تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
57

و تعثر الخيل في الأقياد آونه* * * تحوى النهاب الى طلاب اوتار

حتى يروها دوين السرح بارقه* * * فيها لواء كظل الاجدل الضاري‏

لا يمنع الثغر الا ذو محافظه* * * من الخضارم سباق باوتار

انى و ان كنت من جذم الذى نضرت* * * منه الفروع و زندي الثاقب الواري‏

لذاكر منك امرا قد سبقت به* * * من كان قبلك يا نصر بن سيار

ناضلت عنى نضال الحر إذ قصرت* * * دوني العشيره و استبطأت انصارى‏

و صار كل صديق كنت آمله* * * البا على ورث الحبل من جارى‏

و ما تلبست بالأمر الذى وقعوا* * * به على و لا دنست أطماري‏

و لا عصيت اماما كان طاعته* * * حقا على و لا قارفت من عار

قال على: و خرج اشرس غازيا فنزل آمل، فأقام ثلاثة اشهر، و قدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النهر في عشره آلاف، فاقبل اهل السغد و اهل بخارى، معهم خاقان و الترك، فحصروا قطن بن قتيبة في خندقه، و جعل خاقان ينتخب كل يوم فارسا، فيعبر في قطعه من الترك النهر و قال قوم: اقحموا دوابهم عريا، فعبروا و أغاروا على سرح الناس، فاخرج اشرس ثابت قطنه بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، فوجهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بامل حتى استنقذوا ما بايديهم، ثم قطع الترك النهر اليهم راجعين، ثم عبر اشرس بالناس الى قطن بن قتيبة، و وجه اشرس رجلا يقال له مسعود- احد بنى حيان- في سريه، فلقيهم العدو، فقاتلوهم، فاصيب رجال من المسلمين و هزم مسعود، حتى رجع الى اشرس، فقال بعض شعرائهم:

خابت سريه مسعود و ما غنمت* * * الا أفانين من شد و تقريب‏

حلوا بأرض قفار لا انيس بها* * * شوهن بالسفح امثال اليعاسيب‏

58

و اقبل العدو، فلما كانوا بالقرب لقيهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جولة، فقتل في تلك الجولة رجال من المسلمين، ثم كر المسلمون و صبروا لهم، فانهزم المشركون و مضى اشرس بالناس، حتى نزل بيكند، فقطع العدو عنهم الماء، فأقام اشرس و المسلمون في عسكرهم يومهم ذلك و ليلتهم، فأصبحوا و قد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا، و عطشوا فارتحلوا الى المدينة التي قطعوا عنهم المياه منها، و على مقدمه المسلمين قطن بن قتيبة، فلقيهم العدو فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، و عجز الناس عن القتال، و لم يبق في صف الرباب الا سبعه، فكاد ضرار بن حصين يؤسر من الجهد الذى كان به، فحض الحارث بن سريج الناس، فقال:

ايها الناس، القتل بالسيف اكرم في الدنيا و اعظم اجرا عند الله من الموت عطشا فتقدم الحارث بن سريج و قطن بن قتيبة و إسحاق بن محمد، ابن أخي وكيع، في فوارس من بنى تميم و قيس، فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا و ارتووا.

قال: فمر ثابت قطنه بعبد الملك بن دثار الباهلى، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في آثار الجهاد؟ فقال: انظرنى ريثما اغتسل و اتحنط، فوقف له حتى خرج و مضيا، فقال ثابت لأصحابه: انا اعلم بقتال هؤلاء منكم، و حضهم، فحملوا على العدو، و اشتد القتال، فقتل ثابت في عده من المسلمين، منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبدى و عبد الملك بن دثار الباهلى و الوجيه الخراسانى و العقار بن عقبه العودي فضم قطن بن قتيبة و إسحاق بن محمد بن حسان خيلا من بنى تميم و قيس، تبايعوا على الموت، فاقدموا على العدو، فقاتلوهم فكشفوهم، و ركبهم المسلمون يقتلونهم، حتى حجزهم الليل، و تفرق العدو فاتى اشرس بخارى فحصر أهلها.

قال على بن محمد، عن عبد الله بن المبارك: حدثنى هشام بن عماره‏

59

ابن القعقاع الضبي عن فضيل بن غزوان، قال: حدثنى وجيه البناني و نحن نطوف بالبيت، قال: لقينا الترك، فقتلوا منا قوما، و صرعت و انا انظر اليهم، يجلسون فيستقون حتى انتهوا الى، فقال رجل منهم: دعوه فان له أثرا هو واطئه، و أجلا هو بالغه، فهذا اثر قد وطئته، و انا أرجو الشهاده فرجع الى خراسان، فاستشهد مع ثابت.

قال: فقال الوازع بن مائق: مر بي الوجيه في بغلين يوم اشرس، فقلت:

كيف اصبحت يا أبا أسماء؟ قال: اصبحت بين حائر و حائز، اللهم لف بين الصفين، فخالط القوم و هو متنكب قوسه و سيفه، مشتمل في طيلسان و استشهد و استشهد الهيثم بن المنخل العبدى قال على، عن عبد الله بن المبارك، قال: لما التقى اشرس و الترك، قال ثابت قطنه: اللهم انى كنت ضيف ابن بسطام البارحه، فاجعلني ضيفك الليلة، و الله لا ينظر الى بنو اميه مشدودا في الحديد، فحمل و حمل اصحابه، فكذب اصحابه و ثبت، فرمى برذونه فشب، و ضربه فاقدم، و ضرب فارتث، فقال و هو صريع: اللهم انى اصبحت ضيفا لابن بسطام، و أمسيت ضيفك، فاجعل قراى من ثوابك الجنه.

قال على: و يقال ان اشرس قطع النهر، و نزل بيكند، فلم يجد بها ماء، فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوا من قصر بخاراخداه- و كان منزله منهم على ميل- تلقاهم الف فارس، فأحاطوا بالعسكر و سطع رهج الغبار، فلم يكن الرجل يقدر ان ينظر الى صاحبه قال: فانقطع منهم سته آلاف، فيهم قطن بن قتيبة و غوزك من الدهاقين، فانتهوا الى قصر من قصور بخارى، و هم يرون ان اشرس قد هلك، و اشرس في قصور بخارى، فلم يلتقوا الا بعد يومين، و لحق غوزك في تلك الوقعه بالترك، و كان قد دخل القصر مع قطن، فأرسل اليه قطن رجلا، فصاحوا برسول قطن، و لحق بالترك‏

60

قال: و يقال ان غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بدا من اللحاق بهم و يقال ان اشرس ارسل الى غوزك يطلب منه طاسا، فقال لرسول اشرس: انه لم يبق معى شي‏ء ا تدهن به غير الطاس، فاصفح عنه فأرسل اليه: اشرب في قرعه، و ابعث الى بالطاس، ففارقه.

قال: و كان على سمرقند نصر بن سيار، و على خراجها عميرة بن سعد الشيبانى، و هم محصورون، و كان عميرة ممن قدم مع اشرس، و اقبل قريش ابن ابى كهمس على فرس، فقال لقطن: قد نزل الأمير و الناس، فلم يفقد احد من الجند غيرك، فمضى قطن و الناس الى العسكر، و كان بينهم ميل‏

. ذكر وقعه كمرجه‏

قال: و يقال ان اشرس نزل قريبا من مدينه بخارى على قدر فرسخ، و ذلك المنزل يقال له المسجد، ثم تحول منه الى مرج يقال له بوادره، فأتاهم سبابة- او شبابه- مولى قيس بن عبد الله الباهلى، و هم نزول بكمرجه- و كانت كمرجه من اشرف ايام خراسان و أعظمها ايام اشرس في ولايته- فقال لهم: ان خاقان مار بكم غدا، فأرى لكم ان تظهروا عدتكم، فيرى جدا و احتشادا، فينقطع طمعه منكم فقال له رجل منهم: استوثقوا من هذا فانه جاء ليفت في اعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا و قد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه، و فعلوا ما امرهم به المولى، و صبحهم خاقان، فلما حاذى بهم ارتفع الى طريق بخارى كأنه يريدها، فتحدر بجنوده من وراء تل بينهم و بينه، فنزلوا و تأهبوا و هم لا يشعرون بهم فلما كان ذلك ما فاجاهم ان طلعوا على التل، فإذا جبل حديد: اهل فرغانه و الطاربند و افشينه و نسف و طوائف من اهل بخارى قال: فاسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بن قنان الذهلي: هم يريدون مزاحفتكم فسربوا دوابكم المجففة في طريق النهر، كأنكم تريدون ان تسقوها، فإذا جردتموها فخذوا طريق الباب،

61

و تسربوا الاول فالأول، فلما رآهم الترك يتسربون شدوا عليهم في مضايق، و كانوا هم اعلم بالطريق من الترك، و سبقوهم الى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلا كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، و هو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه، فاقتتلوا، و جاء رجل من العرب بحزمه قصب قد اشعلها، فرمى بها وجوههم فتنحوا، و أخلوا عن قتلى و جرحى، فلما امسوا انصرف الترك، و احرق العرب القنطرة، فأتاهم خسرو بن يزدجرد في ثلاثين رجلا، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون انفسكم و انا الذى جئت بخاقان ليرد على مملكتي، و انا آخذ لكم الامان! فشتموه، فانصرف.

قال: و جاءهم بازغرى في مائتين- و كان داهيه- من وراء النهر، و كان خاقان لا يخالفه، و معه رجلان من قرابه خاقان، و معه افراس من رابطه اشرس، فقال: آمنونا حتى ندنو منكم، فاعرض عليكم ما أرسلني إليكم به خاقان فآمنوه، فدنا من المدينة، و أشرفوا عليه و معه اسراء من العرب، فقال بازغرى: يا معشر العرب، احدروا الى رجلا منكم اكلمه برسالة خاقان، فاحدروا حبيبا مولى مهره من اهل درقين، فكلموه فلم يفهم، فقال: احدروا الى رجلا يعقل عنى، فاحدروا يزيد بن سعيد الباهلى، و كان يشدو شدوا من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة و وجوه العرب معه اسراء و قال: ان خاقان أرسلني إليكم، و هو يقول لكم: انى اجعل من كان عطاؤه منكم ستمائه ألفا، و من كان عطاؤه ثلاثمائه ستمائه، و هو مجمع بعد هذا على الاحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا امر لا يلتئم، كيف يكون العرب و هم ذئاب مع الترك و هم شاء! لا يكون بيننا و بينكم صلح.

فغضب بازغرى، فقال التركيان اللذان معه: الا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان و فهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغرى الا ان‏

62

ان تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا و يسير النصف معه، فان ظفر خاقان فنحن معه، و ان كان غير ذلك كنا كسائر مدائن اهل السغد.

فرضى بازغرى و التركيان بما قال، فقال له: اعرض على القوم ما تراضينا به، و اقبل فاخذ بطرف الحبل فجذبوه حتى صار على سور المدينة، فنادى:

يا اهل كمرجه، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم الى الكفر بعد الايمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب و لا نرضى، قال: يدعونكم الى قتال المسلمين مع المشركين، قالوا: نموت جميعا قبل ذلك قال: فاعلموهم. قال: فاشرفوا عليهم، و قالوا: يا بازغرى، ا تبيع الأسرى في ايديكم فنفادى بهم؟ فاما ما دعوتنا اليه فلا نجيبكم اليه، قال لهم: ا فلا تشترون انفسكم منا؟ فما أنتم عندنا الا بمنزله من في أيدينا منكم- و كان في ايديهم الحجاج بن حميد النضري- فقالوا له: يا حجاج، الا تكلم؟ قال: على رقباء، و امر خاقان بقطع الشجر، فجعلوا يلقون الحطب الرطب، و يلقى اهل كمرجه الحطب اليابس، حتى سوى الخندق، ليقطعوا اليهم، فاشعلوا فيه النيران، فهاجت ريح شديده- صنعا من الله عز و جل- قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في سته ايام في ساعه من نهار، و رميناهم فاوجعناهم و شغلناهم بالجراحات قال: و اصابت بازغرى نشابه في صرته، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع اتراكه آذانهم، و أصبحوا بشر، منكسين رءوسهم يبكونه، و دخل عليهم امر عظيم فلما امتد النهار جاءوا بالأسرى و هم مائه، فيهم ابو العوجاء العتكي و اصحابه، فقتلوهم، و رموا اليهم برأس الحجاج ابن حميد النضري و كان مع المسلمين مائتان من اولاد المشركين كانوا رهائن في ايديهم، فقتلوهم و استماتوا، و اشتد القتال، و قاموا على باب الخندق فسار على السور خمسه اعلام، فقال كليب: من لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاوي: انا لك بهم، فذهب يسعى و قال لفتيان: امشوا خلفي، و هو جريح، قال: فقتل يومئذ من الاعلام اثنان، و نجا ثلاثة قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجب انه لم يبق ملك فيما وراء النهر الا

63

قاتل بكمرجه غيرى، و عز على الا اقاتل مع اكفائى و لم ير مكاني فلم يزل اهل كمرجه بذلك، حتى اقبلت جنود العرب، فنزلت فرغانه.

