره امير قبلك، فانه مصلح لارضه، راض به جنده، و اردد عمرا، فان جنده راضون به، و امره فليصلح ارضه، فكل ذلك فعلت و انه اعتدى على بعد ذلك، و عدى على الحق.

كتبت إليكم و اصحابى الذين زعموا في الأمر، استعجلوا القدر، و منعوا منى الصلاة، و حالوا بيني و بين المسجد، و ابتزوا ما قدروا عليه بالمدينة.

كتبت إليكم كتابي هذا، و هم يخيروننى احدى ثلاث: اما يقيدوننى بكل رجل اصبته خطا او صوابا، غير متروك منه شي‏ء، و اما اعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيرى، و اما يرسلون الى من أطاعهم من الأجناد و اهل المدينة فيتبرءون من الذى جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع و الطاعة فقلت لهم:

اما اقادتى من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ و تصيب، فلم يستقد من احد منهم، و قد علمت انما يريدون نفسي، و اما ان أتبرأ من الإمارة فان يكلبونى أحب الى من ان أتبرأ من عمل الله عز و جل و خلافته و اما قولكم:

يرسلون الى الأجناد و اهل المدينة فيتبرءون من طاعتي، فلست عليكم بوكيل، و لم أكن استكرهتهم من قبل على السمع و الطاعة، و لكن أتوها طائعين، يبتغون مرضاه الله عز و جل و اصلاح ذات البين، و من يكن منكم انما يبتغى الدنيا فليس بنائل منها الا ما كتب الله عز و جل له، و من يكن انما يريد وجه الله و الدار الآخرة و صلاح الامه و ابتغاء مرضاه الله عز و جل و السنه الحسنه التي استن بها رسول الله(ص)و الخليفتان من بعده رضى الله عنهما، فإنما يجزى بذلكم الله، و ليس بيدي جزاؤكم، و لو اعطيتكم الدنيا كلها

411

لم يكن في ذلك ثمن لدينكم، و لم يغن عنكم شيئا، فاتقوا الله و احتسبوا ما عنده، فمن يرض بالنكث منكم فانى لا ارضاه له، و لا يرضى الله سبحانه ان تنكثوا عهده و اما الذى يخيروننى فإنما كله النزع و التأمير فملكت نفسي و من معى، و نظرت حكم الله و تغيير النعمه من الله سبحانه، و كرهت سنه السوء و شقاق الامه و سفك الدماء، فانى أنشدكم بالله و الاسلام الا تأخذوا الا الحق و تعطوه منى و ترك البغى على اهله، و خذوا بيننا بالعدل كما امركم الله عز و جل، فانى أنشدكم الله سبحانه الذى جعل عليكم العهد و الموازره في امر الله، فان الله سبحانه قال و قوله الحق: «وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا»، فان هذه معذره الى الله و لعلكم تذكرون.

اما بعد، فانى لا أبرئ نفسي، «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏»، و ان عاقبت أقواما فما ابتغى بذلك الا الخير، و انى اتوب الى الله عز و جل من كل عمل عملته، و استغفره انه لا يغفر الذنوب الا هو، ان رحمه ربى‏ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ*، انه لا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ الله الا القوم‏ الضَّالُّونَ‏، و انه‏ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما يفعلون و انا اسال الله عز و جل ان يغفر لي و لكم، و ان يؤلف قلوب هذه الامه على الخير، و يكره إليها الفسق، و السلام عليكم و رحمه الله و بركاته، ايها المؤمنون و المسلمون.

قال ابن عباس: فقرات هذا الكتاب عليهم قبل الترويه بمكة بيوم قال: و حدثنى ابن ابى سبره، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة

9

، عن ابن عباس، قال: دعانى عثمان، فاستعملني على الحج قال: فخرجت الى مكة، فاقمت للناس الحج، و قرات عليهم كتاب عثمان اليهم، ثم قدمت المدينة و قد بويع لعلى‏

412

ذكر الخبر عن الموضع الذى دفن فيه عثمان رضى الله عنه و من صلى عليه و ولى امره بعد ما قتل الى ان فرغ من امره و دفنه‏

حدثنى جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو بن حماد و على ابن حسين، قالا: حدثنا حسين بن عيسى، عن ابيه، عن ابى ميمونه، عن ابى بشير العابدى، قال: نبذ عثمان رضى الله عنه ثلاثة ايام لا يدفن، ثم ان حكيم بن حزام القرشي ثم احد بنى اسد بن عبد العزى، و جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف، كلما عليا في دفنه، و طلبا اليه ان يأذن لأهله في ذلك، ففعل، و اذن لهم على، فلما سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة، و خرج به ناس يسير من اهله، و هم يريدون به حائطا بالمدينة، يقال له: حش كوكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما خرج به على الناس رجموا سريره، و هموا بطرحه، فبلغ ذلك عليا، فأرسل اليهم يعزم عليهم ليكفن عنه، ففعلوا، فانطلق حتى دفن رضى الله عنه في حش كوكب، فلما ظهر معاويه بن ابى سفيان على الناس امر بهدم ذلك الحائط حتى افضى به الى البقيع، فامر الناس ان يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين.

و حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو و على قالا: حدثنا حسين، عن ابيه، عن المجالد بن سعيد الهمدانى، عن يسار بن ابى كرب، عن ابيه.

- و كان ابو كرب عاملا على بيت مال عثمان- قال: دفن عثمان رضى الله عنه بين المغرب و العتمه، و لم يشهد جنازته الا مروان بن الحكم و ثلاثة من مواليه و ابنته الخامسه، فناحت ابنته و رفعت صوتها تندبه، و أخذ الناس الحجاره و قالوا: [نعثل نعثل!] و كادت ترجم، فقالوا: الحائط الحائط، فدفن في حائط خارجا

413

و اما الواقدى فانه ذكر ان سعد بن راشد حدثه عن صالح بن كيسان، انه قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه قال رجل: يدفن بدير سلع مقبره اليهود، فقال حكيم بن حزام: و الله لا يكون هذا ابدا و احد من ولد قصى حي، حتى كاد الشر يلتحم، فقال ابن عديس البلوى: ايها الشيخ، و ما يضرك اين يدفن! فقال حكيم بن حزام: لا يدفن الا ببقيع الغرقد حيث دفن سلفه و فرطه، فخرج به حكيم بن حزام في اثنى عشر رجلا، و فيهم الزبير، فصلى عليه حكيم بن حزام قال الواقدى: الثبت عندنا انه صلى عليه جبير بن مطعم قال محمد بن عمر: و حدثنى الضحاك بن عثمان، عن مخرمه بن سليمان الوالبى، قال: قتل عثمان رضى الله عنه يوم الجمعه ضحوه، فلم يقدروا على دفنه، و أرسلت نائله ابنه الفرافصه الى حويطب بن عبد العزى و جبير بن مطعم و ابى جهم بن حذيفة و حكيم بن حزام و نيار الأسلمي، فقالوا: انا لا نقدر ان نخرج به نهارا، و هؤلاء المصريون على الباب، فامهلوا حتى كان بين المغرب و العشاء، فدخل القوم، فحيل بينهم و بينه، فقال ابو جهم:

و الله لا يحول بيني و بينه احد الا مت دونه، احملوه، فحمل الى البقيع، قال:

و تبعتهم نائله بسراج استسرجته بالبقيع و غلام لعثمان، حتى انتهوا الى نخلات عليها حائط، فدقوا الجدار، ثم قبروه في تلك النخلات، و صلى عليه جبير ابن مطعم، فذهبت نائله تريد ان تتكلم، فزبرها القوم، و قالوا: انا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء ان ينبشوه، فرجعت نائله الى منزلها.

قال محمد: و حدثنى عبد الله بن يزيد الهذلي، عن عبد الله بن ساعده، قال: لبث عثمان بعد ما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه، ثم حمله اربعه:

حكيم بن حزام، و جبير بن مطعم، و نيار بن مكرم، و ابو جهم بن حذيفة، فلما وضع ليصلى عليه، جاء نفر من الانصار يمنعونهم الصلاة عليه، فيهم اسلم بن أوس بن بجره الساعدي، و ابو حيه المازنى، في عده، و منعوهم ان يدفن بالبقيع، فقال ابو جهم: ادفنوه، فقد صلى الله عليه و ملائكته، فقالوا:

لا و الله، لا يدفن في مقابر المسلمين ابدا، فدفنوه في حش كوكب فلما ملكت بنو اميه ادخلوا ذلك الحش في البقيع، فهو اليوم مقبره بنى اميه‏

414

قال محمد: و حدثنى عبد الله بن موسى المخزومي، قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه أرادوا حز راسه، فوقعت عليه نائله و أم البنين، فمنعنهم، و صحن و ضربن الوجوه، و خرقن ثيابهن، فقال ابن عديس: اتركوه، فاخرج عثمان و لم يغسل الى البقيع، و أرادوا ان يصلوا عليه في موضع الجنائز، فابت الانصار، و اقبل عمير بن ضابئ و عثمان موضوع على باب، فنزا عليه، فكسر ضلعا من أضلاعه، و قال: سجنت ضابئا حتى مات في السجن.

و حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا ابو بكر ابن عبد الله بن ابى اويس، قال: حدثنى عم جدي الربيع بن مالك بن ابى عامر

3

، عن ابيه، قال: كنت احد حمله عثمان رضى الله عنه حين قتل: حملناه على باب، و ان راسه لتقرع الباب لاسراعنا به، و ان بنا من الخوف لامرا عظيما حتى واريناه في قبره في حش كوكب.

و اما سيف، فانه روى فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عنه، عن ابى حارثة و ابى عثمان و محمد و طلحه، ان عثمان لما قتل أرسلت نائله الى عبد الرحمن ابن عديس، فقالت له: انك أمس القوم رحما، و اولاهم بان تقوم بأمري، اغرب عنى هؤلاء الأموات قال: فشتمها و زجرها، حتى إذا كان في جوف الليل خرج مروان حتى اتى دار عثمان، فأتاه زيد بن ثابت و طلحه بن عبيد الله و على و الحسن و كعب بن مالك و عامه من ثم من صحابه، فتوافى الى موضع الجنائز صبيان و نساء، فاخرجوا عثمان فصلى عليه مروان، ثم خرجوا به حتى انتهوا الى البقيع، فدفنوه فيه مما يلى حش كوكب، حتى إذا أصبحوا أتوا اعبد عثمان الذين قتلوا معه فاخرجوهم فرأوهم فمنعوهم من ان يدفنوا، فادخلوهم حش كوكب، فلما امسوا خرجوا بعبدين منهم فدفنوهما الى جنب عثمان، و مع كل واحد منهما خمسه نفر و امراه، فاطمه أم ابراهيم بن عدى، ثم رجعوا فاتوا كنانه بن بشر، فقالوا: انك أمس القوم بنا رحما، فامر بهاتين الجيفتين اللتين في الدار ان تخرجا، فكلمهم في ذلك، فأبوا، فقال: انا جار لال عثمان من اهل مصر و من لف لفهم، فاخرجوهما فارموا بهما، فجرا بأرجلهما

415

فرمى بهما على البلاط، فاكلتهما الكلاب، و كان العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما نجيح و صبيح، فكان اسماهما الغالب على الرقيق لفضلهما و بلائهما، و لم يحفظ الناس اسم الثالث، و لم يغسل عثمان، و كفن في ثيابه و دمائه و لا غسل غلاماه.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبى قال: دفن عثمان رضى الله عنه من الليل، و صلى عليه مروان بن الحكم، و خرجت ابنته تبكى في اثره، و نائله ابنه الفرافصه، رحمهم الله‏

. ذكر الخبر عن الوقت الذى قتل فيه عثمان رضى الله عنه‏

اختلف في ذلك بعد اجماع جميعهم على انه قتل في ذي الحجه، فقال بعضهم: قتل لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه سنه ست و ثلاثين من الهجره، فقال الجمهور منهم: قتل لثماني عشره ليله مضت من ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين.

