تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
457

و قال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي يرثيه:

منع العزاء حراره الصدر* * * و الحزن عقد عزيمة الصبر

لما سمعت بوقعه شملت* * * بالشيب لون مفارق الشعر

افنى الحماه الغر ان عرضت* * * دون الوفاء حبائل الغدر

مالت حبائل امرهم بفتى* * * مثل النجوم حففن بالبدر

عالى نعيهم فقلت له* * * هلا اتيت بصيحة الحشر!

لله درك من زعمت لنا* * * ان قد حوته حوادث الدهر

من للمنابر بعد مهلكهم* * * او من يسد مكارم الفخر!

فإذا ذكرتهم شكا ألما* * * قلبي لفقد فوارس زهر

قتلى بدجله ما يغمهم* * * إلا عباب زواخر البحر

فلتبك نسوتنا فوارسها* * * خير الحماه ليالي الذعر

و ذكر ابو زيد ان أبا بكر الباهلى حدثه، قال: حدثنى شيخ من اهل خراسان، قال: كان هشام بن عبد الملك خطب الى يزيد بن عمر بن هبيرة ابنته على ابنه معاويه، فأبى ان يزوجه، فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر و بين الوليد بن القعقاع كلام، فبعث به هشام الى الوليد بن القعقاع، فضربه و حبسه، فقال ابن طيسله:

يا قل خير رجال لا عقول لهم* * * من يعدلون الى المحبوس في حلب‏

الى امرئ لم تصبه الدهر معضله* * * الا استقل بها مسترخى اللبب‏

و قيل: ان أبا العباس لما وجه أبا جعفر الى واسط لقتال ابن هبيرة، كتب الى الحسن بن قحطبه: ان العسكر عسكرك، و القواد قوادك، و لكن احببت ان يكون أخي حاضرا، فاسمع له و اطمع، و احسن مؤازرته و كتب الى ابى نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك، فكان الحسن المدبر لذلك العسكر بأمر المنصور

458

و في هذه السنه وجه ابو مسلم محمد بن الاشعث على فارس، و امره ان يأخذ عمال ابى سلمه فيضرب أعناقهم ففعل ذلك.

و في هذه السنه وجه ابو العباس عمه عيسى بن على على فارس، و عليها محمد بن الاشعث، فهم به، فقيل له: ان هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرني ابو مسلم الا يقدم على احد يدعى الولاية من غيره الا ضربت عنقه.

ثم ارتدع عن ذلك لما تخوف من عاقبته، فاستحلف عيسى بالايمان المحرجه الا يعلو منبرا، و لا يتقلد سيفا الا في جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك عملا، و لا تقلد سيفا الا في غزو ثم وجه ابو العباس بعد ذلك اسماعيل بن على واليا على فارس.

و في هذه السنه وجه ابو العباس أخاه أبا جعفر واليا على الجزيرة و اذربيجان و أرمينية، و وجه أخاه يحيى بن محمد بن على واليا على الموصل.

و فيها عزل عمه داود بن على عن الكوفه و سوادها، و ولاه المدينة و مكة و اليمن و اليمامه، و ولى موضعه و ما كان اليه من عمل الكوفه و سوادها عيسى بن موسى.

و فيها عزل مروان- و هو بالجزيرة عن المدينة- الوليد بن عروه، و ولاها أخاه يوسف بن عروه، فذكر الواقدى انه قدم المدينة لاربع خلون من شهر ربيع الاول.

و فيها استقضى عيسى بن موسى على الكوفه ابن ابى ليلى.

و كان العامل على البصره في هذه السنه سفيان بن معاويه المهلبى و على قضائها الحجاج بن ارطاه، و على فارس محمد بن الاشعث، و على السند منصور بن جمهور، و على الجزيرة و أرمينية و اذربيجان عبد الله بن محمد، و على الموصل يحيى بن محمد، و على كور الشام عبد الله بن على، و على مصر ابو عون عبد الملك بن يزيد، و على خراسان و الجبال ابو مسلم، و على ديوان الخراج خالد بن برمك.

و حج بالناس في هذه السنه داود بن على بن عبد الله بن العباس.

459

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و ثلاثين و مائه‏

. (ذكر ما كان في هذه السنه من الاحداث) فمن ذلك ما كان من توجيه ابى العباس عمه سليمان بن على واليا على البصره و أعمالها، و كور دجلة و البحرين و عمان و مهرجانقذق، و توجيهه أيضا عمه اسماعيل بن على على كور الاهواز.

و فيها قتل داود بن على من كان أخذ من بنى اميه بمكة و المدينة.

و فيها مات داود بن على بالمدينة في شهر ربيع الاول، و كانت ولايته- فيما ذكر محمد بن عمر- ثلاثة اشهر.

و استخلف داود بن على حين حضرته الوفاة على عمله ابنه موسى، و لما بلغت أبا العباس وفاته وجه على المدينة و مكة و الطائف و اليمامه خاله زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثى، و وجه محمد بن يزيد بن عبد الله ابن عبد المدان على اليمن، فقدم اليمن في جمادى الاولى، فأقام زياد بالمدينة و مضى محمد الى اليمن ثم وجه زياد بن عبيد الله من المدينة ابراهيم بن حسان السلمى، و هو ابو حماد الأبرص- الى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة و هو باليمامة، فقتله و قتل اصحابه.

و فيها كتب ابو العباس الى ابى عون باقراره على مصر واليا عليها، و الى عبد الله و صالح ابنى على على اجناد الشام و فيها توجه محمد بن الاشعث الى إفريقية فقاتلهم قتالا شديدا حتى فتحها و فيها خرج شريك بن شيخ المهري بخراسان على ابى مسلم ببخارى و نقم عليه، و قال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، على ان نسفك الدماء، و نعمل بغير الحق و تبعه على رايه اكثر من ثلاثين ألفا، فوجه اليه ابو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله فقتله‏

460

و فيها توجه ابو داود خالد بن ابراهيم من الوخش الى الختل، فدخلها و لم يمتنع عليه حنش بن السبل ملكها، و أتاه ناس من دهاقين الختل، فتحصنوا معه، و امتنع بعضهم في الدروب و الشعاب و القلاع فلما الح ابو داود على حنش، خرج من الحصن ليلا و معه دهاقينه و شاكريته حتى انتهوا الى ارض فرغانه، ثم خرج منها في ارض الترك، حتى وقع الى ملك الصين، و أخذ ابو داود من ظفر به منهم، فجاوز بهم الى بلخ، ثم بعث بهم الى ابى مسلم.

و فيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب، قتله سليمان الذى يقال له الأسود، بأمان كتبه له.

و فيها وجه صالح بن على سعيد بن عبد الله لغزو الصائفه، وراء الدروب.

و فيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل، و استعمل مكانه اسماعيل بن على.

و حج بالناس في هذه السنه زياد بن عبيد الله الحارثى، كذلك حدثنى احمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال الواقدى و غيره.

و كان على الكوفه و أرضها عيسى بن موسى، و على قضائها ابن ابى ليلى، و على البصره و أعمالها و كور دجلة و البحرين و عمان و العرض و مهرجانقذق سليمان ابن على، و على قضائها عباد بن منصور، و على الاهواز اسماعيل بن على و على فارس محمد بن الاشعث، و على السند منصور بن جمهور، و على خراسان و الجبال ابو مسلم، و على قنسرين و حمص و كور دمشق و الأردن عبد الله بن على، و على فلسطين صالح بن على.

و على مصر عبد الملك بن يزيد ابو عون، و على الجزيرة عبد الله بن محمد المنصور، و على الموصل اسماعيل بن على، و على أرمينية صالح بن صبيح، و على اذربيجان مجاشع بن يزيد.

و على ديوان الخراج خالد بن برمك.

461

ثم دخلت‏

سنه اربع و ثلاثين و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث)

ذكر خبر خلع بسام بن ابراهيم‏

ففيها خالف بسام بن ابراهيم بن بسام، و خلع، و كان من فرسان اهل خراسان و شخص- فيما ذكر- من عسكر ابى العباس امير المؤمنين مع جماعه ممن شايعه على ذلك من رايه، مستسرين بخروجهم، ففحص عن امرهم و الى اين صاروا، حتى وقف على مكانهم بالمدائن، فوجه اليهم ابو العباس خازم بن خزيمة، فلما لقى بساما ناجزه القتال، فانهزم بسام و اصحابه و قتل اكثرهم، و استبيح عسكره، و مضى خازم و اصحابه في طلبهم، في ارض جوخى الى ان بلغ ماه، و قتل كل من لحقه منهزما، او ناصبه القتال، ثم انصرف من وجهه ذلك، فمر بذات المطامير- او بقرية شبيهه بها- و بها من بنى الحارث بن كعب من بنى عبد المدان، و هم اخوال ابى العباس ذنبه فمر بهم و هم في مجلس لهم- و كانوا خمسه و ثلاثين رجلا منهم و من غيرهم ثمانية عشر رجلا، و من مواليهم سبعه عشر رجلا- فلم يسلم عليهم، فلما جاز شتموه، و كان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيره بن الفزع، و انه لجأ اليهم، و كان من اصحاب بسام بن ابراهيم فكر راجعا، فسألهم عما بلغه من نزول المغيره بهم، فقالوا: مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام في قريتنا ليله ثم خرج عنها، فقال لهم: أنتم اخوال امير المؤمنين و ياتيكم عدوه، فيأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فاخذتموه! فاغلظوا له الجواب، فامر بهم فضربت أعناقهم جميعا، و هدمت دورهم، و انتهبت أموالهم، ثم انصرف الى ابى العباس، و بلغ ما كان من فعل خازم اليمانيه، فأعظموا ذلك، و اجتمعت كلمتهم، فدخل زياد بن عبيد الله الحارثى على ابى العباس مع عبد الله بن‏

462

الربيع الحارثى و عثمان بن نهيك، و عبد الجبار بن عبد الرحمن، و هو يومئذ على شرطه ابى العباس، فقالوا: يا امير المؤمنين، ان خادما اجترأ عليك بأمر لم يكن احد من اقرب ولد ابيك ليجترئ عليك به، من استخفافه بحقك، و قتل أخوالك الذين قطعوا البلاد، و أتوك معتزين بك، طالبين معروفك، حتى إذا صاروا الى دارك و جوارك، و ثب عليهم خازم فضرب أعناقهم، و هدم دورهم، و انهب أموالهم، و اخرب ضياعهم، بلا حدث احدثوه فهم بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بن كعب و أبا الجهم بن عطية، فدخلا على ابى العباس، فقالا: بلغنا يا امير المؤمنين ما كان من تحميل هؤلاء القوم إياك على خازم، و اشارتهم عليك بقتله، و ما هممت به من ذلك، و انا نعيذك بالله من ذلك، فان له طاعه و سابقه، و هو يحتمل له ما صنع، فان شيعتكم من اهل خراسان قد آثروكم على الاقارب من الأولاد و الآباء و الاخوان، و قتلوا من خالفكم، و أنت أحق من تعمد اساءه مسيئهم، فان كنت لا بد مجمعا على قتله فلا تتول ذلك بنفسك، و عرضه من المباعث لما ان قتل فيه كنت قد بلغت الذى اردت، و ان ظفر كان ظفره لك و أشاروا عليه بتوجيهه الى من بعمان من الخوارج الى الجلندى و اصحابه، و الى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري، فامر ابو العباس بتوجيهه مع سبعمائة رجل، و كتب الى سليمان بن على و هو على البصره بحملهم في السفن الى جزيرة ابن كاوان و عمان فشخص‏

. امر الخوارج مع خازم بن خزيمة و قتل شيبان بن عبد العزيز

و في هذه السنه شخص خازم بن خزيمة الى عمان، فاوقع بمن فيها من الخوارج، و غلب عليها و على ما قرب منها من البلدان و قتل شيبان الخارجي.

ذكر الخبر عما كان منه هنالك: ذكر ان خازم بن خزيمة شخص في السبعمائة الذين ضمهم اليه ابو العباس، و انتخب من اهل بيته و بنى عمه و مواليه و رجال من اهل مرو الروذ، قد عرفهم‏

463

و وثق بهم، فسار الى البصره، فحملهم سليمان بن على، و انضم الى خازم بالبصرة عده من بنى تميم، فساروا حتى ارسوا بجزيرة ابن كاوان، فوجه خازم نضله بن نعيم النهشلي في خمسمائة رجل من اصحابه الى شيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فركب شيبان و اصحابه السفن، فقطعوا الى عمان- و هم صفريه- فلما صاروا الى عمان نصب لهم الجلندى و اصحابه- و هم اباضيه- فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل شيبان و من معه، ثم سار خازم في البحر بمن معه، حتى ارسوا الى ساحل عمان، فخرجوا الى صحراء، فلقيهم الجلندى و اصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا، و كثر القتل يومئذ في اصحاب خازم، و هم يومئذ على ضفة البحر، و قتل فيمن قتل أخ لخازم لامه يقال له اسماعيل، في تسعين رجلا من اهل مرو الروذ، ثم تلاقوا في اليوم الثانى، فاقتتلوا قتالا شديدا، و على ميمنته رجل من اهل مرو الروذ، يقال له حميد الورتكانى، و على ميسرته رجل من اهل مرو الروذ يقال له مسلم الارغدى، و على طلائعه نضله بن نعيم النهشلي، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة رجل، و احرقوا منهم نحوا من تسعين رجلا ثم التقوا بعد سبعه ايام من مقدم خازم على راى اشار به عليه رجل من اهل الصغد، وقع بتلك البلاد، فاشار عليه ان يأمر اصحابه فيجعلوا على اطراف اسنتهم المشاقه و يرووها بالنفط، و يشعلوا فيها النيران، ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت اصحاب الجلندى.

