تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
257

الذليلة تتهددنى! قال: فو الله ما نصره احد بيد و لا بلسان الا رجل من عبس، فانه قال:

الا ان بحر الجود اصبح ساجيا* * * اسير ثقيف موثقا في السلاسل‏

فان تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه* * * و لا تسجنوا معروفه في القبائل‏

فأقام خالد و يزيد و جماعه اهل بيته بدمشق، و يوسف ملح على هشام يسأله ان يوجه اليه يزيد و كتب هشام الى كلثوم بن عياض يأمره بأخذ يزيد و البعثه به الى يوسف، فوجه كلثوم الى يزيد خيلا و هو في منزله، فشد عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، و جاءت الخيل الى كلثوم فاخبروه، فأرسل الى خالد الغد من يوم تنحى يزيد خيلا، فدعا خالد بثيابه فلبسها و تصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو امرت هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: و لم؟ اما و الله لو لا الطاعة لعلم عبد بنى قسر انه لا ينال هذه منى، فاعلموه مقالتي، فان كان عربيا كما يزعم، فليطلب جده منى ثم مضى معهم فحبس في حبس دمشق و سار اسماعيل من يومه حتى قدم الرصافه على هشام، فدخل على ابى الزبير حاجبه فاخبره بحبس خالد، فدخل ابو الزبير على هشام فاعلمه، فكتب الى كلثوم يعنفه، و يقول: خليت عمن امرتك بحبسه، و حبست من لم آمرك بحبسه و يأمره بتخليه سبيل خالد، فخلاه.

و كان هشام إذا اراد امرا امر الابرش فكتب به الى خالد، فكتب الابرش:

انه بلغ امير المؤمنين ان عبد الرحمن بن ثويب الضنى- ضنه سعد اخوه عذره ابن سعد- قام إليك، فقال: يا خالد انى لأحبك لعشر خصال: ان الله كريم و أنت كريم، و الله جواد و أنت جواد، و الله رحيم و أنت رحيم، و الله حليم و أنت حليم حتى عد عشرا، و امير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلن دمك، فاكتب الى بالأمر على وجهه لأخبر به امير المؤمنين فكتب اليه خالد: ان ذلك المجلس كان اكثر أهلا من ان يجوز لأحد من اهل البغى و الفجور ان يحرف ما كان فيه الى غيره، قام الى عبد الرحمن ابن ثويب، فقال: يا خالد انى لأحبك لعشر خصال: ان الله كريم يحب‏

258

كل كريم، و الله يحبك و انا احبك لحب الله إياك، حتى عدد عشر خصال، و لكن اعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميرى الى امير المؤمنين، و قوله:

يا امير المؤمنين، خليفتك في اهلك اكرم عليك أم رسولك؟ فقال امير المؤمنين:

بل خليفتي في اهلى، فقال ابن شقي: فأنت خليفه الله و محمد رسوله، و لعمري لضلاله رجل من بجيله ان ضل اهون على العامه و الخاصة من ضلال امير المؤمنين فاقرا الابرش هشاما كتابه، فقال خرف ابو الهيثم.

فأقام خالد بدمشق خلافه هشام حتى هلك، فلما هلك هشام، و قام الوليد، قدم عليه اشراف الأجناد، فيهم خالد، فلم يأذن لأحد منهم، و اشتكى خالد، فاستأذن فاذن له، فرجع الى دمشق، فأقام أشهرا، ثم كتب اليه الوليد: ان امير المؤمنين قد علم حال الخمسين الالف الف، التي تعلم، فاقدم على امير المؤمنين مع رسوله، فقد امره الا يعجلك عن جهاز.

فبعث خالد الى عده من ثقاته، منهم عماره بن ابى كلثوم الأزدي، فاقراهم الكتاب، و قال: أشيروا على، فقالوا: ان الوليد ليس بمأمون عليك، فالرأي ان تدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال و تدعو الى من احببت، فاكثر الناس قومك، و لن يختلف عليك رجلان، قال: او ما ذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، و تقيم حتى تتوثق لنفسك، قال: او ما ذا؟ قالوا: او تتوارى.

قال: اما قولكم: تدعو الى من احببت، فانى اكره ان تكون الفرقة و الاختلاف على يدي، و اما قولكم: تتوثق لنفسك، فأنتم لا تامنون على الوليد، و لا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي و قد أخذت بيوت الأموال! و اما التوارى، فو الله.

ما قنعت راسى خوفا من احد قط، فالان و قد بلغت من السن ما بلغت! لا، و لكن امضى و استعين الله فخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدع به، و لم يكلمه و هو في بيته، معه مواليه و خدمه، حتى قدم برأس يحيى بن زيد من خراسان، فجمع الناس في رواق، و جلس الوليد، و جاء الحاجب فوقف، فقال له خالد:

ان حالي ما ترى، لا اقدر على المشى، و انما احمل في كرسي، فقال‏

259

الحاجب: لا يدخل عليه احد يحمل، ثم اذن لثلاثة نفر، ثم قال: قم يا خالد، فقال: حالي ما ذكرت لك، ثم اذن لرجل او رجلين، فقال: قم يا خالد، فقال: ان حالي ما ذكرت لك، حتى اذن لعشره، ثم قال: قم يا خالد، و اذن للناس كلهم، و امر بخالد فحمل على كرسيه، فدخل به و الوليد جالس على سريره، و الموائد موضوعه، و الناس بين يديه سماطان، و شبه ابن عقال- او عقال بن شبه- يخطب، و راس يحيى بن زيد منصوب، فميل بخالد الى احد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد و صرف الناس، و حمل خالد الى اهله، فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فرده، فلما صار الى باب السرادق وقف فخرج اليه رسول الوليد، فقال: يقول لك امير المؤمنين: اين يزيد بن خالد؟ فقال: كان اصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، و كنا نراه عند امير المؤمنين حتى استخلفه الله، فلما لم يظهر ظنناه ببلاد قومه من السراة، و ما اوشكه فرجع اليه الرسول، فقال: لا و لكنك خلفته طلبا للفتنة فقال خالد للرسول: قد علم امير المؤمنين انا اهل بيت طاعه، انا و ابى و جدي- قال خالد: و قد كنت اعلم بسرعة رجعه الرسول، ان الوليد قريب حيث يسمع كلامي- فرجع الرسول، فقال: يقول لك امير المؤمنين، لتأتين به او لأزهقن نفسك فرفع خالد صوته، و قال: قل له: هذا اردت، و عليه درت، و الله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما لك عنه، فاصنع ما بدا لك! فامر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط عليه، و قال له: اسمعنى صوته، فذهب به غيلان الى رحله، فعذبه بالسلاسل، فلم يتكلم، فرجع غيلان الى الوليد، فقال:

و الله ما اعذب إنسانا، و الله ما يتكلم و لا يتأوه، فقال: اكفف عنه و احبسه عندك فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمال من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم، و جلس الوليد للناس و يوسف عنده، فتكلم ابان بن عبد الرحمن النميرى في خالد، فقال يوسف: انا اشتريه بخمسين الف الف، فأرسل الوليد الى خالد: ان يوسف يشتريك بخمسين الف الف، فان كنت تضمنها و الا

260

دفعتك اليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تباع، و الله لو سألني ان اضمن هذا- و رفع عودا من الارض- ما ضمنته، فر رأيك.

فدفعه الى يوسف، فنزع ثيابه و درعه عباءه و لحفه بأخرى، و حمله في محمل بغير وطاء، و زميله ابو قحافة المري ابن أخي الوليد بن تليد- و كان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحدثة، على مرحلة من عسكر الوليد ثم دعا به فذكر أمه، فقال: و ما ذكر الأمهات لعنك الله! و الله لا اكلمك كلمه ابدا فبسط عليه، و عذبه عذابا شديدا و هو لا يكلمه كلمه ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث اليه زيد بن تميم القينى بشربه سويق حب رمان مع مولى له يقال له سالم النفاط، فبلغ يوسف فضرب زيدا خمسمائة سوط، و ضرب سالما الف سوط ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به و بابراهيم و محمد ابنى هشام فبسط على خالد، فلم يكلمه، و صبر ابراهيم ابن هشام و خرع محمد بن هشام فمكث خالد يوما في العذاب، ثم وضع على صدره المضرسه فقتله من الليل، و دفن بناحيه الحيرة في عباءته التي كان فيها، و ذلك في المحرم سنه ست و عشرين و مائه في قول الهيثم بن عدى، فاقبل عامر بن سهله الأشعري فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمائة سوط.

قال ابو زيد: حدثنى ابو نعيم قال: حدثنى رجل، قال: شهدت خالدا حين اتى به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرجال حتى كسرت قدماه، فو الله ما تكلم و لا عبس، ثم على ساقيه حتى كسرتا، ثم على فخذيه ثم على حقويه ثم على صدره حتى مات، فو الله ما تكلم و لا عبس، فقال خلف بن خليفه لما قتل الوليد بن يزيد:

لقد سكنت كلب و اسباق مذحج* * * صدى كان يزقو ليله غير راقد

تركن امير المؤمنين بخالد* * * مكبا على خيشومه غير ساجد

فان تقطعوا منا مناط قلاده* * * قطعنا به منكم مناط قلائد

261

و ان تشغلونا عن ندانا فاننا* * * شغلنا الوليد عن غناء الولائد

و ان سافر القسرى سفره هالك* * * فان أبا العباس ليس بشاهد

و قال حسان بن جعدة الجعفري يكذب خلف بن خليفه في قوله هذا:

ان امرا يدعى قتل الوليد سوى* * * أعمامه لملي‏ء النفس بالكذب‏

ما كان الا امرا حانت منيته* * * سارت اليه بنو مروان بالعرب‏

و قال ابو محجن مولى خالد:

سائل وليدا وسائل اهل عسكره* * * غداه صبحه شؤبوبنا البرد

هل جاء من مضر نفس فتمنعه* * * و الخيل تحت عجاج الموت تطرد

من يهجنا جاهلا بالشعر ننقضه* * * بالبيض انا بها نهجو و نفتئد

و قال نصر بن سعيد الأنصاري:

ابلغ يزيد بنى كرز مغلغله* * * انى شفيت بغيب غير موتور

قطعت اوصال قنور على حنق* * * بصارم من سيوف الهند ماثور

امست حلائل قنور مجدعه* * * لمصرع العبد قنور بن قنور

ظلت كلاب دمشق و هي تنهشه* * * كان أعضاءه أعضاء خنزير

غادرن منه بقايا عند مصرعه* * * انقاض شلو على الاطناب مجرور

حكمت سيفك إذ لم ترض حكمهم* * * و السيف يحكم حكما غير تعذير

لا ترض من خالد ان كنت متئرا* * * الا بكل عظيم الملك مشهور

اسعرت ملك نزار ثم رعتهم* * * بالخيل تركض بالشم المغاوير

ما كان في آل قنور و لا ولدوا* * * عدلا لبدر سماء ساطع النور

ذكر بيعه يزيد بن الوليد الناقص‏

و في هذه السنه بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، الذى يقال له يزيد الناقص، و انما قيل: يزيد الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد

262

ابن يزيد في اعطياتهم، و ذلك عشره عشره، فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة، و رد اعطياتهم الى ما كانت عليه ايام هشام بن عبد الملك.

و قيل: أول من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد، حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا على بن محمد، قال: شتم مروان بن محمد يزيد بن الوليد فقال: الناقص بن الوليد، فسماه الناس الناقص لذلك.

ذكر اضطراب امر بنى مروان‏

و في هذه السنه اضطرب حبل بنى مروان و هاجت الفتنة.

ذكر الخبر عما حدث فيها من الفتن:

فكان في ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد ما قتل الوليد بن يزيد بعمان فحدثني احمد بن زهير، عن على بن محمد قال: لما قتل الوليد خرج سليمان بن هشام من السجن، و كان محبوسا بعمان، فاخذ ما كان بعمان من الأموال، و اقبل الى دمشق، و جعل يلعن الوليد و يعيبه بالكفر

. ذكر خلاف اهل حمص‏

و فيها كان وثوب اهل حمص بأسباب العباس بن الوليد و هدمهم داره و اظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد.

ذكر الخبر عن ذلك:

حدثنى احمد عن على، قال: كان مروان بن عبد الله بن عبد الملك عاملا للوليد على حمص، و كان من ساده بنى مروان نبلا و كرما و عقلا و جمالا، فلما قتل الوليد بلغ اهل حمص قتله، فاغلقوا أبوابها، و أقاموا النوائح و البواكي على الوليد، و سألوا عن قتله، فقال بعض من حضرهم: ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم، حتى جاء العباس بن الوليد، فمال الى عبد العزيز بن الحجاج فوثب اهل حمص فهدموا دار العباس و انتهبوها و سلبوا حرمه، و أخذوا بنيه فحبسوهم و طلبوه فخرج الى يزيد بن الوليد.

و كاتبوا الأجناد، و دعوهم الى الطلب بدم الوليد، فاجابوهم و كتب اهل‏

263

حمص بينهم كتابا، الا يدخلوا في طاعه يزيد، و ان كان وليا عهد الوليد حيين قاموا بالبيعه لهما و الا جعلوها لخير من يعلمون، على ان يعطيهم العطاء من المحرم الى المحرم، و يعطيهم للذرية و أمروا عليهم معاويه بن يزيد بن حصين، فكتب الى مروان بن عبد الله بن عبد الملك و هو بحمص في دار الإمارة، فلما قراه قال: هذا كتاب حضره من الله حاضر و تابعهم على ما أرادوا فلما بلغ يزيد بن الوليد خبرهم، وجه اليهم رسلا فيهم يعقوب بن هانئ، و كتب اليهم: انه ليس يدعو الى نفسه، و لكنه يدعوهم الى الشورى فقال عمرو بن قيس السكوني: رضينا بولي عهدنا- يعنى ابن الوليد بن يزيد- فاخذ يعقوب بن عمير بلحيته، فقال: ايها العشمه، انك قد فيلت و ذهب عقلك، ان الذى تعنى لو كان يتيما في حجرك لم يحل لك ان تدفع اليه ماله، فكيف امر الامه! فوثب اهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم.

