تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
307

تزوجت أزواجا، منهم العباس بن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قتل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبية بالعراق و قتل مبكر ابن الحوارى بن زياد في غيرهم، ثم انكشفوا و فيهم عبد الله بن معاويه حتى دخل نصر الكوفه، و بقيت الميسره من مضر و ربيعه و من بازائهم من اهل الشام، و حمل اهل القلب من اهل الشام على الزيدية فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفه، و بقيت الميسره و هم نحو خمسمائة رجل، و اقبل عامر بن ضباره و نباته ابن حنظله بن قبيصة و عتبة بن عبد الرحمن الثعلبى و النضر بن سعيد بن عمرو الحرشي، حتى وقفوا على ربيعه، فقالوا لعمر بن الغضبان: اما نحن يا معشر ربيعه، فما كنا نامن عليكم ما صنع الناس باهل اليمن، و نتخوف عليكم مثلها، فانصرفوا فقال عمر: ما كنت ببارح ابدا حتى اموت، فقالوا: ان هذا ليس بمغن عنك و لا عن أصحابك شيئا، فأخذوا بعنان دابته فادخلوه الكوفه قال عمر: حدثنى على بن محمد، عن سليمان بن عبد الله النوفلي، قال:

حدثنى ابى، قال: حدثنا خراش بن المغيره بن عطية مولى لبنى ليث، عن ابيه، قال: كنت كاتب عبد الله بن عمر، فو الله انى لعنده يوما و هو بالحيرة إذ أتاه آت فقال: هذا عبد الله بن معاويه قد اقبل في الخلق، فاطرق مليا و جاءه رئيس خبازيه، فقام بين يديه كأنه يؤذنه بادراك طعامه، فأومأ اليه عبد الله: ان هاته فجاء بالطعام، و قد شخصت قلوبنا، و نحن نتوقع ان يهجم علينا ابن معاويه و نحن معه، قال: فجعلت اتفقده: هل أراه تغير في شي‏ء من امره من مطعم او مشرب او منظر او امر او نهى؟ فلا و الله، ما انكرت من هيئته قليلا و لا كثيرا، و كان طعامه إذا اتى به وضع بين كل اثنين منا صحفه قال: فوضعت بيني و بين فلان صحفه، و بين فلان و فلان صحفه اخرى، حتى عد من كان على خوانه، فلما فرغ من غدائه و وضوئه، امر بالمال فاخرج، حتى اخرجت آنيه من ذهب و فضه و كسا، ففرق اكثر ذلك في قواده، ثم دعا مولى له او مملوكا كان يتبرك به و يتفاءل باسمه- اما يدعى ميمونا او فتحا او اسما من الأسماء المتبرك بها- فقال له:

308

خذ لواءك، و امض الى تل كذا و كذا فاركزه عليه، و ادع أصحابك، و أقم حتى آتيك ففعل و خرج عبد الله و خرجنا معه، حتى صار الى التل فإذا الارض بيضاء من اصحاب ابن معاويه، فامر عبد الله مناديا، فنادى:

من جاء برأس فله خمسمائة، فو الله ما كان باسرع من ان اتى برأس، فوضع بين يديه، فامر له بخمسمائة، فدفعت الى الذى جاء به، فلما راى اصحابه وفاءه لصاحب الراس، ثاروا بالقوم، فو الله ما كان الا هنيهة حتى نظرت الى نحو من خمسمائة راس قد القيت بين يديه، و انكشف ابن معاويه و من معه منهزمين، فكان أول من دخل الكوفه من اصحابه منهزما ابو البلاد مولى بنى عبس و ابنه سليمان بين يديه- و كان ابو البلاد متشيعا- فجعل اهل الكوفه ينادونهم كل يوم، و كأنهم يعيرونهم بانهزامه، فجعل يصيح بابنه سليمان: امض ودع النواضح ينفقن قال: و مر عبد الله بن معاويه فطوى الكوفه، و لم يعرج بها حتى اتى الجبل.

