تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
157

امير المؤمنين، بله ما ان تميما اكثر اهل خراسان فكتب الى نصر ان يكاتب يوسف بن عمر، و بعث يوسف سلما وافدا الى هشام، و اثنى عليه فلم يوله، ثم اوفد شريك بن عبد ربه النميرى، و اثنى عليه ليوليه خراسان، فأبى عليه هشام.

قال: و اوفد نصر من خراسان الحكم بن يزيد بن عمير الأسدي الى هشام، و اثنى عليه نصر، فضربه يوسف و منعه من الخروج الى خراسان، فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة استعمل الحكم بن يزيد على كرمان، و بعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفي- و معه كاتبه ابو المهند مولى بنى حنيفه- فلما اتى سرخس وقع الثلج، فأقام و نزل على حفص بن عمر بن عباد التيمى، فقال له: قدمت بعهد نصر على خراسان، قال: و هو عامل يومئذ على سرخس- فدعا حفص غلامه، فحمله على فرس و اعطاه مالا، و قال له: طر و اقتل الفرس، فان قام عليك فاشتر غيره حتى تأتي نصرا قال: فخرج الغلام حتى قدم على نصر ببلخ، فيجده في السوق، فدفع اليه الكتاب، فقال:

ا تدرى ما في هذا الكتاب؟ قال: لا، فامسكه بيده، و اتى منزله، فقال الناس: اتى نصرا عهده على خراسان، فأتاه قوم من خاصته، فسألوه فقال:

ما جاءني شي‏ء، فمكث يومه، فدخل عليه من الغد ابو حفص بن على، احد بنى حنظله- و هو صهره‏

3

، و كانت ابنته تحت نصر، و كان اهوج كثير المال، فقال له: ان الناس قد خاضوا و أكثروا في ولايتك، فهل جاءك شي‏ء؟ فقال:

ما جاءني شي‏ء، فقام ليخرج فقال: مكانك، و اقراه الكتاب، فقال:

ما كان حفص ليكتب إليك الا بحق، قال: فبينا هو يكلمه إذ استاذن عليه عبد الكريم، فدفع اليه عهده، فوصله بعشره آلاف درهم ثم استعمل نصر على بلخ مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم، و استعمل وشاح ابن بكير بن وشاح على مرو الروذ، و الحارث بن عبد الله بن الحشرج على هراة، و زياد بن عبد الرحمن القشيرى على ابرشهر، و أبا حفص بن على ختنه على خوارزم، و قطن بن قتيبة على السغد فقال رجل من اهل الشام من اليمانيه: ما رايت عصبية مثل هذه! قال: بلى، التي كانت قبل هذه‏

158

فلم يستعمل اربع سنين الا مضريا، و عمرت خراسان عماره لم تعمر قبل ذلك مثلها، و وضع الخراج، و احسن الولاية و الجبايه، فقال سوار بن الأشعر:

اضحت خراسان بعد الخوف آمنه* * * من ظلم كل غشوم الحكم جبار

لما اتى يوسفا اخبار ما لقيت* * * اختار نصرا لها، نصر بن سيار

و قال نصر بن سيار فيمن كره ولايته:

تعز عن الصبابة لا تلام* * * كذلك لا يلم بك احتمام‏

ا ان سخطت كبيره بعد قرب* * * كلفت بها و باشرك السقام!

ترجى اليوم ما وعدت حديثا* * * و قد كذبت مواعدها الكرام‏

ا لم تر ان ما صنع الغواني* * * عسير لا يريع به الكلام‏

أبت لي طاعتي و ابى بلائي* * * و فوزي حين يعترك الخصام‏

و انا لا نضيع لنا ملما* * * و لا حسبا إذا ضاع الذمام‏

و لا نغضى على غدر و انا* * * نقيم على الوفاء فلا نلام‏

خليفتنا الذى فازت يداه* * * بقدح الحمد و الملك الهمام‏

نسوسهم به و لنا عليهم* * * إذا قلنا مكارمه جسام‏

ابو العاصي أبوه و عبد* * * شمس و حرب و القماقمة الكرام‏

و مروان ابو الخلفاء عال* * * عليه المجد فهو لهم نظام‏

و بيت خليفه الرحمن فينا* * * و بيتاه المقدس و الحرام‏

و نحن الاكرمون إذا نسبنا* * * و عرنين البريه و السنام‏

فأمسينا لنا من كل حي* * * خراطيم البريه و الزمام‏

لنا أيد نريش بها و نبرى* * * و أيد في بوادرها السمام‏

و باس في الكريهة حين نلقى* * * إذا كان النذير بها الحسام‏

159

قال: و اتى نصرا عهده في رجب من سنه عشرين و مائه، و قال له البختري:

اقرا عهدك و اخطب الناس، فخطب الناس فقال في خطبته: استمسكوا أصحابنا بجدتكم، فقد عرفنا خيركم و شركم.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام بن اسماعيل، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر.

و قد قيل: ان الذى حج بهم فيها سليمان بن هشام.

و قيل: حج بهم يزيد بن هشام.

و كان العامل في هذه السنه على المدينة و مكة و الطائف محمد بن هشام، و على العراق و المشرق كله يوسف بن عمر، و على خراسان نصر بن سيار- و قيل جعفر بن حنظله- و على البصره كثير بن عبد الله السلمى من قبل يوسف بن عمر، و على قضائها عامر بن عبيده الباهلى، و على أرمينية و اذربيجان مروان بن محمد، و على قضاء الكوفه ابن شبرمة.

160

ثم دخلت‏

سنه احدى و عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك غزوه مسلمه بن هشام بن عبد الملك الروم، فافتتح بها مطامير.

و غزوه مروان بن محمد بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح قلاعه و خرب ارضه، و أذعن له بالجزية، في كل سنه الف راس يؤديه اليه، و أخذ منه بذلك الرهن، و ملكه مروان على ارضه.

و فيها ولد العباس بن محمد.

ذكر الخبر عن ظهور زيد بن على‏

و فيها قتل زيد بن على بن حسين بن على بن ابى طالب في قول الواقدى في صفر، و اما هشام بن محمد فانه زعانه قتل في سنه اثنتين و عشرين و مائه، في صفر منها.

ذكر الخبر عن سبب مقتله و أموره و سبب مخرجه:

اختلف في سبب خروجه، فاما الهيثم بن عدى فانه قال- فيما ذكر عنه، عن عبد الله بن عياش- قال: قدم زيد بن على و محمد بن عمر بن على بن ابى طالب و داود بن على بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد الله و هو على العراق، فاجازهم و رجعوا الى المدينة، فلما ولى بن يوسف بن عمر كتب الى هشام باسمائهم و بما اجازهم به، و كتب يذكر ان خالدا ابتاع من زيد بن على أرضا بالمدينة بعشره آلاف دينار، ثم رد الارض عليه فكتب هشام الى عامل المدينة ان يسرحهم اليه ففعل، فسألهم هشام فأقروا بالجائزه، و أنكروا ما سوى ذلك، فسال زيدا عن الارض فأنكرها، و حلفوا لهشام فصدقهم.

و اما هشام بن محمد الكلبى، فانه ذكر ان أبا مخنف حدثه ان أول امر زيد بن على كان ان يزيد بن خالد القسرى ادعى مالا قبل زيد بن على و محمد بن عمر بن على بن ابى طالب و داود بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب و ابراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري و أيوب بن‏

161

سلمه بن عبد الله بن الوليد بن المغيره المخزومي، فكتب فيهم يوسف بن عمر الى هشام بن عبد الملك- و زيد بن على يومئذ بالرصافة يخاصم بنى الحسن ابن الحسن بن على بن ابى طالب في صدقه رسول الله ص، و محمد بن عمر بن على يومئذ مع زيد بن على- فلما قدمت كتب يوسف ابن عمر على هشام بن عبد الملك بعث اليهم فذكر لهم ما كتب به يوسف ابن عمر اليه مما ادعى قبلهم يزيد بن خالد، فأنكروا، فقال لهم هشام: فانا باعثون بكم اليه يجمع بينكم و بينه، فقال له زيد بن على: أنشدك الله و الرحم ان تبعث بي الى يوسف بن عمر! قال: و ما الذى تخاف من يوسف بن عمر؟ قال: اخاف ان يعتدى على، قال له هشام: ليس ذلك له، و دعا هشام كاتبه فكتب الى يوسف بن عمر:

اما بعد، فإذا قدم عليك فلان و فلان، فاجمع بينهم و بين يزيد بن خالد القسرى، فان هم أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم الى، و ان هم أنكروا فسله بينه، فان هو لم يقم البينه فاستحلفهم بعد العصر بالله الذى لا اله الا هو، ما استودعهم يزيد بن خالد القسرى وديعة و لا له قبلهم، شي‏ء! ثم خل سبيلهم.

فقالوا لهشام: انا نخاف ان يتعدى كتابك، و يطول علينا، قال:

كلا، انا باعث معكم رجلا من الحرس يأخذه بذلك، حتى يعجل الفراغ، فقالوا: جزاك الله و الرحم خيرا، لقد حكمت بالعدل فسرح بهم الى يوسف، و احتبس أيوب بن سلمه، لان أم هشام بن عبد الملك ابنه هشام ابن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيره المخزومي، و هو في أخواله، فلم يؤخذ بشي‏ء من ذلك القرف.

فلما قدموا على يوسف، ادخلوا عليه، فاجلس زيد بن على قريبا منه، و الطفه في المسألة، ثم سألهم عن المال، فأنكروا جميعا، و قالوا: لم يستودعنا مالا، و لا له قبلنا حق، فاخرج يوسف يزيد بن خالد اليهم، فجمع بينه و بينهم، و قال له: هذا زيد بن على، و هذا محمد بن عمر بن على،

162

و هذا فلان و فلان الذين كنت ادعيت عليهم ما ادعيت، فقال: ما لي قبلهم قليل و لا كثير، فقال يوسف: ا فبي تهزأ أم بامير المؤمنين! فعذبه يومئذ عذابا ظن انه قد قتله، ثم اخرجهم الى المسجد بعد صلاه العصر، فاستحلفهم فحلفوا له، و امر بالقوم فبسط عليهم، ما عدا زيد بن على فانه كف عنه فلم يقتدر عند القوم على شي‏ء فكتب الى هشام يعلمه الحال، فكتب اليه هشام: ان استحلفهم، و خل سبيلهم، فخلى عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، و اقام زيد بن على بالكوفه.

و ذكر عبيد بن جناد، عن عطاء بن مسلم الخفاف ان زيد بن على راى في منامه انه اضرم في العراق نارا، ثم اطفاها ثم مات فهالته، فقال لابنه يحيى: يا بنى، انى رايت رؤيا قد راعتنى، فقصها عليه و جاءه كتاب هشام بن عبد الملك بامره بالقدوم عليه، فقدم، فقال له: الحق باميرك يوسف، فقال له: نشدتك بالله يا امير المؤمنين، فو الله ما آمن ان بعثتني اليه الا اجتمع انا و أنت حيين على ظهر الارض بعدها، فقال: الحق بيوسف كما تؤمر، فقدم عليه.

و قد قيل: ان هشام بن عبد الملك انما استقدم زيدا من المدينة عن كتاب يوسف بن عمر، و كان السبب في ذلك- فيما زعم ابو عبيده- ان يوسف بن عمر عذب خالد بن عبد الله، فادعى خالد انه استودع زيد بن على و داود بن على ابن عبد الله بن عباس و رجلين من قريش: أحدهما مخزومى و الآخر جمحى مالا عظيما، فكتب بذلك يوسف الى هشام، فكتب هشام الى خاله ابراهيم ابن هشام- و هو عامله على المدينة- يأمره بحملهم اليه فدعا ابراهيم بن هشام زيدا و داود، فسألهما عما ذكر خالد، فحلفا ما أودعهما خالد شيئا، فقال:

انكما عندي لصادقان، و لكن كتاب امير المؤمنين قد جاء بما تريان، فلا بد من انفاذه فحملهما الى الشام، فحلفا بالايمان الغلاظ ما أودعهما خالد شيئا قط و قال داود: كنت قدمت عليه العراق، فامر لي بمائه الف‏

163

درهم، فقال هشام: أنتما عندي اصدق من ابن النصرانية، فاقدما على يوسف، حتى يجمع بينكما و بينه فتكذباه في وجهه.

و قيل: ان زيدا انما قدم على هشام مخاصما ابن عمه عبد الله بن حسن بن حسن بن على، ذكر ذلك عن جويرية بن أسماء، قال: شهدت زيد بن على و جعفر بن حسن بن حسن يختصمان في ولايه وقوف على، و كان زيد يخاصم عن بنى حسين، و جعفر يخاصم عن بنى حسن، فكان جعفر و زيد يتبالغان بين يدي الوالي الى كل غاية، ثم يقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا، فلما مات جعفر قال عبد الله: من يكفينا زيدا؟ قال حسن بن حسن بن حسن: انا أكفيكه، قال: كلا، انا نخاف لسانك و يدك، و لكنى انا، قال: اذن لا تبلغ حاجتك و حجتك، قال: اما حجتي فسأبلغها، فتنازعا الى الوالي- و الوالي يومئذ عندهم فيما قيل ابراهيم بن هشام- قال: فقال عبد الله لزيد: ا تطمع ان تنالها و أنت لامه سنديه! قال:

قد كان اسماعيل لامه، فنال اكثر منها، فسكت عبد الله، و تبالغا يومئذ كل غاية، فلما كان الغد احضرهم الوالي، و احضر قريشا و الانصار، فتنازعا، فاعترض رجل من الانصار، فدخل بينهما، فقال له زيد: و ما أنت و الدخول بيننا، و أنت رجل من قحطان! قال: انا و الله خير منك نفسا و أبا و اما.