و كان امر حمص لمعاوية بن يزيد بن حصين، و ليس الى مروان بن عبد الله من امرهم شي‏ء، و كان معهم السمط بن ثابت، و كان الذى بينه و بين معاويه بن يزيد متباعدا و كان معهم ابو محمد السفياني فقال لهم:

لو قد اتيت دمشق، و نظر الى أهلها لم يخالفوني فوجه يزيد بن الوليد مسرور ابن الوليد و الوليد بن روح في جمع كبير، فنزلوا حوارين، اكثرهم بنو عامر من كلب ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام فاكرمه يزيد، و تزوج اخته أم هشام بنت هشام بن عبد الملك، و رد عليه ما كان الوليد اخذه من أموالهم، و وجهه الى مسرور بن الوليد و الوليد بن روح، و امرهما بالسمع و الطاعة له.

و اقبل اهل حمص فنزلوا قريه لخالد بن يزيد بن معاويه.

حدثنى احمد، قال: حدثنا على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى عمرو بن محمد و يحيى بن عبد الرحمن البهرانى، قالا: قام مروان بن عبد الله، فقال: يا هؤلاء، انكم خرجتم لجهاد عدوكم و الطلب‏

264

بدم خليفتكم، و خرجتم مخرجا أرجو ان يعظم الله به اجركم، و يحسن عليه ثوابكم، و قد نجم لكم منهم قرن، و شال إليكم منهم عنق، ان أنتم قطعتموه اتبعه ما بعده، و كنتم عليه احرى، و كانوا عليكم اهون، و لست ارى المضى الى دمشق و تخليف هذا الجيش خلفكم فقال السمط: هذا و الله العدو القريب الدار، يريد ان ينقض جماعتكم، و هو ممايل للقدريه.

قال: فوثب الناس على مروان بن عبد الله فقتلوه و قتلوا ابنه‏

3

، و رفعوا راسيهما للناس، و انما اراد السمط بهذا الكلام خلاف معاويه بن يزيد، فلما قتل مروان بن عبد الله ولوا عليهم أبا محمد السفياني، و أرسلوا الى سليمان بن هشام:

انا آتوك فاقم بمكانك، فأقام قال: فتركوا عسكر سليمان ذات اليسار، و مضوا الى دمشق، و بلغ سليمان مضيهم، فخرج مغذا، فلقيهم بالسليمانيه- مزرعه كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء من دمشق على اربعه عشر ميلا.

قال على: فحدثني عمرو بن مروان بن بشار و الوليد بن على، قالا: لما بلغ يزيد امر اهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجاج، فوجهه في ثلاثة آلاف، و امره ان يثبت على ثنية العقاب، و دعا هشام بن مصاد، فوجهه في الف و خمسمائة، و امره ان يثبت على عقبه السلامة، و امرهم ان يمد بعضهم بعضا.

قال عمرو بن مروان: فحدثني يزيد بن مصاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا اهل حمص، و قد نزلوا السليمانية، فجعلوا الزيتون على ايمانهم، و الجبل على شمائلهم، و الجباب خلفهم، و ليس عليهم ماتى الا من وجه واحد، و قد نزلوا أول الليل، فاراحوا دوابهم، و خرجنا نسرى ليلتنا كلها، حتى دفعنا اليهم، فلما متع النهار و اشتد الحر، و دوابنا قد كلت و ثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بن الوليد، فقلت له- و سليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد ان يقدم الأمير جنده الى القتال في هذه الحال! فاقبل سليمان فقال: يا غلام، اصبر نفسك، فو الله لا انزل حتى يقضى الله‏

265

بيني و بينهم ما هو قاض فتقدم و على ميمنته الطفيل بن حارثة الكلبى، و على ميسرته الطفيل بن زراره الحبشي، فحملوا علينا حمله، فانهزمت الميمنه و الميسره اكثر من غلوتين، و سليمان في القلب لم يزل من مكانه، ثم حمل عليهم اصحاب سليمان حتى ردوهم الى موضعهم، فلم يزالوا يحملون علينا و نحمل عليهم مرارا، فقتل منهم زهاء مائتي رجل، فيهم حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاويه، و اصيب من اصحاب سليمان نحو من خمسين رجلا، و خرج ابو الهلباء البهرانى- و كان فارس اهل حمص- فدعا الى المبارزه، فخرج اليه حيه بن سلامه الكلبى فطعنه طعنه اذراه عن فرسه، و شد عليه ابو جعدة مولى لقريش من اهل دمشق فقتله، و خرج ثبيت ابن يزيد البهرانى، فدعا الى المبارزه، فخرج اليه ايراك السغدى، من أبناء ملوك السغد كان منقطعا الى سليمان بن هشام- و كان ثبيت قصيرا، و كان ايراك جسيما- فلما رآه ثبيت قد اقبل نحوه استطرد، فوقف ايراك و رماه بسهم فاثبت عضله ساقه الى لبده قال: فبينا هم كذلك إذ اقبل عبد العزيز من ثنية العقاب، فشد عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتل و نفذ إلينا.

قال احمد

9

: قال على: قال عمرو بن مروان: فحدثني سليمان بن زياد الغساني قال: كنت مع عبد العزيز بن الحجاج، فلما عاين عسكر اهل حمص، قال لأصحابه: موعدكم التل الذى في وسط عسكرهم، و الله لا يتخلف منكم احد الا ضربت عنقه ثم قال لصاحب لوائه: تقدم، ثم حمل و حملنا معه، فما عرض لنا احد الا قتل حتى صرنا على التل، فتصدع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، و نادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسرى: الله الله في قومك! فكف الناس، و كره ما صنع سليمان و عبد العزيز، و كاد يقع الشربين الذكوانيه و سليمان و بين بنى عامر من كلب، فكفوا عنهم، على ان يبايعوا ليزيد ابن الوليد و بعث سليمان بن هشام الى ابى محمد السفياني و يزيد بن خالد بن يزيد بن معاويه فأخذا، فمر بهما على الطفيل بن حارثة، فصاحا به:

يا خالاه! ننشدك الله و الرحم! فمضى معهما الى سليمان فحبسهما، فخاف‏

266

بنو عامر ان يقتلهما، فجاءت جماعه منهم، فكانت معهما في الفسطاط، ثم وجههما الى يزيد بن الوليد، فحبسهما في الخضراء مع ابنى الوليد، و حبس أيضا يزيد بن عثمان بن محمد بن ابى سفيان، خال عثمان بن الوليد معهم ثم دخل سليمان و عبد العزيز الى دمشق، و نزلا بعذراء و اجتمع امر اهل دمشق، و بايعوا يزيد بن الوليد، و خرجوا الى دمشق و حمص و اعطاهم يزيد العطاء، و اجاز الاشراف منهم معاويه بن يزيد بن الحصين و السمط بن ثابت و عمرو بن قيس و ابن حوى و الصقر بن صفوان، و استعمل معاويه بن يزيد بن حصين من اهل حمص، و اقام الباقون بدمشق، ثم ساروا الى اهل الأردن و فلسطين و قد قتل من اهل حمص يومئذ ثلاثمائة رجل‏

ذكر خلاف اهل الأردن و فلسطين‏

و في هذه السنه وثب اهل فلسطين و الأردن على عاملهم فقتلوه.

ذكر الخبر عن امرهم و امر يزيد بن الوليد معهم:

حدثنى احمد، عن على بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال:

حدثنى رجاء بن روح بن سلامه بن روح بن زنباع، قال: كان سعيد بن عبد الملك عاملا للوليد على فلسطين، و كان حسن السيرة، و كان يزيد بن سليمان سيد ولد ابيه، و كان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين، فكان اهل فلسطين يحبونهم لجوارهم، فلما اتى قتل الوليد- و راس اهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع- كتب الى يزيد بن سليمان: ان الخليفة قد قتل فاقدم علينا نولك امرنا فجمع له سعيد قومه، و كتب الى سعيد بن عبد الملك- و هو يومئذ نازل بالسبع: ارتحل عنا، فان الأمر قد اضطرب، و قد ولينا امرنا رجلا قد رضينا امره فخرج الى يزيد بن الوليد، فدعا يزيد ابن سليمان اهل فلسطين الى قتال يزيد بن الوليد، و بلغ اهل الأردن امرهم، فولوا عليهم محمد بن عبد الملك- و امر اهل فلسطين الى سعيد بن روح و ضبعان بن روح- و بلغ يزيد امرهم، فوجه اليهم سليمان بن هشام في اهل دمشق و اهل حمص الذين كانوا مع السفياني‏

267

قال على: قال عمرو بن مروان: حدثنى محمد بن راشد الخزاعي ان اهل دمشق كانوا اربعه و ثمانين ألفا، و سار اليهم سليمان بن هشام قال محمد بن راشد: و كان سليمان بن هشام يرسلني الى ضبعان و سعيد ابنى روح‏

3

و الى الحكم و راشد ابنى جرو من بلقين، فاعدهم و امنيهم على الدخول في طاعه يزيد بن الوليد، فأجابوا.

قال: و حدثنى عثمان بن داود الخولاني، قال: وجهني يزيد بن الوليد و معى حذيفة بن سعيد الى محمد بن عبد الملك و يزيد بن سليمان، يدعوهما الى طاعته، و يعدهما و يمنيهما، فبدانا باهل الأردن و محمد بن عبد الملك، فاجتمع اليه جماعه منهم، فكلمته فقال بعضهم: اصلح الله الأمير! اقتل هذا القدرى الخبيث، فكفهم عنى الحكم بن جرو القينى فأقيمت الصلاة فخلوت به، فقلت: انى رسول يزيد إليك، و الله ما تركت ورائي رايه تعقد الا على راس رجل من قومك، و لا درهم يخرج من بيت المال الا في يد رجل منهم، و هو يحمل لك كذا و كذا قال: أنت بذاك؟ قلت: نعم:

ثم خرجت فأتيت ضبعان بن روح، فقلت له مثل ذلك، و قلت له: انه يوليك فلسطين ما بقي، فأجابني فانصرفت، فما اصبحت حتى رحل باهل فلسطين.

حدثنى احمد، عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: سمعت محمد بن سعيد بن حسان الأردني، قال: كنت عينا ليزيد بن الوليد بالأردن، فلما اجتمع له ما يريد ولانى خراج الأردن، فلما خالفوا يزيد بن الوليد اتيت سليمان بن هشام، فسألته ان يوجه معى خيلا، فاشن الغارة على طبرية، فأبى سليمان ان يوجه معى أحدا، فخرجت الى يزيد بن الوليد، فاخبرته الخبر، فكتب الى سليمان كتابا بخطه، يأمره ان يوجه معى ما اردت، فأتيت به سليمان، فوجه معى مسلم بن ذكوان في خمسه آلاف، فخرجت بهم ليلا حتى انزلتهم البطيحة، فتفرقوا في القرى، و سرت انا في طائفه منهم نحو طبرية، و كتبوا الى عسكرهم، فقال اهل طبرية: علام نقيم و الجنود تجوس منازلنا و تحكم في أهالينا! و مضوا الى حجره يزيد بن سليمان و محمد بن عبد الملك،

268

فانتهبوهما و أخذوا دوابهما و سلاحهما، و لحقوا بقراهم و منازلهم، فلما تفرق اهل فلسطين و الأردن، خرج سليمان حتى اتى الصنبره، و أتاه اهل الأردن، فبايعوا ليزيد بن الوليد، فلما كان يوم الجمعه وجه سليمان الى طبرية، و ركب مركبا في البحيره، فجعل يسايرهم حتى اتى طبرية، فصلى بهم الجمعه، و بايع من حضر ثم انصرف الى عسكره.

حدثنى احمد، قال: حدثنا على، عن عمرو بن مروان الكلبى، قال: حدثنى عثمان بن داود، قال: لما نزل سليمان الصنبره، أرسلني الى يزيد بن الوليد، و قال لي: اعلمه انك قد علمت جفاء اهل فلسطين، و قد كفى الله مئونتهم، و قد ازمعت على ان اولى ابن سراقه فلسطين و الأسود بن بلال المحاربى الأردن فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال:

أخبرني كيف قلت لضبعان بن روح؟ فاخبرته، قال: فما صنع؟ قلت:

ارتحل باهل فلسطين، و ارتحل ابن جرو باهل الأردن قبل ان يصبحا.

قال: فليسا بأحق بالوفاء منا، ارجع فمره الا ينصرف حتى ينزل الرملة، فيبايع أهلها، و قد استعملت ابراهيم بن الوليد على الأردن و ضبعان بن روح على فلسطين و مسرور بن الوليد على قنسرين و ابن الحصين على حمص.

ثم خطب يزيد بن الوليد بعد قتل الوليد، فقال بعد حمد الله و الثناء عليه و الصلاة على نبيه محمد(ص)ايها الناس، انى و الله ما خرجت أشرا و لا بطرا و لا حرصا على الدنيا، و لا رغبه في الملك، و ما بي اطراء نفسي، انى لظلوم لنفسي ان لم يرحمني ربى، و لكنى خرجت غضبا لله و رسوله و دينه، داعيا الى الله و كتابه و سنه نبيه ص، لما هدمت معالم الهدى، و أطفئ نور اهل التقوى، و ظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمه، و الراكب لكل بدعه، مع انه و الله ما كان يصدق بالكتاب، و لا يؤمن بيوم الحساب، و انه لابن عمى في الحسب، و كفئي في النسب، فلما رايت ذلك استخرت الله في امره، و سألته الا يكلني الى‏

269

نفسي، و دعوت الى ذلك من أجابني من اهل ولايتى، و سعيت فيه حتى اراح الله منه العباد و البلاد بحول الله و قوته، لا بحولي و قوتي.

ايها الناس، ان لكم على الا أضع حجرا على حجر، و لا لبنه على لبنه، و لا اكرى نهرا، و لا اكثر مالا، و لا أعطيه زوجه و لا ولدا، و لا انقل مالا من بلده الى بلده حتى اسد ثغر ذلك البلد و خصاصه اهله بما يعينهم، فان فضل فضل نقلته الى البلد الذى يليه، ممن هو احوج اليه، و لا اجمركم في ثغوركم فافتنكم و افتن أهليكم، و لا اغلق بابى دونكم، فيأكل قويكم ضعيفكم، و لا احمل على اهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم و يقطع نسلهم، و ان لكم اعطياتكم عندي في كل سنه و أرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فان وفيت لكم بما قلت، فعليكم السمع و الطاعة و حسن المؤازره، و ان انا لم أف فلكم ان تخلعونى، الا ان تستتيبونى، فان تبت قبلتم منى، فان علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما اعطيتكم فأردتم ان تبايعوه، فانا أول من يبايعه، و يدخل في طاعته.