فعير خاقان اهل السغد و فرغانه و الشاش و الدهاقين، و قال لهم: زعمتم ان في هذه خمسين حمارا، و انا نفتحها في خمسه ايام، فصارت الخمسة الأيام شهرين و شتمهم و امرهم بالرحله، فقالوا: ما ندع جهدا، و لكن أحضرنا غدا فانظر، فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام اليه ملك الطاربند، فاستاذنه في القتال و الدخول عليهم، قال: لا ارى ان تقاتل في هذا الموضع- و كان خاقان يعظمه- فقال: اجعل لي جاريتين من جواري العرب، و انا اخرج عليهم، فاذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، و جاء حتى وقف على ثلمه و الى جنب الثلمه بيت فيه خرق يفضى الى الثلمه، و في البيت رجل من بنى تميم مريض، فرماه بكلوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء و الصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه و ركبته، و رماه رجل بحجر، فأصاب اصل اذنه فصرع، و طعنه رجل فقتله و جاء شاب امرد من الترك، فقتله و أخذ سلبه و سيفه، فغلبناهم على جسده- قال: و يقال: ان الذى انتدب لهذا فارس اهل الشاش- فكانوا قد اتخذوا صناعا، و الصقوها بحائط الخندق، فنصبوا قباله ما اتخذوا أبوابا له، فاقعدوا الرماه وراءها، و فيهم غالب بن المهاجر الطائي عم ابى العباس الطوسى و رجلان، أحدهما شيباني و الآخر ناجى، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجى فلم يخطئ قصبه انفه، و عليه كاشخوده تبتيه، فلم تضره الرميه، و رماه الشيبانى و ليس يرى منه غير عينيه، فرماه غالب ابن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقان شي‏ء أشد منه.

قال: فيقال: انه انما قتل الحجاج و اصحابه يومئذ لما دخله من الجزع، و ارسل الى المسلمين انه ليس من رأينا ان نرتحل عن مدينه ننزلها دون افتتاحها، او ترحلهم عنها فقال له كليب بن قنان: و ليس من ديننا ان نعطى‏

64

بأيدينا حتى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم، فراى الترك ان مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الامان على ان يرحل هو و هم عنهم بأهاليهم و أموالهم الى سمرقند او الدبوسيه، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خروجكم من هذه المدينة.

قال: و راى اهل كمرجه ما هم فيه من الحصار و الشده، فقالوا:

نشاور اهل سمرقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطائي، فانحدر في موضع من الوادى، فمضى الى قصر يسمى فرزاونه، و الدهقان الذى بها صديق له، فقال له: انى بعثت الى سمرقند، فاحملني، فقال: ما أجد دابه الا بعض دواب خاقان، فان له في روضه خمسين دابه، فخرجا جميعا الى تلك الروضة، فاخذ برذونا فركبه، و كان الفه برذون آخر، فتبعه فاتى سمرقند من ليلته، فاخبرهم بامرهم، فأشاروا عليه بالدبوسيه، و قالوا: هي اقرب، فرجع الى اصحابه، فأخذوا من الترك رهائن الا يعرضوا لهم، و سالوهم رجلا من الترك يتقوون به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا من شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا الى حيث أرادوا.

و يقال: ان خاقان لما راى انه لا يصل اليهم شتم اصحابه، و امرهم بالارتحال عنهم، و كلمه المختار بن غوزك و ملوك السغد و قالوا: لا تفعل ايها الملك، و لكن أعطهم أمانا يخرجون عنها، و يرون انك انما فعلت ذلك بهم من اجل غوزك انه مع العرب في طاعتها، و ان ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافه على ابيه، فأجابهم الى ذلك، فسرح اليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.

قال: فصار الرهن من الترك في ايديهم، و ارتحل خاقان، و اظهر انه يريد سمرقند- و كان الرهن الذى في ايديهم من ملوكهم- فلما ارتحل خاقان- قال كورصول للعرب: ارتحلوا، قالوا: نكره ان نرتحل و الترك لم يمضوا، و لا نامنهم ان يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير الى مثل ما كنا فيه من الحرب.

قال: فكف عنهم، حتى مضى خاقان و الترك، فلما صلوا الظهر امرهم‏

65

كورصول بالرحله، و قال: انما الشده و الموت و الخوف حتى تسيروا فرسخين، ثم تصيروا الى قرى متصله، فارتحلوا و في يد الترك من الرهن من العرب نفر، منهم شعيب البكرى او النصرى، و سباع بن النعمان و سعيد بن عطية، و في أيدي العرب من الترك خمسه، قد اردفوا خلف كل رجل من الترك رجلا من العرب معه خنجر، و ليس على التركى غير قباء، فساروا بهم.

ثم قال العجم لكورصول: ان الدبوسيه فيها عشره آلاف مقاتل، فلا نامن ان يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: ان قاتلوكم قاتلناهم معكم.

فساروا، فلما صار بينهم و بين الدبوسيه قدر فرسخ او اقل نظر أهلها الى فرسان و بياذقه و جمع فظنوا ان كمرجه قد فتحت، و ان خاقان قصد لهم قال: و قربنا منهم و قد تأهبوا للحرب، فوجه كليب بن قنان رجلا من بنى ناجيه يقال له الضحاك على برذون يركض، و على الدبوسيه عقيل بن وراد السغدى، فأتاهم الضحاك و هم صفوف، فرسان و رجاله، فاخبرهم الخبر، فاقبل اهل الدبوسيه يركضون، فحمل من كان يضعف عن المشى و من كان مجروحا.

ثم ان كليبا ارسل الى محمد بن كراز و محمد بن درهم ليعلما سباع ابن النعمان و سعيد بن عطية انهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلوا عن الرهن، فجعلت العرب ترسل رجلا من الرهن الذين في ايديهم من الترك، و ترسل الترك رجلا من الرهن الذين في ايديهم من العرب، حتى بقي سباع بن النعمان في أيدي الترك، و رجل من الترك في أيدي العرب، و جعل كل فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر، فقال سباع: خلوا رهينه الترك، فخلوه و بقي سباع في ايديهم، فقال له كورصول: لم فعلت هذا؟ قال: وثقت برأيك في، و قلت: ترفع نفسك عن الغدر في مثل هذا، فوصله و سلحه و حمله على برذون، و رده الى اصحابه.

قال: و كان حصار كمرجه ثمانية و خمسين يوما، فيقال انهم لم يسقوا ابلهم خمسه و ثلاثين يوما

66

قال: و كان خاقان قسم في اصحابه الغنم، فقال: كلوا لحومها و املئوا جلودها ترابا، و اكبسوا خندقكم، ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابه فمطرت، فاحتمل المطر ما القوا، فالقاه في النهر الأعظم.

و كان مع اهل كمرجه قوم من الخوارج، فيهم ابن شنج مولى بنى ناجيه‏

. ذكر رده اهل كردر

و في هذه السنه ارتد اهل كردر، فقاتلهم المسلمون و ظفروا بهم، و قد كان الترك أعانوا اهل كردر، فوجه اشرس الى من قرب من كردر من المسلمين الف رجل ردءا لهم، فصاروا اليهم، و قد هزم المسلمون الترك، فظفروا باهل كردر و قال عرفجة الدارمى:

نحن كفينا اهل مرو و غيرهم* * * و نحن نفينا الترك عن اهل كردر

فان تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا* * * فقد يظلم المرء الكريم فيصبر

و في هذه السنه جعل خالد بن عبد الله الصلاة بالبصرة مع الشرطه، و الاحداث و القضاء الى بلال بن ابى برده، فجمع ذلك كله له، و عزل به ثمامة بن عبد الله بن انس عن القضاء.

و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام بن اسماعيل، كذلك قال ابو معشر و الواقدى و غيرهما، حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر.

و كان العامل في هذه السنه على المدينة و مكة و الطائف ابراهيم بن هشام، و على الكوفه و البصره و العراق كلها خالد بن عبد الله، و على خراسان اشرس ابن عبد الله.

67

ثم دخلت‏

سنه احدى عشره و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوه معاويه بن هشام الصائفه اليسرى و غزوه سعيد بن هشام الصائفه اليمنى حتى اتى قيساريه.

قال الواقدى: غزا سنه احدى عشره و مائه على جيش البحر عبد الله بن ابى مريم، و امر هشام على عامه الناس من اهل الشام و مصر الحكم بن قيس ابن مخرمه بن المطلب بن عبد مناف.

و فيها سارت الترك الى اذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم.

و فيها ولى هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية.

و فيها عزل هشام اشرس بن عبد الله السلمى عن خراسان، و ولاها الجنيد ابن عبد الرحمن المري.

ذكر السبب الذى من اجله عزل هشام اشرس عن خراسان و استعماله الجنيد

ذكر على بن محمد، عن ابى الذيال، قال: كان سبب عزل اشرس ان شداد بن خالد الباهلى شخص الى هشام فشكاه، فعزله و استعمل الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان سنه احدى عشره و مائه.

قال: و كان سبب استعماله اياه انه اهدى لام حكيم بنت يحيى بن الحكم امراه هشام قلاده فيها جوهر، فاعجبت هشاما، فاهدى لهشام قلاده اخرى، فاستعمله على خراسان، و حمله على ثمانية من البريد، فسأله اكثر من تلك الدواب فلم يفعل، فقدم خراسان في خمسمائة- و اشرس بن عبد الله‏

68

يقاتل اهل بخارى و السغد- فسال عن رجل يسير معه الى ما وراء النهر، فدل على الخطاب بن محرز السلمى خليفه اشرس، فلما قدم آمل اشار عليه الخطاب ان يقيم و يكتب الى من بزم و من حوله، فيقدموا عليه، فأبى و قطع النهر، و ارسل الى اشرس ان امدنى بخيل، و خاف ان يقتطع قبل ان يصل اليه، فوجه اليه اشرس عامر بن مالك الحماني، فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك و السغد ليقطعوه قبل ان يصل الى الجنيد، فدخل عامر حائطا حصينا، فقاتلهم على ثلمه الحائط، و معه ورد بن زياد بن ادهم بن كلثوم، ابن أخي الأسود بن كلثوم، فرماه رجل من العدو بنشابه، فأصاب عرض منخره، فانفذ المنخرين، فقال له عامر بن مالك:

يا أبا الزاهرية، كأنك دجاجه مقرق و قتل عظيم من عظماء الترك عند الثلمه، و خاقان على تل خلفه اجمه، فخرج عاصم بن عمير السمرقندي و واصل بن عمرو القيسى في شاكريه، فاستدارا حتى صارا من وراء ذلك الماء، فضموا خشبا و قصبا و ما قدروا عليه، حتى اتخذوا رصفا، فعبروا عليه فلم يشعر خاقان الا بالتكبير، و حمل واصل و الشاكريه على العدو فقاتلوهم، فقتل تحت واصل برذون، و هزم خاقان و اصحابه.

و خرج عامر بن مالك من الحائط، و مضى الى الجنيد و هو في سبعه آلاف، فتلقى الجنيد و اقبل معه، و على مقدمه الجنيد عماره بن حريم فلما انتهى الى فرسخين من بيكند، تلقته خيل الترك فقاتلهم، فكاد الجنيد ان يهلك و من معه، ثم اظهره الله، فسار حتى قدم العسكر و ظفر الجنيد، و قتل الترك، و زحف اليه خاقان فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند، و قطن ابن قتيبة على ساقه الجنيد، و واصل في اهل بخارى- و كان ينزلها- فاسر ملك الشاش، و اسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة، فبعث به الى الخليفة، و كان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشر بن مزاحم على مرو،

69

و ولى سوره بن الحر من بنى ابان بن دارم بلخ، و اوفد لما أصاب في وجهه ذلك عماره بن معاويه العدوى و محمد بن الجراح العبدى و عبد ربه بن ابى صالح السلمى الى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا، فتواقفوا بالترمذ، فأقاموا بها شهرين.