قال: فسكت زيد، و انبرى له رجل من قريش فقال: كذبت، لعمر الله لهو خير منك نفسا و أبا و اما و أولا و آخرا، و فوق الارض و تحتها، فقال الوالي:

و ما أنت و هذا! فاخذ القرشي كفا من الحصى، فضرب به الارض و قال:

و الله ما على هذا من صبر، و فطن عبد الله و زيد لشماته الوالي بهما، فذهب عبد الله ليتكلم، فطلب اليه زيد فسكت، و قال زيد للوالي: اما و الله لقد جمعتنا لامر ما كان ابو بكر و لا عمر ليجمعانا على مثله، و انى اشهد الله الا انازعه إليك محقا و لا مبطلا ما كنت حيا ثم قال لعبد الله:

انهض يا بن عم، فنهضا و تفرق الناس.

و قال بعضهم: لم يزل زيد ينازع جعفر بن حسن ثم عبد الله بعده،

164

حتى ولى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة، فتنازعا، فاغلظ عبد الله لزيد، و قال: يا بن الهندكية! فتضاحك زيد، و قال: قد فعلتها يا أبا محمد! ثم ذكر أمه بشي‏ء و ذكر المدائني ان عبد الله لما قال ذلك لزيد قال زيد: اجل و الله، لقد صبرت بعد وفاه سيدها فما تعتبت بابها إذ لم يصبر غيرها قال:

ثم ندم زيد و استحيا من عمته، فلم يدخل عليها زمانا، فاسلت اليه:

يا بن أخي، انى لأعلم ان أمك عندك كام عبد الله عنده.

و قيل: ان فاطمه أرسلت الى زيد: ان سب عبد الله أمك فاسبب أمه، و انها قالت لعبد الله: ا قلت لام زيد كذا و كذا؟ قال: نعم، قالت:

فبئس و الله ما صنعت! اما و الله لنعم دخيله القوم كانت! فذكر ان خالد بن عبد الملك، قال لهما: اغدوا علينا غدا، فلست لعبد الملك ان لم افصل بينكما فباتت المدينة تغلى كالمرجل، يقول قائل:

كذا و قائل كذا، قائل يقول قال زيد كذا، و قائل يقول: قال عبد الله كذا.

فلما كان الغد جلس خالد في المجلس في المسجد، و اجتمع الناس، فمن شامت و من مهموم، فدعا بهما خالد، و هو يحب ان يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد، اعتق زيد ما يملك ان خاصمك الى خالد ابدا، ثم اقبل على خالد فقال له: يا خالد، لقد جمعت ذريه رسول الله(ص)لامر ما كان يجمعهم عليه ابو بكر و لا عمر، قال خالد: اما لهذا السفيه احد! فتكلم رجل من الانصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا بن ابى تراب و ابن حسين السفيه، ما ترى لوال عليك حقا و لا طاعه! فقال زيد: اسكت ايها القحطانى، فانا لا نجيب مثلك، قال: و لم ترغب عنى! فو الله انى لخير منك، و ابى خير من ابيك، و أمي خير من أمك! فتضاحك زيد، و قال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب، ا فذهبت الاحساب! فو الله انه ليذهب دين القوم و ما تذهب احسابهم‏

165

فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت و الله ايها القحطانى، فو الله لهو خير منك نفسا و أبا و اما و محتدا، و تناوله بكلام كثير، قال القحطانى: دعنا منك يا بن واقد، فاخذ ابن واقد كفا من حصى، فضرب بها الارض، ثم قال له: و الله ما لنا على هذا صبر، و قام.

و شخص زيد الى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع اليه القصص، فكلما رفع اليه قصه كتب هشام في أسفلها: ارجع الى اميرك، فيقول زيد: و الله لا ارجع الى خالد ابدا، و ما اسال مالا، انما انا رجل مخاصم، ثم اذن له يوما بعد طول حبس.

فذكر عمر بن شبه، عن أيوب بن عمر بن ابى عمرو، قال: حدثنى محمد بن عبد العزيز الزهري قال: لما قدم زيد بن على على هشام بن عبد الملك اعلمه حاجبه بمكانه، فرقى هشام الى عليه له طويله، ثم اذن له، و امر خادما ان يتبعه، و قال: لا يرينك، و اسمع ما يقول قال: فاتعبته الدرجة- و كان بادنا- فوقف في بعضها، فقال: و الله لا يحب الدنيا احد الا ذل، فلما صار الى هشام قضى حوائجه، ثم مضى نحو الكوفه، و نسى هشام ان يسال الخادم حتى مضى لذلك ايام، ثم ساله فاخبره، فالتفت الى الابرش فقال.

و الله ليأتينك خلعه أول شي‏ء، و كان كما قال و ذكر عن زيد انه حلف لهشام على امر، فقال له: لا اصدقك، فقال: يا امير المؤمنين، ان الله لم يرفع قدر احد عن ان يرضى بالله، و لم يضع قدر احد عن الا يرضى بذلك منه، فقال له هشام: لقد بلغنى يا زيد انك تذكر الخلافه و تتمناها، و لست هناك و أنت ابن أمه! فقال زيد: ان لك يا امير المؤمنين جوابا، قال: تكلم، قال: ليس احد اولى بالله، و لا ارفع عنده منزله من نبى ابتعثه، و قد كان اسماعيل من خير الأنبياء، و ولد خيرهم محمدا ص، و كان اسماعيل ابن أمه و اخوه ابن صريحه مثلك، فاختاره الله عليه، و اخرج منه خير البشر، و ما على احد من‏

166

ذلك جده رسول الله(ص)ما كانت أمه أمه فقال له هشام: اخرج، قال: اخرج ثم لا ترانى الا حيث تكره، فقال له سالم:

يا أبا الحسين، لا يظهرن هذا منك.

رجع الحديث الى حديث هشام بن محمد الكلبى عن ابى مخنف قال:

فجعلت الشيعة تختلف الى زيد بن على، و تأمره بالخروج، و يقولون: انا لنرجو ان تكون المنصور، و ان يكون هذا الزمان الذى يهلك فيه بنو اميه.

فأقام بالكوفه، فجعل يوسف بن عمر يسال عنه، فيقال: هو هاهنا، فيبعث اليه ان اشخص، فيقول: نعم، و يعتل له بالوجع فمكث ما شاء الله، ثم سال أيضا عنه فقيل له: هو مقيم بالكوفه بعد لم يبرح، فبعث اليه، فاستحثه بالشخوص، فاعتل عليه بأشياء يبتاعها، و اخبره انه في جهازه، و راى جد يوسف في امره فتهيأ، ثم شخص حتى اتى القادسية و قال بعض الناس: ارسل معه رسولا حتى بلغه العذيب، فلحقته الشيعة، فقالوا له: اين تذهب عنا و معك مائه الف رجل من اهل الكوفه، يضربون دونك بأسيافهم غدا و ليس قبلك من اهل الشام الا عده قليله، لو ان قبيله من قبائلنا نحو مذحج او همدان او تميم او بكر نصبت لهم لكفتكهم باذن الله تعالى! فننشدك الله لما رجعت، فلم يزالوا به حتى ردوه الى الكوفه و اما غير ابى مخنف، فانه قال ما ذكر عبيد بن جناد، عن عطاء بن مسلم، ان زيد بن على لما قدم على يوسف، قال له يوسف: زعم خالد انه قد اودعك مالا، قال: انى يودعنى مالا و هو يشتم آبائى على منبره! فأرسل الى خالد، فاحضره في عباءه، فقال له: هذا زيد، زعمت انك قد اودعته مالا، و قد انكر، فنظر خالد في وجههما، ثم قال: ا تريد ان تجمع مع اثمك‏

167

في إثما في هذا! و كيف اودعه مالا و انا اشتمه و اشتم آباءه على المنبر! قال: فشتمه يوسف، ثم رده.

و اما ابو عبيده، فذكر عنه، انه قال: صدق هشام زيدا و من كان يوسف قرفه بما قرفه به، و وجههم الى يوسف، و قال: انهم قد حلفوا لي، و قبلت ايمانهم و ابراتهم من المال، و انما وجهت بهم إليك لتجمع بينهم و بين خالد فيكذبوه قال: و وصلهم هشام، فلما قدموا على يوسف انزلهم و اكرمهم، و بعث الى خالد فاتى به، فقال: قد حلف القوم، و هذا كتاب امير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بينه بما ادعيت؟ فلم تكن له بينه، فقال القوم لخالد:

ما دعاك الى ما صنعت؟ قال: غلظ على العذاب فادعيت ما ادعيت، و املت ان ياتى الله بفرج قبل قدومكم فاطلقهم يوسف، فمضى القرشيان:

الجمحى و المخزومي الى المدينة، و تخلف الهاشميان: داود بن على و زيد ابن على بالكوفه.

و ذكر ان زيدا اقام بالكوفه اربعه اشهر او خمسه و يوسف يأمره بالخروج، و يكتب الى عامله على الكوفه و هو يومئذ بالحيرة يأمره بازعاج زيد، و زيد يذكر انه ينازع بعض آل طلحه بن عبيد الله في مال بينه و بينهم بالمدينة، فيكتب العامل بذلك الى يوسف، فيقره أياما، ثم يبلغه ان الشيعة تختلف اليه، فيكتب اليه ان اخرجه و لا تؤخره، و ان ادعى انه ينازع فليجر جرا، و ليوكل من يقوم مقامه فيما يطالب به، و قد بايعه جماعه منهم سلمه بن كهيل و نصر بن خزيمة العبسى و معاويه بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري و حجيه بن الاجلج الكندى و ناس من وجوه اهل الكوفه، فلما راى ذلك داود ابن على قال له: يا بن عم، لا يغرنك هؤلاء من نفسك، ففي اهل بيتك لك عبره، و في خذلان هؤلاء إياهم فقال: يا داود، ان بنى اميه قد عتوا و قست قلوبهم، فلم يزل به داود حتى عزم على الشخوص، فشخصا حتى بلغا القادسية.

و ذكر عن ابى عبيده، انه قال: اتبعوه الى الثعلبية و قالوا له: نحن اربعون‏

168

ألفا، ان رجعت الى الكوفه لم يتخلف عنك احد، و اعطوه المواثيق و الايمان المغلظة، فجعل يقول: انى اخاف ان تخذلوني و تسلمونى كفعلكم بابى و جدي.

فيحلفون له، فيقول داود بن على: يا بن عم، ان هؤلاء يغرونك من نفسك! ا ليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك، جدك على بن ابى طالب حتى قتل! و الحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، و انتهبوا فسطاطه، و جرحوه! او ليس قد اخرجوا جدك الحسين، و حلفوا له باوكد الايمان ثم خذلوه و اسلموه، ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه! فلا تفعل و لا ترجع معهم فقالوا: ان هذا لا يريد ان تظهر أنت، و يزعم انه و اهل بيته أحق بهذا الأمر منكم، فقال: زيد لداود: ان عليا كان يقاتله معاويه بدهائه و نكرائه باهل الشام، و ان الحسين قاتله يزيد بن معاويه و الأمر عليهم مقبل، فقال له داود: انى لخائف ان رجعت معهم الا يكون احد أشد عليك منهم، و أنت اعلم و مضى داود الى المدينة و رجع زيد الى الكوفه.

و قال عبيد بن جناد، عن عطاء بن مسلم الخفاف، قال: كتب هشام الى يوسف ان اشخص زيدا الى بلده، فانه لا يقيم ببلد غيره فيدعو اهله الا أجابوه، فاشخصه، فلما كان بالثعلبية- او القادسية- لحقه المشائيم- يعنى اهل الكوفه- فردوه و بايعوه، فأتاه سلمه بن كهيل، فاستأذن عليه، فاذن له، فذكر قرابته من رسول الله(ص)و حقه فاحسن.

ثم تكلم زيد فاحسن، فقال له سلمه: اجعل لي الامان، فقال: سبحان الله! مثلك يسال مثلي الامان! و انما اراد سلمه ان يسمع ذلك اصحابه، ثم قال: لك الامان، فقال: نشدتك بالله، كم بايعك؟ قال: اربعون ألفا، قال: فكم بايع جدك؟ قال: ثمانون ألفا، قال: فكم حصل معه؟ قال:

ثلاثمائة، قال: نشدتك الله أنت خير أم جدك؟ قال: بل جدي، قال:

ا فقرنك الذى خرجت فيهم خير أم القرن الذى خرج فيهم جدك؟ قال:

بل القرن الذى خرج فيهم جدي، قال: ا فتطمع ان يفى لك هؤلاء، و قد غدر أولئك بجدك! قال: قد بايعوني، و وجبت البيعه في عنقى و أعناقهم،

169

قال: ا فتأذن لي ان اخرج من البلد؟ قال: لم؟ قال: لا آمن ان يحدث في امرك حدث فلا املك نفسي، قال: قد أذنت لك، فخرج الى اليمامه، و خرج زيد فقتل و صلب فكتب هشام الى يوسف يلومه على تركه سلمه ابن كهيل يخرج من الكوفه، و يقول: مقامه كان خيرا من كذا و كذا من الخيل تكون معك.

