تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
107

و على عهد الله و ذمته الا يبدأك منى شر، و لك المؤاساه و اللطف و الكرامه و الامان و لمن معك، و أنت ان غمصت ما دعوتك اليه فعلى عهد الله و ذمه امير المؤمنين و ذمه الأمير خالد ان أنت رميت بسهم الا اؤمنك بعده، و ان جعلت لك الف أمان لا أفي لك به فخرج اليه على ما اعطاه من الامان فآمنه، و سار معه الى سمرقند فأعطاهم عطاءين، و حملهم على ما كان من دواب ساقها معه، و حمل معه طعاما من بخارى، و ساق معه شياء كثيره من شاء الأكراد قسمها فيهم، ثم ارتفع الى ورغسر و ماء سمرقند منها، فسكر الوادى و صرفه عن سمرقند، و كان يحمل الحجاره بيديه حتى يطرحها في السكر، ثم قفل من سمرقند حتى نزل بلخ.

و قد زعم بعضهم ان الذى ذكرت من امر اسد و امر اصحاب الحارث كان في سنه ثمان عشره.

و حج بالناس في هذه السنه خالد بن عبد الملك.

و كان العامل فيها على المدينة، و على مكة و الطائف محمد بن هشام بن اسماعيل، و على العراق و المشرق خالد بن عبد الله، و على أرمينية و اذربيجان مروان بن محمد.

و فيها توفيت فاطمه بنت على و سكينه ابنه الحسين بن على.

امر اسد بن عبد الله مع دعاه بنى العباس‏

و في هذه السنه أخذ اسد بن عبد الله جماعه من دعاه بنى العباس بخراسان، فقتل بعضهم، و مثل ببعضهم، و حبس بعضهم، و كان فيمن أخذ سليمان بن كثير و مالك بن الهيثم و موسى بن كعب و لاهز بن قريظ و خالد بن ابراهيم و طلحه بن رزيق، فاتى بهم، فقال لهم: يا فسقه، ا لم يقل الله تعالى:

«عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ‏»!

108

فذكر ان سليمان بن كثير قال: اتكلم أم اسكت؟ قال: بل تكلم، قال: نحن و الله كما قال الشاعر:

لو بغير الماء حلقى شرق* * * كنت كالغصان، بالماء اعتصارى‏

تدرى ما قصتنا؟ صيدت و الله العقارب بيدك ايها الأمير، انا اناس من قومك، و ان هذه المضرية انما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم، و انما طلبوا بثارهم فتكلم ابن شريك بن الصامت الباهلى، و قال: ان هؤلاء القوم قد أخذوا مره بعد مره، فقال مالك بن الهيثم:

اصلح الله الأمير! ينبغى لك ان تعتبر كلام هذا بغيره، فقالوا: كأنك يا أخا باهله تطلبنا بثار قتيبة! نحن و الله كنا أشد الناس عليه، فبعث بهم اسد الى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بن نعيم فقال له: ما ترى؟ قال:

ارى ان تمن بهم على عشائرهم، قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال: تخلى سبيلهما، قال: انا إذا من عبد الله بن يزيد نفى، قال: فكيف تصنع بالربعى؟ قال: اخلى و الله سبيله ثم دعا بموسى بن كعب و امر به فالجم بلجام حمار، و امر باللجام ان يجذب فجذب حتى تحطمت اسنانه، ثم قال: اكسروا وجهه، فدق انفه، و وجأ لحيته، فندر ضرس له‏

3

ثم دعا بلاهز بن قريط، فقال لاهز: و الله ما في هذا الحق ان تصنع بنا هذا، و تترك اليمانيين و الربعيين، فضربه ثلاثمائه سوط، ثم قال: اصلبوه، فقال الحسن بن زيد الأزدي: هو لي جار و هو بري‏ء مما قذف به، قال: فالآخرون؟ قال:

اعرفهم بالبراءه، فخلى سبيلهم.

109

ثم دخلت‏

سنه ثمان عشره و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان في هذه السنه من الاحداث) فمن ذلك غزوه معاويه و سليمان ابنى هشام بن عبد الملك ارض الروم.

ولايه عمار بن يزيد على شيعه بنى العباس بخراسان‏

و فيها وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد الى خراسان واليا على شيعه بنى العباس، فنزل- فيما ذكر- مرو، و غير اسمه و تسمى بخداش، و دعا الى محمد بن على، فسارع اليه الناس، و قبلوا ما جاءهم به، و سمعوا اليه و أطاعوا، ثم غير ما دعاهم اليه، و تكذب و اظهر دين الخرمية، و دعا اليه و رخص لبعضهم في نساء بعض، و اخبرهم ان ذلك عن امر محمد بن على، فبلغ اسد بن عبد الله خبره، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فاتى به، و قد تجهز لغزو بلخ، فسأله عن حاله، فاغلظ خداش له القول، فامر به فقطعت يده، و قلع لسانه و سملت عينه.

ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع اصحابه‏

فذكر محمد بن على عن أشياخه، قال: لما قدم اسد آمل في مبدئه، اتوه بخداش صاحب الهاشمية، فامر به قرعه الطبيب، فقطع لسانه، و سمل عينه، فقال: الحمد لله الذى انتقم لأبي بكر و عمر منك! ثم دفعه الى يحيى بن نعيم الشيبانى عامل آمل فلما قفل من سمرقند كتب الى يحيى فقتله و صلبه بامل، و اتى اسد بحزور مولى المهاجر بن داره الضبي، فضرب عنقه بشاطئ النهر ثم نزل اسد منصرفه من سمرقند بلخ، فسرح جديعا الكرماني الى القلعة التي فيها ثقل الحارث و ثقل اصحابه- و اسم القلعة التبوشكان من طخارستان العليا، و فيها بنو برزى التغلبيون، و هم اصهار الحارث- فحصرهم الكرماني حتى فتحها، فقتل مقاتلتهم و قتل بنى برزى،

110

و سبى عامه أهلها من العرب و الموالي و الذراري، و باعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، فقال على بن يعلى- و كان شهد ذلك: نقم على الحارث أربعمائة و خمسون رجلا من اصحابه، و كان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى، و فيهم بشر بن انيف الحنظلى و داود الاعسر الخوارزمي فقال الحارث: ان كنتم لا بد مفارقي و طلبتم الامان، فاطلبوه و انا شاهد، فانه اجدر ان يجيبوكم، و ان ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الامان، فقالوا: ارتحل أنت و خلنا ثم بعثوا بشر بن انيف و رجلا آخر، فطلبوا الامان فآمنهما اسد و وصلهما، فغدروا باهل القلعة، و اخبراه ان القوم ليس لهم طعام و لا ماء، فسرح اسد الكرماني في سته آلاف، منهم سالم بن منصور البجلي، على الفين، و الأزهر بن جرموز النميرى في اصحابه، و جند بلخ و هم الفان و خمسمائة من اهل الشام، و عليهم صالح بن القعقاع الأزدي، فوجه الكرماني منصور بن سالم في اصحابه، فقطع نهر ضرغام، و بات ليله و اصبح، فأقام حتى متع النهار، ثم سار يومه قريبا من سبعه عشر فرسخا، فاتعب خيله، ثم انتهى الى كشتم من ارض جبغويه، فانتهى الى حائط فيه زرع قد قصب، فأرسل اهل العسكر دوابهم فيه، و بينهم و بين القلعة اربع فراسخ ثم ارتحل فلما صار الى الوادى جاءته الطلائع فاخبرته بمجي‏ء القوم و راسهم المهاجر بن ميمون، فلما صاروا الى الكرماني كابدهم فانصرفوا، و سار حتى نزل جانبا من القلعة، و كان أول ما نزل في زهاء خمسمائة في مسجد كان الحارث بناه، فلما اصبح تتامت اليه الخيل، و تلاحقت من اصحاب الأزهر و اهل بلخ.

فلما اجتمعوا خطبهم الكرماني، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال: يا أهل بلخ، لا أجد لكم مثلا غير الزانية، من أتاها امكنته من رجلها، أتاكم الحارث في الف رجل من العجم فامكنتموه من مدينتكم، فقتل اشرافكم، و طرد اميركم، ثم سرتم معه من مكانفيه الى مرو فخذلتموه، ثم انصرف إليكم منهزما فامكنتموه من المدينة، و الذى نفسي بيده لا يبلغني عن رجل‏

111

منكم كتب كتابا اليهم في سهم الا قطعت يده و رجله و صلبته، فاما من كان معى من اهل مرو فهم خاصتي، و لست اخاف غدرهم، ثم نهد الى القلعة فأقام بها يوما و ليله من غير قتال، فلما كان من الغد نادى مناد:

انا قد نبذنا إليكم بالعهد، فقاتلوهم، و قد عطش القوم و جاعوا، فسألوا ان ينزلوا على الحكم و يترك لهم نساؤهم و أولادهم، فنزلوا على حكم اسد، فأقام أياما و قدم المهلب بن عبد العزيز العتكي بكتاب اسد، ان احملوا الى خمسين رجلا منهم، فيهم المهاجر بن ميمون و نظراؤه من وجوههم، فحملوا اليهم فقتلهم، و كتب الى الكرماني ان يصير الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يصلبهم، و ثلث يقطع ايديهم و ارجلهم، و ثلث يقطع ايديهم، ففعل ذلك الكرماني، و اخرج اثقالهم فباعها فيمن يزيد، و كان الذين قتلهم و صلبهم أربعمائة و اتخذ اسد مدينه بلخ دارا في سنه ثمان عشره و مائه، و نقل إليها الدواوين و اتخذ المصانع، ثم غزا طخارستان ثم ارض جبغويه، ففتح و أصاب سبيا.

[أخبار متفرقة]

و في هذه السنه عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، و استعمل عليها محمد بن هشام بن اسماعيل ذكر الواقدى ان أبا بكر بن عمرو بن حزم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بامرته على المدينة، فصعد المنبر، و صلى بالناس سته ايام، ثم قدم محمد بن هشام من مكة عاملا على المدينة.

و في هذه السنه مات على بن عبد الله بن العباس، و كان يكنى أبا محمد، و كانت وفاته بالحميمه من ارض الشام، و هو ابن ثمان- او سبع- و سبعين سنه.

و قيل انه ولد في الليلة التي ضرب فيها على بن ابى طالب و ذلك ليله سبع عشره من رمضان من سنه اربعين، فسماه أبوه عليا، و قال: سميته باسم أحب الخلق الى، و كناه أبا الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان اكرمه و اجلسه على سريره، و ساله عن كنيته فاخبره، فقال: لا يجتمع في عسكرى هذا

112

الاسم و الكنية لأحد، و ساله: هل ولد له من ولد؟ و كان قد ولد له يومئذ محمد بن على، فاخبره بذلك، فكناه أبا محمد.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام و هو امير مكة و المدينة و الطائف و قد قيل انما كان عامل المدينة في هذه السنه خالد بن عبد الملك، و كان الى محمد بن هشام فيها مكة و الطائف، و القول الاول قول الواقدى.

3

و كان على العراق خالد بن عبد الله، و اليه المشرق كله، و عامله على خراسان اخوه اسد بن عبد الله، و عامله على البصره و احداثها و قضائها و الصلاة بأهلها بلال بن ابى برده، و على أرمينية و اذربيجان مروان بن محمد بن مروان.

113

ثم دخلت‏

سنه تسع عشره و مائه‏

ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث فمن ذلك غزوه الوليد بن القعقاع العبسى ارض الروم و فيها غزا اسد بن عبد الله الختل، فافتتح قلعه زغرزك، و سار منها الى خداش، و ملا يديه من السبى و الشاء، و كان الجيش قد هرب الى الصين.

ذكر غزو الترك و مقتل خاقان‏

و فيها لقى اسد خاقان صاحب الترك فقتله، و قتل بشرا كثيرا من اصحابه، و سلم اسد و المسلمون، و انصرفوا بغنائم كثيره و سبى.

ذكر الخبر عن هذه الغزوة:

ذكر على بن محمد عن شيوخه، انهم قالوا: كتب ابن السائجى الى خاقان ابى مزاحم- و انما كنى أبا مزاحم لأنه كان يزاحم العرب- و هو موالث، يعلمه دخول اسد الختل و تفرق جنوده فيها، و انه بحال مضيعه فلما أتاه كتابه امر اصحابه بالجهاز- و كان لخاقان مرج و جبل حمى لا يقربهما احد، و لا يتصيد فيهما، يتركان للجهاد فضاء، ما كان في المرج ثلاثة ايام، و ما في الجبل ثلاثة ايام- فتجهزوا و ارتعوا و دبغوا مسوك الصيد، و اتخذوا منها اوعيه، و اتخذوا القسي و النشاب، و دعا خاقان ببرذون مسرج ملجم، و امر بشاه فقطعت ثم علقت في المعاليق، ثم أخذ شيئا من ملح فصيره في كيس، و جعله في منطقته، و امر كل تركي ان يفعل مثل ذلك، و قال: هذا زادكم حتى تلقوا العرب بالختل.

و أخذ طريق خشوراغ، فلما احس ابن السائجى ان خاقان قد اقبل بعث الى اسد: اخرج عن الختل فان خاقان قد اظلك فشتم رسوله، و لم يصدقه، فبعث صاحب الختل: انى لم اكذبك، و انا الذى اعلمته دخولك،

114

و تفرق جندك، و اعلمته انها فرصه له، و سألته المدد، غير انك امعرت البلاد، و اصبت الغنائم، فان لقيك على هذه الحال ظفر بك، و عادتنى العرب ابدا ما بقيت و استطال على خاقان و اشتدت مؤونته، و امتن على بقوله: اخرجت العرب من بلادك، و رددت عليك ملكك، فعرف اسد انه قد صدقه، فامر بالأثقال ان تقدم، و ولى عليها ابراهيم بن عاصم العقيلي الجزرى، الذى كان ولى سجستان بعد، و اخرج معه المشيخه، فيهم كثير ابن اميه، ابو سليمان بن كثير الخزاعي و فضيل بن حيان المهري و سنان بن داود القطعي، و كان على اهل العاليه سنان الأعرابي السلمى، و على الاقباض عثمان ابن شباب الهمذاني، جد قاضى مرو، فسارت الاثقال، فكتب اسد الى داود بن شعيب و الأصبغ بن ذؤاله الكلبى- و قد كان وجههما في وجه: ان خاقان قد اقبل، فانضما الى الاثقال، الى ابراهيم بن عاصم.