ثم اتى الجنيد مرو و قد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام مترف، هزمنى العام و انا مهلكه في قابل، فاستعمل الجنيد عماله، و لم يستعمل الا مضريا، استعمل قطن بن قتيبة على بخارى، و الوليد بن القعقاع العبسى على هراة، و حبيب بن مره العبسى على شرطه، و على بلخ مسلم بن عبد الرحمن الباهلى و كان نصر بن سيار على بلخ، و الذى بينه و بين الباهليين متباعد لما كان بينهم بالبروقان، فأرسل مسلم الى نصر فصادفوه نائما، فجاءوا به في قميص ليس عليه سراويل، ملببا، فجعل يضم عليه قميصيه، فاستحيا مسلم، و قال: شيخ من مضر جئتم به على هذه الحال! ثم عزل الجنيد مسلما عن بلخ، و ولاها يحيى بن ضبيعه، و استعمل على خراج سمرقند شداد بن خالد الباهلى، و كان مع الجنيد السمهري بن قعنب و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام المخزومي، و كان اليه من العمل في هذه السنه ما كان اليه في السنه التي قبلها، و قد ذكرت ذلك قبل.

و كان العامل على العراق خالد بن عبد الله، و على خراسان الجنيد بن عبد الرحمن.

70

ثم دخلت‏

سنه اثنتى عشره و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوه معاويه بن هشام الصائفه فافتتح خرشنه، و حرق فرنديه من ناحيه ملطيه.

ذكر خبر قتل الجراح الحكمي‏

و فيها سار الترك من اللان، فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من اهل الشام و اذربيجان، فلم يتنام اليه جيشه، فاستشهد الجراح و من كان معه بمرج اردبيل، و افتتحت الترك اردبيل، و قد كان استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية.

ذكر محمد بن عمر ان الترك قتلت الجراح بن عبد الله ببلنجر، و ان هشاما لما بلغه خبره دعا سعيد بن عمرو الحرشي، فقال له: انه بلغنى ان الجراح قد انحاز عن المشركين، قال: كلا يا امير المؤمنين، الجراح اعرف بالله من ان ينحاز عن العدو، و لكنه قتل، قال: فما الرأي؟ قال:

تبعثني على اربعين دابه من دواب البريد، ثم تبعث الى كل يوم اربعين دابه عليها اربعون رجلا، ثم اكتب الى أمراء الأجناد يوافوننى ففعل ذلك هشام.

فذكر ان سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثة جموع وفودا الى خاقان بمن أسروا من المسلمين و اهل الذمة، فاستنقذ الحرشي ما أصابوا و أكثروا القتل فيهم.

و ذكر على بن محمد ان الجنيد بن عبد الرحمن قال في بعض ليالي حربه الترك بالشعب: ليله كليله الجراح و يوم كيومه، فقيل له: اصلحك الله!

71

ان الجراح سير اليه فقتل اهل الحجى و الحفاظ، فجن عليه الليل، فانسل الناس من تحت الليل الى مدائن لهم باذربيجان، و اصبح الجراح في قله فقتل.

و في هذه السنه وجه هشام أخاه مسلمه بن عبد الملك في اثر الترك فسار في شتاء شديد البرد و المطر و الثلوج فطلبهم- فيما ذكر- حتى جاز الباب في آثارهم، و خلف الحارث بن عمرو الطائي بالباب.

ذكر وقعه الجنيد مع الترك‏

و في هذه السنه كانت وقعه الجنيد مع الترك و رئيسهم خاقان بالشعب.

و فيها قتل سوره بن الحر، و قد قيل ان هذه الوقعه كانت في سنه ثلاث عشره و مائه.

ذكر الخبر عن هذه الوقعه و ما كان سببها و كيف كانت:

ذكر على بن محمد عن أشياخه ان الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازيا في سنه اثنتى عشره و مائه يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، و وجه عماره ابن حريم الى طخارستان في ثمانية عشر ألفا و ابراهيم بن بسام الليثى في عشره آلاف في وجه آخر، و جاشت الترك فاتوا سمرقند، و عليها سوره بن الحر، احد بنى ابان بن دارم، فكتب سوره الى الجنيد: ان خاقان جاش بالترك، فخرجت اليهم فما قدرت ان امنع حائط سمرقند، فالغوث! فامر الجنيد الناس بالعبور، فقام اليه المجشر بن مزاحم السلمى و ابن بسطام الأزدي و ابن صبح الخرقى، فقالوا: ان الترك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفا و لا زحفا، و قد فرقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالنيروذ، و البختري بهراه، و لم يحضرك اهل الطالقان، و عماره بن حريم غائب و قال له المجشر: ان صاحب خراسان لا يعبر النهر في اقل من خمسين ألفا، فاكتب الى‏

72

عماره فليأتك، و امهل و لا تعجل، قال: فكيف بسورة و من معه من المسلمين! لو لم أكن الا في بنى مره، او من طلع معى من اهل الشام لعبرت و قال:

ا ليس أحق الناس ان يشهد الوغى* * * و ان يقتل الابطال ضخم. على ضخم‏

و قال:

ما علتي ما علتي ما علتي!* * * ان لم اقاتلهم فجزوا لمتى‏

قال: و عبر فنزل كس، و قد بعث الاشهب بن عبيد الحنظلى ليعلم علم القوم، فرجع اليه و قال: قد أتوك فتأهب للمسير.

و بلغ الترك فعوروا الابار التي في طريق كس و ما فيه من الركايا، فقال الجنيد: اى الطريقين الى سمرقند امثل؟ قالوا: طريق المحترقة.

قال المجشر بن مزاحم السلمى: القتل بالسيف امثل من القتل بالنار، ان طريق المحترقة فيه الشجر و الحشيش و لم يزرع منذ سنين، فقد تراكم بعضه على بعض، فان لقيت خاقان احرق ذلك كله، فقتلنا بالنار و الدخان، و لكن خذ طريق العقبه، فهو بيننا و بينهم سواء.

فاخذ الجنيد طريق العقبه، فارتقى في الجبل، فاخذ المجشر بعنان دابته، و قال: انه كان يقال: ان رجلا من قيس مترفا يهلك على يديه جند من جنود خراسان، و قد خفنا ان تكونه قال: افرخ روعك، فقال المجشر: اما إذا كان بيننا مثلك فلا يفرخ فبات في اصل العقبه، ثم ارتحل حين اصبح، فصار الجنيد بين مرتحل و مقيم، فتلقى فارسا، فقال:

ما اسمك؟ فقال: حرب، قال: ابن من؟ قال: ابن محربه، قال: من بنى من؟ قال: من بنى حنظله، قال: سلط الله عليك الحرب و الحرب و الكلب و مضى بالناس حتى دخل الشعب و بينه و بين مدينه سمرقند اربعه فراسخ، فصبحه خاقان في جمع عظيم، و زحف اليه اهل السغد و الشاش و فرغانه و طائفه من الترك قال: فحمل خاقان على المقدمه و عليها عثمان‏

73

ابن عبد الله بن الشخير، فرجعوا الى العسكر و الترك تتبعهم، و جاءوهم من كل وجه، و قد كان الاخريد قال للجنيد: رد الناس الى العسكر، فقد جاءك جمع كثير، فطلع اوائل العدو و الناس يتغدون، فرآهم عبيد الله بن زهير بن حيان، فكره ان يعلم الناس حتى يفرغوا من غدائهم، و التفت ابو الذيال، فرآهم، فقال: العدو! فركب الناس الى الجنيد، فصير تميما و الأزد في الميمنه و ربيعه في الميسره مما يلى الجبل، و على مجففه خيل بنى تميم عبيد الله بن زهير بن حيان، و على المجرده عمر- او عمرو- بن جرفاس بن عبد الرحمن بن شقران المنقرى، و على جماعه بنى تميم عامر ابن مالك الحماني، و على الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو المعنى، و على خيلهم: المجففة و المجرده فضيل بن هناد و عبد الله بن حوذان، أحدهما على المجففة، و الآخر على المجرده- و يقال: بل كان بشر بن حوذان أخو عبد الله بن حوذان الجهضمي- فالتقوا و ربيعه مما يلى الجبل في مكان ضيق، فلم يقدم عليهم احد، و قصد العدو للميمنه و فيها تميم و الأزد في موضع واسع فيه مجال للخيل فترجل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدي ابيه، و دفع برذونه الى أخيه عبد الملك، فقال له أبوه: يا حيان، انطلق الى أخيك فانه حدث و اخاف عليه فأبى، فقال: يا بنى، انك ان قتلت على حالك هذه قتلت عاصيا فرجع الى الموضع الذى خلف فيه أخاه و البرذون، فإذا اخوه قد لحق بالعسكر، و قد شد البرذون، فقطع حيان مقوده و ركبه، فاتى العدو، فإذا العدو قد احاط بالموضع الذى خلف فيه أباه و اصحابه، فامدهم الجنيد بنصر بن سيار في سبعه معه، فيهم جميل بن غزوان العدوى، فدخل عبيد الله بن زهير معهم، و شدوا على العدو فكشفوهم ثم كروا عليهم، فقتلوا جميعا، فلم يفلت منهم احد ممن كان في ذلك الموضع، و قتل عبيد الله بن زهير و ابن حوذان و ابن جرفاس و الفضيل بن هناد.

و جالت الميمنه و الجنيد واقف في القلب، فاقبل الى الميمنه، فوقف تحت‏

74

رايه الأزد- و قد كان جفاهم- فقال له صاحب رايه الأزد: ما جئتنا لتحبونا و لا لتكرمنا، و لكنك قد علمت انه لا يوصل إليك و منا رجل حي، فان ظفرنا كان لك، و ان هلكنا لم تبك علينا و لعمري لئن ظفرنا و بقيت لا اكلمك كلمه ابدا و تقدم فقتل و أخذ الراية ابن مجاعه فقتل، فتداول الراية ثمانية عشر رجلا منهم فقتلوا، فقتل يومئذ ثمانون رجلا من الأزد.

قال: و صبر الناس يقاتلون حتى اعيوا، فكانت السيوف لا تحيك و لا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، حتى مل الفريقان فكانت المعانقه، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزه بن مجاعه العتكي و محمد بن عبد الله بن حوذان الجهضمي، و عبد الله بن بسطام المعنى و اخوه زنيم و الحسن ابن شيخ و الفضيل الحارثى- و هو صاحب الخيل- و يزيد بن المفضل الحدانى، و كان حج فانفق في حجه ثمانين و مائه الف، فقال لامه وحشيه: ادعى الله ان يرزقني الشهاده، فدعت له، و غشى عليه، فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوما، و قاتل معه عبدان له، و قد كان امرهما بالانصراف فقتلا، فاستشهدا.

قال: و كان يزيد بن المفضل حمل يوم الشعب على مائه بعير سويقا للمسلمين، فجعل يسال عن الناس، و لا يسال عن احد الا قيل له: قد قتل،.

فاستقدم و هو يقول: لا اله الا الله، فقاتل حتى قتل و قاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حوذان و هو على فرس اشقر، عليه تجفاف مذهب، فحمل سبع مرات يقتل في كل حمله رجلا، ثم رجع الى موقفه، فهابه من كان في ناحيته، فناداه ترجمان للعدو: يقول لك الملك: لا تقبل و تحول إلينا، فنرفض صنمنا الذى نعبده و نعبدك، فقال محمد: انا اقاتلكم لتتركوا عباده الأصنام و تعبدوا الله وحده فقاتل و استشهد.

و قتل جشم بن قرط الهلالي من بنى الحارث، و قتل النضر بن راشد العبدى، و كان دخل على امراته و الناس يقتتلون، فقال لها: كيف أنت إذا اتيت بابى ضمره في لبد مضرجا بالدماء؟ فشقت جيبها و دعت بالويل،

75

فقال: حسبك، لو اعولت على كل أنثى لعصيتها شوقا الى الحور العين، و رجع فقاتل حتى استشهد (رحمه الله) قال: فبينا الناس كذلك إذ اقبل رهج، فطلعت فرسان، فنادى منادى الجنيد: الارض، الارض! فترجل و ترجل الناس، ثم نادى منادى الجنيد: ليخندق كل قائد على حياله، فخندق الناس قال: و نظر الجنيد الى عبد الرحمن بن مكية يحمل على العدو، فقال: ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له: هذا ابن مكية، قال: ا لسان البقره! لله دره اى رجل هو! و تحاجزوا، و اصيب من الأزد مائه و تسعون.