ذكر الرواية بذلك عن بعض من قال انه قتل في سنه ست و ثلاثين:

حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنى ابو بكر بن اسماعيل بن محمد بن سعد بن ابى وقاص، عن عثمان بن محمد الاخنسى، قال الحارث: و حدثنا ابن سعد، قال:

أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى ابو بكر بن عبد الله بن ابى سبره، عن يعقوب بن زيد، عن ابيه، قال: قتل عثمان رضى الله عنه يوم الجمعه لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه سنه ست و ثلاثين بعد العصر، و كانت خلافته اثنتى عشره سنه غير اثنى عشر يوما، و هو ابن اثنتين و ثمانين سنه.

و قال ابو بكر: أخبرنا مصعب بن عبد الله، قال: قتل عثمان رضى الله عنه يوم الجمعه لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه سنه ست و ثلاثين بعد العصر

416

و قال آخرون: قتل في ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين لثماني عشره ليله خلت منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى جعفر بن عبد الله، قال: حدثنا عمرو بن حماد و على، قالا:

حدثنا حسين، عن ابيه، عن المجالد بن سعيد الهمدانى، عن عامر الشعبى، انه قال: حصر عثمان بن عفان رضى الله عنه في الدار اثنتين و عشرين ليله، و قتل صبحه ثماني عشره ليله مضت من ذي الحجه سنه خمس و عشرين من وفاه رسول الله ص.

و حدثنى احمد بن ثابت الرازى، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، قال: قتل عثمان رضى الله عنه يوم الجمعه لثماني عشره ليله مضت من ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين، و كانت خلافته اثنتى عشره سنه الا اثنى عشر يوما.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه و ابى حارثة و ابى عثمان، قالوا: قتل عثمان رضى الله عنه يوم الجمعه لثماني عشره ليله مضت من ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين على راس احدى عشره سنه و احد عشر شهرا و اثنين و عشرين يوما من مقتل عمر رضى الله عنه.

و حدثت عن زكرياء بن عدى، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن ابن عقيل، قال: قتل عثمان رضى الله عنه سنه خمس و ثلاثين.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان و محمد و طلحه، قالوا: قتل عثمان رضى الله عنه لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه يوم الجمعه في آخر ساعه.

و قال آخرون: قتل يوم الجمعه ضحوه‏

417

ذكر من قال ذلك:

ذكر عن هشام بن الكلبى، انه قال: قتل عثمان رضى الله عنه صبيحة الجمعه لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين، فكانت خلافته اثنتى عشره سنه الا ثمانية ايام.

حدثنا الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثنى الضحاك بن عثمان، عن مخرمه بن سليمان الوالبى، قال: قتل عثمان رضى الله عنه يوم الجمعه ضحوه لثماني عشره ليله مضت من ذي الحجه سنه خمس و ثلاثين.

و قال آخرون: قتل في ايام التشريق ذكر من قال ذلك:

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا ابى ابو خيثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: سمعت ابى قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: قتل عثمان رضى الله عنه، فزعم بعض الناس انه قتل في ايام التشريق.

و قال بعضهم: قتل يوم الجمعه لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه‏

. ذكر الخبر عن قدر مده حياته‏

اختلف السلف قبلنا في ذلك، فقال بعضهم: كانت مده ذلك اثنتين و ثمانين سنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، ان عثمان رضى الله عنه قتل و هو ابن اثنتين و ثمانين سنه.

قال محمد بن عمر: و حدثنى الضحاك بن عثمان، عن مخرمه بن سليمان الوالبى، قال: قتل عثمان رضى الله عنه و هو ابن اثنتين و ثمانين سنه‏

418

قال محمد: و حدثنى سعد بن راشد عن صالح بن كيسان، قال: قتل عثمان رضى الله عنه و هو ابن اثنتين و ثمانين سنه و اشهر.

و قال آخرون: قتل و هو ابن تسعين او ثمان و ثمانين.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسن بن موسى الاشيب، قال: حدثنا ابو هلال، عن قتادة: ان عثمان رضى الله عنه قتل و هو ابن تسعين او ثمان و ثمانين سنه.

و قال آخرون: قتل و هو ابن خمس و سبعين سنه، و ذلك قول ذكر عن هشام بن محمد.

و قال بعضهم: قتل و هو ابن ثلاث و ستين، و هذا قول نسبه سيف بن عمر الى جماعه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، ان أبا حارثة و أبا عثمان و محمدا و طلحه، قالوا: قتل عثمان رضى الله عنه و هو ابن ثلاث و ستين سنه.

و قال آخرون: قتل و هو ابن ست و ثمانين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال:

حدثنى ابى، عن قتادة، قال: قتل عثمان رضى الله عنه و هو ابن ست و ثمانين‏

ذكر الخبر عن صفه عثمان‏

حدثنى زياد بن أيوب، قال: حدثنا هشيم، قال: زعم ابو المقدام، عن الحسن بن ابى الحسن، قال: دخلت المسجد، فإذا انا بعثمان رضى الله عنه متكئا على ردائه، فنظرت اليه، فإذا رجل حسن الوجه، و إذا بوجهه نكتات من جدري، و إذا شعره قد كسا ذراعيه‏

419

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: سالت عمرو بن عبد الله بن عنبسة و عروه بن خالد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان و عبد الرحمن بن ابى الزناد عن صفه عثمان، فلم أر بينهم اختلافا، قالوا: كان رجلا ليس بالقصير و لا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشره، كث اللحية عظيمها، اسمر اللون، عظيم الكراديس، عظيم ما بين المنكبين، كثير شعر الراس، يصفر لحيته.

و حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا ابى، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت ابى يقول: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: كان عثمان رجلا مربوعا، حسن الشعر، حسن الوجه، اصلع، اروح الرجلين‏

. ذكر الخبر عن وقت اسلامه و هجرته‏

حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كان اسلام عثمان قديما قبل دخول رسول الله(ص)دار الارقم قال: و كان ممن هاجر من مكة الى ارض الحبشه الهجره الاولى و الهجره الثانيه، و معه فيهما جميعا امراته رقيه بنت رسول الله ص‏

. ذكر الخبر عما كان يكنى به عثمان بن عفان رضى الله عنه‏

حدثنى الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر ان عثمان بن عفان رضى الله عنه كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما كان في الاسلام ولد له من رقيه بنت رسول الله(ص)غلام فسماه عبد الله، و اكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ست سنين، فنقره ديك على عينه، فمرض فمات في جمادى الاولى سنه اربع من‏

420

الهجره، فصلى عليه رسول الله ص، و نزل في حفرته عثمان رضى الله عنه.

و قال هشام بن محمد: كان يكنى أبا عمرو

. ذكر نسبه‏

هو عثمان بن عفان بن العاص بن اميه بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى و أمه اروى ابنه كريز بن ربيعه بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، و أمها أم حكيم بنت عبد المطلب‏

. ذكر اولاده و ازواجه‏

رقيه و أم كلثوم ابنتا رسول الله ص، ولدت له رقيه عبد الله.

و فاخته ابنه غزوان بن جابر بن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك ابن عبد بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمه بن خصفه بن قيس بن عيلان بن مضر ولدت له ابنا فسماه عبد الله، و هو عبد الله الاصغر، هلك.

و أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممه بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبه بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس، من الأزد، ولدت له عمرا و خالدا و أبانا و عمر و مريم.

و فاطمه ابنه الوليد بن عبد شمس بن المغيره بن عبد الله بن عمر بن مخزوم‏

3

، ولدت له الوليد و سعيدا و أم سعيد، بنى عثمان.

و أم البنين بنت عيينه بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، ولدت‏

3

له عبد الملك بن عثمان، هلك.

و رمله ابنه شيبه بن ربيعه بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، ولدت له عائشة و أم ابان و أم عمرو، بنات عثمان.

و نائله ابنه الفرافصه بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبه بن الحارث بن‏

421

حصن بن ضمضم بن عدى بن جناب بن كلب، ولدت له مريم ابنه عثمان.

و قال هشام بن الكلبى: ولدت أم البنين بنت عيينه بن حصن لعثمان عبد الملك و عتبة و قال أيضا: ولدت نائله عنبسة

3

. و زعم الواقدى ان لعثمان ابنه تدعى أم البنين بنت عثمان من نائله، قال:

و هي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن ابى سفيان‏

3

. و قتل عثمان رضى الله عنه و عنده رمله ابنه شيبه و نائله و أم البنين بنت عيينه و فاخته ابنه غزوان، غير انه- فيما زعم على بن محمد- طلق أم البنين و هو محصور.

فهؤلاء ازواجه اللواتي كن له في الجاهلية و الاسلام، و اولاده: رجالهم و نساؤهم‏

. ذكر أسماء عمال عثمان رضى الله عنه في هذه السنه على البلدان‏

قال محمد بن عمر: قتل عثمان رضى الله عنه و عماله على الأمصار- فيما حدثنى عبد الرحمن بن ابى الزناد- على مكة عبد الله بن الحضرمى، و على الطائف القاسم بن ربيعه الثقفى، و على صنعاء يعلى بن منيه، و على الجند عبد الله بن ابى ربيعه، و على البصره عبد الله بن عامر بن كريز- خرج منها فلم يول عليها عثمان أحدا- و على الكوفه سعيد بن العاص- اخرج منها فلم يترك يدخلها- و على مصر عبد الله بن سعد بن ابى سرح- قدم على عثمان، و غلب محمد بن ابى حذيفة عليها و كان عبد الله بن سعد استخلف على مصر السائب ابن هشام بن عمرو العامري، فاخرجه محمد بن ابى حذيفة- و على الشام معاويه ابن ابى سفيان.

و فيما كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، قالا: مات عثمان رضى الله عنه و على الشام معاويه، و عامل معاويه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و على قنسرين حبيب بن مسلمه، و على الأردن ابو الأعور بن سفيان، و على فلسطين علقمه بن حكيم الكنانى، و على البحر عبد الله بن قيس الفزارى و على القضاء ابو الدرداء

422

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، قال: مات عثمان رضى الله عنه و على الكوفه، على صلاتها ابو موسى، و على خراج السواد جابر بن عمرو المزنى- و هو صاحب المسناه الى جانب الكوفه- و سماك الأنصاري.