قال: و وقع الى داود و الأصبغ رجل دبوسى، فاشاع ان خاقان قد كسر المسلمين، و قتل أسدا.

و قال الأصبغ: ان كان اسد و من معه أصيبوا فان فينا هشاما ننحاز اليه، فقال داود بن شعيب: قبح الله الحياه بعد اهل خراسان! فقال الأصبغ: حبذا الحياه بعد اهل خراسان! قتل الجراح و من معه فما ضر المسلمين كثير ضر، فان هلك اسد و اهل خراسان فلن يخذل الله دينه، و ان الله حي قيوم، و امير المؤمنين حي و جنود المسلمين كثير فقال داود:

ا فلا ننظر ما فعل اسد فنخرج على علم! فسارا حتى شارفا عسكر ابراهيم فإذا هما بالنيران، فقال داود: هذه نيران المسلمين أراها متقاربه و نيران الاتراك متفرقه، فقال الأصبغ: هم في مضيق و دنوا فسمعوا نهيق الحمير، فقال داود: اما علمت ان الترك ليس لهم حمير! فقال الأصبغ: أصابوها بالأمس، و لم يستطيعوا أكلها في يوم و لا اثنين، فقال داود: نسرح فارسين فيكبران، فبعثا فارسين، فلما دنوا من العسكر كبرا، فأجابهما العسكر

115

بالتكبير، فاقبلوا الى العسكر الذى فيه الاثقال، و مع ابراهيم اهل الصغانيان و صغان خذاه، فقام ابراهيم بن عاصم مبادرا.

قال: و اقبل اسد من الختل نحو جبل الملح يريد ان يخوض نهر بلخ، و قد قطع ابراهيم بن عاصم بالسبي و ما أصاب فأشرف اسد على النهر و قد أتاه ان خاقان قد سار من سوياب سبع عشره ليله، فقام اليه ابو تمام بن زحر و عبد الرحمن بن خنفر الازديان، فقالا: اصلح الله الأمير! ان الله قد احسن بلاءك في هذه الغزوة فغنمت و سلمت فاقطع هذه النطفه، و اجعلها وراء ظهرك فامر بهما فوجئت رقابهما، و اخرجا من العسكر و اقام يومه.

فلما كان من الغد ارتحل و في النهر ثلاثة و عشرون موضعا يخوضه الناس، و في موضع مجتمع ماء يبلغ دفتي السرج، فخاضه الناس، و امر ان يحمل كل رجل شاه، و حمل هو بنفسه شاه، فقال له عثمان بن عبد الله بن مطرف ابن الشخير: ان الذى أنت فيه من حمل الشاه ليس باخطر مما تخاف، و قد فرقت الناس و شغلتهم، و قد اظلك عدوك، فدع هذا الشاء لعنه الله عليه، و امر الناس بالاستعداد فقال اسد: و الله لا يعبر رجل ليست معه شاه حتى تفنى هذه الغنم الا قطعت يده، فجعل الناس يحملون الشاء، الفارس يحملها بين يديه و الراجل على عنقه، و خاض الناس و يقال: لما حفرت سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباخه فكان بعضهم يميل فيقع عن دابته، فامر اسد بالشاء ان تقذف، و خاض الناس، فما استكملوا العبور حتى طلعت عليهم الترك بالدهم، فقتلوا من لم يقطع، و جعل الناس يقتحمون النهر- و يقال كانت المسلحة على الأزد و تميم، و قد خلف ضعفه الناس- و ركب اسد النهر، و امر بالإبل ان يقطع بها الى ما وراء النهر، حتى تحمل عليها الاثقال، و اقبل رهج من ناحيه الختل، فإذا خاقان، فلما توافى معه صدر من جنده حمل على الأزد و بنى تميم فانكشفوا، و ركض اسد حتى انصرف الى معسكره، و بعث الى اصحاب الاثقال الذين كان سرح امامه.

ان انزلوا و خندقوا مكانكم في بطن الوادى قال: و اقبل خاقان، فظن المسلمون‏

116

انه لا يقطع اليهم و بينهم و بينه النهر، فلما نظر خاقان الى النهر امر الاشكند- و هو يومئذ اصبهبذ نسف- ان يسير في الصف حتى يبلغ أقصاه، و يسال الفرسان و اهل البصر بالحرب و الماء: هل يطاق قطوع النهر و الحمل على اسد؟ فكلهم يقول: لا يطاق، حتى انتهى الى الاشتيخن، فقال:

بلى يطاق، لأنا خمسون الف فارس، فإذا نحن اقتحمنا دفعه واحده رد بعضنا عن بعض الماء فذهب جريته قال: فضربوا بكوساتهم فظن اسد و من معه انه منهم وعيد، فاقحموا دوابهم، فجعلت تنخر أشد النخير، فلما راى المسلمون اقتحام الترك ولوا الى العسكر، و عبرت الترك فسطع رهج عظيم لا يبصر الرجل دابته، و لا يعرف بعضهم بعضا، فدخل المسلمون عسكرهم و حووا ما كان خارجا، و خرج الغلمان بالبراذع و العمد، فضربوا وجوه الترك، فأدبروا، و بات اسد، فلما اصبح- و قد كان عبا اصحابه من الليل تخوفا من غدر خاقان و غدوه عليه، و لم ير شيئا- دعا وجوه الناس فاستشارهم، فقالوا له: اقبل العافيه، قال: ما هذه عافيه، بل هي بليه، لقينا خاقان أمس فظفر بنا و أصاب من الجند و السلاح، فما منعه منا اليوم الا انه قد وقع في يديه اسراء فاخبروه بموضع الاثقال امامنا، فترك لقاءنا طمعا فيها فارتحل فبعث امامه الطلائع، فرجع بعضهم فاخبره انه عاين طوقات الترك و اعلاما من اعلام الاشكند، في بشر قليل فسار و الدواب مثقلة، فقيل له: انزل ايها الأمير و اقبل العافيه، قال: و اين العافيه فأقبلها! انما هي بليه و ذهاب الأنفس و الأموال فلما امسى اسد صار الى منزل، فاستشار الناس: ا ينزلون أم يسيرون؟ فقال الناس: اقبل العافيه، و ما عسى ان يكون ذهاب المال بعافيتنا و عافيه اهل خراسان! و نصر بن سيار مطرق، فقال اسد: ما لك يا بن سيار مطرقا لا تتكلم! قال: اصلح الله الأمير! خلتان كلتاهما لك، ان تسر تغث من مع الاثقال و تخلصهم، و ان أنت انتهيت اليهم و قد هلكوا فقد قطعت قحمه لا بد من قطوعها فقبل رايه و سار يومه كله‏

117

قال: و دعا اسد سعيدا الصغير- و كان فارسا مولى باهله، و كان عالما بأرض الختل- فكتب كتابا الى ابراهيم يأمره بالاستعداد، فان خاقان قد توجه الى ما قبلك، و قال: سر بالكتاب الى ابراهيم حيث كان قبل الليل، فان لم تفعل فاسد بري‏ء من الاسلام ان لم يقتلك، و ان أنت لحقت بالحارث فعلى اسد مثل الذى حلف، ان لم يبع امرأتك الدلال في سوق بلخ و جميع اهل بيتك قال سعيد: فادفع الى فرسك الكميت الذنوب قال:

لعمري لئن جدت بدمك، و بخلت عليك بالفرس انى للئيم فدفعه اليه، فسار على دابه من جنائبه، و غلامه على فرس له، و معه فرس اسد يجنبه، فلما حاذى الترك و قد قصدوا الاثقال طلبته طلائعهم، فتحول على فرس اسد، فلم يلحقوه، فاتى ابراهيم بالكتاب، و تبعه بعض الطلائع- يقال عشرون رجلا- حتى رأوا عسكر ابراهيم، فرجعوا الى خاقان فاخبروه.

فغدا خاقان على الاثقال، و قد خندق ابراهيم خندقا، فأتاهم و هم قيام عليه، فامر اهل السغد بقتالهم، فلما دنوا من مسلحه المسلمين ثاروا في وجوههم فهزموهم، و قتلوا منهم رجلا، فقال خاقان: اركبوا، و صعد خاقان تلا فجعل ينظر العورة، و وجه القتال، قال: و هكذا كان يفعل، ينفرد في رجلين او ثلاثة، فإذا راى عوره امر جنوده فحملت من ناحيه العورة فلما صعد التل راى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضه، فدعا بعض قواد الترك، فأمرهم ان يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه حتى يصيروا الى الجزيرة، ثم ينحدروا في الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دبر، و امرهم ان يبدءوا بالاعاجم و اهل الصغانيان، و ان يدعوا غيرهم، فإنهم من العرب، و قد عرفهم بابنيتهم و اعلامهم، و قال لهم: ان اقام القوم في خندقهم فاقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم، و ان ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دبره عليهم ففعلوا و دخلوا عليهم من ناحيه الأعاجم، فقتلوا صغان خذاه و عامه اصحابه، و احتووا على أموالهم، و دخلوا عسكر ابراهيم فأخذوا عامه ما فيه، و ترك المسلمون التعبئه و اجتمعوا في موضع، و أحسوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع و تربه سوداء،

118

فإذا اسد في جنده قد أتاهم، فجعلت الترك ترتفع عنهم الى الموضع الذى كان فيه خاقان، و ابراهيم يتعجب من كفهم و قد ظفروا و قتلوا من قتلوا و أصابوا ما أصابوا، و هو لا يطمع في اسد.

قال: و كان اسد قد اغذ السير، فاقبل حتى وقف على التل الذى كان عليه خاقان، و تنحى خاقان الى ناحيه الجبل، فخرج اليه من بقي ممن كان مع الاثقال، و قد قتل منهم بشر كثير، قتل يومئذ بركه بن خولى الراسبى و كثير بن اميه و مشيخه من خزاعة و خرجت امراه صغان خذاه الى اسد، فبكت زوجها، فبكى اسد معها حتى علا صوته، و مضى خاقان يقود الأسراء من الجند في الأوهاق و يسوق الإبل موقره و الجوارى.

قال: و كان مصعب بن عمرو الخزاعي و نفر من اهل خراسان قد اجمعوا على مواقفتهم، فكفهم اسد، و قال: هؤلاء قوم قد طابت لهم الريح و استكلبوا، فلا تعرضوا لهم و كان مع خاقان رجل من اصحاب الحارث بن سريج فأمره فنادى: يا اسد، اما كان لك فيما وراء النهر مغزى! انك لشديد الحرص، قد كان لك عن الختل مندوحه، و هي ارض آبائى و أجدادي فقال اسد:

كان ما رايت، و لعل الله ان ينتقم منك قال كورمغانون- و كان من عظماء الترك: لم أر يوما كان احسن من يوم الاثقال، قيل له: و كيف ذلك؟

قال: اصبت اموالا عظيمه، و لم أر عدوا اسمج من اسراء العرب، يعدو احدهم فلا يكاد يبرح مكانه.

و قال بعضهم: سار خاقان الى الاثقال، فارتحل اسد، فلما اشرف على الظهر، و راى المسلمين الترك فامتنعوا، و قد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا، فاتوا الأعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم، فأسروا أولادهم.

قال: فاردف كل رجل منهم وصيفا او وصيفه، ثم أقبلوا الى عسكر اسد عند مغيب الشمس قال: و سار اسد بالناس، حتى نزل مع الثقل.

و صبحوا أسدا من الغد، و ذلك يوم الفطر، فكادوا يمنعونهم من الصلاة.

ثم انصرفوا و مضى اسد الى بلخ، فعسكر في مرجها حتى اتى الشتاء، ثم‏

119

تفرق الناس في الدور، و دخل المدينة، ففي هذه الغزاة قيل له بالفارسيه:

از ختلان آمديه* * * برو تباه آمديه‏

آبار باز آمديه* * * خشك نزار آمديه‏

قال: و كان الحارث بن سريج بناحيه طخارستان، فانضم الى خاقان، فلما كان ليله الاضحى قيل لاسد: ان خاقان نزل جزه، فامر بالنيران فرفعت على المدينة، فجاء الناس من الرساتيق الى مدينه بلخ، فاصبح اسد فصلى و خطب الناس، و قال: ان عدو الله الحارث بن سريج استجلب طاغيته ليطفئ نور الله، و يبدل دينه، و الله مذله ان شاء الله و ان عدوكم الكلب أصاب من إخوانكم من أصاب، و ان يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم و كثرتهم، فاستنصروا الله و قال: انه بلغنى ان العبد اقرب ما يكون الى الله إذا وضع جبهته لله، و انى نازل و واضع جبهتى، فادعوا الله و اسجدوا لربكم، و أخلصوا له الدعاء ففعلوا ثم رفعوا رءوسهم، و هم لا يشكون في الفتح، ثم نزل عن المنبر و ضحى و شاور الناس في المسير الى خاقان، فقال قوم: أنت شاب، و لست ممن تخوف من غاره، على شاه و دابه تخاطر بخروجك قال: و الله لاخرجن، فاما ظفر و اما شهاده.

و يقال: اقبل خاقان، و قد استمد من وراء النهر و اهل طخارستان و جبغويه الطخارى بملوكهم و شاكريتهم بثلاثين ألفا، فنزلوا خلم، و فيها مسلحه، عليها ابو العوجاء بن سعيد العبدى، فناوشهم فلم يظفروا منه بشي‏ء، فساروا على حاميتهم في طريق فيروز بخشين من طخارستان فكتب ابو العوجاء الى اسد بمسيرهم قال: فجمع الناس، فاقراهم كتاب ابى العوجاء و كتاب الفرافصه صاحب مسلحه جزه بعد مرور خاقان به، فشاور اسد الناس، فقال قوم: تأخذ بأبواب مدينه بلخ، و تكتب الى خالد و الخليفة تستمده و قال آخرون: تأخذ في طريق زم، و تسبق خاقان الى مرو.

