تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
207

و كان سبب نزوله إياها- فيما حدثنى احمد بن زهير بن حرب، عن على بن محمد- قال: كان الخلفاء و أبناء الخلفاء يتبدون و يهربون من الطاعون، فينزلون البريه خارجا عن الناس، فلما اراد هشام ان ينزل الرصافه قيل له: لا تخرج، فان الخلفاء لا يطعنون، و لم نر خليفه طعن، قال:

ا تريدون ان تجربوا بي! فنزل الرصافه و هي بريه، ابتنى بها قصرين.

و الرصافه مدينه رومية بنتها الروم و كان هشام الأحول، فحدثني احمد، عن على، قال: بعث خالد بن عبد الله الى هشام بن عبد الملك بحاد فحدا بين يديه بارجوزه ابى النجم:

و الشمس في الأفق كعين احول* * * صغواء قد همت و لما تفعل‏

فغضب هشام و طرده.

و حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنى على بن محمد، قال: حدثنا ابو عاصم الضبي، قال: مر بي معاويه بن هشام، و انا انظر اليه في رحبه ابى شريك- و ابو شريك رجل من العجم كانت تنسب اليه و هي مزرعه- و قد اختبز خبزه، فوقف على، فقلت: الغداء! فنزل و أخرجتها، فوضعتها في لبن، فأكل ثم جاء الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: معاويه بن هشام، فامر لي بصله و ركب و ثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غلوه، حتى عثر به فرسه فسقط فاحتملوه ميتا، فقال هشام: تالله لقد اجمعت ان ارشحه للخلافة، و يتبع ثعلبا! قال: و كانت عند معاويه بن هشام ابنه اسماعيل بن جرير و امراه اخرى، فاخرج هشام كل واحده منهما من نصف الثمن بأربعين ألفا.

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا، على، قال: قال قحذم كاتب يوسف: بعثني يوسف بن عمر الى هشام بياقوته حمراء يخرج طرفاها من كفى، و حبه لؤلؤ اعظم ما يكون من الحب، فدخلت عليه فدنوت منه، فلم أر وجهه من طول السرير و كثره الفرش، فتناول الحجر و الحبه، فقال:

208

اكتب معك بوزنهما؟ قلت: يا امير المؤمنين، هما اجل عن ان يكتب بوزنهما، و من اين يوجد مثلهما! قال: صدقت، و كانت الياقوتة للرائقه جاريه خالد بن عبد الله، اشترتها بثلاثة و سبعين الف دينار.

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي، قال:

حدثنا حسين بن يزيد، عن شهاب بن عبد ربه، عن عمرو بن على، قال: مشيت مع محمد بن على الى داره عند الحمام، فقلت له: انه قد طال ملك هشام و سلطانه، و قد قرب من العشرين و قد زعم الناس ان سليمان سال ربه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، فزعم الناس انها العشرون، فقال:

ما ادرى ما احاديث الناس! و لكن ابى حدثنى عن ابيه، [عن على، عن النبي(ص)انه قال: لن يعمر الله ملكا في أمه نبى مضى قبله ما بلغ بذلك النبي من العمر] و في هذه السنه ولى الخلافه بعد موت هشام بن عبد الملك الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، وليها يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنه خمس و عشرين و مائه في قول هشام بن محمد الكلبى.

و اما محمد بن عمر فانه قال: استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر من سنه خمس و عشرين و مائه.

و قال في ذلك على بن محمد مثل قول محمد بن عمر.

209

خلافه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان‏

(ذكر الخبر عن بعض اسباب ولايته الخلافه) قد مضى ذكرى سبب عقد ابيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافه بعد أخيه هشام بن عبد الملك، و كان الوليد بن يزيد يوم عقد له أبوه يزيد ذلك ابن احدى عشره سنه، فلم يمت يزيد حتى بلغ ابنه الوليد خمس عشره سنه، فندم يزيد على استخلافه هشاما أخاه بعده، و كان إذا نظر الى ابنه الوليد، قال: الله بيني و بين من جعل هشاما بيني و بينك! فتوفى يزيد بن عبد الملك و ابنه الوليد ابن خمس عشره سنه و ولى هشام و هو للوليد مكرم معظم مقرب، فلم يزل ذلك من امرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون و شرب الشراب، حمله على ذلك- فيما حدثنى احمد بن زهير، عن على ابن محمد، عن جويرية بن أسماء و إسحاق بن أيوب و عامر بن الأسود و غيرهم- عبد الصمد بن عبد الأعلى الشبانى أخو عبد الله بن عبد الأعلى- و كان مؤدب الوليد- و اتخذ الوليد ندماء، فاراد هشام ان يقطعهم عنه فولاه الحج سنه تسع و عشره و مائه، فحمل معه كلابا في صناديق، فسقط منها صندوق- فيما ذكر على بن محمد عمن سميت من شيوخه- عن البعير و فيه كلب، فاجالوا على الكرى السياط، فأوجعوه ضربا و حمل معه قبة عملها على قدر الكعبه ليضعها على الكعبه، و حمل معه خمرا، و اراد ان ينصب القبه على الكعبه، و يجلس فيها، فخوفه اصحابه و قالوا: لا نامن الناس عليك و علينا معك، فلم يحركها و ظهر للناس منه تهاون بالدين و استخفاف به، و بلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه و البيعه لابنه مسلمه بن هشام، فاراده على ان يخلعها و يبايع لمسلمه، فأبى، فقال له: اجعلها له من بعدك، فأبى، فتنكر له هشام و اضربه، و عمل سرا في البيعه لابنه، فأجابه قوم‏

210

قال: فكان ممن اجابه خالاه: محمد و ابراهيم ابنا هشام بن اسماعيل المخزومي، و بنو القعقاع بن خليد العبسى و غيرهم من خاصته.

قال: و تمادى الوليد في الشراب و طلب اللذات فافرط، فقال له هشام:

ويحك يا وليد! و الله ما ادرى اعلى الاسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من المنكر الا أتيته غير متحاش و لا مستتر به! فكتب اليه الوليد:

يايها السائل عن ديننا* * * نحن على دين ابى شاكر

نشربها صرفا و ممزوجه* * * بالسخن أحيانا و بالفاتر

فغضب هشام على ابنه مسلمه- و كان يكنى أبا شاكر- و قال له:

يعيرني بك الوليد و انا ارشحك للخلافة! فالزم الأدب و احضر الجماعه و ولاه الموسم سنه تسع عشره و مائه، فأظهر النسك و الوقار و اللين، و قسم بمكة و المدينة اموالا، فقال مولى لأهل المدينة:

يايها السائل عن ديننا* * * نحن على دين ابى شاكر

الواهب الجرد بارسانها* * * ليس بزنديق و لا كافر

يعرض بالوليد.

و أم مسلمه بن هشام أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن ابى العاص فقال الكميت:

ان الخلافه كائن أوتادها* * * بعد الوليد الى ابن أم حكيم‏

فقال خالد بن عبد الله القسرى: انا بري‏ء من خليفه يكنى أبا شاكر، فغضب مسلمه بن هشام على خالد، فلما مات اسد بن عبد الله أخو خالد ابن عبد الله، كتب ابو شاكر الى خالد بن عبد الله بشعر هجا به يحيى بن نوفل خالدا و أخاه أسدا حين مات:

اراح من خالد و اهلكه* * * رب اراح العباد من اسد

اما أبوه فكان مؤتشبا* * * عبدا لئيما لاعبد قفد

211

و بعث بالطومار مع رسول على البريد الى خالد، فظن انه عزاه عن أخيه، ففض الخاتم، فلم ير في الطومار غير الهجاء، فقال: ما رايت كاليوم تعزيه! و كان هشام يعيب الوليد و يتنقصه، و كثر عبثه به و باصحابه و تقصيره به، فلما راى ذلك الوليد خرج و خرج معه ناس من خاصته و مواليه، فنزل بالأزرق، بين ارض بلقين و فزاره، على ماء يقال له الاغدف، و خلف كاتبه عياض ابن مسلم مولى عبد الملك بن مروان بالرصافة، فقال له: اكتب الى بما يحدث قبلكم و اخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يوما فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب، قل أبياتا، فقال:

ا لم تر للنجم إذ شيعا* * * يبادر في برجه المرجعا

تحير عن قصد مجراته* * * اتى الغور و التمس المطلعا

فقلت و أعجبني شانه* * * و قد لاح إذ لاح لي مطمعا:

لعل الوليد دنا ملكه* * * فأمسى اليه قد استجمعا

و كنا نؤمل في ملكه* * * كتأميل ذي الجدب ان يمرعا

عقدنا له محكمات الأمور* * * طوعا فكان لها موضعا

و روى الشعر، فبلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يجرى عليه، و كتب الى الوليد: بلغنى عنك انك اتخذت عبد الصمد خدنا و محدثا و نديما، و قد حقق ذلك عندي ما بلغنى عنك، و لم ابرئك من سوء، فاخرج عبد الصمد مذموما مدحورا فاخرجه، و قال فيه:

لقد قذفوا أبا وهب بأمر* * * كبير بل يزيد على الكبير

فاشهد انهم كذبوا عليه* * * شهاده عالم بهم خبير

و كتب الوليد الى هشام يعلمه اخراج عبد الصمد، و اعتذر اليه مما بلغه‏

212

من منادمته، و ساله ان يأذن لابن سهيل في الخروج اليه- و كان ابن سهيل من اهل اليمن و قد ولى دمشق غير مره، و كان ابن سهيل من خاصه الوليد- فضرب هشام ابن سهيل و سيره‏

3

، و أخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد، و بلغه انه يكتب بالاخبار الى الوليد، فضربه ضربا مبرحا، و البسه المسوح.

فبلغ الوليد، فقال: من يثق بالناس، و من يصطنع المعروف! هذا الأحول المشئوم قدمه ابى على اهل بيته فصيره ولى عهده، ثم يصنع بي ما ترون:

لا يعلم ان لي في احد هوى الا عبث به، كتب الى ان اخرج عبد الصمد فاخرجته اليه، و كتبت اليه ان يأذن لابن سهيل في الخروج الى، فضربه و سيره، و قد علم رأيي فيه، و قد علم انقطاع عياض بن مسلم الى، و تحرمه بي و مكانه منى و انه كاتبي، فضربه و حبسه، يضارنى بذلك، اللهم اجرنى منه! و قال:

انا النذير لمسدى نعمه ابدا* * * الى المقاريف ما لم يخبر الدخلا

ان أنت اكرمتهم الفيتهم بطرا* * * و ان اهنتهم الفيتهم ذللا

ا تشمخون و منا راس نعمتكم* * * ستعلمون إذا كانت لنا دولا

انظر فان كنت لم تقدر على مثل* * * له سوى الكلب فاضربه له مثلا

بينا يسمنه للصيد صاحبه* * * حتى إذ ما قوى من بعد ما هزلا

عدا عليه فلم تضرره عدوته* * * و لو اطاق له اكلا لقد اكلا

و كتب الى هشام:

لقد بلغنى الذى احدث امير المؤمنين من قطع ما قطع عنى، و محو ما محا من اصحابى و حرمي و اهلى، و لم أكن اخاف ان يبتلى الله امير المؤمنين بذلك و لا أبالي به منه، فان يكن ابن سهيل كان منه ما كان فبحسب العير ان يكون قدر الذئب، و لم يبلغ من صنيعي في ابن سهيل و استصلاحه، و كتابي الى امير المؤمنين فيه كنه ما بلغ امير المؤمنين من قطيعتي، فان يكن ذلك لشي‏ء في نفس امير المؤمنين على، فقد سبب الله لي من العهد، و كتب لي‏

213

من العمر، و قسم لي من الرزق ما لا يقدر احد دون الله على قطع شي‏ء منه دون مدته، و لا صرف شي‏ء عن مواقعه، فقدر الله يجرى بمقاديره فيما أحب الناس او كرهوا، و لا تاخير لعاجله و لا تعجيل لأجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، و لا يستوجبون العقوبة عليه، و امير المؤمنين أحق امته بالبصر بذلك و الحفظ له، و الله الموفق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور.

فقال هشام لأبي الزبير: يا نسطاس، ا ترى الناس يرضون بالوليد ان حدث بي حدث؟ قال: بل يطيل الله عمرك يا امير المؤمنين، قال: ويحك! لا بد من الموت، افترى الناس يرضون بالوليد؟ قال: يا امير المؤمنين، ان له في اعناق الناس بيعه، فقال هشام: لئن رضى الناس بالوليد ما أظن الحديث الذى رواه الناس: ان من قام بالخلافة ثلاثة ايام لم يدخل النار، الا باطلا.

و كتب هشام الى الوليد:

قد فهم امير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع عنك و غير ذلك، و امير المؤمنين يستغفر الله من اجرائه ما كان يجرى عليك، و لا يتخوف على نفسه اقتراف الماثم في الذى احدث من قطع ما قطع، و محو من محا من صحابتك، لأمرين: اما أحدهما فايثار امير المؤمنين إياك بما كان يجرى عليك، و هو يعلم وضعك له و انفاقكه في غير سبيله، و اما الآخر فاثبات صحابتك، و ادرار أرزاقهم عليهم، لا ينالهم ما ينال المسلمين في كل عام من مكروه عند قطع البعوث،

214

و هم معك تجول بهم في سفهك، و لأمير المؤمنين احرى في نفسه للتقصير في القتر عليك منه للاعتداء عليك فيها، مع ان الله قد نصر امير المؤمنين في قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوف مما سلف فيه منه و اما ابن سهيل فلعمرى لئن كان نزل منك بما نزل، و كان أهلا ان تسر فيه او تساء، ما جعله الله كذلك، و هل زاد ابن سهيل- لله ابوك- على ان كان مغنيا زفانا، قد بلغ في السفه غايته! و ليس ابن سهيل مع ذلك بشر ممن تستصحبه في الأمور التي يكرم امير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنت لعمر الله أهلا للتوبيخ به، و لئن كان امير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك، انك إذا لغير آل عن هوى امير المؤمنين من ذلك.