و على حربها القعقاع بن عمرو، و على قرقيسياء جرير بن عبد الله، و على اذربيجان الاشعث بن قيس، و على حلوان عتيبة بن النهاس، و على ماه مالك بن حبيب، و على همذان النسير، و على الري سعيد بن قيس، و على أصبهان السائب بن الأقرع، و على ماسبذان حبيش، و على بيت المال عقبه ابن عمرو و كان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت‏

. ذكر بعض خطب عثمان رضى الله عنه‏

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: خطب عثمان الناس بعد ما بويع، فقال:

اما بعد، فانى قد حملت و قد قبلت، الا و انى متبع و لست بمبتدع، الا و ان لكم على بعد كتاب الله عز و جل و سنه نبيه(ص)ثلاثا:

اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه و سننتم، و سن سنه اهل الخير فيما لم تسنوا عن ملا، و الكف عنكم الا فيما استوجبتم الا و ان الدنيا خضره قد شهيت الى الناس، و مال إليها كثير منهم، فلا تركنوا الى الدنيا و لا تثقوا بها، فإنها ليست بثقه، و اعلموا انها غير تاركه الا من تركها.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمه، قال: آخر خطبه خطبها عثمان رضى الله عنه في جماعه:

ان الله عز و جل انما اعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، و لم يعطكموها لتركنوا إليها، ان الدنيا تفنى و الآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، و لا تشغلنكم عن الباقيه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فان الدنيا منقطعه، و ان المصير الى الله اتقوا الله جل و عز، فان تقواه جنه من بأسه، و وسيله عنده، و احذروا

423

من الله الغير، و الزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا، «وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً».

الى آخر القصة

. ذكر الخبر عمن كان يصلى بالناس في مسجد رسول الله(ص)حين حصر عثمان‏

قال محمد بن عمر: حدثنى ربيعه بن عثمان: جاء المؤذن، سعد القرظ الى على بن ابى طالب في ذلك اليوم، فقال: من يصلى بالناس؟ فقال على: ناد خالد بن زيد، فنادى خالد بن زيد، فصلى بالناس- فانه لاول يوم عرف ان أبا أيوب خالد بن زيد- فكان يصلى بهم أياما، ثم صلى على بعد ذلك بالناس.

قال محمد: و حدثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن ابى بكر بن حزم، قال: جاء المؤذن الى عثمان فاذنه بالصلاة، فقال: لا انزل اصلى، اذهب الى من يصلى فجاء المؤذن الى على، فامر سهل بن حنيف، فصلى اليوم الذى حصر فيه عثمان الحصر الآخر، و هو ليله رئى هلال ذي الحجه، فصلى بهم، حتى إذا كان يوم العيد صلى على العيد، ثم صلى بهم حتى قتل رضى الله عنه.

قال: و حدثنى عبد الله بن نافع، عن ابيه، عن ابن عمر، قال: لما حصر عثمان صلى بالناس ابو أيوب أياما، ثم صلى بهم على الجمعه و العيد، حتى قتل رضى الله عنه‏

ذكر ما رثى به من الاشعار

و تقاول الشعراء بعد مقتله فيه، فمن مادح و هاج، و من نائح باك، و من سار فرح، فكان ممن يمدحه حسان بن ثابت و كعب بن مالك الأنصاريان‏

424

و تميم بن ابى بن مقبل في آخرين غيرهم مما مدحه به و بكاه حسان و هجا به قاتله:

ا تركتم غزو الدروب وراءكم* * * و غزوتمونا عند قبر محمد!

فلبئس هدى المسلمين هديتم* * * و لبئس امر الفاجر المتعمد!

ان تقدموا نجعل قرى سرواتكم* * * حول المدينة كل لين مذود

او تدبروا فلبئس ما سافرتم* * * و لمثل امر اميركم لم يرشد

و كان اصحاب النبي عشيه* * * بدن تذبح عند باب المسجد

ابكى أبا عمرو لحسن بلائه* * * امسى مقيما في بقيع الغرقد

.

و قال أيضا:

ان تمس دار ابن اروى منه خاوية* * * باب صريع و باب محرق خرب‏

فقد يصادف باغي الخير حاجته* * * فيها و يهوى إليها الذكر و الحسب‏

يا ايها الناس ابدوا ذات انفسكم* * * لا يستوى الصدق عند الله و الكذب‏

قوموا بحق مليك الناس تعترفوا* * * بغاره عصب من خلفها عصب‏

فيهم حبيب شهاب الموت يقدمهم* * * مستلئما قد بدا في وجهه الغضب‏

و له فيه اشعار كثيره* * * و قال كعب بن مالك الأنصاري:

يا للرجال للبك المخطوف* * * و لدمعك المترقرق المنزوف‏

ويح لامر قد أتاني رائع* * * هد الجبال فانقضت برجوف‏

قتل الخليفة كان امرا مفظعا* * * قامت لذاك بليه التخويف‏

قتل الامام له النجوم خواضع* * * و الشمس بازغه له بكسوف‏

يا لهف نفسي إذ تولوا غدوه* * * بالنعش فوق عواتق و كتوف!

425

ولوا و دلوا في الضريح أخاهم* * * ما ذا اجن ضريحه المسقوف!

من نائل او سودد و حماله* * * سبقت له في الناس او معروف‏

كم من يتيم كان يجبر عظمه* * * امسى بمنزله الضياع يطوف‏

ما زال يقبلهم و يرأب ظلمهم* * * حتى سمعت برنه التلهيف‏

امسى مقيما بالبقيع و أصبحوا* * * متفرقين قد اجمعوا بخفوف‏

النار موعدهم بقتل امامهم* * * عثمان ظهرا في البلاد، عفيف‏

جمع الحمالة بعد حلم راجح* * * و الخير فيه مبين معروف‏

يا كعب لا تنفك تبكى مالكا* * * ما دمت حيا في البلاد تطوف‏

فابكى أبا عمرو عتيقا واصلا* * * و لواءهم إذ كان غير سخيف‏

و ليبكه عند الحفاظ لمعظم* * * و الخيل بين مقانب و صفوف‏

قتلوك يا عثمان غير مدنس* * * قتلا لعمرك واقفا بسقيف‏

و قال حسان:

من سره الموت صرفا لا مزاج له* * * فليأت ماسده في دار عثمانا

مستشعرى حلق الماذي قد شفعت* * * قبل المخاطم بيض زان ابدانا

صبرا فدى لكم أمي و ما ولدت* * * قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا

فقد رضينا باهل الشام نافره* * * و بالأمير و بالإخوان اخوانا

انى لمنهم و ان غابوا و ان شهدوا* * * ما دمت حيا و ما سميت حسانا

لتسمعن وشيكا في ديارهم* * * الله اكبر يا ثارات عثمانا

يا ليت شعرى و ليت الطير تخبرني* * * ما كان شان على و ابن عفانا!

و قال الوليد بن عقبه بن ابى معيط يحرض عماره بن عقبه:

426

الا ان خير الناس بعد ثلاثة* * * قتيل التجيبى الذى جاء من مصر

فان يك ظني بابن أمي صادقا* * * عماره لا يطلب بذحل و لا وتر

يبيت و اوتار ابن عفان عنده* * * مخيمه بين الخورنق و القصر

فأجابه الفضل بن عباس:

ا تطلب ثارا لست منه و لا له* * * و اين ابن ذكوان الصفورى من عمرو!

كما اتصلت بنت الحمار بأمها* * * و تنسى أباها إذ تسامى اولى الفخر

الا ان خير الناس بعد محمد* * * وصى النبي المصطفى عند ذي الذكر

و أول من صلى و صنو نبيه* * * و أول من اردى الغواة لدى بدر

فلو رات الانصار ظلم ابن عمكم* * * لكانوا له من ظلمه حاضرى النصر

كفى ذاك عيبا ان يشيروا بقتله* * * و ان يسلموه للاحابيش من مصر

و قال الحباب بن يزيد المجاشعي، عم الفرزدق:

لعمر ابيك فلا تجزعن* * * لقد ذهب الخير الا قليلا

لقد سفه الناس في دينهم* * * و خلى ابن عفان شرا طويلا

ا عاذل كل امرئ هالك* * * فسيرى الى الله سيرا جميلا

427

خلافه امير المؤمنين على بن ابى طالب‏

و في هذه السنه بويع لعلى بن ابى طالب بالمدينة بالخلافة.

ذكر الخبر عن بيعه من بايعه، و الوقت الذى بويع فيه اختلف السلف من اهل السير في ذلك، فقال بعضهم: سال عليا اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ان يتقلد لهم و للمسلمين، فأبى عليهم، فلما أبوا عليه، و طلبوا اليه، تقلد ذلك لهم.

ذكر الرواية بذلك عمن رواه:

حدثنى جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو بن حماد و على ابن حسين، قالا: حدثنا حسين عن ابيه، عن عبد الملك بن ابى سليمان الفزارى، عن سالم بن ابى الجعد الاشجعى، عن محمد بن الحنفيه، قال:

كنت مع ابى حين قتل عثمان رضى الله عنه، فقام فدخل منزله، فأتاه اصحاب رسول الله ص، فقالوا: ان هذا الرجل قد قتل، و لا بد للناس من امام، و لا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك، لا اقدم سابقه، و لا اقرب من رسول الله(ص)[فقال: لا تفعلوا، فانى أكون وزيرا خير من ان أكون أميرا، فقالوا: لا، و الله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد، فان بيعتي لا تكون خفيا، و لا تكون الا عن رضا المسلمين‏] قال سالم بن ابى الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت ان ياتى المسجد مخافه ان يشغب عليه، و ابى هو الا المسجد، فلما دخل دخل المهاجرون و الانصار فبايعوه، ثم بايعه الناس.

و حدثنى جعفر، قال: حدثنا عمرو و على، قالا: حدثنا حسين، عن ابيه، عن ابى ميمونه، عن ابى بشير العابدى، قال: كنت بالمدينة حين قتل عثمان رضى الله عنه، و اجتمع المهاجرون و الانصار، فيهم طلحه و الزبير، فاتوا عليا فقالوا: يا أبا حسن، هلم نبايعك، فقال: لا حاجه لي في امركم، انا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا و الله فقالوا: ما نختار

428

غيرك، قال: فاختلفوا اليه بعد ما قتل عثمان رضى الله عنه مرارا، ثم اتوه في آخر ذلك، فقالوا له: انه لا يصلح الناس الا بامره، و قد طال الأمر، فقال لهم: انكم قد اختلفتم الى و اتيتم، و انى قائل لكم قولا ان قبلتموه قبلت امركم، و الا فلا حاجه لي فيه قالوا: ما قلت من شي‏ء قبلناه ان شاء الله.

فجاء فصعد المنبر، فاجتمع الناس اليه، فقال: انى قد كنت كارها لأمركم، فابيتم الا ان أكون عليكم، الا و انه ليس لي امر دونكم، الا ان مفاتيح مالكم معى، الا و انه ليس لي ان آخذ منه درهما دونكم، رضيتم؟ قالوا:

نعم، قال: اللهم اشهد عليهم، ثم بايعهم على ذلك.

قال ابو بشير: و انا يومئذ عند منبر رسول الله(ص)قائم اسمع ما يقول.

و حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على بن محمد، قال: أخبرنا ابو بكر الهذلي، عن ابى المليح، قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه، خرج على الى السوق، و ذلك يوم السبت لثماني عشره ليله خلت من ذي الحجه، فاتبعه الناس و بهشوا في وجهه، فدخل حائط بنى عمرو بن مبذول، و قال لأبي عمره بن عمرو بن محصن: اغلق الباب، فجاء الناس فقرعوا الباب، فدخلوا، فيهم طلحه و الزبير، فقالا: يا على ابسط يدك فبايعه طلحه و الزبير، فنظر حبيب بن ذؤيب الى طلحه حين بايع، فقال: أول من بدا بالبيعه يد شلاء، لا يتم هذا الأمر! و خرج على الى المسجد فصعد المنبر و عليه إزار و طاق و عمامة خز، و نعلاه في يده، متوكئا على قوس، فبايعه الناس و جاءوا بسعد، فقال على: بايع، قال: لا ابايع حتى يبايع الناس، و الله ما عليك منى باس، قال: خلوا سبيله و جاءوا بابن عمر، فقال: بايع، قال: لا ابايع حتى يبايع الناس، قال: ائتنى بحميل، قال:

لا ارى حميلا، قال الاشتر: خل عنى اضرب عنقه، قال على: دعوه، [انا حميله، انك- ما علمت- لسيئ الخلق صغيرا و كبيرا]

429

و حدثنى محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا إسحاق بن ادريس، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد، عن الحسن، قال: رايت الزبير ابن العوام بايع عليا في حش من حشان المدينة.

و حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنا وهب ابن جرير، قال: سمعت ابى، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: بايع الناس على بن ابى طالب، فأرسل الى الزبير و طلحه فدعاهما الى البيعه، فتلكا طلحه، فقام مالك الاشتر و سل سيفه و قال: و الله لتبايعن او لاضربن به ما بين عينيك، فقال طلحه: و اين المهرب عنه! فبايعه، و بايعه الزبير و الناس و سال طلحه و الزبير ان يؤمرهما على الكوفه و البصره، فقال:

تكونان عندي فاتحمل بكما، فانى وحش لفراقكما قال الزهري: و قد بلغنا انه قال لهما: [ان أحببتما ان تبايعا لي و ان أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك،] و قالا بعد ذلك: انما صنعنا ذلك خشيه على أنفسنا، و قد عرفنا انه لم يكن ليبايعنا فظهرا الى مكة بعد قتل عثمان باربعه اشهر.

و حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا ابو مخنف، عن عبد الملك بن ابى سليمان، عن سالم بن ابى الجعد، عن محمد بن الحنفيه، قال: كنت امسى مع ابى حين قتل عثمان رضى الله عنه حتى دخل بيته، فأتاه ناس من اصحاب رسول الله ص، فقالوا: ان هذا الرجل قد قتل، و لا بد من امام للناس، قال: او تكون شورى؟ قالوا: أنت لنا رضا، قال: فالمسجد إذا يكون عن رضا من الناس.

فخرج الى المسجد فبايعه من بايعه، و بايعت الانصار عليا الا نفيرا يسيرا، فقال طلحه: ما لنا من هذا الأمر الا كحسة انف الكلب.

و حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: أخبرنا شيخ من بنى هاشم، عن عبد الله بن الحسن، قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه بايعت الانصار عليا الا نفيرا يسيرا، منهم حسان بن ثابت، و كعب بن مالك،

430

و مسلمه بن مخلد، و ابو سعيد الخدرى، و محمد بن مسلمه، و النعمان بن بشير، و زيد بن ثابت، و رافع بن خديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجره، كانوا عثمانية فقال رجل لعبد الله بن حسن: كيف ابى هؤلاء بيعه على! و كانوا عثمانية قال: اما حسان فكان شاعرا لا يبالى ما يصنع، و اما زيد ابن ثابت فولاه عثمان الديوان و بيت المال، فلما حصر عثمان، قال:

يا معشر الانصار، كونوا أنصارا لله مرتين، فقال ابو أيوب: ما تنصره الا انه اكثر لك من العضدان فاما كعب بن مالك فاستعمله على صدقه مزينه و ترك ما أخذ منهم له.

قال: و حدثنى من سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة الى الشام و لم يبايعوا عليا، و لم يبايعه قدامه بن مظعون، و عبد الله بن سلام، و المغيره ابن شعبه و قال آخرون: انما بايع طلحه و الزبير عليا كرها.

و قال بعضهم: لم يبايعه الزبير.

ذكر من قال ذلك:

حدثنى عبد الله بن احمد المروزى، قال: حدثنى ابى، قال: حدثنى سليمان، قال: حدثنى عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدثنى هشام ابن ابى هشام مولى عثمان بن عفان، عن شيخ من اهل الكوفه، يحدثه عن شيخ آخر، قال: حصر عثمان و على بخيبر، فلما قدم ارسل اليه عثمان يدعوه، فانطلق، فقلت: لانطلقن معه و لاسمعن مقالتهما، فلما دخل عليه كلمه عثمان، فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: اما بعد، فان لي عليك حقوقا، حق الاسلام، و حق الإخاء- و قد علمت ان رسول الله(ص)حين آخى بين الصحابه آخى بيني و بينك- و حق القرابة و الصهر، و ما جعلت لي في عنقك من العهد و الميثاق، فو الله لو لم يكن من هذا شي‏ء ثم كنا انما نحن في جاهلية، لكان مبطأ على بنى عبد مناف ان يبتزهم أخو بنى تيم ملكهم‏

431

[فتكلم على، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال: اما بعد، فكل ما ذكرت من حقك على على ما ذكرت، اما قولك: لو كنا في جاهلية لكان مبطأ على بنى عبد مناف ان يبتزهم أخو بنى تيم ملكهم فصدقت، و سيأتيك الخبر].

ثم خرج فدخل المسجد فراى اسامه جالسا، فدعاه، فاعتمد على يده، فخرج يمشى الى طلحه و تبعته، فدخلنا دار طلحه بن عبيد الله و هي دحاس من الناس، فقام اليه، فقال: يا طلحه، ما هذا الأمر الذى وقعت فيه؟

فقال: يا أبا حسن، بعد ما مس الحزام الطبيين! فانصرف على و لم يحر اليه شيئا حتى اتى بيت المال، فقال: افتحوا هذا الباب، فلم يقدر على المفاتيح، فقال: اكسروه، فكسر باب بيت المال، فقال: اخرجوا المال، فجعل يعطى الناس فبلغ الذين في دار طلحه الذى صنع على، فجعلوا يتسللون اليه حتى ترك طلحه وحده و بلغ الخبر عثمان، فسر بذلك، ثم اقبل طلحه يمشى عائدا الى دار عثمان، فقلت: و الله لانظرن ما يقول هذا، فتبعته، فاستأذن على عثمان، فلما دخل عليه قال: يا امير المؤمنين، استغفر الله و اتوب اليه، اردت امرا فحال الله بيني و بينه، فقال عثمان: انك و الله ما جئت تائبا، و لكنك جئت مغلوبا، الله حسيبك يا طلحه! و حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى ابو بكر بن اسماعيل بن محمد بن سعد بن ابى وقاص، عن ابيه، عن سعد، قال: قال طلحه: بايعت و السيف فوق راسى- فقال سعد: لا ادرى و السيف على راسه أم لا، الا انى اعلم انه بايع كارها- قال: و بايع الناس عليا بالمدينة، و تربص سبعه نفر فلم يبايعوه، منهم:

سعد بن ابى وقاص، و منهم ابن عمر، و صهيب، و زيد بن ثابت، و محمد ابن مسلمه، و سلمه بن وقش، و اسامه بن زيد، و لم يتخلف احد من الانصار الا بايع فيما نعلم.

و حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمى مصعب بن عبد الله،

432

قال: حدثنى ابى عبد الله بن مصعب، عن موسى بن عقبه، عن ابى حبيبه مولى الزبير، قال: لما قتل الناس عثمان رضى الله عنه و بايعوا عليا، جاء على الى الزبير فاستأذن عليه، فاعلمته به، فسل السيف و وضعه تحت فراشه، ثم قال: ائذن له، فأذنت له، فدخل فسلم على الزبير و هو واقف بنحره، ثم خرج فقال الزبير: لقد دخل المرء ما أقصاه، قم في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئا؟ فقمت في مقامه فرايت ذباب السيف، فاخبرته فقال: ذاك اعجل الرجل فلما خرج على ساله الناس، فقال: وجدت ابر ابن اخت و اوصله فظن الناس خيرا، فقال على: انه بايعه.

و مما كتب به الى السرى عن شعيب، عن سيف بن‏

9

عمر

9

، قال:

حدثنا محمد بن عبد الله بن سواد بن نويره، و طلحه بن الأعلم، و ابو حارثة، و ابو عثمان، قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان رضى الله عنه خمسه ايام، و أميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم الى القيام بالأمر فلا يجدونه، ياتى المصريون عليا فيختبئ منهم و يلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدهم و تبرا منهم و من مقالتهم مره بعد مره، و يطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، فأرسلوا اليه حيث هو رسلا، فباعدهم و تبرا من مقالتهم، و يطلب البصريون طلحه فإذا لقيهم باعدهم و تبرا من مقالتهم مره بعد مره، و كانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يهوون، فلما لم يجدوا ممالئا و لا مجيبا جمعهم الشر على أول من أجابهم، و قالوا: لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا الى سعد بن ابى وقاص و قالوا: انك من اهل الشورى فرأينا فيك مجتمع، فاقدم نبايعك، فبعث اليهم: انى و ابن عمر خرجنا منها فلا حاجه لي فيها على حال، و تمثل:

لا تخلطن خبيثات بطيبه* * * و اخلع ثيابك منها و انج عريانا

ثم انهم أتوا ابن عمر عبد الله، فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: ان لهذا الأمر انتقاما و الله لا اتعرض له، فالتمسوا غيرى فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون و الأمر امرهم‏

433

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كانوا إذا لقوا طلحه ابى و قال:

و من عجب الأيام و الدهر اننى* * * بقيت وحيدا لا امر و لا احلى‏

فيقولون: انك لتوعدنا فيقومون فيتركونه، فإذا لقوا الزبير و ارادوه ابى و قال:

متى أنت عن دار بفيحان راحل* * * و باحتها تخنو عليك الكتائب‏

فيقولون: انك لتوعدنا! فإذا لقوا عليا و ارادوه ابى، و قال:

لو ان قومى طاوعتنى سراتهم* * * أمرتهم امرا يديخ الأعاديا

فيقولون: انك لتوعدنا! فيقومون و يتركونه.

و حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن المدائني، قال: أخبرنا مسلمه بن محارب، عن داود بن ابى هند، عن الشعبى، قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه اتى الناس عليا و هو في سوق المدينة، و قالوا له: ابسط يدك نبايعك، [قال: لا تعجلوا فان عمر كان رجلا مباركا، و قد اوصى بها شورى، فامهلوا يجتمع الناس و يتشاورون‏] فارتد الناس عن على، ثم قال بعضهم: ان رجع الناس الى أمصارهم بقتل عثمان و لم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نامن اختلاف الناس و فساد الامه، فعادوا الى على، فاخذ الاشتر بيده فقبضها على، فقال:

ا بعد ثلاثة! اما و الله لئن تركتها لتقصرن عنيتك عليها حينا، فبايعته العامه و اهل الكوفه يقولون: ان أول من بايعه الاشتر.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى حارثة و ابى عثمان، قالا: لما كان يوم الخميس على راس خمسه ايام من مقتل عثمان رضى الله عنه، جمعوا اهل المدينة فوجدوا سعدا و الزبير خارجين، و وجدوا طلحه في حائط له، و وجدوا بنى اميه قد هربوا الا من لم يطق الهرب، و هرب الوليد و سعيد الى مكة في أول من خرج، و تبعهم مروان، و تتابع على ذلك من تتابع،

434

فلما اجتمع لهم اهل المدينة قال لهم اهل مصر: أنتم اهل الشورى، و أنتم تعقدون الإمامة، و امركم عابر على الامه، فانظروا رجلا تنصبونه، و نحن لكم تبع فقال الجمهور: على بن ابى طالب نحن به راضون.