و قال قوم: بل تخرج اليهم و تستنصر الله عليهم، فوافق قولهم راى اسد

120

و ما كان عزم عليه من لقائهم و يقال: ان خاقان حين فارق أسدا، ارتفع حتى صار بأرض طخارستان عند جبغويه، فلما كان وسط الشتاء اقبل فمر بجزه، و صار الى الجوزجان و بث الغارات، و ذلك ان الحارث بن سريج اخبره انه لا نهوض بأسد، و انه لم يبق معه كبير جند، فقال البختري ابن مجاهد مولى بنى شيبان: بل بث الخيول حتى تنزل الجوزجان فلما بث الخيل، قال له البختري: كيف رايت رأيي؟ قال: و كيف رايت صنع الله عز و جل حين أخذ برأيك! فاخذ اسد من جبله بن ابى رواد عشرين و مائه الف درهم، و امر للناس بعشرين عشرين، و معه من الجنود من اهل خراسان و اهل الشام سبعه آلاف رجل، و استخلف على بلخ الكرماني بن على، و امره الا يدع أحدا يخرج من مدينتها، و ان ضرب الترك باب المدينة فقال له نصر بن سيار الليثى و القاسم بن بخيت المراغي من الأزد و سليم بن سليمان السلمى و عمرو بن مسلم بن عمرو و محمد بن عبد العزيز العتكي و عيسى الاعرج الحنظلى و البختري بن ابى درهم البكرى و سعيد الأحمر و سعيد الصغير مولى باهله:

اصلح الله الأمير، ائذن لنا في الخروج، و لا تهجن طاعتنا فاذن لهم ثم خرج فنزل بابا من أبواب بلخ و ضربت له قبة، فازتان، و الصق إحداهما بالأخرى، و صلى بالناس ركعتين طولهما، ثم استقبل القبله و نادى في الناس:

ادعوا الله، و اطال في الدعاء، و دعا بالنصر، و امن الناس على دعائه، فقال:

نصرتم و رب الكعبه! ثم انفتل من دعائه فقال: نصرتم و رب الكعبه ان شاء الله، ثلاث مرات، ثم نادى مناديه: برئت ذمه الله من رجل حمل امراه ممن كان من الجند، قالوا: ان أسدا انما خرج هاربا، فخلف أم بكر أم ولده و ولده، فنظر فإذا جاريه على بعير، فقال: سلوا لمن هذه الجاريه؟

فذهب بعض الأساورة فسال ثم رجع، فقال: لزياد بن الحارث البكرى- و زياد جالس- فقطب اسد، و قال: لا تنتهون حتى اسطو بالرجل منكم يكرم على، فاضرب ظهره و بطنه، فقال زياد: ان كانت لي فهى حره،

121

لا و الله ايها الأمير ما معى امراه، فان هذا عدو حاسد.

و سار اسد، فلما كان عند قنطره عطاء، قال لمسعود بن عمرو الكرماني، و هو يومئذ خليفه الكرماني على الأزد: ابغنى خمسين رجلا و دابه اخلفهم على هذه القنطرة، فلا تدع أحدا ممن جازها ان يرجع إليها، فقال مسعود: و من اين اقدر على خمسين رجلا! فامر به فصرع عن دابته، و امر بضرب عنقه، فقام اليه قوم فكلموه فكف عنه، فلما جاز القنطرة نزل منزلا، فأقام فيه حتى اصبح، و اراد المقام يومه، فقال له العذافر بن زيد: لياتمر الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس قال: فامر بالرحيل و قال: لا حاجه لنا الى المتخلفين، ثم ارتحل، و على مقدمته سالم بن منصور البجلي في ثلاثمائه، فلقى ثلاثمائه من الترك طليعه لخاقان، فاسر قائدهم و سبعه منهم معه، و هرب بقيتهم، فاتى به اسد قال: فبكى التركى، قال: ما يبكيك؟ قال:

لست ابكى لنفسي، و لكنى ابكى لهلاك خاقان، قال: كيف؟ قال: لأنه قد فرق جنوده فيما بينه و بين مرو.

قال: و سار اسد، حتى نزل السدره- قريه ببلخ- و على خيل اهل العاليه ريحان بن زياد العامري العبدلى من بنى عبد الله بن كعب قال:

فعزله، و صير على اهل العاليه منصور بن سالم، ثم ارتحل من السدره، فنزل خريستان، فسمع اسد صهيل فرس، فقال: لمن هذا؟ فقيل: للعقار بن ذعير، فتطير من اسمه و اسم ابيه، فقال: ردوه، قال: انى مقتول بجراتى على الترك، قال: اسد: قتلك الله! ثم سار حتى إذا شارف العين الحارة استقبله بشر بن رزين- او رزين بن بشر- فقال بشارة و رزانه، ما وراءك يا رزين؟ قال: ان لم تغثنا غلبنا على مدينتنا، قال: قل للمقدام بن عبد الرحمن يطاول رمحى، فسار فنزل من مدينه الجوزجان بفرسخين، ثم أصبحنا و قد تراءت الخيلان، فقال خاقان للحارث: من هذا؟ فقال: هذا محمد ابن المثنى و رايته، و يقال: ان طلائع لخاقان انصرفت اليه فاخبرته ان رهجا

122

ساطعا طلع من قبل بلخ، فدعا خاقان الحارث، فقال: ا لم تزعم ان أسدا ليس به نهوض! و هذا رهج قد اقبل من ناحيه بلخ، قال الحارث: هذا اللص الذى كنت قد اخبرتك انه من اصحابى فبعث خاقان طلائع، فقال:

انظروا هل ترون على الإبل سريرا و كراسي؟ فجاءته الطلائع، فاخبروه انهم عاينوها، فقال خاقان: اللصوص لا يحملون الأسرة و الكراسي، و هذا اسد قد أتاك فسار اسد غلوه فلقيه سالم بن جناح، فقال: ابشر ايها الأمير، قد حزرتهم و لا يبلغون اربعه آلاف، و أرجو ان يكون عقيره الله فقال المجشر بن مزاحم، و هو يسايره: انزل ايها الأمير رجالك، فضرب وجه دابته، و قال: لو اطعت يا مجشر ما كنا قدمنا هاهنا، و سار غير بعيد، و قال: يا أهل الصباح، انزلوا، فنزلوا و قربوا دوابهم، و أخذوا النبل و القسي.

قال: و خاقان في مرج قد بات فيه تلك الليلة.

قال: و قال عمرو بن ابى موسى: ارتحل اسد حين صلى الغداة، فمر بالجوزجان و قد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشبورقان قال: و قصور الجوزجان إذ ذاك ذليله قال: و أتاه المقدام بن عبد الرحمن بن نعيم الغامدى في مقاتلته و اهل الجوزجان- و كان عاملها- فعرضوا عليه انفسهم، فقال: أقيموا في مدينتكم، و قال للجوزجان بن الجوزجان: سر معى، و كان على التعبئه القاسم بن بخيت المراغي، فجعل الأزد و بنى تميم و الجوزجان بن الجوزجان و شاكريته ميمنته، و اضاف اليهم اهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو الخزاعي، و اهل قنسرين عليهم صغراء بن احمر، و جعل ربيعه ميسره، عليهم يحيى بن حضين، و ضم اليهم اهل حمص عليهم جعفر بن حنظله البهرانى، و اهل الأزد و عليهم سليمان بن عمرو المقرئ من حمير، و على المقدمه منصور بن مسلم البجلي، و اضاف اليهم اهل دمشق عليهم حمله بن نعيم الكلبى، و اضاف اليهم الحرس و الشرطه و غلمان اسد.

قال: و عبى خاقان الحارث بن سريج و اصحابه و ملك السغد و صاحب الشاش و خرابغره أبا خاناخره، جد كاوس و صاحب الختل جبغويه، و الترك‏

123

كلهم ميمنه فلما التقوا حمل الحارث و من معه من اهل السغد و البابيه و غيرهم على الميسره، و فيها ربيعه و جندان من اهل الشام، فهزمهم فلم يردهم شي‏ء دون رواق اسد، فشدت عليهم الميمنه- و هم الأزد و بنو تميم و الجوزجان- فما وصلوا اليهم حتى انهزم الحارث و الاتراك، و حمل الناس جميعا، فقال اسد: اللهم انهم عصوني فانصرهم، و ذهب الترك في الارض عباديد لا يلوون على احد، فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه، حتى انتهوا الى اغنامهم، فاستاقوا اكثر من خمس و خمسين و مائه الف شاه و دواب كثيره و أخذ خاقان طريقا غير الجادة في الجبل، و الحارث بن سريج يحميه، و لحقهم اسد عند الظهر و يقال: لما واقف اسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق، فامر اسد برواقه فرفع، فقال رجل من بنى قيس بن ثعلبه: يا أهل الشام، ا هكذا رأيكم، إذا حضر الناس رفعتم الابنيه! فامر به فحط، و هاجت ريح الحرب التي تسمى الهفافة، فهزمهم الله، و استقبلوا القبله يدعون الله و يكبرون و اقبل خاقان في قريب من أربعمائة فارس عليهم الحمرة، و قال لرجل يقال له سورى:

انما أنت ملك الجوزجان ان اسلمت العرب، فمن رايت من اهل الجوزجان موليا فاقتله و قال الجوزجان لعثمان بن عبد الله الشخير: انى لأعلم ببلادي و طرقها، فهل لك في امر فيه هلاك خاقان و لك فيه ذكر ما بقيت؟ قال:

ما هو؟ قال: تتبعني، قال: نعم، فاخذ طريقا يسمى ورادك، فاشرفوا على طوقات خاقان و هم آمنون، فامر خاقان بالكوسات فضربت ضربه الانصراف و قد شبت الحرب، فلم يقدر الترك على الانصراف، ثم ضربت الثانيه فلم يقدروا، ثم ضربت الثالثه فلم يقدروا لاشتغالهم، فحمل ابن الشخير و الجوزجان على الطوقات، و ولى خاقان مدبرا منهزما، فحوى المسلمون عسكرهم و تركوا قدورهم تغلى و نساء من نساء العرب و المواليات و من نساء الترك، و وحل بخاقان برذونه فحماه الحارث بن سريج قال: و لم يعلم الناس انه‏

124

خاقان، و وجد عسكر الترك مشحونا من كل شي‏ء من آنيه الفضه و صناجات الترك و اراد الخصى ان يحمل امراه خاقان، فاعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرك، فأخذوا خفها و هو من لبود مضرب.

قال: فبعث اسد بجوارى الترك الى دهاقين خراسان، و استنقذ من كان في ايديهم من المسلمين قال: و اقام اسد خمسه ايام قال: فكانت الخيول التي فرق تقبل فيصيبهم اسد، فاغتنم الظفر و انصرف الى بلخ يوم التاسع من خروجه، فقال ابن السجف المجاشعي:

لو سرت في الارض تقيس الارضا* * * تقيس منها طولها و العرضا

لم تلق خيرا مره و نقضا* * * من الأمير اسد و امضى‏

افضى إلينا، الخير حين افضى* * * و جمع الشمل و كان رفضا

ما فاته خاقان الا ركضا* * * قد فض من جموعه ما فضا

يا بن سريج قد لقيت حمضا* * * حمضا به يشفى صداع المرضى‏

قال: و ارتحل اسد، فنزل جزه الجوزجان من غد، و خاقان بها، فارتحل هاربا منه و ندب اسد الناس، فانتدب ناس كثير من اهل الشام و اهل العراق، فاستعمل عليهم جعفر بن حنظله البهرانى، فساروا و نزلوا مدينه تسمى ورد من ارض جزه، فباتوا بها فأصابهم ريح و مطر- و يقال:

أصابهم الثلج- فرجعوا و مضى خاقان فنزل على جبغويه الطخارى، و انصرف البهرانى الى اسد، و رجع اسد الى بلخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمرو الروذ منصرفه لتغير على بلخ، فقتلوا من قدروا عليه منهم، و كان الترك قد بلغوا بيعه مرو الروذ، و أصاب اسد يومئذ اربعه آلاف درع، فلما صار ببلخ امر الناس بالصوم لافتتاح الله عليهم.

قال: و كان اسد يوجه الكرماني في السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون الرجل و الرجلين و الثلاثة و اكثر من الترك، و مضى خاقان الى طخارستان العليا،

125

فأقام عند جبغويه الخزلخى تعززا به، و امر بصنيعه الكوسات، فلما جفت و صلحت أصواتها ارتحل الى بلاده، فلما ورد شروسنه، تلقاه خرابغره ابو خاناخره، جد كاوس ابى افشين باللعابين، و اعد له هدايا و دواب له و لجنده- و كان الذى بينهما متباعدا- فلما رجع منهزما أحب ان يتخذ عنده يدا، فأتاه بكل ما قدر عليه ثم اتى خاقان بلاده، و أخذ في الاستعداد للحرب و محاصره سمرقند، و حمل الحارث بن سريج و اصحابه على خمسه آلاف برذون، و فرق براذين في قواد الترك، فلاعب خاقان يوما كورصول بالنرد على خطر تدرجه، فقمر كورصول الترقشى، فطلب منه التدرجه، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر، فتنازعا، فكسر كورصول يد خاقان، فحلف خاقان ليكسرن يد كورصول، و بلغ كورصول، فتنحى و جمع جمعا من اصحابه، فبيت خاقان فقتله، فأصبحت الترك فتفرقوا عنه و تركوه مجردا، فأتاه زريق بن طفيل الكشانى و اهل بيت الحموكيين- و هم من عظماء الترك- فحمله و دفنه، و صنع به ما يصنع بمثله إذا قتل.

فتفرقت الترك في الغارات بعضها على بعض، و انحاز بعضهم الى الشاش، فعند ذلك طمع اهل السغد في الرجعة إليها قال: فلم يسلم من خيل الترك التي تفرقت في الغارات الا زر بن الكسى، فانه سلم حتى صار الى طخارستان، و كان اسد بعث من مدينه بلخ سيف بن وصاف العجلى على فرس، فسار حتى نزل الشبورقان قال: و فيها ابراهيم بن هشام مسلحه، فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله، فاخبره، ففظع به هشام فلم يصدقه، و قال للربيع حاجبه: ويحك! ان هذا الشيخ قد أتانا بالطامه الكبرى إذا كان صادقا، و لا أراه صادقا، اذهب فعده ثم سله عما يقوله و أتني بما يقول.