و اما ما ذكرت مما سبب الله لك، فان الله قد ابتدأ امير المؤمنين بذلك، و اصطفاه له، و الله بالغ امره لقد اصبح امير المؤمنين و هو على اليقين من ربه، انه لا يملك لنفسه فيما اعطاه من كرامته ضرا و لا نفعا، و ان الله ولى ذلك منه، و انه لا بد له من مزايلته، و الله اراف بعباده و ارحم من ان يولى امرهم غير الرضى له منهم و ان امير المؤمنين من حسن ظنه بربه لعلى احسن الرجاء ان يوليه تسبيب ذلك لمن هو اهله في الرضا له به و لهم، فان بلاء الله عند امير المؤمنين اعظم من ان يبلغه ذكره، او يؤديه شكره، الا بعون منه، و لئن كان قدر لأمير المؤمنين تعجيل وفاه، ان في الذى هو مفض اليه ان شاء الله من كرامة الله لخلفا من الدنيا و لعمري ان كتابك الى امير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك و حمقك، فاربع على نفسك من غلوائها، و ارقا على ظلعك، فان لله سطوات و عينا، يصيب بذلك من يشاء، و يأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله، و امير المؤمنين يسال الله العصمة و التوفيق لاحب الأمور اليه و أرضاها له فكتب الوليد الى هشام:

215

رايتك تبنى جاهدا في قطيعتي* * * فلو كنت ذا ارب لهدمت ما تبنى‏

تثير على الباقين مجنى ضغينه* * * فويل لهم ان مت من شر ما تجنى!

كأني بهم و الليت افضل قولهم* * * الا ليتنا و الليت إذ ذاك لا يغنى‏

كفرت يدا من منعم لو شكرتها* * * جزاك بها الرحمن ذو الفضل و المن‏

قال: فلم يزل الوليد مقيما في تلك البريه حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذى جاءته فيه الخلافه، ارسل الى ابى الزبير المنذر بن ابى عمرو، فأتاه فقال له.

يا أبا الزبير، ما أتت على ليله منذ عقلت عقلي اطول من هذه الليلة، عرضت لي هموم، و حدثت نفسي فيها بامور من امر هذا الرجل، الذى قد اولع بي- يعنى هشاما- فاركب بنا نتنفس، فركبا، فسارا ميلين، و وقف على كثيب، و جعل يشكو هشاما إذ نظر الى رهج، فقال:

هؤلاء رسل هشام، نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان، أحدهما مولى لأبي محمد السفياني، و الآخر جردبه.

فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوان حتى دنوا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوجم، و جعل جردبه يكرر عليه السلام بالخلافة، فقال: ويحك! أ مات هشام! قال: نعم، قال فممن كتابك؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل فقرا الكتاب و انصرفا، فدعا مولى ابى محمد السفياني فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم، فقال: يا امير المؤمنين، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام امر الله فلما صار في حد لا ترجى الحياه لمثله ارسل عياض الى الخزان، ان احتفظوا بما في ايديكم، فلا يصلن احد منه الى شي‏ء و افاق هشام افاقه، فطلب شيئا فمنعوه فقال: أرانا كنا خزانا للوليد! و مات من ساعته و خرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، و امر بهشام فانزل عن فرشه، فما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه، و لا وجدوا كفنا من الخزائن، فكفنه غالب مولى هشام، فكتب‏

216

الوليد الى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ان ياتى الرصافه، فيحصى ما فيها من اموال هشام و ولده، و يأخذ عماله و حشمه، الا مسلمه بن هشام، فانه كتب اليه الا يعرض له، و لا يدخل منزله، فانه كان يكثر ان يكلم أباه في الرفق به، و يكفه عنه فقدم العباس الرصافه فاحكم ما كتب به اليه الوليد، و كتب الى الوليد بأخذ بنى هشام و حشمه و احصاء اموال هشام، فقال الوليد:

ليت هشاما كان حيا يرى* * * محلبه الأوفر قد اترعا

و يروى:

ليت هشاما عاش حتى يرى* * * مكياله الأوفر قد طبعا

كلناه بالصاع الذى كاله* * * و ما ظلمناه به إصبعا

و ما أتينا ذاك عن بدعه* * * احله الفرقان لي اجمعا

فاستعمل الوليد العمال، و جاءته بيعته من الافاق، و كتب اليه العمال، و جاءته الوفود، و كتب اليه مروان بن محمد:

بارك الله لأمير المؤمنين فيما اصاره اليه من ولايه عباده، و وراثه بلاده، و كان من تغشى غمره سكره الولاية ما حمل هشاما على ما حاول من تصغير ما عظم الله من حق امير المؤمنين، و رام من الأمر المستصعب عليه، الذى اجابه اليه المدخولون في آرائهم و اديانهم، فوجد ما طمع فيه مستصعبا، و زاحمته الأقدار باشد مناكبها و كان امير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى ازره باكرم مناطق الخلافه، فقام بما أراه الله له أهلا، و نهض مستقلا بما حمل منها، مثبته ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى، و خصه الله بها على خلقه و هو يرى حالاتهم، فقلده طوقها، و رمى اليه بازمه الخلافه، و عصم الأمور.

فالحمد لله الذى اختار امير المؤمنين لخلافته، و وثائق عرى دينه، و ذب‏

217

له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه و وضعهم، فمن اقام على تلك الخسيسة من الأمور اوبق نفسه، و اسخط ربه، و من عدلت به التوبة نازعا عن الباطل الى حق وجد الله توابا رحيما.

اخبر امير المؤمنين اكرمه الله انى عند ما انتهى الى من قيامه بولاية خلافه الله، نهضت الى منبري، على سيفان مستعدا بهما لأهل الغش، حتى اعلمت من قبلي ما امتن الله به عليهم من ولايه امير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، و قالوا: لم تأتنا ولايه خليفه كانت آمالنا فيها اعظم و لا هي لنا اسر من ولايه امير المؤمنين، و قد بسطت يدي لبيعتك فجددتها و وكدتها بوثائق العهود و ترداد المواثيق و تغليظ الايمان، فكلهم حسنت اجابتهم و طاعتهم، فاثبهم يا امير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذى آتاك، فإنك اجودهم جودا و ابسطهم يدا، و قد انتظروك راجين فضلك قبلهم بالرحم الذى استرحموك، و زدهم زياده يفضل بها من كان قبلك، حتى يظهر بذلك فضلك عليهم و على رعيتك، و لو لا ما احاول من سد الثغر الذى انا به، لخفت ان يحملني الشوق الى امير المؤمنين ان استخلف رجلا على غير امره، و اقدم لمعاينه امير المؤمنين، فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمه و ان عظمت، فان راى امير المؤمنين ان يأذن لي في المسير اليه لاشافهه بامور كرهت الكتاب بها فعل.

فلما ولى الوليد اجرى على زمنى اهل الشام و عميانهم و كساهم، و امر لكل انسان منهم بخادم، و اخرج لعيالات الناس الطيب و الكسوة، و زادهم على ما كان يخرج لهم هشام، و زاد الناس جميعا في العطاء عشره عشره، ثم زاد اهل الشام بعد زياده العشرات عشره عشره، لأهل الشام خاصه، و زاد من وفد اليه من اهل بيته في جوائزهم الضعف و كان و هو ولى عهد يطعم من وفد اليه من اهل الصائفه قافلا، و يطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له زيزاء ثلاثة ايام، و يعلف دوابهم، و لم يقل في شي‏ء يسأله: لا، فقيل‏

218

له: ان في قولك: انظر، عده ما يقيم عليها الطالب، فقال: لا اعود لساني شيئا لم اعتده، و قال:

ضمنت لكم ان لم تعقنى عوائق* * * بان سماء الضر عنكم ستقلع‏

سيوشك الحاق معا و زياده* * * و أعطيه منى عليكم تبرع‏

محرمكم ديوانكم و عطاؤكم* * * به يكتب الكتاب شهرا و تطبع‏

و في هذه السنه عقد الوليد بن يزيد لابنيه الحكم و عثمان البيعه من بعده، و جعلهما وليي عهده، أحدهما بعد الآخر، و جعل الحكم مقدما على عثمان، و كتب بذلك الى الأمصار، و كان ممن كتب اليه بذلك يوسف بن عمر، و هو عامل الوليد يومئذ على العراق، و كتب بذلك يوسف الى نصر بن سيار، و كانت نسخه الكتاب اليه:

بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن عمر الى نصر بن سيار، اما بعد فانى بعثت إليك نسخه كتاب امير المؤمنين الذى كتب به الى من قبلي في الذى ولى الحكم ابن امير المؤمنين و عثمان ابن امير المؤمنين من العهد بعده مع عقال بن شبه التميمى و عبد الملك القينى، و أمرتهما بالكلام في ذلك، فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب امير المؤمنين الناس، و مرهم فليحشدوا له، و قم فيهم بالذي كتب امير المؤمنين، فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، و اذن لمن اراد ان يقوم بخطبه، ثم بايع الناس لهما على اسم الله و بركته، و خذ عليهم العهد و الميثاق على الذى نسخت لك في آخر كتابي هذا الذى نسخ لنا امير المؤمنين في كتابه، فافهمه و بايع عليه، نسأل الله ان يبارك لأمير المؤمنين و رعيته في الذى قضى لهم على لسان امير المؤمنين، و ان يصلح الحكم و عثمان، و يبارك فيهما، و السلام عليك.

و كتب النصر يوم الخميس للنصف من شعبان سنه خمس و عشرين و مائه‏

219

بسم الله الرحمن الرحيم تبايع لعبد الله الوليد امير المؤمنين و الحكم ابن امير المؤمنين ان كان من بعده و عثمان بن امير المؤمنين ان كان بعد الحكم على السمع و الطاعة، و ان حدث بواحد منهما حدث فأمير المؤمنين املك في ولده و رعيته، يقدم من أحب، و يؤخر من أحب عليك بذلك عهد الله و ميثاقه، فقال الشاعر في ذلك:

نبايع عثمان بعد الوليد* * * للعهد فينا و نرجو يزيدا

كما كان إذ ذاك في ملكه* * * يزيد يرجى لذاك الوليدا

على انها شسعت شسعه* * * فنحن نؤملها ان تعودا

فان هي عادت فارض القريب* * * عنها ليؤيس منها البعيدا

قال احمد: قال على عن شيوخه الذين ذكرت: فقدم عقال بن شبه و عبد الملك بن نعيم على نصر، و قدما بالكتاب و هو:

اما بعد، فان الله تباركت اسماؤه، و جل ثناؤه، و تعالى ذكره، اختار الاسلام دينا لنفسه، و جعله دين خيرته من خلقه، ثم اصطفى من الملائكة رسلا و من الناس، فبعثهم به، و امرهم به، و كان بينهم و بين من مضى من الأمم، و خلا من القرون قرنا فقرنا، يدعون الى التي هي احسن، و يهدون الى صراط مستقيم، حتى انتهت كرامة الله في نبوته الى محمد (صلوات الله عليه)، على حين دروس من العلم، و عمى من الناس، و تشتيت من الهوى، و تفرق من السبل، و طموس من اعلام الحق، فأبان الله به الهدى، و كشف به العمى، و استنقذ به من الضلالة و الردى، و ابهج به الدين، و جعله رحمه للعالمين، و ختم به وحيه، و جمع له ما اكرم به الأنبياء قبله، و قفى به على آثارهم، مصدقا لما نزل معهم، و مهيمنا عليه، و داعيا اليه، و آمرا به، حتى كان من اجابه من امته، و دخل في الدين الذى اكرمهم الله به، مصدقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذبهم فيه قومهم، منتصحين لهم فيما ينهونه، ذابين لحرمهم عما كانوا منتهكين، معظمين منها لما كانوا

220

مصغرين، فليس من أمه محمد(ص)احد كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبا، و لا عليه في ذلك طاعنا، و لا له مؤذيا، بتسفيه له، او رد عليه، او جحد ما انزل الله عليه و معه، فلم يبق كافر الا استحل بذلك دمه، و قطع الأسباب التي كانت بينه و بينه، و ان كانوا آباءهم او ابناءهم او عشيرتهم ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوته، حين قبض نبيه ص، و ختم به وحيه لانفاذ حكمه، و اقامه سنته و حدوده، و الأخذ بفرائضه و حقوقه، تأييدا بهم للإسلام، و تشييدا بهم لعراه، و تقويه بهم لقوى حبله، و دفعا بهم عن حريمه، و عدلا بهم بين عباده، و إصلاحا بهم لبلاده، فانه تبارك و تعالى يقول:

«وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ‏»، فتتابع خلفاء الله على ما اورثهم الله عليه من امر انبيائه، و استخلفهم عليه منه، لا يتعرض لحقهم احد الا صرعه الله، و لا يفارق جماعتهم احد الا اهلكه الله، و لا يستخف بولايتهم، و يتهم قضاء الله فيهم احد الا امكنهم الله منه، و سلطهم عليه، و جعله نكالا و موعظه لغيره، و كذلك صنع الله بمن فارق الطاعة التي امر بلزومها و الأخذ بها، و الأثرة لها، و التي قامت السموات و الارض بها، قال الله تبارك و تعالى:

«ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏»، و قال عز ذكره: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏» فبالخلافه ابقى الله من ابقى في الارض من عباده، و إليها صيره، و بطاعة من ولاه إياها سعد من ألهمها و نصرها، فان الله عز و جل علم ان لا قوام‏

221

لشي‏ء، و لا صلاح له الا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه، و يمضى بها امره، و ينكل بها عن معاصيه، و يوقف عن محارمه، و يذب عن حرماته، فمن أخذ بحظه منها كان لله وليا و لأمره مطيعا، و لرشده مصيبا، و لعاجل الخير و آجله مخصوصا، و من تركها و رغب عنها و حاد الله فيها اضاع نصيبه، و عصى ربه، و خسر دنياه و آخرته، و كان ممن غلبت عليه الشقوة، و استحوذت عليه الأمور الغاويه، التي تورد أهلها افظع المشارع، و تقودهم الى شر المصارع، فيما يحل الله بهم في الدنيا من الذلة و النقمه، و يصيرهم فيما عندهم من العذاب و الحسرة.