و اما ابو عبيده: فانه ذكر ان عبد الله بن معاويه و اخوته دخلوا القصر فلما امسوا قالوا لعمر بن الغضبان و اصحابه: يا معشر ربيعه، قد رايتم ما صنع الناس بنا، و قد اعلقنا دماءنا في أعناقكم، فان كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم، و ان كنتم ترون الناس خاذلينا و إياكم، فخذوا لنا و لكم أمانا، فما أخذتم لأنفسكم فقد رضينا لأنفسنا، فقال لهم عمر بن الغضبان:

ما نحن بتاركيكم من احدى خلتين: اما ان نقاتل معكم، و اما ان نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لأنفسنا، فطيبوا نفسا، فأقاموا في القصر، و الزيدية على افواه السكك يغدو عليهم اهل الشام و يروحون، يقاتلونهم أياما.

ثم ان ربيعه أخذت لأنفسها و للزيدية و لعبد الله بن معاويه أمانا، الا يتبعوهم و يذهبوا حيث شاءوا و ارسل عبد الله بن عمر الى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر و اخراج عبد الله بن معاويه، فأرسل اليه ابن الغضبان فرحله و من معه من شيعته و من تبعه من اهل المدائن و اهل السواد و اهل‏

309

الكوفه، فسار بهم رسل عمر حتى أخرجوهم من الجسر فنزل عمر من القصر

. ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج الى مرو

و في هذه السنه وافى الحارث بن سريج مرو، خارجا إليها من بلاد الترك بالأمان الذى كتب له يزيد بن الوليد، فصار الى نصر بن سيار، ثم خالفه و اظهر الخلاف له، و بايعه على ذلك جمع كبير.

ذكر الخبر عن امره و امر نصر بعد قدومه عليه:

ذكر على بن محمد عن شيوخه، ان الحارث سار الى مرو، مخرجه من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنه سبع و عشرين و مائه، فتلقاه سلم بن احوز، و الناس بكشماهن، فقال محمد بن الفضل ابن عطية العبسى: الحمد لله الذى اقر أعيننا بقدومك، و ردك الى فئه الاسلام و الى الجماعه قال: يا بنى، اما علمت ان الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلا، و ان القليل إذا كانوا على طاعه الله كانوا كثيرا! و ما قرت عيني منذ خرجت الى يومى هذا، و ما قره عيني الا ان يطاع الله فلما دخل مرو قال: اللهم انى لم انو قط في شي‏ء مما بيني و بينهم الا الوفاء، فان أرادوا الغدر فانصرني عليهم و تلقاه نصر فانزله قصر بخاراخذاه، و اجرى عليه نزلا خمسين درهما في كل يوم، و كان يقتصر على لون واحد، و اطلق نصر من كان عنده من اهله، اطلق محمد بن الحارث و الألوف بنت الحارث و أم بكر، فلما أتاه ابنه محمد، قال: اللهم اجعله بارا تقيا.

قال: و قدم الوضاح بن حبيب بن بديل على نصر بن سيار من عند عبد الله بن عمر، و قد اصابه برد شديد، فكساه أثوابا، و امر له بقرى و جاريتين، ثم اتى الحارث بن سريج، و عنده جماعه من اصحابه قيام على راسه، فقال له: انا بالعراق، نشهر عظم عمودك و ثقله، و انى أحب ان أراه، فقال: ما هو الا كبعض ما ترى مع هؤلاء- و اشار الى اصحابه- و لكنى إذا ضربت به شهرت ضربتني، قال: و كان في عموده بالشامي ثمانية عشر رطلا

310

قال: و دخل الحارث بن سريج على نصر، و عليه الجوشن الذى اصابه من خاقان، و كان خيره بين مائه الف دينار دنبكانيه و بين الجوشن، فاختار الجوشن فنظرت اليه المرزبانه بنت قديد، امراه نصر بن سيار، فأرسلت اليه بجرز لها سمور، مع جاريه لها فقالت، اقرئى ابن عمى السلام، و قولي له: اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجرز السمور، فالحمد لله الذى اقدمك صالحا فقال للجارية: اقرئى بنت عمى السلام، و قولي لها: ا عاريه أم هديه؟ فقالت: بل هديه، فباعه باربعه آلاف دينار و قسمها في اصحابه.

و بعث اليه نصر بفرش كثيره و فرس، فباع ذلك كله، و قسمه في اصحابه بالسويه و كان يجلس على برذعه، و تثنى له وساده غليظه و عرض نصر على الحارث ان يوليه و يعطيه مائه الف دينار، فلم يقبل، و ارسل الى نصر:

انى لست من هذه الدنيا و لا من هذه اللذات، و لا من تزويج عقائل العرب في شي‏ء، و انما اسال كتاب الله عز و جل و العمل بالسنه و استعمال اهل الخير و الفضل، فان فعلت ساعدتك على عدوك.