و أخبرنا على بن مسلم، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن عوف، قال: اما انا فاشهد انى سمعت محمد بن سيرين يقول: ان عليا جاء فقال لطلحة: ابسط يدك يا طلحه لأبايعك، فقال طلحه: أنت أحق، و أنت امير المؤمنين، فابسط يدك، قال: فبسط على يده فبايعه.

و كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: فقالوا لهم: دونكم يا اهل المدينة فقد أجلناكم يومين، فو الله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا و طلحه و الزبير و أناسا كثيرا فغشى الناس عليا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام، و ما ابتلينا به من ذوى القربى، [فقال على: دعوني و التمسوا غيرى فانا مستقبلون امرا له وجوه و له الوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول فقالوا: ننشدك الله ا لا ترى ما نرى! ا لا ترى الاسلام! ا لا ترى الفتنة! الا تخاف الله! فقال: قد أجبتكم لما ارى، و اعلموا ان أجبتكم ركبت بكم ما اعلم، و ان تركتموني فإنما انا كاحدكم، الا انى أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه امركم‏] ثم افترقوا على ذلك و اتعدوا الغد.

و تشاور الناس فيما بينهم و قالوا: ان دخل طلحه و الزبير فقد استقامت فبعث البصريون الى الزبير بصريا، و قالوا: احذر لاتحاده- و كان رسولهم حكيم بن جبله العبدى في نفر- فجاءوا به يحدونه بالسيف و الى طلحه كوفيا و قالوا له: احذر لاتحاده، فبعثوا الاشتر في نفر فجاءوا به يحدونه بالسيف و اهل الكوفه و اهل البصره شامتون بصاحبهم، و اهل مصر فرحون بما اجتمع عليه اهل المدينة، و قد خشع اهل الكوفه و اهل البصره ان صاروا اتباعا لأهل مصر و حشوه فيهم، و ازدادوا بذلك على طلحه و الزبير غيظا، فلما أصبحوا من‏

435

يوم الجمعه حضر الناس المسجد، و جاء على حتى صعد المنبر، فقال: يا ايها الناس- عن ملا و اذن- ان هذا امركم ليس لأحد فيه حق الا من أمرتم، و قد افترقنا بالأمس على امر، فان شئتم قعدت لكم، و الا فلا أجد على احد.

فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس و جاء القوم بطلحه فقالوا: بايع، فقال: انى انما ابايع كرها، فبايع- و كان به شلل- أول الناس، و في الناس رجل يعتاف، فنظر من بعيد، فلما راى طلحه أول من بايع قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! أول يد بايعت امير المؤمنين يد شلاء، لا يتم هذا الأمر! ثم جي‏ء بالزبير فقال مثل ذلك و بايع- و في الزبير اختلاف- ثم جي‏ء بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على اقامه كتاب الله في القريب و البعيد، و العزيز و الذليل، فبايعهم، ثم قام العامه فبايعوا.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن ابى زهير الأزدي، عن عبد الرحمن بن جندب، عن ابيه، قال: لما قتل عثمان رضى الله عنه و اجتمع الناس على على، ذهب الاشتر فجاء بطلحه، فقال له: دعني انظر ما يصنع الناس، فلم يدعه و جاء به يتله تلا عنيفا، و صعد المنبر فبايع.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الحارث الوالبى، قال: جاء حكيم بن جبله بالزبير حتى بايع، فكان الزبير يقول: جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت و اللج على عنقى.

و كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: و بايع الناس كلهم.

قال ابو جعفر: و سمح بعد هؤلاء الذين اشترطوا الذين جي‏ء بهم، و صار لامر امر اهل المدينة، و كانوا كما كانوا فيه، و تفرقوا الى منازلهم لو لا مكان النزاع و الغوغاء فيهم‏

436

اتساق الأمر في البيعه لعلى بن ابى طالب ع‏

و بويع على يوم الجمعه لخمس بقين من ذي الحجه- و الناس يحسبون من يوم قتل عثمان رضى الله عنه- فأول خطبه خطبها على حين استخلف- فيما كتب به الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن ابى المغيره، عن على بن الحسين- حمد الله و اثنى عليه، فقال:

ان الله عز و جل انزل كتابا هاديا بين فيه الخير و الشر، فخذوا بالخير و دعوا الشر الفرائض أدوها الى الله سبحانه يؤدكم الى الجنه ان الله حرم حرما غير مجهوله، و فضل حرمه المسلم على الحرم كلها، و شد بالإخلاص و التوحيد المسلمين و [المسلم من سلم الناس من لسانه و يده الا بالحق، لا يحل أذى المسلم الا بما يجب‏] [بادروا امر العامه، و خاصه احدكم الموت، فان الناس امامكم، و ان ما خلفكم الساعة تحدوكم تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس اخراهم‏] [اتقوا الله عباده في عباده و بلاده، انكم مسئولون حتى عن البقاع و البهائم، أطيعوا الله عز و جل و لا تعصوه، و إذا رايتم الخير فخذوا به و إذا رايتم الشر فدعوه، «وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ‏]».

و لما فرغ على من خطبته و هو على المنبر قال المصريون:

خذها و احذرا أبا حسن* * * انا نمر الأمر امرار الرسن‏

و انما الشعر:

خذها إليك و احذرا أبا حسن‏

.

فقال على مجيبا:

انى عجزت عجزه ما اعتذر* * * سوف اكيس بعدها و استمر

و كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و لما اراد على الذهاب الى بيته قالت السبئيه:

437

خذها إليك و احذرا أبا حسن* * * انا نمر الأمر امرار الرسن‏

صوله اقوام كاسداد السفن* * * بمشرفيات كغدران اللبن‏

و نطعن الملك بلين كالشطن* * * حتى يمرن على غير عنن‏

فقال على و ذكر تركهم العسكر و الكينونه على عده ما منوا حين غمزوهم و رجعوا اليهم، فلم يستطيعوا ان يمتنعوا حتى.

انى عجزت عجزه لا اعتذر* * * سوف اكيس بعدها و استمر

ارفع من ذيلي ما كنت اجر* * * و اجمع الأمر الشتيت المنتشر

ان لم يشاغبنى العجول المنتصر* * * او يتركوني و السلاح يبتدر

و اجتمع الى على بعد ما دخل طلحه و الزبير في عده من الصحابه، فقالوا:

يا على، انا قد اشترطنا اقامه الحدود، و ان هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل و أحلوا بانفسهم فقال لهم: يا إخوتاه، انى لست اجهل ما تعلمون، و لكنى كيف اصنع بقوم يملكوننا و لا نملكهم! ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، و ثابت اليهم اعرابكم، و هم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدره على شي‏ء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا و الله لا ارى الا رايا ترونه ان شاء الله، ان هذا الأمر امر جاهلية، و ان لهؤلاء القوم ماده، و ذلك ان الشيطان لم يشرع شريعه قط فيبرح الارض من أخذ بها ابدا.

ان الناس من هذا الأمر ان حرك على امور: فرقه ترى ما ترون، و فرقه ترى ما لا ترون، و فرقه لا ترى هذا و لا هذا حتى يهدأ الناس و تقع القلوب مواقعها و تؤخذ الحقوق، فاهدءوا عنى و انظروا ما ذا ياتيكم، ثم عودوا.

و اشتد على قريش، و حال بينهم و بين الخروج على حال، و انما هيجه على ذلك هرب بنى اميه و تفرق القوم، و بعضهم يقول: و الله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الاشرار، لترك هذا الى ما قال على امثل.

و بعضهم يقول: نقضي الذى علينا و لا نؤخره، و و الله ان عليا لمستغن برايه و امره عنا، و لا نراه الا سيكون على قريش أشد من غيره فذكر ذلك لعلى‏

438

فقام فحمد الله و اثنى عليه و ذكر فضلهم و حاجته اليهم و نظره لهم و قيامه دونهم، و انه ليس له من سلطانهم الا ذلك، و الاجر من الله عز و جل عليه، و نادى:

برئت الذمة من عبد لم يرجع الى مواليه فتذامرت السبئيه و الاعراب، و قالوا:

لنا غدا مثلها، و لا نستطيع نحتج فيهم بشي‏ء.

و كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

[خرج على في اليوم الثالث على الناس، فقال: يا ايها الناس، اخرجوا عنكم الاعراب و قال: يا معشر الاعراب، ألحقوا بمياهكم فابت السبئيه و أطاعهم الاعراب‏] و دخل على بيته و دخل عليه طلحه و الزبير و عده من اصحاب النبي ص، فقال: دونكم ثاركم فاقتلوه، فقالوا: عشوا عن ذلك، قال: هم و الله بعد اليوم اعشى و آبى و قال:

لو ان قومى طاوعتنى سراتهم* * * أمرتهم امرا يديخ الأعاديا

و قال طلحه: دعني فلات البصره فلا يفجؤك الا و انا في خيل، فقال:

حتى انظر في ذلك و قال الزبير: دعني آت الكوفه فلا يفجؤك الا و انا في خيل، فقال: حتى انظر في ذلك، و سمع المغيره بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه، فقال: ان لك حق الطاعة و النصيحه، و ان الرأي اليوم تحرز به ما في غد، و ان الضياع اليوم تضيع به ما في غد، اقرر معاويه على عمله، و اقرر ابن عامر على عمله، و اقرر العمال على اعمالهم، حتى إذا اتتك طاعتهم و بيعه الجنود استبدلت او تركت قال: حتى انظر.

فخرج من عنده و عاد اليه من الغد، فقال: انى اشرت عليك بالأمس براى، و ان الرأي ان تعاجلهم بالنزوع، فيعرف السامع من غيره و يستقبل امرك، ثم خرج و تلقاه ابن عباس خارجا و هو داخل، فلما انتهى الى على قال:

رايت المغيره خرج من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذيه و ذيه، و جاءني اليوم بذيه و ذيه، فقال: اما أمس فقد نصحك، و اما اليوم فقد غشك قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي ان تخرج حين قتل الرجل او قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك و تغلق عليك بابك، فان كانت العرب جائله مضطربه‏

439

في اثرك لا تجد غيرك، فاما اليوم فان في بنى اميه من يستحسنون الطلب بان يلزموك شعبه من هذا الأمر، و يشبهون على الناس، و يطلبون مثل ما طلب اهل المدينة، و لا تقدر على ما يريدون و لا يقدرون عليه، و لو صارت الأمور اليهم حتى يصيروا في ذلك اموت لحقوقهم، و اترك لها الا ما يعجلون من الشبهه و قال المغيره: نصحته و الله، فلما لم يقبل غششته و خرج المغيره حتى لحق بمكة.