ايها الناس، انه لا طاعه لمخلوق في معصية الخالق، و لا وفاء له بنقض عهد، انما الطاعة طاعه الله، فأطيعوه بطاعة الله ما اطاع، فإذا عصى الله و دعا الى المعصية، فهو اهل ان يعصى و يقتل اقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم.

ثم دعا الناس الى تجديد البيعه له، فكان أول من بايعه الافقم يزيد بن هشام و بايعه قيس بن هانئ العبسى، فقال: يا امير المؤمنين، اتق الله، و دم على ما أنت عليه، فما قام مقامك احد من اهل بيتك، و ان قالوا:

عمر بن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، و ان عمر أخذها بحبل سوء.

فبلغ مروان بن محمد قوله، فقال: ما له قاتله الله ذمنا جميعا و ذم عمر!

270

فلما ولى مروان بعث رجلا فقال: إذا دخلت مسجد دمشق فانظر قيس ابن هانئ، فانه طالما صلى فيه، فاقتله، فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فراى قيسا يصلى فقتله.

و في هذه السنه عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق و ولاها منصور بن جمهور.

ذكر الخبر عن عزل يوسف بن عمر و ولايه منصور بن جمهور و لما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة اهل الشام، ندب- فيما قيل- لولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفه الكلبى، فقال له عبد العزيز: لو كان معى جند لقبلت، فتركه و ولاها منصور بن جمهور.

و اما ابو مخنف، فانه قال- فيما ذكر هشام بن محمد عنه: قتل الوليد ابن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنه ست و عشرين و مائه، و بايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق، و سار منصور بن جمهور من البخراء في اليوم الذى قتل فيه الوليد بن يزيد الى العراق، و هو سابع سبعه، فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب و قدم منصور بن جمهور الحيرة في ايام خلون من رجب، فاخذ بيوت الأموال، فاخرج العطاء لا هل العطاء و الأرزاق، و استعمل حريث بن ابى الجهم على واسط، و كان عليها محمد بن نباته، فطرقه ليلا فحبسه و اوثقه، و استعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصره، و اقام منصور و ولى العمال، و بايع ليزيد بن الوليد بالعراق، و في كورها، و اقام بقية رجب و شعبان و رمضان، و انصرف لايام بقين منه.

و اما غير ابى مخنف فانه قال: كان منصور بن جمهور أعرابيا جافيا غيلانيا، و لم يكن من اهل الدين، و انما صار مع يزيد لراية في الغيلانيه، و حميه لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق:

قد وليتك العراق فسر اليه، و اتق الله، و اعلم انى انما قتلت الوليد لفسقه‏

271

و لما اظهر من الجور، فلا ينبغى لك ان تركب مثل ما قتلناه عليه فدخل على يزيد بن الوليد يزيد بن حجره الغساني- و كان دينا فاضلا ذا قدر في اهل الشام، قد قاتل الوليد ديانه- فقال: يا امير المؤمنين، اوليت منصورا العراق؟ قال: نعم، لبلائه و حسن معونته، قال: يا امير المؤمنين، انه ليس هناك في اعرابيته و جفائه في الدين قال: فإذا لم أول منصورا في حسن معاونته فمن اولى! قال: تولى رجلا من اهل الدين و الصلاح و الوقوف عند الشبهات، و العلم بالاحكام و الحدود، و ما لي لا ارى أحدا من قيس يغشاك، و لا يقف ببابك! قال: لو لا انه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلت قيسا، فو الله ما عزت الا ذل الاسلام و لما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد، جعل يعمد الى من بحضرته من اليمانيه فيلقيهم في السجون، ثم جعل يخلو بالرجل بعد الرجل من المضرية، فيقول له: ما عندك ان اضطرب حبل او انفتق فتق؟ فيقول: انا رجل من اهل الشام، ابايع من بايعوا، و افعل ما فعلوا فلم ير عندهم ما يحب، فاطلق من في السجون من اليمانيه، و ارسل الى الحجاج بن عبد الله البصرى و منصور ابن نصير- و كانا على خبر ما بينه و بين اهل الشام- فامرهما بالكتاب اليه بالخبر، و جعل على طريق الشام ارصادا، و اقام بالحيرة و جلا و اقبل منصور حتى إذا كان بالجمع، كتب الى سليمان بن سليم بن كيسان كتابا:

اما بعد، ف إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، و إذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، و ان الوليد بن يزيد بدل نعمه الله كفرا، فسفك الدماء، فسفك الله دمه، و عجله الى النار! و ولى خلافته من هو خير منه، و احسن هديا، يزيد بن الوليد، و قد بايعه الناس، و ولى على العراق الحارث بن العباس بن الوليد، و وجهني العباس لاخذ يوسف و عماله، و قد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين، فخذ يوسف و عماله، لا يفوتنك منهم، احد، فاحبسهم قبلك و إياك ان تخالف، فيحل بك و باهل بيتك ما لا قبل لك به، فاختر لنفسك اودع‏

272

و قيل انه لما كان بعين التمر كتب الى من بالحيرة من قواد اهل الشام يخبرهم بقتل الوليد، و يأمرهم بأخذ يوسف و عماله و بعث بالكتب كلها الى سليمان بن سليم بن كيسان، و امره ان يفرقها على القواد، فأمسكها سليمان، و دخل على يوسف، فاقراه كتاب منصور اليه، فبعل به.

قال حريث بن ابى الجهم: كان مكثي بواسط، فما شعرت الا بكتاب منصور بن جمهور قد جاءني ان خذ عمال يوسف، فكنت اتولى امره بواسط، فجمعت موالي و اصحابى، فركبنا نحوا من ثلاثين رجلا في السلاح، فأتينا المدينة، فقال البوابون: من أنت؟ قلت: حريث بن ابى الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاء بحريث الا امر منهم، ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، و أصبحنا فأخذنا البيعه من الناس ليزيد بن الوليد.

قال: و ذكر عمر بن شجره ان عمرو بن محمد بن القاسم كان على السند، فاخذ محمد بن غزان- او عزان- الكلبى، فضربه و بعث به الى يوسف، فضربه و الزمه مالا عظيما يؤدى منه في كل جمعه نجما، و ان لم يفعل ضرب خمسه و عشرين سوطا، فجنت يده و بعض أصابعه، فلما ولى منصور ابن جمهور العراق ولاه السند و سجستان، فاتى سجستان فبايع ليزيد، ثم سار الى السند، فاخذ عمرو بن محمد، فاوثقه و امر به حرسا يحرسونه، و قام الى الصلاة، فتناول عمرو سيفا مع الحرس، فاتكا عليه مسلولا حتى خالط جوفه، و تصايح الناس، فخرج ابن غزان فقال: ما دعاك الى ما صنعت؟ قال: خفت العذاب، قال: ما كنت ابلغ منك ما بلغته من نفسك فلبث ثلاثا ثم مات، و بايع ابن غزان ليزيد، فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبى حين اقراه كتاب منصور بن جمهور:

ما الرأي؟ قال: ليس لك امام تقاتل معه، و لا يقاتل اهل الشام الحارث بن العباس معك، و لا آمن عليك منصور بن جمهور ان قدم عليك، و ما الرأي الا ان تلحق بشامك، قال: هو رأيي، فكيف الحيله؟ قال: تظهر الطاعة

273

ليزيد، و تدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور وجهت معك من أثق به.

فلما نزل منصور بحيث يصبح الناس البلد، خرج يوسف الى منزل سليمان بن سليم، فأقام به ثلاثا، ثم وجه معه من أخذ به طريق السماوه حتى صار الى البلقاء.

و قد قيل ان سليمان قال له: تستخفى و تدع منصورا و العمل، قال: فعند من؟ قال: عندي، و اضعك في ثقه، ثم مضى سليمان الى عمرو بن محمد ابن سعيد بن العاص، فاخبره بالأمر، و ساله ان يؤوى يوسف، و قال:

أنت امرؤ من قريش، و أخوالك بكر بن وائل، فآواه قال عمرو: فلم أر رجلا كان مثل عتوه رعب رعبه، أتيته بجاريه نفيسة، و قلت: تدفئه و تطيب نفسه، فو الله ما قربها و لا نظر إليها، ثم ارسل الى يوما فأتيته، فقال:

قد احسنت و اجملت، و قد بقيت لي حاجه، قلت: هاتها، قال: تخرجني من الكوفه الى الشام، قلت: نعم و صبحنا منصور بن جمهور، فذكر الوليد فعابه، و ذكر يزيد بن الوليد فقرظه، و ذكر يوسف و جوره، و قامت الخطباء فشعثوا من الوليد و يوسف، فأتيته فاقصصت قصتهم، فجعلت لا اذكر رجلا ممن ذكره بسوء الا قال: لله على ان اضربه مائه سوط، مائتي سوط، ثلاثمائة سوط، فجعلت اتعجب من طمعه في الولاية بعد، و تهدده الناس، فتركه سليمان بن سليم، ثم ارسله الى الشام فاختفى بها، ثم تحول الى البلقاء.

ذكر على بن محمد ان يوسف بن عمر وجه رجلا من بنى كلاب في خمسمائة، و قال لهم: ان مر بكم يزيد بن الوليد فلا تدعنه يجوز فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، و ادخلهم الكوفه قال: و لم يخرج مع يوسف من الكوفه الا سفيان بن سلامه بن سليم بن كيسان و غسان بن قعاس العذرى، و معه من ولده لصلبه ستون بين ذكر و أنثى و دخل منصور الكوفه لايام خلون من رجب، فاخذ بيوت الأموال، و اخرج العطاء و الأرزاق، و اطلق من في سجون يوسف من العمال و اهل الخراج‏

274

قال: فلما بلغ يوسف البلقاء حينئذ بلغ خبره الى يزيد بن الوليد، فحدثني احمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم بن يزيد بن هريم، قال: حدثنا ابو هاشم مخلد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت محمد بن سعيد الكلبى- و كان من قواد يزيد بن الوليد- يقول:

ان يزيد وجهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه انه في اهله بالبلقاء، قال:

فخرجت في خمسين فارسا او اكثر، حتى احطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتش، فلم نر شيئا، و كان يوسف قد لبس لبسه النساء، و جلس مع نسائه و بناته، ففتشهن فظفر به مع النساء، فجاء به في وثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابنى الوليد، فكان في الحبس ولايه يزيد كلها و شهرين و عشره ايام من ولايه ابراهيم، فلما قدم مروان الشام و قرب من دمشق ولى قتلهم يزيد ابن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد- يكنى أبا الأسد- في عده من اصحابه، فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعمد، و اخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه.

و قيل: ان يزيد بن الوليد لما بلغه مصير يوسف الى البلقاء وجه اليه خمسين فارسا، فعرض له رجل من بنى نمير، فقال: يا بن عم، أنت و الله مقتول فأطعني و امتنع، و ائذن لي حتى انتزعك من ايادى هؤلاء قال: لا، قال:

فدعني اقتلك انا، و لا يقتلك هذه اليمانيه، فتغيظنا بقتلك، قال: ما لي في واحده مما عرضت على خيار، قال: فأنت اعلم.

و مضوا به الى يزيد، فقال: ما اقدمك؟ قال: قدم منصور بن جمهور واليا فتركته و العمل، قال: لا، و لكنك كرهت ان تلى لي فامر بحبسه.

و قيل: ان يزيد دعا مسلم بن ذكوان و محمد بن سعيد بن مطرف الكلبى، فقال لهما، انه بلغنى ان الفاسق يوسف بن عمر قد صار الى البلقاء، فانطلقا فاتيانى به، فطلباه فلم يجداه: فرهبا ابنا له، فقال: انا أدلكما عليه، فقال:

انه انطلق الى مزرعه له على ثلاثين ميلا، فأخذا معهما خمسين رجلا من جند البلقاء، فوجدوا اثره- و كان جالسا- فلما احس بهم هرب و ترك نعليه، ففتشا فوجداه بين نسوه قد القين عليه قطيفه خز، و جلسن على حواشيها حاسرات، فجروا برجله، فجعل يطلب الى محمد بن سعيد ان يرضى عنه‏

275

كلبا، و يدفع عشره آلاف دينار و ديه كلثوم بن عمير و هانئ بن بشر، فاقبلا الى يزيد، فلقيه عامل لسليمان على نوبه من نوائب الحرس، فاخذ بلحيته فهزها، و نتف بعضها- و كان من اعظم الناس لحيه و اصغرهم قامه- فادخلاه على يزيد، فقبض على لحيه نفسه- و انها حينئذ لتجوز سرته- و جعل يقول: نتف و الله يا امير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعره فامر به يزيد فحبس في الخضراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: اما تخاف ان يطلع عليك بعض من قد وترت، فيلقى عليك حجرا! فقال: لا و الله ما فطنت الى هذا، فنشدتك الله الا كلمت امير المؤمنين في تحويلي الى مجلس غير هذا، و ان كان اضيق منه! قال: فاخبرت يزيد، فقال:

ما غاب عنك من حمقه اكثر، و ما حبسته الا لاوجهه الى العراق، فيقام للناس، و تؤخذ المظالم من ماله و دمه.

و لما قتل يزيد بن الوليد الوليد بن يزيد، و وجه منصور بن جمهور الى العراق كتب يزيد بن الوليد الى اهل العراق كتابا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به- فيما حدثنى احمد بن زهير عن على بن محمد: ان الله اختار الاسلام دينا و ارتضاه و طهره، و افترض فيه حقوقا امر بها، و نهى عن امور حرمها، ابتلاء لعباده في طاعتهم و معصيتهم، فأكمل فيه كل منقبه خير و جسيم فضل، ثم تولاه، فكان له حافظا و لأهله المقيمين حدوده وليا، يحوطهم و يعرفهم بفضل الاسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدا يأخذ بأمر الله و ينتهى اليه فيناوئه احد بميثاق او يحاول صرف ما حباه الله به، او ينكث ناكث، الا كان كيده الاوهن، و مكره الابور، حتى يتم الله ما اعطاه، و يدخر له اجره و مثوبته، و يجعل عدوه الأضل سبيلا، الاخسر عملا.