و كانوا لقوا خاقان يوم الجمعه، فأرسل الجنيد الى عبد الله بن معمر بن سمير اليشكري ان يقف في الناحية التي تلى كس و يحبس من مر به، و يحوز الاثقال و الرجاله، و جاءت الموالي رجاله، ليس فيهم غير فارس واحد و العدو يتبعونهم، فثبت عبد الله بن معمر للعدو، فاستشهد في رجال من بكر، و أصبحوا يوم السبت، فاقبل خاقان نصف النهار، فلم ير موضعا للقتال فيه ايسر من موضع بكر بن وائل، و عليهم زياد بن الحارث، فقصد لهم، فقالت بكر لزياد: القوم قد كثرونا، فخل عنا نحمل عليهم قبل ان يحملوا علينا، فقال لهم: قد مارست سبعين سنه، انكم ان حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم، و لكن دعوهم حتى يقربوا ففعلوا، فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجنيد، و قال خاقان يومئذ: ان العرب إذا احرجوا استقتلوا، فخلوهم حتى يخرجوا، و لا تعرضوا لهم، فإنكم لا تقومون لهم و خرج جوار للجنيد يولولن، فانتدب رجال من اهل الشام، فقالوا: الله الله يا اهل خراسان! الى اين؟ و قال الجنيد: ليله كليله الجراح، و يوم كيومه.

ذكر الخبر عن مقتل سوره بن الحر

و في هذه السنه قتل سوره بن الحر التميمى‏

76

ذكر الخبر عن مقتله:

ذكر على عن شيوخه، ان عبيد الله بن حبيب قال للجنيد: اختر بين ان تهلك أنت او سوره، فقال: هلاك سوره اهون على، قال:

فاكتب اليه فليأتك في اهل سمرقند، فان الترك ان بلغهم ان سوره قد توجه إليك انصرفوا اليه فقاتلوه فكتب الى سوره يأمره بالقدوم- و قيل: كتب أغثني- فقال عباده بن السليل المحاربى ابو الحكم بن عباده لسوره: انظر ابرد بيت بسمرقند فنم فيه، فإنك ان خرجت لا تبالى اسخط عليك الأمير أم رضى و قال له حليس بن غالب الشيبانى: ان الترك بينك و بين الجنيد، فان خرجت كروا عليك فاختطفوك فكتب الى الجنيد: انى لا اقدر على الخروج، فكتب اليه الجنيد:

يا بن اللخناء، تخرج و الا وجهت إليك شداد بن خالد الباهلى- و كان له عدوا- فاقدم وضع فلانا بفرخشاذ في خمسمائة ناشب، و الزم الماء فلا تفارقه فاجمع على المسير، فقال الوجف بن خالد العبدى: انك لمهلك نفسك و العرب بمسيرك، و مهلك من معك، قال: لا يخرج حملى من التنور حتى اسير، فقال له عباده و حليس: اما إذ أبيت الا المسير فخذ على النهر، فقال: انا لا اصل اليه على النهر في يومين، و بيني و بينه من هذا الوجه ليله فاصبحه، فإذا سكنت الزجل سرت فاعبره فجاءت عيون الاتراك فاخبروهم، و امر سوره بالرحيل، و استخلف على سمرقند موسى بن اسود، احد بنى ربيعه بن حنظله، و خرج في اثنى عشر ألفا، فاصبح على راس جبل، و انما دله على ذلك الطريق علج يسمى كارتقبد، فتلقاه خاقان حين اصبح و قد سار ثلاثة فراسخ، و بينه و بين‏

77

الجنيد فرسخ: فقال ابو الذيال: قاتلهم.

في ارض خواره، فصبر و صبروا حتى اشتد الحر و قال بعضهم: قال له غوزك: يومك يوم حار فلا تقاتلهم حتى تحمى عليهم الشمس و عليهم السلاح تثقلهم فلم يقاتلهم خاقان، و أخذ براى غوزك، و اشعل النار في الحشيش، و واقفهم و حال بينهم و بين الماء، فقال سوره لعباده: ما ترى يا أبا السليل؟ قال: ارى و الله انه ليس من الترك احد الا و هو يريد الغنيمه، فاعقر هذه الدواب و احرق هذا المتاع، و جرد السيف، فإنهم يخلون لنا الطريق قال ابو الذيال: فقال سوره لعباده: ما الرأي؟

قال: تركت الرأي، قال: فما ترى الان؟ قال: ان ننزل فنشرع الرماح، و نزحف زحفا، فإنما هو فرسخ حتى نصل الى العسكر، قال: لا اقوى على هذا، و لا يقوى فلان و فلان و عدد رجالا، و لكن ارى ان اجمع الخيل و من ارى انه يقاتل فاصكهم، سلمت أم عطبت، فجمع الناس و حملوا فانكشفت الترك، و ثار الغبار فلم يبصروا، و من وراء الترك اللهب، فسقطوا فيه، و سقط فيه العدو و المسلمون، و سقط سوره فاندقت فخذه، و تفرق الناس، و انكشفت الغمة و الناس متفرقون، فقطعتهم الترك، فقتلوهم فلم ينج منهم غير الفين- و يقال: الف- و كان ممن نجا عاصم بن عمير السمرقندي، عرفه رجل من الترك فاجاره، و استشهد حليس بن غالب الشيبانى، فقال رجل من العرب: الحمد لله، استشهد حليس، و لقد رايته يرمى البيت ايام الحجاج و يقول: درى عقاب، بلبن و أخشاب، و امراه قائمه، فكلما رمى بحجر قالت المرأة: يا رب بي و لا ببيتك! ثم رزق الشهاده.

و انحاز المهلب بن زياد العجلى في سبعمائة و معه قريش بن عبد الله العبدى الى رستاق يسمى المرغاب، فقاتلوا اهل قصر من قصورهم، فاصيب المهلب بن زياد، و ولوا امرهم الوجف بن خالد، ثم أتاهم الاشكند صاحب نسف في خيل و معه غوزك، فقال غوزك: يا وجف، لكم الامان، فقال‏

78

قريش: لا تثقوا بهم، و لكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى ناتى سمرقند، فانا ان أصبحنا معهم قتلونا.

قال: فعصوه و أقاموا، فساقوهم الى خاقان، فقال: لا أجيز أمان غوزك، فقال غوزك للوجف: انا عبد لخاقان من شاكريته، قالوا: فلم غرزتنا؟ فقاتلهم الوجف و اصحابه، فقتلوا غير سبعه عشر رجلا دخلوا الحائط و امسوا، فقطع المشركون شجره فألقوها على ثلمه الحائط، فجاء قريش بن عبد الله العبدى الى الشجرة فرمى بها، و خرج في ثلاثة فباتوا في ناوس فكمنوا فيه و جبن الآخرون فلم يخرجوا، فقتلوا حين أصبحوا.

و قتل سوره، فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادرا، فقال له خالد بن عبيد الله بن حبيب: سر سر، و مجشر بن مزاحم السلمى يقول: اذكرك الله أقم، و الجنيد يتقدم، فلما راى المجشر ذلك نزل فاخذ بلجام الجنيد، فقال: و الله لا تسير و لتنزلن طائعا او كارها، و لا ندعك تهلكنا بقول هذا الهجرى، انزل فنزل و نزل الناس فلم يتتام نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشر: لو لقونا و نحن نسير، ا لم يستاصلونا! فلما أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفه، و جال الناس، فقال الجنيد: ايها الناس، انها النار، فتراجعوا و امر الجنيد رجلا فنادى: اى عبد قاتل فهو حر، فقاتل العبيد قتالا شديدا عجب الناس منه، جعل احدهم يأخذ اللبد فيجوبه و يجعله في عنقه، يتوقى به فسر الناس بما رأوا من صبرهم، فكر العدو، و صبر الناس حتى انهزم العدو فمضوا، فقال موسى بن النعر للناس: ا تفرحون بما رايتم من العبيد! و الله ان لكم منهم ليوما أرونان و مضى الجنيد فاخذ العدو رجلا من عبد القيس فكتفوه، و علقوا في عنقه راس بلعاء العنبري بن مجاهد بن بلعاء، فلقيه الناس فاخذ بنو تميم الراس فدفنوه، و مضى الجنيد الى سمرقند، فحمل‏

79

عيال من كان مع سوره الى مرو، و اقام بالسغد اربعه اشهر، و كان صاحب راى خراسان في الحرب المجشر بن مزاحم السلمى و عبد الرحمن بن صبح الخرقى و عبيد الله بن حبيب الهجرى، و كان المجشر ينزل الناس على راياتهم، و يضع المسالح ليس لأحد مثل رايه في ذلك، و كان عبد الرحمن ابن صبح إذا نزل الأمر العظيم في الحرب لم يكن لأحد مثل رايه، و كان عبيد الله بن حبيب على تعبئه القتال، و كان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي و المشورة و العلم بالحرب، فمنهم الفضل بن بسام مولى بنى ليث و عبد الله ابن ابى عبد الله مولى بنى سليم و البختري بن مجاهد مولى بنى شيبان قال: فلما انصرف الترك الى بلادهم بعث الجنيد سيف بن وصاف العجلى من سمرقند الى هشام، فجبن عن السير و خاف الطريق، فاستعفاه فأعفاه، و بعث نهار بن توسعه احد بنى تميم اللات و زميل بن سويد المري، مره غطفان، و كتب الى هشام: ان سوره عصاني، امرته بلزوم الماء فلم يفعل، فتفرق عنه اصحابه، فاتتنى طائفه الى كس، و طائفه الى نسف، و طائفه الى سمرقند، و اصيب سوره في بقية اصحابه.

قال: فدعا هشام نهار بن توسعه، فسأله عن الخبر فاخبره بما شهد، فقال نهار بن توسعه:

لعمرك ما حابيتنى إذ بعثتني* * * و لكنما عرضتني للمتالف‏

دعوت لها قوما فهابوا ركوبها* * * و كنت امرا ركابه للمخاوف‏

فايقنت ان لم يدفع الله اننى* * * طعام سباع او لطير عوائف‏

قرين عراك و هو ايسر هالك* * * عليك و قد زملته بصحائف‏

فانى و ان آثرت منه قرابه* * * لأعظم حظا في حباء الخلائف‏

على عهد عثمان وفدنا و قبله* * * و كنا اولى مجد تليد و طارف‏

قال: و كان عراك معهم في الوفد، و هو ابن عم الجنيد، فكتب الى الجنيد: قد وجهت إليك عشرين ألفا مددا، عشره آلاف من اهل البصره عليهم عمرو بن مسلم، و من اهل الكوفه عشره آلاف عليهم عبد الرحمن‏

80

ابن نعيم، و من السلاح ثلاثين الف رمح و مثلها ترسه، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسه عشر ألفا.

قال: و يقال ان الجنيد اوفد الوفد الى خالد بن عبد الله، فاوفد خالد الى هشام: ان سوره بن الحر خرج يتصيد مع اصحاب له فهجم عليهم الترك، فأصيبوا فقال هشام حين أتاه مصاب سوره: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! مصاب سوره بن الحر بخراسان و الجراح بالباب! و ابلى نصر بن سيار يومئذ بلاء حسنا، فانقطع سيفه، و انقطع سيور ركابه، فاخذ سيور ركابه، فضرب به رجلا حتى اثخنه، و سقط في اللهب مع سوره يومئذ عبد الكريم ابن عبد الرحمن الحنفي و احد عشر رجلا معه و كان ممن سلم من اصحاب سوره الف رجل، فقال عبد الله بن حاتم بن النعمان: رايت فساطيط مبنية بين السماء و الارض، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لعبد الله بن بسطام و اصحابه، فقتلوا من غد، فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت رائحه المسك ساطعه قال: و لم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه، فقال نصر:

ان تحسدونى على حسن البلاء لكم* * * يوما، فمثل بلائي جر لي الحسدا

يأبى الإله الذى اعلى بقدرته* * * كعبي عليكم و اعطى فوقكم عضدا

و ضربي الترك عنكم يوم فرقكم* * * بالسيف في الشعب حتى جاوز السندا

قال: و كان الجنيد يوم الشعب أخذ في الشعب، و هو لا يرى ان أحدا يأتيه من الجبال، و بعث ابن الشخير في مقدمته، و اتخذ ساقه، و لم يتخذ مجنبتين.