و كانت من خشب و خلاف، فلما فعل ذلك و أضرمت بيوتهم بالنيران و شغلوا بها و بمن فيها من أولادهم و أهاليهم شد عليهم خازم و اصحابه، فوضعوا فيهم السيوف و هم غير ممتنعين منهم، و قتل الجلندى فيمن قتل، و بلغ عده من قتل عشره آلاف، و بعث خازم برءوسهم الى البصره، فمكثت بالبصرة أياما، ثم بعث بها الى ابى العباس، و اقام خازم بعد ذلك أشهرا، حتى أتاه كتاب ابى العباس باقفاله فقفلوا

. ذكر غزوه كس‏

و في هذه السنه غزا ابو داود خالد بن ابراهيم اهل كس فقتل الاخريد

464

ملكها، و هو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلخ، ثم تلقاه بكندك مما يلى كس، و أخذ ابو داود من الاخريد و اصحابه حين قتلهم من الأواني الصينية المنقوشه المذهبه التي لم ير مثلها، و من السروج الصينية و متاع الصين كله من الديباج و غيره، و من طرف الصين شيئا كثيرا، فحمله ابو داود اجمع الى ابى مسلم و هو بسمرقند، و قتل ابو داود دهقان كس في عده من دهاقينها و استحيا طاران أخا الاخريد و ملكه على كس، و أخذ ابن النجاح و رده الى ارضه، و انصرف ابو مسلم الى مرو بعد ان قتل في اهل الصغد و اهل بخارى، و امر ببناء حائط سمرقند، و استخلف زياد بن صالح على الصغد و اهل بخارى، ثم رجع ابو داود الى بلخ‏

. ذكر قتال منصور بن جمهور

و في هذه السنه وجه ابو العباس موسى بن كعب الى الهند لقتال منصور ابن جمهور، و فرض لثلاثة آلاف رجل من العرب و الموالي بالبصرة و لألف من بنى تميم خاصه، فشخص و استخلف مكانه على شرطه ابى العباس المسيب ابن زهير حتى ورد السند، و لقى منصور بن جمهور في اثنى عشر ألفا، فهزمه و من معه، و مضى فمات عطشا في الرمال.

و قد قيل: اصابه بطن، و بلغ خليفه منصور و هو بالمنصورة هزيمه منصور، فرحل بعيال منصور و ثقله، و خرج بهم في عده من ثقاته، فدخل بهم بلاد الخزر.

و فيها توفى محمد بن يزيد بن عبد الله و هو على اليمن، فكتب ابو العباس الى على بن الربيع بن عبيد الله الحارثى، و هو عامل لزياد بن عبيد الله على مكة بولايته على اليمن فسار إليها.

و في هذه السنه تحول ابو العباس من الحيرة الى الأنبار- و ذلك فيما قال الواقدى و غيره- في ذي الحجه‏

465

و فيها عزل صالح بن صبيح عن أرمينية، و جعل مكانه يزيد بن اسيد و فيها عزل مجاشع بن يزيد عن اذربيجان و استعمل عليها محمد بن صول.

و فيها ضرب المنار من الكوفه الى مكة و الأميال و حج بالناس في هذه السنه عيسى بن موسى، و هو على الكوفه و أرضها.

و كان على قضاء الكوفه ابن ابى ليلى و على المدينة و مكة و الطائف و اليمامه زياد بن عبيد الله، و على اليمن على بن الربيع الحارثى، و على البصره و أعمالها و كور دجلة و البحرين و عمان و العرض و مهرجانقذق سليمان بن على، و على قضائها عباد بن منصور، و على السند موسى بن كعب، و على خراسان و الجبال ابو مسلم، و على فلسطين صالح ابن على، و على مصر ابو عون، و على موصل اسماعيل بن على، و على أرمينية يزيد بن اسيد، و على اذربيجان محمد بن صول و على ديوان الخراج خالد بن برمك، و على الجزيرة عبد الله بن محمد ابو جعفر و على قنسرين و حمص و كور دمشق و الأردن عبد الله بن على.

466

ثم دخلت‏

سنه خمس و ثلاثين و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث)

ذكر خبر خروج زياد بن صالح‏

4 فمما كان فيها من ذلك خروج زياد بن صالح وراء نهر بلخ، فشخص ابو مسلم من مرو مستعدا للقائه، و بعث ابو داود خالد بن ابراهيم نصر بن راشد الى الترمذ، و امره ان ينزل مدينتها، مخافه ان يبعث زياد بن صالح الى الحصن و السفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر، و اقام بها أياما، فخرج عليه ناس من الراونديه من اهل الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق، فقتلوا نصرا، فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبع قتله نصر، فتتبعهم فقتلهم، فمضى ابو مسلم مسرعا، حتى انتهى الى آمل، و معه سباع بن ابى النعمان الأزدي، و هو الذى كان قدم بعهد زياد بن صالح من قبل ابى العباس، و امره ان راى فرصه ان يثب على ابى مسلم فيقتله فاخبر ابو مسلم بذلك، فدفع سباع بن النعمان الى الحسن بن الجنيد عامله على آمل، و امره بحبسه عنده، و عبر ابو مسلم الى بخارى، فلما نزلها أتاه ابو شاكر و ابو سعد الشروى في قواد قد خلعوا زيادا، فسألهم ابو مسلم عن امر زياد و من افسده، قالوا: سباع بن النعمان، فكتب الى عامله على آمل ان يضرب سباعا مائه سوط، ثم يضرب عنقه، ففعل.

و لما اسلم زيادا قواده و لحقوا بابى مسلم لجأ الى دهقان باركث، فوثب عليه الدهقان، فضرب عنقه، و جاء برأسه الى ابى مسلم، فأبطأ ابو داود على ابى مسلم لحال الراونديه الذين كانوا خرجوا، فكتب اليه ابو مسلم: اما بعد فليفرخ روعك، و يامن سربك، فقد قتل الله زيادا، فاقدم، فقدم ابو داود، كس، و بعث عيسى بن ماهان الى بسام، و بعث ابن النجاح الى الاصبهبذ الى شاوغر، فحاصر الحصن فاما اهل شاوغر فسألوا الصلح، فأجيبوا الى ذلك‏

467

و اما بسام فلم يصل عيسى بن ماهان الى شي‏ء منه، حتى ظهر ابو مسلم بسته عشر كتابا وجدها من عيسى بن ماهان الى كامل بن مظفر صاحب ابى مسلم، يعيب فيها أبا داود، و ينسبه فيها الى العصبية و إيثاره العرب و قومه على غيرهم من اهل هذه الدعوة، و ان في عسكره سته و ثلاثين سرادقا للمستامنه، فبعث بها ابو مسلم الى ابى داود، و كتب اليه: ان هذه كتب العلج الذى صيرته عدل نفسك، فشأنك به فكتب ابو داود الى عيسى ابن ماهان يأمره بالانصراف اليه عن بسام، فلما قدم عليه حبسه و دفعه الى عمر النغم، و كان في يده محبوسا، ثم دعا به بعد يومين او ثلاثة فذكره صنيعته به و إيثاره اياه على ولده، فاقر بذلك، فقال ابو داود: فكان جزاء ما صنعت بك ان سعيت بي و اردت قتلى فأنكر ذلك، فاخرج كتبه فعرفها، فضربه ابو داود يومئذ حدين: أحدهما للحسن بن حمدان ثم قال ابو داود: اما انى قد تركت ذنبك لك، و لكن الجند اعلم فاخرج في القيود، فلما اخرج من السرادق وثب عليه حرب بن زياد و حفص بن دينار مولى يحيى بن حضين‏

3

، فضرباه بعمود و طبرزين، فوقع الى الارض، و عدا عليه اهل الطالقان و غيرهم.

فادخلوه في جوالق، و ضربوه بالاعمده، حتى مات و رجع ابو مسلم الى مرو.

و حج بالناس في هذه السنه سليمان بن على و هو على البصره و أعمالها و على قضائها عباد بن منصور.

و كان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، و على المدينة زياد بن عبيد الله الحارثى، و على الكوفه و أرضها عيسى بن موسى، و على قضائها ابن ابى ليلى، و على الجزيرة ابو جعفر المنصور، و على مصر ابو عون، و على حمص و قنسرين و بعلبك و الغوطة و حوران و الجولان و الأردن عبد الله ابن على و على البلقاء و فلسطين صالح بن على، و على الموصل اسماعيل بن على، و على أرمينية يزيد بن اسيد، و على اذربيجان محمد بن صول، و على ديوان الخراج خالد بن برمك.

468

ثم دخلت‏

سنه ست و ثلاثين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر قدوم ابى مسلم على ابى العباس‏

ففي هذه السنه قدم ابو مسلم العراق من خراسان على ابى العباس امير المؤمنين.

ذكر الخبر عن قدومه عليه و ما كان من امره في ذلك:

ذكر على بن محمد ان الهيثم بن عدى اخبره و الوليد بن هشام، عن ابيه، قالا: لم يزل ابو مسلم مقيما بخراسان، حتى كتب الى ابى العباس يستاذنه في القدوم عليه، فأجابه الى ذلك، فقدم على ابى العباس في جماعه من اهل خراسان عظيمه و من تبعه من غيرهم من الأنبار، فامر ابو العباس الناس يتلقونه، فتلقاه الناس، و اقبل الى ابى العباس، فدخل عليه فاعظمه و اكرمه، ثم استاذن أبا العباس في الحج فقال: لو لا ان أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم و انزله قريبا منه، فكان يأتيه في كل يوم يسلم عليه، و كان ما بين ابى جعفر و ابى مسلم متباعدا، لان أبا العباس كان بعث أبا جعفر الى ابى مسلم و هو بنيسابور، بعد ما صفت له الأمور بعهده على خراسان و بالبيعه لأبي العباس و لأبي جعفر من بعده، فبايع له ابو مسلم و اهل خراسان و اقام ابو جعفر أياما حتى فرغ من البيعه، ثم انصرف و كان ابو مسلم قد استخف بابى جعفر في مقدمه ذلك، فلما قدم على ابى العباس اخبره بما كان من استخفافه به.

قال على: قال الوليد عن ابيه: لما قدم ابو مسلم على ابى العباس، قال ابو جعفر لأبي العباس: يا امير المؤمنين، أطعني و اقتل أبا مسلم، فو الله ان في راسه لغدره، فقال: يا أخي، قد عرفت بلاءه و ما كان منه، فقال‏

469

ابو جعفر: يا امير المؤمنين، انما كان بدولتنا، و الله لو بعثت سنورا لقام مقامه و بلغ ما بلغ في هذه الدولة فقال له ابو العباس: فكيف نقتله؟

قال: إذا دخل عليك و حادثته و اقبل عليك دخلت فتغفلته فضربته من خلفه ضربه اتيت بها على نفسه، فقال ابو العباس: فكيف باصحابه الذين يؤثرونه على دينهم و دنياهم؟ قال: يئول ذلك كله الى ما تريد، و لو علموا انه قد قتل تفرقوا و ذلوا، قال: عزمت عليك الا كففت عن هذا، قال: اخاف و الله ان لم تتغده اليوم يتعشاك غدا، قال: فدونكه، أنت اعلم.

قال: فخرج ابو جعفر من عنده عازما على ذلك، فندم ابو العباس و ارسل الى ابى جعفر: لا تفعل ذلك الأمر.

و قيل: ان أبا العباس لما اذن لأبي جعفر في قتل ابى مسلم، دخل ابو مسلم على ابى العباس، فبعث ابو العباس خصيا له، فقال: اذهب فانظر ما يصنع ابو جعفر، فأتاه فوجده محتبيا بسيفه، فقال للخصى: اجالس امير المؤمنين؟

فقال له: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الخصى الى ابى العباس فاخبره بما راى منه، فرده الى ابى جعفر و قال له: قل له الأمر الذى عزمت عليه لا تنفذه فكف ابو جعفر

. حج ابى جعفر المنصور و ابى مسلم‏

و في هذه السنه حج ابو جعفر المنصور و حج معه ابو مسلم.