و ذكر عمر عن ابى إسحاق- شيخ من اهل أصبهان حدثه- ان عبد الله ابن حسن كتب الى زيد بن على: يا بن عم، ان اهل الكوفه نفخ العلانية، خور السريره، هوج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدمهم السنتهم، و لا تشايعهم قلوبهم، لا يبيتون بعده في الاحداث، و لا ينوءون بدولة مرجوة، و لقد تواترت الى كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم، و البست قلبي غشاء عن ذكرهم، يأسا منهم و اطراحا لهم، و ما لهم مثل الا ما قال على بن ابى طالب:

ان أهملتم خضتم، و ان حوربتم خزتم، و ان اجتمع الناس على امام طعنتم، و ان اجبتم الى مشاقه نكصتم.

و ذكر عن هشام بن عبد الملك، انه كتب الى يوسف بن عمر في امر زيد بن على: اما بعد فقد علمت بحال اهل الكوفه في حبهم اهل هذا البيت، و وضعهم إياهم في غير مواضعهم، لانهم افترضوا على انفسهم طاعتهم، و وظفوا عليهم شرائع دينهم، و نحلوهم علم ما هو كائن، حتى حملوهم من تفريق الجماعه على حال استخفوهم فيها الى الخروج، و قد قدم زين بن على على امير المؤمنين في خصومه عمر بن الوليد، ففصل امير المؤمنين بينهما، و راى رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه الكلام و صوغه، و اجترار الرجال بحلاوة لسانه، و بكثرة مخارجه في حججه، و ما يدلى به عند لدد الخصام من السطوة على الخصم بالقوه إلحاده لنيل الفلج، فعجل اشخاصه الى الحجاز، و لا تخله و المقام قبلك، فانه ان اعاره القوم اسماعهم فحشاها

170

من لين لفظه، و حلاوة منطقه، مع ما يدلى به من القرابة برسول الله ص، و جدهم ميلا اليه، غير متئده قلوبهم و لا ساكنه أحلامهم، و لا مصونه عندهم اديانهم، و بعض التحامل عليه فيه أذى له، و اخراجه و تركه مع السلامة للجميع و الحقن للدماء و الأمن للفرقة أحب الى من امر فيه سفك دمائهم، و انتشار كلمتهم و قطع نسلهم، و الجماعه حبل الله المتين، و دين الله القويم و عروته الوثقى، فادع إليك اشراف اهل المصر، و اوعدهم العقوبة في الابشار، و استصفاء الأموال، فان من له عقد او عهد منهم سيبطئ عنه، و لا يخف معه الا الرعاع و اهل السواد و من تنهضه الحاجة، استلذاذا للفتنة، و أولئك ممن يستعبد ابليس، و هو يستعبدهم.

فبادهم بالوعيد و اعضضهم بسوطك، و جرد فيهم سيفك، و اخف الاشراف قبل الاوساط، و الاوساط قبل السفله و اعلم انك قائم على باب الفه، وداع الى طاعه، و حاض على جماعه، و مشمر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، و اجعل معقلك الذى تأوي اليه، و صغوك الذى تخرج منه الثقه بربك، و الغضب لدينك، و المحاماة عن الجماعه، و مناصبه من اراد كسر هذا الباب الذى امرهم الله بالدخول فيه، و التشاح عليه، فان امير المؤمنين قد اعذر اليه و قضى من ذمامه، فليس له منزى الى ادعاء حق هو له ظلمه من نصيب نفسه، او في‏ء، او صله لذى قربى، الا الذى خاف امير المؤمنين من حمل بادره السفله على الذى عسى ان يكونوا به أشقى و أضل، و لهم امر، و لأمير المؤمنين أعز و اسهل الى حياطة الدين و الذب عنه، فانه لا يحب ان يرى في امته حالا متفاوتا نكالا لهم مفنيا، فهو يستديم النظره، و يتأتى للرشاد، و يجتنبهم على المخاوف، و يستجرهم الى‏

171

المراشد، و يعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد الشفيق على ولده، و الراعى الحدب على رعيته.

و اعلم ان من حجتك عليهم في استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم توفيتك اطماعهم، و أعطيه ذريتهم، و نهيك جندك ان ينزلوا حريمهم و دورهم، فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله، فانه ليس ذنب اسرع تعجيل عقوبة من بغى، و قد اوقعهم الشيطان، و دلاهم فيه، و دلهم عليه، و العصمة بتارك البغى اولى، فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم و على غيرهم من رعيته، و يسال إلهه و مولاه و وليه ان يصلح منهم ما كان فاسدا، و ان يسرع بهم الى النجاة و الفوز، انه سميع قريب.

رجع الحديث الى حديث هشام قال: فرجع زيد الى الكوفه، فاستخفى، قال: فقال له محمد بن عمر بن على بن ابى طالب حيث اراد الرجوع الى الكوفه: اذكرك الله يا زيد لما لحقت باهلك، و لم تقبل قول احد من هؤلاء الذين يدعونك الى ما يدعونك اليه، فإنهم لا يفون لك، فلم يقبل منه ذلك، و رجع.

قال هشام: قال ابو مخنف: فاقبلت الشيعة لما رجع الى الكوفه يختلفون اليه، و يبايعون له، حتى احصى ديوانه خمسه عشر الف رجل، فأقام بالكوفه بضعه عشر شهرا، الا انه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين، ثم اقبل الى الكوفه، فأقام بها، و ارسل الى اهل السواد و اهل الموصل رجالا يدعون اليه.

قال: و تزوج حيث قدم الكوفه ابنه يعقوب بن عبد الله السلمى، احد بنى فرقد، و تزوج ابنه عبد الله بن ابى العنبس الأزدي قال:

و كان سبب تزوجه إياها ان أمها أم عمرو بنت الصلت كانت ترى راى الشيعة، فبلغها مكان زيد، فاتته لتسلم عليه- و كانت امراه جسيمه جميله لحيمه، قد دخلت في السن، الا ان الكبر لا يستبين عليها-

172

فلما دخلت على زيد بن على فسلمت عليه ظن انها شابه، فكلمته فإذا افصح الناس لسانا، و اجمله منظرا، فسألها عن نسبها فانتسبت له، و اخبرته ممن هي، فقال لها: هل لك رحمك الله ان تتزوجينى؟ قالت: أنت و الله- رحمك الله- رغبه لو كان من امرى التزويج، قال لها: و ما الذى يمنعك؟

قالت: يمنعني من ذلك انى قد اسننت، فقال لها: كلا قد رضيت، ما ابعدك من ان تكوني قد اسننت! قالت: رحمك الله، انا اعلم بنفسي منك، و بما اتى على من الدهر، و لو كنت متزوجه يوما من الدهر لما عدلت بك، و لكن لي ابنه أبوها ابن عمى، و هي اجمل منى، و انا أزوجكها ان احببت، قال: رضيت ان تكون مثلك، قالت له: لكن خالقها و مصورها لم يرض ان يجعلها مثلي، حتى جعلها ابيض و اوسم و اجسم، و احسن منى دلا و شكلا فضحك زيد، و قال لها: قد رزقت فصاحه و منطقا حسنا، فأين فصاحتها من فصاحتك؟ قالت: اما هذا فلا علم لي به، لانى نشأت بالحجاز، و نشأت ابنتى بالكوفه، فلا ادرى لعل ابنتى قد أخذت لغة أهلها فقال زيد: ليس ذلك باكره الى، ثم واعدها موعدا فأتاها فتزوجها، ثم بنى بها فولدت له جاريه ثم انها ماتت بعد، و كان بها معجبا.

قال: و كان زيد بن على ينزل بالكوفه منازل شتى، في دار امراته في الأزد مره، و مره في اصهاره السلميين، و مره عند نصر بن خزيمة في بنى عبس، و مره في بنى غبر ثم انه تحول من بنى غبر الى دار معاويه ابن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري في اقصى جبانه سالم السلولي، و في بنى نهد و بنى تغلب عند مسجد بنى هلال بن عامر، فأقام يبايع اصحابه، و كانت بيعته التي يبايع عليها الناس: انا ندعوكم الى كتاب الله و سنه نبيه (صلى الله عليه و سلم)، و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين، و قسم هذا الفي‏ء بين اهله بالسواء، و رد الظالمين، و أقفال المجمر و نصرنا اهل البيت على من نصب لنا و جهل حقنا، ا تبايعون على ذلك؟

173

فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده، ثم يقول: عليك عهد الله و ميثاقه و ذمته و ذمه رسوله، لتفين ببيعتي و لتقاتلن عدوى و لتنصحن في السر و العلانية؟

فإذا قال: نعم مسح يده على يده، ثم قال: اللهم اشهد فمكث بذلك بضعه عشر شهرا، فلما دنا خروجه امر اصحابه بالاستعداد و التهيؤ، فجعل من يريد ان يفى و يخرج معه يستعد لو يتهيأ، فشاع امره في الناس.

ذكر الخبر عن غزوه نصر بن سيار ما وراء النهر

و في هذه السنه غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين، ثم غزا الثالثه، فقتل كور صول.

ذكر الخبر عن غزواته هذه:

ذكر على عن شيوخه، ان نصرا غزا من بلخ ما وراء النهر من ناحيه باب الحديد، ثم قفل الى مرو، فخطب الناس، فقال: الا ان بهرامسيس كان مانح المجوس، يمنحهم و يدفع عنهم، و يحمل اثقالهم على المسلمين، الا ان اشبداد بن جريجور كان مانح النصارى، الا ان عقيبه اليهودي كان مانح اليهود يفعل ذلك الا انى مانح المسلمين امنحهم و ادفع عنهم، و احمل اثقالهم على المشركين، الا انه لا يقبل منى الا توفى الخراج على ما كتب و رفع و قد استعملت عليكم منصور بن عمر بن ابى الخرقاء، و امرته بالعدل عليكم، فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من راسه، او ثقل عليه في خراجه، و خفف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك الى المنصور بن عمر، يحوله عن المسلم الى المشرك قال: فما كانت الجمعه الثانيه، حتى أتاه ثلاثون الف مسلم، كانوا يؤدون الجزية عن رءوسهم و ثمانون الف رجل من المشركين قد القيت عنهم جزيتهم، فحول ذلك عليهم، و القاه عن المسلمين ثم صنف الخراج حتى وضعه مواضعه، ثم وظف الوظيفه التي جرى عليها الصلح قال: فكانت مرو يؤخذ منها

174

مائه الف سوى الخراج ايام بنى اميه ثم غزا الثانيه الى ورغسر و سمرقند ثم قفل، ثم غزا الثانيه الى الشاش من مرو، فحال بينه و بين قطوع النهر نهر الشاش كورصول في خمسه عشر ألفا، استاجر كل رجل منهم في كل شهر بشقه حرير، الشقه يومئذ بخمسه و عشرين درهما، فكانت بينهم مراماه، فمنع نصرا من القطوع الى الشاش و كان الحارث بن سريج يومئذ بأرض الترك، فاقبل معهم، فكان بإزاء نصر، فرمى نصرا، و هو على سريره على شاطئ النهر بحسبان، فوقع السهم في شدق و صيف لنصر يوضئه، فتحول نصر عن سريره، و رمى فرسا لرجل من اهل الشام فنفق و عبر كورصول في اربعين رجلا، فبيت اهل العسكر، و ساق شاء لأهل بخارى، و كانوا في الساقه، و اطاف بالعسكر في ليله مظلمه، و مع نصر اهل بخارى و سمرقند و كس و اشروسنه، و هم عشرون ألفا، فنادى نصر في الاخماس:

الا لا يخرجن احد من بنائه، و اثبتوا على مواضعكم فخرج عاصم بن عمير و هو على جند اهل سمرقند، حتى مرت خيل كورصول، و قد كانت الترك صاحت صيحه، فظن اهل العسكر ان الترك قد قطعوا كلهم فلما مرت خيل كورصول على ذلك حمل على آخرهم، فاسر رجلا، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب اربعه آلاف قبة، فجاءوا به الى نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعه شبرا، و عليه رانا ديباج فيهما حلق، و قباء فرند مكفف بالديباج، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصول، فقال نصر:

الحمد لله الذى امكن منك يا عدو الله! قال: فما ترجو من قتل شيخ، و انا أعطيك الف بعير من ابل الترك، و الف برذون تقوى بها جندك، و خل سبيلى! فقال نصر لمن حوله من اهل الشام و اهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا:

خل سبيله، فسأله عن سنه، قال: لا ادرى، قال: كم غزوت؟ قال:

اثنتين و سبعين غزوه، قال: اشهدت يوم العطش؟ قال: نعم، قال:

لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما افلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك و قال لعاصم بن عمير السغدى: قم الى سلبه فخذه، فلما

175

ايقن بالقتل، قال: من أسرني؟ قال نصر و هو يضحك: يزيد بن قران الحنظلى- و اشار اليه- قال: هذا لا يستطيع ان يغسل استه- او قال:

لا يستطيع ان يتم بوله- فكيف ياسرنى! فأخبرني من أسرني، فانى اهل ان اقتل سبع قتلات، قيل له: عاصم بن عمير، قال: لست أجد مس القتل إذ كان الذى أسرني فارسا من فرسان العرب فقتله و صلبه على شاطئ النهر قال: و عاصم بن عمير هو الهزار مرد، قتل بنهاوند ايام قحطبه.