و ارسل الحارث الى الكرماني: ان أعطاني نصر العمل بكتاب الله و ما سألته من استعمال اهل الخير و الفضل عضدته و قمت بأمر الله، و ان لم يفعل استعنت بالله عليه، و أعنتك ان ضمنت لي ما اريد من القيام بالعدل و السنه.

و كان كلما دخل عليه بنو تميم دعاهم الى نفسه، فبايعه محمد بن حمران و محمد ابن حرب بن جرفاس المنقريان و الخليل بن غزوان العدوى، و عبد الله ابن مجاعه و هبيرة بن شراحيل السعديان، و عبد العزيز بن عبد ربه الليثى، و بشر ابن جرموز الضبي، و نهار بن عبد الله بن الحتات المجاشعي، و عبد الله النباتى و قال الحارث لنصر: خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشره سنه إنكارا للجور، و أنت تريدنى عليه! فانضم الى الحارث ثلاثة آلاف‏

311

خلافه مروان بن محمد

و في هذه السنه بويع بدمشق لمروان بن محمد بالخلافة:

ذكر الخبر عن سبب البيعه له:

حدثنى احمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم، قال: حدثنا

9

ابو هاشم مخلد بن محمد مولى عثمان بن عفان، قال: لما قيل: قد دخلت خيل مروان دمشق هرب ابراهيم بن الوليد و تغيب، فانتهب سليمان ما كان في بيت المال و قسمه فيمن معه من الجند، و خرج من المدينة، و ثار من فيها من موالي الوليد بن يزيد الى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه، و نبشوا قبر يزيد بن الوليد و صلبوه على باب الجابية، و دخل مروان دمشق فنزل عاليه، و اتى بالغلامين مقتولين و بيوسف بن عمر فامر بهم فدفنوا، و اتى بابى محمد السفياني محمولا في كبوله، فسلم عليه بالخلافة، و مروان يومئذ يسلم عليه بالإمرة، فقال له: مه، فقال: انهما جعلاها لك بعدهما، و انشده شعرا قاله الحكم في السجن.

قال: و كانا قد بلغا، و ولد لأحدهما و هو الحكم و الآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين، قال: فقال الحكم:

الا من مبلغ مروان عنى* * * و عمى الغمر طال بذا حنينا

بانى قد ظلمت و صار قومى* * * على قتل الوليد متابعينا

ا يذهب كلبهم بدمى و مالي* * * فلا غثا اصبت و لا سمينا

و مروان بأرض بنى نزار* * * كليث الغاب مفترس عرينا

ا لم يحزنك قتل فتى قريش* * * و شقهم عصى المسلمينا

الا فاقر السلام على قريش* * * و قيس بالجزيرة أجمعينا

و ساد الناقص القدرى فينا* * * و القى الحرب بين بنى أبينا

312

فلو شهد الفوارس من سليم* * * و كعب لم أكن لهم رهينا

و لو شهدت ليوث بنى تميم* * * لما بعنا تراث بنى أبينا

ا تنكث بيعتي من اجل أمي* * * فقد بايعتم قبلي هجينا

فليت خئولتى من غير كلب* * * و كانت في ولاده آخرينا

فان اهلك انا و ولى عهدي* * * فمروان امير المؤمنينا

ثم قال: ابسط يدك ابايعك، و سمعه من مع مروان من اهل الشام، فكان أول من نهض معاويه بن يزيد بن الحصين بن نمير و رءوس اهل حمص، فبايعوه، فأمرهم ان يختاروا لولاية اجنادهم، فاختار اهل دمشق زامل بن عمرو الجبرانى، و اهل حمص عبد الله بن شجره الكندى، و اهل الأردن الوليد بن معاويه بن مروان، و اهل فلسطين ثابت بن نعيم الجذامى الذى كان استخرجه من سجن هشام و غدر به بإرمينية، فاخذ عليهم العهود المؤكدة و الايمان المغلظة على بيعته، و انصرف الى منزله من حران.