و الطاعة راس هذا الأمر و ذروته و سنامه و ملاكه و زمامه، و عصمته و قوامه، بعد كلمه الإخلاص التي ميز الله بها بين العباد و بالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، و استوجبوا عليه ثوابهم، و في المعصية مما يحل بغيرهم من نقماته، و يصيبهم عليه، و يحق من سخطه و عذابه، و بترك الطاعة و الإضاعة لها و الخروج منها و الادبار عنها و التبذل للمعصية بها، اهلك الله من ضل و عتا، و عمى و غلا، و فارق مناهج البر و التقوى.

فالزموا طاعه الله فيما عراكم و نالكم، و الم بكم من الأمور، و ناصحوها و استوثقوا عليها، و سارعوا إليها و خالصوها، و ابتغوا القربه الى الله بها، فإنكم قد رايتم مواقع الله لأهلها في اعلائه إياهم و افلاجه حجتهم، و دفعه باطل من حادهم و ناواهم و ساماهم و اراد إطفاء نور الله الذى معهم و خبرتم مع ذلك ما يصير اليه اهل المعصية من التوبيخ لهم و التقصير بهم، حتى يؤول امرهم الى تبار و صغار، و ذله و بوار، و في ذلك لمن كان له راى و موعظه عبره ينتفع بواضحها، و يتمسك بحظوتها، و يعرف خيره قضاء الله لأهلها.

ثم ان الله- و له الحمد و المن و الفضل- هدى الامه لافضل الأمور عاقبه لها في حقن دمائها، و التئام ألفتها، و اجتماع كلمتها، و اعتدال عمودها،

222

و اصلاح دهمائها، و ذخر النعمه عليها في دنياها، بعد خلافته التي جعلها لهم نظاما، و لامرهم قواما، و هو العهد الذى الهم الله خلفاءه توكيده و النظر للمسلمين في جسيم امرهم فيه، ليكون لهم عند ما يحدث بخلفائهم ثقه في المفزع و ملتجا في الأمر، و لما للشعث، و صلاحا لذات البين، و تثبيتا لارجاء الاسلام، و قطعا لنزغات الشيطان، فيما يتطلع اليه اولياؤه، و يوثبهم عليه من تلف هذا الدين و انصداع شعب اهله، و اختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه، فلا يريهم الله في ذلك الا ما ساءهم، و اكذب أمانيهم، و يجدون الله قد احكم بما قضى لأوليائه من ذلك عقد أمورهم، و نفى عنهم من اراد فيها ادغالا او بها اغلالا، او لما شدد الله منها توهينا، او فيما تولى الله منها اعتمادا، فأكمل الله بها لخلفائه و حزبه البر الذين اودعهم طاعته احسن الذى عودهم، و سبب لهم من إعزازه و إكرامه و اعلائه و تمكينه، فامر هذا العهد من تمام الاسلام و كمال ما استوجب الله على اهله من المنن العظام، و مما جعل الله فيه لمن أجراه على يديه، و قضى به على لسانه، و وفقه لمن ولاه هذا الأمر عنده افضل الذخر، و عند المسلمين احسن الاثر فيما يؤثر بهم من منفعته، و يتسع لهم من نعمته، و يستندون اليه من عزه، و يدخلون فيه من وزره الذى يجعل الله لهم به منعه، و يحرزهم به من كل مهلكه، و يجمعهم به من كل فرقه، و يقمع به اهل النفاق، و يعصمهم به من كل اختلاف و شقاق فاحمدوا الله ربكم الرءوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذى دلكم عليه من هذا العهد، الذى جعله لكم سكنا و معولا تطمئنون اليه، و تستظلون في افنانه، و يستنهج لكم به مثنى أعناقكم، و سمات وجوهكم، و ملتقى نواصيكم في امر دينكم و دنياكم، فان لذلك خطرا عظيما من النعمه، و ان فيه من الله بلاء حسنا في سعه العافيه، يعرفه ذوو الألباب و النيات المريئون من اعمالهم في العواقب، و العارفون منار مناهج الرشد، فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم و امر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه، و حمده‏

223

على الذى عزم لكم منه، فلتكن منزله ذلك منكم، و فضيلته في انفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه ان شاء الله، و لا قوه الا بالله.

ثم ان امير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشي‏ء من الأمور أشد اهتماما و عنايه منه بهذا العهد، لعلمه بمنزلته من امر المسلمين، و ما اراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها، و يكرمهم بما يقضى لهم و يختار له و لهم فيه جهده، و يستقضى له و لهم فيه إلهه و وليه، الذى بيده الحكم و عند الغيب، و هو على كل شي‏ء قدير و يسأله ان يعينه من ذلك على الذى هو ارشد له خاصه و للمسلمين عامه فراى امير المؤمنين ان يعهد لكم عهدا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذى كان عليه من كان قبلكم، في مهله من انفساح الأمل و طمأنينة النفس، و صلاح ذات البين، و علم موضع الأمر الذى جعله الله لأهله عصمه و نجاه و صلاحا و حياه، و لكل منافق و فاسق يحب تلف هذا الدين و فساد اهله وقما و خسارا و قدعا فولى امير المؤمنين ذلك الحكم ابن امير المؤمنين، و عثمان بن امير المؤمنين من بعده، و هما ممن يرجو امير المؤمنين ان يكون الله خلقه لذلك و صاغه، و اكمل فيه احسن مناقب من كان يوليه اياه، في وفاء الرأي و صحه الدين، و جزاله المروءة و المعرفة بصالح الأمور، و لم يالكم امير المؤمنين و لا نفسه في ذلك اجتهادا و خيرا.

فبايعوا للحكم بن امير المؤمنين باسم الله و بركته و لأخيه من بعده، على السمع و الطاعة، و احتسبوا في ذلك احسن ما كان الله يريكم و يبليكم و يعودكم و يعرفكم في أشباهه فيما مضى، من اليسر الواسع و الخير العام، و الفضل العظيم الذى اصبحتم في رجائه و خفضه و امنه و نعمته، و سلامته و عصمته.

فهو الأمر الذى استبطاتموه و استسرعتم اليه، و حمدتم الله على امضائه اياه، و قضائه لكم، و احدثتم فيه شكرا، و رأيتموه لكم حظا، تستبقونه و تجهدون انفسكم في أداء حق الله عليكم، فانه قد سبق لكم في ذلك من نعم الله و كرامته‏

224

و حسن قسمه ما أنتم حقيقون ان تكون رغبتكم فيه، و حدبكم عليه، على قدر الذى ابلاكم الله، و صنع لكم منه و امير المؤمنين مع ذلك ان حدث بواحد من وليي عهده حدث، اولى بان يجعل مكانه و بالمنزل الذى كان به من أحب ان يجعل من امته او ولده، و يقدمه بين يدي الباقى منهما ان شاء، او ان يؤخره بعده فاعلموا ذلك و افهموه.

نسأل الله الذى لا اله الا هو عالم الغيب و الشهاده الرحمن الرحيم ان يبارك لأمير المؤمنين و لكم في الذى قضى به على لسانه من ذلك و قدر منه، و ان يجعل عاقبته عافيه و سرورا و غبطه، فان ذلك بيده و لا يملكه الا هو، و لا يرغب فيه الا اليه و السلام عليكم و (رحمه الله).

و كتب سمال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنه خمس و عشرين و مائه‏

. توليه الوليد نصر بن سيار على خراسان و امره مع يوسف بن عمر

و في هذه السنه ولى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها، و افرده بها.

و فيها وفد يوسف بن عمر على الوليد، فاشترى نصرا و عماله منه فرد اليه الوليد ولايه خراسان.

و في هذه السنه كتب يوسف بن عمر الى نصر بن سيار يأمره بالقدوم عليه، و يحمل معه ما قدر عليه من الهدايا و الأموال.

(ذكر الخبر عما كان من امر يوسف و نصر في ذلك):

ذكر على عن شيوخه، ان يوسف كتب الى نصر بذلك، و امره ان يقدم معه بعياله اجمعين، فلما اتى نصرا كتابه، قسم على اهل خراسان الهدايا و على عماله، فلم يدع بخراسان جاريه و لا عبدا و لا برذونا فارها الا اعده، و اشترى الف مملوك، و اعطاهم السلاح، و حملهم على الخيل.

قال: و قال بعضهم: كان قد اعد خمسمائة و صيفه، و امر بصنعه أباريق الذهب و الفضه و تماثيل الظباء و رءوس السباع و الأيائل و غير ذلك، فلما فرغ من ذلك كله كتب اليه الوليد يستحثه، فسرح الهدايا حتى بلغ‏

225

اوائلها بيهق، فكتب اليه الوليد يأمره ان يبعث اليه ببرابط و طنابير، فقال بعض شعرائهم:

فابشر يا أمين الله* * * ابشر بتباشير

بابل يحمل المال* * * عليها كالانابير

بغال تحمل الخمر* * * حقائبها طنابير

و دل البربريات* * * بصوت البم و الزير

و قرع الدف أحيانا* * * و نفخ بالمزامير

فهذا لك في الدنيا* * * و في الجنه تحبير

قال: و قدم الأزرق بن قره المسمعي من الترمذ ايام هشام على نصر، فقال لنصر: انى اريت الوليد بن يزيد في المنام، و هو ولى عهد، شبه الهارب من هشام، و رايته على سرير، فشرب عسلا و سقاني بعضه فاعطاه نصر اربعه آلاف دينار و كسوه، و بعثه الى الوليد، و كتب اليه نصر فاتى الأزرق الوليد، فدفع اليه المال و الكسوة، فسر بذلك الوليد، و الطف الأزرق، و جزى نصرا خيرا، و انصرف الأزرق، فبلغه قبل ان يصل الى نصر موت هشام، و نصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فاخبره، فلما ولى الوليد كتب الى الأزرق و الى نصر، و امر رسوله ان يبتدئ بالأزرق فيدفع اليه كتابه، فأتاه ليلا، فدفع اليه كتابه و كتاب نصر، فلم يقرا الأزرق كتابه، و اتى نصرا بالكتابين، فكان في كتاب الوليد الى نصر يأمره ان يتخذ له برابط و طنابير و أباريق ذهب و فضه، و ان يجمع له كل صناجه بخراسان يقدر عليها، و كل بازى و برذون فاره، ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه اهل خراسان فقال رجل من باهله: كان قوم من المنجمين يخبرون نصرا بفتنه تكون، فبعث نصر الى صدقه بن وثاب و هو ببلخ- و كان منجما- و كان عنده و الح عليه يوسف بالقدوم، فلم يزل يتباطا، فوجه يوسف‏

226

رسولا و امره بلزومه يستحثه بالقدوم، او ينادى في الناس انه قد خلع، فلما جاءه الرسول اجازه و ارضاه، و تحول الى قصره الذى هو دار الإمارة اليوم، فلم يأت لذلك الا يسير حتى وقعت الفتنة، فتحول نصر الى قصره بماجان، و استخلف عصمه بن عبد الله الأسدي على خراسان، و ولى المهلب بن اياس العدوى الخراج، و ولى موسى بن ورقاء الناجى الشاش، و حسان من اهل صغانيان الأسدي سمرقند، و مقاتل بن على السغدى آمل، و امرهم إذا بلغهم خروجه من مرو ان يستحلبوا الترك، و ان يغيروا على ما وراء النهر، لينصرف اليهم بعد خروجه، يعتل بذلك، فبينا هو يسير يوما الى العراق طرقه ليلا مولى لبنى ليث، فلما اصبح اذن للناس، و بعث الى رسل الوليد، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال: قد كان في مسيرى ما قد علمتم، و بعثى بالهدايا ما رايتم، فطرقنى فلان ليلا، فأخبرني ان الوليد قد قتل، و ان الفتنة قد وقعت بالشام، و قدم منصور بن جمهور العراق، و قد هرب يوسف ابن عمر، و نحن في بلاد قد علمتم حالها و كثره عدونا ثم دعا بالقادم فاحلفه ان ما جاء به لحق! فحلف، فقال سلم بن احوز: اصلح الله الأمير، لو حلفت لكنت صادقا، انه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك، فسر و لا تهجنا قال: يا سلم أنت رجل لك علم بالحروب، و لك مع ذلك حسن طاعه لبنى اميه، فاما مثل هذا من الأمور فرأيك فيه راى أمه هتماء.