قال: فلما قتل كورصول تخدرت الترك و جاءوا بابنيته فحرقوها، و قطعوا آذانهم، و جردوا وجوههم، و طفقوا يبكون عليه، فلما امسى نصر و اراد الرحله، بعث الى كورصول بقارورة نفط، فصبها عليه، و اشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه قال: و كان ذلك أشد عليهم من قتله.

و ارتفع نصر الى فرغانه، فسبى منها ثلاثين الف راس، قال: فقال عنبر بن برعمه الأزدي: كتب يوسف بن عمر الى نصر: سر الى هذا الغارز ذنبه بالشاش- يعنى الحارث بن سريج- فان اظفرك الله به و باهل الشاش، فخرب بلادهم، و اسب ذراريهم، و إياك و ورطه المسلمين قال: فدعا نصر الناس، فقرا عليهم الكتاب، و قال: ما ترون؟ فقال يحيى بن حضين: امض لامر امير المؤمنين و امر الأمير، فقال نصر: يا يحيى، تكلمت ليالي عاصم بكلمة، فبلغت الخليفة فحظيت بها، و زيد في عطائك، و فرض لأهل بيتك، و بلغت الدرجة الرفيعه، فقلت: اقول مثلها.

سر يا يحيى، فقد وليتك مقدمتي، فاقبل الناس على يحيى يلومونه، فقال نصر يومئذ: و اى ورطه أشد من ان تكون في السفر و هم في القرار! قال: فسار الى الشاش، فأتاه الحارث بن سريج فنصب عرادتين تلقاء بنى تميم، فقيل له: هؤلاء بنو تميم، فنقلهما فنصبهما على الأزد- و يقال: على بكر بن وائل- و اغار عليهم الاخرم، و هو فارس الترك، فقتله المسلمون، و أسروا سبعه من اصحابه، فامر نصر بن سيار برأس الاخرم، فرمى به في عسكرهم بمنجنيق، فلما راوه ضجوا ضجه عظيمه، ثم ارتحلوا

176

منهزمين، و رجع نصر، و اراد ان يعبر، فحيل بينه و بين ذلك، فقال ابو نميله صالح بن الابار:

كنا و اوبة نصر عند غيبته* * * كراقب النوء حتى جاده المطر

اودى باخرم منه عارض برد* * * مسترجف بمنايا القوم منهمر

و اقبل نصر فنزل سمرقند في السنه التي لقى فيها الحارث بن سريج، فأتاه بخارى خذاه منصرفا، و كانت المسلحة عليهم، و معهم دهقانان من دهاقين بخارى، و كانا أسلما على يدي نصر، و قد اجمعا على الفتك بواصل بن عمرو القيسى عامل بخارى و ببخار اخذاه يتظلمان من بخار اخذاه،- و اسمه طوق شياده- فقال بخار اخذاه لنصر: اصلح الله الأمير! قد علمت انهما قد أسلما على يديك، فما بالهما معلقى الخناجر عليهما! فقال لهما نصر: ما بالكما معلقى الخناجر و قد أسلمتما! قال: بيننا و بين بخار اخذاه عداوة فلا نامنه على أنفسنا فامر نصر هارون بن السياوش مولى بنى سليم- و كان يكون على الرابطة- فاجتذبهما فقطعهما، و نهض بخار اخذاه الى نصر يساره في امرهما، فقالا: نموت كريمين، فشد أحدهما على واصل ابن عمرو فطعنه في بطنه بسكين، و ضربه واصل بسيفه على راسه، فأطار قحف راسه فقتله، و مضى الآخر الى بخار اخذاه- و أقيمت الصلاة، و بخار اخذاه جالس على كرسي- فوثب نصر، فدخل السرادق، و احضر بخار اخذاه، فعثر عند باب السرادق فطعنه، و شد عليه الجوزجان بن الجوزجان، فضربه بجرز كان معه فقتله، و حمل بخار اخذاه فادخل سرادق نصر، و دعا له نصر بوساده فاتكا عليها، و أتاه قرعه الطبيب، فجعل يعالجه و اوصى الى نصر، و مات من ساعته، و دفن واصل في السرادق، و صلى عليه نصر و اما طوق شياده فكشطوا عنه لحمه، و حملوا عظامه الى بخارى.

قال: و سار نصر الى الشاش، فلما قدم اشروسنه عرض دهقانها اباراخره مالا، ثم نفذ الى الشاش، و استعمل على فرغانه محمد بن خالد الأزدي، وجهه إليها في عشره نفر، و رد من فرغانه أخا جيش فيمن كان‏

177

معه من دهاقين الختل و غيرهم، و انصرف منها بتماثيل كثيره، فنصبها في اشروسنه.

و قال بعضهم: لما اتى نصر الشاش تلقاه قدر ملكها بالصلح و الهدية و الرهن، و اشترط عليه اخراج الحارث بن سريج من بلده، فاخرجه الى فاراب، و استعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من ارض فرغانه، و قد كانوا أحسوا بمجيئه، فاحرقوا الحشيش و حبسوا الميرة و وجه نصر الى ولى عهد صاحب فرغانه في بقية سنه احدى و عشرين و مائه، فحاصروه في قلعه من قلاعها، فغفل عنهم المسلمون، فخرجوا على دوابهم فاستاقوها، و أسروا ناسا من المسلمين، فوجه اليهم نصر رجالا من بنى تميم، و معهم محمد بن المثنى- و كان فارسا- فكايدهم المسلمون، فاهملوا دوابهم و كمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، و خرج عليهم المسلمون فهزموهم، و قتلوا الدهقان، و أسروا منهم اسراء، و حمل ابن الدهقان المقتول على ابن المثنى، فختله محمد بن المثنى، فاسره، و هو غلام امرد، فاتى به نصرا، فضرب عنقه.

و كان نصر بعث سليمان بن صول الى صاحب فرغانه بكتاب الصلح بينهما قال سليمان: فقدمت عليه فقال لي: من أنت؟ قلت:

شاكرى خليفه كاتب الأمير، قال: فقال: ادخلوه الخزائن ليرى ما أعددنا، فقيل له: قم، قال: قلت ليس بي مشى، قال: قدموا له دابه يركبها، قال: فدخلت خزائنه، فقلت في نفسي: يا سليمان، شمت بك اسرايل و بشر بن عبيد، ليس هذا الا لكراهه الصلح، و سانصرف بخفي حنين.

قال: فرجعت اليه، فقال: كيف رايت الطريق فيما بيننا و بينكم؟

قلت: سهلا كثير الماء و المرعى، فكره ما قلت له، فقال: ما علمك؟

فقلت: قد غزوت غرشستان و غور و الختل و طبرستان، فكيف لا اعلم! قال: فكيف رايت ما أعددنا؟ قلت: رايت عده حسنه، و لكن اما علمت ان صاحب الحصار لا يسلم من خصال! قال: و ما هن؟ قلت: لا يامن اقرب الناس اليه و احبهم اليه و اوثقهم في نفسه ان يثب به يطلب مرتبته، و يتقرب بذلك، او يفنى ما قد جمع، فيسلم برمته، او يصيبه داء فيموت‏

178

فقطب و كره ما قلت له و قال: انصرف الى منزلك، فانصرفت فاقمت يومين، و انا لا اشك في تركه الصلح، فدعاني فحملت كتاب الصلح مع غلامي، و قلت له: ان أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف الى المنزل، و لا تظهر الكتاب، و قل لي: انى خلفت الكتاب في المنزل فدخلت عليه، فسألني عن الكتاب، فقلت: خلفته في المنزل فقال: ابعث من يجيئك به، فقبل الصلح، و احسن جائزتي، و سرح معى أمه، و كانت صاحبه امره قال: فقدمت على نصر، فلما نظر الى قال: ما مثلك الا كما قال الاول: فأرسل حكيما و لا توصه.

فاخبرته، فقال: وفقت، و اذن لامه عليه، و جعل يكلمها و الترجمان يعبر عنها، فدخل تميم بن نصر، فقال للترجمان: قل لها: تعرفين هذا؟

فقالت: لا، فقال: هذا تميم بن نصر، فقالت: و الله ما ارى له حلاوة الصغير، و لا نبل الكبير.

قال ابو إسحاق بن ربيعه: قالت لنصر: كل ملك لا يكون عنده سته أشياء فليس بملك: وزير يباثه بكتاب نفسه و ما شجر في صدره من الكلام، و يشاوره و يثق بنصيحته، و طباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهى، و زوجه إذا دخل عليها مغتما فنظر الى وجهها زال غمه، و حصن إذا فزع او جهد فزع اليه فانجاه- تعنى البرذون- و سيف إذا قارع الاقران لم يخش خيانته، و ذخيره إذا حملها فأين وقع بها.

من الارض عاش بها ثم دخل تميم بن نصر في الازفله و جماعه، فقالت: من هذا؟ قالوا:

هذا فتى خراسان، هذا تميم بن نصر، قالت: ما له نبل الكبار و لا حلاوة الصغار.

ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: من هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، قال: فحيته، و سالت عنه، و قالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء، لا يصلح بعضكم لبعض قتيبة الذى وطن لكم ما ارى، و هذا ابنه تقعده دونك! فحقك ان تجلسه هذا المجلس، و تجلس أنت مجلسه‏

179

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام بن اسماعيل المخزومي- كذلك قال ابو معشر، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه و كذلك قال الواقدى و غيره.

و كان عامل هشام بن عبد الملك على المدينة و مكة و الطائف في هذه السنه محمد بن هشام، و عامله على العراق كله يوسف بن عمر، و عامله على اذربيجان و أرمينية مروان بن محمد، و على خراسان نصر بن سيار، و على قضاء البصره عامر بن عبيده، و على قضاء الكوفه ابن شبرمة.

180

ثم دخلت‏

سنه اثنتين و عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من احداث)

خبر مقتل زيد بن على‏

فمن ذلك مقتل زيد بن على.

ذكر الخبر عن ذلك:

ذكر هشام عن ابى مخنف، ان زيد بن على لما امر اصحابه بالتأهب للخروج و الاستعداد، أخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعه فيما امرهم به من ذلك، فانطلق سليمان بن سراقه البارقى الى يوسف بن عمر، فاخبره خبره، و اعلمه انه يختلف الى رجل منهم يقال له عامر، و الى رجل من بنى تميم يقال له طعمه، ابن اخت لبارق، و هو نازل فيهم فبعث يوسف يطلب زيد بن على في منزلهما فلم يوجد عندهما، و أخذ الرجلان، فاتى بهما، فلما كلمهما استبان له امر زيد و اصحابه و تخوف زيد بن على ان يؤخذ، فتعجل قبل الأجل الذى جعله بينه و بين اهل الكوفه قال:

و على اهل الكوفه يومئذ الحكم بن الصلت، و على شرطه عمرو بن عبد الرحمن، رجل من القاره، و كانت ثقيف أخواله، و كان فيهم و معه عبيد الله بن العباس الكندى، في اناس من اهل الشام، و يوسف بن عمر بالحيرة قال: فلما راى اصحاب زيد بن على الذين بايعوه ان يوسف بن عمر قد بلغه امر زيد، و انه يدس اليه، و يستبحث عن امره، اجتمعت اليه جماعه من رءوسهم، فقالوا: رحمك الله! ما قولك في ابى بكر و عمر؟ قال زيد: رحمهما الله و غفر لهما، ما سمعت أحدا من اهل بيتى يتبرأ منهما و لا يقول فيهما الا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم اهل هذا البيت، الا ان وثبا على سلطانكم‏

181

فنزعاه من ايديكم! فقال لهم زيد: ان أشد ما اقول فيما ذكرتم انا كنا أحق بسلطان رسول الله(ص)من الناس اجمعين، و ان القوم استأثروا علينا، و دفعونا عنه، و لم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا في الناس، و عملوا بالكتاب و السنه قالوا: فلم يظلمك هؤلاء! و ان كان أولئك لم يظلموك، فلم تدعو الى قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: و ان هؤلاء ليسوا كأولئك، ان هؤلاء ظالمون لي و لكم و لأنفسهم، و انما ندعوكم الى كتاب الله و سنه نبيه ص، و الى السنن ان تحيا، و الى البدع ان تطفأ، فان أنتم أجبتمونا سعدتم، و ان أنتم ابيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه و نكثوا بيعته، و قالوا: سبق الامام- و كانوا يزعمون ان أبا جعفر محمد بن على أخا زيد بن على هو الامام، و كان قد هلك يومئذ- و كان ابنه جعفر بن محمد حيا، فقالوا: جعفر امامنا اليوم بعد ابيه، و هو أحق بالأمر بعد ابيه، و لا نتبع زيد بن على فليس بإمام فسماهم زيد الرافضه، فهم اليوم يزعمون ان الذى سماهم الرافضه المغيره حيث فارقوه و كانت منهم طائفه قبل خروج زيد مروا الى جعفر بن محمد بن على، فقالوا له: ان زيد بن على فينا يبايع، افترى لنا ان نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه، فهو و الله أفضلنا و سيدنا و خيرنا فجاءوا، فكتموا ما امرهم به.