قال ابو جعفر: فلما استوت لمروان بن محمد الشام و انصرف الى منزله بحران طلب الامان منه ابراهيم بن الوليد و سليمان بن هشام فامنهم، فقدم عليه سليمان- و كان سليمان بن هشام يومئذ بتدمر بمن معه من اخوته و اهل بيته و مواليه الذكوانيه- فبايعوا مروان بن محمد

. ذكر الخبر عن انتقاض اهل حمص على مروان‏

و في هذه السنه انتقض على مروان اهل حمص و سائر اهل الشام فحاربهم.

ذكر الخبر عن امرهم و امره و عن سبب ذلك:

حدثنى احمد، قال حدثنى عبد الوهاب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: لما انصرف مروان الى منزله من حران بعد فراغه من اهل الشام لم يلبث الا ثلاثة اشهر، حتى خالفه اهل الشام و انتقضوا عليه، و كان الذى دعاهم الى ذلك ثابت بن نعيم، و راسلهم‏

313

و كاتبهم، و بلغ مروان خبرهم، فسار اليهم بنفسه، و ارسل اهل حمص الى من بتدمر من كلب، فشخص اليهم الأصبغ بن ذؤاله الكلبى و معه بنون له ثلاثة رجال: حمزه و ذؤاله و فرافصه و معاويه السكسكى- و كان فارس اهل الشام- و عصمه بن المقشعر و هشام بن مصاد و طفيل بن حارثة و نحو الف من فرسانهم، فدخلوا مدينه حمص ليله الفطر من سنه سبع و عشرين و مائه.

قال: و مروان بحماه ليس بينه و بين مدينه حمص الا ثلاثون ميلا، فأتاه خبرهم صبيحة الفطر، فجد في السير، و معه يومئذ ابراهيم بن الوليد المخلوع و سليمان بن هشام، و قد كانا راسلاه و طلبا اليه الامان، فصارا معه في عسكره يكرمهما و يدنيهما و يجلسان معه على غدائه و عشائه، و يسيران معه في موكبه.

فانتهى الى مدينه حمص بعد الفطر بيومين، و الكلبية فيها قد ردموا أبوابها من داخل، و هو على عده معه روابطه، فاحدقت خيله بالمدينة، و وقف حذاء باب من أبوابها، و اشرف على جماعه من الحائط، فناداهم مناديه:

ما دعاكم الى النكث؟ قالوا: فانا على طاعتك لم ننكث، فقال لهم: فان كنتم على ما تذكرون فافتحوا، ففتحوا الباب، فاقتحم منه عمرو بن الوضاح في الوضاحية و هم نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم في داخل المدينة، فلما كثرتهم خيل مروان، انتهوا الى باب من أبواب المدينة يقال له باب تدمر، فخرجوا منه و الروابط عليه فقاتلوهم، فقتل عامتهم، و افلت الأصبغ بن ذؤاله و السكسكى و اسر ابنا الأصبغ: ذؤاله و فرافصه في نيف و ثلاثين رجلا منهم، فاتى بهم مروان فقتلهم و هو واقف، و امر بجمع قتلاهم و هم خمسمائة او ستمائه، فصلبوا حول المدينة، و هدم من حائط مدينتها نحوا من غلوه و ثار اهل الغوطة الى مدينه دمشق، فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، و ولوا عليهم يزيد بن خالد القسرى و ثبت مع زامل المدينة و أهلها و قائد في نحو أربعمائة، يقال له ابو هبار القرشي فوجه اليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث- و اسمه مجزاه- و عمرو بن الوضاح في عشره آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، و خرج ابو هبار و خيله من المدينة، فهزموهم و استباحوا عسكرهم و حرقوا المزه من قرى اليمانيه، و لجأ يزيد بن خالد و ابو علاقة الى رجل من لخم من اهل المزه، فدل عليهما زامل، فأرسل إليهما، فقتلا

314

قبل ان يوصل بهما اليه، فبعث برأسيهما الى مروان بحمص، و خرج ثابت ابن نعيم من اهل فلسطين، حتى اتى مدينه طبرية، فحاصر أهلها، و عليها الوليد بن معاويه بن مروان، ابن أخي عبد الملك بن مروان، فقاتلوه أياما، فكتب مروان الى ابى الورد ان يشخص اليهم فيمدهم، قال:

فرحل من دمشق بعد ايام، فلما بلغهم دنوه خرجوا من المدينة على ثابت و من معه، فاستباحوا عسكرهم، فانصرف الى فلسطين منهزما، فجمع قومه و جنده، و مضى اليه ابو الورد فهزمه ثانيه، و تفرق من معه، و اسر ثلاثة رجال من ولده، و هم نعيم و بكر و عمران، فبعث بهم الى مروان فقدم بهم عليه،- و هو بدير أيوب- جرحى، فامر بمداواه جراحاتهم، و تغيب ثابت بن نعيم، فولى الرماحس بن عبد العزيز الكنانى فلسطين، و افلت مع ثابت من ولده رفاعة ابن ثابت- و كان اخبثهم- فلحق بمنصور بن جمهور، فاكرمه و ولاه و خلفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور، فوثب عليه فقتله، فبلغ منصورا و هو متوجه الى الملتان، و كان اخوه بالمنصورة، فرجع اليه فأخذه، فبنى له أسطوانة من آجر مجوفه، و ادخله فيها، ثم سمره إليها، و بنى عليه.

3

قال: و كتب مروان الى الرماحس في طلب ثابت و التلطف له، فدل عليه رجل من قومه فاخذ و معه نفر، فاتى به مروان موثقا بعد شهرين، فامر به و ببنيه الذين كانوا في يديه، فقطعت ايديهم و ارجلهم، ثم حملوا الى دمشق، فرايتهم مقطعين، فأقيموا على باب مسجدها، لأنه كان يبلغه انهم يرجفون بثابت، و يقولون: انه اتى مصر، فغلب عليها.

و قتل عامل مروان بها و اقبل مروان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله و عبد الله، و زوجهما ابنتى هشام بن عبد الملك، أم هشام و عائشة، و جمع لذلك اهل بيته جميعا، من ولد عبد الملك محمد و سعيد و بكار و ولد الوليد و سليمان و يزيد و هشام و غيرهم من قريش و رءوس العرب، و قطع على اهل الشام بعثا و قواهم، و ولى على كل جند منهم قائدا منهم، و امرهم باللحاق بيزيد بن عمر بن هبيرة و كان قبل مسيره الى الشام وجهه في عشرين ألفا من اهل قنسرين و الجزيرة، و امره ان ينزل دورين الى ان يقدم، و صيره‏

315

مقدمه له، و انصرف من دير أيوب الى دمشق، و قد استقامت له الشام كلها ما خلا تدمر، و امر بثابت بن نعيم و بنيه و النفر الذين قطعهم فقتلوا و صلبوا على أبواب دمشق، قال: فرايتهم حين قتلوا و صلبوا قال: و استبقى رجلا منهم يقال له عمرو بن الحارث الكلبى، و كان- فيما زعموا- عنده علم من اموال كان ثابت وضعها عند قوم، و مضى بمن معه، فنزل القسطل من ارض حمص مما يلى تدمر، بينهما مسيره ثلاثة ايام، و بلغه انهم قد عوروا ما بينه و بينها من الابار، و طموها بالصخر، فهيأ المزاد و القرب و الأعلاف و الإبل، فحمل ذلك له و لمن معه، فكلمه الابرش بن الوليد و سليمان ابن هشام و غيرهما، و سألوه ان يعذر اليهم، و يحتج عليهم فأجابهم الى ذلك فوجه الابرش اليهم أخاه عمرو بن الوليد، و كتب اليهم يحذرهم و يعلمهم انه يتخوف ان يكون هلاكه و هلاك قومه، فطردوه و لم يجيبوه، فسأله الابرش ان يأذن له في التوجه اليهم، و يؤجله أياما، ففعل، فأتاهم فكلمهم و خوفهم و اعلمهم انهم حمقى، و انه لا طاقه لهم به و بمن معه، فأجابه عامتهم، و هرب من لم يثق به منهم الى بريه كلب و باديتهم، و هم السكسكى و عصمه بن المقشعر و طفيل بن حارثة و معاويه بن ابى سفيان بن يزيد بن معاويه، و كان صهر الابرش على ابنته و كتب الابرش الى مروان يعلمه ذلك، فكتب اليه مروان: ان اهدم حائط مدينتهم، و انصرف الى بمن بايعك منهم.