ثم قال نصر: لم اشهد بعد ابن خازم امرا مفظعا الا كنت المفزع في الرأي، فقال الناس: قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك‏

. توليه الوليد بن يزيد خاله يوسف الثقفى على المدينة و مكة

و في هذه السنه وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى‏

227

واليا على المدينة و مكة و الطائف، و دفع اليه ابراهيم و محمد ابنى هشام بن اسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتى عشره بقيت من شعبان سنه خمس و عشرين و مائه، فاقامهما للناس بالمدينة ثم كتب الوليد اليه يأمره ان يبعث بهما الى يوسف بن عمر، و هو يومئذ عامله على العراق، فلما قدما عليه عذبهما حتى قتلهما، و قد كان رفع عليهما عند الوليد انهما أخذا مالا كثيرا.

و في هذه السنه عزل يوسف بن محمد بن سعد بن ابراهيم عن قضاء المدينة، و ولاهما يحيى بن سعيد الأنصاري‏

. غزو قبرس‏

و فيها غزى الوليد بن يزيد أخاه الغمر بن يزيد بن عبد الملك، و امر على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربى، و امره ان يسير الى قبرس فيخيرهم بين المسير الى الشام ان شاءوا، و ان شاءوا الى الروم، فاختارت طائفه منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود الى الشام، و اختار آخرون ارض الروم فانتقلوا إليها.

و فيها قدم سليمان بن كثير و مالك بن الهيثم و لاهز بن قريظ و قحطبه بن شبيب مكة، فلقوا- في قول بعض اهل السير- محمد بن على فاخبروه بقصة ابى مسلم و ما رأوا منه، فقال لهم: احر هو أم عبد؟ قالوا: اما عيسى فيزعم انه عبد، و اما هو فيزعم انه حر، قال: فاشتروه و اعتقوه، و أعطوا محمد بن على مائتي الف درهم و كسوه بثلاثين الف درهم، فقال لهم: ما اظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فان حدث بي حدث فصاحبكم ابراهيم بن محمد، فانى أثق به و اوصيكم به خيرا، فقد اوصيته بكم فصدروا من عنده.

و توفى محمد بن على في مستهل ذي القعده و هو ابن ثلاث و ستين سنه، و كان بين وفاته و بين وفاه ابيه على سبع سنين‏

228

و حج بالناس في هذه السنه يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر.

ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن زيد بن على‏

و في هذه السنه قتل يحيى بن زيد بن على بخراسان.

ذكر الخبر عن مقتله:

قد مضى ذكرنا قبل امر مصير يحيى بن زيد بن على الى خراسان.

و سبب ذلك، و نذكر الان سبب مقتله، إذا كان ذلك في هذه السنه.

ذكر هشام بن محمد الكلبى عن ابى مخنف، قال: اقام يحيى بن زيد بن على عند الحريش بن عمرو بن داود ببلخ حتى هلك هشام بن عبد الملك، و ولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك فكتب يوسف بن عمر الى نصر بن سيار بمسير يحيى بن زيد و بمنزله الذى كان ينزل، حتى اخبره انه عند الحريش، و قال له: ابعث اليه و خذه أشد الأخذ فبعث نصر بن سيار الى عقيل بن معقل العجلى، يأمره ان يأخذ الحريش و لا يفارقه حتى تزهق نفسه او يأتيه بيحيى بن زيد بن على فبعث اليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا علم لي به، فجلده سمائه سوط، فقال له الحريش: و الله لو انه كان تحت قدمي ما رفعتهما لك عنه، فلما راى ذلك قريش بن الحريش اتى عقيلا، فقال: لا تقتل ابى و انا ادلك عليه، فأرسل معه فدله عليه، و هو في بيت في جوف بيت، فأخذه و معه يزيد بن عمر و الفضل مولى عبد القيس- كان اقبل معه من الكوفه- فاتى به نصر بن سيار فحبسه، و كتب الى يوسف بن عمر يخبره بذلك، فكتب بذلك يوسف الى الوليد بن يزيد، فكتب الوليد الى نصر بن سيار، يأمره ان يؤمنه و يخلى سبيله و سبيل اصحابه، فدعاه نصر ابن سيار، فأمره بتقوى الله و حذره الفتنة، و امره ان يلحق بالوليد بن يزيد، و امر له بألفي درهم و بغلين، فخرج هو و اصحابه حتى انتهى الى سرخس، فأقام بها و عليها عبد الله بن قيس بن عباد، فكتب اليه نصر بن سيار ان‏

229

يشخصه عنها، و كتب الى الحسن بن زيد التميمى- و كان راس بنى تميم، و كان على طوس- ان انظر يحيى بن زيد، فإذا مر بكم فلا تدعه يقيم بطوس حتى يخرج منها، و امرهما إذا هو مر بهما الا يفارقاه حتى يدفعاه الى عمرو بن زراره بابرشهر فاشخصه عبد الله بن قيس من سرخس، و مر بالحسن بن زيد فأمره ان يمضى، و وكل به سرحان بن فروخ بن مجاهد بن بلعاء العنبري أبا الفضل، و كان على مسلحه.

قال: فدخلت عليه، فذكر نصر بن سيار و ما اعطاه، فإذا هو كالمستقل له، فذكر امير المؤمنين الوليد بن يزيد، فاثنى عليه، و ذكر مجيئه باصحابه معه، و انه لم يأت بهم الا مخافه ان يسم او يغم، و عرض بيوسف، و ذكر انه اياه يتخوف، و قد كان اراد ان يقع فيه.

ثم كف، فقلت له: قل ما احببت رحمك الله، فليس عليك منى عين، فقد اتى إليك ما يستحق ان تقول فيه ثم قال: العجب من هذا الذى يقيم الاحراس او امر الاحراس قال- و هو حينئذ يتفصح: و الله لو شئت ان ابعث اليه، فاوتى به مربوطا قال: فقلت له: لا و الله ما بك صنع هذا، و لكن هذا شي‏ء يصنع في هذا المكان ابدا، لمكان بيت المال قال: و اعتذرت اليه من مسيرى معه، و كنت اسير معه على راس فرسخ، فأقبلنا معه حتى وقعنا الى عمرو بن زراره، فامر له بألف درهم، ثم اشخصه حتى انتهى الى بيهق، و خاف اغتيال يوسف اياه، فاقبل من بيهق- و هي اقصى ارض خراسان، و ادناه من قومس- فاقبل في سبعين رجلا الى عمرو بن زراره، و مر به تجار، فاخذ دوابهم، و قال:

علينا أثمانها فكتب عمرو بن زراره الى نصر بن سيار، فكتب نصر الى عبد الله بن قيس و الى الحسن بن زيد ان يمضيا الى عمرو بن زراره، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه فجاءوا حتى انتهوا الى عمرو بن زراره، و اجتمعوا فكانوا عشره آلاف، و أتاهم يحيى بن زيد، و ليس هو الا في سبعين رجلا، فهزمهم و قتل عمرو بن زراره، و أصاب دواب كثيره.

و جاء يحيى بن زيد حتى مر بهراه، و عليها مغلس بن زياد العامري، فلم‏

230

يعرض واحد منهما لصاحبه، فقطعها يحيى بن زيد، و سرح نصر بن سيار سلم بن احوز في طلب يحيى بن زيد، فاتى هراة حين خرج منها يحيى بن زيد فاتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها، و عليها حماد بن عمرو السغدى.

قال: و لحق بيحيى بن زيد رجل من بنى حنيفه يقال له ابو العجلان، فقتل يومئذ معه، و لحق به الحسحاس الأزدي فقطع نصر بعد ذلك يده و رجله.

قال: فبعث سلم بن احوز سوره بن محمد بن عزيز الكندى على ميمنته، و حماد بن عمرو السغدى على ميسرته، فقاتله قتالا شديدا، فذكروا ان رجلا من عنزه يقال له عيسى‏

3

، مولى عيسى بن سليمان العنزي رماه بنشابه، فأصاب جبهته.

قال: و قد كان محمد شهد ذلك اليوم، فأمره سلم بتعبئه الناس، فتمارض عليه، فعبى الناس سوره بن محمد بن عزيز الكندى، فاقتتلوا فقتلوا من عند آخرهم و مر سوره بيحيى بن زيد فاخذ راسه، و أخذ العنزي سلبه و قميصه، و غلبه سوره على راسه.

فلما قتل يحيى بن زيد و بلغ خبره الوليد بن يزيد، كتب- فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب، انه حدثه- الى يوسف بن عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليم نسفا قال: فامر يوسف خراش بن حوشب، فانزله من جذعه و احرقه بالنار، ثم رضه فجعله في قوصره، ثم جعله في سفينه، ثم ذراه في الفرات.

و كانت عمال الأمصار في هذه السنه عمالها في السنه التي قبلها، و قد ذكرناهم قبل.

231

ثم دخلت‏

سنه ست و عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليله)

ذكر بقية اخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك‏

فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذى يقال له الناقص الوليد ابن يزيد.

ذكر الخبر عن سبب قتله اياه و كيف قتل:

قد ذكرنا بعض امر الوليد بن يزيد و خلاعته و مجانته، و ما ذكر عنه من تهاونه و استخفافه بأمر دينه قبل خلافته و لما ولى الخلافه و افضت اليه، لم يزدد في الذى كان فيه من اللهو و اللذه و الركوب للصيد و شرب النبيذ و منادمه الفساق الا تماديا و حدا- تركت الاخبار الوارده عنه بذلك كراهة اطاله الكتاب بذكرها- فثقل ذلك من امره على رعيته و جنده، فكرهوا امره.

و كان من اعظم ما جنى على نفسه حتى اورثه ذلك هلاكه افساده على نفسه بنى عميه بنى هشام و ولد الوليد، ابنى عبد الملك بن مروان، مع افساده على نفسه اليمانيه، و هم عظم جند اهل الشام.

ذكر بعض الخبر عن افساده بنى عميه هشام و الوليد:

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا على، عن المنهال بن عبد الملك، قال: كان الوليد صاحب لهو و صيد و لذات، فلما ولى الأمر جعل يكره المواضع التي فيها الناس حتى قتل، و لم يزل ينتقل و يتصيد، حتى ثقل على الناس و على جنده، و اشتد على بنى هشام، فضرب سليمان بن هشام مائه سوط و حلق راسه و لحيته، و غربه الى عمان فحبسه بها، فلم يزل بها محبوسا حتى‏

232

قتل الوليد قال: و أخذ جاريه كانت لال الوليد، فكلمه عمر بن الوليد، فيها فقال: لا أردها، فقال: اذن تكثر الصواهل حول عسكرك.

قال: و حبس الافقم يزيد بن هشام، و اراد البيعه لابنيه الحكم و عثمان‏

3

فشاور سعيد بن بيهس بن صهيب، فقال: لا تفعل، فإنهما غلامان لم يحتلما، و لكن بايع لعتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فغضب و حبسه حتى مات في الحبس و اراد خالد بن عبد الله على البيعه لابنيه فأبى، فقال له قوم من اهله: ارادك امير المؤمنين على البيعه لابنيه فأبيت، فقال:

و يحكم! كيف ابايع من لا اصلى خلفه، و لا اقبل شهادته! قالوا: فالوليد تقبل شهادته مع مجونه و فسقه! قال: امر الوليد امر غائب عنى و لا اعلمه يقينا، انما هي اخبار الناس، فغضب الوليد على خالد.

قال: و قال عمرو بن سعيد الثقفى: اوفدنى يوسف بن عمر الى الوليد فلما قدمت قال لي: كيف رايت الفاسق؟ يعنى بالفاسق الوليد- ثم قال:

إياك ان يسمع هذا منك احد، فقلت: حبيبه بنت عبد الرحمن بن جبير طالق ان سمعته اذنى ما دمت حيا، فضحك قال: فثقل الوليد على الناس، و رماه بنو هشام و بنو الوليد بالكفر و غشيان أمهات اولاد ابيه، و قالوا: قد اتخذ مائه جامعه، و كتب على كل جامعه اسم رجل من بنى اميه ليقتله بها و رموه بالزندقة، و كان اشدهم فيه قولا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، و كان الناس الى قوله اميل، لأنه كان يظهر النسك و يتواضع، و يقول: ما يسعنا الرضا بالوليد، حتى حمل الناس على الفتك به.