فانطلق اليه ففعل الذى امره به، فاخبره بالذي اخبر به هشاما قال: فدخل عليه امر عظيم، فدعا به بعد، فقال: من القاسم بن بخيت منكم؟ قال:

ذلك صاحب العسكر، قال: فانه قد اقبل، قال: فان كان قد اقبل فقد

126

فتح الله على امير المؤمنين- و كان اسد وجهه حين فتح الله عليه- فاقبل القاسم بن بخيت، فكبر على الباب، ثم دخل يكبر و هشام يكبر لتكبيره، حتى انتهى اليه، فقال: الفتح يا امير المؤمنين، و اخبره الخبر، فنزل هشام عن سريره فسجد سجده الشكر، و هي واحده عندهم قال: فحسدت القيسية أسدا و خالدا، و أشاروا على هشام ان يكتب الى خالد بن عبد الله، فيأمر أخاه ان يوجه مقاتل بن حيان، فكتب اليه، فدعا اسد مقاتل بن حيان على رءوس الناس، فقال: سر الى امير المؤمنين فاخبره بالذي عاينت و قل الحق، فإنك لا تقول غير الحق ان شاء الله، و خذ من بيت المال حاجتك.

قالوا: إذا لا يأخذ شيئا، قال: أعطه من المال كذا و كذا، و من الكسوة كذا و كذا، و جهزه.

فسار فقدم على هشام بن عبد الملك و هو و الابرش جالسان، فسأله فقال: غزونا الختل، فأصبنا امرا عظيما، و انذر اسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا و استنقذوا من غنائمنا، و استباحوا بعض عسكرنا، ثم دفعونا دفعه قريبا من خلم، فانتهى الناس الى مشاتيهم، ثم جاءنا مسير خاقان الى الجوزجان، و نحن قريبو العهد بالعدو، فسار بنا حتى التقينا برستاق بيننا و بين ارض الجوزجان، فقاتلناهم و قد حازوا ذراري من ذراري المسلمين، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم ثم حملت ميمنتنا عليهم، فأعطانا الله عليهم الظفر، و تبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان، فأجلى عنه- و هشام متكئ فاستوى جالسا عند ذكره عسكر خاقان- فقال ثلاثا: أنتم استبحتم عسكر خاقان! قال: نعم، قال: ثم ما ذا؟ قال: دخلوا الختل و انصرفوا.

قال هشام: ان أسدا لضعيف، قال: مهلا يا امير المؤمنين، ما اسد بضعيف و ما اطاق فوق ما صنع، فقال له هشام: حاجتك؟ قال: ان يزيد بن المهلب أخذ من ابى حيان مائه الف درهم بغير حق، فقال له هشام:

لا اكلفك شاهدا، احلف بالله انه كما قلت، فحلف، فردها عليه من بيت‏

127

مال خراسان، و كتب الى خالد ان يكتب الى اسد فيها، فكتب اليه، فاعطاه اسد مائه الف درهم، فقسمها بين ورثه حيان على كتاب الله و فرائضه.

و يقال: بل كتب الى اسد ان يستخبر عن ذلك، فان كان ما ذكر حقا اعطى مائه الف درهم.

و كان الذى جاء بفتح خراسان الى مرو عبد السلام بن الاشهب بن عتبة الحنظلى قال: فاوفد اسد الى خالد بن عبد الله وفدا في هزيمته يوم سان، و معهم طوقات خاقان و رءوس من قتلوا منهم، فاوفدهم خالد الى هشام، فاحلفهم انهم صدقوا، فحلفوا، فوصلهم، فقال ابو الهندي الأسدي لاسد يذكر وقعه سان:

أبا منذر رمت الأمور فقستها* * * و ساءلت عنها كالحريص المساوم‏

فما كان ذو راى من الناس قسته* * * برأيك الا مثل راى البهائم‏

أبا منذر لو لا مسيرك لم يكن* * * عراق و لا انقادت ملوك الأعاجم‏

و لا حج بيت الله- مذ حج- راكب* * * و لا عمر البطحاء بعد المواسم‏

فكم من قتيل بين سان و جزه* * * كثير الأيادي من ملوك قماقم‏

تركت بأرض الجوزجان تزوره* * * سباع و عقبان لحز الغلاصم‏

و ذي سوقه فيه من السيف خطه* * * به رمق حامت عليه الحوائم‏

فمن هارب منا و من دائن لنا* * * اسير يقاسى مبهمات الاداهم‏

فدتك نفوس من تميم و عامر* * * و من مضر الحمراء عند المازم‏

هم اطمعوا خاقان فينا فأصبحت* * * جلائبه ترجو احتواء المغانم‏

قال: و كان السبل اوصى عند موته ابن السائجى حين استخلفه بثلاث خصال، فقال: لا تستطل على اهل الختل استطالتى التي كانت عليهم،

128

فانى ملك و لست بملك، انما أنت رجل منهم، فلا يحتملون لك ما يحتملون للملوك، و لا تدع ان تطلب الجيش حتى ترده الى بلادكم، فانه الملك بعدي و الملوك هم النظام، و الناس ما لم يكن لهم نظام طغام، و لا تحاربوا العرب و احتالوا لهم كل حيله تدفعونهم بها عن انفسكم ما قدرتم فقال له ابن السائجى: اما ما ذكرت من تركي الاستطالة على اهل الختل فانى قد عرفت ذلك، و اما ما اوصيت من رد الجيش فقد صدق الملك، و اما قولك: لا تحاربوا العرب، فكيف تنهى عن حربهم، و قد كنت اكثر الملوك لهم محاربه! قال: قد احسنت إذ سالت عما لا تعلم، انى قد جربت قوتكم بقوتي، فلم اجدكم تقعون منى موقعا، فكنت إذا حاربتهم لم افلت منهم الا جريضا، و انكم ان حاربتموهم هلكتم في أول محاربتكم إياهم.

قال و كان الجيش، قد هرب الى الصين، و ابن السائجى الذى اخبر اسد بن عبد الله بمسير خاقان اليه، فكره محاربه اسد.

ذكر الخبر عن مقتل المغيره بن سعيد و نفر معه‏

و في هذه السنه خرج المغيره بن سعيد و بيان في نفر، فاخذهم خالد فقتلهم.

ذكر الخبر عن مقتلهم:

اما المغيره بن سعيد، فانه كان- فيما ذكر- ساحرا حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الاعمش، قال: سمعت المغيره بن سعيد، يقول:

لو اردت ان احيى عادا او ثمودا و قرونا بين ذلك كثيرا لأحييتهم قال الاعمش:

و كان المغيره يخرج الى المقبرة فيتكلم، فيرى مثل الجراد على القبور، او نحو هذا من الكلام.

و ذكر ابو نعيم، عن النضر بن محمد، عن محمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى، قال: قدم علينا رجل من اهل البصره يطلب العلم، فكان عندنا، فأمرت جاريتي يوما ان تشترى لي سمكا بدرهمين، ثم انطلقت انا

129

و البصرى الى المغيره بن سعيد، فقال لي: يا محمد، ا تحب ان اخبرك، لم افترق حاجباك؟ قلت: لا، قال ا فتحب ان اخبرك لم سماك اهلك محمدا؟ قلت:

لا، قال: اما انك قد بعثت خادمك يشترى لك سمكا بدرهمين قال:

فنهضنا عنه قال ابو نعيم: و كان المغيره قد نظر في السحر، فأخذه خالد القسرى فقتله و صلبه.

و ذكر ابو زيد ان أبا بكر بن حفص الزهري، قال: أخبرني محمد بن عقيل،

3

عن سعيد بن مردابند، مولى عمرو بن حريث، قال: رايت خالدا حين اتى بالمغيره و بيان في سته رهط او سبعه، امر بسريره فاخرج الى المسجد الجامع، و امر باطنان قصب و نفط فاحضرا، ثم امر المغيره ان يتناول طنا فكع عنه و تأنى، فصبت السياط على راسه، فتناول طنا فاحتضنه، فشد عليه، ثم صب عليه و على الطن نفط، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا، ثم امر الرهط ففعلوا، ثم امر بيانا آخرهم فقدم الى الطن مبادرا فاحتضنه، فقال خالد: ويلكم! في كل امر تحمقون، هلا رايتم هذا المغيره! ثم احرقه.

قال ابو زيد: لما قتل خالد المغيره و بيانا ارسل الى مالك بن اعين الجهنى فسأله فصدقه عن نفسه، فاطلقه، فلما خلا مالك بمن يثق به- و كان فيهم ابو مسلم صاحب خراسان- قال:

ضربت له بين الطريقين لاحبا* * * و طنت عليه الشمس فيمن يطينها

و القيته في شبهة حين سألني* * * كما اشتبها في الخط سين و شينها

فقال ابو مسلم حين ظهر امره: لو وجدته لقتلته باقراره على نفسه.

قال احمد بن زهير، عن على بن محمد، قال: خرج المغيره بن سعيد في سبعه نفر، و كانوا يدعون الوصفاء، و كان خروجهم بظهر الكوفه، فاخبر خالد القسرى بخروجهم و هو على المنبر، فقال: أطعموني ماء، فنعى ذلك عليه ابن نوفل، فقال:

ا خالد لا جزاك الله خيرا* * * و أير في أمك من امير

130

تمنى الفخر في قيس و قسر* * * كأنك من سراه بنى جرير

و أمك علجه و ابوك و غد* * * و ما الاذناب عدلا للصدور

جرير من ذوى يمن اصيل* * * كريم الأصل ذو خطر كبير

و أنت زعمت انك من يزيد* * * و قد ادحقتم دحق العبور

و كنت لدى المغيره عبد سوء* * * تبول من المخافة للزئير

و قلت لما اصابك: أطعموني* * * شرابا ثم بلت على السرير

لأعلاج ثمانية و شيخ* * * كبير السن ليس بذى نصير.

خبر مقتل بهلول بن بشر

و في هذه السنه حكم بهلول بن بشر الملقب كثاره فقتل.

ذكر الخبر عن مخرجه و مقتله:

ذكر ابو عبيده معمر بن المثنى ان بهلولا كان يتأله، و كان له قوت دانق، و كان مشهورا بالباس عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحج، فامر غلامه ان يبتاع له خلا بدرهم، فجاءه غلامه بخمر، فامر بردها و أخذ الدراهم، فلم يجب الى ذلك، فجاء بهلول الى عامل القرية- و هي من السواد- فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك و من قومك، فمضى بهلول في حجه حتى فرغ منه، و عزم على الخروج على السلطان، فلقى بمكة من كان على مثل رايه، فاتعدوا قريه من قرى الموصل، فاجتمع بها اربعون رجلا، و أمروا عليهم البهلول، و اجمعوا على الا يمروا بأحد الا اخبروه انهم أقبلوا من عند هشام على بعض الاعمال، و وجههم الى خالد لينفذهم في اعمالهم، فجعلوا لا يمرون بعامل الا اخبروه بذلك و أخذوا دواب من دواب البريد، فلما انتهوا الى القرية التي كان ابتاع فيها الغلام الخل فاعطى خمرا، قال بهلول: نبدأ بهذا العامل الذى قال ما قال، فقال له اصحابه: نحن نريد قتل خالد، فان‏

131

بدأنا بهذا شهرنا و حذرنا خالد و غيره، فننشدك الله ان تقتل هذا فيفلت منا خالد الذى يهدم المساجد، و يبنى البيع و الكنائس، و يولى المجوس على المسلمين، و ينكح اهل الذمة المسلمات، لعلنا نقتله فيريح الله منه قال:

و الله لا ادع ما يلزمني لما بعده، و أرجو ان اقتل هذا الذى قال لي ما قال و ادرك خالدا فاقتله، و ان تركت هذا و اتيت خالدا شهر امرنا فافلت هذا، و قد قال الله عز و جل: «قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً»، قالوا: أنت و رأيك فأتاه فقتله، فنذر بهم الناس و علموا انهم خوارج، و ابتدروا الى الطريق هرابا، و خرجت البرد الى خالد فاخبروه ان خارجه قد خرجت، و هم لا يدرون حينئذ من رئيسهم.

فخرج خالد من واسط حتى اتى الحيرة و هو حينئذ في الحلق، و قد قدم في تلك الأيام قائد من اهل الشام من بنى القين في جيش قد وجهوا مددا لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة، فلذلك قصدها خالد، فدعا رئيسهم فقال: قاتل هؤلاء المارقه، فان من قتل منهم رجلا اعطيته عطاء سوى ما قبض بالشام، و اعفيته من الخروج الى ارض الهند- و كان الخروج الى ارض الهند شاقا عليهم- فسارعوا الى ذلك، فقالوا: نقتل هؤلاء النفر و نرجع الى بلادنا فتوجه القينى اليهم في ستمائه، و ضم اليهم خالد مائتين من شرط الكوفه، فالتقوا على الفرات، فعبا القينى اصحابه، و عزل شرط الكوفه، فقال: لا تكونوا معنا- و انما يريد في نفسه ان يخلو هو و اصحابه بالقوم فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد- و خرج اليهم بهلول، فسال عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم تنكر له، و معه لواء اسود، فحمل عليه فطعنه في فرج درعه، فانفذه فقال: قتلتني قتلك الله! فقال بهلول: الى النار ابعدك الله.