حدثنى الحارث، عن ابن سعد، عن الواقدى، قال: حدثنى ابن ابى سبره، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: دعانى عثمان فاستعملني على الحج، فخرجت الى مكة فاقمت للناس الحج، و قرات عليهم كتاب عثمان اليهم، ثم قدمت المدينة و قد بويع لعلى، فأتيته في داره فوجدت المغيره بن شعبه مستخليا به، فحبسني حتى خرج من عنده، فقلت: ما ذا قال لك هذا؟ فقال: قال لي قبل مرته هذه: ارسل الى عبد الله بن عامر و الى معاويه و الى عمال عثمان بعهودهم تقرهم على اعمالهم و يبايعون لك الناس، فإنهم يهدئون البلاد و يسكنون الناس، فأبيت ذلك عليه يومئذ و قلت: [و الله لو كان ساعه من نهار لاجتهدت فيها رأيي، و لا وليت هؤلاء و لا مثلهم يولى‏] قال: ثم انصرف من عندي و انا اعرف فيه انه يرى انى مخطئ، ثم عاد الى الان فقال: انى اشرت عليك أول مره بالذي اشرت عليك و خالفتني فيه، ثم رايت بعد ذلك رايا، و انا ارى ان تصنع الذى رايت فتنزعهم و تستعين بمن تثق به، فقد كفى الله، و هم اهون شوكه مما كان قال ابن عباس:

فقلت لعلى: اما المره الاولى فقد نصحك، و اما المره الآخرة فقد غشك، قال له على: و لم نصحنى؟ قال ابن عباس: لأنك تعلم ان معاويه و اصحابه اهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا بمن ولى هذا الأمر، و متى تعزلهم يقولوا:

أخذ هذا الأمر بغير شورى، و هو قتل صاحبنا، و يؤلبون عليك فينتقض عليك اهل الشام و اهل العراق، مع انى لا آمن طلحه و الزبير ان يكرا عليك‏

440

[فقال على: اما ما ذكرت من اقرارهم فو الله ما اشك ان ذلك خير في عاجل الدنيا لاصلاحها، و اما الذى يلزمني من الحق و المعرفة بعمال عثمان فو الله لا اولى منهم أحدا ابدا، فان أقبلوا فذلك خير لهم: و ان أدبروا بذلت لهم السيف‏] قال ابن عباس: فأطعني و ادخل دارك، و الحق بمالك بينبع، و اغلق بابك عليك، فان العرب تجول جولة و تضطرب و لا تجد غيرك، فإنك و الله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدا فأبى على، فقال لابن عباس: سر الى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس:

ما هذا براى، معاويه رجل من بنى اميه و هو ابن عم عثمان و عامله على الشام، و لست آمن ان يضرب عنقى لعثمان، او ادنى ما هو صانع ان يحبسني فيتحكم على فقال له على: و لم؟ قال: لقرابه ما بيني و بينك، و ان كل ما حمل عليك حمل على، و لكن اكتب الى معاويه فمنه وعده فأبى على و قال:

و الله لا كان هذا ابدا.

قال محمد: و حدثنى هشام بن سعد، عن ابى هلال، قال: قال ابن عباس: قدمت المدينة من مكة بعد قتل عثمان رضى الله عنه بخمسه ايام، فجئت عليا ادخل عليه، فقيل لي: عنده المغيره بن شعبه، فجلست بالباب ساعه، فخرج المغيره فسلم على فقال: متى قدمت؟ فقلت: الساعة.

فدخلت على على فسلمت عليه، فقال لي: لقيت الزبير و طلحه؟ قال: قلت:

لقيتهما بالنواصف قال: من معهما؟ قلت: ابو سعيد بن الحارث بن هشام في فئه من قريش فقال على: اما انهم لن يدعوا ان يخرجوا يقولون:

[نطلب بدم عثمان،] و الله نعلم انهم قتله عثمان قال ابن عباس: يا امير المؤمنين، أخبرني عن شان المغيره، و لم خلا بك؟ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال لي: أخلني، ففعلت، فقال: ان النصح رخيص و أنت بقية الناس، و انى لك ناصح، و انى أشير عليك برد عمال عثمان عامك هذا، فاكتب اليهم باثباتهم على اعمالهم، فإذا بايعوا لك و اطمان الأمر لك عزلت من احببت و اقررت من احببت فقلت: و الله لا ادهن في ديني و لا اعطى‏

441

الدنى في امرى قال: فان كنت قد أبيت على فانزع من شئت و اترك معاويه، فان لمعاوية جراه، و هو في اهل الشام يسمع منه، و لك حجه في اثباته، كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام كلها، فقلت: لا و الله، لا استعمل معاويه يومين ابدا فخرج من عندي على ما اشار به، ثم عاد فقال لي: انى اشرت عليك بما اشرت به فأبيت على، ثم نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب، لا ينبغى لك ان تأخذ امرك بخدعه، و لا يكون في امرك دلسه.

قال: فقال ابن عباس: فقلت لعلى: اما أول ما اشار به عليك فقد نصحك، و اما الآخر فغشك، و انا أشير عليك بان تثبت معاويه، فان بايع لك فعلى ان اقلعه من منزله [قال على: لا و الله، لا أعطيه الا السيف قال‏]:

ثم تمثل بهذا البيت:

ما ميته ان متها غير عاجز* * * بعار إذا ما غالت النفس غولها

فقلت: يا امير المؤمنين، أنت رجل شجاع لست بارب بالحرب، اما [سمعت رسول الله(ص)يقول: الحرب خدعه!] فقال على: بلى، فقال ابن عباس: اما و الله لئن أطعتني لاصدرن بهم بعد ورد، و لاتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك و لا اثم لك فقال: يا بن عباس، لست من هنيئاتك و هنيئات معاويه في شي‏ء، تشير على و ارى، فإذا عصيتك فأطعني قال: فقلت: افعل، ان ايسر مالك عندي الطاعة

. مسير قسطنطين ملك الروم يريد المسلمين‏

و في هذه السنه- اعنى سنه خمس و ثلاثين- سار قسطنطين بن هرقل- فيما ذكر محمد بن عمر الواقدى عن هشام بن الغاز، عن عباده بن نسى- في الف مركب يريد ارض المسلمين، فسلط الله عليهم قاصفا من الريح فغرقهم، و نجا قسطنطين بن هرقل، فاتى صقليه، فصنعوا له حماما فدخله فقتلوه فيه، و قالوا: قتلت رجالنا.

442

ثم دخلت‏

تفريق على عماله على الأمصار

و لما دخلت سنه ست و ثلاثين فرق على عماله، فمما كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: بعث على عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على البصره، و عماره بن شهاب على الكوفه، و كانت له هجره، و عبيد الله بن عباس على اليمن، و قيس بن سعد على مصر، و سهل بن حنيف على الشام، فاما سهل فانه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: امير، قالوا: على اى شي‏ء؟ قال: على الشام، قالوا: ان كان عثمان بعثك فحيهلا بك، و ان كان بعثك غيره فارجع! قال: او ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى، فرجع الى على و اما قيس بن سعد فانه لما انتهى الى ايله لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: من فاله عثمان، فانا اطلب من آوى اليه و انتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس ابن سعد، قالوا: امض، فمضى حتى دخل مصر، فافترق اهل مصر فرقا، فرقه دخلت في الجماعه و كانوا معه، و فرقه وقفت و اعتزلت الى خربتا و قالوا: ان قتل قتله عثمان فنحن معكم، و الا فنحن على جديلتنا حتى نحرك او نصيب حاجتنا، و فرقه قالوا: نحن مع على ما لم يقد إخواننا، و هم في ذلك مع الجماعه، و كتب قيس الى امير المؤمنين بذلك و اما عثمان بن حنيف فسار فلم يرده احد عن دخول البصره و لم يوجد في ذلك لابن عامر راى و لا حزم و لا استقلال بحرب و افترق الناس بها، فاتبعت فرقه القوم، و دخلت فرقه في الجماعه، و فرقه قالت: ننظر ما يصنع اهل المدينة فنصنع كما صنعوا.

و اما عماره فاقبل حتى إذا كان بزباله لقيه طليحة بن خويلد، و قد كان حين بلغهم خبر عثمان خرج يدعو الى الطلب بدمه و يقول: لهفي على امر لم يسبقني و لم ادركه!

443

يا ليتنى فيها جذع* * * اكر فيها و أضع‏

فخرج حين رجع القعقاع من اغاثه عثمان فيمن اجابه حتى دخل الكوفه، فطلع عليه عماره قادما على الكوفه، فقال له: ارجع فان القوم لا يريدون باميرهم بدلا، و ان أبيت ضربت عنقك فرجع عماره و هو يقول: احذر الخطر ما يماسك، الشر خير من شر منه.

فرجع الى على بالخبر و غلب على عماره بن شهاب هذا المثل من لدن اعتاصت عليه الأمور الى ان مات و انطلق عبيد الله بن عباس الى اليمن، فجمع يعلى بن اميه كل شي‏ء من الجبايه و تركه و خرج بذلك و هو سائر على حاميته الى مكة فقدمها بالمال و لما رجع سهل بن حنيف من طريق الشام و اتته الاخبار و رجع من رجع، دعا على طلحه و الزبير، فقال: ان الذى كنت احذركم قد وقع يا قوم، و ان الأمر الذى وقع لا يدرك الا باماتته، و انها فتنه كالنار، كلما سعرت ازدادت و استنارت فقالا له:

فاذن لنا ان نخرج من المدينة، فاما ان نكابر و اما ان تدعنا، فقال:

سامسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدا فاخر الدواء الكي.

و كتب الى معاويه و الى ابى موسى و كتب اليه ابو موسى بطاعة اهل الكوفه و بيعتهم، و بين الكاره منهم للذي كان، و الراضي بالذي قد كان، و من بين ذلك حتى كان عليا على المواجهة من امر اهل الكوفه.

و كان رسول على الى ابى موسى معبد الأسلمي، و كان رسول امير المؤمنين الى معاويه سبره الجهنى، فقدم عليه فلم يكتب معاويه بشي‏ء و لم يجبه و رد رسوله، و جعل كلما تنجز جوابه لم يزد على قوله:

أدم إدامة حصن أو خدا بيدي* * * حربا ضروسا تشب الجزل و الضرما

في جاركم و ابنكم إذ كان مقتله* * * شنعاء شيبت الاصداغ و اللمما

أعيا المسود بها و السيدون فلم* * * يوجد لها غيرنا مولى و لا حكما

و جعل الجهنى كلما تنجز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات، حتى إذا

444

كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، دعا معاويه برجل من بنى عبس، ثم احد بنى رواحه يدعى قبيصة، فدفع اليه طومارا مختوما، عنوانه: من معاويه الى على فقال: إذا دخلت المدينة فاقبض على اسفل الطومار، ثم اوصاه بما يقول و سرح رسول على و خرجا فقد ما المدينة في ربيع الاول لغرته، فلما دخلا المدينة رفع العبسى الطومار كما امره، و خرج الناس ينظرون اليه، فتفرقوا الى منازلهم و قد علموا ان معاويه معترض، و مضى حتى يدخل على على، فدفع اليه الطومار، ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابه، فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن انا؟ قال: نعم، ان الرسل آمنه لا تقتل، قال: ورائي انى تركت قوما لا يرضون الا بالقود، قال:

ممن؟ قال: من خيط نفسك، و تركت ستين الف شيخ يبكى تحت قميص عثمان و هو منصوب لهم، قد البسوه منبر دمشق فقال: منى يطلبون دم عثمان! ا لست موتورا كتره عثمان! اللهم انى ابرا إليك من دم عثمان، نجا و الله قتله عثمان الا ان يشاء الله، فانه إذا اراد امرا اصابه، اخرج، قال: و انا آمن؟ قال: و أنت آمن فخرج العبسى و صاحت السبئيه قالوا: هذا الكلب، هذا وافد الكلاب، اقتلوه! فنادى: يا آل مضر، يا آل قيس، الخيل و النبل، انى احلف بالله جل اسمه ليردنها عليكم اربعه آلاف خصى، فانظروكم الفحوله و الركاب! و تعاووا عليه و منعنه مضر، و جعلوا يقولون له: اسكت، فيقول: لا و الله، لا يفلح هؤلاء ابدا، فلقد أتاهم ما يوعدون فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حل بهم ما يحذرون، انتهت و الله اعمالهم، و ذهبت ريحههم، فو الله ما امسوا حتى عرف الذل فيهم‏

. استئذان طلحه و الزبير عليا

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

استاذن طلحه و الزبير عليا في العمره، فاذن لهما، فلحقا بمكة، و أحب اهل‏

445

المدينة ان يعلموا ما راى على في معاويه و انتقاضه، ليعرفوا بذلك رايه في قتال اهل القبله، ا يجسر عليه او ينكل عنه! و قد بلغهم ان الحسن بن على دخل عليه و دعاه الى القعود و ترك الناس، فدسوا اليه زياد بن حنظله التميمى- و كان منقطعا الى على- فدخل عليه فجلس اليه ساعه ثم قال له على: يا زياد، تيسر، فقال: لأي شي‏ء؟ فقال: تغزو الشام، فقال زياد: الاناه و الرفق امثل، فقال:

و من لا يصانع في امور كثيره* * * يضر من بأنياب و يوطأ بمنسم‏

فتمثل على و كأنه لا يريده:

متى تجمع القلب الذكي و صارما* * * و أنفا حميا تجتنبك المظالم‏

فخرج زياد على الناس و الناس ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال:

السيف يا قوم، فعرفوا ما هو فاعل و دعا على محمد بن الحنفيه فدفع اليه اللواء، و ولى عبد الله بن عباس ميمنته، و عمر بن ابى سلمه- او عمرو بن سفيان بن عبد الأسد- ولاه ميسرته، و دعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح، ابن أخي ابى عبيده بن الجراح، فجعله على مقدمته، و استخلف على المدينة قثم بن عباس، و لم يول ممن خرج على عثمان أحدا، و كتب الى قيس بن سعد ان يندب الناس الى الشام، و الى عثمان بن حنيف و الى ابى موسى مثل ذلك، و اقبل على التهيؤ و التجهز، و خطب اهل المدينة فدعاهم الى النهوض في قتال اهل الفرقة، و قال: ان الله عز و جل بعث رسولا هاديا مهديا بكتاب ناطق و امر قائم واضح، لا يهلك عنه الا هالك، و ان المبتدعات و الشبهات هن المهلكات الا من حفظ الله، و ان في سلطان الله عصمه امركم، فأعطوه طاعتكم غير ملويه و لا مستكره بها، و الله لتفعلن او لينقلن الله عنكم سلطان الاسلام ثم لا ينقله إليكم ابدا حتى يأرز الأمر إليها، انهضوا الى‏

446

هؤلاء القوم الذين يريدون يفرقون جماعتكم، لعل الله يصلح بكم ما افسد اهل الافاق، و تقضون الذى عليكم فبينا هم كذلك إذ جاء الخبر عن اهل مكة بنحو آخر و تمام على خلاف، فقام فيهم بذلك، [فقال: ان الله عز و جل جعل لظالم هذه الامه العفو و المغفره، و جعل لمن لزم الأمر و استقام الفوز و النجاة، فمن لم يسعه الحق أخذ بالباطل الا و ان طلحه و الزبير و أم المؤمنين قد تمالئوا على سخط امارتى، و دعوا الناس الى الإصلاح، و ساصبر ما لم اخف على جماعتكم، و اكف ان كفوا، و اقتصر على ما بلغنى عنهم‏].

ثم أتاه انهم يريدون البصره لمشاهده الناس و الإصلاح، فتعبى للخروج اليهم، و قال: ان فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين و ما كان عليهم في المقام فينا مئونة و لا اكراه فاشتد على اهل المدينة الأمر، فتثاقلوا، فبعث الى عبد الله بن عمر كميلا النخعى، فجاء به فقال: انهض معى، فقال:

انا مع اهل المدينة، انما انا رجل منهم و قد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا افارقهم، فان يخرجوا اخرج و ان يقعدوا اقعد قال: فأعطني زعيما بالا تخرج، قال: و لا أعطيك زعيما، [قال: لو لا ما اعرف من سوء خلقك صغيرا و كبيرا لانكرتنى، دعوه فانا به زعيم‏] فرجع عبد الله بن عمر الى المدينة و هم يقولون: لا و الله ما ندري كيف نصنع، فان هذا الأمر لمشتبه علينا، و نحن مقيمون حتى يضي‏ء لنا و يسفر.

فخرج من تحت ليلته و اخبر أم كلثوم بنت على بالذي سمع من اهل المدينة، و انه يخرج معتمرا مقيما على طاعه على ما خلا النهوض، و كان صدوقا فاستقر عندها، و اصبح على فقيل له: حدث البارحه حدث هو أشد عليك من طلحه و الزبير و أم المؤمنين و معاويه قال: و ما ذلك؟ قال:

خرج ابن عمر الى الشام، فاتى على السوق و دعا بالظهر فحمل الرجال و اعد لكل طريق طلابا و ماج اهل المدينة، و سمعت أم كلثوم بالذي هو فيه، فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثم أتت عليا و هو واقف في السوق يفرق الرجال في طلبه، فقالت: ما لك لا تزند من هذا الرجل؟ ان الأمر

447

على خلاف ما بلغته و حدثته قالت: انا ضامنه له، فطابت نفسه و قال: انصرفوا، لا و الله ما كذبت و لا كذب، و انه عندي ثقه فانصرفوا.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

و لما راى على من اهل المدينة ما راى لم يرض طاعتهم حتى يكون معها نصرته، قام فيهم و جمع اليه وجوه اهل المدينة، [و قال: ان آخر هذا الأمر لا يصلح الا بما صلح اوله، فقد رايتم عواقب قضاء الله عز و جل على من مضى منكم، فانصروا الله ينصركم و يصلح لكم امركم‏] فأجابه رجلان من اعلام الانصار، ابو الهيثم بن التيهان- و هو بدري- و خزيمة بن ثابت، و ليس بذى الشهادتين، مات ذو الشهادتين في زمن عثمان رضى الله عنه.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن الحكم، قال: قيل له: اشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الجمل؟

فقال: ليس به، و لكنه غيره من الانصار، مات ذو الشهادتين في زمان عثمان ابن عفان رضى الله عنه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد

9

، عن الشعبى، قال: بالله الذى لا اله الا هو، ما نهض في تلك الفتنة الا سته بدريين ما لهم سابع، او سبعه ما لهم ثامن.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى، قال: بالله الذى لا اله الا هو ما نهض في ذلك الأمر الا سته بدريين ما لهم سابع فقلت: اختلفتما قال: لم نختلف، ان الشعبى شك في ابى أيوب: اخرج حيث أرسلته أم سلمه الى على بعد صفين، أم لم يخرج! الا انه قدم عليه فمضى اليه، و على يومئذ بالنهروان.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت، عن رجل، عن سعيد بن زيد، قال: ما اجتمع اربعه من اصحاب النبي(ص)ففازوا على الناس بخير يحوزونه الا

448

و على بن ابى طالب احدهم.

ثم ان زياد بن حنظله لما راى تثاقل الناس عن على ابتدر اليه و قال: من تثاقل عنك فانا نخف معك و نقاتل دونك و بينما على يمشى في المدينة إذ سمع زينب ابنه ابى سفيان و هي تقول: ظلامتنا عند مدمم و عند مكحله، فقال: انها لتعلم ما هما لها بثار.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، ان عثمان قتل في ذي الحجه لثمان عشره خلت منه، و كان على مكة عبد الله بن عامر الحضرمى، و على الموسم يومئذ عبد الله بن عباس، بعثه عثمان و هو محصور، فتعجل اناس في يومين فأدركوا مع ابن عباس، فقدموا المدينة بعد ما قتل و قبل ان يبايع على، و هرب بنو اميه فلحقوا بمكة، و بويع على الخمس بقين من ذي الحجه يوم الجمعه، و تساقط الهراب الى مكة، و عائشة مقيمه بمكة تريد عمره المحرم، فلما تساقط إليها الهراب استخبرتهم فاخبروها ان قد قتل عثمان رضى الله عنه و لم يجبهم الى التأمير احد، فقالت عائشة رضى الله عنها: و لكن اكياس، هذا غب ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح، حتى إذا قضت عمرتها و خرجت فانتهت الى سرف لقيها رجل من اخوالها من بنى ليث- و كانت واصله لهم، رفيقه عليهم- يقال له عبيد بن ابى سلمه يعرف بامه أم كلاب، فقالت: مهيم! فاصم و دمدم، فقالت: ويحك! علينا او لنا؟ فقال: لا تدرى، قتل عثمان و بقوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ما ذا؟ فقال: أخذوا اهل المدينة بالاجتماع على على، و القوم الغالبون على المدينة فرجعت الى مكة و هي لا تقول شيئا و لا يخرج منها شي‏ء، حتى نزلت على باب المسجد و قصدت للحجر فسترت فيه، و اجتمع الناس إليها فقالت: يا ايها الناس، ان الغوغاء من اهل الأمصار و اهل المياه و عبيد اهل المدينة اجتمعوا ان عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الارب و استعمال من حدثت سنه، و قد استعمل أسنانهم قبله، و مواضع من مواضع الحمى حماها لهم، و هي امور قد سبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم و نزع لهم عنها استصلاحا

449

لهم، فلما لم يجدوا حجه و لا عذرا خلجوا و بادوا بالعدوان و نبا فعلهم عن قولهم، فسفكوا الدم الحرام و استحلوا البلد الحرام و أخذوا المال الحرام، و استحلوا الشهر الحرام و الله لاصبع عثمان خير من طباق الارض أمثالهم.

فنجاه من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم و يشرد من بعدهم، و و الله لو ان الذى اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه او الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء فقال عبد الله ابن عامر الحضرمى: هانذا لها أول طالب- و كان أول مجيب و منتدب.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن المدائني، قال: حدثنا

9

سحيم مولى وبره التميمى‏

3

، عن عبيد بن عمرو القرشي، قال: خرجت عائشة رضى الله عنها و عثمان محصور، فقدم عليها مكة رجل يقال له اخضر، فقالت: ما صنع الناس؟: فقال: قتل عثمان المصريين، قالت: انا لله و انا اليه راجعون! ا يقتل قوما جاءوا يطلبون الحق و ينكرون الظلم! و الله لا نرضى بهذا ثم قدم آخر فقالت: ما صنع الناس؟ قال: قتل المصريون عثمان، قالت: العجب لاخضر، زعم ان المقتول هو القاتل!.