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا على، عن يزيد بن مصاد الكلبى، عن عمرو بن شراحيل، قال: سيرنا هشام بن عبد الملك الى دهلك، فلم نزل بها حتى مات هشام، و استخلف الوليد، فكلم فينا فأبى، و قال:

و الله ما عمل هشام عملا ارجى له عندي ان تناله المغفره به من قتله القدرية و تسييره إياهم و كان الوالي علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلمى، و كان‏

233

يقول: لا يعيش الوليد الا ثمانية عشر شهرا حتى يقتل، و يكون قتله سبب هلاك اهل بيته قال: فاجمع على قتل الوليد جماعه من قضاعه و اليمانيه من اهل دمشق خاصه، فاتى حريث و شبيب بن ابى مالك الغساني و منصور بن جمهور و يعقوب بن عبد الرحمن و حبال بن عمرو، ابن عم منصور، و حميد بن نصر اللخمى و الأصبغ بن ذؤاله و طفيل بن حارثة و السرى بن زياد بن علاقة، خالد بن عبد الله، فدعوه الى امرهم فلم يجبهم، فسألوه ان يكتم عليهم، فقال: لا اسمى أحدا منكم و اراد الوليد الحج، فخاف خالد ان يفتكوا به في الطريق، فأتاه فقال: يا امير المؤمنين، اخر الحج العام، فقال: و لم؟

فلم يخبره، فامر بحبسه و ان يستادى ما عليه من اموال العراق.

و قال على عن الحكم بن النعمان، قال: اجمع الوليد على عزل يوسف و استعمال عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فكتب الى يوسف: انك كتبت الى امير المؤمنين تذكر تخريب ابن النصرانية البلاد، و قد كنت على ما ذكرت من ذلك تحمل الى هشام ما تحمل، و قد ينبغى ان تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها الى ما كانت عليه، فاشخص الى امير المؤمنين، فصدق ظنه بك فيما تحمل اليه لعمارتك البلاد، و ليعرف امير المؤمنين فضلك على غيرك، لما جعل الله بينك و بين امير المؤمنين من القرابة، فإنك خاله، و أحق الناس بالتوفير عليه، و لما قد علمت مما امر به امير المؤمنين لأهل الشام و غيرهم من الزيادة في اعطياتهم، و ما وصل به اهل بيته لطول جفوه هشام إياهم، حتى أضر ذلك ببيوت الأموال قال: فخرج يوسف و استخلف ابن عمه يوسف بن محمد، و حمل من الأموال و الأمتعة و الانيه ما لم يحمل من العراق مثله فقدم- و خالد بن عبد الله محبوس- فلقيه حسان النبطي ليلا، فاخبره ان الوليد عازم على توليه عبد الملك بن محمد ابن الحجاج، و انه لا بد ليوسف فيها من اصلاح امر وزرائه، فقال:

ليس عندي فضل درهم، قال: فعندي خمسمائة الف درهم، فان شئت فهى‏

234

لك، و ان شئت فارددها إذا تيسرت قال: فأنت اعرف بالقوم و منازلهم من الخليفة منى، ففرقها على قدر علمك فيهم، ففعل و قدم يوسف و القوم يعظمونه، فقال له حسان: لا تغد على الوليد، و لكن رح اليه رواحا، و اكتب على لسان خليفتك كتابا إليك: انى كتبت إليك و لا املك الا القصر.

و ادخل على الوليد و الكتاب معك متحازنا، فاقرئه الكتاب، و مر ابان ابن عبد الرحمن النميرى يشترى خالدا منه بأربعين الف الف ففعل يوسف، فقال له الوليد: ارجع الى عملك، فقال له ابان: ادفع الى خالدا و ادفع إليك اربعين الف الف درهم، قال: و من يضمن عنك؟ قال: يوسف، قال: اتضمن عنه؟ قال: بل ادفعه الى، فانا استاديه خمسين الف الف، فدفعه اليه، فحمله في محمل بغير وطاء.

قال محمد بن محمد بن القاسم: فرحمته، فجمعت الطافا كانت معنا من اخبصه يابسه و غيرها في منديل، و انا على ناقه فارهة، فتغفلت يوسف، فاسرعت و دنوت من خالد، و رميت بالمنديل في محمله، فقال لي: هذا من متاع عمان- يعنى ان أخي الفيض كان على عمان، فبعث الى بمال جسيم- فقلت في نفسي: هذا على هذه الحاله و هو لا يدع هذا! ففطن يوسف بي فقال لي: ما قلت لابن النصرانية؟ فقلت: عرضت عليه الحاجة، قال:

احسنت، هو اسير، و لو فطن بما القيت اليه للقينى منه أذى.

و قدم الكوفه فقتله في العذاب، فقال الوليد بن يزيد- فيما زعم الهيثم بن عدى- شعرا يوبخ به اهل اليمن في تركهم نصره خالد بن عبد الله.

و اما احمد بن زهير، فانه حدثه عن على بن محمد، عن محمد بن سعيد العامري عامر كلب، ان هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرض عليه اليمانيه:

ا لم تهتج فتذكر الوصالا* * * و حبلا كان متصلا فزالا

بلى فالدمع منك له سجام* * * كماء المزن ينسجل انسجالا

235

فدع عنك ادكارك آل سعدى* * * فنحن الاكثرون حصى و مالا

و نحن المالكون الناس قسرا* * * نسومهم المذلة و النكالا

وطئنا الاشعرين بعز قيس* * * فيا لك وطأة لن تستقالا!

و هذا خالد فينا أسيرا* * * الا منعوه ان كانوا رجالا!

عظيمهم و سيدهم قديما* * * جعلنا المخزيات له ظلالا

فلو كانت قبائل ذات عز* * * لما ذهبت صنائعهضلالا

و لا تركوه مسلوبا أسيرا* * * يسامر من سلاسلنا الثقالا

- و رواه المدائني: يعالج من سلاسلنا-

و كنده و السكون فما استقالوا* * * و لا برحت خيولهم الرحالا

بها سمنا البريه كل خسف* * * و هدمنا السهوله و الجبالا

و لكن الوقائع ضعضعتهم* * * و جذتهم و ردتهم شلالا

فما زالوا لنا ابدا عبيدا* * * نسومهم المذلة و السفالا

فأصبحت الغداة على تاج* * * لملك الناس ما يبغى انتقالا

فقال عمران بن هلباء الكلبى يجيبه:

قفى صدر المطية يا حلالا* * * و جذى حبل من قطع الوصالا

ا لم يحزنك ان ذوى يمان* * * يرى من حاذ قيلهم جلالا

جعلنا للقبائل من نزار* * * غداه المرج أياما طوالا

بنا ملك المملك من قريش* * * و اودى جد من اودى فزالا

متى تلق السكون و تلق كلبا* * * بعبس تخش من ملك زوالا

كذاك المرء ما لم يلف عدلا* * * يكون عليه منطقه و بالا

236

أعدوا آل حمير إذ دعيتم* * * سيوف الهند و الأسل النهالا

و كل مقلص نهد القصيرى* * * و ذا فودين و القب الجبالا

يذرن بكل معترك قتيلا* * * عليه الطير قد مذل السؤالا

لئن عيرتمونا ما فعلنا* * * لقد قلتم و جدكم مقالا

لاخوان الاشاعث قتلوهم فما* * * وطئوا و لا لاقوا نكالا

و أبناء المهلب نحن صلنا* * * وقائعهم و ما صلتم مصالا

و قد كانت جذام على أخيهم* * * و لخم يقتلونهم شلالا

هربنا ان نساعدكم عليهم* * * و قد أخطأ مساعدكم وفالا

فان عدتم فان لنا سيوفا* * * صوارم نستجد لها الصقالا

سنبكى خالدا بمهندات* * * و لاتذهب صنائعه ضلالا

ا لم يك خالد غيث اليتامى* * * إذا حضروا و كنت لهم هزالا!

يكفن خالد موتى نزار* * * و يثرى حيهم نشبا و مالا

لو ان الجائرين عليه كانوا* * * بساحة قومه كانوا نكالا

ستلقى ان بقيت مسومات* * * عوابس لا يزايلن الحلالا

فحدثني احمد بن زهير، عن على بن محمد، قال: فازداد الناس على الوليد حنقا لما روى هذا الشعر، فقال ابن بيض:

وصلت سماء الضر بالضر بعد ما* * * زعمت سماء الضر عنا ستقلع‏

فليت هشاما كان حيا يسوسنا* * * و كنا كما كنا نرجى و نطمع‏

237

و كان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قنسرين و عبد الملك بن القعقاع على حمص، فضرب الوليد بن القعقاع ابن هبيرة مائه سوط، فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه، فعاذوا بقبر يزيد بن عبد الملك، فبعث اليهم، فدفعهم الى يزيد بن عمر بن هبيرة- و كان على قنسرين- فعذبهم، فمات في العذاب الوليد بن القعقاع و عبد الملك بن القعقاع و رجلان معهما من آل القعقاع، و اضطغن على الوليد آل الوليد و آل هشام و آل القعقاع و اليمانيه بما صنع بخالد بن عبد الله فاتت اليمانيه يزيد بن الوليد، فارادوه على البيعه، فشاور عمرو بن يزيد الحكمي، فقال: لا يبايعك الناس على هذا، و شاور اخاك العباس بن الوليد خ، فانه سيد بنى مروان، فان بايعك لم يخالفك احد، و ان ابى كان الناس له اطوع، فان أبيت الا المضى على رأيك فأظهر ان العباس قد بايعك و كانت الشام تلك الأيام وبيه، فخرجوا الى البوادى، و كان يزيد بن الوليد متبديا، و كان العباس بالقسطل بينهما اميال يسيره.

فحدثني احمد بن زهير، قال: حدثنى على، قال: اتى يزيد أخاه العباس، فاخبره و شاوره، و عاب الوليد، فقال له العباس: مهلا يا يزيد، فان في نقض عهد الله فساد الدين و الدنيا فرجع يزيد الى منزله، و دب في الناس فبايعوه سرا، و دس الأحنف الكلبى و يزيد بن عنبسة السكسكى و قوما من ثقاته من وجوه الناس و اشرافهم، فدعوا الناس سرا، ثم عاود أخاه العباس و معه قطن مولاهم، فشاوره في ذلك، و اخبره ان قوما يأتونه يريدونه على البيعه، فزبره العباس، و قال: ان عدت لمثل هذا لاشدنك وثاقا، و لاحملنك الى امير المؤمنين! فخرج يزيد و قطن، فأرسل العباس الى قطن، فقال: ويحك يا قطن! ا ترى يزيد جادا! قال: جعلت فداك! ما أظن ذاك، و لكنه قد دخله مما صنع الوليد ببني هشام و بنى الوليد و ما يسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين و تهاونه ما قد ضاق به ذرعا قال: اما و الله انى لاظنه اشام سخله في بنى مروان، و لو لا ما اخاف من عجله الوليد مع تحامله علينا لشددت يزيد وثاقا، و حملته اليه، فازجره عن امره، فانه يسمع إليك فقال يزيد لقطن: ما قال لك العباس حين رآك؟ فاخبره، فقال له: و الله لا اكف‏

238

و بلغ معاويه بن عمرو بن عتبة خوض الناس، فاتى الوليد فقال:

يا امير المؤمنين، انك تبسط لساني بالانس بك، و اكفه بالهيبة لك، و انا اسمع مالا تسمع و اخاف عليك ما أراك تامن، ا فاتكلم ناصحا، او اسكت مطيعا؟ قال:

كل مقبول منك، و لله فينا علم غيب نحن صائرون اليه، و لو علم بنو مروان انهم انما يوقدون على رضف يلقونه في أجوافهم ما فعلوا، و نعود و نسمع منك.

و بلغ مروان بن محمد بإرمينية ان يزيد يؤلب الناس، و يدعو الى خلع الوليد، فكتب الى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره ان ينهى الناس و يكفهم- و كان سعيد يتأله ان الله جعل لكل اهل بيت أركانا يعتمدون عليها، و يتقون بها المخاوف، و أنت بحمد ربك ركن من اركان اهل بيتك، و قد بلغنى ان قوما من سفهاء اهل بيتك قد استنوا امرا- ان تمت لهم رويتهم فيه على ما اجمعوا عليه من نقض بيعتهم- استفتحوا بابا لن يغلقه الله عنهم حتى تسفك دماء كثيره منهم، و انا مشتغل باعظم ثغور المسلمين فرجا، و لو جمعتنى و إياهم لرممت فساد امرهم بيدي و لساني، و لخفت الله في ترك ذلك، لعلمي ما في عواقب الفرقة من فساد الدين و الدنيا، و انه لن ينتقل سلطان قوم قط الا بتشتيت كلمتهم، و ان كلمتهم إذا تشتت طمع فيهم عدوهم و أنت اقرب اليهم منى، فاحتل لعلم ذلك و اظهار المتابعة لهم، فإذا صرت الى علم ذلك فتهددهم باظهار اسرارهم، و خذهم بلسانك، و خوفهم العواقب، لعل الله ان يرد اليهم ما قد عزب عنهم من دينهم و عقولهم، فان فيما سعوا فيه تعير النعم و ذهاب الدولة، فعاجل الأمر و حبل الألفة مشدود، و الناس سكون، و الثغور محفوظه، فان للجماعة دوله من الفرقة و للسعه دافعا من الفقر، و للعدد منتقصا، و دول الليالى مختلفه على اهل الدنيا، و التقلب مع الزيادة و النقصان، و قد امتدت بنا- اهل البيت- متتابعات من النعم، قد يعيبها جميع الأمم و أعداء النعم و اهل الحسد لأهلها، و بحسد ابليس خرج آدم من الجنه و قد امل القوم في الفتنة املا، لعل انفسهم تهلك دون ما أملوا، و لكل اهل بيت مشائيم يغير الله النعمه بهم-

239

فاعاذك الله من ذلك- فاجعلني من امرهم على علم حفظ الله لك دينك، و اخرجك مما ادخلك فيه، و غلب لك نفسك على رشدك.