و ولى اهل الشام مع شرط اهل الكوفه منهزمين حتى بلغوا باب الكوفه، و بهلول و اصحابه يقتلونهم فاما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه، و اما شرط الكوفه فانه لحقهم، فقالوا: اتق الله فينا فانا مكرهون مقهورون،

132

فجعل يقرع رءوسهم بالرمح، و يقول: ألحقوا! النجاء النجاء! و وجد البهلول مع القينى بدره فأخذها و كان بالكوفه سته نفر يرون راى البهلول، فخرجوا اليه يريدون اللحاق به فقتلوا، و خرج اليهم البهلول و حمل البدره بين يديه، فقال: من قتل هؤلاء النفر حتى أعطيه هذه الدراهم؟ فجعل هذا يقول: انا، و هذا يقول:

انا، حتى عرفهم، و هم يرون انه من قبل خالد جاء ليعطيهم مالا لقتلهم من قتلوا فقال بهلول لأهل القرية: اصدق هؤلاء، هم قتلوا النفر؟ قالوا:

نعم، و خشي بهلول انهم ادعوا ذلك طمعا في المال، فقال لأهل القرية:

انصرفوا أنتم، و امر بأولئك فقتلوا، و عاب عليه اصحابه فحاجهم، فأقروا له بالحجه و بلغت هزيمه القوم خالدا و خبر من قتل من اهل صريفين، فوجه قائدا من بنى شيبان احد بنى حوشب بن يزيد بن رويم، فلقيهم فيما بين الموصل و الكوفه، فشد عليهم البهلول، فقال: نشدتك بالرحم! فانى جانح مستجير! فكف عنه، و انهزم اصحابه، فاتوا خالدا و هو مقيم بالحيرة ينتظر، فلم يرعه الا الفل قد هجم عليه، فارتحل البهلول من يومه يريد الموصل، فخافه عامل الموصل، فكتب الى هشام: ان خارجه خرجت فعاثت و افسدت، و انه لا يامن على ناحيته، و يسأله جندا يقاتلهم به، فكتب اليه هشام: وجه اليهم كثاره بن بشر- و كان هشام لا يعرف البهلول الا بلقبه- فكتب اليه العامل: ان الخارج هو كثاره.

قال: ثم قال البهلول لأصحابه: انا و الله ما نصنع بابن النصرانية شيئا- يعنى خالدا- و ما خرجت الا لله، فلم لا نطلب الراس الذى يسلط خالدا و ذوى خالد! فتوجه يريد هشاما بالشام، فخاف عمال هشام موجدته ان تركوه يجوز بلادهم حتى ينتهى الى الشام، فجند له خالد جندا من اهل العراق، و جند له عامل الجزيرة جندا من اهل الجزيرة، و وجه اليه هشام جندا من اهل الشام، فاجتمعوا بدير بين الجزيرة و الموصل، و اقبل بهلول حتى انتهى‏

133

اليهم- و يقال: التقوا بالكحيل دون الموصل- فاقبل بهلول، فنزل على باب الدير، فقالوا له: تزحزح عن باب الدير حتى نخرج إليك، فتنحى و خرجوا، فلما راى كثرتهم و هو في سبعين جعل من اصحابه ميمنه و ميسره، ثم اقبل عليهم فقال: اكلكم يرجو ان يقتلنا ثم ياتى بلده و اهله سالما؟ قالوا: انا نرجو ذلك ان شاء الله، فشد على رجل منهم فقتله، فقال: اما هذا فلا ياتى اهله ابدا، فلم يزل ذلك ديدنه حتى قتل منهم سته نفر، فانهزموا، فدخلوا الدير فحاصرهم، و جاءتهم الامداد فكانوا عشرين ألفا، فقال له اصحابه: ا لا نعقر دوابنا، ثم نشد عليهم شده واحده؟ فقال: لا تفعلوا حتى نبلى الله عذرا ما استمسكنا على دوابنا، فقاتلوهم يومهم ذلك كله الى جنح العصر حتى أكثروا فيهم القتل و الجراح.

ثم ان بهلولا و اصحابه عقروا دوابهم و ترجلوا، و اصلتوا لهم السيوف، فأوجعوا فيهم، فقتل عامه اصحاب بهلول و هو يقاتل و يذود عن اصحابه، و حمل عليه رجل من جديله قيس يكنى أبا الموت، فطعنه فصرعه، فوافاه من بقي من اصحابه، فقالوا له: ول امرنا من بعدك من يقوم به، فقال: ان هلكت فأمير المؤمنين دعامه الشيبانى، فان هلك دعامه فأمير المؤمنين عمرو اليشكري، و كان ابو الموت انما ختل البهلول و مات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامه و خلاهم، فقال رجل من شعرائهم:

لبئس امير المؤمنين دعامه* * * دعامه في الهيجاء شر الدعائم‏

و قال الضحاك بن قيس يرثى بهلولا، و يذكر اصحابه:

بدلت بعد ابى بشر و صحبته* * * قوما على مع الأحزاب أعوانا

كأنهم لم يكونوا من صحابتنا* * * و لم يكونوا لنا بالأمس خلانا

يا عين اذرى دموعا منك تهتانا* * * و ابكى لنا صحبه بانوا و اخوانا

خلوا لنا ظاهر الدنيا و باطنها* * * و أصبحوا في جنان الخلد جيرانا

قال ابو عبيده: 4 لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث ان قتل ثم‏

134

4 خرج العنزي صاحب الاشهب- و بهذا كان يعرف- على خالد في ستين، فوجه اليه خالد السمط بن مسلم البجلي في اربعه آلاف، فالتقوا بناحيه الفرات، فشد العنزي على السمط، فضربه بين أصابعه فالقى سيفه، و شلت يده، و حمل عليهم فانهزمت الحرورية فتلقاهم عبيد اهل الكوفه و سفلتهم، فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.

4 قال ابو عبيده: 4 ثم خرج وزير السختياني على خالد في نفر، و كان مخرجه بالحيرة، فجعل لا يمر بقرية الا أحرقها، و لا احد الا قتله، و غلب على ما هنالك و على بيت المال، فوجه اليه خالد قائدا من اصحابه و شرطا من شرط الكوفه، فقاتلوه و هو في نفير، فقاتل حتى قتل عامه اصحابه، و اثخن بالجراح، فاخذ مرتثا، فاتى به خالد، فاقبل على خالد فوعظه، و تلا عليه آيات من القرآن فاعجب خالدا ما سمع منه، فامسك عن قتله و حبسه عنده، و كان لا يزال يبعث اليه في الليالى فيؤتى به فيحادثه و يسائله، فبلغ ذلك هشاما و سعى به اليه، و قيل: أخذ حروريا قد قتل و حرق و أباح الأموال، فاستبقاه فاتخذه سميرا فغضب هشام، و كتب الى خالد يشتمه، و يقول: لا تستبق فاسقا قتل و حرق، و أباح الأموال، فكان خالد يقول:

انى انفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه و فصاحته فكتب فيه الى هشام يرقق من امره- و يقال: بل لم يكتب و لكنه كان يؤخر امره و يدفع عنه- حتى كتب اليه هشام يؤنبه و يأمره بقتله و إحراقه، فلما جاءه امر عزيمة لا يستطيع دفعه بعث اليه و الى نفر من اصحابه كانوا أخذوا معه، فامر بهم فادخلوا المسجد، و ادخلت اطنان القصب فشدوا فيها، ثم صب عليهم النفط، ثم اخرجوا فنصبوا في الرحبه، و رموا بالنيران، فما منهم احد الا من اضطراب و اظهر جزعا، الا وزيرا فانه لم يتحرك، و لم يزل يتلو القرآن حتى مات.

و في هذه السنه غزا اسد بن عبد الله الختل و فيها قتل اسد بدرطاخان ملك الختل‏

135

ذكر الخبر عن غزوه اسد الختل هذه الغزوة و سبب قتله بدر طرخان‏

ذكر على بن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قبل انهم قالوا: غزا اسد ابن عبد الله الختل و هي غزوه بدر طرخان، فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها، فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدر طرخان، فطلب الامان على ان يخرج الى اسد فأجابه مصعب، فخرج الى اسد فطلب منه أشياء فامتنع، ثم ساله بدر طرخان ان يقبل منه الف الف درهم، فقال له اسد:

انك رجل غريب من اهل الباميان، اخرج من الختل كما دخلتها فقال له بدر طرخان: دخلت أنت خراسان على عشره من المحذفه، و لو خرجت منها اليوم لم تستقل على خمسمائة بعير، و غير ذلك انى دخلت الختل بشي‏ء فاردده على حتى اخرج منها كما دخلتها قال: و ما ذاك؟ قال:

دخلتها شابا فكسبت المال بالسيف، و رزق الله أهلا و ولدا، فاردد على شبابي حتى اخرج منها، هل ترى ان اخرج من اهلى و ولدى! فما بقائى بعد اهلى و ولدى! فغضب اسد.

قال: و كان بدر طرخان يثق بالأمان، فقال له اسد: اختم في عنقك، فانى اخاف عليك معره الجند، قال: لست اريد ذلك، و انا اكتفى من قبلك برجل يبلغ بي مصعبا فأبى اسد الا ان يختم في عنقه، فختم في رقبته و دفعه الى ابى الأسد مولاه، فسار به ابو الأسد، فانتهى الى عسكر المصعب عند المساء و كان سلمه بن ابى عبد الله في الموالي مع مصعب، فوافى ابو الأسد سلمه، و هو يضع الدراجة في موضعها، فقال سلمه لأبي الأسد: ما صنع الأمير في امر بدر طرخان؟ فقص الذى عرض عليه بدر طرخان و إباء اسد ذلك، و سرحه معه الى المصعب ليدخله الحصن، فقال سلمه: ان الأمير لم يصب‏

136

فيما صنع، و سينظر في ذلك و يندم، انما كان ينبغى له ان يقبض ما عرض عليه او يحبسه فلا يدخله حصنه، فانا انما دخلناه بقناطر اتخذناها، و مضايق أصلحناها، و كان يمنعه ان يغير علينا رجاء الصلح، فاما إذ يئس من الصلح فانه لا يدع الجهد فدعه الليلة في قبتى، و لا تنطلق به الى مصعب، فانه ساعه ينظر اليه يدخله حصنه.

قال: فأقام ابو الأسد و بدر طرخان معه في قبة سلمه، و اقبل اسد بالناس في طريق ضيق، فتقطع الجند، و مضى اسد حتى انتهى الى نهر و قد عطش- و لم يكن احد من خدمه- فاستسقى، و كان السغدى بن عبد الرحمن ابو طعمه الحزمي معه شاكرى له، و مع الشاكري قرن تبتى، فاخذ السغدى القرن، فجعل فيه سويقا، و صب عليه ماء من النهر، و حركه و سقى أسدا و قوما من رؤساء الجند، فنزل اسد في ظل شجره، و دعا برجل من الحرس، فوضع راسه في فخذه، و جاء المجشر بن مزاحم السلمى يقود فرسه حتى قعد تجاهه حيث ينظر أسدا، فقال اسد: كيف أنت يا أبا العدبس؟ قال:

كنت أمس احسن حالا منى اليوم، قال: و كيف ذاك؟ قال: كان بدر طرخان في أيدينا و عرض ما عرض، فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه و لا هو شد يده عليه، لكنه خلى سبيله، و امر بإدخاله حصنه لما عنده- زعم- من الوفاء فندم اسد عند ذلك، و دعا بدليل من اهل الختل و رجل من اهل الشام نافذ، فاره الفرس فاتى بهما، فقال للشامي: ان أنت أدركت بدرطرخان قبل ان يدخل حصنه فلك الف درهم، فتوجها حتى انتهيا الى عسكر مصعب، فنادى الشامي: ما فعل العلج؟ قيل: عند سلمه، و انصرف الدليل الى اسد بالخبر، و اقام الشامي مع بدرطرخان في قبة سلمه، و بعث اسد الى بدر طرخان فحوله اليه فشتمه، فعرف بدر طرخان انه قد نقض عهده، فرفع حصاه فرمى بها الى السماء، و قال: هذا عهد الله، و أخذ اخرى فرمى بها الى السماء، و قال:

هذا عهد محمد ص، و أخذ يصنع كذلك بعهد امير المؤمنين و عهد المسلمين، فامر اسد بقطع يده، و قال اسد: من هاهنا من أولياء

137

ابى فديك رجل من الأزد قتله بدر طرخان، فقام رجل من الأزد فقال:

انا، قال: اضرب عنقه، ففعل و غلب اسد على القلعة العظمى، و بقيت قلعه فوقها صغيره فيها ولده و أمواله، فلم يوصل اليهم، و فرق اسد الخيل في اوديه الختل.

قال: و قدم اسد مرو، و عليها أيوب بن ابى حسان التميمى، فعزله و استعمل خالد بن شديد، ابن عمه فلما شخص الى بلخ بلغه ان عماره بن حريم تزوج الفاضله بنت يزيد بن المهلب، فكتب الى خالد بن شديد:

احمل عماره على طلاق ابنه يزيد، فان ابى فاضربه مائه سوط، فبعث اليه فأتاه و عنده العذافر بن زيد التميمى، فأمره بطلاقها، ففعل بعد إباء منه، و قال عذافر: عماره و الله فتى قيس و سيدها، و ما بها عليه ابهه، اى ليست بأشرف منه فتوفى خالد بن شديد، و استخلف الاشعث بن جعفر البجلي.

ظهور الصحارى بن شبيب الخارجي‏

و فيها شرى الصحارى بن شبيب، و حكم بجبل ذكر خبره:

ذكر عن ابى عبيده معمر بن المثنى ان الصحارى بن شبيب اتى خالدا يسأله الفريضة، فقال: و ما يصنع ابن شبيب بالفريضة! فودعه ابن شبيب، و مضى، و ندم خالد و خاف ان يفتق عليه فتقا، فأرسل اليه يدعوه، فقال:

انا كنت عنده آنفا، فأبوا ان يدعوه، فشد عليهم بسيفه، فتركوه فركب و سار حتى جاوز واسطا، ثم عقر فرسه و ركب زورقا ليخفى مكانه، ثم قصد الى نفر من بنى تيم اللات بن ثعلبه، كانوا بجبل، فأتاهم متقلدا سيفا فاخبرهم خبره و خبر خالد، فقالوا له: و ما كنت ترجو بالفريضة! كنت لان تخرج الى ابن النصرانية فتضربه بسيفك احرى فقال: انى و الله ما اردت‏

138

الفريضة، و ما اردت الا التوصل اليه لئلا ينكرنى، ثم اقتل ابن النصرانية غيله بقتله فلانا- و كان خالد قبل ذلك قد قتل رجلا من قعده الصفريه صبرا- ثم دعاهم الصحارى الى الوثوب معه فأجابه بعضهم، و قال بعضهم:

ننتظر، و ابى بعضهم و قالوا: نحن في عافيه، فلما راى ذلك قال:

لم ارد منه الفريضة الا* * * طمعا في قتله ان انالا

فأريح الارض منه و ممن* * * عاث فيها و عن الحق مالا

كل جبار عنيد أراه* * * ترك الحق و سن الضلالا

اننى شار بنفسي لربي* * * تارك قيلا لديهم و قالا

بائع اهلى و مالي أرجو* * * في جنان الخلد أهلا و مالا

قال: فبايعه نحو من ثلاثين، فشرى بجبل، ثم سار حتى اتى المبارك.