قال: و استتب لزيد بن على خروجه، فواعد اصحابه ليله الأربعاء أول ليله من صفر سنه اثنتين و عشرين و مائه.

و بلغ يوسف بن عمر ان زيدا قد ازمع على الخروج، فبعث الى الحكم ابن الصلت، فأمره ان يجمع اهل الكوفه في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فبعث الحكم الى العرفاء و الشرط و المناكب و المقاتله، فادخلهم المسجد، ثم نادى مناديه: الا ان الأمير يقول: من ادركناه في رحله فقد برئت منه الذمة، ادخلوا المسجد الأعظم فاتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، و طلبوا زيدا في دار معاويه بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج ليلا، و ذلك ليله الأربعاء، في ليله شديده البرد، من دار معاويه بن‏

182

إسحاق، فرفعوا الهرادى فيها النيران، و نادوا: يا منصور.

أمت، أمت يا منصور فكلما اكلت النار هرديا رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتى طلع الفجر، فلما أصبحوا بعث زيد بن على القاسم التنعى ثم الحضرمى و رجلا آخر من اصحابه، يناديان بشعارهما، فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندى، فشدوا عليه و على اصحابه، فقتل الرجل الذى كان مع القاسم التنعى، و ارتث القاسم، فاتى به الحكم، فكلمه فلم يرد عليه شيئا، فامر به فضربت عنقه على باب القصر، فكان أول من قتل من اصحاب زيد ابن على هو و صاحبه و امر الحكم بن الصلت بدروب السوق فغلقت، و غلقت أبواب المسجد على اهل الكوفه و على ارباع الكوفه يومئذ، على ربع اهل المدينة ابراهيم بن عبد الله بن جرير البجلي، و على مذحج و اسد عمرو ابن ابى بذل العبدى، و على كنده و ربيعه المنذر بن محمد بن اشعث بن قيس الكندى، و على تميم و همدان محمد بن مالك الهمدانى ثم الخيوانى.

قال: و بعث الحكم بن الصلت الى يوسف بن عمر، فاخبره الخبر، فامر يوسف مناديه فنادى في اهل الشام: من ياتى الكوفه فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبرهم؟ فقال جعفر بن العباس الكندى: انا، فركب في خمسين فارسا، ثم اقبل حتى انتهى الى جبانه سالم السلولي، فاستخبرهم، ثم رجع الى يوسف بن عمر فاخبره، فلما اصبح خرج الى تل قريب من الحيرة، فنزل عليه و معه قريش و اشراف الناس، و على شرطته يومئذ العباس بن سعيد المزنى، فبعث الريان بن سلمه الاراشى في الفين و معه ثلاثمائة من القيقانية رجالا معهم النشاب.

و اصبح زيد بن على، فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل و ثمانية عشر رجلا، فقال زيد: سبحان الله! اين الناس! فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا و الله ما هذا لمن بايعنا بعذر و سمع نصر ابن خزيمة النداء، فاقبل اليه، فلقى عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطه الحكم بن الصلت في خيله من جهينة عند دار الزبير بن ابى حكمه في الطريق‏

183

الذى يخرج الى مسجد بنى عدى، فقال نصر بن خزيمة: يا منصور أمت، فلم يرد عليه شيئا، فشد عليه نصر و اصحابه، فقتل عمر بن عبد الرحمن، و انهزم من كان معه، و اقبل زيد بن على من جبانه سالم حتى انتهى الى جبانه الصائديين، و بها خمسمائة من اهل الشام، فحمل عليهم زيد بن على فيمن معه فهزمهم و كان تحت زيد بن على يومئذ برذون ادهم بهيم، اشتراه رجل من بنى نهد بن كهمس بن مروان النجارى بخمسه و عشرين دينارا، فلما قتل زيد بعد ذلك اخذه الحكم بن الصلت.

قال: و انتهى زيد بن على الى باب دار رجل من الأزد، يقال له انس ابن عمرو- و كان فيمن بايعه- فنودي و هو في الدار فجعل يجيب، فناداه زيد يا انس: اخرج الى رحمك الله، فقد جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فلم يخرج اليه، فقال زيد: ما اخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم! قال: ثم ان زيدا مضى حتى انتهى الى الكناسة، فحمل على جماعه بها من اهل الشام فهزمهم، ثم خرج حتى ظهر الى الجبانة و يوسف بن عمر على التل ينظر اليه هو و اصحابه، و بين يديه حزام بن مره المزنى و زمزم بن سليم الثعلبى، و هما على المجففة، و معه نحو من مائتي رجل، و الله لو اقبل على يوسف لقتله، و الريان بن سلمه يتبع اثر زيد بن على بالكوفه في اهل الشام.

ثم ان زيدا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفه، و كانت فرقه من اصحاب زيد بن على حيث وجه الى الكناسة قد انشعبت نحو جبانه مخنف بن سليم ثم قال بعضهم لبعض: الا ننطلق نحو جبانه كنده! قال: فما زاد الرجل على ان تكلم بهذا الكلام.

و طلع اهل الشام، فلما رأوهم دخلوا زقاقا فمضوا فيه، و تخلف رجل منهم، فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم خرج اليهم فقاتلهم ساعه ثم انهم صرعوه، فجعلوا يضربونه بأسيافهم، فنادى رجل منهم مقنع بالحديد:

ان اكشفوا المغفر ثم اضربوا راسه بعمود حديد، ففعلوا، و قتل و حمل اصحابه عليهم فكشفوهم عنه و قد قتل، و انصرف اهل الشام، و قد اقتطعوا

184

رجلا، و نجا سائرهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل دار عبد الله بن عوف، فدخل اهل الشام عليه فأسروه، فذهب به الى يوسف بن عمر فقتله.

قال: و اقبل زيد بن على، و قد راى خذلان الناس اياه، فقال:

يا نصر بن خزيمة، ا تخاف ان يكون قد جعلوها حسينيه! فقال له:

جعلني الله لك الفداء! اما انا فو الله لاضربن معك بسيفي هذا حتى اموت، فكان قتاله يومئذ بالكوفه ثم ان نصر بن خزيمة قال لزيد بن على: جعلني الله لك الفداء! ان الناس في المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمر على دار خالد بن عرفطه و بلغ عبيد الله ابن العباس الكندى اقباله، فخرج في اهل الشام، و اقبل زيد فالتقوا على باب عمر بن سعد بن ابى وقاص، فكع صاحب لواء عبيد الله- و كان لواؤه مع سلمان مولاه- فلما اراد عبيد الله الحمله و رآه قد كع عنه، قال:

احمل يا بن الخبيثة! فحمل عليهم، فلم ينصرف حتى خضب لواؤه بالدم.

ثم ان عبيد الله برز فخرج اليه واصل الحناط، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحول: خذها منى و انا الغلام الحناط! و قال الآخر: قطع الله يدي ان كلت بقفيز ابدا ثم ضربه فلم يصنع شيئا و انهزم عبيد الله بن العباس و اصحابه، حتى انتهوا الى دار عمرو من حريث و جاء زيد و اصحابه حتى انتهوا الى باب الفيل، فجعل اصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب، و يقولون: يا اهل المسجد، اخرجوا و جعل نصر بن خزيمة يناديهم، و يقول: يا اهل الكوفه، اخرجوا من الذل الى العز، اخرجوا الى الدين و الدنيا، فإنكم لستم في دين و لا دنيا فأشرف عليهم اهل الشام، فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد- و كان يومئذ جمع كبير بالكوفه في نواحيها، و قيل في جبانه سالم- و انصرف الريان بن سلمه الى الحيرة عند المساء، و انصرف زيد بن على فيمن معه، و خرج اليه ناس من اهل الكوفه، فنزل دار الرزق، فأتاه الريان بن سلمه، فقاتله عند دار الرزق قتالا شديدا، فجرح من اهل‏

185

الشام و قتل منهم ناس كثير، و تبعهم اصحاب زيد من دار الرزق، حتى انتهوا الى المسجد، فرجع اهل الشام مساء يوم الأربعاء اسوا شي‏ء ظنا، فلما كان من الغد غداه يوم الخميس، دعا يوسف بن عمر الريان بن سلمه، فلم يوجد حاضرا تلك الساعة.

و قال بعضهم: بل أتاه و ليس عليه سلاحه فافف به، و قال له: أف لك من صاحب خيل! اجلس فدعا العباس بن سعيد المزنى صاحب شرطته، فبعثه في اهل الشام، فسار حتى انتهى الى زيد بن على في دار الرزق، و ثم خشب للتجار كثير، فالطريق متضايق و خرج زيد في اصحابه، و على مجنبتيه نصر بن خزيمة العبسى و معاويه بن إسحاق الأنصاري، فلما رآهم العباس- و لم يكن معه رجال- نادى: يا اهل الشام، الارض و الارض! فنزل ناس كثير ممن معه، فاقتتلوا قتالا شديدا في المعركة و قد كان رجل من اهل الشام من بنى عبس يقال له نائل بن فروه قال ليوسف بن عمر:

و الله لئن انا ملات عيني من نصر بن خزيمة لاقتلنه او ليقتلني، فقال له يوسف:

خذ هذا السيف، فدفع اليه سيفا لا يمر بشي‏ء الا قطعه فلما التقى اصحاب العباس بن سعيد و اصحاب زيد و اقتتلوا، بصر نائل بن فروه بنصر بن خزيمة، فاقبل نحوه، فضرب نصرا فقطع فخذه، و ضربه نصر ضربه فقتله، فلم يلبث نصر ان مات، و اقتتلوا قتالا شديدا.

ثم ان زيد بن على هزمهم و قتل من اهل الشام نحوا من سبعين رجلا، فانصرفوا و هم بشر حال و قد كان العباس بن سعيد نادى في اصحابه ان اركبوا، فان الخيل لا تطيق الرجال في المضيق فركبوا، فلما كان العشى عباهم يوسف بن عمر ثم سرحهم، فاقبلوا حتى التقوا هم و اصحاب زيد، فحمل عليهم زيد في اصحابه فكشفهم، ثم تبعهم حتى اخرجهم الى السبخة، ثم شد عليهم بالسبخه حتى اخرجهم الى بنى سليم، ثم تبعهم في خيله و رجاله، حتى أخذوا على المسناه.

ثم ان زيدا ظهر لهم فيما بين بارق و رؤاس، فقاتلهم هنالك قتالا شديدا،

186

و صاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن ابى مالك بن مسروح، من بنى سعد بن زيد، خليف العباس بن عبد المطلب، و كان مسروح السعدي تزوج صفيه بنت العباس بن عبد المطلب، فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله و رجله، فبعث العباس الى يوسف بن عمر يعلمه ذلك، فقال له: ابعث الى الناشبة، فبعث اليهم سليمان بن كيسان الكلبى في القيقانية و البخارية، و هم ناشبه، فجعلوا يرمون زيدا و اصحابه، و كان زيد حريصا على ان يصرفهم حين انتهوا الى السبخة، فأبوا عليه، فقاتل معاويه بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد بن على قتالا شديدا، فقتل بين يديه، و ثبت زيد بن على و من معه حتى إذا جنح الليل رمى بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فتشبث في الدماغ، فرجع و رجع اصحابه، و لا يظن اهل الشام انهم رجعوا الا للمساء و الليل.

قال: فحدثني سلمه بن ثابت الليثى- و كان مع زيد بن على، و كان آخر من انصرف من الناس يومئذ، هو و غلام لمعاوية بن إسحاق- قال: اقبلت انا و صاحبي نقص اثر زيد بن على، فنجده قد انزل، و ادخل بيت حران ابن كريمه مولى لبعض العرب في سكه البريد في دور ارحب و شاكر.

قال سلمه بن ثابت: فدخلت عليه، فقلت له: جعلني الله فداك أبا الحسين! و انطلق اصحابه فجاءوا بطبيب يقال له شقير مولى لبنى رؤاس فانزع النصل من جبهته، و انا انظر اليه، فو الله ما عدا ان انزعه جعل يصيح، ثم لم يلبث ان قضى، فقال القوم: اين ندفنه، و اين نواريه؟

فقال بعض اصحابه: نلبسه درعه و نطرحه في الماء، و قال بعضهم: بل نحتز راسه و نضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا و الله لا ناكل لحم ابى الكلاب.

و قال بعضهم: لا بل نحمله الى العباسية فندفنه.