و اقبل خاقان فهزم المقدمه، و قتل من قتل منهم، و جاءه خاقان من قبل ميسرته و جبغويه من قبل الميمنه، فاصيب رجال من الأزد و تميم، و أصابوا له سرادقات و ابنيه، فامر الجنيد حين امسى رجلا من اهل بيته، فقال له:

امش في الصفوف و الدراجة، و تسمع ما يقول الناس، و كيف حالهم، ففعل‏

81

ثم رجع اليه، فقال: رايتهم طيبه انفسهم، يتناشدون الاشعار، و يقرءون القرآن، فسره ذلك، و حمد الله.

قال: و يقال نهضت العبيد يوم الشعب من جانب العسكر و قد اقبلت الترك و السغد ينحدرون، فاستقبلهم العبيد و شدوا عليهم بالعمد، فقتلوا منهم تسعه، فأعطاهم الجنيد اسلابهم.

و قال ابن السجف في يوم الشعب، و يعنى هشاما:

اذكر يتامى بأرض الترك ضائعه* * * هزلى كأنهم في الحائط الحجل‏

و ارحم، و الا فهبها أمه دمرت* * * لا انفس بقيت فيها و لا ثقل‏

لا تاملن بقاء الدهر بعدهم* * * و المرء ما عاش ممدود له الأمل‏

لاقوا كتائب من خاقان معلمه* * * عنهم يضيق فضاء السهل و الجبل‏

لما رأوهم قليلا لا صريخ لهم* * * مدوا بايديهم لله و ابتهلوا

و بايعوا رب موسى بيعه صدقت* * * ما في قلوبهم شك و لا دغل‏

قال: فأقام الجنيد بسمرقند ذلك العام، و انصرف خاقان الى بخارى و عليها قطن بن قتيبة، فخاف الناس الترك على قطن، فشاورهم الجنيد، فقال قوم: الزم سمرقند، و اكتب الى امير المؤمنين يمدك بالجنود و قال قوم:

تسير فتأتي ربنجن، ثم تسير منها الى كس، ثم تسير منها الى نسف، فتتصل منها الى ارض زم، و تقطع النهر و تنزل آمل، فتأخذ عليه بالطريق.

فبعث الى عبد الله بن ابى عبد الله، فقال: قد اختلف الناس على- و اخبره بما قالوا- فما الرأي؟ فاشترط عليه الا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال او نزول او قتال، قال: نعم، قال: فانى اطلب إليك خصالا، قال: و ما هي؟ قال: تخندق حيثما نزلت، و لا يفوتنك حمل الماء و لو كنت على شاطئ نهر، و ان تطيعنى في نزولك و ارتحالك فاعطاه ما اراد.

قال: اما ما اشار به عليك في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث، فالغياث يبطئ عنك، و ان سرت فأخذت بالناس غير الطريق فتت في اعضادهم،

82

فانكسروا عن عدوهم، فاجترا عليك خاقان، و هو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فان أخذت بهم غير الطريق تفرق الناس عنك مبادرين الى منازلهم، و يبلغ اهل بخارى فيستسلموا لعدوهم، و ان أخذت الطريق الأعظم هابك العدو، و الرأي لك ان تعمد الى عيالات من شهد الشعب من اصحاب سوره فتقسمهم على عشائرهم و تحملهم معك، فانى أرجو بذلك ان ينصرك الله على عدوك، و تعطى كل رجل تخلف بسمرقند الف درهم و فرسا.

قال: فاخذ برايه، فخلف في سمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في ثمانمائه: أربعمائة فارس و أربعمائة راجل، و اعطاهم سلاحا فشتم الناس عبد الله بن ابى عبد الله مولى بنى سليم، و قالوا: عرضنا لخاقان و الترك، ما اراد الا هلاكنا! فقال عبيد الله بن حبيب لحرب بن صبح: كم كانت لكم الساقه اليوم؟ قال: الف و ستمائه، قال: لقد عرضنا للهلاك قال: فامر الجنيد بحمل العيال.

قال: و خرج و الناس معه، و على طلائعه الوليد بن القعقاع العبسى و زياد ابن خيران الطائي، فسرح الجنيد الاشهب بن عبيد الحنظلى، و معه عشره من طلائع الجند، و قال له: كلما مضيت مرحلة فسرح الى رجلا يعلمني الخبر.

قال: و سار الجنيد، فلما صار بقصر الريح أخذ عطاء الدبوسي بلجام الجنيد و كبحه، فقرع راسه هارون الشاشى مولى بنى حازم بالرمح حتى كسره على راسه، فقال الجنيد لهارون: خل عن الدبوسي، و قال له: ما لك يا دبوسى؟ فقال: انظر اضعف شيخ في عسكرك فسلحه سلاحا تاما، و قلده سيفا و جعبة و ترسا، و أعطه رمحا، ثم سر بنا على قدر مشيه، فانا لا نقدر على السوق و القتال و سرعه السير و نحن رجاله ففعل ذلك الجنيد،

83

فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الاماكن المخوفه، و دنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع باقبال خاقان، فعرضوا له بكرمينيه، أول يوم من رمضان.

فلما ارتحل الجنيد من كرمينيه قدم محمد بن الرندى في الأساورة آخر الليل، فلما كان في طرف مفازة كرمينيه راى ضعف العدو، فرجع الى الجنيد فاخبره، فنادى منادى الجنيد: الا يخرج المكتبون الى عدوهم؟ فخرج الناس، و نشبت الحرب، فنادى رجل: ايها الناس، صرتم حرورية فاستقتلتم و جاء عبد الله بن ابى عبد الله الى الجنيد يضحك، فقال له الجنيد: ما هذا بيوم ضحك! فقيل له: انه ضحك تعجبا، فالحمد لله الذى لم يلقك هؤلاء الا في جبال معطشة، فهم على ظهر و أنت مخندق آخر النهار، كالين و أنت معك الزاد، فقاتلوا قليلا ثم رجعوا و كان عبد الله بن ابى عبد الله قال للجنيد و هم يقاتلون: ارتحل، فقال الجنيد: و هل من حيله؟

قال: نعم، تمضى برايتك قدر ثلاث غلاء، فان خاقان ود انك اقمت فينطوى عليك إذا شاء فامر بالرحيل و عبد الله بن ابى عبد الله على الساقه.

فأرسل اليه: انزل، قال: انزل على غير ماء! فأرسل اليه: ان لم تنزل ذهبت خراسان من يدك، فنزل و امر الناس ان يسقوا، فذهب الناس الرجاله و الناشبة، و هم صفان، فاستقوا و باتوا، فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله ابن ابى عبد الله: انكم معشر العرب اربعه جوانب، فليس يعيب بعضهم بعضا، كل ربع لا يقدر ان يزول عن مكانه: مقدمه- و هم القلب- و مجنبتان و ساقه، فان جمع خاقان خيله و رجاله ثم صدم جانبا منكم- و هم الساقه- كان بواركم، و بالحرى ان يفعل، و انا اتوقع ذلك في يومى، فشدوا الساقه بخيل فوجه الجنيد خيل بنى تميم و المجففة، و جاءت الترك فمالت على الساقه، و قد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا، فاشتد الأمر بينهم، فحمل سلم بن احوز على رجل من عظماء الترك فقتله قال: فتطير الترك، و انصرفوا من الطواويس، و مضى المسلمون، فاتوا بخارى يوم المهرجان قال: فتلقونا بدراهم بخارية، فأعطاهم عشره عشره، فقال عبد المؤمن بن خالد: رايت‏

84

عبد الله بن ابى عبد الله بعد وفاته في المنام، فقال: حدث الناس عنى برأيي يوم الشعب.

قال: و كان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله، و يقول: ربذه من الربذ، صنبور ابن صنبور، قل ابن قل، هيفه من الهيف- و زعم ان الهيفة الضبع، و العجرة الخنزيرة، و القل: الفرد- قال: و قدمت الجنود مع عمرو بن مسلم الباهلى في اهل البصره و عبد الرحمن بن نعيم الغامدى في اهل الكوفه و هو بالصغانيان، فسرح معهم الحوثره بن يزيد العنبري فيمن انتدب معه من التجار و غيرهم، و امرهم ان يحملوا ذراري اهل سمرقند، و يدعوا فيها المقاتله ففعلوا قال ابو جعفر: و قد قيل: ان وقعه الشعب بين الجنيد و خاقان كانت في سنه ثلاث عشره و مائه.

و قال نصر بن سيار يذكر يوم الشعب و قتال العبيد:

انى نشأت و حسادي ذوو عدد* * * يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا

ان تحسدونى على مثل البلاء لكم* * * يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا

يأبى الإله الذى اعلى بقدرته* * * كعبي عليكم و اعطى فوقكم عددا

ارمى العدو بافراس مكلمه* * * حتى اتخذن على حسادهن يدا

من ذا الذى منكم في الشعب إذ وردوا* * * لم يتخذ حومه الاثقال معتمدا!

فما حفظتم من الله الوصاة و لا* * * أنتم بصبر طلبتم حسن ما وعدا

و لا نهاكم عن التوثاب في عتب* * * الا العبيد بضرب يكسر العمدا

هلا شكرتم دفاعى عن جنيد كم* * * وقع القنا و شهاب الحرب قد وقدا!

85

و قال ابن عرس العبدى، يمدح نصرا يوم الشعب و يذم الجنيد، لان نصرا ابلى يومئذ:

يا نصر أنت فتى نزار كلها* * * فلك الماثر و الفعال الارفع‏

فرجت عن كل القبائل كربه* * * بالشعب حين تخاضعوا و تضعضعوا

يوم الجنيد إذ القنا متشاجر* * * و النحر دام و الخوافق تلمع‏

ما زلت ترميهم بنفس حره* * * حتى تفرج جمعهم و تصدعوا

فالناس كل بعدها عتقاؤكم* * * و لك المكارم و المعالى اجمع‏

و قال الشرعبى الطائي:

تذكرت هندا في بلاد غريبه* * * فيا لك شوقا، هل لشملك مجمع!

تذكرتها و الشاش بيني و بينها* * * و شعب عصام و المنايا تطلع‏

بلاد بها خاقان جم زحوفه* * * و نيلان في سبعين ألفا مقنع‏

إذا دب خاقان و سارت جنوده* * * أتتنا المنايا عند ذلك شرع‏

هنالك- هند- ما لنا النصف منهم* * * و ما ان لنا يا هند في القوم مطمع‏

الا رب خود خدله قد رايتها* * * يسوق جهم من السغد اصمع‏

احامى عليها حين ولى خليلها* * * تنادى إليها المسلمين فتسمع‏

تنادى باعلى صوتها صف قومها* * * الا رجل منكم يغار فيرجع!

الا رجل منكم كريم يردني* * * يرى الموت في بعض المواطن ينفع!

فما جاوبوها غير ان نصيفها* * * بكف الفتى بين البرازيق اشنع‏

الى الله اشكو نبوه في قلوبها* * * و رعبا ملا أجوافها يتوسع‏

فمن مبلغ عنى الوكا صحيفه* * * الى خالد من قبل ان نتوزع‏

بان بقايانا و ان أميرنا* * * إذا ما عددناه الذليل الموقع‏

86

هم اطمعوا خاقان فينا و جنده* * * الا ليتنا كنا هشيما يزعزع‏

و قال ابن عرس- و اسمه خالد بن المعارك من بنى غنم بن وديعة بن لكيز بن افصى و ذكر على بن محمد عن شيخ من عبد القيس ان أمه كانت أمه، فباعه اخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط احد بنى عامر بن الحارث، فاعتقه عمرو لما حضرته الوفاة، فقال: يا أبا يعقوب، كم لي عندك من المال؟ قال: ثمانون ألفا، قال: أنت حر و ما في يديك لك قال: فكان عمرو ينزل مرو الروذ، و قد اقتتلت عبد القيس في ابن عرس، فردوه الى قومه، فقال ابن عرس للجنيد:

اين حماه الحرب من معشر* * * كانوا جمال المنسر الحارد!

بادوا بآجال توافوا لها* * * و العائر الممهل كالبائد

فالعين تجرى دمعها مسبلا* * * ما لدموع العين من ذائد

انظر ترى للميت من رجعه* * * أم هل ترى في الدهر من خالد!