فبلغ ذلك خالدا، فقال: قد كنت خفتها منه ثم وجه اليه خالد جندا، فلقوه بناحيه المناذر، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انطووا عليه فقتلوه و قتلوا جميع اصحابه.

قال ابو جعفر: و حج بالناس في هذه السنه ابو شاكر مسلمه بن هشام ابن عبد الملك، و حج معه ابن شهاب الزهري في هذه السنه.

و كان العامل في هذه السنه على المدينة و مكة و الطائف محمد بن هشام، و على العراق و المشرق خالد بن عبد الله القسرى، و عامل خالد على خراسان اخوه اسد بن عبد الله.

و قد قيل: ان أخا خالد أسدا هلك في هذه السنه، و استخلف عليها جعفر بن حنظله البهرانى.

و قيل: ان أسدا أخا خالد بن عبد الله انما هلك في سنه عشرين و مائه.

و كان على أرمينية و اذربيجان مروان بن محمد.

139

ثم دخلت‏

سنه عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك غزوه سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفه و افتتاحه- فيما ذكر- سندره، و غزوه إسحاق بن مسلم العقيلي و افتتاحه قلاع تومانشاه و تخريبه ارضه، و غزوه مروان بن محمد ارض الترك.

خبر وفاه اسد بن عبد الله القسرى‏

و فيها كانت وفاه اسد بن عبد الله في قول المدائني.

ذكر الخبر عن سبب وفاته:

و كان سبب ذلك انه كانت به- فيما ذكر- دبيله في جوفه، فحضر المهرجان و هو ببلخ، فقدم عليه الأمراء و الدهاقين، فكان ممن قدم عليه ابراهيم بن عبد الرحمن الحنفي عامله على هراة و خراسان، و دهقان هراة، فقد ما بهديه قومت بألف الف، فكان فيما قدما به قصران: قصر من فضه و قصر من ذهب، و أباريق من ذهب و أباريق من فضه و صحاف من ذهب و فضه، فاقبلا و اسد جالس على السرير، و اشراف خراسان على الكراسي، فوضعا القصرين، ثم وضعا خلفهما الأباريق و الصحاف و الديباج المروى و القوهي و الهروي و غير ذلك، حتى امتلا السماط، و كان فيما جاء به الدهقان أسدا كره من ذهب، ثم قام الدهقان خطيبا، فقال: اصلح الله الأمير! انا معشر العجم، أكلنا الدنيا أربعمائة سنه، أكلناها بالحلم و العقل و الوقار، ليس فينا كتاب ناطق، و لا نبى مرسل، و كانت الرجال عندنا ثلاثة: ميمون النقيبه أينما توجه فتح الله على يده، و الذى يليه رجل تمت مروته في بيته فان كان كذلك رجى و عظم، و قود و قدم، و رجل رحب صدره، و بسط

140

يده فرجي، فإذا كان كذلك قود و قدم، و ان الله جعل صفات هؤلاء الثلاثة الذين أكلنا الدنيا بهم أربعمائة سنه فيك ايها الأمير، و ما نعلم أحدا هو اتم كتخدانيه منك، انك ضبطت اهل بيتك و حشمك و مواليك، فليس منهم احد يستطيع ان يتعدى على صغير و لا كبير، و لا غنى و لا فقير، فهذا تمام الكتخدانية، ثم بنيت الايوانات في المفاوز، فيجي‏ء الجائى من المشرق و الآخر من المغرب، فلا يجدان عيبا الا ان يقولا: سبحان الله ما احسن ما بنى! و من يمن نقيبتك انك لقيت خاقان و هو في مائه الف، معه الحارث ابن سريج فهزمته و فللته، و قتلت اصحابه، و ابحت عسكره و اما رحب صدرك و بسط يدك، فانا ما ندري اى المالين اقر لعينك؟ ا مال قدم عليك، أم مال خرج من عندك! بل أنت بما خرج اقر عينا فضحك اسد، و قال:

أنت خير دهاقين خراسان و احسنهم هديه، و ناوله تفاحه كانت في يده، و سجد له دهقان هراة، و اطرق اسد ينظر الى تلك الهدايا، فنظر عن يمينه، فقال: يا عذافر بن يزيد، مر من يحمل هذا القصر الذهب، ثم قال:

يا معن بن احمر راس قيس- او قال قنسرين- مر بهذا القصر يحمل، ثم قال: يا فلان خذ إبريقا، و يا فلان خذ إبريقا، و اعطى الصحاف حتى بقيت صحفتان، فقال: قم يا بن الصيداء، فخذ صحيفه، قال:

فاخذ واحده فرزنها فوضعها، ثم أخذ الاخرى فرزنها، فقال له اسد: ما لك؟

قال: آخذ ارزنهما، قال: خذهما جميعا، و اعطى العرفاء و اصحاب البلاء، فقام ابو اليعفور- و كان يسير امام صاحب خراسان في المغازى- فنادى: هلم الى الطريق، فقال اسد: ما احسن ما ذكرت بنفسك! خذ ديباجتين، و قام ميمون العذاب فقال: الى، الى يساركم، الى الجادة، فقال:

ما احسن ما ذكرت نفسك! خذ ديباجه، قال: فاعطى ما كان في السماط كله، فقال نهر بن توسعه:

تقلون ان نادى لروع مثوب* * * و أنتم غداه المهرجان كثير

141

ثم مرض أسد، فأفاق إفاقة فخرج يوما، فأتى بكمثرى أول‏ما جاء، فأطعم الناس منه واحدة واحدة، و أخذ كمثراة فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدبيلة، فهلك. و استخلف جعفرا البهرانى، و هو جعفر بن‏حنظلة سنة عشرين و مائة فعمل أربعة أشهر، و جاء عهد نصر بن سيّار فى رجب سنة إحدى و عشرين و مائة، فقال ابن عرس العبدىّ:

نعى أسد بن عبد اللّه ناع* * * فريع القلب للملك المطاع‏

ببلخ وافق المقدار يسرى* * * و ما لقضاء ربك من دفاع‏

فجودى عين بالعبرات سحّا* * * أ لم يحزنك تفريق الجماع!

أتاه حمامه فى جوف صيغ* * * و كم بالصيغ من بطل شجاع!

كتائب قد يجيبون المنادى* * * على جرد مسوّمة سراع‏

سقيت الغيث إنّك كنت غيثا* * * مريعا عند مرتاد النّجاع‏

و قال سليمان بن قتّة مولى بنى تيم بن مرة- و كان صديقا لأسد:

سقى اللّه بلخا، سهل بلخ و حزنها* * * و مروى خراسان السّحاب المجمّما

و ما بى لتسقاه و لكنّ حفرة* * * بها غيّبوا شلوا كريما و أعظما

مراجم أقوام و مردى عظيمة* * * و طلّاب أوتار عفرنا عثمثما

لقد كان يعطى السّيف فى الرّوع حقّه* * * و يروى السنان الزّاغبىّ المقوّما

امر شيعه بنى العباس بخراسان‏

قال ابو جعفر: و في هذه السنه وجهت شيعه بنى العباس بخراسان الى محمد بن على بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه امرهم و ما هم عليه.

ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان الى محمد:

و كان السبب في ذلك موجده كانت من محمد بن على على من كان بخراسان من شيعته من اجل طاعتهم، كانت لخداش الذى ذكرنا خبره قبل و قبولهم منه ما روى عليه من الكذب، فترك مكاتبتهم، فلما أبطأ عليهم‏

142

كتابه، اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم، فاجمعوا على الرضا بسليمان بن كثير ليلقاه بامرهم، و يخبره عنهم، و يرجع اليهم بما يرد عليه، فقدم- فيما ذكر- سليمان بن كثير على محمد بن على و هو متنكر لمن بخراسان من شيعته، فاخبره عنهم، فعنفهم في اتباعهم خداشا و ما كان دعا اليه، و قال: لعن الله خداشا و من كان على دينه! ثم صرف سليمان الى خراسان، و كتب اليهم معه كتابا، فقدم عليهم، و معه الكتاب مختوما، ففضوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئا، الا: بسم الله الرحمن الرحيم، فغلظ ذلك عليهم و علموا ان ما كان خداش أتاهم به لأمره مخالف.

و في هذه السنه وجه محمد بن على بكر بن ماهان الى شيعته بخراسان بعد منصرف سليمان بن كثير من عنده اليهم، و كتب معه اليهم كتابا يعلمهم ان خداشا حمل شيعته على غير منهاجه فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدقوه و استخفوا به، فانصرف بكير الى محمد بن على، فبعث معه بعصى مضببه بعضها بالحديد و بعضها بالشبه، فقدم بها بكير و جمع النقباء و الشيعة، و دفع الى كل رجل منهم عصا، فعلموا انهم مخالفون لسيرته، فرجعوا و تابوا.

و في هذه السنه عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن اعماله التي كان ولاه إياها كلها

. ذكر سبب عزل هشام خالدا

قد قيل في ذلك اقوال، نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره، فمما قيل في ذلك: ان فروخ أبا المثنى كان قد تقبل من ضياع هشام بن عبد الملك بموضع يقال له رستاق الرمان او نهر الرمان- و كان يدعى بذلك فروخ الرماني- فثقل مكانه على خالد، فقال خالد لحسان النبطي:

ويحك! اخرج الى امير المؤمنين فزد على فروخ، فخرج فزاد عليه‏

143

الف الف درهم، فبعث هشام رجلين من صلحاء اهل الشام، فحازا الضياع، فصار حسان اثقل على خالد من فروخ، فجعل يضر به، فيقول له حسان:

لا تفسدنى و انا صنيعتك! فأبى الا الاضرار به، فلما قدم عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج الى هشام، فقال: ان خالدا بثق البثوق على ضياعك.

فوجه هشام رجلا، فنظر إليها ثم رجع الى هشام فاخبره، فقال حسان لخادم من خدم هشام: ان تكلمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي الف دينار، قال: فعجل لي الالف و اقول ما شئت، قال: فعجلها له و قال له: بك صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت، و الله لكأنك ابن خالد القسرى الذى غلته ثلاثة عشر الف الف فسمعها هشام فاغضى عليها ثم دخل عليه حسان بعد ذلك، فقال له هشام: ادن منى فدنا منه، فقال: كم غله خالد؟ قال: ثلاثة عشر الف الف، قال:

فكيف لم تخبرني بهذا! قال: و هل سألتني؟ فوقرت في نفس هشام، فازمع على عزله.

و قيل: كان خالد يقول لابنه يزيد: ما أنت بدون مسلمه بن هشام، فإنك لتفخر على الناس بثلاث لا يفخر بمثلها احد: سكرت دجلة و لم يتكلف ذلك احد، ولى سقاية بمكة، ولى ولايه العراق.

و قيل: انما اغضب هشاما على خالد ان رجلا من قريش دخل على خالد فاستخف به و عضه بلسانه، فكتب الى هشام يشكوه، فكتب هشام الى خالد:

اما بعد، فان امير المؤمنين- و ان كان اطلق لك يدك و رأيك فيمن استرعاك امره، و استحفظك عليه، للذي رجا من كفايتك، و وثق به من حسن تدبيرك- لم يفرشك غره اهل بيته لتطاه بقدمك، و لا تحد اليه بصرك، فكيف بك و قد بسطت على غرتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ، تريد بذلك تصغير خطره، و احتقار قدره، زعمت بالنصفه منه حتى‏

144

اخرجك ذلك الى الاغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامه، غير متحلحل له حين رايته مقبلا من صدر مهادك الذى مهد له الله، و في قومك من يعلوك بحسبه، و يغمرك باوليته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصه، مساوين بك فروع غرر القبائل و قرومها قبل امير المؤمنين، حتى حللت هضبه اصبحت تنحو بها عليهم مفتخرا هذا ان لم يدهده بك قله شكرك متحطما وقيذا فهلا- يا بن مجرشه قومك- اعظمت رجلهم عليك داخلا، و وسعت مجلسه إذ رايته إليك مقبلا، و تجافيت له عن صدر فراشك مكرما، ثم فاوضته مقبلا ببشرك، إكراما لأمير المؤمنين فإذا اطمان به مجلسه نازعته بحيى السرار، معظما لقرابته، عارفا لحقه، فهو سن البيتين و نابهم، و ابن شيخ آل ابى العاص و حرب و غرتهم.

و بالله يقسم امير المؤمنين لك لو لا ما تقدم من حرمتك و ما يكره من شماتة عدوك بك لوضع منك ما رفع، حتى يردك الى حال تفقد بها اهل الحوائج بعراقك، و تزاحم المواكب ببابك و ما اقربنى من ان اجعلك تابعا لمن كان لك تبعا، فانهض على اى حال الفاك رسول امير المؤمنين و كتابه، من ليل او نهار، ماشيا على قدمك بمن معك من خولك، حتى تقف على باب ابن عمرو صاغرا، مستأذنا عليه، متنصلا اليه، اذن لك او منعك، فان حركته عواطف رحمه احتملك، و ان احتملته انفه و حميه من دخولك عليك فقف ببابه حولا غير متحلحل و لا زائل، ثم امرك بعد اليه، عزل او ولى، انتصر او عفا، فلعنك الله من متكل عليه بالثقه، ما اكثر هفواتك، و اقذع لأهل الشرف ألفاظك، التي لا تزال تبلغ امير المؤمنين‏

145

من اقدامك بها على من هو اولى بما أنت فيه من ولايه مصرى العراق، و اقدم و اقوم و قد كتب امير المؤمنين الى ابن عمه بما كتب به إليك من إنكاره عليك، ليرى في العفو عنك و السخط عليك رايه، مفوضا ذلك اليه مبسوطه فيه يده، محمودا عند امير المؤمنين على أيهما آتى إليك، موفقا ان شاء الله تعالى.