قال سلمه: فاشرت عليهم ان ننطلق به الى الحفرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها، فقبلوا رأيي و انطلقنا، و حفرنا له بين حفرتين، و فيه حينئذ ماء كثير، حتى إذا نحن أمكنا له دفناه، و أجرينا عليه الماء، و كان معنا

187

عبد له سندي قال: ثم انصرفنا حتى ناتى جبانه السبيع، و معنا ابنه، فلم نزل بها، و تصدع الناس عنا، و بقيت في رهط معه لا يكونون عشره، فقلت له: اين تريد؟ هذا الصبح قد غشيك- و معه ابو الصبار العبدى- قال: فقال: النهرين، فقلت له: ان كنت انما تريد النهرين- فظننت انه يريد ان يتشطط الفرات و يقاتلهم- فقلت له: لا تبرح مكانك، تقاتلهم حتى تقتل، او يقضى الله ما هو قاض فقال لي: انا اريد نهري كربلاء.

فقلت له: فالنجاء قبل الصبح، فخرج من الكوفه، و انا معه و ابو الصبار و رهط معنا، فلما خرجنا من الكوفه سمعنا اذان المؤذنين، فصلينا الغداة بالنخيلة، ثم توجهنا سراعا قبل نينوى، فقال لي: انى اريد سابقا مولى بشر بن عبد الملك بن بشر، فاسرع السير، و كنت إذا لقيت القوم استطعمهم فاطعم الأرغفة فأطعمها اياه، فيأكل و ناكل معه، فانتهينا الى نينوى و قد أظلمنا، فأتينا منزل سابق، فدعوت على الباب، فخرج إلينا فقلت له:

اما انا فاتى الفيوم، فأكون به، فإذا بدا لك ان ترسل الى فأرسل.

قال: ثم انى مضيت و خلفته عند سابق، فذلك آخر عهدي به.

قال: ثم ان يوسف بن عمر بعث اهل الشام يطلبون الجرحى في دور اهل الكوفه، فكانوا يخرجون النساء الى صحن الدار، و يطوفون البيت يلتمسون الجرحى.

قال: ثم دل غلام زيد بن على السندي يوم الجمعه على زيد، فبعث الحكم بن الصلت العباس بن سعيد المزنى و ابن الحكم بن الصلت، فانطلقا فاستخرجاه، فكره العباس ان يغلب عليه ابن الحكم بن الصلت فتركه و سرح بشيرا الى يوسف بن عمر غداه يوم الجمعه برأس زيد بن على مع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن ابى عقيل، فقال ابو الجويرية مولى جهينة:

قل للذين انتهكوا المحارم* * * و رفعوا الشمع بصحرا سالم‏

كيف وجدتم وقعه الأكارم* * * يا يوسف بن الحكم بن القاسم!

قال: و لما اتى يوسف بن عمر البشير، امر بزيد فصلب بالكناسة،

188

هو و نصر بن خزيمة و معاويه بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري و زياد النهدي، و كان يوسف قد نادى: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء محمد بن عباد برأس نصر بن خزيمة، فامر له يوسف بن عمر بألف درهم خ‏

3

، و جاء الأحول مولى الأشعريين برأس معاويه بن إسحاق، فقال: أنت قتلته؟

فقال: اصلح الله الأمير! ليس انا قتلته، و لكنى رايته فعرفته، فقال:

اعطوه سبعمائة درهم، و لم يمنعه ان يتم له ألفا، الا انه زعم انه لم يقتله و قد قيل: ان يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد و رجوعه من الطريق الى الكوفه بعد ما شخص الا باعلام هشام بن عبد الملك اياه، و ذلك ان رجلا من بنى اميه كتب- فيما ذكر- الى هشام، يذكر له امر زيد، فكتب هشام الى يوسف يشتمه و يجهله، و يقول: انك لغافل، و زيد غارز ذنبه بالكوفه يبايع له فالحح في طلبه، فأعطه الامان فان لم يقبل فقاتله فكتب يوسف الى الحكم بن الصلت من آل ابى عقيل و هو خليفته على الكوفه بطلبه، فطلبه فخفى عليه موضعه، فدس يوسف مملوكا خراسانيا الكن، و اعطاه خمسه آلاف درهم، و امره ان يلطف لبعض الشيعة فيخبره انه قد قدم من خراسان حبا لأهل البيت، و ان معه مالا يريد ان يقويهم به، فلم يزل المملوك يلقى الشيعة، و يخبرهم عن المال الذى معه حتى ادخلوه على زيد، فخرج فدل يوسف على موضعه، فوجه يوسف اليه الخيل، فنادى اصحابه بشعارهم، فلم يجتمع اليه منهم الا ثلاثمائة او اقل، فجعل يقول: كان داود ابن على اعلم بكم، قد حذرني خذلانكم فلم احذر! و قيل: ان الذى دل على موضع زيد الذى كان دفن فيه- و كان دفن في نهر يعقوب فيما قيل، و كان اصحابه قد سكروا النهر ثم حفروا له في بطنه، فدفنوه في ثيابه ثم اجروا عليه الماء- عبد قصار كان به، فاستجعل جعلا على ان يدلهم على موضعه، ثم دلهم، فاستخرجوه، فقطعوا راسه، و صلبوا جسده، ثم أمروا بحراسته لئلا ينزل، فمكث يحرس زمانا

189

و قيل انه كان فيمن يحرسه زهير بن معاويه ابو خيثمة، و بعث برأسه الى هشام فامر به فنصب على باب مدينه دمشق، ثم ارسل به الى المدينة، و مكث البدن مصلوبا حتى مات هشام، ثم امر به الوليد فانزل و احرق و قيل: ان حكيم ابن شريك كان هو الذى سعى بزيد الى يوسف.

فاما ابو عبيده معمر بن المثنى فانه قال في امر يحيى بن زيد: لما قتل زيد عمد رجل من بنى اسد الى يحيى بن زيد، فقال له: قد قتل ابوك، و اهل خراسان لكم شيعه، فالرأي ان تخرج إليها قال: و كيف لي بذلك؟ قال: تتوارى حتى يكف عنك الطلب ثم تخرج، فواراه عنده ليله، ثم خاف فاتى عبد الملك بن بشر بن مروان، فقال له: ان قرابه زيد بك قريبه، و حقه عليك واجب، قال له: اجل، و لقد كان العفو عنه اقرب الى التقوى، قال: فقد قتل و هذا ابنه غلاما حدثا لا ذنب له، و ان علم يوسف بن عمر بمكانه قتله، فتجيره و تواريه عندك، قال: نعم و كرامة فأتاه به فواراه عنده فبلغ الخبر يوسف، فأرسل الى عبد الملك: قد بلغنى مكان هذا الغلام عندك، و اعطى الله عهدا، لئن لم تأتني به لاكتبن فيك الى امير المؤمنين، فقال له عبد الملك: أتاك الباطل و الزور، انا اوارى من ينازعني سلطاني و يدعى فيه اكثر من حقي! ما كنت اخشاك على قبول مثل هذا على و لا الاستماع من صاحبه، فقال: صدق و الله ابن بشر، ما كان ليوارى مثل هذا، و لا يستر عليه، فكف عن طلبه، فلما سكن الطلب خرج يحيى في نفر من الزيدية الى خراسان.

و خطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفه فقال:

يا اهل الكوفه، ان يحيى بن زيد يتنقل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، و الله لو ابدى لي صفحته لعرقت خصييه كما عرقت خصيى ابيه.

و ذكر عن رجل من الانصار قال: لما جي‏ء برأس زيد فصلب بالمدينة في سنه ثلاث و عشرين و مائه، اقبل شاعر من شعراء الانصار فقام بحياله، فقال:

190

الا يا ناقض الميثاق* * * ابشر بالذي ساكا

نقضت العهد و الميثاق* * * قدما كان قدماكا

لقد اخلف ابليس الذى* * * قد كان مناكا

قال: فقيل له: ويلك! ا تقول هذا لمثل زيد! فقال: ان الأمير غضبان فاردت ان ارضيه، فرد عليه بعض شعرائهم:

الا يا شاعر السوء* * * لقد اصبحت أفاكا

اشتم ابن رسول الله* * * يرضى من تولاكا

الا صبحك الله* * * بخزي ثم مساكا

و يوم الحشر لا شك* * * بان النار مثواكا

و قيل: كان خراش بن حوشب بن يزيد الشيبانى على شرط يوسف ابن عمر، فهو الذى نبش زيدا، و صلبه، فقال السيد:

بت ليلى مسهدا* * * ساهر الطرف مقصدا

و لقد قلت قوله* * * و اطلت التبلدا

لعن الله حوشبا* * * و خراشا و مزيدا

و يزيدا فانه* * * كان اعتى و اعندا

الف الف و الف* * * الف من اللعن سرمدا

انهم حاربوا الإله* * * و آذوا محمدا

شركوا في دم المطهر* * * زيد تعندا

ثم عالوه فوق جذع* * * صريعا مجردا

يا خراش بن حوشب* * * أنت أشقى الورى غدا

191

قال ابو مخنف: و لما قتل يوسف زيد بن على اقبل حتى دخل الكوفه فصعد المنبر، فقال:

يا اهل المدره الخبيثة، انى و الله ما تقرن بي الصعبه، و لا يقعقع لي بالشنان، و لا اخوف بالذنب هيهات! حبيت بالساعد الأشد، أبشروا يا اهل الكوفه بالصغار و الهوان، لا عطاء لكم عندنا و لا رزق، و لقد هممت ان اخرب بلادكم و دوركم، و احرمكم أموالكم اما و الله ما علوت منبري الا اسمعتكم ما تكرهون عليه، فإنكم اهل بغى و خلاف، ما منكم الا من حارب الله و رسوله، الا حكيم بن شريك المحاربى، و لقد سالت امير المؤمنين ان يأذن لي فيكم، و لو اذن لقتلت مقاتلتكم، و سبيت ذراريكم.

و في هذه السنه قتل كلثوم بن عياض القشيرى الذى كان هشام بن عبد الملك بعثه في خيول اهل الشام الى إفريقية، حيث وقعت الفتنة بالبربر.

و فيها قتل عبد الله البطال في جماعه من المسلمين بأرض الروم.

و فيها ولد الفضل بن صالح و محمد بن ابراهيم بن محمد بن على.

و فيها وجه يوسف بن عمر بن شبرمة على سجستان، فاستقضى ابن ابى ليلى.

و حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام المخزومي، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن اسحق بن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال الواقدى و غيره.

و كانت عمال الأمصار في هذه السنه العمال في السنه التي قبلها، و قد ذكرناهم قبل، الا ان قاضى الكوفه كان- فيما ذكر- في هذه السنه محمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى.

192

ثم دخلت‏

سنه ثلاث و عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السغد

فمن ذلك ما جرى بين اهل السغد و نصر بن سيار من الصلح.

ذكر الخبر عن ذلك و سببه:

ذكر على بن محمد، عن شيوخه، ان خاقان لما قتل في ولايه اسد، تفرقت الترك في غاره بعضها على بعض، فطمع اهل السغد في الرجعة إليها، و انحاز قوم منهم الى الشاش، فلما ولى نصر بن سيار ارسل اليهم يدعوهم الى الفيئه و المراجعة الى بلادهم، و اعطاهم كل ما أرادوا.

قال: و كانوا سألوا شروطا أنكرها أمراء خراسان، منها الا يعاقب من كان مسلما و ارتد عن الاسلام، و لا يعدى عليهم في دين لأحد من الناس، و لا يؤخذون بقبالة عليهم في بيت المال، و لا يؤخذ اسراء المسلمين من ايديهم الا بقضية قاض و شهاده العدول، فعاب الناس ذلك على نصر، و كلموه فقال: اما و الله لو عاينتم شوكتهم في المسلمين و نكايتهم مثل الذى عاينت ما انكرتم ذلك! فأرسل رسولا الى هشام في ذلك، فلما قدم الرسول ابى ان ينفذ ذلك لنصر، فقال الرسول: جربت يا امير المؤمنين حربنا و صلحنا، فاختر لنفسك فغضب هشام، فقال الابرش الكلبى: يا امير المؤمنين، تالف القوم و احمل لهم، فقد عرفت نكايتهم كانت في المسلمين، فانفذ هشام ما سال.

و في هذه السنه اوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت الى هشام بن عبد الملك، يسأله ضم خراسان اليه و عزل نصر بن سيار

193

ذكر الخبر عن سبب ذلك و ما كان من الأمر فيه:

ذكر على عن شيوخه، قال: لما طالت ولايه نصر بن سيار، و دانت له خراسان، كتب يوسف بن عمر الى هشام حسدا له: ان خراسان دبره دبره فان راى امير المؤمنين ان يضمها الى العراق فاسرح إليها الحكم بن الصلت، فانه كان مع الجنيد، و ولى جسيم أعمالها، فاعمر بلاد امير المؤمنين بالحكم.

و انا باعث بالحكم بن الصلت الى امير المؤمنين، فانه اديب اريب، و نصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا و مودتنا اهل البيت فلما اتى هشاما كتابه بعث الى دار الضيافة، فوجد فيها مقاتل بن على السغدى، فاتوه به، فقال: امن خراسان أنت؟ قال: نعم، و انا صاحب الترك- قال: و كان قدم على هشام بخمسين و مائه من الترك- فقال:

ا تعرف الحكم بن الصلت؟ قال: نعم، قال: فما ولى بخراسان؟ قال: ولى قريه يقال لها الفارياب، خراجها سبعون ألفا، فاسره الحارث بن سريج، قال:

ويحك! و كيف افلت منه! قال: عرك اذنه، و قفده و خلى سبيله قال:

فقدم عليه الحكم بعد بخراج العراق، فراى له جمالا و بيانا، فكتب الى يوسف:

ان الحكم قدم و هو على ما وصفت، و فيما قبلك له سعه، و خل الكنانى و عمله.