كنا قديما يتقى بأسنا* * * و ندرا الصادر بالوارد

حتى منينا بالذي شامنا* * * من بعد عز ناصر آئد

كعاقر الناقه لا ينثني* * * مبتدئا ذي حنق جاهد

فتقت ما لم يلتئم صدعه* * * بالجحفل المحتشد الزائد

تبكى لها ان كشفت ساقها* * * جدعا و عقرا لك من قائد!

تركتنا اجزاء معبوطه* * * يقسمها الجازر للناهد

ترقت الأسياف مسلوله* * * تزيل بين العضد و الساعد

تساقط الهامات من وقعها* * * بين جناحي مبرق راعد

إذ أنت كالطفله في خدرها* * * لم تدر يوما كيده الكائد

انا اناس حربنا صعبه* * * تعصف بالقائم و القاعد

اضحت سمرقند و اشياعها* * * احدوثه الغائب و الشاهد

87

و كم ثوى في الشعب من حازم* * * جلد القوى ذي مره ماجد

يستنجد الخطب و يغشى الوغى* * * لا هائب غس و لا ناكد

ليتك يوم الشعب في حفره* * * مرموسه بالمدر الجامد

تلعب بك الحرب و ابناؤها* * * لعب صقور بقطا وارد

طار لها قلبك من خيفة* * * ما قلبك الطائر بالعائد

لا تحسبن الحرب يوم الضحى* * * كشربك المزاء بالبارد

ابغضت من عينك تبريجها* * * و صوره في جسد فاسد

جنيد ما عيصك منسوبة* * * نبعا و لا جدك بالصاعد

خمسون ألفا قتلوا ضيعه* * * و أنت منهم دعوه الناشد

لا تمرين الحرب من قابل* * * ما أنت في العدوه بالحامد

قلدته طوقا على نحره* * * طوق الحمام الغرد الفارد

قصيده حبرها شاعر* * * تسعى بها البرد الى خالد

[أخبار متفرقة]

و حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام المخزومي، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر.

و قد قيل: ان الذى حج بالناس في هذه السنه سليمان بن هشام.

و كانت عمال الأمصار في هذه السنه عمالها الذين كانوا في سنه احدى عشره و مائه، و قد ذكرناهم قبل.

88

ثم دخلت‏

سنه ثلاث عشره و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

قتل عبد الوهاب بن بخت‏

فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بخت، و هو مع البطال عبد الله بأرض الروم، فذكر محمد بن عمر، عن عبد العزيز بن عمر، ان عبد الوهاب بن بخت غزا مع البطال سنه ثلاث عشره و مائه، فانهزم الناس عن البطال و انكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكر فرسه و هو يقول: ما رايت فرسا اجبن منه، و سفك الله دمى ان لم اسفك دمك ثم القى بيضته عن راسه و صاح: انا عبد الوهاب بن بخت، امن الجنه تفرون! ثم تقدم في نحور العدو، فمر برجل و هو يقول: وا عطشاه! فقال: تقدم، الري امامك، فخالط القوم فقتل و قتل فرسه.

و من ذلك ما كان من تفريق مسلمه بن عبد الملك الجيوش في بلاد خاقان ففتحت مدائن و حصون على يديه، و قتل منهم، و اسر و سبى، و حرق خلق كثير من الترك انفسهم بالنار، و دان لمسلمه من كان وراء جبال بلنجر و قتل ابن خاقان.

و من ذلك غزوه معاويه بن هشام ارض الروم فرابط من ناحيه مرعش ثم رجع.

و في هذه السنه صار من دعاه بنى العباس جماعه الى خراسان، فاخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلا منهم فقتله، و قال: من اصيب منهم فدمه هدر

89

و حج بالناس في هذه السنه- في قول ابى معشر- سليمان بن هشام بن عبد الملك، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عن ابى معشر و كذلك قال الواقدى.

و قال بعضهم: الذى حج بالناس في هذه السنه ابراهيم بن هشام المخزومي.

و كان عمال الأمصار في هذه السنه هم الذين كانوا عمالها في سنه احدى عشره و اثنتى عشره، و قد مضى ذكرنا لهم‏

90

ثم دخلت‏

سنه اربع عشره و مائه‏

(ذكر الاخبار عن الاحداث التي كانت فيها) فمن ذلك غزوه معاويه بن هشام الصائفه اليسرى و سليمان بن هشام على الصائفه اليمنى، فذكر ان معاويه بن هشام أصاب ربض اقرن، و ان عبد الله البطال التقى و قسطنطين في جمع فهزمهم، و اسر قسطنطين، و بلغ سليمان ابن هشام قيساريه.

و في هذه السنه عزل هشام بن عبد الملك ابراهيم بن هشام عن المدينة، و امر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم قال الواقدى: قدم خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الاول، و كانت امره ابراهيم ابن هشام على المدينة ثماني سنين.

و قال الواقدى: في هذه السنه ولى محمد بن هشام المخزومي مكة.

و قال بعضهم: بل ولى محمد بن هشام مكة سنه ثلاث عشره و مائه، فلما عزل ابراهيم اقر محمد بن هشام على مكة.

و في هذه السنه وقع الطاعون- فيما قيل- بواسط.

و فيها قفل مسلمه بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان و بنى الباب فاحكم ما هنالك.

و في هذه السنه ولى هشام مروان بن محمد أرمينية و اذربيجان.

و اختلف فيمن حج بالناس في هذه السنه، فقال ابو معشر- فيما حدثنى احمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه: حج بالناس سنه اربع عشره و مائه خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، و هو على المدينة

91

و قال بعضهم: حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام، و هو امير مكة، فأقام خالد بن عبد الملك تلك السنه، لم يشهد الحج.

قال الواقدى: حدثنى بهذا الحديث عبد الله بن جعفر، عن صالح بن كيسان.

قال الواقدى: و قال لي ابو معشر: حج بالناس سنه اربع عشره و مائه خالد بن عبد الملك، و محمد بن هشام على مكة قال الواقدى: و هو الثبت عندنا.

و كان عمال الأمصار في هذه السنه هم العمال الذين كانوا في السنه التي قبلها، غير ان عامل المدينة في هذه السنه كان خالد بن عبد الملك، و عامل مكة و الطائف محمد بن هشام، و عامل أرمينية و اذربيجان مروان بن محمد.

92

ثم دخلت‏

سنه خمس عشره و مائه‏

(ذكر الاخبار عما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها من ذلك غزوه معاويه بن هشام ارض الروم.

و فيها وقع الطاعون بالشام.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام بن اسماعيل، و هو امير مكة و الطائف، كذلك قال ابو معشر، فيما حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و كان عمال الأمصار في هذه السنه عمالها في سنه اربع عشره و مائه، غير انه اختلف في عامل خراسان في هذه السنه، فقال المدائني: كان عاملها الجنيد بن عبد الرحمن، و قال بعضهم كان عاملها عماره بن حريم المري.

و زعم الذى قال ذلك ان الجنيد مات في هذه السنه، و استخلف عماره بن حريم و اما المدائني فانه ذكر ان وفاه الجنيد كانت في سنه ست عشره و مائه.

و في هذه السنه أصاب الناس بخراسان قحط شديد و مجاعه، فكتب الجنيد الى الكور: ان مرو كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فاحملوا إليها الطعام.

قال على بن محمد: اعطى الجنيد في هذه السنه رجلا درهما، فاشترى به رغيفا، فقال لهم: تشكون الجوع و رغيف بدرهم! لقد رأيتني بالهند و ان الحبه من الحبوب لتباع عددا بالدرهم، و قال: ان مرو كما قال الله عز و جل:

«وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً».

93

ثم دخلت‏

سنه ست عشره و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك ما كان من غزوه معاويه بن هشام ارض الروم الصائفه.

و فيها كان طاعون شديد بالعراق و الشام، و كان أشد ذلك- فيما ذكر- بواسط.

وفاه الجنيد بن عبد الرحمن و ولايه عاصم بن عبد الله خراسان‏

و فيها كانت وفاه الجنيد بن عبد الرحمن و ولايه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان.

ذكر الخبر عن امرهما:

ذكر على بن محمد، عن أشياخه، ان الجنيد بن عبد الرحمن تزوج الفاضله بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام على الجنيد، و ولى عاصم بن عبد الله خراسان، و كان الجنيد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: ان أدركته و به رمق فازهق نفسه، فقدم عاصم و قد مات الجنيد.

قال: و ذكروا ان جبله بن ابى رواد دخل على الجنيد عائدا، فقال:

يا جبله، ما يقول الناس؟ قال: قلت يتوجعون للأمير، قال: ليس عن هذا سألتك، ما يقولون؟ و اشار نحو الشام بيده قال: قلت: يقدم على خراسان يزيد بن شجره الرهاوى، قال: ذلك سيد اهل الشام، قال: و من؟

قلت: عصمه او عصام، و كنيت عن عاصم، فقال: ان قدم عاصم فعدو جاهد، لا مرحبا به و لا أهلا.

قال: فمات في مرضه ذلك في المحرم سنه ست عشره و مائه، و استخلف عماره بن حريم و قدم عاصم بن عبد الله، فحبس عماره بن حريم و عمال الجنيد و عذبهم و كانت وفاته بمرو، فقال ابو الجويرية عيسى ابن عصمه يرثيه:

94

هلك الجود و الجنيد جميعا* * * فعلى الجود و الجنيد السلام‏

أصبحا ثاويين في ارض مرو* * * ما تغنت على الغصون الحمام‏

كنتما نزهه الكرام فلما* * * مت مات الندى و مات الكرام‏

ثم ان أبا الجويرية اتى خالد بن عبد الله القسرى و امتدحه، فقال له خالد: ا لست القائل: هلك الجود و الجنيد جميعا.

مالك عندنا شي‏ء، فخرج فقال:

تظل لامعه الافاق تحملنا* * * الى عماره و القود السراهيد

قصيده امتدح بها عماره بن حريم، ابن عم الجنيد، و عماره هو جد ابى الهيذام صاحب العصبية بالشام.

قال: و قدم عاصم بن عبد الله فحبس عماره بن حريم و عمال الجنيد و عذبهم‏

. ذكر خلع الحارث بن سريج‏

و في هذه السنه خلع الحارث بن سريج، و كانت الحرب بينه و بين عاصم بن عبد الله.

ذكر الخبر عن ذلك:

ذكر على عن أشياخه، قال: لما قدم عاصم خراسان واليا، اقبل الحارث ابن سريج من النخذ حتى وصل الى الفارياب، و قدم امامه بشر بن جرموز.

قال: فوجه عاصم الخطاب بن محرز السلمى و منصور بن عمر بن ابى الخرقاء السلمى و هلال بن عليم التميمى و الاشهب الحنظلى و جرير بن هميان السدوسي و مقاتل بن حيان النبطي مولى مصقله الى الحارث، و كان خطاب و مقاتل بن حيان قالا: لا تلقوه الا بأمان، فأبى عليهما القوم، فلما انتهوا اليه بالفارياب قيدهم و حبسهم، و وكل بهم رجلا يحفظهم قال: فاوثقوه و خرجوا من السجن، فركبوا دوابهم، و ساقوا دواب البريد، فمروا بالطالقان‏

95

فهم سهرب صاحب الطالقان بهم، ثم امسك و تركهم فلما قدموا مرو امرهم عاصم فخطبوا و تناولوا الحارث، و ذكروا خبث سيرته و غدره ثم مضى الحارث الى بلخ و عليها نصر، فقاتلوه، فهزم اهل بلخ و مضى نصر الى مرو.

و ذكر بعضهم: لما اقبل الحارث الى بلخ و كان عليها التجيبى بن ضبيعه المري و نصر بن سيار، و ولاهما الجنيد قال: فانتهى الى قنطره عطاء و هي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، فتلقى نصر بن سيار في عشره آلاف و الحارث بن سريج في اربعه آلاف، فدعاهم الحارث الى الكتاب و السنه و البيعه للرضا، فقال قطن بن عبد الرحمن بن جزى الباهلى: يا حارث، أنت تدعو الى كتاب الله و السنه، و الله لو ان جبريل عن يمينك و ميكائيل عن يسارك ما اجبتك، فقاتلهم فاصابته رميه في عينه، فكان أول قتيل.