و كتب الى ابن عمرو:

اما بعد، فقد بلغ امير المؤمنين كتابك، و فهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه في مجلس العامه محتقرا لقدرك، مستصغرا لقرابتك من امير المؤمنين، و عواطف رحمه عليك و إمساكك عنه، تعظيما لأمير المؤمنين و سلطانه و تمسكا بوثائق عصم طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه و شراره منطقه، و اكثابه عليك عند اطراقك عنه، مرويا فيما اطلق امير المؤمنين من لسانه، و اطال من عنانه، و رفع من ضعته، و نوه من خموله، و كذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هذر الذنابى و طائشه أحلامها، صمت من غير افحام، بل بأحلام تخف بالجبال وزنا و قد حمد امير المؤمنين تعظيمك اياه، و توقيرك سلطانه و شكره، و قد جعل امر خالد إليك في عزلك اياه او اقراره، فان عزلته امضى عزلك اياه، و ان اقررته فتلك منه لك عليه لا يشركك امير المؤمنين فيها و قد كتب اليه امير المؤمنين بما يطرد عنه سنه الهاجع عند وصوله اليه، يأمره باتيانك راجلا على ايه حال صادفه كتاب امير المؤمنين فيها، و الفاه رسوله الموجه اليه من ليله او نهاره، حتى يقف ببابك، أذنت له او حجبته، اقررته او عزلته، و تقدم امير المؤمنين الى رسوله في ضربه بين يديك على راسه عشرين سوطا الا ان تكره ان يناله‏

146

ذلك بسببك لحرمه خدمته، فأيهما رايت امضاءه كان لأمير المؤمنين في برك و عظم حرمتك و قرابتك و صله رحمك موافقا، و اليه حبيبا، فيما ينوى من قضاء حق آل ابى العاص و سعيد فكاتب امير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئا و مجيبا و محادثا و طالبا، ما عسى ان ينزل بك اهلك من اهل بيت امير المؤمنين من حوائجهم التي تقعد بهم الحشمه عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه، و قله امكان الخروج لانزالها به، غير محتشم من امير المؤمنين، و لا مستوحش من تكرارها عليه، على قدر قرابتهم و اديانهم و انسابهم، مستمنحا و مسترفدا، و طالبا مستزيدا، تجد امير المؤمنين إليك سريعا بالبر لما يحاول من صله قرابتهم، و قضاء حقوقهم، و بالله يستعين امير المؤمنين على ما ينوى، و اليه يرغب في العون على قضاء حق قرابته، و عليه يتوكل، و به يثق و الله وليه و مولاه و السلام.

و قيل: ان خالدا كان كثيرا ما يذكر هشاما، فيقول: ابن الحمقاء.

و كانت أم هشام تستحمق، و قد ذكرنا خبرها قبل.

و ذكر انه كتب الى هشام كتابا غاظه، فكتب اليه هشام: يا بن أم خالد، قد بلغنى انك تقول: ما ولايه العراق لي بشرف، فيابن اللخناء، كيف لا تكون امره العراق لك شرفا، و أنت من بجيله القليله الذليلة! اما و الله انى لأظن ان أول من يأتيك صغير من قريش، يشد يديك الى عنقك.

و ذكر ان هشاما كتب اليه: قد بلغنى قولك: انا خالد بن عبد الله بن يزيد بن اسد بن كرز، ما انا بأشرف الخمسة اما و الله لأردنك الى بغلتك و طيلسانك الفيروزى.

و ذكر ان هشاما بلغه انه يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك بنو امير المؤمنين! فظهر الغضب في وجهه.

و قيل: ان هشاما قدم عليه رجل من اهل الشام، فقال: انى سمعت خالدا ذكر امير المؤمنين بما لا تنطلق به الشفتان، قال: قال: الأحول؟

قال: لا، بل قال أشد من ذلك، قال: فما هو؟ قال: لا اقوله ابدا،

147

فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتى تغير له و ذكر ان دهقانا دخل على خالد، فقال: ايها الأمير، ان غله.

ابنك قد زادت على عشره آلاف الف، و لا آمن ان يبلغ هذا امير المؤمنين فيستكثره.

و ان الناس يحبون جسدك، و انا أحب جسدك و روحك، قال: ان اسد بن عبد الله قد كلمني بمثل هذا، فأنت امرته؟ قال: نعم، قال: ويحك! دع ابنى، فلربما طلب الدرهم فلم يقدر عليه.

ثم عزم هشام- لما كثر عليه ما يتصل به عن خالد من الأمور التي كان يكرهها- على عزله، فلما عزم على ذلك اخفى ما قد عزم له عليه من امره.

ذكر الخبر عن عمل هشام عزل خالد حين صح عزمه على عزله‏

ذكر عمر ان عبيد بن جناد حدثه انه سمع أباه و بعض الكتبه يذكر ان هشاما اخفى عزل خالد، و كتب الى يوسف بخطه- و هو على اليمن- ان يقبل في ثلاثين من اصحابه فخرج يوسف حتى صار الى الكوفه، فعرس قريبا منها، و قد ختن طارق- خليفه خالد على الخراج- ولده، فاهدى له الف عتيق و الف وصيف و الف وصيفه، سوى الأموال و الثياب و غير ذلك، فمر العاس بيوسف و اصحابه و يوسف يصلى و رائحه الطيب تنفح من ثيابه، فقال:

ما أنتم؟ قالوا: سفار، قال: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فاتوا طارقا و اصحابه، فقالوا: انا رأينا قوما انكرناهم، و الرأي ان نقتلهم، فان كانوا خوارج استرحنا منهم، و ان كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم على امرهم فنهوهم عن قتلهم، فطافوا، فلما كان في السحر و قد انتقل يوسف و صار الى دور ثقيف، فمر بهم العاس، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: سفار، قال: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فاتوا طارقا و اصحابه، فقالوا:

قد صاروا الى دور ثقيف و الرأي ان نقتلهم، فمنعوهم و امر يوسف بعض الثقفيين، فقال: اجمع لي من بها من مضر ففعل، فدخل المسجد مع‏

148

الفجر، فامر المؤذن بالإقامة، فقال: حتى ياتى الامام، فانتهره فأقام، و تقدم يوسف فقرا: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، و سَأَلَ سائِلٌ، ثم ارسل الى خالد و طارق و أصحابهما، فأخذوا و ان القدور لتغلى.

قال عمر: قال على بن محمد، قال: قال الربيع بن سابور مولى بنى الحريش- و كان هشام جعل اليه الخاتم مع الحرس: اتى هشاما كتاب خالد فغاظه، و قدم عليه في ذلك اليوم جندب مولى يوسف بن عمر بكتاب يوسف، فقراه ثم قال لسالم مولى عنبسة بن عبد الملك: اجبه عن لسانك، و كتب هو بخطه كتابا صغيرا، ثم قال لي: ائتنى بكتاب سالم- و كان سالم على الديوان- فأتيته به، فادرج فيه الكتاب الصغير، ثم قال لي: اختمه ففعلت، ثم دعا برسول يوسف، فقال: ان صاحبك لمتعد طوره، و يسال فوق قدره، ثم قال لي: مزق ثيابه ثم امر به فضرب أسواطا، فقال:

اخرجه عنى و ادفع اليه كتابه فدفعت اليه الكتاب، و قلت له: ويلك! النجاء! فارتاب بشير بن ابى ثلجه من اهل الأردن، و كان خليفه سالم و قال:

هذه حيله، و قد ولى يوسف العراق، فكتب الى عامل لسالم على اجمه سالم، يقال له عياض: ان اهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه و احمد الله، و اعلم ذلك طارقا فبعث عياض الى طارق بن ابى زياد بالكتاب، و ندم بشير على كتابه، و كتب الى عياض: ان اهلك قد بدا لهم في امساك الثوب فلا تتكل عليه، فجاء عياض بالكتاب الآخر الى طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الاول، و لكن صاحبك ندم و خاف ان يظهر الخبر فكتب بهذا و ركب طارق من الكوفه الى خالد و هو بواسط، فسار يوما و ليله، فصبحهم، فرآه داود البربرى- و كان على حجابه خالد و حرسه و على ديوان الرسائل- فاعلم خالدا، فغضب، و قال: قدم بغير اذن، فاذن له، فلما رآه قال: ما اقدمك؟ قال: امر كنت أخطأت فيه، قال: و ما هو؟ قال: وفاه اسد (رحمه الله)، كتبت الى الأمير اعزيه عنه، و انما كان ينبغى لي ان آتيه ماشيا فرق خالد و دمعت عيناه، و قال: ارجع الى عملك،

149

قال: اردت ان اذكر للأمير امرا اسره، قال: ما دون داود سر، قال: امر من امرى، فغضب داود و خرج، و اخبر طارق خالدا، قال:

فما الرأي؟ قال: تركب الى امير المؤمنين فتعتذر اليه من شي‏ء ان كان بلغه عنك قال: فبئس الرجل انا إذا ان ركبت اليه بغير اذنه، قال: فشي‏ء آخر، قال: و ما هو؟ قال: تسير في عملك، و اتقدمك الى الشام، فاستاذنه لك، فإنك لا تبلغ اقصى عملك حتى يأتيك اذنه، قال: و لا هذا، قال: فاذهب فاضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السنين و آتيك بعهدك مستقبلا، قال: و ما يبلغ ذاك؟ قال: مائه الف الف، قال: و من اين آخذ هذا! و الله ما أجد عشره آلاف درهم، قال:

ا تحمل انا و سعيد بن راشد اربعين الف الف درهم، و الزينبى و ابان بن الوليد عشرين الف الف، و تفرق الباقى على العمال، قال: انى إذا للئيم، ان كنت سوغت قوما شيئا ثم ارجع فيه، فقال طارق: انما نقيك و نقى أنفسنا بأموالنا و نستأنف الدنيا، و تبقى النعمه عليك و علينا خير من ان يجي‏ء من يطالبنا بالأموال، و هي عند تجار اهل الكوفه، فيتقاعسون و يتربصون بنا فنقتل، و يأكلون تلك الأموال فأبى خالد فودعه طارق و بكى، و قال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا، و مضى.

و دخل داود، فاخبره خالد بقول طارق، فقال: قد علم انك لا تخرج بغير اذن، فاراد ان يختلك و ياتى الشام، فيتقبل بالعراق هو و ابن أخيه سعيد بن راشد فرجع طارق الى الكوفه، و خرج خالد الى الحمه.

قال: و قدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال له: ما وراءك؟ قال:

الشر، امير المؤمنين ساخط، و قد ضربني و لم يكتب جواب كتابك، و هذا كتاب سالم صاحب الديوان ففض الكتاب فقراه، فلما انتهى الى آخره قرأ كتاب هشام بخطه: ان سر الى العراق فقد وليتك اياه، و إياك ان يعلم بذاك احد، و خذ ابن النصرانية و عماله فاشفني منهم، فقال يوسف: انظروا

150

دليلا عالما بالطريق، فاتى بعده، فاختار منهم رجلا و سار من يومه، و استخلف على اليمن ابنه الصلت فشيعه، فلما اراد ان ينصرف ساله:

اين تريد؟ فضربه مائه سوط، و قال: يا بن اللخناء، ا يخفى عليك إذا استقر بي منزل، فسار، فكان إذا اتى الى طريقين سال، فإذا قيل: هذا الى العراق، قال: اعرق، حتى اتى الكوفه قال عمر: قال على عن بشر بن عيسى، عن ابيه، قال: قال حسان النبطي: هيأت لهشام طيبا، فانى لبين يديه و هو ينظر الى ذلك الطيب إذ قال لي: يا حسان، في كم يقدم القادم من العراق الى اليمن؟ قال:

قلت: لا ادرى، فقال:

امرتك امرا حازما فعصيتني* * * فأصبحت مسلوب الإمارة نادما

قال: فلم يلبث الا قليلا حتى جاء كتاب يوسف من العراق قد قدمها، و ذلك في جمادى الآخرة سنه عشرين و مائه.

قال عمر: قال على: قال سالم زنبيل: لما صرنا الى النجف قال لي يوسف: انطلق فاتنى بطارق، فلم استطع ان آبى عليه، و قلت في نفسي:

من لي بطارق في سلطانه! ثم اتيت الكوفه، فقلت لغلمان طارق: استأذنوا لي على طارق، فضربوني فصحت له: ويلك يا طارق! انا سالم رسول يوسف، و قد قدم على العراق فخرج فصاح بالغلمان، و قال: انا آتيه، قال: و روى ان يوسف قال لكيسان: انطلق فاتنى بطارق، فان كان قد اقبل فاحمله على اكاف، و ان لم يكن اقبل فات به سحبا قال:

فأتيته بالحيرة دار عبد المسيح- و هو سيد اهل الحيرة- فقلت له: ان يوسف قد قدم على العراق، و هو يأمرك ان تشد طارقا و تأتيه به، فخرج هو و ولده و غلمانه حتى أتوا منزل طارق- و كان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح و عده- فقال لطارق: ان أذنت لي خرجت الى هؤلاء فيمن معى فقتلتهم، ثم طرت على وجهك فذهبت حيث شئت قال: فاذن لكيسان، فقال: أخبرني عن الأمير، يريد المال؟ قال: نعم، قال: فانا أعطيه ما سال، و أقبلوا الى يوسف فتوافوا بالحيرة، فلما عاينه ضربه ضربا مبرحا

151

- يقال خمسمائة سوط- و دخل الكوفه، و ارسل عطاء بن مقدم الى خالد بالحمه.