فتناسخت خلفاء الله ولاه دينه، قاضين فيه بحكمه، متبعين فيه لكتابه، فكانت لهم بذلك من ولايته و نصرته ما تمت به النعم عليهم، قد رضى الله بهم لها حتى توفى هشام‏

276

ثم افضى الأمر الى عدو الله الوليد، المنتهك للمحارم التي لا ياتى مثلها مسلم، و لا يقدم عليها كافر، تكرما عن غشيان مثلها فلما استفاض ذلك منه و استعلن، و اشتد فيه البلاء، و سفكت فيه الدماء، و أخذت الأموال بغير حقها، مع امور فاحشه، لم يكن الله ليملى للعاملين بها الا قليلا، سرت اليه مع انتظار مراجعته، و اعذار الى الله و الى المسلمين، منكرا لعمله و ما اجترأ عليه من معاصى الله، متوخيا من الله اتمام الذى نويت، من اعتدال عمود الدين، و الأخذ في اهله بما هو رضا، حتى اتيت جندا، و قد وغرت صدورهم على عدو الله، لما رأوا من عمله، فان عدو الله لم يكن يرى من شرائع الاسلام شيئا الا اراد تبديله، و العمل فيه بغير ما انزل الله، و كان ذلك منه شائعا شاملا، عريان لم يجعل الله فيه سترا، و لا لأحد فيه شكا، فذكرت لهم الذى نقمت و خفت من فساد الدين و الدنيا، و حضضتهم على تلافى دينهم، و المحاماة عنه، و هم في ذلك مستريبون، قد خافوا ان يكونوا قد ابقوا لأنفسهم بما قاموا عليه، الى ان دعوتهم الى تغييره فأسرعوا الإجابة.

فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم، من اولى الدين و الرضا، و بعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقى عدو الله الى جانب قريه يقال لها البخراء، فدعوه الى ان يكون الأمر شورى، ينظر المسلمون لأنفسهم من يقلدونه ممن اتفقوا عليه، فلم يجب عدو الله الى ذلك، و ابى الا تتايعا في ضلالته، فبدرهم الحمله جهاله بالله، فوجد الله عزيزا حكيما، و اخذه أليما شديدا، فقتله الله على سوء عمله و عصبته، ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة، لا يبلغون عشره، و دخل من كان معه سواهم في الحق الذى دعوا اليه.

فأطفأ الله جمرته و اراح العباد منه، فبعدا له و لمن كان على طريقته! احببت ان اعلمكم ذلك، و اعجل به إليكم، لتحمدوا الله و تشكروه، فإنكم قد اصبحتم اليوم على امثل حالكم، إذ ولاتكم خياركم، و العدل مبسوط لكم، لا يسار فيكم بخلافه، فأكثروا على ذلك حمد ربكم، و تابعوا منصور بن جمهور، فقد ارتضيته لكم، على ان عليكم عهد الله و ميثاقه، و اعظم ما عهد

277

و عقد على احد من خلقه، لتسمعن و تطيعن لي، و لمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الامه، و لكم على مثل ذلك، لاعملن فيكم بأمر الله و سنه نبيه ص، و اتبع سبيل من سلف من خياركم، نسأل الله ربنا و ولينا احسن توفيقه و خير قضائه‏

. ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور بن جمهور

و في هذه السنه امتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور ابن جمهور، و قد كان يزيد بن الوليد ولاها منصورا مع العراق.

قال ابو جعفر: قد ذكرت قبل من خبر نصر، و ما كان من كتاب يوسف ابن عمر اليه بالمصير اليه مع هدايا الوليد بن يزيد، و شخوص نصر من خراسان متوجها الى العراق، و تباطئه في سفره، حتى قدم عليه الخبر بقتل الوليد، فذكر على بن محمد ان الباهلى اخبره، قال: قدم على نصر بشر بن نافع مولى سالم الليثى- و كان على سكك العراق- فقال: اقبل منصور بن جمهور أميرا على العراق، و هرب يوسف بن عمر، فوجه منصور أخاه منظور بن جمهور على الري، فاقبلت مع منظور الى الري، و قلت: اقدم على نصر فاخبره، فلما صرت بنيسابور حبسنى حميد مولى نصر، و قال: لن تجاوزني او تخبرني، فاخبرته، و أخذت عليه عهد الله و ميثاقه الا يخبر أحدا حتى اقدم على نصر فاخبره ففعل، فأقبلنا جميعا حتى قدمنا على نصر، و هو بقصره بماجان، فاستأذنا، فقال خصى له: هو نائم، فالححنا عليه، فانطلق فاعلمه، فخرج نصر حتى قبض على يدي و ادخلنى، فلم يكلمني حتى صرت في البيت، فساءلني فاخبرته، فقال لحميد مولاه: انطلق به، فاته بجائزه، ثم أتاني يونس بن عبد ربه و عبيد الله بن بسام فأخبرتهما، و أتاني سلم بن احوز فاخبرته، قال: و كان خبر الوليد يوسف عند نصر، فاتوه حين بلغهم الخبر، فأرسل الى فلما اخبرتهم كذبوني، فقلت: استوثق من هؤلاء، فلما مضت ثلاث على ذلك، جعل على ثمانين رجلا حرسا، فأبطأ الخبر على ما كنت قدرت، فلما كانت الليلة التاسعه- و كانت ليله نوروز- جاءهم الخبر على ما وصفت،

278

فصرف الى عامه تلك الهدايا، و امر لي ببرذون بسرجه و لجامه، و أعطاني سرجا صينيا، و قال لي: أقم حتى أعطيك تمام مائه الف قال: فلما تيقن نصر قتل الوليد رد تلك الهدايا، و اعتق الرقيق، و قسم روقه الجوارى في ولده و خاصته، و قسم تلك الانيه في عوام الناس، و وجه العمال، و امرهم بحسن السيرة.

قال: و ارجفت الأزد في خراسان ان منظور بن جمهور قادم خراسان، فخطب نصر، فقال في خطبته: ان جاءنا امير ظنين قطعنا يديه و رجليه.

ثم باح به بعد، فكان يقول: عبد الله المخذول المثبور.

قال: و ولى نصر بن سيار ربيعه و اليمن، و ولى يعقوب بن يحيى بن حضين على اعلى طخارستان، و مسعده بن عبد الله اليشكري على خوارزم، و هو الذى يقول فيه خلف:

اقول لأصحابي معا دون كردر* * * لمسعده البكرى غيث الأرامل‏

ثم اتبعه بابان بن الحكم الزهراني، و استعمل المغيره بن شعبه الجهضمي على قهستان و امرهم بحسن السيرة، فدعا الناس الى البيعه فبايعوه، فقال في ذلك:

اقول لنصر و بايعته* * * على جل بكر و احلافها

يدي لك رهن ببكر العراق* * * سيدها و ابن وصافها

أخذت الوثيقة للمسلمين* * * لأهل البلاد و الافها

إذا آل يحيى الى ما تريد* * * اتتك الدماك بأخفافها

دعوت الجنود الى بيعه* * * فانصفتها كل انصافها

وطدت خراسان للمسلمين* * * ان الارض همت بارجافها

و ان جمعت الفه المسلمين* * * صرفت الضراب لالافها

أجار و سلم اهل البلاد* * * و النازلين بأطرافها

فصرت على الجند بالمشرقين* * * لقوحا لهم در اخلافها

279

فنحن على ذاك حتى تبين* * * مناهج سبل لعرافها

و حتى تبوح قريش بما* * * تجن ضمائر أجوافها

فاقسمت للمعبرات الرتاع* * * للعرو اوفى لاصوافها

الى ما تؤدى قريش البطاح* * * اخلافها بعد اشرافها

فان كان من عز بز الضعيف* * * ضربنا الخيول باعرافها

وجدنا العلائف انى يكون* * * يحمى اوارى أعلافها

إذا ما تشارك فيه كبت* * * خواصرها بعد اخطافها

فنحن على عهدنا نستديم* * * قريشا و نرضى بإحلافها

سنرضى بظلك كنا لها* * * و ظلك من ظل أكنافها

لعل قريشا إذا ناضلت* * * تقرطس في بعض اهدافها

و تلبس اغشيه بالعراق* * * رمت دلو شرق بخطافها

و بالأسد منا و ان الأسود* * * لها لبد فوق أكتافها

فان حاذرت تلفا في النفار* * * فالدهر ادنى لإتلافها

فقد ثبتت بك أقدامنا* * * إذا انهار منهار اجرافها

وجدناك برا رءوفا بنا* * * كرامة أم و ألطافها

و لم تك بيعتنا خلسة* * * لاسرع نسفه خطافها

نكاح التي اسرعت بالحليل* * * قبل تخضب أطرافها

فكشفها البعل قبل الصداق* * * فاستقبلته بمعتافها

قال: و كان نصر ولى عبد الملك بن عبد الله السلمى خوارزم، فكان يخطبهم و يقول في خطبته: ما انا بالأعرابي الجلف، و لا الفزارى المستنبط، و لقد كرمتني الأمور و كرمتها، اما و الله لاضعن السيف موضعه، و السوط

280

موضعه، و السجن مدخله، و لتجدني غشمشما، اغشى الشجر، و لتستقيمن لي على الطريقه و رفض البكاره في السنن الأعظم، او لاصكنكم صك القطامي القطا القارب يصكهن جانبا فجانبا قال: فقدم رجل من بلقين خراسان، وجهه منصور بن جمهور، فأخذه مولى لنصر، يقال له حميد، كان على سكه بنيسابور، فضربه و كسر انفه، فشكاه الى نصر، فامر له نصر بعشرين ألفا و كساه، و قال: ان الذى كسر انفك مولى لي و ليس بكف‏ء فاقصك منه، فلا تقل الا خيرا قال:

ما قبلت جائزتك، و انا اريد الا اذكر الا خيرا.

قال عصمه بن عبد الله الأسدي: يا أخا بلقين، اخبر من تأتي انا قد أعددنا قيسا لربيعه و تميما للازد، و بقيت كنانه، ليس لها من يكافئها.

فقال نصر: كلما اصلحت امرا أفسدتموه! قال ابو زيد عمر بن شبه: حدثنى احمد بن معاويه عن ابى الخطاب، قال: قدم قدامه بن مصعب العبدى و رجل من كنده على نصر بن سيار من قبل منصور بن جمهور، فقال: ا مات امير المؤمنين؟ قالا: نعم، قال: و ولى منصور بن جمهور و هرب يوسف بن عمر عن سرير العراق؟

قالا: نعم، قال: انا بجمهوركم من الكافرين، ثم حبسهما و وسع عليهما، و وجه رجلا حتى اتى فراى منصورا يخطب بالكوفه فأخرجهما، و قال لقدامه:

اوليكم رجل من كلب؟ قال: نعم، انما نحن بين قيس و اليمن، قال:

فكيف لا يولاها رجل منكم! قال: لأنا كما قال الشاعر:

إذ ما خشينا من امير ظلامه* * * دعونا أبا غسان يوما فعسكرا

فضحك نصر، و ضمه اليه.

قال: و لما قدم منصور بن جمهور العراق ولى عبيد الله بن العباس الكوفه- او وجده واليا عليها فاقره- و ولى شرطته ثمامة بن حوشب ثم عزله و ولى الحجاج بن ارطاه النخعى.

281

ذكر مخالفه مروان بن محمد

و في هذه السنه كتب مروان بن محمد الى الغمر بن يزيد، أخي الوليد بن يزيد يأمره بدم أخيه الوليد.

ذكر نسخه ذلك الكتاب الذى كتب اليه:

حدثنى احمد عن على، قال: كتب مروان الى الغمر بن يزيد بعد قتل الوليد:

اما بعد، فان هذه الخلافه من الله على مناهج نبوه رسله، و اقامه شرائع دينه، اكرمهم الله بما قلدهم، يعزهم و يعز من يعزهم، و الحين على من ناواهم فابتغى غير سبيلهم، فلم يزالوا اهل رعاية لما استودعهم الله منها، يقوم بحقها ناهض بعد ناهض، بانصار لها من المسلمين و كان اهل الشام احسن خلقه فيه طاعه، و اذبه عن حرمه و اوفاه بعهده، و اشده نكاية في مارق مخالف ناكث ناكب عن الحق، فاستدرت نعمه الله عليهم قد عمر بهم الاسلام، و كبت بهم الشرك و اهله، و قد نكثوا امر الله، و حاولوا نكث العهود، و قام بذلك من اشعل ضرامها، و ان كانت القلوب عنه نافره، و المطلوبون بدم الخليفة ولايه من بنى اميه، فان دمه غير ضائع، و ان سكنت بهم الفتنة، و التامت الأمور، فامر اراده الله لا مرد له فاكتب بحالك فيما أبرموا و ما ترى، فانى مطرق الى ان ارى غيرا فاسطو بانتقام، و انتقم لدين الله.

المنبوذة فرائضه، المتروكه مجانه، و معى قوم اسكن الله طاعتي قلوبهم، اهل اقدام الى ما قدمت بهم عليه، و لهم نظراء صدورهم مترعه ممتلئه لو يجدون منزعا، و النقمه دوله تأتي من الله، و وقت مؤجل، و لم اشبه محمدا و لا مروان- غير ان رايت غيرا-

282

ان لم اشمر للقدريه ازارى، و اضربهم بسيفي جارحا و طاعنا، يرمى قضاء الله بي في ذلك حيث أخذ، او يرمى بهم في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه، و ما إطراقي الا لما انتظر مما يأتيني عنك، فلا تهن عن ثارك بأخيك، فان الله جارك و كافيك، و كفى بالله طالبا و نصيرا.

حدثنى احمد، عن على، عن عمرو بن مروان الكلبى، عن مسلم بن ذكوان، قال: كلم يزيد بن الوليد العباس بن الوليد في طفيل بن حارثة الكلبى، و قال: انه حمل حماله، فان رايت ان تكتب الى مروان بن محمد في الوصاة به، و ان يأذن له ان يسال عشيرته فيها- و كان مروان يمنع الناس ان يسألوا شيئا من ذلك عند العطاء- فأجابه و حمله على البريد.