فأعظم سعيد ذلك، و بعث بكتابه الى العباس، فدعا العباس يزيد فعذله و تهدده، فحذره يزيد، و قال: يا أخي، اخاف ان يكون بعض من حسدنا هذه النعمه من عدونا اراد ان يغرى بيننا، و حلف له انه لم يفعل فصدقه حدثنى احمد، قال: حدثنا على، قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: دخل ابى بشر بن الوليد على عمى العباس، فكلمه في خلع الوليد و بيعه يزيد، فكان العباس ينهاه، و ابى يراده، فكنت افرح و اقول في نفسي: ارى ابى يجترئ ان يكلم عمى و يرد عليه قوله! و كنت ارى ان الصواب فيما يقول ابى، و كان الصواب فيما يقول عمى، فقال العباس: يا بنى مروان، انى أظن الله قد اذن في هلاككم، و تمثل قائلا:

انى أعيذكم بالله من فتن* * * مثل الجبال تسامى ثم تندفع‏

ان البريه قد ملت سياستكم* * * فاستمسكوا بعمود الدين و ارتدعوا

لا تلحمن ذئاب الناس انفسكم* * * ان الذئاب إذا ما الحمت رتعوا

لا تبقرن بايديكم بطونكم* * * فثم لا حسره تغنى و لا جزع‏

قال: فلما اجتمع ليزيد امره و هو متبد، اقبل الى دمشق و بينه و بين دمشق اربع ليال، متنكرا في سبعه نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام و قال القوم لمولى لعباد بن زياد: اما عندك طعام فنشريه؟ قال: اما لبيع فلا، و لكن عندي قراكم و ما يسعكم، فأتاهم بدجاج و فراخ و عسل و سمن و شوانيز، فطعموا ثم سار فدخل‏

240

دمشق ليلا، و قد بايع ليزيد اكثر اهل دمشق سرا، و بايع اهل المزه غير معاويه بن مصاد الكلبى- و هو سيد اهل المزه- فمضى يزيد من ليلته الى منزل معاويه بن مصاد ماشيا في نفير من اصحابه- و بين دمشق و بين المزه ميل او اكثر- فأصابهم مطر شديد، فاتوا منزل معاويه بن مصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا، فقال ليزيد: الفراش اصلحك الله! قال: ان في رجلي طينا، و اكره ان افسد بساطك، فقال: الذى تريدنا عليه افسد فكلمه يزيد فبايعه معاويه- و يقال هشام بن مصاد- و رجع يزيد الى دمشق، فاخذ طريق القناه، و هو على حمار اسود، فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخشنى، و خرج الوليد بن روح، و حلف لا يدخل دمشق الا في السلاح، فلبس سلاحه، و كفر عليه الثياب، و أخذ طريق النيرب- و هو على فرس ابلق- حتى وافى يزيد، و على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء، فخرج فنزل قطنا، و استخلف ابنه على دمشق، و على شرطته ابو العاج كثير بن عبد الله السلمى، فاجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل:

ان يزيد خارج فلم يصدق و ارسل يزيد الى اصحابه بين المغرب و العشاء ليله الجمعه سنه ست و عشرين و مائه، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذنوا العتمه، فدخلوا المسجد، فصلوا- و للمسجد حرس قد وكلوا باخراج الناس من المسجد بالليل- فلما صلى الناس صاح بهم الحرس، و تباطا اصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة و يدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غير الحرس و اصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، و مضى يزيد بن عنبسة الى يزيد بن الوليد، فاعلمه و أخذ بيده، و قال: قم يا امير المؤمنين و ابشر بنصر الله و عونه، فقام و قال: اللهم ان كان هذا لك رضا فاعنى عليه و سددني له، و ان كان غير ذلك فاصرفه عنى بموت.

و اقبل في اثنى عشر رجلا، فلما كان عند سوق الحمر لقوا اربعين رجلا من اصحابهم، فلما كانوا عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل من‏

241

اصحابهم، فمضوا الى المسجد فدخلوه، فأخذوا باب المقصورة فضربوه و قالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم فاخذوه و دخلوا، و أخذوا أبا العاج و هو سكران، و أخذوا خزان بيت المال و صاحب البريد، و ارسل الى كل من كان يحذره فاخذ و ارسل يزيد من ليلته الى محمد بن عبيده- مولى سعيد ابن العاص و هو على بعلبك- فأخذه، و ارسل من ليلته الى عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، فأخذه و وجه الى الثنية الى اصحابه ليأتوه، و قال للبوابين: لا تفتحوا الباب غدوه الا لمن اخبركم بشعارنا فتركوا الأبواب بالسلاسل و كان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، و لم يكن الخزان قبضوه، فأصابوا سلاحا كثيرا، فلما أصبحوا جاء اهل المزه و ابن عصام، فما انتصف النهار حتى تبايع الناس، و يزيد يتمثل قول النابغة:

إذا استنزلوا عنهن للطعن ارقلوا* * * الى الموت ارقال الجمال المصاعب‏

فجعل اصحاب يزيد يتعجبون، و يقولون: انظروا الى هذا، هو قبيل الصبح يسبح، و هو الان ينشد الشعر! حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا على، قال: حدثنا عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى رزين بن ماجد، قال: غدونا مع عبد الرحمن ابن مصاد، و نحن زهاء الف و خمسمائة، فلما انتهينا الى باب الجابية و وجدناه مغلقا، و وجدنا عليه رسولا للوليد، فقال: ما هذه الهيئة و هذه العده! اما و الله لاعلمن امير المؤمنين فقتله رجل من اهل المزه، فدخلنا من باب الجابية، ثم أخذنا في زقاق الكلبيين، فضاق عنا، فاخذ ناس منا سوق القمح، ثم اجتمعنا على باب المسجد، فدخلنا على يزيد، فما فرغ آخرنا من التسليم عليه، حتى جاءت السكاسك في نحو ثلاثمائة، فدخلوا من باب الشرقى حتى أتوا المسجد، فدخلوا من باب الدرج، ثم اقبل يعقوب ابن عمير بن هانئ العبسى في اهل داريا، فدخلوا من باب دمشق الصغير، و اقبل عيسى بن شبيب التغلبى في اهل دومه و حرستا، فدخلوا من باب‏

242

توما، و اقبل حميد بن حبيب اللخمى في اهل دير المران و الارزه و سطرا، فدخلوا من باب الفراديس، و اقبل النضر بن الجرشى في اهل جرش و اهل الحديثه و دير زكا، فدخلوا من باب الشرقى، و اقبل ربعي بن هاشم الحارثى في الجماعه من بنى عذره و سلامان، فدخلوا من باب توما، و دخلت جهينة و من و الاهم مع طلحه بن سعيد، فقال بعض شعرائهم:

فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا* * * سكاسكها اهل البيوت الصنادد

و كلب فجاءوهم بخيل و عده* * * من البيض و الأبدان ثم السواعد

فاكرم بهم احياء انصار سنه* * * هم منعوا حرماتها كل جاحد

و جاءتهم شعبان و الأزد شرعا* * * و عبس و لخم بين حام و ذائد

و غسان و الحيان قيس و تغلب* * * و احجم عنها كل و ان و زاهد

فما أصبحوا الا و هم اهل ملكها* * * قد استوثقوا من كل عات و مارد

حدثنى احمد بن زهير، عن على بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى قسيم بن يعقوب و رزين بن ماجد و غيرهما، قالوا: وجه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس او نحوهم الى قطن، ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، و قد تحصن في قصره، فاعطاه الامان فخرج اليه، فدخلنا القصر، فأصبنا فيه خرجين، في كل واحد منهما ثلاثون الف دينار قال: فلما انتهينا الى المزه قلت لعبد الرحمن بن مصاد: اصرف احد هذين الخرجين الى منزلك او كليهما، فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما ابدا، فقال: لقد عجلت إذا بالخيانة، لا و الله لا يتحدث العرب انى أول من خان في هذا الأمر، فمضى به الى يزيد بن الوليد و ارسل يزيد بن الوليد الى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فأمره فوقف بباب الجابية، و قال: من كان له عطاء فليأت الى عطائه، و من لم يكن له عطاء فله الف درهم معونه و قال لبنى الوليد بن عبد الملك و معه منهم ثلاثة عشر: تفرقوا في الناس يرونكم و حضورهم، و قال للوليد بن روح بن الوليد: انزل الراهب، ففعل‏

243

و حدثنى احمد، عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى دكين بن الشماخ الكلبى و ابو علاقة بن صالح السلاماني ان يزيد بن الوليد نادى بامره مناد: من ينتدب الى الفاسق و له الف درهم؟ فاجتمع اليه اقل من الف رجل، فامر رجلا فنادى: من ينتدب الى الفاسق و له الف و خمسمائة؟

فانتدب اليه يومئذ الف و خمسمائة، فعقد لمنصور بن جمهور على طائفه، و عقد ليعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبى على طائفه اخرى، و عقد لهرم ابن عبد الله بن دحية على طائفه اخرى، و عقد لحميد بن حبيب اللخمى على طائفه اخرى، و عليهم جميعا عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالحيرة.

و حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى يعقوب بن ابراهيم بن الوليد

3

ان مولى للوليد لما خرج يزيد بن الوليد، خرج على فرس له، فاتى الوليد من يومه، فنفق فرسه حين بلغه، فاخبر الوليد الخبر، فضربه مائه سوط و حبسه، ثم دعا أبا محمد ابن عبد الله بن يزيد بن معاويه فاجازه، و وجهه الى دمشق، فخرج ابو محمد، فلما انتهى الى ذنبه اقام، فوجه يزيد بن الوليد اليه عبد الرحمن بن مصاد، فسالمه ابو محمد، و بايع ليزيد بن الوليد و اتى الوليد الخبر، و هو بالاغدف- و الاغدف من عمان- فقال بيهس بن زميل الكلابى- و يقال قاله يزيد بن خالد بن يزيد بن معاويه: يا امير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، و وجه الجنود الى يزيد فيقتل او يؤسر فقال عبد الله بن عنبسة ابن سعيد بن العاص: ما ينبغى للخليفة ان يدع عسكره و نساءه قبل ان يقاتل و يعذر، و الله مؤيد امير المؤمنين و ناصره فقال يزيد بن خالد: و ما ذا يخاف على حرمه! و انما أتاه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك و هو ابن عمهن، فاخذ بقول ابن عنبسة، فقال له الابرش سعيد بن الوليد الكلبى:

يا امير المؤمنين، تدمر حصينة، و بها قومى يمنعونك، فقال: ما ارى ان ناتى تدمر و أهلها بنو عامر، و هم الذين خرجوا على، و لكن دلني على منزل‏

244

حصين، فقال: ارى ان تنزل القرية، قال: أكرهها، قال: فهذا الهزيم.

قال: اكره اسمه، قال: فهذا البخراء، قصر النعمان بن بشير، قال:

ويحك! ما اقبح أسماء مياهكم! فاقبل في طريق السماوه، و ترك الريف، و هو في مائتين، فقال:

إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد* * * نصيحا و لا ذا حاجه حين تفزع‏

إذا ما هم هموا باحدى هناتهم* * * حسرت لهم راسى فلا اتقنع‏

فمر بشبكه الضحاك بن قيس الفهري، و فيها من ولده و ولد ولده اربعون رجلا، فساروا معه و قالوا: انا عزل، فلو امرت لنا بسلاح! فما اعطاهم سيفا و لا رمحا، فقال له بيهس بن زميل: اما إذ أبيت ان تمضى الى حمص و تدمر فهذا الحصن البخراء فانه حصين، و هو من بناء العجم فانزله، قال: انى اخاف الطاعون، قال: الذى يراد بك أشد من الطاعون، فنزل حصن البخراء.

قال: فندب يزيد بن الوليد الناس الى الوليد مع عبد العزيز، و نادى مناديه: من سار معه فله الفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم الفين الفين و قال: موعدكم بذنبه، فوافى بذنبه الف و مائتان، و قال: موعدكم مصنعه بنى عبد العزيز بن الوليد بالبرية، فوافاه ثمانمائه، فسار، فتلقاهم ثقل الوليد فاخذوه، و نزلوا قريبا من الوليد، فأتاه رسول العباس بن الوليد: انى آتيك.

فقال الوليد: اخرجوا سريرا، فاخرجوا سريرا فجلس عليه و قال: اعلى توثب الرجال، و انا اثب على الأسد و اتخصر الأفاعي! و هم ينتظرون العباس.

فقاتلهم عبد العزيز، و على الميمنه عمرو بن حوى السكسكى و على المقدمه منصور بن جمهور و على الرجاله عماره بن ابى كلثم الأزدي، و دعا عبد العزيز ببغل له ادهم فركبه، و بعث اليهم زياد بن حصين الكلبى يدعوهم الى كتاب الله و سنه نبيه، فقتله قطري مولى الوليد، فانكشف اصحاب يزيد، فترجل عبد العزيز، فكر اصحابه، و قد قتل من اصحابه عده و حملت‏

245

رءوسهم الى الوليد و هو على باب حصن البخراء قد اخرج لواء مروان بن الحكم الذى كان عقده بالجابية، و قتل من اصحاب الوليد بن يزيد عثمان الخشبي، قتله جناح بن نعيم الكلبى، و كان من اولاد الخشبيه الذين كانوا مع المختار.