قال عطاء: فأتيت الحاجب فقلت: استاذن لي على ابى الهيثم، فدخل و هو متغير الوجه فقال له خالد: مالك؟ قال: خير، قال: ما عندك خير، قال: عطاء بن مقدم، قال: استاذن لي على ابى الهيثم، فقال:

ائذن له، فدخلت: فقال: ويل أمها سخطه! قال: فلم استقر حتى دخل الحكم بن الصلت، فقعد معه، فقال له خالد: ما كان ليلى على احد هو أحب الى منكم.

و خطب يوسف بالكوفه، فقال: ان امير المؤمنين أمرني بأخذ عمال ابن النصرانية، و ان أشفيه منهم، و سافعل و ازيد و الله يا اهل العراق، و لاقتلن منافقيكم بالسيف و جناتكم بالعذاب و فساقكم ثم نزل و مضى الى واسط، و اتى بخالد و هو بواسط.

قال عمر: قال حدثنى الحكم بن النضر: قال: سمعت أبا عبيده يقول: لما حبس يوسف خالدا صالحه عنه ابان بن الوليد و اصحابه على تسعه آلاف الف درهم، ثم ندم يوسف، و قيل له: لو لم تفعل لأخذت منه مائه الف الف درهم قال: ما كنت لارجع و قد رهنت لساني بشي‏ء و اخبر اصحاب خالد خالدا، فقال: قد أسأتم حين أعطيتموه عند أول وهله تسعه آلاف الف، ما آمن ان يأخذها ثم يعود عليكم، فارجعوا فجاءوا فقالوا: انا قد أخبرنا خالدا فلم يرض بما ضمنا، و أخبرنا ان المال لا يمكنه، فقال: أنتم اعلم و صاحبكم، فاما انا فلا ارجع عليكم، فان رجعتم لم امنعكم، قالوا: فانا قد رجعنا، قال: و قد فعلتم! قالوا: نعم، قال: فمنكم اتى النقض، فو الله لا ارضى بتسعه آلاف الف و لا مثليها و لا مثلها، فاخذ اكثر من ذلك.

و قد قيل: انه أخذ مائه الف الف و ذكر الهيثم بن عدى، عن ابن عياش ان، هشاما ما ازمع على عزل خالد، و كان سبب ذلك انه اعتقد بالعراق اموالا و حفر أنهارا، حتى بلغت‏

152

غلته عشرين الف الف، منها نهر خالد، و كان يغل خمسه آلاف الف و باجوى و بارمانا و المبارك و الجامع و كوره سابور و الصلح، و كان كثيرا ما يقول: اننى و الله مظلوم، ما تحت قدمي من شي‏ء الا و هو لي- يعنى ان عمر جعل لبجيله ربع السواد.

قال الهيثم بن عدى: أخبرني الحسن بن عماره، عن العريان بن الهيثم، قال: كنت كثيرا ما اقول لأصحابي: انى احسب هذا الرجل قد تخلى منه، ان قريشا لا تحتمل هذا و نحوه، و هم اهل حسد، و هذا يظهر ما يظهر، فقلت له يوما: ايها الأمير، ان الناس قد رموك بأبصارهم، و هي قريش، و ليس بينك و بينها ال، و هم يجدون منك بدا، و أنت لا تجد منهم بدا، فأنشدك الله الا ما كتبت الى هشام تخبره عن أموالك، و تعرض عليه منها ما أحب، فما اقدرك على ان تتخذ مثلها، و هو لا يستفسدك، و ان كان حريصا على ذلك فلعمرى لان يذهب بعض و يبقى بعض خير من ان تذهب كلها، و ما كان يستحسن فيما بينك و بينه ان يأخذها كلها، و لا آمن ان يأتيه باغ او حاسد فيقبل منه، فلان تعطيه طائعا خير من ان تعطيه كارها فقال: ما أنت بمتهم، و لا يكون ذلك ابدا قال: فقلت أطعني و اجعلنى رسولك، فو الله لا يحل عقده الا شددتها، و لا يشد عقده الا حللتها قال: انا و الله لا نعطى على الذل، قال: قلت: هل كانت لك هذه الضياع الا في سلطانه! و هل تستطيع الامتناع منه ان أخذها! قال: لا، قلت: فبادره، فانه يحفظها لك و يشكرك عليها، و لو لم تكن له عندك يد الا ما ابتداك به كنت جديرا ان تحفظه، قال: لا و الله لا يكون ذلك ابدا، قال: قلت فما كنت صانعا إذا عزلك و أخذ ضياعك فاصنعه، فان اخوته و ولده و اهل بيته قد سبقوا لك، و أكثروا عليه فيك، و لك صنائع تعود عليهم بما بدا لك، ثم استدرك استتمام ما كان منك الى صنائعك من هشام قال: قد ابصرت ما تقول و ليس الى ذلك سبيل و كان العريان يقول: كأنكم به قد عزل، و أخذ ما له‏

153

و تجنى عليه ثم لا ينتفع بشي‏ء قال: فكان كذلك.

قال الهيثم: و حدثنى ابن عياش، ان بلال بن ابى برده كتب الى خالد و هو عامله على البصره حين بلغه تعتب هشام عليه: انه حدث امر لا أجد بدا من مشافهتك فيه، فان رايت ان تاذن لي، فإنما هي ليله و يومها إليك، و يوم عندك، و ليله و يومها منصرفا فكتب اليه: ان اقبل إذا شئت فركب هو و موليان له الجمازات، فسار يوما و ليله، ثم صلى المغرب بالكوفه، و هي ثمانون فرسخا، فاخبر خالد بمكانه، فأتاه و قد تعصب، فقال: أبا عمرو، اتعبت نفسك، قال: اجل، قال: متى عهدك بالبصرة؟

قال: أمس، قال: أحق ما تقول! قال: هو و الله ما قلت، قال: فما انصبك؟ قال: ما بلغنى من تعتب امير المؤمنين و قوله، و ما بغاك به ولده و اهل بيته، فان رايت ان ا تعرض له و اعرض عليه بعض أموالنا، ثم ندعوه منها الى ما أحب و أنفسنا به طيبه، ثم اعرض عليه مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد قال: ما اتهمك و حتى انظر، قال: انى اخاف ان تعاجل، قال: كلا، قال: ان قريشا من قد عرفت، و لا سيما سرعتهم إليك قال: يا بلال، انى و الله ما اعطى شيئا قسرا ابدا قال ايها الأمير، ا تكلم؟ قال: نعم، قال: ان هشاما اعذر منك، يقول: استعملتك.

و ليس لك شي‏ء، فلم تر من الحق عليك ان تعرض على بعض ما صار إليك، و اخاف ان يزين له حسان النبطي ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفتره.

قال: انا ناظر في ذلك فانصرف راشدا فانصرف بلال و هو يقول: كأنكم بهذا الرجل قد بعث اليه رجل بعيد اتى، به حمز، بغيض النفس سخيف الدين، قليل الحياء، يأخذه بالاحن و الترات فكان كما قال.

قال ابن عياش: و كان بلال قد اتخذ دارا بالكوفه، و انما استاذن خالدا لينظر الى داره، فما نزلها الا مقيدا، ثم جعلت سجنا الى اليوم‏

154

قال ابن عياش: كان خالد يخطب فيقول: انكم زعمتم انى اغلى اسعاركم، فعلى من يغليها لعنه الله! و كان هشام كتب الى خالد لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات امير المؤمنين حتى بلغت كيلجه درهما.

قال الهيثم، عن ابن عياش: كانت ولايه خالد في شوال سنه خمس و مائه ثم عزل في جمادى الاولى سنه عشرين و مائه‏

. [أخبار متفرقة]

و في هذه السنه قدم يوسف بن عمر العراق واليا عليها.

و قد ذكرت قبل سبب ولايته عليها و في هذه السنه ولى خراسان يوسف بن عمر جديع بن على الكرماني و عزل جعفر بن حنظله.

و قيل: ان يوسف لما قدم العراق اراد ان يولى خراسان سلم بن قتيبة، فكتب بذلك الى هشام، و يستاذنه فيه، فكتب اليه هشام: ان سلم بن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيره، و لو كان له بها عشيره لم يقتل بها أبوه.

و قيل ان يوسف كتب الى الكرماني بولاية خراسان مع رجل من بنى سليم و هو بمرو، فخرج الى الناس يخطبهم، فحمد الله و اثنى عليه، و ذكر أسدا و قدومه خراسان، و ما كانوا فيه من الجهد و الفتنة، و ما صنع لهم على يديه ثم ذكر أخاه خالدا بالجميل، و اثنى عليه، و ذكر قدوم يوسف العراق، و حث الناس على الطاعة و لزوم الجماعه، ثم قال: غفر الله للميت- يعنى أسدا- و عافى الله المعزول، و بارك للقادم ثم نزل.

و في هذه السنه عزل الكرماني عن خراسان، و وليها نصر بن سيار بن ليث بن رافع بن ربيعه بن جرى بن عوف بن عامر بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناه بن كنانه، و أمه زينب بنت حسان من بنى تغلب.

ذكر الخبر عن سبب ولايه نصر بن سيار خراسان‏

ذكر على بن محمد عن شيوخه ان وفاه اسد بن عبد الله لما انتهت الى‏

155

هشام بن عبد الملك استشار اصحابه في رجل يصلح لخراسان، فأشاروا عليه باقوام، و كتبوا له اسماءهم، فكان ممن كتب له عثمان بن عبد الله بن الشخير و يحيى بن حضين بن المنذر الرقاشى و نصر بن سيار الليثى و قطن بن قتيبة بن مسلم و المجشر بن مزاحم السلمى احد بنى حرام، فاما عثمان بن عبد الله ابن الشخير، فقيل له: انه صاحب شراب، و قيل له: المجشر شيخ هم، و قيل له: ابن حضين رجل فيه تيه و عظمه، و قيل له: قطن بن قتيبة موتور، فاختار نصر بن سيار، فقيل له: ليست له بها عشيره، فقال هشام: انا عشيرته فولاه و بعث بعهده مع عبد الكريم بن سليط بن عقبه الهفانى، هفان بن عدى بن حنيفه فاقبل عبد الكريم بعهده، و معه ابو المهند كاتبه مولى بنى حنيفه، فلما قدم سرخس و لا يعلم به احد، و على سرخس حفص بن عمر بن عباد التيمى أخو تميم بن عمر، فاخبره ابو المهند، فوجه حفص رسولا، فحمله الى نصر، و نفذ ابن سليط الى مرو، فاخبر ابو المهند الكرماني، فوجه الكرماني نصر بن حبيب بن بحر بن ماسك بن عمر الكرماني الى نصر بن سيار، فسبق رسول حفص الى نصر بن سيار، فكان أول من سلم عليه بالإمرة، فقال له نصر: لعلك شاعر مكار! فدفع اليه الكتاب و كان جعفر بن حنظله ولى عمرو بن مسلم مرو، و عزل الكرماني و ولى منصور بن عمر ابرشهر، و ولى نصر بن سيار بخارى، فقال جعفر ابن حنظله: دعوت نصرا قبل ان يأتيه عهده بايام، فعرضت عليه ان اوليه بخارى، فشاور البختري بن مجاهد، فقال له البختري، و هو مولى بنى شيبان: لا تقبلها، قال: و لم؟ قال: لأنك شيخ مضر بخراسان، فكأنك بعهدك قد جاء على خراسان كلها، فلما أتاه عهده بعث الى البختري فقال البختري لأصحابه:

قد ولى نصر بن سيار خراسان، فلما أتاه سلم عليه بالإمرة، فقال له: انى علمت؟ قال: لما بعثت الى، و كنت قبل ذلك تأتيني، علمت انك قد وليت.

قال: و قد قيل ان هشاما قال لعبد الكريم حين أتاه خبر اسد بن عبد الله بموته: من ترى ان نولي خراسان، فقد بلغنى ان لك بها و بأهلها علما؟

156

قال عبد الكريم: قلت: يا امير المؤمنين، اما رجل خراسان حزما و نجده فالكرمانى، فاعرض بوجهه، و قال: ما اسمه؟ قلت: جديع بن على، قال: لا حاجه لي فيه، و تطير، و قال: سم لي غيره، قلت: اللسن المجرب يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانى ابو الميلاء، قال: ربيعه لا تسد بها الثغور- قال عبد الكريم: فقلت في نفسي: كره ربيعه و اليمن، فارميه بمضر- فقلت: عقيل بن معقل الليثى، ان اغتفرت هنه، قال: ما هي؟

قلت: ليس بالعفيف، قال: لا حاجه لي به، قلت: منصور بن ابى الخرقاء السلمى، ان اغتفرت نكره فانه مشئوم، قال: غيره، قلت: المجشر بن مزاحم السلمى، عاقل شجاع، له راى مع كذب فيه، قال: لا خير في الكذب، قلت: يحيى بن حضين، قال: ا لم اخبرك ان ربيعه لا تسد بها الثغور! قال: فكان إذا ذكرت له ربيعه، و اليمن اعرض قال عبد الكريم: و اخرت نصرا و هو ارجل القوم و احزمهم و اعلمهم بالسياسة، فقلت: نصر بن سيار الليثى، قال: هو لها، قلت: ان اغتفرت واحده، فانه عفيف مجرب عاقل، قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليله، قال: لا أبا لك، ا تريد عشيره اكثر منى! انا عشيرته.

و قال آخرون: لما قدم يوسف بن عمر العراق قال: أشيروا على برجل اوله خراسان، فأشاروا عليه بمسلمه بن سليمان بن عبد الله ابن خازم و قديد بن منيع المنقرى و نصر بن سيار و عمرو بن مسلم و مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم و منصور بن ابى الخرقاء و سلم بن قتيبة و يونس بن عبد ربه و زياد بن عبد الرحمن القشيرى، فكتب يوسف باسمائهم الى هشام، و اطرى القيسية، و جعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيار الكنانى، فقال هشام:

ما بال الكنانى آخرهم! و كان في كتاب يوسف اليه: يا امير المؤمنين، نصر بخراسان قليل العشيره فكتب اليه هشام: قد فهمت كتابك و اطراءك القيسية و ذكرت نصرا و قله عشيرته، فكيف يقل من انا عشيرته! و لكنك تقيست على، و انا متخندف عليك، ابعث بعهد نصر، فلم يقل من عشيرته‏