ذكر الخبر عن مسيرهما و عن وصفه مقدمهما على ابى العباس: اما ابو مسلم فانه- فيما ذكر عنه- لما اراد القدوم على ابى العباس، كتب يستاذنه في القدوم للحج، فاذن له، و كتب اليه ان اقدم في خمسمائة من الجند، فكتب اليه ابو مسلم: انى قد وترت الناس و لست آمن على نفسي فكتب اليه ان اقبل في الف، فإنما أنت في سلطان اهلك و دولتك، و طريق مكة لا تحتمل العسكر، فشخص في ثمانية آلاف فرقهم فيما بين نيسابور و الري، و قدم بالأموال و الخزائن فخلفها بالري، و جمع أيضا اموال الجبل، و شخص منها في الف و اقبل، فلما اراد الدخول تلقاه القواد و سائر الناس، ثم استاذن‏

470

أبا العباس في الحج، فاذن له، و قال: لو لا ان أبا جعفر حاج لوليتك الموسم.

و اما ابو جعفر فانه كان أميرا على الجزيرة، و كان الواقدى، يقول: كان اليه مع الجزيرة أرمينية و اذربيجان، فاستخلف على عمله مقاتل بن حكيم العكي، و قدم على ابى العباس فاستاذنه في الحج، فذكر على بن محمد عن الوليد بن هشام عن ابيه ان أبا جعفر سار الى مكة حاجا، و حج معه ابو مسلم سنه ست و ثلاثين و مائه، فلما انقضى الموسم اقبل ابو جعفر و ابو مسلم، فلما كان بين البستان و ذات عرق اتى أبا جعفر كتاب بموت ابى العباس، و كان ابو جعفر قد تقدم أبا مسلم بمرحله، فكتب الى ابى مسلم: انه قد حدث امر فالعجل العجل، فأتاه الرسول فاخبره، فاقبل حتى لحق أبا جعفر، و اقبلا الى الكوفه.

و في هذه السنه عقد ابو العباس عبد الله بن محمد بن على لأخيه ابى جعفر الخلافه من بعده، و جعله ولى عهد المسلمين، و من بعد ابى جعفر عيسى ابن موسى بن محمد بن على، و كتب العهد بذلك، و صيره في ثوب، و ختم عليه بخاتمه و خواتيم اهل بيته، و دفعه الى عيسى بن موسى‏

. ذكر الخبر عن موت ابى العباس السفاح‏

و فيها توفى ابو العباس امير المؤمنين بالأنبار يوم الأحد، لثلاث عشره خلت من ذي الحجه و كانت وفاته فيما قيل بالجدري.

و قال هشام بن محمد: توفى لاثنتى عشره ليله مضت من ذي الحجه.

و اختلف في مبلغ سنه يوم وفاته، فقال بعضهم: كان له يوم توفى ثلاث و ثلاثون سنه و قال هشام بن محمد: كان يوم توفى ابن ست و ثلاثين سنه.

و قال بعضهم: كان له ثمان و عشرون سنه.

و كانت ولايته من لدن قتل مروان بن محمد الى ان توفى اربع سنين:

و من لدن بويع له بالخلافة الى ان مات اربع سنين و ثمانية اشهر و قال بعضهم:

و تسعه اشهر و قال الواقدى: اربع سنين و ثمانية اشهر منها ثمانية اشهر و اربعه‏

471

ايام يقاتل مروان.

و ملك بعد مروان اربع سنين و كان- فيما ذكر- ذا شعره جعدة، و كان طويلا ابيض اقنى الأنف، حسن الوجه و اللحية.

و أمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثى و كان وزيره ابو الجهم بن عطية.

و صلى عليه عمه عيسى بن على، و دفنه بالأنبار العتيقة في قصره.

و كان- فيما ذكر- خلف تسع جباب، و اربعه اقمصه، و خمسه سراويلات، و اربعه طيالسه، و ثلاثة مطارف خز

. خلافه ابى جعفر المنصور و هو عبد الله بن محمد

و في هذه السنه بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة، و ذلك في اليوم الذى توفى فيه اخوه ابو العباس، و ابو جعفر يومئذ بمكة، و كان الذى أخذ البيعه بالعراق لأبي جعفر بعد موت ابى العباس عيسى بن موسى، و كتب اليه عيسى يعلمه بموت أخيه ابى العباس و بالبيعه له.

و ذكر على بن محمد، عن الهيثم، عن عبد الله بن عياش، قال: لما حضرت أبا العباس الوفاة، امر الناس بالبيعه لعبد الله بن محمد ابى جعفر، فبايع الناس له بالأنبار في اليوم الذى مات فيه ابو العباس و قام بأمر الناس عيسى بن موسى، و ارسل عيسى بن موسى الى ابى جعفر و هو بمكة محمد بن الحصين العبدى بموت ابى العباس، و بالبيعه له، فلقيه بمكان من الطريق يقال له زكيه، فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه، و بايعه ابو مسلم، فقال ابو جعفر: اين موضعنا هذا؟ قالوا: زكيه، فقال: امر يزكى لنا ان شاء الله تعالى.

و قال بعضهم: ورد على ابى جعفر البيعه له بعد ما صدر من الحج، في منزل من منازل طريق مكة، يقال له صفيه، فتفاءل باسمه، و قال: صفت لنا ان شاء الله تعالى‏

472

رجع الحديث الى حديث على بن محمد: فقال على: حدثنى الوليد، عن ابيه، قال: لما اتى الخبر أبا جعفر كتب الى ابى مسلم و هو نازل بالماء، و قد تقدمه ابو جعفر، فاقبل ابو مسلم حتى قدم عليه.

و قيل ان أبا مسلم كان هو الذى تقدم أبا جعفر، فعرف الخبر قبله، فكتب الى ابى جعفر:

بسم الله الرحمن الرحيم عافاك الله و امتع بك، انه أتاني امر افظعنى و بلغ منى مبلغا لم يبلغه شي‏ء قط، لقيني محمد بن الحصين بكتاب من عيسى بن موسى إليك بوفاه ابى العباس امير المؤمنين (رحمه الله)، فنسأل الله ان يعظم اجرك، و يحسن الخلافه عليك، و يبارك لك فيما أنت فيه، انه ليس من اهلك احد أشد تعظيما لحقك و اصفى نصيحه لك، و حرصا على ما يسرك منى.

و انفذ الكتاب اليه، ثم مكث ابو مسلم يومه و من الغد، ثم بعث الى ابى جعفر بالبيعه، و انما اراد ترهيب ابى جعفر بتأخيرها.

رجع الحديث الى حديث على بن محمد: فلما جلس ابو مسلم، القى اليه الكتاب، فقراه و بكى و استرجع قال: و نظر ابو مسلم الى ابى جعفر، و قد جزع جزعا شديدا فقال: ما هذا الجزع و قد اتتك الخلافه؟ فقال:

اتخوف شر عبد الله بن على و شيعه على، فقال: لا تخفه، فانا اكفيك امره ان شاء الله، انما عامه جنده و من معه اهل خراسان، و هم لا يعصوننى.

فسرى عن ابى جعفر ما كان فيه و بايع له ابو مسلم و بايع الناس، و اقبلا حتى قدما الكوفه، و رد ابو جعفر زياد بن عبيد الله الى مكة، و كان قبل ذلك واليا عليها و على المدينة لأبي العباس.

و قيل: ان أبا العباس كان قد عزل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثى عن مكة، و ولاها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس و في هذه السنه قدم عبد الله بن على على ابى العباس.

الأنبار، فعقد له‏

473

ابو العباس على الصائفه في اهل خراسان و اهل الشام و الجزيرة و الموصل، فسار فبلغ دلوك، و لم يدرب حتى اتته وفاه ابى العباس.

و في هذه السنه بعث عيسى بن موسى و ابو الجهم يزيد بن زياد أبا غسان الى عبد الله بن على ببيعه المنصور فانصرف عبد الله بن على بمن معه من الجيوش، قد بايع لنفسه حتى قدم حران و اقام الحج للناس في هذه السنه ابو جعفر المنصور، و قد ذكرنا ما كان اليه من العمل في هذه السنه، و من استخلف عليه حين شخص حاجا.

و كان على الكوفه عيسى بن موسى و على قضائها ابن ابى ليلى، و على البصره و عملها سليمان بن على، و على قضائها عباد بن المنصور، و على المدينة زياد بن عبيد الله الحارثى، و على مكة العباس بن عبد الله بن معبد، و على مصر صالح ابن على.

474

ثم دخلت‏

سنه سبع و ثلاثين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان في هذه السنه من الاحداث)

ذكر خبر خروج عبد الله بن على و هزيمته‏

فمما كان فيها من ذلك قدوم المنصور ابى جعفر من مكة و نزوله الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص الى الأنبار، و استخلف على الكوفه طلحه ابن إسحاق بن محمد بن الاشعث، فدخل ابو جعفر الكوفه فصلى بأهلها الجمعه يوم الجمعه، و خطبهم و اعلمهم انه راحل عنهم، و وافاه ابو مسلم بالحيرة، ثم شخص ابو جعفر الى الأنبار و اقام بها، و جمع اليه اطرافه.

و ذكر على بن محمد عن الوليد، عن ابيه، ان عيسى بن موسى كان قد احرز بيوت الأموال و الخزائن و الدواوين، حتى قدم عليه ابو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده، فسلم عيسى بن موسى الى ابى جعفر الأمر، و قد كان عيسى بن موسى بعث أبا غسان- و اسمه يزيد بن زياد، و هو حاجب ابى العباس- الى عبد الله بن على ببيعه ابى جعفر، ذلك بأمر ابى العباس قبل ان يموت حين امر الناس بالبيعه لأبي جعفر من بعده فقدم ابو غسان على عبد الله بن على بأفواه الدروب متوجها يريد و الروم، فلما قدم عليه ابو غسان بوفاه ابى العباس و هو نازل بموضع يقال له دلوك، امر مناديا فنادى: الصلاة جامعه فاجتمع اليه القواد و الجند، فقرا عليهم الكتاب بوفاه ابى العباس، و دعا الناس الى نفسه، و اخبرهم ان أبا العباس حين اراد ان يوجه الجنود الى مروان بن محمد دعا بنى ابيه، فارادهم على المسير الى مروان بن محمد، و قال: من انتدب منكم فسار اليه فهو ولى عهدي، فلم ينتدب له غيرى، فعلى هذا خرجت من عنده، و قتلت.

من قتلت فقام ابو غانم الطائي و خفاف المروروذى في عده من قواد اهل خراسان فشهدوا له بذلك، فبايعه ابو غانم و خفاف و ابو الأصبغ و جميع من كان معه‏

475

من أولئك القواد، فيهم حميد بن قحطبه و خفاف الجرجانى و حياش بن حبيب و مخارق بن غفار و ترار خدا و غيرهم من اهل خراسان و الشام و الجزيرة، و قد نزل تل محمد، فلما فرغ من البيعه ارتحل فنزل حران، و بها مقاتل العكي- و كان ابو جعفر استخلفه لما قدم على ابى العباس- فاراد مقاتلا على البيعه فلم يجبه، و تحصن منه، فأقام عليه و حصره حتى استنزله من حصنه فقتله.

و سرح ابو جعفر لقتال عبد الله بن على أبا مسلم، فلما بلغ عبد الله اقبال ابى مسلم اقام بحران، و قال ابو جعفر لأبي مسلم: انما هو انا او أنت، فسار ابو مسلم نحو عبد الله بحران، و قد جمع اليه الجنود و السلاح، و خندق و جمع اليه الطعام و العلوفه و ما يصلحه، و مضى ابو مسلم سائرا من الأنبار، و لم يتخلف عنه من القواد احد، و بعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي، و كان معه الحسن و حميد ابنا قحطبه، و كان حميد قد فارق عبد الله بن على، و كان عبد الله اراد قتله، و خرج معه ابو إسحاق و اخوه و ابو حميد و اخوه و جماعه من اهل خراسان، و كان ابو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن ابراهيم أبا داود.

قال الهيثم: كان حصار عبد الله بن على مقاتلا العكي اربعين ليله، فلما بلغه مسير ابى مسلم اليه، و انه لم يظفر بمقاتل، و خشي ان يهجم عليه ابو مسلم اعطى العكي أمانا، فخرج اليه فيمن كان معه، و اقام معه أياما يسيره، ثم وجهه الى عثمان بن عبد الأعلى بن سراقه الأزدي الى الرقة و معه ابناه، و كتب اليه كتابا دفعه الى العكي، فلما قدموا على عثمان قتل العكي و حبس ابنيه، فلما بلغه هزيمه عبد الله بن على و اهل الشام بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما.