فانهزم اهل بلخ الى المدينة، و اتبعهم الحارث حتى دخلها، و خرج نصر من باب آخر، فامر الحارث بالكف عنهم، فقال رجل من اصحاب الحارث: انى لأمشي في بعض طرق بلخ إذ مررت بنساء يبكين و امراه تقول: يا أبتاه! ليت شعرى من دهاك! و اعرابى الى جنبي يسير، فقال:

من هذه الباكيه؟ فقيل له: ابنه قطن بن عبد الرحمن بن جزى، فقال الأعرابي: انا و ابيك دهيتك، فقلت: أنت قتلته؟ قال: نعم.

قال: و يقال: قدم نصر و التجيبى على بلخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوسا حتى هزم الحارث نصرا، و كان التجيبى ضرب الحارث اربعين سوطا في امره الجنيد، فحوله الحارث الى قلعه باذكر بزم، فجاء رجل من بنى حنيفه فادعى عليه انه قتل أخاه ايام كان على هراة، فدفعه الحارث الى الحنفي، فقال له التجيبى: افتدى منك بمائه الف، فلم يقبل منه و قتله و قوم يقولون: قتل التجيبى في ولايه نصر قبل ان يأتيه الحارث.

قال: و لما غلب الحارث على بلخ استعمل عليها رجلا من ولد عبد الله ابن خازم، و سار، فلما كان بالجوزجان دعا وابصه بن زراره العبدى، و دعا دجاجه و وحشا العجليين و بشر بن جرموز و أبا فاطمه، فقال:

96

ما ترون؟ فقال ابو فاطمه: مرو بيضه خراسان، و فرسانهم كثير، لو لم يلقوك الا بعبيدهم لانتصفوا منك، فاقم فان أتوك قاتلتهم و ان أقاموا قطعت المادة عنهم، قال: لا ارى ذلك، و لكن اسير اليهم فاقبل الحارث الى مرو، و قد غلب على بلخ و الجوزجان و الفارياب و الطالقان و مرو الروذ، فقال اهل الدين من اهل مرو: ان مضى الى ابرشهر و لم يأتنا فرق جماعتنا، و ان أتانا نكب.

قال: و بلغ عاصما ان اهل مرو يكاتبون الحارث، قال: فاجمع على الخروج و قال: يا اهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، لا يقصد مدينه الا خليتموها له، انى لاحق بأرض قومى ابرشهر، و كاتب منها الى امير المؤمنين حتى يمدني بعشره آلاف من اهل الشام فقال له المجشر بن مزاحم:

ان اعطوك بيعتهم بالطلاق و العتاق فاقم، و ان أبوا فسر حتى تنزل ابرشهر، و تكتب الى امير المؤمنين فيمدك باهل الشام فقال خالد بن هريم احد بنى ثعلبه بن يربوع و ابو محارب هلال بن عليم: و الله لا نخليك و الذهاب، فيلزمنا دينك عند امير المؤمنين، و نحن معك حتى نموت ان بذلت الأموال.

قال: افعل، قال يزيد بن قران الرياحي: ان لم اقاتل معك ما قاتلت فابنه الأبرد بن قره الرياحي طالق ثلاثا- و كانت عنده- فقال عاصم: اكلكم على هذا؟ قالوا: نعم و كان سلمه بن ابى عبد الله صاحب حرسه يحلفهم بالطلاق.

قال: و اقبل الحارث بن سريج الى مرو في جمع كثير- يقال في ستين ألفا- و معه فرسان الأزد و تميم، منهم محمد بن المثنى و حماد بن عامر ابن مالك الحماني و داود الاعسر و بشر بن انيف الرياحي و عطاء الدبوسي.

و من الدهاقين الجوزجان و ترسل دهقان الفارياب و سهرب ملك الطالقان، و قرياقس دهقان مرو، في أشباههم.

قال: و خرج عاصم في اهل مرو و في غيرهم، فعسكر بجياسر عند البيعه،

97

و اعطى الجند دينارا دينارا، فخف عنه الناس، فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير، و اعطى الجند و غيرهم، فلما قرب بعضهم من بعض امر بالقناطر فكسرت، و جاء اصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا في البريه! دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له، فأبوا و ذهب رجالتهم يصلحون القناطر، فأتاهم رجاله اهل مرو فقاتلوهم، فمال محمد بن المثنى الفراهيذى برايته الى عاصم فامالها في الفين فاتى الأزد، و مال حماد بن عامر بن مالك الحماني الى عاصم، و اتى بنى تميم.

قال سلمه الأزدي: كان الحارث بعث الى عاصم رسلا- منهم محمد ابن مسلم العنبري- يسالونه العمل بكتاب الله و سنه نبيه ص.

قال: و على الحارث بن سريج يومئذ السواد قال: فلما مال محمد بن المثنى بدا اصحاب الحارث بالحمله، و التقى الناس، فكان أول قتيل غياث بن كلثوم من اهل الجارود، فانهزم اصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من اصحاب الحارث في انهار مرو و النهر الأعظم، و مضت الدهاقين الى بلادهم، فضرب يومئذ خالد بن علباء بن حبيب بن الجارود على وجهه، و ارسل عاصم بن عبد الله المؤمن بن خالد الحنفي و علباء بن احمر اليشكري و يحيى بن عقيل الخزاعي و مقاتل بن حيان النبطي الى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث الحارث محمد بن مسلم العنبري وحده، فقال لهم: ان الحارث و إخوانكم يقرءونكم السلام، و يقولون لكم: قد عطشنا و عطشت دوابنا، فدعونا ننزل الليلة، و تختلف الرسل فيما بيننا و نتناظر، فان وافقناكم على الذى تريدون و الا كنتم من وراء امركم، فأبوا عليه و قالوا مقالا غليظا، فقال مقاتل ابن حيان النبطي: يا اهل خراسان، انا كنا بمنزله بيت واحد و ثغرنا واحد، و يدنا على عدونا واحده، و قد أنكرنا ما صنع صاحبكم، وجه اليه أميرنا بالفقهاء و القراء من اصحابه، فوجه رجلا واحدا قال محمد: انما اتيتكم مبلغا، لطلب كتاب الله و سنه نبيه ص، و سيأتيكم الذى تطلبون من غد ان شاء الله تعالى‏

98

و انصرف محمد بن مسلم الى الحارث، فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصما، فلما اصبح سار اليه فالتقوا، و على ميمنه الحارث رابض بن عبد الله بن زراره التغلبى، فاقتتلوا قتالا شديدا، فحمل يحيى بن حضين- و هو راس بكر بن وائل، و على بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج- فقتلوا قتلا ذريعا، فقطع الحارث وادي مرو، فضرب رواقا عند منازل الرهبان، و كف عنه عاصم قال: و كانت القتلى مائه، و قتل سعيد بن سعد بن جزء الأزدي، و غرق خازم بن موسى بن عبد الله بن خازم- و كان مع الحارث بن سريج- و اجتمع الى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، فقال القاسم بن مسلم: لما هزم الحارث كف عنه عاصم، و لو الح عليه لاهلكه.

و ارسل الى الحارث: انى راد عليك ما ضمنت لك و لأصحابك، على ان ترتحل، ففعل.

قال: و كان خالد بن عبيد الله بن حبيب اتى الحارث ليله هزم، و كان اصحابه اجمعوا على مفارقه الحارث، و قالوا: ا لم تزعم انه لا يرد لك رايه! فأتاهم فسكنهم.

و كان عطاء الدبوسي من الفرسان، فقال لغلامه يوم زرق: اسرج لي برذوني لعلى الاعب هذه الحماره، فركب و دعا الى البراز، فبرز له رجل من اهل الطالقان، فقال بلغته: اى كير خر.

قال ابو جعفر الطبرى (رحمه الله): و حج بالناس في هذه السنه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، و هو ولى العهد، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر و كذلك قال الواقدى و غيره.

و كانت عمال الأمصار في هذه السنه عمالها في التي قبلها الا ما كان من خراسان فان عاملها في هذه السنه عاصم بن عبد الله الهلالي.

99

ثم دخلت‏

سنه سبع عشره و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمما كان فيها غزوه معاويه بن هشام الصائفه اليسرى و غزوه سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفه اليمنى من نحو الجزيرة، و فرق سراياه في ارض الروم و فيها بعث مروان بن محمد- و هو على أرمينية- بعثين، فافتتح أحدهما حصونا ثلاثة من اللان و نزل الآخر على تومانشاه، فنزل أهلها على الصلح.

و فيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، و ضمها الى خالد بن عبد الله، فولاها خالد أخاه اسد بن عبد الله.

و قال المدائني: كان عزل هشام عاصما عن خراسان و ضم خراسان الى خالد بن عبد الله في سنه ست عشره و مائه.

ذكر الخبر عن سبب عزل هشام عاصما و توليته خالدا خراسان‏

و كان سبب ذلك- فيما ذكر على عن أشياخه- ان عاصم بن عبد الله كتب الى هشام بن عبد الملك: اما بعد يا امير المؤمنين، فان الرائد لا يكذب اهله، و قد كان من امر امير المؤمنين الى ما يحق به على نصيحته، و ان خراسان لا تصلح الا ان تضم الى صاحب العراق، فتكون موادها و منافعها و معونتها في الاحداث و النوائب من قريب، لتباعد امير المؤمنين عنها.

و تباطؤ غياثه عنها فلما مضى كتابه خرج الى اصحابه يحيى بن حضين و المجشر بن مزاحم و اصحابهم، فاخبرهم، فقال له المجشر بعد ما مضى الكتاب: كأنك بأسد قد طلع عليك فقدم اسد بن عبد الله، بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر، فبعث الكميت بن زيد الأسدي الى اهل مرو بهذا الشعر:

100

الا ابلغ جماعه اهل مرو* * * على ما كان من نأى و بعد

رساله ناصح يهدى سلاما* * * و يأمر في الذى ركبوا بجد

و ابلغ حارثا عنا اعتذارا* * * اليه بان من قبلي بجهد

و لو لا ذاك قد زارتك خيل* * * من المصرين بالفرسان تردى‏

فلا تهنوا و لا ترضوا بخسف* * * و لا يغرركم اسد بعهد

و كونوا كالبغايا ان خدعتم* * * و ان اقررتم ضيما لوغد

و الا فارفعوا الرايات سودا* * * على اهل الضلالة و التعدى‏

فكيف و أنتم سبعون ألفا* * * رماكم خالد بشبيه قرد

و من ولى بذمته رزينا* * * و شيعته و لم يوف بعهد

و من غشى قضاعه ثوب خزى* * * بقتل ابى سلامان بن سعد

فمهلا يا قضاع فلا تكوني* * * توابع لا اصول لها بنجد

و كنت إذا دعوت بنى نزار* * * أتاك الدهم من سبط و جعد

فجدع من قضاعه كل انف* * * و لا فازت على يوم بمجد

قال: و رزين الذى ذكر كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفه، فاعطاه الامان ثم لم يف به.

و قال فيه نصر بن سيار حين اقبل الحارث الى مرو و سود راياته- و كان الحارث يرى راى المرجئة:

دع عنك دنيا و أهلا أنت تاركهم* * * ما خير دنيا و اهل لا يدومونا!