و في هذه السنه غزا نصر فرغانه غزوته الثانيه، و اوفد مغراء بن احمر الى العراق، فوقع فيه عند هشام.

ذكر الخبر عن ذلك و ما كان من هشام و يوسف بن عمر فيه:

ذكر ان نصرا وجه مغراء بن احمر الى العراق وافدا، منصرفه من غزوته الثانيه فرغانه، فقال له يوسف بن عمر: يا بن احمر، يغلبكم ابن الأقطع يا معشر قيس على سلطانكم! فقال: قد كان ذلك اصلح الله الأمير! قال: فإذا قدمت على امير المؤمنين فابقر بطنه فقدموا على هشام، فسألهم عن امر خراسان، فتكلم مغراء، فحمد الله و اثنى عليه، ثم ذكر

194

يوسف بن عمر بخير، فقال: ويحك! أخبرني عن خراسان، قال: ليس لك جند يا امير المؤمنين احد و لا انجد منهم، من سواذق في السماء و فرسان مثل الفيله، و عده و عدد من قوم ليس لهم قائد، قال: ويحك! فما فعل الكنانى؟ قال: لا يعرف ولده من الكبر فرد عليه مقالته، و بعث الى دار الضيافة، فاتى بشبيل بن عبد الرحمن المازنى، فقال له هشام: أخبرني عن نصر، قال: ليس بالشيخ يخشى خرفه، و لا الشاب يخشى سفهه، المجرب المجرب، قد ولى عامه ثغور خراسان و حروبها قبل ولايته فكتب الى يوسف بذلك، فوضع يوسف الارصاد، فلما انتهوا الى الموصل تركوا طريق البريد، و تكادوا حتى قدموا بيهق- و قد كتب الى نصر بقول شبيل- و كان ابراهيم بن بسام في الوفد، فمكر به يوسف، و نعى له نصرا، و اخبره انه قد ولى الحكم بن الصلت بن ابى عقيل خراسان فقسم له ابراهيم امر خراسان كله، حتى قدم عليه ابراهيم بن زياد رسول نصر، فعرف ان يوسف قد مكر به و قال: أهلكني يوسف.

و قيل: ان نصرا اوفد مغراء، و اوفد معه حمله بن نعيم الكلبى، فلما قدموا على يوسف، اطمع يوسف مغراء، ان هو تنقص نصرا عند هشام ان يوليه السند فلما قدما عليه ذكر مغراء باس نصر و نجدته و رايه، و اطنب في ذلك، ثم قال: لو كان الله متعنا منه ببقية! فاستوى هشام جالسا، ثم قال: ببقية ما ذا؟ قال: لا يعرف الرجل الا بجرمه، و لا يفهم عنه حتى يدنى منه، و ما يكاد يفهم صوته من الضعف لأجل كبره فقام حمله الكلبى، فقال: يا امير المؤمنين، كذب و الله، ما هو كما قال، هو هو فقال هشام: ان نصرا ليس كما وصف، و هذا امر يوسف بن عمر حسد لنصر، و قد كان يوسف كتب الى هشام يذكر كبر نصر و ضعفه، و يذكر له سلم بن قتيبة فكتب اليه هشام: اله عن ذكر الكنانى، فلما قدم مغراء على يوسف، قال له: قد علمت بلاء نصر عندي، و قد صنعت به‏

195

ما قد علمت، فليس لي في صحبته خير، و لا لي بخراسان مقام، فأمره بالمقام و كتب الى نصر: انى قد حولت اسمه، فاشخص الى من قبلك من اهله.

و قيل: ان يوسف لما امر مغراء بعيب نصر، قال: كيف اعيبه مع بلائه و آثاره الجميلة عندي و عند قومى! فلم يزل به، فقال: فبم اعيبه؟

اعيب تجربته أم طاعته؟ أم يمن نقيبته أم سياسته؟ قال: عبه بالكبر فلما دخل على هشام تكلم مغراء، فذكر نصرا باحسن ما يكون، ثم قال في آخر كلامه: لو لا، فاستوى هشام جالسا، فقال: ما لو لا! قال:

لو لا ان الدهر قد غلب عليه، قال: ما بلغ به ويحك الدهر! قال: ما يعرف الرجل الا من قريب، و لا يعرفه الا بصوته، و قد ضعف عن الغزو و الركوب.

فشق ذلك على هشام فتكلم حمله بن نعيم فلما بلغ نصرا قول مغراء بعث هارون بن السياوش الى الحكم بن نميله، و هو في السراجين يعرض الجند، فاخذ برجله فسحبه عن طنفسه له، و كسر لواءه على راسه، و ضرب بطنفسته وجهه، و قال: كذلك يفعل الله باصحاب الغدر! و ذكر على بن محمد، عن الحارث بن افلح بن مالك بن أسماء بن خارجه:

لما ولى نصر خراسان ادنى مغراء بن احمر بن مالك بن ساريه النميرى و الحكم ابن نميله بن مالك و الحجاج بن هارون بن مالك، و كان مغراء بن احمر النميرى راس اهل قنسرين، فاثر نصر مغراء و سنى منزلته، و شفعه في حوائجه، و استعمل ابن عمه الحكم بن نميله على الجوزجان، ثم عقد للحكم على اهل العاليه، و كان أبوه بالبصرة عليهم، و كان بعده عكابه بن نميله، ثم اوفد نصر وفدا من اهل الشام و اهل خراسان، و صير عليهم مغراء، و كان في الوفد حمله بن نعيم الكلبى، فقال عثمان بن صدقه بن وثاب لمسلم بن عبد الرحمن ابن مسلم عامل طخارستان:

خيرنى مسلم مراكبه* * * فقلت حسبي من مسلم حكما

196

هذا فتى عامر و سيدها* * * كفى بمن ساد عامرا كرما

يعنى الحكم بن نميله.

قال: فتغير نصر لقيس و اوحشه ما صنع مغراء قال: و كان ابو نميله صالح الابار مولى بنى عبس، خرج مع يحيى بن زيد بن على بن حسين، فلم يزل معه حتى قتل بالجوزجان و كان نصر قد وجد عليه لذلك، فاتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر، فقال:

قد كنت في همه حيران مكتئبا* * * حتى كفاني عبيد الله تهمامى‏

ناديته فسما للمجد مبتهجا* * * كغرة البدر جلى وجه اظلام‏

فاسم براى ابى ليث و صولته* * * ان كنت يوم حفاظ بامرئ سام‏

تظفر يداك بمن تمت مروته* * * و اختصه ربه منه باكرام‏

ماضى العزائم ليثى مضاربه* * * على الكريهة يوم الروع مقدام‏

لا هذر ساحه النادى و لا مذل* * * فيه و لا مسكت اسكات افحام‏

له من الحلم ثوباه و مجلسه* * * إذا المجالس شانت اهل أحلام‏

قال: فادخله عبيد الله على نصر، فقال ابو نميله: اصلحك الله! انى ضعيف، فان رايت ان تاذن لراويتى! فاذن له، فانشده:

فاز قدح الكلبى فاعتقدت* * * مغراء في سعيه عروق لئيم‏

فابينى نمير ثم ابينى* * * العبد مغراء أم لصميم‏

فلئن كان منكم ما يكون* * * الغدر و الكفر من خصال الكريم‏

و لئن كان اصله كان عبدا* * * ما عليكم من غدره من شتيم‏

و ليته ليث و اى ولاه* * * باياد بيض وامر عظيم!

اسمنته حتى إذا راح مغبوطا* * * بخير من سيبها المقسوم‏

197

كاد ساداته بأهون من نهقه* * * عير بقفره مرقوم‏

فضربنا لغيرنا مثل الكلب* * * ذميما و الذم للمذموم‏

و حمدنا ليثا و يأخذ بالفضل* * * ذوو الجود و الندى و الحلوم‏

فاعلمن يا بنى القساورة الغلب* * * و اهل الصفا و اهل الحطيم‏

ان في شكر صالحينا لما يد* * * حض قول المرهق الموصوم‏

قد راى الله ما اتيت و لن ينقص* * * نبح الكلاب زهر النجوم‏

فلما فرغ قال نصر: صدقت، و تكلمت القيسية و اعتذروا قال: و أهان نصر قيسا و باعدهم حين فعل مغراء ما فعل، فقال في ذلك بعض الشعراء:

لقد بغض الله الكرام إليكم* * * كما بغض الرحمن قيسا الى نصر

رايت أبا ليث يهين سراتهم* * * و يدنى اليه كل ذي والث غمر

و حج بالناس في هذه السنه يزيد بن هشام بن عبد الملك، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال الواقدى أيضا.

و كان عمال الأمصار في هذه السنه هم العمال الذين كانوا في السنه التي قبلها، و قد ذكرتهم قبل.

198

ثم دخلت‏

سنه اربع و عشرين و مائه‏

(ذكر الاخبار عما كان فيها من الاحداث)

ابتداء امر ابى مسلم الخراسانى‏

فمما كان فيها من ذلك مقدم جماعه من شيعه بنى العباس الكوفه يريدون مكة، و شرى بكير بن ماهان- في قول بعض اهل السير- أبا مسلم صاحب دعوه بنى العباس من عيسى بن معقل العجلى.

ذكر الخبر عن سبب ذلك:

و قد اختلف في ذلك، فاما على بن محمد، فانه ذكر ان حمزه بن طلحه السلمى حدثه عن ابيه، قال: كان بكير بن ماهان كاتبا لبعض عمال السند، فقدمها، فاجتمعوا بالكوفه في دار، فغمز بهم فأخذوا، فحبس بكير و خلى عن الباقين، و في الحبس يونس ابو عاصم و عيسى بن معقل العجلى، و معه ابو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير فأجابوه الى رايه، فقال لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام؟ قال: مملوك، قال: تبيعه؟ قال: هو لك، قال: أحب ان تأخذ ثمنه، قال: هو لك بما شئت، فاعطاه أربعمائة درهم، ثم اخرجوا من السجن، فبعث به الى ابراهيم فدفعه ابراهيم الى ابى موسى السراج، فسمع منه و حفظ، ثم صار الى ان اختلف الى خراسان.

و قال غيره: توجه سليمان بن كثير و مالك بن الهيثم و لاهز بن قريظ، و قحطبه بن شبيب من خراسان، و هم يريدون مكة في سنه اربع و عشرين و مائه، فلما دخلوا الكوفه أتوا عاصم بن يونس العجلى، و هو في الحبس، قد اتهم بالدعاء الى ولد العباس، و معه عيسى و ادريس ابنا معقل، حبسهما يوسف بن عمر فيمن حبس من عمال خالد بن عبد الله، و معهما ابو مسلم يخدمهما، فرأوا فيه العلامات، فقالوا: من هذا؟ قالوا: غلام معنا من‏

199

السراجين- و قد كان ابو مسلم يسمع عيسى و ادريس يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكى- فلما رأوا ذلك منه دعوه الى ما هم عليه، فأجاب و قبل.

و في هذه السنه غزا سليمان بن هشام الصائفه، فلقى اليون ملك الروم فسلم و غنم.

و فيها مات- في قول الواقدى- محمد بن على بن عبد الله بن عباس و حج بالناس في هذه السنه محمد بن هشام بن اسماعيل، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر، و كذلك قال الواقدى.

و حج في هذه السنه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك معه امراته أم سلمه بنت هشام بن عبد الملك.

3

و ذكر محمد بن عمر ان يزيد مولى ابى الزناد حدثه، قال: رايت محمد ابن هشام على بابها يرسل بالسلام و الطافه على بابها كثيره، و يعتذر فتأبى، حتى كان يأيس من قبول هديته، ثم امرت بقبضها.

و كان عمال الأمصار في هذه السنه هم العمال الذين كانوا عمالها في سنه اثنتين و عشرين و مائه و في سنه ثلاث و عشرين و مائه، و قد ذكرناهم قبل.

200

ثم دخلت‏

سنه خمس و عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث) فمن ذلك غزوه النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفه.

خبر وفاه هشام بن عبد الملك‏

و من ذلك وفاه هشام بن عبد الملك بن مروان فيها، و كانت وفاته- فيما ذكر ابو معشر- لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و كذلك قال الواقدى و المدائني و غيرهما، غير انهم قالوا: كانت وفاته يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر، فكانت خلافته في قول جميعهم تسع عشره سنه، و سبعه اشهر و أحدا و عشرين يوما في قول المدائني و ابن الكلبى، و في قول ابى معشر: و ثمانية اشهر و نصفا، و في قول الواقدى:

و سبعه اشهر و عشره ليال.

و اختلف في مبلغ سنه، فقال هشام بن محمد الكلبى: توفى و هو ابن خمس و خمسين سنه.

و قال بعضهم: توفى و له اثنتان و خمسون سنه و قال محمد بن عمر: كان هشام يوم توفى ابن اربع و خمسين سنه.