فانصرف اليه و معه من رءوسهم الأصبغ بن ذؤاله و ابنه حمزه و جماعه من رءوسهم، و انصرف مروان بهم على طريق البريه على سوريه و دير اللثق، حتى قدم الرصافه و معه سليمان بن هشام و عمه سعيد بن عبد الملك و اخوته جميعا و ابراهيم المخلوع و جماعه من ولد الوليد و سليمان و يزيد، فأقاموا بها يوما، ثم شخص الى الرقة فاستاذنه سليمان، و ساله ان يأذن له ان يقيم أياما ليقوى من معه من مواليه، و يجم ظهره ثم يتبعه، فاذن له و مضى مروان، فنزل‏

316

عند واسط على شاطئ الفرات في عسكر كان ينزله، فأقام به ثلاثة ايام، ثم مضى الى قرقيسيا و ابن هبيرة بها، ليقدمه الى العراق لمحاربه الضحاك ابن قيس الشيبانى الحروري، فاقبل من نحو عشره آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم حتى حلوا بالرصافة، فدعوا سليمان الى خلع مروان و محاربته.

و في هذه السنه دخل الضحاك بن قيس الشيبانى الكوفه.

ذكر الاخبار عن خروج الضحاك محكما و دخوله الكوفه، و من اين كان اقباله إليها

اختلف في ذلك من امره، فاما احمد، فانه حدثنى عن عبد الوهاب ابن ابراهيم، قال: حدثنى ابو هاشم مخلد بن محمد، قال: كان سبب خروج الضحاك ان الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد ابن بهدل الشيبانى في مائتين من اهل الجزيرة، فيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد و اشتغال مروان بالشام، فخرج بأرض كفرتوثا، و خرج بسطام البيهسى و هو مفارق لراية في مثل عدتهم من ربيعه، فسار كل واحد منهما الى صاحبه، فلما تقارب العسكران وجه سعيد بن بهدل الخيبرى- و هو احد قواده، و هو الذى هزم مروان- في نحو من مائه و خمسين فارسا ليبيته، فانتهى الى عسكره و هم غارون، و قد امر كل واحد منهم ان يكون معه ثوب ابيض يجلل به راسه، ليعرف بعضهم بعضا، فبكروا في عسكرهم فاصابوهم في غره، فقال الخيبرى:

ان يك بسطام فانى الخيبرى* * * اضرب بالسيف و احمى عسكرى‏

فقتلوا بسطاما و جميع من معه الا اربعه عشر، فلحقوا بمروان، فكانوا معه فاثبتهم في روابطه، و ولى عليهم رجلا منهم يقال له مقاتل، و يكنى أبا النعثل ثم مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتيت الأمر بها و اختلاف اهل الشام، و قتال بعضهم بعضا مع عبد الله بن عمر

317

و النضر بن سعيد الحرشي- و كانت اليمانيه من اهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، و المضرية، مع ابن الحرشي بالكوفه، فهم يقتتلون فيما بينهم غدوه و عشيه.

قال: فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون اصابه، و استخلف الضحاك بن قيس من بعده، و كانت له امراه تسمى حوماء، فقال الخيبرى في ذلك:

سقى الله يا حوماء قبر ابن بهدل* * * إذا رحل السارون لم يترحل‏

قال: و اجتمع مع الضحاك نحو من الف ثم توجه الى الكوفه، و مر بأرض الموصل، فاتبعه منها و من اهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف، و بالكوفه يومئذ النضر بن سعيد الحرشي و معه المضرية، و بالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانيه، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفه و الحيرة، فلما دنا اليه الضحاك فيمن معه من الكوفه اصطلح ابن عمر و الحرشي، فصار امرهم واحدا، و يدا على قتال الضحاك، و خندقا على الكوفه، و معهما يومئذ من اهل الشام نحو من ثلاثين ألفا، لهم قوه و عده، و معهم قائد من اهل قنسرين، يقال له عباد بن الغزيل في الف فارس، قد كان مروان أمد به ابن الحرشي، فبرزوا لهم، فقاتلوهم، فقتل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز و جعفر بن عباس الكندى، و هزموهم اقبح هزيمه، و لحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسط، و توجه ابن الحرشي- و هو النضر- و جماعه المضرية و اسماعيل ابن عبد الله القسرى الى مروان، فاستولى الضحاك و الجزرية على الكوفه و أرضها، و جبوا السواد ثم استخلف الضحاك رجلا من اصحابه- يقال له ملحان- على الكوفه في مائتي فارس، و مضى في عظم اصحابه الى عبد الله ابن عمر بواسط، فحاصره بها، و كان معه قائد من قواد اهل قنسرين يقال له عطية الثعلبى- و كان من الأشداء- فلما تخوف محاصره الضحاك خرج في سبعين او ثمانين من قومه متوجها الى مروان، فخرج على القادسية، فبلغ ملحانا ممره، فخرج في اصحابه مبادرا يريده، فلقيه على قنطره السيلحين- و ملحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارسا- فقاتله‏

318

فقتله عطية و ناسا من اصحابه، و انهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفه، و مضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان.