و كان عبد الله بن على خشي الا يناصحه اهل خراسان، فقتل منهم نحوا من سبعه عشر ألفا، امر صاحب شرطه فقتلهم، و كتب لحميد بن قحطبه كتابا و وجهه الى حلب، و عليها زفر بن عاصم و في الكتاب: إذا قدم عليك حميد بن قحطبه فاضرب عنقه، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكر في كتابه، و قال: ان ذهابي بكتاب و لا اعلم ما فيه لغرر، ففك‏

476

الطومار فقراه، فلما راى ما فيه دعا أناسا من خاصته فاخبرهم الخبر، و افشى اليهم امره، و شاورهم، و قال: من اراد منكم ان ينجو و يهرب فليسر معى، فانى اريد ان آخذ طريق العراق، و اخبرهم ما كتب به عبد الله بن على في امره، و قال لهم: من لم يرد منكم ان يحمل نفسه على السير فلا يفشين سرى، و ليذهب حيث أحب.

قال: فاتبعه على ذلك ناس من اصحابه، فامر حميد بدوابه فانعلت، و انعل اصحابه دوابهم، و تأهبوا للمسير معه، ثم فوز بهم و بهرج الطريق فاخذ على ناحيه من الرصافه، رصافه هشام بالشام، و بالرصافة يومئذ مولى لعبد الله بن على يقال له سعيد البربرى، فبلغه ان حميد بن قحطبه قد خالف عبد الله بن على، و أخذ في المفازة، فسار في طلبه فيمن معه من فرسانه، فلحقه ببعض الطريق، فلما بصر به حميد ثنى فرسه نحوه حتى لقيه، فقال له:

ويحك! اما تعرفنى! و الله مالك في قتالى من خير فارجع، فلا تقتل اصحابى و أصحابك، فهو خير لك فلما سمع كلامه عرف ما قال له، فرجع الى موضعه بالرصافة، و مضى حميد و من كان معه، فقال له صاحب حرسه موسى بن ميمون: ان لي بالرصافة جاريه، فان رايت ان تاذن لي فآتيها فاوصيها ببعض ما اريد، ثم الحقك! فاذن له فأتاها، فأقام عندها، ثم خرج من الرصافه يريد حميدا، فلقيه سعيد البربرى مولى عبد الله بن على، فأخذه فقتله، و اقبل عبد الله بن على حتى نزل نصيبين، و خندق عليه.

و اقبل ابو مسلم و كتب ابو جعفر الى الحسن بن قحطبه- و كان خليفته بإرمينية- ان يوافى أبا مسلم، فقدم الحسن بن قحطبه على ابى مسلم و هو بالموصل، و اقبل ابو مسلم، فنزل ناحيه لم يعرض له، و أخذ طريق الشام، و كتب الى عبد الله:

انى لم اومر بقتالك، و لم اوجه له، و لكن امير المؤمنين و لانى الشام، و انما أريدها، فقال من كان مع عبد الله من اهل الشام لعبد الله: كيف نقيم معك و هذا ياتى بلادنا، و فيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، و يسبى ذرارينا!

477

و لكنا نخرج الى بلادنا فنمنعه حرمنا و ذرارينا و نقاتله ان قاتلنا، فقال لهم عبد الله بن على: انه و الله ما يريد الشام، و ما وجه الا لقتالكم، و لئن اقمتم ليأتينكم قال: فلم تطب انفسهم، و أبوا الا المسير الى الشام قال: و اقبل ابو مسلم فعسكر قريبا منهم، و ارتحل عبد الله بن على من عسكره متوجها نحو الشام، و تحول ابو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله ابن على في موضعه، و عور ما كان حوله من المياه، و القى فيها الجيف.

و بلغ عبد الله بن على نزول ابى مسلم معسكره، فقال لأصحابه من اهل الشام: ا لم اقل لكم! و اقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه الى معسكره، فنزل في موضع عسكر ابى مسلم الذى كان فيه، فاقتتلوا أشهرا خمسه او سته، و اهل الشام اكثر فرسانا و اكمل عده، و على ميمنه عبد الله بكار بن مسلم العقيلي، و على ميسرته حبيب بن سويد الأسدي، و على الخيل عبد الصمد بن على، و على ميمنه ابى مسلم الحسن بن قحطبه، و على الميسره ابو نصر خازم بن خزيمة، فقاتلوه أشهرا.

قال على: قال هشام بن عمرو التغلبى: كنت في عسكر ابى مسلم، فتحدث الناس يوما، فقيل: اى الناس أشد؟ فقال: قولوا حتى اسمع، فقال رجل: اهل خراسان و قال آخر: اهل الشام، فقال ابو مسلم: كل قوم في دولتهم أشد الناس قال: ثم التقينا، فحمل علينا اصحاب عبد الله بن على فصدمونا صدمه ازالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا و شد علينا عبد الصمد في خيل مجرده، فقتل منا ثمانية عشر رجلا، ثم رجع في اصحابه، ثم تجمعوا فرموا بانفسهم: فازالوا صفنا و جلنا جولة، فقلت لأبي مسلم:

لو حركت دابتى حتى اشرف على هذا التل فاصبح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قال: قلت: و أنت أيضا فتحرك دابتك، فقال: ان اهل الحجى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، ناد: يا اهل خراسان ارجعوا، فان العاقبه لمن اتقى‏

478

قال: ففعلت، فتراجع الناس، و ارتجز ابو مسلم يومئذ فقال:

من كان ينوى اهله فلا رجع فر من الموت و في الموت وقع قال: و كان قد عمل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر الى القتال، فان راى خللا في الميمنه او في الميسره ارسل الى صاحبها:

ان في ناحيتك انتشارا، فاتق الا تؤتى من قبلك، فافعل كذا، قدم خيلك كذا، او تأخر كذا الى موضع كذا، فإنما رسله تختلف اليهم برايه حتى ينصرف بعضهم عن بعض.

قال: فلما كان يوم الثلاثاء- او الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنه ست و ثلاثين و مائه- او سبع و ثلاثين و مائه- التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا.

فلما راى ذلك ابو مسلم مكر بهم، فأرسل الى الحسن بن قحطبه- و كان على ميمنته- ان أعر الميمنه و ضم أكثرها الى الميسره، و ليكن في الميمنه حماه أصحابك و اشداؤهم فلما راى ذلك اهل الشام اعروا ميسرتهم، و انضموا الى ميمنتهم بإزاء ميسره ابى مسلم ثم ارسل ابو مسلم الى الحسن ان مر اهل القلب فليحملوا مع من بقي في الميمنه على ميسره اهل الشام فحملوا عليهم فحطموهم و جال اهل القلب و الميمنه.

قال: و ركبهم اهل خراسان فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن على لابن سراقه الأزدي- و كان معه: يا بن سراقه، ما ترى؟ قال: ارى و الله ان تصبر و تقاتل حتى تموت، فان الفرار قبيح بمثلك، و قبل عبته على مروان، فقلت: قبح الله مروان! جزع من الموت ففر! قال: فانى آتى العراق، قال: فانا معك فانهزموا و تركوا عسكرهم، فاحتواه ابو مسلم، و كتب بذلك الى ابى جعفر فأرسل ابو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا في عسكر عبد الله بن على، فغضب من ذلك ابو مسلم و مضى عبد الله بن على و عبد الصمد بن على، فاما عبد الصمد فقدم الكوفه فاستامن له عيسى بن موسى فآمنه ابو جعفر، و اما عبد الله بن على فاتى سليمان بن على بالبصرة، فأقام عنده و آمن ابو مسلم الناس فلم يقتل أحدا، و امر بالكف عنهم‏

479

و يقال: بل استامن لعبد الصمد بن على اسماعيل بن على.

و قد قيل: ان عبد الله بن على لما انهزم مضى هو و عبد الصمد اخوه الى رصافه هشام، فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور، و عليها جهور بن مرار العجلى، فأخذه فبعث به الى المنصور مع ابى الخصيب مولاه موثقا، فلما قدم عليه امر بصرفه الى عيسى بن موسى، فآمنه عيسى و اطلقه و اكرمه، و حباه و كساه.

و اما عبد الله بن على فلم يلبث بالرصافة الا ليله، ثم ادلج في قواده و مواليه حتى قدم البصره على سليمان بن على و هو عاملها يومئذ، فاواهم سليمان و اكرمهم و أقاموا عنده زمانا متوارين‏

. ذكر خبر قتل ابى مسلم الخراسانى‏

و في هذه السنه قتل ابو مسلم.

ذكر الخبر عن مقتله و عن سبب ذلك:

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا على بن محمد، قال: حدثنا سلمه بن محارب و مسلم بن المغيره و سعيد بن أوس و ابو حفص الأزدي و النعمان ابو السرى و محرز بن ابراهيم و غيرهم، ان أبا مسلم كتب الى ابى العباس يستاذنه في الحج- و ذلك في سنه ست و ثلاثين و مائه- و انما اراد ان يصلى بالناس.

فاذن له، و كتب ابو العباس الى ابى جعفر و هو على الجزيرة و أرمينية و اذربيجان:

ان أبا مسلم كتب الى يستأذن في الحج و قد أذنت له، و قد ظننت انه إذا قدم يريد ان يسألني ان اوليه اقامه الحج للناس، فاكتب الى تستاذننى في الحج فإنك إذا كنت بمكة لم يطمع ان يتقدمك فكتب ابو جعفر الى ابى العباس يستاذنه في الحج فاذن له، فوافى الأنبار، فقال ابو مسلم: اما وجد ابو جعفر عاما يحج فيه غير هذا! و اضطغنها عليه.

قال على: قال مسلم بن المغيره: استخلف ابو جعفر على أرمينية في تلك‏

480

السنه الحسن بن قحطبه و قال غيره: استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عروه- و كان اسود مولى لهم- فخرجا الى مكة فكان ابو مسلم يصلح العقاب و يكسو الاعراب في كل منزل، و يصل من ساله، و كسا الاعراب البتوت و الملاحف، و حفر الابار، و سهل الطرق، فكان الصوت له، و كان الاعراب يقولون: هذا المكذوب عليه، حتى قدم مكة فنظر الى اليمانيه فقال لنيزك- و ضرب جنبه-: يا نيزك، اى جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعه! ثم رجع الحديث الى حديث الأولين قالوا: لما صدر الناس عن الموسم، نفر ابو مسلم قبل ابى جعفر، فتقدمه، فأتاه كتاب بموت ابى العباس و استخلاف ابى جعفر فكتب ابو مسلم الى ابى جعفر يعزيه بامير المؤمنين، و لم يهنئه بالخلافة، و لم يقم حتى يلحقه و لم يرجع فغضب ابو جعفر فقال لأبي أيوب: اكتب اليه كتابا غليظا، فلما أتاه كتاب ابى جعفر كتب اليه يهنئه بالخلافة، فقال يزيد بن اسيد السلمى لأبي جعفر: انى اكره ان تجامعه في الطريق و الناس جنده، و هم له اطوع، و له اهيب، و ليس معك احد فاخذ برايه، فكان يتأخر و يتقدم ابو مسلم، و امر ابو جعفر اصحابه فقدموا، فاجتمعوا جميعا و جمع سلاحهم، فما كان في عسكره الا سته اذرع، فمضى ابو مسلم الى الأنبار، و دعا عيسى بن موسى الى ان يبايع له، فاتى عيسى، فقدم ابو جعفر فنزل الكوفه، و أتاه ان عبد الله بن على قد خلع، فرجع الى الأنبار، فدعا أبا مسلم، فعقد له، و قال له: سر الى ابن على، فقال له ابو مسلم:

ان عبد الجبار بن عبد الرحمن و صالح بن الهيثم يعيباننى فاحبسهما، فقال ابو جعفر: عبد الجبار على شرطى- و كان قبل على شرط ابى العباس- و صالح بن الهيثم أخو امير المؤمنين من الرضاعه، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما، قال: اراهما آثر عندك منى! فغضب ابو جعفر، فقال ابو مسلم:

لم ارد كل هذا

481

قال على: قال مسلم بن المغيره: كنت مع الحسن بن قحطبه بإرمينية فلما وجه ابو مسلم الى الشام كتب ابو جعفر الى الحسن ان يوافيه و يسير معه، فقدمنا على ابى مسلم و هو بالموصل فأقام أياما، فلما اراد ان يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون الى القتال و ليس بك الى حاجه، فلو أذنت لي فأتيت العراق، فاقمت حتى تقدموا ان شاء الله! قال: نعم، لكن اعلمنى إذا اردت الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت و تهيأت اعلمته، و قلت:

اتيتك اودعك، قال: قف لي بالباب حتى اخرج إليك، فخرجت فوقفت و خرج، فقال: انى اريد ان القى إليك شيئا لتبلغه أبا أيوب، و لو لا ثقتي بك لم اخبرك، و لو لا مكانك من ابى أيوب لم اخبرك، فابلغ أبا أيوب انى قد ارتبت بابى مسلم منذ قدمت عليه، انه يأتيه الكتاب من امير المؤمنين فيقرؤه، ثم يلوى شدقه، و يرمى بالكتاب الى ابى نصر، فيقرؤه و يضحكان استهزاء، قلت: نعم قد فهمت، فلقيت أبا أيوب و انا ارى ان قد أتيته بشي‏ء، فضحك، و قال: نحن لأبي مسلم أشد تهمه منا لعبد الله بن على الا انا نرجو واحده، نعلم ان اهل خراسان لا يحبون عبد الله بن على، و قد قتل منهم من قتل، و كان عبد الله بن على حين خلع خاف اهل خراسان فقتل منهم سبعه عشر ألفا، امر صاحب شرطته حياش بن حبيب فقتلهم.