و بلغ عبد العزيز مسير العباس بن الوليد، فأرسل منصور بن جمهور في خيل، و قال: انكم تلقون العباس في الشعب، و معه بنوه في الشعب فخذوهم فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقالوا له: اعدل الى عبد العزيز، فشتمهم، فقال له منصور: و الله لئن تقدمت لانفذن حصينك- يعنى درعك- و قال نوح بن عمرو بن حوى السكسكى: الذى لقى العباس بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبى- فعدل به الى عبد العزيز، فأبى عليه فقال: يا بن قسطنطين، لئن أبيت لاضربن الذى فيه عيناك، فنظر العباس الى هرم بن عبد الله بن دحية، فقال: من هذا؟ قال: يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم، قال: اما و الله ان كان لبغيضا الى ابيه ان يقف ابنه هذا الموقف، و عدل به الى عسكر عبد العزيز، و لم يكن مع العباس اصحابه، كان تقدمهم مع بنيه فقال: انا لله! فاتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بن الوليد، فبايع و وقف و نصبوا رايه، و قالوا:

هذه رايه العباس بن الوليد، و قد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فقال العباس: انا لله! خدعه من خدع الشيطان! هلك بنو مروان فتفرق الناس عن الوليد، فاتوا العباس و عبد العزيز و ظاهر الوليد بين درعين، و اتوه بفرسيه:

السندي و الزائد، فقاتلهم قتالا شديدا فناداهم رجل: اقتلوا عدو الله قتله قوم لوط، ارموه بالحجارة

246

فلما سمع ذلك دخل القصر، و اغلق الباب، و احاط عبد العزيز و اصحابه بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال اما فيكم رجل شريف له حسب و حياء اكلمه! فقال له يزيد بن عنبسة السكسكى: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: انا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك، ا لم ازد في اعطياتكم! ا لم ارفع المؤن عنكم! ا لم اعط فقراءكم! ا لم اخدم زمناكم! فقال: انا ما ننقم عليك في أنفسنا، و لكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله و شرب الخمر و نكاح أمهات اولاد ابيك، و استخفافك بأمر الله، قال:

حسبك يا أخا السكاسك، فلعمرى لقد اكثرت و اغرقت، و ان فيما أحل لي لسعه عما ذكرت و رجع الى الدار فجلس و أخذ مصحفا، و قال: يوم كيوم عثمان، و نشر المصحف يقرا، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة السكسكى، فنزل اليه و سيف لوليد الى جنبه، فقال له يزيد: نح سيفك، فقال له الوليد: لو اردت السيف لكانت لي و لك حاله فيهم غير هذه، فاخذ بيد الوليد، و هو يريد ان يحبسه و يؤامر فيه فنزل من الحائط عشره: منصور بن جمهور و حبال بن عمرو الكلبى و عبد الرحمن بن عجلان مولى يزيد بن عبد الملك و حميد بن نصر اللخمى و السرى بن زياد بن ابى كبشه و عبد السلام اللخمى، فضربه عبد السلام على راسه، و ضربه السرى على وجهه، و جروه بين خمسه ليخرجوه فصاحت امراه كانت معه في الدار، فكفوا عنه و لم يخرجوه، و احتز ابو علاقة القضاعى راسه فاخذ عقبا

247

فخاط الضربه التي في وجهه، و قدم بالراس على يزيد روح بن مقبل، و قال:

ابشر يا امير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد و اسر من كان معه، و العباس- و يزيد يتغدى- فسجد و من كان معه، و قام يزيد بن عنبسة السكسكى، و أخذ بيد يزيد، و قال: قم يا امير المؤمنين، و ابشر بنصر الله، فاختلج يزيد يده من كفه، و قال: اللهم ان كان هذا لك رضا فسددنى، و قال ليزيد بن عنبسة: هل كلمكم الوليد؟ قال: نعم، كلمني من وراء الباب، و قال:

اما فيكم ذو حسب فأكلمه! فكلمته و وبخته، فقال: حسبك، فقد لعمري اغرقت و اكثرت، اما و الله لا يرتق فتقكم، و لا يلم شعثكم، و لا تجتمع كلمتكم حدثنى احمد عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: قال نوح ابن عمرو بن حوى السكسكى: خرجنا الى قتال الوليد في ليال ليس فيها قمر، فان كنت لأرى الحصى فاعرف اسوده من ابيضه قال: و كان على ميسره الوليد بن يزيد الوليد بن خالد، ابن أخي الابرش الكلبى في بنى عامر- و كانت بنو عامر ميمنه عبد العزيز- فلم تقاتل ميسره الوليد ميمنه عبد العزيز، و مالوا جميعا الى عبد العزيز بن الحجاج قال: و قال نوح بن عمرو: رايت خدم الوليد بن يزيد و حشمه يوم قتل يأخذون بأيدي الرجال، فيدخلونهم عليه و حدثنى احمد عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى المثنى بن معاويه، قال: اقبل الوليد فنزل اللؤلؤه، و امر ابنه الحكم و المؤمل ابن العباس ان يفرضا لمن أتاهما ستين دينارا في العطاء، فاقبلت انا و ابن عمى سليمان بن محمد بن عبد الله الى عسكر الوليد، فقربني المؤمل و أدناني.

و قال: ادخلك على امير المؤمنين، و اكلمه حتى يفرض لك في مائه دينار.

قال المثنى: فخرج الوليد من اللؤلؤه فنزل المليكه، فأتاه رسول عمرو بن قيس من حمص يخبره ان عمرا قد وجه اليه خمسمائة فارس، عليهم عبد الرحمن بن ابى الجنوب البهرانى، فدعا الوليد الضحاك بن ايمن من‏

248

بنى عوف بن كلب، فأمره ان ياتى ابن ابى الجنوب- و هو بالغوير- فيستعجله، ثم ياتى الوليد بالمليكه فلما اصبح امر الناس بالرحيل، و خرج على برذون كميت، عليه قباء خز و عمامة خز، محتزما بريطه رقيقه قد طواها، و على كتفيه ريطة صفراء فوق السيف، فلقيه بنو سليم بن كيسان في سته عشر فارسا، ثم سار قليلا، فتلقاه بنو النعمان بن بشير في فوارس، ثم أتاه الوليد ابن أخي الابرش في بنى عامر من كلب، فحمله الوليد و كساه، و سار الوليد على الطريق ثم عدل في تلعه يقال لها المشبهه، فلقيه ابن ابى الجنوب في اهل حمص ثم اتى البخراء، فضج اهل العسكر، و قالوا: ليس معنا علف لدوابنا، فامر رجلا فنادى: ان امير المؤمنين قد اشترى زروع القرية، فقالوا: ما نصنع بالقصيل! تضعف عليه دوابنا، و انما أرادوا الدراهم قال المثنى: اتيت الوليد، فدخلت من مؤخر الفسطاط، فدعا بالغداء، فلما وضع بين يديه أتاه رسول أم كلثوم بنت عبد الله بن يزيد بن عبد الملك يقال له عمرو بن مره، فاخبره ان عبد العزيز بن الحجاج، قد نزل اللؤلؤه، فلم يلتفت اليه، و أتاه خالد بن عثمان المخراش- و كان على شرطه- برجل من بنى حارثة بن جناب، فقال له: انى كنت بدمشق مع عبد العزيز، و قد اتيتك بالخبر، و هذه الف و خمسمائة قد أخذتها- و حل هميانا من وسطه، و أراه- و قد نزل اللؤلؤه، و هو غاد منها إليك، فلم يجبه و التفت الى رجل الى جنبه، و كلمه بكلام لم اسمعه، فسالت بعض من كان بيني و بينه عما قال، فقال:

ساله عن النهر الذى حفره بالأردن: كم بقي منه؟ و اقبل عبد العزيز من اللؤلؤه، فاتى المليكه فحازها، و وجه منصور بن جمهور، فاخذ شرقى القرى- و هو تل مشرف في ارض ملساء على طريق نهيا الى البخراء- و كان العباس بن الوليد تهيأ في نحو من خمسين و مائه من مواليه و ولده، فبعث العباس رجلا من بنى ناجيه يقال له حبيش الى الوليد يخيره بين ان يأتيه فيكون معه، او يسير الى يزيد بن الوليد فاتهم الوليد العباس، فأرسل اليه يأمره ان يأتيه‏

249

فيكون معه، فلقى منصور بن جمهور الرسول، فسأله عن الأمر فاخبره، فقال له منصور: قل له: و الله لئن رحلت من موضعك قبل طلوع الفجر لأقتلنك و من معك، فإذا اصبح فليأخذ حيث أحب فأقام العباس يتهيأ، فلما كان في السحر سمعنا تكبير اصحاب عبد العزيز قد أقبلوا الى البخراء، فخرج خالد بن عثمان المخراش، فعبا الناس، فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس، و كان مع اصحاب يزيد بن الوليد كتاب معلق في رمح، فيه:

انا ندعوكم الى كتاب الله و سنه نبيه ص، و ان يصير الأمر شورى فاقتتلوا فقتل عثمان الخشبي، و قتل من اصحاب الوليد زهاء ستين رجلا، و اقبل منصور بن جمهور على طريق نهيا، فاتى عسكر الوليد من خلفهم، فاقبل الى الوليد و هو في فسطاطه، ليس بينه و بين منصور احد.

فلما رايته خرجت انا و عاصم بن هبيرة المعافرى خليفه المخراش، فانكشف اصحاب عبد العزيز، و نكص اصحاب منصور، و صرع سمى بن المغيره و قتل، و عدل منصور الى عبد العزيز و كان الابرش على فرس له يدعى الأديم، عليه قلنسوة ذات اذنين، قد شدها تحت لحيته، فجعل يصيح بابن أخيه:

يا بن اللخناء، قدم رايتك، فقال له: لا أجد متقدما، انها بنو عامر.

و اقبل العباس بن الوليد فمنعه اصحاب عبد العزيز، و شد مولى لسليمان بن عبد الله بن دحية- يقال له التركى- على الحارس بن العباس بن الوليد، فطعنه طعنه اذراه عن فرسه، فعدل العباس الى عبد العزيز، فاسقط في أيدي اصحاب الوليد و انكسروا فبعث الوليد بن يزيد الوليد بن خالد الى عبد العزيز بن الحجاج بان يعطيه خمسين الف دينار، و يجعل له ولايه حمص ما بقي، و يؤمنه على كل حدث، على ان ينصرف و يكف، فأبى و لم يجبه، فقال له الوليد: ارجع اليه فعاوده أيضا، فأتاه الوليد فلم يجبه الى شي‏ء، فانصرف الوليد، حتى إذا كان غير بعيد عطف دابته، فدنا من عبد العزيز، فقال له: ا تجعل لي خمسه آلاف دينار و للأبرش مثلها، و ان أكون كاخص رجل من قومى منزله و آتيك، فادخل معك فيما دخلت فيه؟

فقال له عبد العزيز: على ان تحمل الساعة على اصحاب الوليد، ففعل و كان‏

250

على ميمنه الوليد معاويه بن ابى سفيان بن يزيد بن خالد، فقال لعبد العزيز:

ا تجعل لي عشرين الف دينار و ولايه الأردن و الشركه في الأمر على ان اصير معكم؟ قال: على ان تحمل على اصحاب الوليد من ساعتك، ففعل، فانهزم اصحاب الوليد و قام الوليد فدخل البخراء، و اقبل عبد العزيز فوقف على الباب و عليه سلسله، فجعل الرجل بعد الرجل يدخل من تحت السلسلة.

و اتى عبد العزيز عبد السلام بن بكير بن شماخ اللخمى، فقال له: انه يقول:

اخرج على حكمك، قال: فليخرج، فلما ولى قيل له: ما تصنع بخروجه! دعه يكفيكه الناس فدعا عبد السلام فقال: لا حاجه لي فيما عرض على، فنظرت الى شاب طويل على فرس، فدنا من حائط القصر فعلاه، ثم صار الى داخل القصر قال: فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قصب و سراويل وشى، و معه سيف في غمد و الناس يشتمونه، فاقبل اليه بشر بن شيبان مولى كنانه بن عمير، و هو الذى دخل من الحائط، فمضى الوليد يريد الباب- اظنه اراد ان ياتى عبد العزيز- و عبد السلام عن يمينه و رسول عمرو بن قيس عن يساره، فضربه على راسه، و تعاروه الناس بأسيافهم فقتل، فطرح عبد السلام نفسه عليه يحتز راسه- و كان يزيد بن الوليد قد جعل في راس الوليد مائه الف-

3

و اقبل ابو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسرى فسلخ من جلد الوليد قدر الكف، فاتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله، و كان محبوسا في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد و خزائنه، و أتاني يزيد العليمي ابو البطريق بن يزيد، و كانت ابنته عند الحكم بن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتى، فما وصل احد الى شي‏ء زعم انه له.

قال احمد: قال على: قال عمرو بن مروان الكلبى: لما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى، فبعث بها الى يزيد بن الوليد، فسبقت الراس، قدم بها ليله الجمعه، و انى برأسه من الغد، فنصبه الناس بعد الصلاة و كان اهل دمشق قد ارجفوا بعبد العزيز، فلما أتاهم راس الوليد سكتوا و كفوا.

قال: و امر يزيد بنصب الراس، فقال له يزيد بن فروه مولى بنى مروان.