و كان كتاب العباس ينفذ في الافاق بكل ما يكتب به و كتب يزيد الى مروان انه اشترى من ابى عبيده بن الوليد ضيعه بثمانية عشر الف دينار، و قد احتاج الى اربعه آلاف دينار قال مسلم بن ذكوان: فدعاني يزيد، و قال: انطلق مع طفيل بهذا الكتاب، و كلمه في هذا الأمر قال: فخرجنا و لم يعلم العباس بخروجي، فلما قدمنا خلاط، لقينا عمرو بن حارثة الكلبى، فسألنا عن حالنا فأخبرناه، فقال: كذبتما، ان لكما و لمروان لقصة، قلنا:

و ما ذاك؟ قال: أخلاني حين اردت الخروج، و قال لي: جماعه اهل المزه يكونون ألفا؟ قلت: و اكثر، قال: و كم بينها و بين دمشق؟ قلت:

يسمعهم المنادى، قال: كم ترى عده بنى عامر يعنى بنى عامر من كلب، قلت: عشرون الف رجل، فحرك اصبعه، و لوى وجهه قال مسلم: فلما سمعت ذلك طمعت في مروان، و كتبت اليه على لسان يزيد: اما بعد، فاننى وجهت إليك ابن ذكوان مولاى بما سيذكره لك، و ينهيه إليك، فالق اليه ما احببت، فانه من خيار اهلى و ثقات موالي، و هو شعب حصين، و وعاء أمين، ان شاء الله فقدمنا على مروان، فدفع طفيل كتاب العباس الى الحاجب، و اخبره ان معه كتاب يزيد بن الوليد، فقراه، فخرج الحاجب، و قال: اما معك كتاب غير هذا، و لا اوصاك بشي‏ء! قلت: لا، و لكنى معى مسلم بن‏

283

ذكوان، فدخل فاخبره، فخرج الحاجب، فقال: مر مولاه بالرواح.

قال مسلم: فانصرفت، فلما حضرت المغرب اتيت المقصورة، فلما صلى مروان انصرفت لاعيد الصلاة، و لم أكن اعتد بصلاته، فلما استويت قائما جاءني خصى، فلما نظر الى انصرفت و أوجزت الصلاة، فلحقته، فأدخلني على مروان، و هو في بيت من بيوت النساء، فسلمت و جلست، فقال: من أنت؟ فقلت: مسلم بن ذكوان مولى يزيد، قال: مولى عتاقه او مولى تباعه؟

قلت: مولى عتاقه، قال: ذاك افضل، و في كل ذلك فضل، فاذكر ما بدا لك قلت: ان راى الأمير ان يجعل لي الامان على ما قلته، اوافقه في ذلك او اخالفه، فأعطاني ما اردت، فحمدت الله و صليت على نبيه، و وصفت ما اكرم الله به بنى مروان من الخلافه و رضا العامه بهم، و كيف نقض الوليد العرى، و افسد قلوب الناس، و ذمته العامه، و ذكرت حاله كلها فلما فرغت تكلم، فو الله ما حمد الله و لا تشهد، و قال: قد سمعت ما قلت، قد احسنت و اصبت، و لنعم الرأي راى يزيد، فاشهد الله انى قد بايعته، ابذل في هذا الأمر نفسي و مالي، لا اريد بذلك الا ما عند الله، و الله ما اصبحت استزيد الوليد، لقد وصل و فرض و اشرك في ملكه، و لكنى اشهد انه لا يؤمن بيوم الحساب و سألني عن امر يزيد، فكبرت الأمر و عظمته، فقال: اكتم امرك، و قد قضيت حاجه صاحبك، و كفيته امر حمالته، و امرت له بألف درهم فاقمت أياما، ثم دعانى ذات يوم نصف النهار، ثم قال: الحق بصاحبك، و قل له: سددك الله، امض على امر الله، فإنك بعين الله و كتب جواب كتابي، و قال لي: ان قدرت ان تطوى او تطير فطر، فانه يخرج بالجزيرة الى ست ليال او سبع خارجه، و قد خفت ان يطول امرهم فلا تقدر ان تجوز قلت: و ما علم الأمير بذلك؟ فضحك، و قال: ليس من اهل هوى الا و قد اعطيتهم الرضا حتى أخبروني بذات انفسهم فقلت في نفسي: انا واحد من أولئك، ثم قلت: لئن فعلت ذلك اصلحك الله، انه قيل الخالد بن يزيد بن معاويه: انى اصبت هذا العلم؟ قال: وافقت الرجال على اهوائهم، و دخلت معهم في آرائهم، حتى بذلوا لي ما عندهم، و أفضوا لي بذات انفسهم‏

284

فودعته و خرجت فلما كنت بأمد لقيت البرد تتبع بعضها بعضا بقتل الوليد، و إذا عبد الملك بن مروان بن محمد قد وثب على عامل الوليد بالجزيرة، فاخرجه منها، و وضع الارصاد على الطريق، فتركت البرد، و استاجرت دابه و دليلا، فقدمت على يزيد بن الوليد

. ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق‏

و في هذه السنه عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق، و ولاها عبد الله.

بن عمر بن عبد العزيز بن مروان ذكر الخبر عن ذلك:

ذكر عن يزيد بن الوليد انه قال لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز: ان اهل العراق يميلون الى ابيك فسر إليها فقد وليتكها، فذكر عن ابى عبيده، قال: كان عبد الله بن عمر متألها متألما، فقدم حين شخص الى العراق بين يديه رسلا و كتبا الى قواد الشام الذين بالعراق، و خاف الا يسلم له منصور بن جمهور العمل، فانقاد له كلهم، و سلم له منصور بن جمهور، و انصرف الى الشام، ففرق عبد الله بن عمر عماله في الاعمال، و اعطى الناس أرزاقهم و اعطياتهم، فنازعه قواد اهل الشام و قالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا و هم عدونا! فقال عبد الله لأهل العراق: انى قد اردت ان ارد فيئكم عليكم، و علمت انكم أحق به، فنازعنى هؤلاء فأنكروا على.

فخرج اهل الكوفه الى الجبانة، و تجمعوا، فأرسل اليهم قواد اهل الشام يعتذرون و ينكرون، و يحلفون انهم لم يقولوا شيئا مما بلغهم، و ثار غوغاء الناس من الفريقين، فتناوشوا، و اصيب منهم رهط لم يعرفوا، و عبد الله بن عمر بالحيرة، و عبيد الله بن العباس الكندى بالكوفه، قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها فاراد اهل الكوفه اخراجه من القصر، فأرسل الى عمر بن الغضبان بن القبعثرى، فأتاه فنحى الناس عنه، و سكنهم و زجر سفاءهم حتى تحاجزوا، و امن بعضهم بعضا و بلغ ذلك عبد الله بن عمر، فأرسل الى ابن الغضبان،

285

فكساه و حمله، و احسن جائزته، و ولاه شرطه و خراج السواد و المحاسبات، و امره ان يفرض لقومه، ففرض في ستين و في سبعين‏

. ذكر وقوع الخلاف بين اليمانيه و النزارية في خراسان‏

و في هذه السنه وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانيه و النزارية، و اظهر الكرماني فيها الخلاف لنصر بن سيار، و اجتمع مع كل واحد منهما جماعه لنصرته.

ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك و عن السبب الذى احدث ذلك:

ذكر على بن محمد عن شيوخه، ان عبد الله بن عمر لما قدم العراق واليا عليها من قبل يزيد بن الوليد، كتب الى نصر بعهده على خراسان، قال:

و يقال: بل أتاه كتابه بعد خروج الكرماني من حبس نصر، فقال المنجمون لنصر: ان خراسان سيكون بها فتنه، فامر نصر برفع حاصل بيت المال، و اعطى الناس بعض اعطياتهم و رقا و ذهبا من الانيه التي كان اتخذها للوليد ابن يزيد، و كان أول من تكلم رجل من كنده، افوه طوال، فقال: العطاء العطاء! فلما كانت الجمعه الثانيه، امر نصر رجالا من الحرس، فلبسوا السلاح، و فرقهم في المسجد مخافه ان يتكلم متكلم، فقام الكندى فقال:

العطاء العطاء! فقام رجل مولى للازد- و كان يلقب أبا الشياطين- فتكلم، و قام حماد الصائغ و ابو السليل البكرى، فقالا: العطاء العطاء! فقال نصر:

إياي و المعصية، عليكم بالطاعة و الجماعه، فاتقوا الله و اسمعوا ما توعظون به.

فصعد سلم بن احوز الى نصر و هو على المنبر فكلمه، فقال: ما يغنى عنا كلامك هذا شيئا و وثب اهل السوق الى أسواقهم، فغضب نصر و قال: ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا، ثم قال: كأني بالرجل منكم قد قام الى أخيه و ابن عمه، فلطم وجهه في جمل يهدى له و ثوب يكساه، و يقول: مولاى و ظئرى، و كأني بهم قد نبغ من تحت ارجلهم شر لا يطاق، و كأني بكم مطرحين في الاسواق كالجزر المنحورة، انه لم تطل ولايه رجل الا ملوها، و أنتم يا اهل خراسان، مسلحه في نحور العدو، فإياكم ان‏

286

يختلف فيكم سيفان.

قال على: قال عبد الله بن المبارك، قال نصر في خطبته: انى لمكفر و مع ذاك لمظلم، و عسى ان يكون ذلك خيرا لي انكم تغشون امرا تريدون فيه الفتنة، فلا ابقى الله عليكم، و الله لقد نشرتكم و طويتكم، و طويتكم و نشرتكم، فما عندي منكم عشره، و انى و إياكم كما قال من كان قبلكم:

استمسكوا أصحابنا نحدو بكم* * * فقد عرفنا خيركم و شركم‏

فاتقوا الله، فو الله لئن اختلف فيكم ليتمنين الرجل منكم انه يخلع من ماله و ولده و لم يكن رآه يا اهل خراسان، انكم غمطتم الجماعه، و ركنتم الى الفرقة ا سلطان المجهول تريدون و تنتظرون! ان فيه لهلاككم معشر العرب، و تمثل بقول النابغة الذبيانى:

فان يغلب شقاؤكم عليكم* * * فانى في صلاحكم سعيت‏

و قال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيره بن الورد الجعدى:

أبيت ارعى النجوم مرتفقا* * * إذا استقلت تجرى اوائلها

من فتنه اصبحت مجلله* * * قد عم اهل الصلاة شاملها

من بخراسان و العراق و من* * * بالشام كل شجاه شاغلها

فالناس منها في لون مظلمه* * * دهماء ملتجه غياطلها

يمسى السفيه الذى يعنف* * * بالجهل سواء فيها و عاقلها

و الناس في كربه يكاد لها* * * تنبذ أولادها حواملها

يغدون منها في ظل مبهمه* * * عمياء تغتالهم غوائلها

لا ينظر الناس في عواقبها* * * الا التي لا يبين قائلها

كرغوه البكر او كصيحه حبلى* * * طرقت حولها قوابلها

فجاء فينا ازرى بوجهته* * * فيها خطوب حمر زلازلها

287

قال: فلما اتى نصرا عهده من قبل عبد الله بن عمر قال الكرماني لأصحابه: الناس في فتنه، فانظروا لأموركم رجلا- و انما سمى الكرماني لأنه ولد بكرمان، و اسمه جديع بن على بن شبيب بن براري بن صنيم المعنى- فقالوا: أنت لنا، فقالت المضرية لنصر: الكرماني يفسد عليك، فأرسل اليه فاقتله، او فاحبسه، قال: لا، و لكن لي اولاد ذكور و إناث، فازوج بنى من بناته و بنيه من بناتي، قالوا: لا، قال: فابعث اليه بمائه الف درهم، فانه بخيل و لا يعطى اصحابه شيئا، و يعلمون بها فيتفرقون عنه، قالوا: لا، هذه قوه له، قال: فدعوه على حاله يتقينا و نتقيه، قالوا لا، قال:

فأرسل اليه فحبسه.

قال: و بلغ نصرا ان الكرماني يقول: كانت غايتي في طاعه بنى مروان ان يقلد ولدى السيوف فاطلب بثار بنى المهلب، مع ما لقينا من نصر و جفائه و طول حرمانه و مكافاته إيانا بما كان من صنيع اسد اليه فقال له عصمه ابن عبد الله الأسدي: انها بدء فتنه، فتجن عليه فاحشه، و اظهر انه مخالف و اضرب عنقه و عنق سباع بن النعمان الأزدي و الفرافصه بن ظهير البكرى، فانه لم يزل متغضبا على الله بتفضيله مضر على ربيعه.

و كان بخراسان و قال جميل بن النعمان: انك قد شرفته و ان كرهت قتله فادفعه الى اقتله و قيل: انما غضب عليه في مكاتبته بكر بن فراس البهرانى عامل جرجان، يعلمه حال منصور بن جمهور حين بعث عهد الكرماني مع ابى الزعفران مولى اسد بن عبد الله، فطلبه نصر فلم يقدر عليه و الذى كتب الى الكرماني بقتل الوليد و قدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار.

و قيل: ان قوما أتوا نصرا، فقالوا: الكرماني يدعو الى الفتنة و قال اصرم ابن قبيصة لنصر: لو ان جديعا لم يقدر على السلطان و الملك الا بالنصرانية و اليهودية لتنصر و تهود و كان نصر و الكرماني متصافيين، و قد كان الكرماني احسن الى نصر في ولايه اسد بن عبد الله، فلما ولى نصر خراسان عزل الكرماني عن الرئاسة و صيرها لحرب بن عامر بن ايثم الواشجى، فمات حرب‏

288

فاعاد الكرماني عليها، فلم يلبث الا يسيرا حتى عزله، و صيرها لجميل بن النعمان قال: فتباعد ما بين نصر و الكرماني فحبس الكرماني في القهندز و كان على القهندز مقاتل بن على المرئى- و يقال المري.

قال: و لما اراد نصر حبس الكرماني امر عبيد الله بن بسام صاحب حرسه، فأتاه به، فقال له نصر: يا كرمانى، ا لم يأتني كتاب يوسف بن عمر يأمرني بقتلك، فراجعته و قلت له: شيخ خراسان و فارسها، و حقنت دمك! قال: بلى، قال ا لم اغرم عنك ما كان لزمك من الغرم و قسمته في اعطيات الناس! قال: بلى، قال ا لم أرش عليا ابنك على كره من قومك! قال: بلى، قال: فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة! قال الكرماني: لم يقل الأمير شيئا الا و قد كان اكثر منه، فانا لذلك شاكر، فان كان الأمير حقن دمى فقد كان منى ايام اسد بن عبد الله ما قد علم، فليستان الأمير و يتثبت فلست أحب الفتنة فقال عصمه بن عبد الله الأسدي: كذبت، و أنت تريد الشغب، و مالا تناله و قال سلم بن احوز: اضرب عنقه ايها الأمير، فقال المقدام و قدامه ابنا عبد الرحمن بن نعيم الغامدى: لجلساء فرعون خير منكم، إذ قالوا: «أَرْجِهْ وَ أَخاهُ*»، و الله لا يقتلن الكرماني بقولك يا بن احوز و علت الأصوات، فامر نصر سلما بحبس الكرماني، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنه ست و عشرين و مائه، فكلمت الأزد، فقال نصر: انى حلفت ان احبسه و لا يبدؤه منى سوء، فان خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه قال: فاختاروا يزيد النحوي، فكان معه في القهندز، و صير حرسه بنى ناجيه اصحاب عثمان و جهم ابنى مسعود.