فكان يضرب به المثل: اكذب من اخضر.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبى، قال: خرجت عائشة رضى الله عنها نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان، فلقيها رجل من اخوالها، فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان و اجتمع الناس على على، و الأمر امر الغوغاء فقالت: ما أظن ذلك تاما، ردوني فانصرفت راجعه الى مكة، حتى إذ دخلتها أتاها عبد الله ابن عامر الحضرمى- و كان امير عثمان عليها- فقال: ما ردك يا أم المؤمنين؟

قالت: ردني ان عثمان قتل مظلوما، و ان الأمر لا يستقيم و لهذه الغوغاء امر، فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الاسلام فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر

450

الحضرمى، و ذلك أول ما تكلمت بنو اميه بالحجاز و رفعوا رءوسهم، و قام معهم سعيد بن العاص، و الوليد بن عقبه، و سائر بنى اميه و قد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصره، و يعلى بن اميه من اليمن، و طلحه و الزبير من المدينة، و اجتمع ملؤهم بعد نظر طويل في امرهم على البصره، و قالت:

ايها الناس، ان هذا حدث عظيم و امر منكر، فانهضوا فيه الى إخوانكم من اهل البصره فانكروه، فقد كفاكم اهل الشام ما عندهم، لعل الله عز و جل يدرك لعثمان و للمسلمين بثارهم.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا: كان أول من أجاب الى ذلك عبد الله بن عامر و بنو اميه، و قد كانوا سقطوا إليها بعد مقتل عثمان، ثم قدم عبد الله بن عامر، ثم قدم يعلى ابن اميه، فاتفقا بمكة، و مع يعلى ستمائه بعير و ستمائه الف، فأناخ بالأبطح معسكرا، و قدم معهما طلحه و الزبير، فلقيا عائشة رضى الله عنها، فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: وراءنا انا تحملنا بقليتنا هرابا من المدينة من غوغاء و اعراب، و فارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا و لا ينكرون باطلا و لا يمنعون انفسهم قالت: فائتمروا امرا، ثم انهضوا الى هذه الغوغاء.

و تمثلت:

و لو ان قومى طاوعتنى سراتهم* * * لانقذتهم من الحبال او الخبل‏

و قال القوم فيما ائتمروا به: الشام فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم الشام من يستمر في حوزته، فقال له طلحه و الزبير: فأين؟ قال: البصره، فان لي بها صنائع و لهم في طلحه هوى، قالوا: قبحك الله! فو الله ما كنت بالمسالم و لا بالمحارب، فهلا اقمت كما اقام معاويه فنكتفى بك، و ناتى الكوفه فنسد على هؤلاء القوم المذاهب! فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا، حتى إذا استقام لهم الرأي على البصره قالوا: يا أم المؤمنين، دعى المدينة فان من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها، و اشخصى معنا الى البصره، فانا ناتى بلدا

451

مضيعا، و سيحتجون علينا فيه ببيعه على بن ابى طالب فتنهضينهم كما انهضت اهل مكة ثم تقعدين، فان اصلح الله الأمر كان الذى تريدين، و الا احتسبنا و دفعنا عن هذا الأمر بجهدنا حتى يقضى الله ما اراد.

فلما قالوا ذلك لها- و لم يكن ذلك مستقيما الا بها- قالت: نعم، و قد كان ازواج النبي(ص)معها على قصد المدينة، فلما تحول رأيها الى البصره تركن ذلك، و انطلق القوم بعدها الى حفصة، فقالت:

رأيي تبع لراى عائشة، حتى إذا لم يبق الا الخروج قالوا: كيف نستقل و ليس معنا مال نجهز به الناس! فقال يعلى بن اميه: معى ستمائه الف و ستمائه بعير فاركبوها، و قال ابن عامر: معى كذا و كذا فتجهزوا به فنادى المنادى: ان أم المؤمنين و طلحه و الزبير شاخصون الى البصره، فمن كان يريد اعزاز الاسلام و قتال المحلين و الطلب بثار عثمان و من لم يكن عنده مركب و لم يكن له جهاز فهذا جهاز و هذه نفقه، فحملوا ستمائه رجل على ستمائه ناقه سوى من كان له مركب- و كانوا جميعا ألفا- و تجهزوا بالمال، و نادوا بالرحيل و استقلوا ذاهبين و ارادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها ان تقعد، فقعدت و بعثت الى عائشة: ان عبد الله حال بيني و بين الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! و بعثت أم الفضل بنت الحارث رجلا من جهينة يدعى ظفرا، فاستاجرته على ان يطوى و ياتى عليا بكتابها، فقدم على على بكتاب أم الفضل بالخبر.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا على، عن ابى مخنف، قال:

حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن ابى عمره، عن ابيه، قال: قال ابو قتادة لعلى: يا امير المؤمنين، ان رسول الله(ص)قلدني هذا السيف و قد شمته فطال شيمه، و قد انى تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألوا الامه غشا، فان احببت ان تقدمني، فقدمني و قامت أم سلمه فقالت:

يا امير المؤمنين، لو لا ان اعصى الله عز و جل و انك لا تقبله منى لخرجت معك، و هذا ابنى عمر- و الله لهو أعز على من نفسي- يخرج معك فيشهد

452

مشاهدك فخرج فلم يزل معه، و استعمله على البحرين ثم عزله، و استعمل النعمان بن عجلان الزرقي.

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: حدثنا مسلمه، عن عوف، قال: اعان يعلى بن اميه الزبير بأربعمائة الف، و حمل سبعين رجلا من قريش، و حمل عائشة رضى الله عنها على جمل يقال له عسكر، اخذه بثمانين دينارا، و خرجوا فنظر عبد الله بن الزبير الى البيت، فقال:

ما رايت مثلك بركه طالب خير، و لا هارب من شر.

كتب الى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه، قالا:

خرج المغيره و سعيد بن العاص معهم مرحلة من مكة، فقال سعيد للمغيرة:

ما الرأي؟ قال: الرأي و الله الاعتزال، فإنهم ما يفلح امرهم، فان اظفره الله أتيناه، فقلنا: كان هوانا و صغونا معك، فاعتزلا فجلسا، فجاء سعيد مكة فأقام بها، و رجع معهما عبد الله بن خالد بن اسيد.

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا ابى، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت ابى، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: ثم ظهرا- يعنى طلحه و الزبير- الى مكة بعد قتل عثمان رضى الله عنه باربعه اشهر و ابن عامر بها يجر الدنيا، و قدم يعلى بن اميه معه بمال كثير، و زياده على أربعمائة بعير، فاجتمعوا في بيت عائشة رضى الله عنها فأرادوا الرأي، فقالوا: نسير الى على فنقاتله، فقال بعضهم:

ليس لكم طاقه باهل المدينة، و لكنا نسير حتى ندخل البصره و الكوفه، و لطلحة بالكوفه شيعه و هوى، و للزبير بالبصرة هوى و معونه فاجتمع رأيهم على ان يسيروا الى البصره و الى الكوفه، فأعطاهم عبد الله بن عامر مالا كثيرا و إبلا، فخرجوا في سبعمائة رجل من اهل المدينة و مكة، و لحقهم الناس حتى كانوا ثلاثة آلاف رجل، فبلغ عليا مسيرهم، فامر على المدينة سهل‏

453

ابن حنيف الأنصاري، و خرج فسار حتى نزل ذاقار، و كان مسيره إليها ثمان ليال، و معه جماعه من اهل المدينة.

حدثنى احمد بن منصور، قال: حدثنى يحيى بن معين، قال:

حدثنا هشام بن يوسف قاضى صنعاء، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزبير، عن موسى بن عقبه، عن علقمه بن وقاص الليثى، قال: لما خرج طلحه و الزبير و عائشة رضى الله عنهم عرضوا الناس بذات عرق، و استصغروا عروه بن الزبير و أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام فردوهما.

حدثنى عمر بن شبه، قال: حدثنا ابو الحسن، قال: أخبرنا ابو عمرو، عن عتبة بن المغيره بن الاخنس، قال: لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم و اصحابه بذات عرق، فقال: اين تذهبون و ثاركم على اعجاز الإبل! اقتلوهم ثم ارجعوا الى منازلكم لا تقتلوا انفسكم، قالوا: بل نسير فلعلنا نقتل قتله عثمان جميعا فخلا سعيد بطلحه و الزبير، فقال: ان ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ اصدقانى، قالا: لأحدنا أينا اختاره الناس قال: بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه، قالا: ندع شيوخ المهاجرين و نجعلها لابنائهم! قال: ا فلا أراني اسعى لأخرجها من بنى عبد مناف فرجع و رجع عبد الله بن خالد بن اسيد، فقال المغيره ابن شعبه: الرأي ما راى سعيد، من كان هاهنا من ثقيف فليرجع، فرجع و مضى القوم، معهم ابان بن عثمان و الوليد بن عثمان، فاختلفوا في الطريق فقالوا: من ندعو لهذا الأمر؟ فخلا الزبير بابنه عبد الله، و خلا طلحه بعلقمه بن وقاص الليثى- و كان يؤثره على ولده- فقال أحدهما:

ائت الشام، و قال الآخر: ائت العراق، و حاور كل واحد منهما صاحبه ثم اتفقا على البصره.

كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس،

454

عن الأغر، قال: لما اجتمع الى مكة بنو اميه و يعلى بن منيه و طلحه و الزبير، ائتمروا امرهم، و اجمع ملؤهم على الطلب بدم عثمان و قتال السبئيه حتى يثأروا و ينتقموا، فأمرتهم عائشة رضى الله عنها بالخروج الى المدينة، و اجتمع القوم على البصره و ردوها عن رأيها، و قال لها طلحه و الزبير: انا ناتى أرضا قد اضيعت و صارت الى على، و قد اجبرنا على على بيعته، و هم محتجون علينا بذلك و تاركو امرنا الا ان تخرجي فتامرى بمثل ما امرت بمكة، ثم ترجعى فنادى المنادى: ان عائشة تريد البصره و ليس في ستمائه بعير ما تغنون به غوغاء و جلبه الاعراب و عبيدا قد انتشروا و افترشوا اذرعهم مسعدين لاول واعيه و بعثت الى حفصة، فأرادت الخروج، فعزم عليها ابن عمر فاقامت، فخرجت عائشة و معها طلحه و الزبير، و امرت على الصلاة عبد الرحمن ابن عتاب بن اسيد، فكان يصلى بهم في الطريق و بالبصرة حتى قتل، و خرج معها مروان و سائر بنى اميه الا من خشع، و تيامنت عن اوطاس، و هم ستمائه راكب سوى من كانت له مطيه، فتركت الطريق ليله و تيامنت عنها كأنهم سياره و نجعه، مساحلين لم يدن من المنكدر و لا واسط و لا فلج منهم احد، حتى أتوا البصره في عام خصيب و تمثلت:

دعى بلاد جموع الظلم إذ صلحت* * * فيها المياه و سيرى سير مذعور

تخيرى النبت فارعى ثم ظاهره* * * و بطن واد من الضمار ممطور

حدثنى عمر، قال: حدثنا ابو الحسن، عن عمر بن راشد اليمامى، عن ابى كثير السحيمى، عن ابن عباس، قال: خرج اصحاب الجمل في ستمائه، معهم عبد الرحمن بن ابى بكره و عبد الله بن صفوان الجمحى، فلما جاوزا بئر ميمون إذا هم بجزور قد نحرت و نحرها ينثعب، فتطيروا.

و اذن مروان حين فصل من مكة ثم جاء حتى وقف عليهما، فقال:

أيكما اسلم بالإمرة و أؤذن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على ابى عبد الله، و قال محمد بن طلحه: على ابى محمد فأرسلت عائشة رضى الله‏