قال على: فذكر ابو حفص الأزدي ان أبا مسلم قاتل عبد الله بن على فهزمه، و جمع ما كان في عسكره من الأموال فصيره في حظيرة، و أصاب عينا و متاعا و جوهرا كثيرا، فكان منثورا في تلك الحظيرة، و وكل بها و بحفظها قائدا من قواده، فكنت في اصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتشه، فخرج اصحابى يوما من الحظيرة و تخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل ابو حفص؟ فقالوا: هو في الحظيرة، قال: فجاء فاطلع‏

482

من الباب، و فطنت له فنزعت خفى و هو ينظر، فنفضتهما و هو ينظر، و نفضت سراويلي و كمى، ثم لبست خفى و هو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه و خرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلانى، فقال: قد رايت ما صنعت فلم صنعت هذا؟ قلت: ان في الحظيرة لؤلؤا منثورا و دراهم منثوره، و نحن نتقلب عليها، فخفت ان يكون قد دخل في خفى منها شي‏ء، فنزعت خفى و جوربى، فاعجبه ذلك و قال: انطلق، فكنت ادخل الحظيرة مع من يحفظ فاخذ من الدراهم و من تلك الثياب الناعمة فاجعل بعضها في خفى و أشد بعضها على بطنى، و يخرج اصحابى فيفتشون و لا افتش، حتى جمعت مالا، قال: و اما اللؤلؤ فانى لم أكن امسه.

ثم رجع الحديث الى حديث الذين ذكر على عنهم قصه ابى مسلم في أول الخبر قالوا: و لما انهزم عبد الله بن على بعث ابو جعفر أبا الخصيب الى ابى مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى ابو مسلم على ابى الخصيب و هم بقتله، فكلم فيه، و قيل: انما هو رسول، فخل سبيله فرجع الى ابى جعفر، و جاء القواد الى ابى مسلم، فقالوا: نحن ولينا امر هذا الرجل، و غنمنا عسكره، فلم يسال عما في أيدينا، انما لأمير المؤمنين من هذا الخمس.

فلما قدم ابو الخصيب على ابى جعفر اخبره ان أبا مسلم هم بقتله، فخاف ان يمضى ابو مسلم الى خراسان، فكتب اليه كتابا مع يقطين، ان قد وليتك مصر و الشام، فهى خير لك من خراسان، فوجه الى مصر من احببت، و أقم بالشام فتكون بقرب امير المؤمنين، فان أحب لقاءك أتيته من قريب.

فلما أتاه الكتاب غضب، و قال: هو يوليني الشام و مصر، و خراسان لي! و اعتزم بالمضي الى خراسان، فكتب يقطين الى ابى جعفر بذلك.

و قال غير من ذكرت خبره: لما ظفر ابو مسلم بعسكر عبد الله بن على بعث المنصور يقطين بن موسى، و امره ان يحصى ما في العسكر، و كان ابو مسلم يسميه يك دين، فقال ابو مسلم: يا يقطين،

483

أمين على الدماء خائن في الأموال! و شتم أبا جعفر، فابلغه يقطين ذلك.

و اقبل ابو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، و خرج من وجهه معارضا يريد خراسان، و خرج ابو جعفر من الأنبار الى المدائن، و كتب الى ابى مسلم في المصير اليه فكتب ابو مسلم، و قد نزل الزاب و هو على الرواح الى طريق حلوان: انه لم يبق لأمير المؤمنين اكرمه الله عدو الا امكنه الله منه، و قد كنا نروى عن ملوك آل ساسان: ان اخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع و الطاعة، غير انها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فان ارضاك ذاك فانا كأحسن عبيدك، فان أبيت الا ان تعطى نفسك ارادتها نقضت ما ابرمت من عهدك، ضنا بنفسي فلما وصل الكتاب الى المنصور كتب الى ابى مسلم: قد فهمت كتابك، و ليست صفتك صفه أولئك الوزراء الغششه ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعه، فلم سويت نفسك بهم، و أنت في طاعتك و مناصحتك و اضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! و ليس مع الشريطة التي اوجبت منك سمع و لا طاعه و حمل إليك امير المؤمنين عيسى بن موسى رساله لتسكن إليها ان أصغيت إليها، و اسال الله ان يحول بين الشيطان و نزغاته و بينك، فانه لم يجد بابا يفسد به نيتك اوكد عنده، و اقرب من طبه من الباب الذى فتحه عليك و وجه اليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، و كان واحد اهل زمانه، فخدعه و رده، و كان ابو مسلم يقول: و الله لاقتلن بالروم، و كان المنجمون يقولون ذلك، فاقبل و المنصور في الرومية في مضارب، و تلقاه الناس و انزله و اكرمه أياما.

و اما على فانه ذكر عن شيوخه الذين تقدم ذكرنا لهم انهم قالوا: كتب ابو مسلم الى ابى جعفر: اما بعد، فانى اتخذت رجلا اماما و دليلا على ما افترضه الله على خلقه، و كان في محله العلم نازلا، و في قرابته من رسول الله ص‏

484

قريبا، فاستجهلنى بالقرآن فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد تعافاه الله الى خلقه، فكان كالذي دلى بغرور، و أمرني ان اجرد السيف، و ارفع الرحمه، و لا اقبل المعذرة، و لا اقيل العثرة، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذنى الله بالتوبة، فان يعف عنى فقد ما عرف به و نسب اليه، و ان يعاقبني فيما قدمت يداي و ما الله بظلام للعبيد و خرج ابو مسلم يريد خراسان مراغما مشاقا، فلما دخل ارض العراق، ارتحل المنصور من الأنبار، فاقبل حتى نزل المدائن، و أخذ ابو مسلم طريق حلوان، فقال: رب امر لله دون حلوان و قال ابو جعفر لعيسى بن على و عيسى بن موسى و من حضره من بنى هاشم: اكتبوا الى ابى مسلم، فكتبوا اليه يعظمون امره، و يشكرون له ما كان منه، و يسالونه ان يتم على ما كان منه و عليه من الطاعة، و يحذرونه عاقبه الغدر، و يأمرونه بالرجوع الى امير المؤمنين، و ان يلتمس رضاه و بعث بالكتاب ابو جعفر مع ابى حميد المروروذى، و قال له: كلم أبا مسلم بالين ما تكلم به أحدا، و منه و اعلمه انى رافعه و صانع به ما لم يصنعه احد، ان هو صلح و راجع ما أحب، فان ابى ان يرجع فقل له: يقول لك امير المؤمنين: لست للعباس و انا بري‏ء من محمد، ان مضيت مشاقا و لم تأتني، ان وكلت امرك الى احد سواي، و ان لم ال طلبك و قتالك بنفسي، و لو خضت البحر لخضته، و لو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى اقتلك او اموت قبل ذلك و لا تقولن له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه، و لا تطمع منه في خير فسار ابو حميد في ناس من اصحابه ممن يثق بهم، حتى قدموا على ابى مسلم بحلوان، فدخل ابو حميد و ابو مالك و غيرهما، فدفع اليه الكتاب، و قال له: ان الناس يبلغونك عن امير المؤمنين ما لم يقله، و خلاف ما عليه رايه فيك، حسدا و بغيا، يريدون ازاله النعمه و تغييرها، فلا تفسد ما كان‏

485

منك، و كلمه و قال: يا أبا مسلم، انك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس، و ما ذخر الله لك من الاجر عنده في ذلك اعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط اجرك، و لا يستهوينك الشيطان، فقال له ابو مسلم:

متى كنت تكلمني بهذا الكلام! قال: انك دعوتنا الى هذا و الى طاعه اهل بيت النبي(ص)بنى العباس، و أمرتنا بقتال من خالف ذلك، فدعوتنا من ارضين متفرقه و اسباب مختلفه، فجمعنا الله على طاعتهم، و الف بين قلوبنا بمحبتهم، و أعزنا بنصرنا لهم، و لم نلق منهم رجلا الا بما قذف الله في قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذه، و طاعه خالصه، ا فتريد حين بلغنا غاية منانا و منتهى أملنا ان تفسد امرنا، و تفرق كلمتنا، و قد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه، و ان خالفتكم فاقتلوني! فاقبل على ابى نصر، فقال: يا مالك، اما تسمع ما يقول لي هذا! ما هذا بكلامه يا مالك! قال:

لا تسمع كلامه، و لا يهولنك هذا منه، فلعمرى لقد صدقت ما هذا كلامه، و لما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك و لا ترجع، فو الله لئن أتيته ليقتلنك، و لقد وقع في نفسه منك شي‏ء لا يأمنك ابدا فقال: قوموا، فنهضوا، فأرسل ابو مسلم الى نيزك، و قال: يا نيزك، انى و الله ما رايت طويلا اعقل منك، فما ترى، فقد جاءت هذه الكتب، و قد قال القوم ما قالوا؟ قال: لا ارى ان تأتيه، و ارى ان تأتي الري فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان و الري لك، و هم جندك ما يخالفك احد، فان استقام لك استقمت له، و ان ابى كنت في جندك، و كانت خراسان من ورائك، و رايت رأيك فدعا أبا حميد، فقال:

ارجع الى صاحبك، فليس من رأيي ان آتيه قال: قد عزمت على خلافه؟

قال: نعم، قال: لا تفعل، قال: ما اريد ان القاه، فلما آيسه من الرجوع، قال له ما امره به ابو جعفر، فوجم طويلا، ثم قال: قم فكسره ذلك القول و رعبه.

و كان ابو جعفر قد كتب الى ابى داود- و هو خليفه ابى مسلم بخراسان- حين اتهم أبا مسلم: ان لك امره خراسان ما بقيت فكتب‏

486

ابو داود الى ابى مسلم: انا لم نخرج لمعصيه خلفاء الله و اهل بيت نبيه ص، فلا تخالفن امامك و لا ترجعن الا باذنه فوافاه كتابه على تلك الحال، فزاده رعبا و هما، فأرسل الى ابى حميد و ابى مالك فقال لهما: انى قد كنت معتزما على المضى الى خراسان، ثم رايت ان اوجه أبا إسحاق الى امير المؤمنين فيأتيني برايه، فانه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، و قال له ابو جعفر: اصرفه عن وجهه، و لك ولايه خراسان، و اجازه فرجع ابو إسحاق الى ابى مسلم، فقال له: ما انكرت شيئا، رايتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم و اشار عليه ان يرجع الى امير المؤمنين، فيعتذر اليه مما كان منه، فاجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد اجمعت على الرجوع؟ قال: نعم، و تمثل:

ما للرجال مع القضاء محالة* * * ذهب القضاء بحيله الأقوام‏

فقال: اما إذا اعتزمت على هذا فخار الله لك، و احفظ عنى واحده، إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فان الناس لا يخالفونك و كتب ابو مسلم الى ابى جعفر يخبره انه منصرف اليه.

قالوا: قال ابو أيوب: فدخلت يوما على ابى جعفر و هو في خباء شعر بالرومية جالسا على مصلى بعد العصر، و بين يديه كتاب ابى مسلم، فرمى به الى فقراته، ثم قال: و الله لئن ملات عيني منه لاقتلنه، فقلت في نفسي:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! طلبت الكتابه حتى إذا بلغت غايتها فصرت كاتبا للخليفة، وقع هذا بين الناس! و الله ما ارى انا ان قتل يرضى اصحابه بقتله، و لا يدعون هذا حيا، و لا أحدا ممن هو بسبيل منه، و امتنع منى النوم، ثم قلت: لعل الرجل يقدم و هو آمن، فان كان آمنا فعسى ان ينال ما يريد، و ان قدم و هو حذر لم يقدر عليه الا في شر، فلو التمست حيله! فأرسلت الى سلمه بن سعيد بن جابر، فقلت له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم، فقلت: ان وليتك ولايه تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق، تدخل معك حاتم بن ابى سليمان أخي؟ قال: نعم، فقلت- و اردت ان يطلع و لا

487

ينكر: و تجعل له النصف؟ قال: نعم، قلت: ان كسكر كالت عام أول كذا و كذا، و منها العام اضعاف ما كان عام أول، فان دفعتها إليك بقبالتها عاما أول او بالأمانة اصبت ما تضيق به ذرعا، قال: فكيف لي بهذا المال؟ قلت: تأتي أبا مسلم، فتلقاه و تكلمه غدا، و تسأله ان يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه ان تتولاها أنت بما كانت في العام الاول، فان امير المؤمنين يريد ان يوليه إذا قدم ما وراء بابه، و يستريح و يريح نفسه، قال:

فكيف لي ان يأذن امير المؤمنين في لقائه؟ قلت: انا استاذن لك، و دخلت الى ابى جعفر، فحدثته الحديث كله، قال: فادع سلمه، فدعوته، فقال:

ان أبا أيوب استاذن لك، ا فتحب ان تلقى أبا مسلم؟ قال: نعم، قال: فقد أذنت لك، فاقرئه السلام، و اعلمه بشوقنا اليه فخرج سلمه فلقيه، فقال:

امير المؤمنين احسن الناس فيك رايا، فطابت نفسه، و كان قبل ذلك كئيبا.