قال: و بعث الأزد الى نصر المغيره بن شعبه الجهضمي و خالد بن شعيب بن ابى صالح الحدانى، فكلماه فيه قال: فلبث في الحبس تسعه و عشرين يوما، فقال على بن وائل احد بنى ربيعه بن حنظله: دخلت على نصر، و الكرماني‏

289

جالس ناحيه، و هو يقول: ما ذنبي ان كان ابو الزعفران جاء! فو الله ما واريته و لا اعلم مكانه و قد كانت الأزد يوم حبس الكرماني ارادت ان تنزعه من رسله، فناشدهم الله الكرماني الا يفعلوا، و مضى مع رسل سلم بن احوز، و هو يضحك، فلما حبس تكلم عبد الملك بن حرمله اليحمدى و المغيره بن شعبه و عبد الجبار بن شعيب بن عباد و جماعه من الأزد، فنزلوا نوش، و قالوا:

لا نرضى ان يحبس الكرماني بغير جناية و لا حدث، فقال لهم شيوخ من اليحمد: لا تفعلوا و انظروا ما يكون من اميركم، فقالوا: لا نرضى، ليكفن عنا نصر او لنبدان بكم و أتاهم عبد العزيز بن عباد بن جابر بن همام بن حنظله اليحمدى في مائه، و محمد بن المثنى و داود بن شعيب، فباتوا بنوش مع عبد الملك بن حرمله و من كان معه، فلما أصبحوا أتوا حوزان، و احرقوا منزل عزه أم ولد نصر- و أقاموا ثلاثة ايام، و قالوا: لا نرضى، فعند ذلك صيروا عليه الأمناء، فجعلوا معه يزيد النحوي و غيره، فجاء رجل من اهل نسف، فقال لجعفر غلام الكرماني: ما تجعلون لي ان اخرجته؟

قالوا: لك ما سالت، فاتى مجرى الماء من القهندز فوسعه، و اتى ولد الكرماني، و قال لهم: اكتبوا الى أبيكم يستعد الليلة للخروج، فكتبوا اليه، و ادخلوا الكتاب في الطعام، فدعا الكرماني يزيد النحوي و حصين بن حكيم فتعشيا معه و خرجا، و دخل الكرماني السرب، فأخذوا بعضده، فانطوت على بطنه حيه فلم تضره، فقال بعض الأزد: كانت الحيه ازديه فلم تضره.

قال: فانتهى الى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه و جنبه، فلما خرج ركب بغلته دوامه- و يقال: بل ركب فرسه البشير- و القيد في رجله، فاتوا به قريه تسمى غلطان، و فيها عبد الملك بن حرمله، فاطلق عنه.

قال على: و قال ابو الوليد زهير بن هنيد العدوى: كان مع الكرماني غلامه بسام، فراى خرقا على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى امكنه الخروج منه.

قال: فأرسل الكرماني الى محمد بن المثنى و عبد الملك بن حرمله: انى خارج‏

290

الليلة، فاجتمعوا، و خرج فأتاهم فرقد مولاه، فاخبرهم، فلقوه في قريه حرب ابن عامر، و عليه ملحفه متقلدا سيفا، و معه عبد الجبار بن شعيب و ابنا الكرماني: على و عثمان، و جعفر غلامه، فامر عمرو بن بكر، ان ياتى غلطان و اندغ و اشترج معا، و امرهم ان يوافوه على باب الريان بن سنان اليحمدى بنوش في المرج- و كان مصلاهم في العيد- فأتاهم فاخبرهم، فخرج القوم من قراهم في السلاح، فصلى بهم الغداة، و هم زهاء الف، فما ترجلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، و أتاهم اهل السقادم، فسار على مرج نيران حتى اتى حوزان، فقال خلف بن خليفه:

اصحروا للمرج اجلى للعمى* * * فلقد اصحر اصحاب السرب‏

ان مرج الأزد مرج واسع* * * تستوى الاقدام فيه و الركب‏

و قيل: ان الأزد بايعت لعبد الملك بن حرمله على كتاب الله عز و جل ليله خرج الكرماني، فلما اجتمعوا في مرج نوش أقيمت الصلاة، فاختلف عبد الملك و الكرماني ساعه، ثم قدمه عبد الملك، و صيرا الأمر له، فصلى الكرماني و لما هرب الكرماني اصبح نصر معسكرا بباب مرو الروذ بناحيه ايردانه، فأقام يوما او يومين.

و قيل: لما هرب الكرماني استخلف نصر عصمه بن عبد الله الأسدي، و خرج الى القناطر الخمس بباب مرو الروذ، و خطب الناس، فنال من الكرماني، فقال: ولد بكرمان و كان كرمانيا، ثم سقط الى هراة فكان هرويا، و الساقط بين الفراشين لا اصل ثابت، و لا فرع نابت، ثم ذكر الأزد، فقال: ان يستوثقوا فأذل قوم، و ان يابوا فهم كما قال الاخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت* * * فدل عليها صوتها حيه البحر

ثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله، فان ذكر الله شفاء، ذكر الله خير لا شر فيه، يذهب الذنب، و ذكر الله براءه من النفاق ثم اجتمع الى نصر بشر كثير، فوجه سلم بن احوز الى الكرماني في‏

291

المجففة في بشر كثير فسفر الناس بين نصر و الكرماني، و سألوا نصرا ان يؤمنه و لا يحبسه، و يضمن عنه قومه الا يخالفه فوضع يده في يد نصر فأمره بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شي‏ء، فخرج الى قريه له، و خرج نصر فعسكر بالقناطر، فأتاه القاسم بن نجيب، فكلمه فيه فآمنه، و قال له:

ان شئت خرج لك عن خراسان، و ان شئت اقام في داره- و كان راى نصر اخراجه- فقال له سلم: ان اخرجته نوهت باسمه و ذكره، و قال الناس:

اخرجه لأنه هابه، فقال نصر: ان الذى اتخوفه منه إذا خرج ايسر مما اتخوفه منه و هو مقيم، و الرجل إذا نفى عن بلده صغر امره فأبوا عليه، فكف عنه، و اعطى من كان معه عشره عشره و اتى الكرماني نصرا، فدخل سرادقه فآمنه و لحق عبد العزيز بن عبد ربه بالحارث بن سريج.

و اتى نصرا عزل منصور بن جمهور و ولايه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوال سنه ست و عشرين و مائه، فخطب الناس، و ذكر ابن جمهور، و قال: قد علمت انه لم يكن من عمال العراق، و قد عزله الله، و استعمل الطيب ابن الطيب، فغضب الكرماني لابن جمهور، فعاد في جمع الرجال و اتخاذ السلاح و كان يحضر الجمعه في الف و خمسمائة و اكثر و اقل، فيصلى خارجا من المقصورة ثم يدخل على نصر، فيسلم و لا يجلس ثم ترك اتيان نصر و اظهر الخلاف، فأرسل اليه نصر مع سلم بن احوز: انى و الله ما اردت بك في حبسك سوءا، و لكن خفت ان تفسد امر الناس، فاتنى فقال الكرماني: لو لا انك في منزلي لقتلتك، و لو لا ما اعرف من حمقك احسنت ادبك، فارجع الى ابن الأقطع فابلغه ما شئت من خير و شر فرجع الى نصر فاخبره، فقال: عد اليه، فقال: لا و الله، و ما بي هيبة له و لكنى اكره ان يسمعني فيك ما اكره فبعث اليه عصمه بن عبد الله الأسدي، فقال: يا أبا على، انى اخاف عليك عاقبه ما ابتدأت به في دينك و دنياك، و نحن نعرض عليك خصالا، فانطلق الى اميرك يعرضها عليك، و ما نريد

292

بذلك الا الإنذار إليك فقال الكرماني: انى اعلم ان نصرا لم يقل هذا لك و لكنك اردت ان يبلغه فتحظى، و الله لا اكلمك كلمه بعد انقضاء كلامي حتى ترجع الى منزلك، فيرسل من أحب غيرك فرجع عصمه، و قال:

ما رايت علجا اعدى لطوره من الكرماني، و ما اعجب منه، و لكن من يحيى بن حصين لعنهم الله! و الله لهم أشد تعظيما له من اصحابه قال سلم ابن احوز: انى اخاف فساد هذا الثغر و الناس، فأرسل اليه قديدا و قال نصر لقديد بن منيع: انطلق اليه، فأتاه فقال له: يا أبا على، لقد لججت و اخاف ان يتفاقم الأمر فنهلك جميعا، و تشمت بنا هذه الأعاجم، فقال:

يا قديد، انى لا اتهمك، و قد جاء ما لا أثق بنصر معه، [و قد قال رسول الله ص: البكرى اخوك و لا تثق به،] قال: اما إذ وقع هذا في نفسك فأعطه رهنا، قال: من؟ قال: أعطه عليا و عثمان، قال: فمن يعطيني؟ و لا خير فيه، قال: يا أبا على، أنشدك الله ان يكون خراب هذه البلده على يديك و رجع الى نصر، فقال لعقيل بن معقل الليثى: ما أخوفني ان يقع بهذا الثغر بلاء، فكلم ابن عمك، فقال عقيل لنصر: ايها الأمير، أنشدك الله ان تشام عشيرتك، ان مروان بالشام تقاتله الخوارج، و الناس في فتنه و الأزد سفهاء و هم جيرانك.

قال: فما اصنع؟ ان علمت امرا يصلح الناس فدونك، فقد عزم انه لا يثق بي قال: فاتى عقيل الكرماني، فقال: أبا على، قد سننت سنه تطلب بعدك من الأمراء، انى ارى امرا اخاف ان تذهب فيه العقول، قال الكرماني:

ان نصرا يريد ان آتيه و لا آمنه، و نريد ان يعتزل و نعتزل، و نختار رجلا من بكر بن وائل، نرضاه جميعا، فيلي امرنا جميعا حتى ياتى امر من الخليفة، و هو يأبى هذا قال: يا أبا على، انى اخاف ان يهلك اهل هذا الثغر، فات اميرك و قل ما شئت تجب اليه، و لا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه، فقال الكرماني: انى لا اتهمك في نصيحه و لا عقل، و لكنى لا أثق بنصر، فليحمل من مال خراسان ما شاء و يشخص قال: فهل لك في امر يجمع الأمر بينكما؟ تتزوج اليه و يتزوج إليك، قال: لا آمنه على حال،

293

قال: ما بعد هذا خير، و انى خائف ان تهلك غدا بمضيعه، قال: لا حول و لا قوه الا بالله، فقال له عقيل: اعود إليك؟ قال: لا، و لكن ابلغه عنى و قل له: لا آمن ان يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقية بعده، فان شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، و لكن اكره ان اشام اهل هذه البلده، و اسفك الدماء فيها و تهيأ ليخرج الى جرجان‏

. خبر الحارث بن سريج مع يزيد

و في هذه السنه آمن يزيد بن الوليد الحارث بن سريج، و كتب له بذلك، فكتب الى عبد الله بن عمر يأمره برد ما كان أخذ منه من ماله و ولده ذكر الخبر عن سبب ذلك:

ذكر ان الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر و الكرماني، خاف نصر قدوم الحارث بن سريج عليه باصحابه و الترك، فيكون امره أشد عليه من الكرماني و غيره، و طمع ان يناصحه، فأرسل اليه مقاتل بن حيان النبطي و ثعلبه بن صفوان البناني و انس بن بجاله الأعرجي و هدبه الشعراوى و ربيعه القرشي ليردوه عن بلاد الترك.

فذكر على بن محمد عن شيوخه ان خالد بن زياد البدى من اهل الترمذ و خالد بن عمرو مولى بنى عامر، خرجا الى يزيد بن الوليد يطلبان الامان للحارث بن سريج، فقدما الكوفه، فلقيا سعيد خدينه، فقال لخالد ابن زياد: ا تدرى لم سموني خدينه؟ قال: لا، قال: ارادونى على قتل اهل اليمن فأبيت و سالا أبا حنيفه ان يكتب لهما الى الاجلح- و كان من خاصه يزيد بن الوليد- فكتب لهما اليه، فأدخلهما عليه، فقال له خالد بن زياد:

يا امير المؤمنين، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله، و عمالك يغشمون و يظلمون! قال: لا أجد أعوانا غيرهم، و انى لأبغضهم، قال: يا امير المؤمنين، ول اهل البيوتات، و ضم الى كل عامل رجالا من اهل الخير و الفقه يأخذونهم بما في عهدك، قال: افعل، و سألاه أمانا للحارث بن سريج، فكتب له:

اما بعد، فانا غضبنا لله، إذ عطلت حدوده، و بلغ بعباده كل مبلغ،

294

و سفكت الدماء بغير حلها، و أخذت الأموال بغير حقها، فأردنا ان نعمل في هذه الامه بكتاب الله جل و عز و سنه نبيه ص، و لا قوه الا بالله، فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا، فاقبل آمنا أنت و من معك، فإنكم إخواننا و اعواننا و قد كتبت الى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز برد ما كان اصطفى من أموالكم و ذراريكم.