و كانت وفاته بالرصافة و بها قبره، و كان يكنى أبا الوليد

ذكر الخبر عن العله التي كانت بها وفاته‏

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنى على بن محمد، قال: حدثنى شيبه بن عثمان، قال: حدثنى عمرو بن كليع، قال: حدثنى سالم ابو العلاء، قال: خرج علينا هشام بن عبد الملك يوما و هو كئيب، يعرف ذلك فيه،

201

مسترخ عليه ثيابه، و قد ارخى عنان دابته، فسار ساعه ثم انتبه، فجمع ثيابه و أخذ بعنان دابته، و قال للربيع: ادع الابرش، فدعى فسار بيني و بين الابرش، فقال له الابرش: يا امير المؤمنين، لقد رايت منك شيئا غمني، قال: و ما هو؟ قال: رايتك قد خرجت على حال غمني، قال: ويحك يا ابرش! و كيف لا اغتم و قد زعم اهل العلم انى ميت الى ثلاثة و ثلاثين يوما! قال سالم: فرجعت الى منزلي، فكتبت في قرطاس: زعم امير المؤمنين يوم كذا و كذا انه يسافر الى ثلاثة و ثلاثين يوما فلما كان في الليلة التي استكمل فيها ثلاثة و ثلاثين يوما إذا خادم يدق الباب يقول: أجب امير المؤمنين، و احمل معك دواء الذبحه- و قد كان اخذه مره فتعالج فأفاق- فخرجت و معى الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شده، ثم سكن فقال لي: يا سالم، قد سكن بعض ما كنت أجد، فانصرف الى اهلك، و خلف الدواء عندي فانصرفت، فما كان الا ساعه حتى سمعت الصراخ عليه، فقالوا: مات امير المؤمنين! فلما مات اغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله، فما وجدوه حتى استعاروا قمقما من بعض الجيران، فقال بعض من حضر ذلك: ان في هذا لمعتبرا لمن اعتبر و كانت وفاته بالذبحه، فلما مات صلى عليه ابنه مسلمه بن هشام.

ذكر بعض سير هشام‏

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنى على بن محمد، عن وسنان الأعرجي، قال: حدثنى ابن ابى نحيله، عن عقال بن شبه، قال:

دخلت على هشام، و عليه قباء فنك اخضر، فوجهني الى خراسان، و جعل يوصيني و انا انظر الى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رايت عليك قبل ان تلى الخلافه قباء فنك اخضر، فجعلت اتامل هذا، ا هو ذاك أم غيره.

فقال: هو و الله الذى لا اله الا، هو ذاك، ما لي قباء غيره و اما ما ترون من جمعى هذا المال و صونه فانه لكم قال: و كان عقال مع‏

202

هشام فاما شبه ابو عقال، فكان مع عبد الملك بن مروان، و كان عقال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشو عقلا.

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنى على، قال: قال مروان بن شجاع، مولى لمروان بن الحكم: كنت مع محمد بن هشام بن عبد الملك، فأرسل الى يوما، فدخلت عليه، و قد غضب و هو يتلهف، فقلت: ما لك؟

فقال: رجل نصرانى شج غلامي- و جعل يشتمه- فقلت له: على رسلك! قال: فما اصنع؟ قلت: ترفعه الى القاضى، قال: و ما غير هذا! قلت:

لا، قال خصى له: انا اكفيك، فذهب فضربه و بلغ هشاما فطلب الخصى، فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، و قال الخصى:

بلى و الله لقد أمرتني، فضرب هشام الخصى و شتم ابنه.

و حدثنى احمد، قال على: لم يكن احد يسير في ايام هشام في موكب الا مسلمه بن عبد الملك قال: و راى هشام يوما سالما في موكب، فزجره و قال: لاعلمن متى سرت في موكب و كان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، و يقول: حاجتك، و يمنعه ان يسير معه، و كان سالم كأنه هو امر هشاما.

قال: و لم يكن احد من بنى مروان يأخذ العطاء الا عليه الغزو، فمنهم من يغزو، و منهم من يخرج بدلا.

قال: و كان لهشام بن عبد الملك مولى يقال له يعقوب، فكان يأخذ عطاء هشام مائتي دينار و دينارا، يفضل بدينار، فيأخذها يعقوب و يغزو و كانوا يصيرون انفسهم في اعوان الديوان، و في بعض ما يجوز لهم المقام به، و يوضع به الغزو عنهم و كان داود و عيسى ابنا على بن عبد الله بن عباس- و هما لام- في اعوان السوق بالعراق لخالد بن عبد الله، فأقاما عنده، فوصلهما، و لو لا ذلك لم يستطع ان يحبسهما، فصيرهما في الأعوان، فسمرا، و كانا يسامرانه و يحدثانه‏

203

قال: فولى هشام بعض مواليه ضيعه له، فعمرها فجاءت بغله عظيمه كبيره ثم عمرها أيضا، فاضعفت الغلة، و بعث بها مع ابنه، فقدم بها على هشام، فاخبره خبر الضيعه فجزاه خيرا، فراى منه انبساطا، فقال: يا امير المؤمنين، ان لي حاجه، قال: و ما هي؟ قال: زياده عشره دنانير في العطاء، فقال: ما يخيل الى احدكم ان عشره دنانير في العطاء الا بقدر الجوز! لا لعمري لا افعل.

حدثنى احمد، قال: حدثنا على، قال: قال جعفر بن سليمان:

قال لي عبد الله بن على: جمعت دواوين بنى مروان، فلم أر ديوانا اصح و لا اصلح للعامه و السلطان من ديوان هشام.

حدثنا احمد، قال: قال على: قال غسان بن عبد الحميد: لم يكن احد من بنى مروان أشد نظرا في امر اصحابى و دواوينه، و لا أشد مبالغه في الفحص عنهم من هشام.

حدثنى احمد، قال: حدثنا على، قال: قال حماد الأبح:

3

قال هشام لغيلان: ويحك يا غيلان! قد اكثر الناس فيك، فنازعنا بأمرك، فان كان حقا اتبعناك، و ان كان باطلا نزعت عنه، قال: نعم، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلمه، فقال له ميمون: سل، فان اقوى ما تكونون إذا سألتم، قال له: ا شاء الله ان يعصى؟ فقال له ميمون: ا فعصى كارها! فسكت، فقال هشام: اجبه فلم يجبه، فقال له هشام: لا أقالني الله ان اقلته، و امر بقطع يديه و رجليه.

حدثنى احمد، قال: حدثنا على عن رجل من غنى، عن بشر مولى هشام، قال: اتى هشام برجل عنده قيان و خمر و بربط، فقال:

اكسروا الطنبور على راسه و ضربه، فبكى الشيخ قال بشر: فقلت له‏

204

- و انا اعزيه: عليك بالصبر، فقال: ا ترانى ابكى للضرب! انما ابكى لاحتقاره للبربط إذ سماه طنبورا! قال: و اغلظ رجل لهشام، فقال له هشام: ليس لك ان تغلظ لامامك! قال: و تفقد هشام بعض ولده- و لم يحضر الجمعه- فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتى، قال: ا فعجزت عن المشى فتركت الجمعه! فمنعه الدابة سنه.

قال: و كتب سليمان بن هشام الى ابيه: ان بغلتي قد عجزت عنى، فان راى امير المؤمنين ان يأمر لي بدابه فعل فكتب اليه: قد فهم امير المؤمنين كتابك، و ما ذكرت من ضعف دابتك، و قد ظن امير المؤمنين ان ذلك من قله تعهدك لعلفها، و ان علفها يضيع، فتعهد دابتك في القيام عليها بنفسك، و يرى امير المؤمنين رايه في حملانك.

قال: و كتب اليه بعض عماله: انى قد بعثت الى امير المؤمنين بسله دراقن، فليكتب الى امير المؤمنين بوصولها فكتب اليه: قد وصل الى امير المؤمنين الدراقن الذى بعثت به فاعجبه، فزد امير المؤمنين منه، و استوثق من الوعاء.

قال: و كتب الى بعض عماله: قد وصلت الكماة التي بعثت بها الى امير المؤمنين، و هي اربعون، و قد تغير بعضها، و لم تؤت في ذلك الا من حشوها، فإذا بعثت الى امير المؤمنين منها شيئا فأجد حشوها في الظرف الذى تجعلها فيه بالرمل، حتى لا تضطرب و لا يصيب بعضها بعضا.

حدثنى احمد، قال: حدثنى على، قال: حدثنا الحارث بن يزيد، قال: حدثنى مولى لهشام، قال: بعث معى مولى لهشام كان على بعض ضياعه بطيرين ظريفين، فدخلت اليه و هو جالس على سرير في عرصة الدار، فقال: أرسلهما في الدار، قال: فارسلتهما فنظر إليهما، فقلت:

يا امير المؤمنين، جائزتي، قال: ويلك! و ما جائزه طيرين؟ قلت: ما كان، قال: خذ أحدهما، فعدوت في الدار عليهما، فقال: ما لك؟ قلت:

205

اختار خيرهما، قال: ا تختار أيضا خيرهما و تدع شرهما لي! دعهما و نحن نعطيك اربعين درهما او خمسين درهما قال: و اقطع هشام أرضا يقال لها دورين، فأرسل في قبضها، فإذا هي خراب، فقال لذويد كاتب كان بالشام: ويحك! كيف الحيله؟ قال:

ما تجعل لي؟ قال: أربعمائة دينار، فكتب دورين و قرأها، ثم أمضاها في الدواوين، فاخذ شيئا كثيرا، فلما ولى هشام دخل عليه ذويد، فقال له هشام: دورين و قرأها! لا و الله لا تلى لي ولايه ابدا، و اخرجه من الشام.

حدثنى احمد، قال: حدثنا على، عن عمير بن يزيد، عن ابى خالد، قال: حدثنى الوليد بن خليد، قال: رآنى هشام بن عبد الملك، و انا على برذون طخارى، فقال: يا وليد بن خليد، ما هذا البرذون؟ قلت:

حملني عليه الجنيد، فحسدنى و قال: و الله لقد كثرت الطخاريه، لقد مات عبد الملك فما وجدنا في دوابه برذونا طخاريا غير واحد، فتنافسه بنو عبد الملك أيهم يأخذه، و ما منهم احد الا يرى انه ان لم يأخذه لم يرث من عبد الملك شيئا.

قال: و قال بعض آل مروان لهشام: ا تطمع في الخلافه و أنت بخيل جبان؟ قال: و لم لا اطمع فيها و انا حليم عفيف! قال: و قال هشام يوما للأبرش: او ضعت اعنزك؟ قال: اى و الله، قال: لكن اعنزى تأخر ولادها، فاخرج بنا الى اعنزك نصب من ألبانها، قال: نعم، ا فاقدم قوما؟ قال: لا، قال: ا فاقدم خباء حتى يضرب لنا؟ قال:

نعم، فبعث برجلين بخباء فضرب، و غدا هشام و الابرش و غدا الناس، فقعد هشام و الابرش، كل واحد منهما على كرسي، و قدم الى كل واحد منهما شاه، فحلب هشام الشاه بيده، و قال: تعلم يا ابرش انى لم ابس الحلب! ثم امر بمله فعجنت و اوقد النار بيده، ثم فحصها و القى الملة، و جعل يقلبها بالمحراث، و يقول: يا ابرش، كيف ترى رفقي! حتى نضجت ثم أخرجها،

206

و جعل يقلبها بالمحراث، و يقول: جبينك جبينك و الابرش يقول: لبيك لبيك- و هذا شي‏ء تقوله الصبيان إذا خبزت لهم الملة- ثم تغدى و تغدى الناس و رجع.

قال: و قدم علباء بن منظور الليثى على هشام، فانشده:

قالت عليه و اعتزمت لرحله* * * زوراء بالاذنين ذات تسدر

اين الرحيل و اهل بيتك كلهم* * * كل عليك كبيرهم كالأصغر!

فاصاغر امثال سلكان القطا* * * لا في ثرى مال و لا في معشر

انى الى ملك الشام لراحل* * * و اليه يرحل كل عبد موقر

فلاتركنك ان حييت غنيه* * * بندى الخليفة ذي الفعال الأزهر

انا اناس ميت ديواننا* * * و متى يصبه ندى الخليفة ينشر

فقال له هشام: هذا الذى كنت تحاول، و قد احسنت المسألة فامر له بخمسمائة درهم، و الحق له عيلا في العطاء.

قال: و اتى هشاما محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال:

مالك عندي شي‏ء، ثم قال: إياك ان يغرك احد فيقول: لم يعرفك امير المؤمنين، انى قد عرفتك، أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقيمن و تنفق ما معك، فليس لك عندي صله، فالحق باهلك.

قال: و وقف هشام يوما قريبا من حائط فيه زيتون، و معه عثمان بن حيان المري، و عثمان قائم يكاد راسه يوازى راس امير المؤمنين و هو يكلمه إذ سمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق اليهم فقل لهم: القطوه لقطا، و لا تنفضوه نفضا، فتتفقا عيونه، و تتكسر غصونه.

قال: و حج هشام، فاخذ الابرش مخنثين و معهم البرابط، فقال هشام: احبسوهم و بيعوا متاعهم- و ما درى ما هو- و صيروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردوا عليهم الثمن.

و كان هشام بن عبد الملك ينزل الرصافه- و هي فيما ذكر- من ارض قنسرين‏