فلما قدم عليه سلمه سره ما اخبره به و صدقه، و لم يزل مسرورا حتى قدم.

قال ابو أيوب: فلما دنا ابو مسلم من المدائن امر امير المؤمنين الناس فتلقوه، فلما كان عشيه قدم، دخلت على امير المؤمنين و هو في خباء على مصلى، فقلت: هذا الرجل يدخل العشية، فما تريد ان تصنع؟ قال:

اريد ان اقتله حين انظر اليه، قلت: أنشدك الله، انه يدخل معه الناس، و قد علموا ما صنع، فان دخل عليك و لم يخرج لم آمن البلاء، و لكن إذا دخل عليك فاذن له ان ينصرف، فإذا غدا عليك رايت رأيك و ما اردت بذلك الا دفعه بها، و ما ذاك الا من خوفي عليه و علينا جميعا من اصحاب ابى مسلم فدخل عليه من عشيته و سلم، و قام قائما بين يديه، فقال: انصرف يا عبد الرحمن فارح نفسك، و ادخل الحمام، فان للسفر قشفا، ثم اغد على، فانصرف ابو مسلم و انصرف الناس قال: فافترى على امير المؤمنين حين خرج ابو مسلم، و قال: متى اقدر على مثل هذه الحال منه التي رايته قائما على رجليه، و لا ادرى ما يحدث في ليلتي! فانصرفت و اصبحت غاديا عليه،

488

فلما رآنى قال: يا بن اللخناء، لا مرحبا بك! أنت منعتني منه أمس، و الله ما غمضت الليلة، ثم شتمني حتى خفت ان يأمر بقتلى، ثم قال: ادع لي عثمان بن نهيك، فدعوته، فقال: يا عثمان، كيف بلاء امير المؤمنين عندك؟

قال: يا امير المؤمنين انما انا عبدك، و الله لو أمرتني ان أتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قال: كيف أنت ان امرتك بقتل ابى مسلم؟

فوجم ساعه لا يتكلم، فقلت: ما لك لا تتكلم! فقال قوله ضعيفه: اقتله، قال: انطلق فجي‏ء باربعه من وجوه الحرس جلند، فمضى، فلما كان عند الرواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان، ارجع، فرجع، قال: اجلس، و ارسل الى من تثق به من الحرس، فاحضر منهم اربعه، فقال لوصيف له انطلق:

فادع شبيب بن واج، و ادع أبا حنيفه و رجلين آخرين، فدخلوا، فقال لهم امير المؤمنين نحوا مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خلف الرواق، فإذا صفقت فاخرجوا فاقتلوه.

و ارسل الى ابى مسلم رسلا بعضهم على اثر بعض، فقالوا: قد ركب، و أتاه وصيف، فقال: اتى عيسى بن موسى، فقلت: يا امير المؤمنين، الا اخرج فاطوف في العسكر، فانظر ما يقول الناس؟ هل ظن احد ظنا، او تكلم احد بشي‏ء؟ قال: بلى، فخرجت، و تلقاني ابو مسلم داخلا، فتبسم و سلمت عليه و دخل، فرجعت، فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعى، و جاء ابو الجهم، فلما رآه مقتولا قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! فاقبلت على ابى الجهم، فقلت له: امرته بقتله حين خالف، حتى إذا قتل قلت هذه المقاله! فنبهت به رجلا غافلا، فتكلم بكلام اصلح ما جاء منه، ثم قال: يا امير المؤمنين، الا ارد الناس؟ قال: بلى، قال: فمر بمتاع يحول الى رواق آخر من ارواقك هذه، فامر بفرش فأخرجت، كأنه يريد ان يهيئ له رواقا آخر و خرج ابو الجهم، فقال: انصرفوا، فان الأمير يريد ان يقيل عند امير المؤمنين، و رأوا المتاع ينقل، فظنوه صادقا، فانصرفوا ثم راحوا، فامر لهم ابو جعفر بجوائزهم، و اعطى أبا إسحاق مائه الف‏

489

قال ابو أيوب: قال لي امير المؤمنين: دخل على ابو مسلم فعاتبته ثم شتمته، فضربه عثمان فلم يصنع شيئا، و خرج شبيب بن واج و اصحابه فضربوه فسقط، فقال و هم يضربونه: العفو، فقلت: يا بن اللخناء، العفو و السيوف قد اعتورتك! و قلت: اذبحوه، فذبحوه.

قال على عن ابى حفص الأزدي، قال: كنت مع ابى مسلم، فقدم عليه ابو إسحاق من عند ابى جعفر بكتب من بنى هاشم، و قال: رايت القوم على غير ما ترى، كل القوم يرون لك ما يرون للخليفة، و يعرفون ما أبلاهم الله بك.

فسار الى المدائن، و خلف أبا نصر في ثقله، و قال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني و بينك آيه اعرف بها كتابك، قال: ان أتاك كتابي مختوما بنصف خاتم فانا كتبته، و ان أتاك بالخاتم كله، فلم اكتبه و لم اختمه فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قواده، فسلم عليه، فقال له:

أطعني و ارجع، فانه ان عاينك قتلك، قال: قد قربت من القوم فاكره ان ارجع فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، و خلف الناس بحلوان، فدخل على ابى جعفر، فأمره بالانصراف في يومه، و اصبح يريده، فتلقاه ابو الخصيب فقال: امير المؤمنين مشغول، فاصبر ساعه حتى تدخل خاليا، فاتى منزل عيسى بن موسى- و كان يحب عيسى- فدعا له بالغداء و قال امير المؤمنين للربيع- و هو يومئذ و صيف يخدم أبا الخصيب: انطلق الى ابى مسلم، و لا يعلم احد، فقل له: قال لك مرزوق: ان اردت امير المؤمنين خاليا فالعجل، فقام فركب، و قال له عيسى: لا تعجل بالدخول حتى ادخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، و مضى ابو مسلم فدخل فقتل قبل ان يجي‏ء عيسى، و جاء عيسى و هو مدرج في عباءه، فقال: اين ابو مسلم؟ قال: مدرج في الكساء، قال: إِنَّا لِلَّهِ! قال: اسكت، فما تم سلطانك و امرك الا اليوم، ثم رمى به في دجلة.

قال على: قال ابو حفص: دعا امير المؤمنين عثمان بن نهيك و اربعه‏

490

من الحرس، فقال لهم: إذا ضربت بيدي إحداهما على الاخرى، فاضربوا عدو الله، فدخل عليه ابو مسلم، فقال له: أخبرني عن نصلين اصبتهما في متاع عبد الله بن على، قال: هذا أحدهما الذى على، قال: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزه ابو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، و اقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك الى ابى العباس تنهاه عن الموات، اردت ان تعلمنا الدين! قال: ظننت اخذه لا يحل، فكتب الى، فلما أتاني كتابه علمت ان امير المؤمنين و اهل بيته معدن العلم، قال: فأخبرني عن تقدمك إياي في الطريق؟ قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمتك التماس الرفق، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت ابى العباس لمن اشار عليك ان تنصرف الى: نقدم فنرى من رأينا، و مضيت فلا أنت اقمت حتى الحقك و لا أنت رجعت الى! قال: منعني من ذلك ما اخبرتك من طلب الرفق بالناس، و قلت: نقدم الكوفه فليس عليه منى خلاف، قال:

فجاريه عبد الله بن على اردت ان تتخذها؟ قال: لا، و لكنى خفت ان تضيع، فحملتها في قبة، و وكلت بها من يحفظها، قال: فمراغمتك و خروجك الى خراسان؟ قال: خفت ان يكون قد دخلك منى شي‏ء، فقلت: آتى خراسان، فاكتب إليك بعذري، و الى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك على، قال: تالله ما رايت كاليوم قط، و الله ما زدتني الا غضبا، و ضرب بيده، فخرجوا عليه، فضربه عثمان و اصحابه حتى قتلوه.

قال على: قال يزيد بن اسيد: قال امير المؤمنين: عاتبت عبد الرحمن، فقلت: المال الذى جمعته بحران؟ قال: انفقته و اعطيته الجند تقويه لهم و استصلاحا، قلت: فرجوعك الى خراسان مراغما؟ قال: دع هذا فما اصبحت اخاف أحدا الا الله، فغضبت فشتمته، فخرجوا فقتلوه و قال غير من ذكرت في امر ابى مسلم: انه لما ارسل اليه يوم قتل، اتى عيسى بن موسى، فسأله ان يركب معه، فقال له: تقدم و أنت في ذمتي،

491

فدخل مضرب ابى جعفر، و قد امر عثمان بن نهيك صاحب الحرس، فأعد له شبيب بن واج المروروذى رجلا من الحرس و أبا حنيفه حرب بن قيس، و قال لهم: إذا صفقت بيدي فشأنكم، و اذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجارى: ما الخبر؟ قال: خير، يعطيننى الأمير سيفه، فقال: ما كان يصنع بي هذا! قال: و ما عليك! فشكا ذلك الى ابى جعفر، قال: و من فعل بك هذا قبحه الله! ثم اقبل يعاتبه: ا لست الكاتب الى تبدا بنفسك، و الكاتب الى تخطب امينه بنت على، و تزعم انك ابن سليط بن عبد الله بن عباس! ما دعاك الى قتل سليمان بن كثير مع اثره في دعوتنا، و هو احد نقبائنا قبل ان ندخلك في شي‏ء من هذا الأمر؟ قال: اراد الخلاف و عصاني فقتلته.

فقال المنصور: و حاله عندنا حاله فقتلته، و تعصينى و أنت مخالف على! قتلني الله ان لم اقتلك! فضربه بعمود، و خرج شبيب و حرب فقتلاه، و ذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنه سبع و ثلاثين و مائه، فقال المنصور:

زعمت ان الدين لا يقتضى* * * فاستوف بالكيل أبا مجرم‏

سقيت كأسا كنت تسقى بها* * * امر في الحلق من العلقم‏

قال: و كان ابو مسلم قد قتل في دولته و حروبه ستمائه الف صبرا.

و قيل: ان أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلت و فعلت، قال له ابو مسلم.

ليس يقال هذا لي بعد بلائي، و ما كان منى، فقال: يا بن الخبيثة، و الله لو كانت أمه مكانك لأجزت ناحيتها، انما عملت ما عملت في دولتنا و بريحنا، و لو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، ا لست الكاتب الى تبدا بنفسك، و الكاتب الى تخطب امينه بنت على، و تزعم انك ابن سليط بن عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا! فاخذ ابو مسلم بيده يعركها و يقبلها و يعتذر اليه.

و قيل: ان عثمان بن نهيك ضرب أبا مسلم أول ما ضرب ضربه خفيفه‏

492

بالسيف، فلم يزد على ان قطع حمائل سيفه، فاعتقل بها ابو مسلم و ضرب شبيب بن واج رجله، و اعتوره بقية اصحابه حتى قتلوه، و المنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله ايديكم! و قد كان ابو مسلم قال- فيما قيل- عند أول ضربه اصابته:

يا امير المؤمنين، استبقني لعدوك قال: لا أبقاني الله إذا! و اى عدو لي اعدى منك! و قيل: ان عيسى بن موسى دخل بعد ما قتل ابو مسلم، فقال:

يا امير المؤمنين، اين ابو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا آنفا، فقال عيسى: يا امير المؤمنين، قد عرفت طاعته و نصيحته و راى الامام ابراهيم كان فيه، فقال: يا انوك، و الله ما اعلم في الارض عدوا اعدى لك منه، ها هو ذاك في البساط، فقال عيسى: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! و كان لعيسى راى في ابى مسلم، فقال له المنصور: خلع الله قلبك، و هل كان لكم ملك او سلطان او امر او نهى مع ابى مسلم! قال: ثم دعا ابو جعفر جعفر بن حنظله، فدخل عليه، فقال: ما تقول في ابى مسلم؟ فقال: يا امير المؤمنين، ان كنت أخذت شعره من راسه فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله! ثم امره بالقيام و النظر الى ابى مسلم مقتولا، فقال: يا امير المؤمنين، عد من هذا اليوم لخلافتك.