الا بقية ايام الى اجل* * * فاطلب من الله أهلا لا يموتونا

اكثر تقى الله في الاسرار مجتهدا* * * ان التقى خيره ما كان مكنونا

و اعلم بانك بالأعمال مرتهن* * * فكن لذاك كثير الهم محزونا

انى ارى الغبن المردى بصاحبه* * * من كان في هذه الأيام مغبونا

101

تكون للمرء أطوارا فتمنحه* * * يوما عثارا و طورا تمنح اللينا

بينا الفتى في نعيم العيش حوله* * * دهر فأمسى به عن ذاك مزبونا

تحلو له مره حتى يسر بها* * * حينا و تمقره طعما احايينا

هل غابر من بقايا الدهر تنظره* * * الا كما قد مضى فيما تقضونا

فامنح جهادك من لم يرج آخره* * * و كن عدوا لقوم لا يصلونا

و اقتل مواليهم منا و ناصرهم* * * حينا تكفرهم و العنهم حينا

و العائبين علينا ديننا و هم* * * شر العباد إذا خابرتهم دينا

و القائلين سبيل الله بغيتنا* * * لبعد ما نكبوا عما يقولونا

فاقتلهم غضبا لله منتصرا* * * منهم به ودع المرتاب مفتونا

إرجاؤكم لزَّكم و الشرك في قرن* * * فأنتم اهل اشراك و مرجونا

لا يبعد الله في الأجداث غيركم* * * إذ كان دينكم بالشرك مقرونا

القى به الله رعبا في نحوركم* * * و الله يقضى لنا الحسنى و يعلينا

كيما نكون الموالي عند خائفه* * * عما تروم به الاسلام و الدينا

و هل تعيبون منا كاذبين به* * * غال و مهتضم، حسبي الذى فينا

يأبى الذى كان يبلى الله أولكم* * * على النفاق و ما قد كان يبلينا

قال: ثم عاد الحارث لمحاربه عاصم، فلما بلغ عاصما ان اسد بن عبد الله قد اقبل، و انه قد سير على مقدمته محمد بن مالك الهمدانى، و انه قد نزل الدندانقان، صالح الحارث، و كتب بينه و بينه كتابا على ان ينزل الحارث اى كور خراسان شاء، و على ان يكتبا جميعا الى هشام، يسألانه كتاب الله و سنه نبيه، فان ابى اجتمعا جميعا عليه فختم على الكتاب بعض الرؤساء، و ابى يحيى‏

102

ابن حضين ان يختم، و قال: هذا خلع لأمير المؤمنين، فقال خلف بن خليفه ليحيى:

ابى هم قلبك الا اجتماعا* * * و يأبى رقادك الا امتناعا

بغير سماع و لم تلقني* * * احاول من ذات لهو سماعا

حفظنا اميه في ملكها* * * و نخطر من دونها ان تراعى‏

ندافع عنها و عن ملكها* * * إذا لم نجد بيديها امتناعا

ابى شعب ما بيننا في القديم* * * و بين اميه الا انصداعا

ا لم نختطف هامه ابن الزبير* * * و تنتزع الملكمنه انتزاعا

جعلنا الخلافه في أهلها* * * إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا

نصرنا اميه بالمشرفي* * * إذا انخلع الملك عنها انخلاعا

و منا الذى شد اهل العراق* * * و لو غاب يحيى عن الثغر ضاعا

على ابن سريج نقضنا الأمور* * * و قد كان أحكمها ما استطاعا

حكيم مقالته حكمه* * * إذا شتت القوم كانت جماعا

عشيه زرق و قد ازمعوا* * * قمعنا من الناكثين الزماعا

و لو لا فتى وائل لم يكن* * * لينضج فيها رئيس كراعا

فقل لاميه ترعى لنا* * * ايادى لم نجزها و اصطناعا

ا تلهين عن قتل ساداتنا* * * و نابي لحقك الا اتباعا

ا من لم يبعك من المشترين* * * كاخر صادف سوقا فباعا!

ابى ابن حضين لما تصنعين* * * الا اضطلاعا و الا اتباعا

و لو يامن الحارث الوائلين* * * لراعك في بعض من كان راعا

و قد كان اصعر ذا نيرب* * * اشاع الضلالة فيما اشاعا

كفينا اميه مختومه* * * اطاع بها عاصم من أطاعا

103

فلو لا مراكز راياتنا* * * من الجند خاف الجنود الضياعا

وصلنا القديم لها بالحديث* * * و تابى اميه الا انقطاعا

ذخائر في غيرنا نفعها* * * و ما ان عرفنا لهن انتفاعا

و لو قدمتها و بان الحجاب* * * لارتعت بين حشاك ارتياعا

فأين الوفاء لأهل الوفاء* * * و الشكر احسن من ان يضاعا!

و اين ادخار بنى وائل* * * إذا الذخر في الناس كان ارتجاعا!

ا لم تعلمي ان أسيافنا* * * تداوى العليل و تشفى الصداعا!

إذا ابن حضين غدا باللواء* * * اسلم اهل القلاع القلاعا

إذا ابن حضين غدا باللواء* * * اشار النسور به و الضباعا

إذا ابن حضين غدا باللواء* * * ذكى و كانت معد جداعا

قال: و كان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شراحيل اليشكري من اهل الرأي، فاشار على يحيى بنقض الصحيفة، و قال له: غمرات ثم ينجلين، و هي المغمضات، فغمض.

قال: و كان عاصم بن عبد الله في قريه باعلى مرو لكنده، و نزل الحارث قريه لبنى العنبر، فالتقوا بالخيل و الرجال، و مع عاصم رجل من بنى عبس في خمسمائة من اهل الشام و ابراهيم بن عاصم العقيلي في مثل ذلك، فنادى منادى عاصم: من جاء برأس فله ثلاثمائة درهم، فجاء رجل من عماله برأس و هو عاض على انفه، ثم جاءه رجل من بنى ليث- يقال له ليث بن عبد الله- برأس، ثم جاء آخر برأس، فقيل لعاصم: ان طمع الناس في هذا لم يدعوا ملاحا و لا علجا الا أتوك برأسه، فنادى مناديه: لا يأتنا احد برأس، فمن أتانا به فليس له عندنا شي‏ء، و انهزم اصحاب الحارث فأسروا منهم أسارى، و أسروا عبد الله بن عمرو المازنى راس اهل مرو الروذ، و كان الأسراء ثمانين، اكثرهم من بنى تميم، فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الداندنقان و كانت اليمانيه بعثت من الشام رجلا يعدل بألف يكنى أبا داود، ايام العصبية في‏

104

خمسمائة، فكان لا يمر بقرية من قرى خراسان الا قال: كأنكم بي قد مررت راجعا حاملا راس الحارث بن سريج، فلما التقوا دعا الى البراز، فبرز له الحارث بن سريج، فضربه فوق منكبه الأيسر فصرعه، و حامى عليه اصحابه فحملوه فخولط، فكان يقول: يا ابرشهر الحارث بن سريجاه! يا اصحاب المعموراه! و رمى فرس الحارس بن سريج في لبانه، فنزع النشابة، و استحضره و الح عليه بالضرب حتى نزقه و عرقه، و شغله عن الم الجراحه.

قال: و حمل عليه رجل من اهل الشام، فلما ظن ان الرمح مخالطه، مال عن فرسه و اتبع الشامي، فقال له: اسالك بحرمه الاسلام في دمى! قال:

انزل عن فرسك، فنزل و ركبه الحارث، فقال الشامي: خذ السرج، فو الله انه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس:

تولت قريش لذة العيش و اتقت* * * بنا كل فج من خراسان اغبرا

فليت قريشا أصبحوا ذات ليله* * * يعومون في لج من البحر اخضرا

قال: و عظم اهل الشام يحيى بن حضين لما صنع في امر الكتاب الذى كتبه عاصم، و كتبوا كتابا، و بعثوا مع محمد بن مسلم العنبري و رجل من اهل الشام، فلقوا اسد بن عبد الله بالري- و يقال: لقوه ببيهق- فقال:

ارجعوا فانى اصلح هذا الأمر، فقال له محمد بن مسلم: هدمت دارى، فقال: ابنيها لك، و ارد عليكم كل مظلمه.

قال: و كتب اسد الى خالد ينتحل انه هزم الحارث، و يخبره بأمر يحيى.

قال: فأجاز خالد يحيى بن حضين بعشره آلاف دينار و كساه مائه حله.

قال: و كانت ولايه عاصم اقل من سنه- قيل كانت سبعه اشهر- و قدم اسد ابن عبد الله و قد انصرف الحارث، فحبس عاصما و ساله عما انفق، و حاسبه فأخذه بمائه الف درهم، و قال: انك لم تغز و لم تخرج من مرو، و وافق عماره بن حريم و عمال الجنيد محبوسين عنده، فقال لهم: اسير فيكم بسيرتنا أم بسيره قومكم؟ قالوا: بسيرتك، فخلى سبيلهم.

105

قال على عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشام بن عبد الملك امر الحارث ابن سريج، كتب الى خالد بن عبد الله: ابعث اخاك يصلح ما افسد، فان كانت رجيه فلتكن به قال: فوجه أخاه أسدا الى خراسان، فقدم اسد و ما يملك عاصم من خراسان الا مرو و ناحيه ابرشهر، و الحارث بن سريج بمرو الروذ و خالد بن عبيد الله الهجرى بامل، و يخاف ان قصد للحارث بمرو الروذ دخل خالد بن عبيد الله مرو من قبل آمل، و ان قصد لخالد دخلها الحارث من قبل مرو الروذ، فاجمع على ان يوجه عبد الرحمن بن نعيم الغامدى في اهل الكوفه و اهل الشام في طلب الحارث الى ناحيه مرو الروذ و سار اسد بالناس الى آمل، و استعمل على بنى تميم الحوثره بن يزيد العنبري، فلقيهم خيل لأهل آمل، عليهم زياد القرشي مولى حيان النبطي عند ركايا عثمان، فهزمهم حتى انتهوا الى باب المدينة، ثم كروا على الناس، فقتل غلام لاسد بن عبد الله يقال له جبله، و هو صاحب علمه، و تحصنوا في ثلاث مدائن لهم.

قال: فنزل عليهم اسد و حصرهم، و نصب عليهم المجانيق، و عليهم خالد ابن عبيد الله الهجرى من اصحاب الحارث، فطلبوا الامان، فخرج اليهم رويد ابن طارق القطعي و مولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله و سنه نبيه ص، قال: فلكم ذلك، قالوا: على الا تأخذ اهل هذه المدن بجنايتنا فأعطاهم ذلك، و استعمل عليهم يحيى بن نعيم الشيبانى احد بنى ثعلبه بن شيبان، ابن أخي مصقله بن هبيرة ثم اقبل اسد في طريق زم يريد مدينه بلخ، فتلقاه مولى لمسلم بن عبد الرحمن، فاخبره ان اهل بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم فقدم بلخ، و اتخذ سفنا و سار منها الى الترمذ، فوجد الحارث محاصرا سنانا الأعرابي السلمى، و معه بنو الحجاج بن هارون النميرى، و بنو زرعه و آل عطية الأعور النضري في اهل الترمذ، و السبل مع الحارث، فنزل اسد دون النهر، و لم يطق القطوع اليهم و لا ان يمدهم، و خرج اهل الترمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالا شديدا، و كان الحارث استطرد لهم، ثم كر عليهم، فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن‏

106

المنخل و عاصم بن معول النجلى في خمسين و مائه من اهل الشام و غيرهم، و كان بشر بن جرموز و ابو فاطمه الأيادي و من كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب الترمذ، فيبكون و يشكون بنى مروان و جورهم، و يسالونهم النزول اليهم على ان يمالئوهم على حرب بنى مروان فيأبون عليهم، فقال السبل و هو مع الحارث: يا حارث، ان الترمذ قد بنيت بالطبول و المزامير، و لا تفتح بالبكاء و انما تفتح بالسيف، فقاتل ان كان بك قتال و تركه السبل و اتى بلاده.

قال: و كان اسد حين مر بأرض زم تعرض للقاسم الشيبانى و هو في حصن بزم يقال له باذكر، و مضى حتى اتى الترمذ، فنزل دون النهر، و وضع سريره على شاطئ النهر، و جعل الناس يعبرون، فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينه، فالتقوا في سفينه فيها اصحاب اسد، فيهم اصغر بن عيناء الحميرى، و سفينه اصحاب الحارث فيها داود الاعسر، فرمى اصغر فصك السفينة، و قال: انا الغلام الأحمري، فقال داود الاعسر: لامر ما انتميت اليه، لا ارض لك! و الزق سفينته بسفينه اصغر فاقتتلوا، و اقبل الاشكند- و قد اراد الحارث الانصراف- فقال له: انما جئتك ناصرا لك، و كمن الاشكند وراء دير، و اقبل الحارث باصحابه، و خرج اليه اهل الترمذ فاستطرد لهم فاتبعوه، و نصر مع اسد جالس ينظر، فأظهر الكراهية، و عرف ان الحارث قد كادهم، فظن اسد انه انما فعل ذلك شفقه على الحارث حين ولى، فاراد اسد معاتبه نصر، فإذا الاشكند قد خرج عليهم، فحمل على اهل الترمذ فهربوا و قتل في المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخل الجرموزى من الأزد و عاصم بن معول- و كان من فرسان اهل الشام- ثم ارتحل اسد الى بلخ، و خرج اهل الترمذ الى الحارث فهزموه، و قتلوا أبا فاطمه و عكرمه و قوما من اهل البصائر، ثم سار اسد الى سمرقند في طريق زم، فما قدم زم بعث الى الهيثم الشيبانى- و هو في باذكر، و هو من اصحاب الحارث- فقال:

انكم انما انكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم، و لم يبلغ ذلك النساء و لا استحلال الفروج و لا غلبه المشركين على مثل سمرقند، و انا اريد سمرقند،