251

انما تنصب رءوس الخوارج، و هذا ابن عمك، و خليفه، و لا آمن ان نصبته ان ترق له قلوب الناس، و يغضب له اهل بيته، فقال: و الله لانصبته، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطف به في مدينه دمشق، و ادخله دار ابيه ففعل، فصاح الناس و اهل الدار، ثم رده الى يزيد، فقال: انطلق به الى منزلك، فمكث عنده قريبا من شهر، ثم قال له: ادفعه الى أخيه سليمان- و كان سليمان أخو الوليد ممن سعى على أخيه- فغسل ابن فروه الراس، و وضعه في سفط، و اتى به سليمان، فنظر اليه سليمان، فقال: بعدا له! اشهد انه كان شروبا للخمر، ماجنا فاسقا، و لقد ارادنى على نفسي الفاسق فخرج ابن فروه من الدار، فتلقته مولاه للوليد، فقال لها: ويحك! ما أشد ما شتمه! زعم انه اراده على نفسه! فقالت: كذب و الله الخبيث، ما فعل، و لئن كان اراده على نفسه لقد فعل، و ما كان ليقدر على الامتناع منه.

و حدثنى احمد، عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى يزيد بن مصاد عن عبد الرحمن بن مصاد، قال: بعثني يزيد بن الوليد الى ابى محمد السفياني- و كان الوليد وجهه حين بلغه خبر يزيد واليا على دمشق و اتى ذنبه، و بلغ يزيد خبره، فوجهني اليه- فأتيته، فسالم و بايع ليزيد، قال: فلم نرم حتى رفع لنا شخص مقبل من ناحيه البريه، فبعثت اليه، فأتيت به فإذا هو الغزيل ابو كامل المغنى، على بغله للوليد تدعى مريم، فأخبرنا ان الوليد قد قتل، فانصرفت الى يزيد، فوجدت الخبر قد أتاه قبل ان آتيه.

حدثنى احمد، عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى دكين بن شماخ الكلبى ثم العامري، قال: رايت بشر بن هلباء العامري يوم قتل الوليد ضرب باب البخراء بالسيف، و هو يقول:

سنبكى خالدا بمهندت* * * و لا تذهب صنائعه ضلالا

و حدثنى احمد، عن على، عن ابى عاصم الزيادى، قال: ادعى قتل الوليد عشره، و قال: انى رايت جلده راس الوليد في يد وجه الفلس،

252

فقال: انا قتلته، و أخذت هذه الجلده، و جاء رجل فاحتز راسه، و بقيت هذه الجلده في يدي و اسم وجه الفلس عبد الرحمن، قال: و قال الحكم بن النعمان مولى الوليد بن عبد الملك: قدم برأس الوليد على يزيد منصور بن جمهور في عشره، فيهم روح بن مقبل، فقال روح: يا امير المؤمنين، ابشر بقتل الفاسق و اسر العباس، و كان فيمن قدم بالراس عبد الرحمن وجه الفلس، و بشر مولى كنانه من كلب، فاعطى يزيد كل رجل منهم عشره آلاف.

قال: و قال الوليد يوم قتل و هو يقاتلهم: من جاء برأس فله خمسمائة، فجاء قوم بارؤس، فقال الوليد: اكتبوا اسماءهم، فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس: يا امير المؤمنين، ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئة! قال: و كان مع الوليد مالك بن ابى السمح المغنى و عمرو الوادى، فلما تفرق عن الوليد اصحابه، و حصر، قال مالك لعمرو: اذهب بنا، فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء، و نحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل، فقال مالك: ويلك! و الله لئن ظفروا بنا لا يقتل احد قبلي و قبلك، فيوضع راسه بين راسينا، و يقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال، فلا يعيبونه بشي‏ء أشد من هذا، فهربا.

و قتل الوليد بن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنه ست و عشرين و مائه، كذلك قال ابو معشر، حدثنى بذلك احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه و كذلك قال هشام بن محمد و محمد ابن عمر الواقدى و على بن محمد المدائني.

و اختلفوا في قدر المده التي كان فيها خليفه، فقال ابو معشر: كانت خلافته سنه و ثلاثة اشهر، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.

و قال هشام بن محمد: كانت خلافته سنه و شهرين و اثنين و عشرين يوما

253

و اختلفوا أيضا في مبلغ سنه يوم قتل، فقال هشام بن محمد الكلبى: قتل و هو ابن ثمان و ثلاثين سنه، و قال محمد بن عمر: قتل و هو ابن ست و ثلاثين سنه.

و قال بعضهم: قتل و هو ابن اثنتين و اربعين سنه و قال آخرون: و هو ابن احدى و اربعين سنه، و قال آخرون: ابن خمس و اربعين سنه، و قال بعضهم: و هو ابن ست و اربعين سنه و كان يكنى أبا العباس، و أمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفى، و كان شديد البطش، طويل أصابع الرجلين، كان يوتد له سكه حديد فيها خيط و يشد الخيط في رجله، ثم يثب على الدابة، فينتزع السكة و يركب، ما يمس الدابة بيده.

و كان شاعرا شروبا للخمر، حدثنى احمد، قال: حدثنا على، عن ابن ابى الزناد، قال: قال ابى: كنت عند هشام و عنده الزهري، فذكرا الوليد، فتقصاه و عاباه عيبا شديدا، و لم اعرض في شي‏ء مما كانا فيه، فاستأذن الوليد، فاذن له، و انا اعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلا، ثم قام فلما مات هشام كتب في فحملت اليه فرحب بي، و قال: كيف حالك يا بن ذكوان؟ و الطف المسألة بي، ثم قال: ا تذكر يوم الأحول و عنده الفاسق الزهري، و هما يعيباننى؟

قلت: اذكر ذلك، فلم اعرض في شي‏ء مما كانا فيه، قال: صدقت، ا رايت الغلام الذى كان قائما على راس هشام؟ قلت: نعم، قال: فانه نم الى بما قالا، و ايم الله لو بقي الفاسق- يعنى الزهري- لقتلته، قلت: قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت ثم قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول بعمري، فقلت: بل يطيل الله لك عمرك يا امير المؤمنين، و يمتع الامه ببقائك، فدعا بالعشاء فتعشينا، و جاءت المغرب فصلينا، و تحدثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا و جلس، و قال: اسقنى، فجاءوا بإناء مغطى، و جاء ثلاث جوار فصففن بين يديه، بيني و بينه، ثم شرب، و ذهبنا فتحدثنا، و استسقى فصنعن مثل ما صنعن أولا، قال: فما زال على‏

254

ذلك يتحدث و يستسقى و يصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحا

. خبر قتل خالد بن عبد الله القسرى‏

و في هذه السنه قتل خالد بن عبد الله القسرى.

ذكر الخبر عن مقتله و سبب ذلك:

قد تقدم ذكرنا الخبر عن عزل هشام اياه عن عمله و ولايته العراق و خراسان و استعماله على العراق يوسف بن عمر، و كان- فيما ذكر- عمل لهشام على ذلك خمس عشره سنه غير اشهر، و ذلك انه- فيما قيل- ولى العراق لهشام سنه خمس و مائه، و عزل عنها في جمادى الاولى سنه عشرين و مائه و لما عزله هشام و قدم عليه يوسف واسطا اخذه و حبسه بها، ثم شخص يوسف بن عمر الى الحيرة، فلم يزل محبوسا بالحيرة تمام ثمانية عشر شهرا مع أخيه اسماعيل بن عبد الله و ابنه يزيد بن خالد و ابن أخيه المنذر بن اسد بن عبد الله و استاذن يوسف هشاما في اطلاق يده عليه و تعذيبه، فلم يأذن له حتى اكثر عليه، و اعتل عليه بانكسار الخراج و ذهاب الأموال، فاذن له مره واحده، و بعث حرسيا يشهد ذلك، و حلف: لئن اتى على خالد اجله و هو في يده ليقتلنه، فدعا به يوسف، فجلس على دكان بالحيرة و حضر الناس، و بسط عليه، فلم يكلمه واحده حتى شتمه يوسف، فقال: يا بن الكاهن- يعنى شق بن صعب الكاهن- فقال له خالد: انك لاحمق، تعيرني بشرفى! و لكنك يا بن السباء، انما كان ابوك سباء خمر- يعنى يبيع الخمر- ثم رده الى حبسه، ثم كتب اليه هشام يأمره بتخليه سبيله في شوال سنه احدى و عشرين و مائه، فنزل خالد في قصر اسماعيل بن عبد الله بدوران، خلف جسر الكوفه، و خرج يزيد بن خالد وحده، فاخذ على بلاد طيّئ، حتى ورد دمشق، و خرج خالد و معه اسماعيل و الوليد، قد جهزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ابن العاص، و بعث بالأثقال الى قصر بنى مقاتل، و كان يوسف قد بعث خيلا، فأخذت الزاد و الاثقال و الإبل و موالي لخالد كانوا فيها، فضرب و باع‏

255

ما أخذ لهم، و رد بعض الموالي الى الرق، فقدم خالد قصر بنى مقاتل، و قد أخذ كل شي‏ء لهم، فسار الى هيت، ثم تحملوا الى القرية- و هي بإزاء باب الرصافه- فأقام بها بقية شوال و ذا القعده و ذا الحجه و المحرم و صفر، لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه، و الابرش يكاتب خالدا و خرج زيد بن على فقتل قال الهيثم بن عدى- فيما ذكر عنه-: و كتب يوسف الى هشام: ان اهل هذا البيت من بنى هاشم قد كانوا هلكوا جوعا، حتى كانت همه احدهم قوت عياله، فلما ولى خالد العراق اعطاهم الأموال فقووا بها حتى تاقت انفسهم الى طلب الخلافه، و ما خرج زيد الا عن راى خالد، و الدليل على ذلك نزول خالد بالقرية على مدرجه العراق يستثني اخبارها.

فسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب، ثم قال للحكم بن حزن القينى- و كان على الوفد، و قد امره يوسف بتصديق ما كتب به، ففعل- فقال له هشام: كذبت و كذب من ارسلك، و مهما اتهمنا خالدا فلسنا نتهمه في طاعه، و امر به فوجئت عنقه و بلغ الخبر خالدا فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفه، فخرج فيها و معه يزيد و هشام ابنا خالد بن عبد الله، و على دمشق يومئذ كلثوم بن عياض القسرى، و كان متحاملا على خالد، فلما ادربوا ظهر في دور دمشق حريق، كل ليله يلقيه رجل من اهل العراق يقال له ابو العمرس و اصحاب له، فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون و كان اسماعيل بن عبد الله و المنذر بن اسد بن عبد الله و سعيد و محمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم الى هشام يذكر الحريق، و يخبره انه لم يكن قط، و انه عمل موالي خالد، يريدون الوثوب على بيت المال فكتب اليه هشام يأمره ان يحبس آل خالد، الصغير منهم و الكبير، و مواليهم و النساء، فاخذ اسماعيل و المنذر و محمد و سعيد من الساحل فقدم بهم في الجوامع و من كان معهم من مواليهم، و حبس أم جرير بنت‏

256

خالد و الرائقه و جميع النساء و الصبيان، ثم ظهر على ابى العمرس، فاخذ و من كان معه فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل خراج دمشق الى هشام يخبره بأخذ ابى العمرس و من كان معه، سماهم رجلا رجلا، و نسبهم الى قبائلهم و أمصارهم، و لم يذكر فيهم احد من موالي خالد، فكتب هشام الى كلثوم يشتمه و يعنفه، و يأمره بتخليه سبيل جميع من حبس منهم، فارسلهم جميعا و احتبس الموالي رجاء ان يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفه فلما اقبل الناس و خرجوا عن الدرب بلغ خالدا حبس اهله، و لم يبلغه تخليتهم، فدخل يزيد بن خالد في غمار الناس حتى اتى حمص، و اقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق، فلما اصبح أتاه الناس، فبعث الى ابنتيه: زينب و عاتكه، فقال: انى قد كبرت و احببت ان تليا خدمتي، فسرتا بذلك- و دخل عليه اسماعيل اخوه‏

3

و يزيد و سعيد ابناه، و امر بالاذن، فقامت ابنتاه لتتنحيا، فقال:

و ما لهما تتنحيان، و هشام في كل يوم يسوقهن الى الحبس! فدخل الناس، فقام اسماعيل و ابناه دون ابنتيه يسترونهما فقال خالد: خرجت غازيا في سبيل الله، سامعا مطيعا، فخلفت في عقبى و أخذ حرمي و حرم اهل بيتى، فحبسوا مع اهل الجرائم كما يفعل باهل الشرك! فما منع عصابه منكم ان تقوم فتقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع! ا خفتم ان تقتلوا جميعا! اخافكم الله! ثم قال: ما لي و لهشام! ليكفن عنى هشام او لادعون الى عراقي الهوى شامي الدار حجازى الأصل- يعنى محمد بن على بن عبد الله ابن عباس- و قد أذنت لكم ان تبلغوا هشاما فلما بلغه ما قال، قال:

خرف ابو الهيثم.

و ذكر ابو زيد ان احمد بن معاويه حدثه عن ابى الخطاب، قال:

قال خالد: اما و الله، لئن ساء صاحب الرصافه- يعنى هشاما- لننصبن لنا الشامي الحجازي العراقي، و لو نخر نخرة تداعت من أقطارها.

فبلغت هشاما، فكتب اليه: انك هذاءه هذره، ا ببجيله القليله‏