فقدما الكوفه فدخلا على ابن عمر، فقال خالد بن زياد: اصلح الله الأمير! الا تامر عمالك بسيره ابيك؟ قال: او ليس سيره عمر ظاهره معروفه! قال: فما ينفع الناس منها و لا يعمل بها! ثم قدما مرو فدفعا كتاب يزيد الى نصر، فرد ما كان أخذ لهم مما قدر عليه ثم نفذا الى الحارث، فلقيا مقاتل بن حيان و اصحابه الذين وجههم نصر الى الحارث و كان ابن عمر كتب الى نصر: انك آمنت الحارث بغير اذنى و لا اذن الخليفة فاسقط في يديه، فبعث يزيد بن الأحمر و امره ان يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة فلما لقيا مقاتلا بامل قطع اليه مقاتل بنفسه، فكف عنه يزيد قال: فاقبل الحارث يريد مرو- و كان مقامه بأرض الشرك اثنى عشره سنه- و قدم معه القاسم الشيبانى و مضرس بن عمران قاضيه و عبد الله بن سنان فقدم سمرقند و عليها منصور بن عمر فلم يتلقه، و قال: الحسن بلائه! و كتب الى نصر يستاذنه في الحارث ان يثب به، فأيهما قتل صاحبه فالى الجنه او الى النار و كتب اليه: لئن قدم الحارث على الأمير و قد ضر ببني اميه في سلطانهم، و هو والغ في دم بعد دم، قد طوى كشحا عن الدنيا بعد ان كان في سلطانهم اقراهم لضيف، و اشدهم بأسا، و انفذهم غاره في الترك، ليفرقن عليك بنى تميم و كان سردرخداه محبوسا عند منصور بن عمر، لأنه قتل بياسان، فاستعدى ابنه جنده منصورا، فحبسه، فكلم الحارث منصورا فيه، فخلى سبيله، فلزم الحارث و وفى له‏

. كتاب ابراهيم الامام الى شيعه بنى العباس‏

و في هذه السنه- فيما زعم بعضهم- وجه ابراهيم بن محمد الامام أبا هاشم بكير بن ماهان الى خراسان، و بعث معه بالسيره و الوصية فقدم مرو،

295

و جمع النقباء و من بها من الدعاه، فنعى لهم الامام محمد بن على، و دعاهم الى ابراهيم، و دفع اليهم كتاب ابراهيم، فقبلوه و دفعوا اليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على ابراهيم بن محمد

. ذكر بيعه ابراهيم بن الوليد بالعهد

و في هذه السنه أخذ يزيد بن الوليد لأخيه ابراهيم بن الوليد على الناس البيعه، و جعله ولى عهده، و لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بعد ابراهيم ابن الوليد، و كان السبب في ذلك- فيما حدثنى احمد بن زهير، عن على ابن محمد- ان يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجه سنه ست و عشرين و مائه، فقيل له: بايع لأخيك ابراهيم و لعبد العزيز بن الحجاج من بعده قال: فلم تزل القدرية يحثونه على البيعه، و يقولون له: انه لا يحل لك ان تهمل امر الامه فبايع لأخيك، حتى بايع لإبراهيم و لعبد العزيز بن الحجاج من بعده.

و في هذه السنه عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، و ولاها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال محمد بن عمر: يقال ان يزيد بن الوليد لم يوله، و لكنه افتعل كتابا بولايته المدينة، فعزله يزيد عنها، و ولاها عبد العزيز بن عمر، فقدمها لليلتين بقيتا من ذي القعده‏

. ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد

و في هذه السنه اظهر مروان بن محمد الخلاف على يزيد بن الوليد، و انصرف من أرمينية الى الجزيرة، مظهرا انه طالب بدم الوليد بن يزيد فلما صار بحران بايع يزيد.

ذكر الخبر عما كان منه في ذلك و عن السبب الذى حمله على الخلاف ثم البيعه:

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم بن خالد ابن يزيد بن هريم، قال: حدثنا ابو هاشم مخلد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان- و سألته عما شهد مما حدثنا به فقال: لم أزل في عسكر مروان بن محمد- قال: كان عبد الملك بن مروان بن محمد بن مروان حين‏

296

انصرف عن غزاته الصائفه مع الغمر بن يزيد بحران، فأتاه قتل الوليد و هو بها، على الجزيرة عبده بن رباح الغساني عاملا للوليد عليها، فشخص منها- حيث بلغه قتل الوليد- الى الشام، و وثب عبد الملك بن مروان بن محمد على حران و مدائن الجزيرة فضبطها، و ولاها سليمان بن عبد الله بن علاثة، و كتب الى ابيه بإرمينية يعلمه بذلك، و يشير عليه بتعجيل السير و القدوم فتهيأ مروان للمسير، و اظهر انه يطلب بدم الوليد، و كره ان يدع الثغر معطلا حتى يحكم امره، فوجه الى اهل الباب إسحاق بن مسلم العقيلي- و هو راس قيس- و ثابت بن نعيم الجذامى من اهل فلسطين- و هو راس اليمن- و كان سبب صحبه ثابت اياه ان مروان كان خلصه من حبس هشام بالرصافة و كان مروان يقدم على هشام المره في السنتين، فيرفع اليه امر الثغر و حاله و مصلحه من به من جنوده، و ما ينبغى ان يعمل به في عدوه و كان سبب حبس هشام ثابتا ما قد ذكرنا قبل من امره مع حنظله بن صفوان و افساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر و اهل إفريقية، إذ قتلوا عامل هشام عليهم، كلثوم بن عياض القسرى، فشكا ذلك من امره حنظله الى هشام في كتاب كتبه اليه، فامر هشام حنظله بتوجيهه اليه في الحديد، فوجهه حنظله اليه، فحبسه هشام، فلم يزل في حبسه حتى قدم مروان بن محمد على هشام في بعض وفاداته- و قد ذكرنا بعض امر كلثوم ابن عياض و امر إفريقية معه في موضعه فيما مضى من كتابنا هذا- فلما قدم مروان على هشام أتاه رءوس اهل اليمانيه، ممن كان مع هشام، فطلبوا اليه فيه، و كان ممن كلمه فيه كعب بن حامد العبسى صاحب شرط هشام و عبد الرحمن بن الضخم و سليمان بن حبيب قاضيه، فاستوهبه مروان منه فوهبه له، فشخص الى أرمينية، فولاه و حباه، فلما وجه مروان ثابتا مع إسحاق الى اهل الباب، كتب اليهم معهما كتابا يعلمهم فيه حال ثغرهم و ما لهم من الاجر في لزوم امرهم و مراكزهم، و ما في ثبوتهم فيه من دفع مكروه العدو عن ذراري المسلمين.

قال: و حمل اليهم معهما اعطياتهم، و ولى عليهم رجلا من اهل‏

297

فلسطين يقال له حميد بن عبد الله اللخمى- و كان رضيا فيهم و كان وليهم قبل ذلك- فحمدوا ولايته فقاما فيهم بامره، و ابلغاهم رسالته، و قرآ عليهم كتابه، فأجابوا الى الثبوت في ثغرهم و لزوم مراكزهم ثم بلغه ان ثابتا قد كان يدس الى قوادهم بالانصراف من ثغرهم و اللحاق باجنادهم، فلما انصرفا اليه تهيأ للمسير و عرض جنده، و دس ثابت بن نعيم الى من معه من اهل الشام بالانخزال عن مروان و الانضام اليه ليسير بهم الى اجنادهم، و يتولى امرهم، فانخزلوا عن عسكرهم مع من فر ليلا و عسكروا على حده.

و بلغ مروان امرهم فبات ليلته و من معه في السلاح يتحارسون حتى اصبح، ثم خرج اليهم بمن معه و من مع ثابت يضعفون على من مع مروان، فصافوهم ليقاتلوهم، فامر مروان منادين فنادوا بين الصفين من الميمنه و الميسره و القلب، فنادوهم: يا اهل الشام، ما دعاكم الى الانعزال! و ما الذى نقمتم على فيه من سيرى! ا لم الكم بما تحبون، و احسن السيرة فيكم و الولاية عليكم! ما الذى دعاكم الى سفك دمائكم! فأجابوه بانا كنا نطيعك بطاعة خليفتنا و قد قتل خليفتنا و بايع اهل الشام يزيد بن الوليد، فرضينا بولاية ثابت، و راسناه ليسير بنا على الويتنا حتى نرد الى اجنادنا فامر مناديه فنادى: ان قد كذبتم، و ليس تريدون الذى قلتم، و انما أردتم ان تركبوا رءوسكم، فتغصبوا من مررتم به من اهل الذمة أموالهم و أطعمتهم و اعلافهم، و ما بيني و بينكم الا السيف حتى تنقادوا الى، فاسير بكم حتى اوردكم الفرات، ثم اخلى عن كل قائد و جنده، فتلحقون باجنادكم فلما رأوا الجد منه انقادوا اليه و مالوا له، و امكنوه من ثابت بن نعيم و اولاده، و هم اربعه رجال: رفاعة، و نعيم، و بكر، و عمران قال: فامر بهم فانزلوا عن خيولهم، و سلبوا سلاحهم، و وضع في ارجلهم السلاسل.

و وكل بهم عده من حرسه يحتفظون بهم، و شخص بجماعه من الجند من اهل الشام و الجزيرة، و ضمهم الى عسكره، و ضبطهم في مسيره، قلم يقدر احد منهم على ان يفسد و لا يظلم أحدا من اهل القرى، و لا يرزاه شيئا الا يثمن، حتى ورد حران ثم امرهم باللحاق باجنادهم، و حبس ثابتا معه،

298

و دعا اهل الجزيرة الى الفرض، ففرض لنيف و عشرين ألفا من اهل الجلد منهم، و تهيأ للمسير الى يزيد، و كاتبه يزيد على ان يبايعه و يوليه ما كان عبد الملك بن مروان ولى أباه محمد بن مروان من الجزيرة و أرمينية و الموصل و اذربيجان، فبايع له مروان، و وجه اليه محمد بن عبد الله بن علاثة و نفرا من وجوه الجزيرة.

ذكر خبر وفاه يزيد بن الوليد

و في هذه السنه مات يزيد بن الوليد، و كانت وفاته سلخ ذي الحجه من سنه ست و عشرين و مائه قال ابو معشر ما حدثنى به احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: توفى يزيد بن الوليد في ذي الحجه بعد الاضحى سنه ست و عشرين و مائه، و كانت خلافته في قول جميع من ذكرنا سته اشهر، و قيل كانت خلافته خمسه اشهر و ليلتين.

و قال هشام بن محمد: ولى سته اشهر و أياما و قال على بن محمد:

كانت ولايته خمسه اشهر و اثنى عشر يوما.

و قال على بن محمد: مات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجه سنه ست و عشرين و مائه، و هو ابن ست و اربعين سنه و كانت ولايته فيما زعم سته اشهر و ليلتين، و توفى بدمشق و اختلف في مبلغ سنه.

يوم توفى فقال هشام توفى و هو ابن ثلاثين سنه.

و قال بعضهم: توفى و هو ابن سبع و ثلاثين سنه و كان يكنى أبا خالد و أمه أم ولد اسمها شاه‏آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار ابن كسرى و هو القائل:

انا ابن كسرى و ابى مروان* * * و قيصر جدي و جد خاقان‏

و قيل: انه كان قدريا و كان- فيما حدثنى احمد، عن على بن محمد في صفته- اسمر طويلا، صغير الراس، بوجهه خال و كان جميلا من رجل، في فمه بعض السعه، و ليس بالمفرط

299

و قيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التي كان الوليد زادها الناس في قول الواقدى، و اما على بن محمد فانه قال: سبه مروان بن محمد، فقال:

الناقص ابن الوليد، فسماه الناس الناقص و حج بالناس في هذه السنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان في قول الواقدى و قال بعضهم: حج بالناس في هذه السنه عمر بن عبد الله ابن عبد الملك، بعثه يزيد بن الوليد، و خرج معه عبد العزيز و هو على المدينة و مكة و الطائف.

و كان عامله على العراق في هذه السنه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، و على قضاء الكوفه ابن ابى ليلى، و على احداث البصره المسور بن عمر بن عباد.

و على قضائها عامر بن عبيده، و على خراسان نصر بن سيار الكنانى‏

. خلافه ابى إسحاق ابراهيم بن الوليد

ثم كان ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان غير انه لم يتم له امر.

فحدثني احمد بن زهير، عن على بن محمد، قال: لم يتم لإبراهيم امره، و كان يسلم عليه جمعه بالخلافة، و جمعه بالإمرة، و جمعه لا يسلمون عليه لا بالخلافة و لا بالإمرة، فكان على ذلك امره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه و قتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.

و قال هشام بن محمد: استخلف يزيد بن الوليد أبا إسحاق ابراهيم بن الوليد، فمكث اربعه اشهر ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنه ست و عشرين و مائه، ثم لم يزل حيا حتى اصيب في سنه اثنتين و ثلاثين و مائه أمه أم ولد.

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابو هاشم مخلد بن محمد، قال: كانت ولايه ابراهيم بن الوليد سبعين ليله.

300

سنه سبع و عشرين و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث)

ذكر مسير مروان الى الشام و خلع ابراهيم بن الوليد

فمما كان فيها من ذلك مسير مروان بن محمد الى الشام و الحرب التي جرت بينه و بين سليمان بن هشام بعين الجر.

ذكر ذلك و السبب الذى كانت عنه هذه الوقعه:

قال ابو جعفر: و كان السبب ما ذكرت بعضه، من امر مسير مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد الى الجزيرة من أرمينية، و غلبته عليها، مظهرا انه ثائر بالوليد، منكر قتله، ثم اظهاره البيعه ليزيد بن الوليد بعد ما ولاه عمل ابيه محمد بن مروان، و اظهاره ما اظهر من ذلك، و توجيهه و هو بحران محمد بن عبد الله بن علاثة و جماعه من وجوه اهل الجزيرة فحدثني احمد، قال:

حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابو هاشم مخلد بن محمد، قال: لما اتى مروان موت يزيد ارسل الى ابن علاثة و اصحابه فردهم من منبج، و شخص الى ابراهيم بن الوليد، فسار مروان في جند الجزيرة، و خلف ابنه عبد الملك في اربعين الف من الرابطة بالرقة فلما انتهى الى قنسرين، و بها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشر، كان ولاه قنسرين فخرج اليه فصافه، فنادى الناس، و دعاهم مروان الى مبايعته، فمال اليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية، و أسلموا بشرا و أخا له يقال له مسرور بن الوليد،- و كان أخا بشر لامه و ابيه- فأخذه مروان و أخاه مسرور بن الوليد، فحبسهما و سار فيمن معه من اهل الجزيرة و اهل قنسرين، متوجها الى اهل حمص، و كان اهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بن الوليد ان يبايعوا ابراهيم و عبد العزيز ابن الحجاج، فوجه اليه ابراهيم عبد العزيز بن الحجاج و جند اهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، و اغذ مروان السير، فلما دنا من مدينه حمص، رحل عبد العزيز عنهم، و خرجوا الى مروان فبايعوه، و ساروا باجمعهم معه‏

301

و وجه ابراهيم بن الوليد الجنود مع سليمان بن هشام، فسار بهم حتى نزل عين الجر، و أتاه مروان و سليمان في عشرين و مائه الف فارس و مروان في نحو من ثمانين ألفا فالتقيا، فدعاهم مروان الى الكف عن قتاله، و التخلية عن ابنى الوليد: الحكم و عثمان، و هما في سجن دمشق محبوسان، و ضمن عنهما الا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما، و الا يطلبا أحدا ممن ولى قتله، فأبوا عليه، وجدوا في قتاله، فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار الى العصر، و استحر القتل بينهم، و كثر في الفريقين و كان مروان مجربا مكايدا، فدعا ثلاثة نفر من قواده- احدهم أخ لإسحاق بن مسلم يقال له عيسى- فأمرهم بالمسير خلف صفه في خيله و هم ثلاثة آلاف، و وجه معهم فعله بالفؤوس، و قد ملا الصفان من اصحابه و اصحاب سليمان بن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرج، و بين العسكرين نهر جرار، و امرهم إذا انتهوا الى الجبل ان يقطعوا الشجر، فيعقدوا جسورا، و يجوزوا الى عسكر سليمان، و يغيروا فيه.