ثم استؤذن لإسماعيل بن على، فدخل، فقال: يا امير المؤمنين، انى رايت في ليلتي هذه كأنك ذبحت كبشا و انى توطأته برجلي، فقال: نامت عينك يا أبا الحسن، قم فصدق رؤياك، قد قتل الله الفاسق، فقام اسماعيل الى الموضع الذى فيه ابو مسلم، فتوطأه.

ثم ان المنصور هم بقتل ابى إسحاق صاحب حرس ابى مسلم و قتل ابى نصر مالك- و كان على شرط ابى مسلم- فكلمه ابو الجهم، فقال:

يا امير المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه و دعا المنصور بابى إسحاق فلما دخل عليه و لم ير أبا مسلم، قال له ابو جعفر: أنت المتابع لعدو

493

الله ابى مسلم على ما كان اجمع، فكف و جعل يلتفت يمينا و شمالا تخوفا من ابى مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما اردت، فقد قتل الله الفاسق، و امر باخراجه اليه مقطعا، فلما رآه ابو إسحاق خر ساجدا، فاطال السجود، فقال له المنصور: ارفع راسك و تكلم، فرفع راسه و هو يقول: الحمد لله الذى آمنني بك اليوم، و الله ما امنته يوما واحدا منذ صحبته، و ما جئته يوما قط الا و قد اوصيت و تكفنت و تحنطت، ثم رفع ثيابه الظاهره فإذا تحتها ثياب كتان جدد، و قد تحنط فلما راى ابو جعفر حاله رحمه، ثم قال:

استقبل طاعه خليفتك، و احمد الله الذى اراحك من الفاسق ثم قال له ابو جعفر: فرق عنى هذه الجماعه ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدثه بمثل ذلك، فاعتذر اليه بانه امره بطاعته، و انما خدمه و خف له الناس بمرضاته، و انه قد كان في طاعتهم قبل ان يعرف أبا مسلم، فقبل منه و امره بمثل ما امر به أبا إسحاق من تفريق جند ابى مسلم و بعث ابو جعفر الى عده من قواد ابى مسلم بجوائز سنيه، و اعطى جميع جنده حتى رضوا، و رجع اصحابه و هم يقولون: بعنا مولانا بالدراهم ثم دعا ابو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: اقسم بالله لئن قطعوا طنبا من اطنابى لاضربن عنقك ثم لأجاهدنهم فخرج اليهم ابو إسحاق فقال:

يا كلاب انصرفوا.

قال على: قال ابو حفص الأزدي: لما قتل ابو مسلم كتب ابو جعفر الى ابى نصر كتابا عن لسان ابى مسلم يأمره بحمل ثقله و ما خلف عنده، و ان يقدم، و ختم الكتاب بخاتم ابى مسلم، فلما راى ابو نصر نقش الخاتم تاما، علم ان أبا مسلم لم يكتب الكتاب، فقال: ا فعلتموها! و انحدر الى همذان و هو يريد خراسان، فكتب ابو جعفر لأبي نصر عهده على شهرزور، و وجه رسولا اليه بالعهد، فأتاه حين مضى الرسول بالعهد انه قد توجه الى خراسان، فكتب الى زهير بن التركى- و هو على همذان: ان مر بك ابو نصر فاحبسه، فسبق الكتاب الى زهير و ابو نصر بهمذان، فأخذه فحبسه في القصر، و كان‏

494

زهير مولى لخزاعة، فأشرف ابو نصر على ابراهيم بن عريف- و هو ابن أخي ابى نصر لامه- فقال: يا ابراهيم، تقتل عمك! قال: لا و الله ابدا، فأشرف زهير فقال لإبراهيم: انى مامور و الله، انه لمن أعز الخلق على، و لكنى لا استطيع رد امر امير المؤمنين و و الله لئن رمى احدكم بسهم لأرمين إليكم برأسه ثم كتب ابو جعفر كتابا آخر الى زهير: ان كنت أخذت أبا نصر فاقتله.

و قدم صاحب العهد على ابى نصر بعهده فخلى زهير سبيله لهواه فيه، فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتاب الى زهير بقتله، فقال: جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله.

و قدم ابو نصر على ابى جعفر، فقال: اشرت على ابى مسلم بالمضي الى خراسان؟ فقال: نعم يا امير المؤمنين، كانت له عندي اياد و صنائع فاستشارني فنصحت له، و أنت يا امير المؤمنين ان اصطنعتنى نصحت لك و شكرت فعفا عنه، فلما كان يوم الراونديه قام ابو نصر على باب القصر، و قال: انا اليوم البواب، لا يدخل احد القصر و انا حي فقال ابو جعفر:

اين مالك بن الهيثم؟ فاخبروه عنه فراى انه قد نصح له.

و قيل: ان أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى الى همذان كتب ابو جعفر الى زهير بن التركى: ان لله دمك ان فاتك مالك، فاتى زهير مالكا، فقال له: انى قد صنعت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخول منزلي! فقال: نعم، وهيا زهير اربعين رجلا تخيرهم، فجعلهم في بيتين يفضيان الى المجلس الذى هياه، فلما دخل مالك قال: يا ادهم، عجل طعامك، فخرج أولئك الاربعون الى مالك، فشدوه وثاقا، و وضع في رجليه القيود و بعث به الى المنصور فمن عليه و صفح عنه و استعمله على الموصل.

و في هذه السنه ولى ابو جعفر المنصور أبا داود خالد بن ابراهيم خراسان و كتب اليه بعهده‏

495

ذكر خروج سنباذ للطلب بدم ابى مسلم ثم قتله‏

4 و فيها خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم ابى مسلم.

ذكر الخبر عن سنباذ:

ذكر ان سنباذ هذا كان مجوسيا، من اهل قريه من قرى نيسابور يقال لها اهن، و انه كثر اتباعه لما ظهر، و كان خروجه غضبا لقتل ابى مسلم- فيما قيل- و طلبا بثاره، و ذلك انه كان من صنائعه، و غلب حين خرج على نيسابور و قومس و الري، و تسمى فيروز اصبهبذ فلما صار بالري قبض خزائن ابى مسلم، و كان ابو مسلم خلف بها خزائنه حين شخص متوجها الى ابى العباس، و كان عامه اصحاب سنباذ اهل الجبال فوجه اليهم ابو جعفر جهور بن مرار العجلى في عشره آلاف، فالتقوا بين همذان و الري على طرف المفازة، فاقتتلوا، فهزم سنباذ، و قتل من اصحابه في الهزيمة نحو من ستين ألفا، و سبى ذراريهم و نساءهم ثم قتل سنباذ بين طبرستان و قومس، قتله لونان الطبرى، فصير المنصور اصبهبذه طبرستان الى ولد هرمز بن الفرخان، و توجه.

و كان بين مخرج سنباذ الى قتله سبعون ليله.

خروج ملبد بن حرمله الشيبانى‏

44 و في هذه السنه خرج ملبد بن حرمله الشيبانى، فحكم بناحيه الجزيرة، فسارت اليه روابط الجزيرة، و هم يومئذ فيما قيل الف، فقاتلهم ملبد فهزمهم، و قتل من قتل منهم ثم سارت اليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار اليه يزيد بن حاتم المهلبى، فهزمه ملبد بعد قتال شديد كان بينهما، و أخذ ملبد جاريه ليزيد كان يطؤها، و قتل قائد من قواده، ثم وجه اليه ابو جعفر مولاه المهلهل بن صفوان في الفين من نخبه الجند، فهزمهم ملبد، و استباح عسكرهم‏

496

ثم وجه اليه نزارا قائدا من قواد اهل خراسان، فقتله ملبد، و هزم اصحابه، ثم وجه اليه زياد بن مشكان في جمع كثير، فلقيهم ملبد فهزمهم.

ثم وجه اليه صالح بن صبيح في جيش كثيف و خيل كثيره و عده، فهزمهم.

ثم سار اليه حميد بن قحطبه و هو يومئذ على الجزيرة، فلقيه الملبد فهزمه، و تحصن منه حميد، و اعطاه مائه الف درهم على ان يكف عنه.

و اما الواقدى فانه زعم ان ظهور ملبد و تحكيمه كان في سنه ثمان و ثلاثين و مائه، و لم يكن للناس في هذه السنه صائفه لشغل السلطان بحرب سنباذ.

و حج بالناس في هذه السنه اسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقدى و غيره، و هو على الموصل.

و كان على المدينة زياد بن عبيد الله، و العباس بن عبد الله بن معبد على مكة و مات العباس عند انقضاء الموسم، فضم اسماعيل عمله الى زياد بن عبيد الله، فاقره عليها ابو جعفر.

و كان على الكوفه في هذه السنه عيسى بن موسى و على البصره و أعمالها سليمان بن على، و على قضائها عمر بن عامر السلمى و على خراسان ابو داود خالد بن ابراهيم و على الجزيرة حميد بن قحطبه و على مصر صالح بن على بن عبد الله بن عباس.

497

ثم دخلت‏

سنه ثمان و ثلاثين و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغيه الروم ملطيه عنوه و قهرا لأهلها و هدمه سورها، و عفوه عمن فيها من المقاتله و الذرية.

و منها غزو العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس- في قول الواقدى- الصائفه، مع صالح بن على بن عبد الله، فوصله صالح بأربعين الف دينار، و خرج معهم عيسى بن على بن عبد الله، فوصله أيضا بأربعين الف دينار، فبنى صالح بن على ما كان صاحب الروم هدمه من ملطيه.

و قد قيل: ان خروج صالح و العباس الى ملطيه للغزو كان في سنه تسع و ثلاثين و مائه.

و في هذه السنه بايع عبد الله بن على لأبي جعفر و هو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن على.

ذكر خلع جهور بن مرار المنصور

4 و فيها خلع جهور بن مرار العجلى المنصور.

ذكر الخبر عن سبب خلعه اياه: و كان سبب ذلك- فيما ذكر- ان جهور لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، و كان فيه خزائن ابى مسلم التي كان خلفها بالري، فلم يوجهها الى ابى جعفر، و خاف فخلع، فوجه اليه ابو جعفر محمد بن الاشعث الخزاعي في جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالا شديدا، و مع جهور نخب فرسان العجم، زياد و دلاستاخنج، فهزم جهور و اصحابه، و قتل من اصحابه خلق كثير، و اسر زياد و دلاستاخنج، و هرب جهور فلحق باذربيجان فاخذ بعد ذلك باسباذرو فقتل‏

498

ذكر خبر قتل ملبد الخارجي‏

و في هذه السنه قتل الملبد الخارجي.

ذكر الخبر عن مقتله: ذكر ان أبا جعفر لما هزم الملبد حميد بن قحطبه، و تحصن منه حميد، وجه اليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بن عبد الرحمن، و ضم اليه زياد بن مشكان، فاكمن له الملبد مائه فارس، فلما لقيه عبد العزيز خرج عليه الكمين، فهزموه، و قتلوا عامه اصحابه فوجه ابو جعفر اليه خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذية فسار خازم حتى نزل الموصل، و بعث الى الملبد بعض اصحابه و بعث معهم الفعله، فسار الى بلد فخندقوا، و أقاموا له الاسواق، و بلغ ذلك الملبد، فخرج حتى نزل ببلد، في خندق خازم، فلما بلغ ذلك خازما خرج الى مكان من اطراف الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبد عبر دجلة من بلد، و توجه الى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل، فلما بلغ خازما ذلك، و بلغ اسماعيل ابن على- و هو على الموصل- امر اسماعيل خازما ان يرجع من معسكره حتى يعبر من جسر الموصل، فلم يفعل، و عقد جسرا من موضع معسكره، و عبر الى الملبد، و على مقدمته و طلائعه نضله بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشلي، و على ميمنته زهير بن محمد العامري، و على ميسرته ابو حماد الأبرص مولى بنى سليم و سار خازم في القلب، فلم يزل يساير الملبد و اصحابه حتى غشيهم الليل ثم تواقفوا ليلتهم، و أصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبد و اصحابه متوجهين الى كوره حزه، و خازم و اصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، و أصبحوا يوم الخميس، و سار الملبد و اصحابه، كأنه يريد الهرب من خازم، فخرج خازم و اصحابه في أثرهم، و تركوا خندقهم، و كان خازم تخندق عليه و على اصحابه بالحسك، فلما خرجوا من خندقهم كر عليهم الملبد و اصحابه، فلما راى ذلك خازم القى الحسك بين يديه و بين يدي اصحابه، فحملوا

499

على ميمنه خازم و طووها، ثم حملوا على الميسره و طووها، ثم انتهوا الى القلب، و فيه خازم، فلما راى ذلك خازم نادى في اصحابه: الارض، فنزلوا و نزل الملبد و اصحابه، و عقروا عامه دوابهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، و امر خازم نضله بن نعيم ان إذا سطع الغبار و لم يبصر بعضنا بعضا فارجع الى خيلك و خيل أصحابك فاركبوها، ثم ارموا بالنشاب ففعل ذلك، و تراجع اصحاب خازم من الميمنه الى الميسره، ثم رشقوا الملبد و اصحابه بالنشاب، فقتل الملبد في ثمانمائه رجل ممن ترجل، و قتل منهم قبل ان يترجلوا زهاء ثلاثمائة، و هرب الباقون، و تبعهم نضله فقتل منهم مائه و خمسين رجلا.