قال: فلم تشعر خيول سليمان و هم مشغولون بالقتال الا بالخيل و البارقه و التكبير في عسكرهم من خلفهم، فلما رأوا ذلك انكسروا، و كانت هزيمتهم، و وضع اهل حمص السلاح فيهم لحردهم عليهم، فقتلوا منهم نحوا من سبعه عشر ألفا، و كف اهل الجزيرة و اهل قنسرين عن قتلهم، فلم يقتلوا منهم أحدا، و أتوا مروان من اسرائهم بمثل عده القتلى و اكثر، و استبيح عسكرهم.

فاخذ مروان عليهم البيعه للغلامين: الحكم و عثمان، و خلى عنهم بعد ان قواهم.

بدينار دينار، و الحقهم بأهاليهم، و لم يقتل منهم الا رجلين يقال لأحدهما يزيد بن العقار و للآخر الوليد بن مصاد الكلبيان، و كانا فيمن سار الى الوليد و ولى قتله و كان يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى معهم، فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بن هشام الى دمشق، و كان أحدهما- يعنى الكلبيين- على حرس يزيد و الآخر على شرطه، فانه ضربهما في موقفه ذلك بالسياط، ثم امر بهما فحبسا فهلكا في حبسه.

قال: و مضى سليمان و من معه من الفل حتى صبحوا دمشق، و اجتمع‏

302

اليه و الى ابراهيم و عبد العزيز بن الحجاج رءوس من معهم، و هم يزيد بن خالد القسرى و ابو علاقة السكسكى و الأصبغ بن ذؤاله الكلبى و نظراؤهم، فقال بعضهم لبعض: ان بقي الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان و يخرجهما من الحبس و يصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتله أبيهما، و الرأي ان نقتلهما.

فولوا ذلك يزيد بن خالد- و معهما في الحبس ابو محمد السفياني و يوسف بن عمر- فأرسل يزيد مولى لخالد يقال له أبا الأسد، في عده من اصحابه، فدخل السجن، فشدخ الغلامين بالعمد، و اخرج يوسف بن عمر ليقتلوه، و ضربت عنقه و أرادوا قتل ابى محمد السفياني، فدخل بيتا من بيوت السجن فاغلقه، و القى خلفه الفرش و الوسائد، و اعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه، فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها، حتى قيل: قد دخلت خيل مروان المدينة و هرب ابراهيم بن الوليد، و تغيب، و انهب سليمان ما كان في بيت المال و قسمه فيمن معه من الجنود و خرج من المدينة

. ذكر ظهور عبد الله بن معاويه بن عبد الله بن جعفر

قال ابو جعفر: و في هذه السنه دعا الى نفسه عبد الله بن معاويه بن عبد الله بن جعفر بن ابى طالب بالكوفه، و حارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان، فهزمه عبد الله بن عمر، فلحق بالجبال فغلب عليها.

ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله و دعائه الناس الى نفسه:

و كان اظهار عبد الله بن معاويه الخلاف على عبد الله بن عمر و نصبه الحرب له- فيما ذكر هشام عن ابى مخنف- في المحرم سنه سبع و عشرين و مائه.

و كان سبب خروجه عليه- فيما حدثنى احمد، عن على بن محمد، عن عاصم ابن حفص التميمى و غيره من اهل العلم- ان عبد الله بن معاويه بن عبد الله ابن جعفر قدم الكوفه زائرا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، يلتمس صلته، لا يريد خروجا، فتزوج ابنه حاتم بن الشرقى بن عبد المؤمن بن شبث بن‏

303

ربعي، فلما وقعت العصبية قال له اهل الكوفه: ادع الى نفسك، فبنو هاشم اولى بالأمر من بنى مروان، فدعا سرا بالكوفه و ابن عمر بالحيرة، و بايعه ابن ضمره الخزاعي، فدس اليه ابن عمر فارضاه، فأرسل اليه: إذا نحن التقينا بالناس انهزمت بهم و بلغ ابن معاويه، فلما التقى الناس قال ابن معاويه: ان ابن ضمره قد غدر، و وعد ابن عمران ينهزم بالناس، فلا يهولنكم انهزامه، فانه عن غدر يفعل فلما التقوا انهزم ابن ضمره، و انهزم الناس، فلم يبق معه احد، فقال:

تفرقت الظباء على خداش* * * فما يدرى خداش ما يصيد

فرجع ابن معاويه الى الكوفه، و كانوا التقوا ما بين الحيرة و الكوفه، ثم خرج الى المدائن فبايعوه، و أتاه قوم من اهل الكوفه، فخرج فغلب على حلوان و الجبال.

قال: و يقال قدم عبد الله بن معاويه الكوفه و جمع جمعا، فلم يعلم عبد الله بن عمر حتى خرج في الجبانة مجمعا على الحرب، فالتقوا، و خالد بن قطن الحارثى على اهل اليمن، فشد عليه الأصبغ بن ذؤاله الكلبى في اهل الشام، فانهزم خالد و اهل الكوفه و امسكت نزار عن نزار و رجعوا، و اقبل خمسون رجلا من الزيدية الى دار ابن محرز القرشي يريدون القتال، فقتلوا، و لم يقتل من اهل الكوفه غيرهم.

قال: و خرج ابن معاويه من الكوفه مع عبد الله بن عباس التميمى الى المدائن، ثم خرج منها فغلب على الماهين و همذان و قومس و أصبهان و الري، و خرج اليه عبيد اهل الكوفه، و قال:

فلا تركبن الصنيع الذى* * * تلوم اخاك على مثله‏

304

و لا يعجبنك قول امرى* * * يخالف ما قال في فعله‏

و اما ابو عبيده معمر بن المثنى، فانه زعم ان سبب ذلك ان عبد الله و الحسن و يزيد بن معاويه بن عبد الله بن جعفر قدموا على عبد الله بن عمر، فنزلوا في النخع، في دار مولى لهم، يقال له الوليد بن سعيد، فاكرمهم ابن عمر و اجازهم، و اجرى عليهم كل يوم ثلاثمائة درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد، و بايع الناس أخاه ابراهيم بن الوليد و من بعده عبد العزيز ابن الحجاج بن عبد الملك، فقدمت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفه، فبايع الناس لهما، و زادهم في العطاء مائه مائه، و كتب بيعتهما الى الافاق، فجاءته البيعه، فبينا هو كذلك، إذ أتاه الخبر بان مروان بن محمد قد سار في اهل الجزيرة الى ابراهيم بن الوليد، و انه امتنع من البيعه له، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاويه عنده، و زاده فيما كان يجرى عليه، و اعده لمروان ابن محمد ان هو ظفر بابراهيم بن الوليد ليبايع له، و يقاتل به مروان، فماج الناس في امرهم، و قرب مروان من الشام، و خرج اليه ابراهيم فقاتله مروان، فهزمه و ظفر بعسكره و خرج هاربا، و ثبت عبد العزيز بن الحجاج يقاتل حتى قتل و اقبل اسماعيل بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسرى هاربا حتى اتى الكوفه، و كان في عسكر ابراهيم، فافتعل كتابا على لسان ابراهيم بولاية الكوفه، فأرسل الى اليمانيه، فاخبرهم سرا ان ابراهيم بن الوليد ولاه العراق، فقبلوا ذلك منه، و بلغ الخبر عبد الله بن عمر فباكره صلاه الغداة، فقاتله من ساعته، و معه عمر بن الغضبان، فلما راى اسماعيل ذلك- و لا عهد معه و صاحبه الذى افتعل العهد على لسانه هارب منهزم- خاف ان يظهر امره فيفتضح و يقتل، فقال لأصحابه: انى كاره لسفك الدماء، و لم احس ان يبلغ الأمر ما بلغ، فكفوا ايديكم فتفرق القوم عنه، فقال لأهل بيته: ان ابراهيم قد هرب، و دخل مروان دمشق، فحكى ذلك عن‏

305

اهل بيته، فانتشر الخبر، و اشرأبت الفتنة، و وقعت العصبية بين الناس.

و كان سبب ذلك ان عبد الله بن عمر كان اعطى مضر و ربيعه عطايا عظاما، و لم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي و عثمان بن الخيبرى أخا بنى تيم اللات بن ثعلبه شيئا، و لم يسوهما بنظرائهما، فدخلا عليه، فكلماه كلاما غليظا، فغضب ابن عمر، و امر بهما، فقام إليهما عبد الملك الطائي- و كان على شرطه يقوم على راسه- فدفعهما، فدفعاه و خرجا مغضبين.

و كان ثمامة بن حوشب بن رويم الشيبانى حاضرا، فخرج مغاضبا لصاحبيه، فخرجوا جميعا الى الكوفه، و كان هذا و ابن عمر بالحيرة، فلما دخلوا الكوفه نادوا: يا آل ربيعه، فثارت اليهم ربيعه، فاجتمعوا و تنمروا، و بلغ الخبر ابن عمر، فأرسل اليهم أخاه عاصما، فأتاهم و هم بدير هند قد اجتمعوا و حشدوا، فالقى نفسه بينهم، و قال: هذه يدي لكم فاحكموا، فاستحيوا و عظموا عاصما، و تشكروا له، و اقبل على صاحبيهم فسكتا و كفا، فلما امسى ابن عمر ارسل من تحت ليلته الى عمر بن الغضبان بمائه الف، فقسمها في قومه بنى همام بن مره بن ذهل بن شيبان، و ارسل الى ثمامة بن حوشب بن رويم بمائه الف، فقسمها في قومه، و ارسل الى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشره آلاف، و الى عثمان بن الخيبرى بعشره آلاف.

قال ابو جعفر: فلما رات الشيعة ضعفه اغتمزوا فيه، و اجترءوا عليه و طمعوا فيه و دعوا الى عبد الله بن معاويه بن عبد الله بن جعفر و كان الذى ولى ذلك هلال ابن ابى الورد مولى بنى عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد، فاجتمعوا فيه و هلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاويه، ثم مضوا من فورهم الى عبد الله، فاخرجوه من دار الوليد بن سعيد، حتى ادخلوه القصر، و حالوا بين عاصم بن عمر و بين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة، و جاء ابن معاويه الكوفيون فبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان بن القبعثرى و منصور بن جمهور و اسماعيل بن عبد الله القسرى و من كان من اهل الشام بالكوفه له اهل و اصل، فأقام بالكوفه أياما يبايعه الناس، و اتته البيعه من المدائن و فم النيل، و اجتمع اليه الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة،

306

و برز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من اهل الشام، فخرج رجل من اهل الشام يسأله البراز، فبرز له القاسم بن عبد الغفار، فقال له الشامي: لقد دعوت حين دعوت، و ما أظن ان يخرج الى رجل من بكر بن وائل، و الله ما اريد قتالك، و لكن احببت ان القى إليك ما انتهى إلينا، اخبرك انه ليس معكم رجل من اهل اليمن، لا منصور و لا اسماعيل و لا غيرهما الا و قد كاتب عبد الله بن عمر، و جاءته كتب مضر، و ما ارى لكم ايها الحى من ربيعه كتابا و لا رسولا، و ليسوا مواقيعكم يومكم حتى تصبحوا فيواقعوكم، فان استطعتم الا تكون بكم الحزه فافعلوا، فانى رجل من قيس، و سنكون غدا بازائكم، فان أردتم الكتاب الى صاحبنا ابلغته، و ان أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد ابلغتكم حال الناس فدعا القاسم رجالا من قومه، فاعلمهم ما قال له الرجل، و ان ميمنه ابن عمر من ربيعه، و مضر ستقف بإزاء ميسرته و فيها ربيعه، فقال عبد الله بن معاويه: ان هذه علامه ستظهر لنا ان أصبحنا، فان أحب عمر بن الغضبان فليلقنى الليلة، و ان منعه شغل ما هو فيه فهو عذر، و قل له: انى لأظن القيسى قد كذب، فاتى الرسول عمر بذلك، فرده اليه بكتاب يعلمه ان رسولي هذا بمنزلتي عندي، و يأمره ان يتوثق من منصور و اسماعيل، و انما اراد ان يعلمهما بذلك قال: فأبى ابن معاويه ان يفعل، فاصبح الناس غادين على القتال، و قد جعل اليمن في الميمنه و مضر و ربيعه في الميسره، و نادى مناد: من اتى برأس فله كذا و كذا، او باسير فله كذا و كذا، و المال عند عمر بن الغضبان.

و التقى الناس و اقتتلوا، و حمل عمر بن الغضبان على ميمنه ابن عمر فانكشفوا، و مضى اسماعيل و منصور من فورهما الى الحيرة، و رجمت غوغاء الناس اهل اليمن من اهل الكوفه، فقتلوا فيهم اكثر من ثلاثين رجلا، و قتل الهاشمى العباس بن عبد الله زوج ابنه الملاة.

ذكر عمر ان محمد بن يحيى حدثه عن ابيه، عن عاتكه بنت الملاة،