و حج بالناس في هذه السنه الفضل بن صالح بن على بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقدى و غيره و ذكر انه كان خرج من عند ابيه من الشام حاجا، فأدركته ولايته على الموسم و الحج بالناس في الطريق، فمر بالمدينة فاحرم منها.

و زياد بن عبيد الله على المدينة و مكة و الطائف، و على الكوفه و سوادها عيسى بن موسى، و على البصره و أعمالها سليمان بن على، و على قضائها سوار بن عبد الله، و ابو داود خالد بن ابراهيم على خراسان، و على مصر صالح بن على‏

500

ثم دخلت‏

سنه تسع و ثلاثين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك ما كان من اقامه صالح بن على و العباس بن محمد بملطيه، حتى استتما بناء ملطيه، ثم غزوا الصائفه من درب الحديث، فوغلا في ارض الروم- و غزا مع صالح أختاه: أم عيسى و لبابه ابنتا على، و كانتا نذرتا ان زال ملك بنى اميه ان تجاهدا في سبيل الله.

و غزا من درب ملطيه جعفر بن حنظله البهرانى و في هذه السنه كان الفداء الذى جرى بين المنصور و صاحب الروم، فاستنقذ المنصور منهم اسراء المسلمين، و لم يكن بعد ذلك- فيما قيل- للمسلمين صائفه الى سنه ست و اربعين و مائه، لاشتغال ابى جعفر بأمر ابنى عبد الله بن الحسن، الا ان بعضهم ذكر ان الحسن بن قحطبه غزا الصائفه مع عبد الوهاب بن ابراهيم الامام في سنه اربعين و اقبل قسطنطين صاحب الروم في مائه الف، فنزل جيحان، فبلغه كثره المسلمين فاحجم عنهم، ثم لم يكن بعدها صائفه الى سنه ست و اربعين و مائه و في هذه السنه سار عبد الرحمن بن معاويه بن هشام بن عبد الملك بن مروان الى الاندلس، فملكه أهلها امرهم، فولده ولاتها الى اليوم.

و فيها وسع ابو جعفر المسجد الحرام، و قيل انها كانت سنه خصبه فسميت سنه الخصب.

و فيها عزل سليمان بن على عن ولايه البصره، و عما كان اليه من أعمالها.

و قد قيل انه عزل عن ذلك في سنه اربعين و مائه.

و فيها ولى المنصور ما كان الى سليمان بن على من عمل البصره سفيان بن معاويه، و ذلك- فيما قيل- يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان، فلما

501

عزل سليمان و ولى سفيان توارى عبد الله بن على و اصحابه خوفا على انفسهم، فبلغ ذلك أبا جعفر، فبعث الى سليمان و عيسى ابنى على، و كتب إليهما في اشخاص عبد الله بن على، و عزم عليهما ان يفعلا ذلك و لا يؤخراه، و أعطاهما من الامان لعبد الله بن على ما رضياه له و وثقا به، و كتب الى سفيان بن معاويه يعلمه ذلك، و يأمره بازعاجهما و استحثاثهما بالخروج بعبد الله و من معه من خاصته، فخرج سليمان و عيسى بعبد الله و بعامه قواده و خواص اصحابه و مواليه، حتى قدموا على ابى جعفر، يوم الخميس لاثنتى عشره ليله بقيت من ذي الحجه.

ذكر خبر حبس عبد الله بن على‏

و فيها امر ابو جعفر بحبس عبد الله بن على و بحبس من كان معه من اصحابه و بقتل بعضهم.

ذكر الخبر عن ذلك:

و لما قدم سليمان و عيسى ابنا على على ابى جعفر اذن لهما، فدخلا عليه، فاعلماه حضور عبد الله بن على، و سألاه الاذن له فأنعم لهما بذلك، و شغلهما بالحديث، و قد كان هيأ لعبد الله بن على محبسا في قصره، و امر به ان ينصرف اليه بعد دخول عيسى و سليمان عليه، ففعل ذلك به، و نهض ابو جعفر من مجلسه، فقال لسليمان و عيسى: سارعا بعبد الله، فلما خرجا افتقدا عبد الله من المجلس الذى كان فيه، فعلما انه قد حبس، فانصرفا راجعين الى ابى جعفر، فحيل بينهما و بين الوصول اليه، و أخذت عند ذلك سيوف من حضر من اصحاب عبد الله بن على من عواتقهم و حبسوا.

و قد كان خفاف بن منصور حذرهم ذلك و ندم على مجيئه، و قال لهم: ان أنتم أطعتموني شددنا شده واحده على ابى جعفر، فو الله لا يحول بيننا و بينه حائل حتى ناتى على نفسه، و نشد على هذه الأبواب مصلتين سيوفنا، و لا

502

يعرض لنا عارض الا أفتنا نفسه حتى نخرج و ننجو بأنفسنا، فعصوه فلما أخذت السيوف و امر بحبسهم جعل خفاف يضرط في لحيته، و يتفل في وجوه اصحابه ثم امر ابو جعفر بقتل بعضهم بحضرته، و بعث بالبقية الى ابى داود خالد بن ابراهيم بخراسان فقتلهم بها.

و قد قيل ان حبس ابى جعفر عبد الله بن على كان في سنه اربعين و مائه.

و حج بالناس في هذه السنه العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس و كان على مكة و المدينة و الطائف زياد بن عبيد الله الحارثى، و على الكوفه و أرضها عيسى بن موسى، و على البصره و أعمالها سفيان بن معاويه، و على قضائها سوار بن عبد الله، و على خراسان ابو داود خالد بن ابراهيم.

503

ثم دخلت‏

سنه اربعين و مائه‏

ذكر ما كان فيها من الاحداث‏

ذكر هلاك ابى داود عامل خراسان و ولايه عبد الجبار

فمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان.

ذكر الخبر عن ذلك و سبب هلاكه:

ذكر ان ناسا من الجند ثاروا بابى داود خالد بن ابراهيم بخراسان و هو عامل ابى جعفر المنصور عليها في هذه السنه ليلا، و هو نازل بباب كشماهن من مدينه مرو، حتى وصلوا الى المنزل الذى هو فيه، فأشرف ابو داود من الحائط على حرف آجره خارجه، و جعل ينادى اصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الأجرة عند الصبح، فوقع على ستره صفه كانت قدام السطح فانكسر ظهره، فمات عند صلاه العصر، فقام عصام صاحب شرطه ابى داود بخلافه ابى داود، حتى قدم عليه عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي.

و فيها ولى ابى جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان فقدمها، فاخذ بها ناسا من القواد ذكر انه اتهمهم بالدعاء الى ولد على بن ابى طالب، منهم مجاشع بن حريث الأنصاري صاحب بخارى و ابو المغيره، مولى بنى تميم و اسمه خالد بن كثير و هو صاحب قوهستان، و الحريش بن محمد الذهلي، ابن عم داود، فقتلهم، و حبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلبى و معبد بن الخليل المزنى بعد ما ضربهما ضربا مبرحا، و حبس عده من وجوده قواد اهل خراسان، و الح على استخراج ما على عمال ابى داود من بقايا الأموال.

و فيها خرج ابو جعفر المنصور حاجا، فاحرم من الحيرة، ثم رجع بعد ما قضى حجه الى المدينة، فتوجه منها الى بيت المقدس‏

504

و كان عمال الأمصار في هذه السنه عمالها في السنه التي قبلها، الا خراسان فان عاملها كان عبد الجبار.

و لما قدم ابو جعفر بيت المقدس صلى في مسجدها، ثم سلك الشام فان عاملها كان عبد الجبار.

و لما قدم ابو جعفر بيت المقدس صلى في مسجدها، ثم سلك الشام منصرفا حتى انتهى الى الرقة، فنزلها، فاتى بمنصور بن جعونه بن الحارث العامري، من بنى عامر بن صعصعة، فقتله، ثم شخص منها، فسلك الفرات حتى اتى الهاشمية، هاشمية الكوفه‏

505

ثم دخلت‏

سنه احدى و اربعين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر الخبر عن خروج الراونديه‏

44 فمن ذلك خروج الراونديه، و قد قال بعضهم: كان امر الراونديه و امر ابى جعفر الذى انا ذاكره، في سنه سبع و ثلاثين و مائه.

او ست و ثلاثين و مائه ذكر الخبر عن امرهم و امر ابى جعفر المنصور معهم:

و الراونديه قوم- فيما ذكر عن على بن محمد- كانوا من اهل خراسان على راى ابى مسلم صاحب دعوه بنى هاشم، يقولون- فيما زعم- بتناسخ الارواح، و يزعمون ان روح آدم في عثمان بن نهيك، و ان ربهم الذى يطعمهم و يسقيهم هو ابو جعفر المنصور، و ان الهيثم بن معاويه جبرئيل.

قال: و أتوا قصر المنصور، فجعلوا يطوفون به، و يقولون: هذا قصر ربنا، فأرسل المنصور الى رؤسائهم، فحبس منهم مائتين، فغضب اصحابهم و قالوا: علام حبسوا! و امر المنصور الا يجتمعوا، فأعدوا نعشا و حملوا السرير- و ليس في النعش احد- ثم مروا في المدينة، حتى صاروا على باب السجن، فرموا بالنعش، و شدوا على الناس- و دخلوا السجن، فاخرجوا اصحابهم، و قصدوا نحو المنصور و هم يومئذ ستمائه رجل، فتنادى الناس، و غلقت أبواب المدينة فلم يدخل احد، فخرج المنصور من القصر ماشيا، و لم يكن في القصر دابه، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرسا يكون في دار الخلافه معه في قصره.

قال: و لما خرج المنصور اتى بدابه فركبها و هو يريدهم، و جاء معن ابن زائده، فانتهى الى ابى جعفر، فرمى بنفسه و ترجل، و ادخل بركه قبائه في منطقته، و أخذ بلجام دابه المنصور، و قال: أنشدك الله يا امير المؤمنين‏

506

الا رجعت، فإنك تكفى، و جاء ابو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر، و قال: انا اليوم بواب، و نودى في اهل السوق فرموهم و قاتلوهم حتى اثخنوهم، و فتح باب المدينة، فدخل الناس.

و جاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف، فقال: يا امير المؤمنين، اقتلهم؟ قال: نعم، فحمل عليهم حتى ألجأهم الى ظهر حائط، ثم كروا على خازم فكشفوه و اصحابه، ثم كر خازم عليهم فاضطرهم الى حائط المدينة و قال للهيثم بن شعبه: إذا كروا علينا فاسبقهم الى الحائط، فإذا رجعوا فاقتلهم فحملوا على خازم، فاطرد لهم، و صار الهيثم بن شعبه من ورائهم فقتلوا جميعا.

و جاءهم يومئذ عثمان بن نهيك، فكلمهم، فرجع فرموه بنشابه فوقعت بين كتفيه، فمرض أياما و مات منها، فصلى عليه ابو جعفر، و قام على قبره حتى دفن، و قال: رحمك الله أبا يزيد! و صير مكانه على حرسه عيسى بن نهيك، فكان على الحرس حتى مات، فجعل على الحرس أبا العباس الطوسى.

و جاء يومئذ اسماعيل بن على، و قد اغلقت الأبواب، فقال للبواب:

افتح و لك الف درهم، فأبى و كان القعقاع بن ضرار يومئذ بالمدينة، و هو على شرط عيسى بن موسى، فابلى يومئذ، و كان ذلك كله في المدينة الهاشمية بالكوفه.

قال: و جاء يومئذ الربيع ليأخذ بلجام المنصور، فقال له معن: ليس هذا من أيامك، فابلى ابرويز بن المصمغان ملك دنباوند- و كان خالف أخاه، فقدم على ابى جعفر فاكرمه، و اجرى عليه رزقا، فلما كان يومئذ اتى المنصور فكفر له، و قال: اقاتل هؤلاء؟ قال له: نعم، فقاتلهم، فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخر عنه- فلما قتلوا و صلى المنصور الظهر دعا بالعشاء، و قال: اطلعوا معن بن زائده، و امسك عن الطعام حتى جاءه معن، فقال لقثم: تحول الى هذا الموضع، و اجلس معنا مكان قثم، فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن على: يا أبا العباس، اسمعت باشد