و اما ابو عبيده معمر بن المثنى، فانه قال: حدثنى ابو سعيد، قال:

لما مات سعيد بن بهدل المري، و بايعت الشراه للضحاك، اقام بشهر زور و ثابت اليه الصفريه من كل وجه حتى صار في اربعه آلاف، فلم يجتمع مثلهم لخارجى قط قبله قال: و هلك يزيد بن الوليد و عامله على العراق عبد الله بن عمر، فانحط مروان من أرمينية حتى نزل الجزيرة، و ولى العراق النضر بن سعيد- و كان من قواد ابن عمر- فشخص الى الكوفه، و نزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضرية الى النضر و اليمانيه الى ابن عمر، فحاربه اربعه اشهر، ثم أمد مروان النضر بابن الغزيل، فاقبل الضحاك نحو الكوفه و ذلك في سنه سبع و عشرين و مائه، فأرسل ابن عمر الى النضر: هذا لا يريد غيرى و غيرك، فهلم نجتمع عليه فتعاقدا عليه، و اقبل ابن عمر، فنزل تل الفتح و اقبل الضحاك ليعبر الفرات، فأرسل اليه ابن عمر حمزه بن الأصبغ بن ذؤاله الكلبى ليمنعه من العبور، فقال عبيد الله بن العباس الكندى: دعه يعبر إلينا، فهو اهون علينا من طلبه فأرسل ابن عمر الى حمزه يكفه عن ذلك، فنزل ابن عمر الكوفه، و كان يصلى في مسجد الأمير باصحابه، و النضر بن سعيد في ناحيه الكوفه يصلى باصحابه، لا يجامع ابن عمر و لا يصلى معه، غير انهما قد تكافا و اجتمعا على قتال الضحاك، و اقبل الضحاك حين رجع حمزه حتى عبر الفرات، و نزل النخيله يوم الأربعاء في رجب سنه سبع و عشرين و مائه، فخف اليهم اهل الشام من اصحاب ابن عمر و النضر، قبل ان ينزلوا، فأصابوا منهم اربعه عشر فارسا و ثلاث عشره امراه ثم نزل الضحاك و ضرب عسكره، و عبى اصحابه، و اراح، ثم تغادوا يوم الخميس، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكشفوا ابن عمر و اصحابه، و قتلوا أخاه عاصما، قتله البرذون بن مرزوق الشيبانى، فدفنه بنو الاشعث بن قيس في دارهم، و قتلوا جعفر بن العباس الكندى أخا عبيد الله، و كان جعفر على شرطه عبد الله بن عمر، و كان‏

319

الذى قتل جعفرا عبد الملك بن علقمه بن عبد القيس، و كان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابن عم له يقال له شاشله، فكر عليه شاشله، و ضربه رجل من الصفريه، ففلق وجهه.

قال ابو سعيد: فرايته بعد ذلك كان له وجهين، و أكب عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحا، فقالت أم البرذون الصفريه:

نحن قتلنا عاصما و جعفرا* * * و الفارس الضبي حين اصحرا

و نحن جئنا الخندق المقعرا

.

فانهزم اصحاب ابن عمر، و اقبل الخوارج، فوقفوا على خندقنا الى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعه، فو الله ما تتاممنا حتى هزمونا، فدخلنا خنادقنا، و أصبحنا يوم السبت، فإذا الناس يتسللون و يهربون الى واسط، و رأوا قوما لم يروا مثلهم قط أشد بأسا، كأنهم الأسد عند اشبالها، فذهب ابن عمر ينظر اصحابه، فإذا عامتهم قد هربوا تحت الليل، و لحق عظمهم بواسط، فكان ممن لحق بواسط النضر بن سعيد و اسماعيل بن عبد الله و منصور ابن جمهور و الأصبغ بن ذؤاله و ابناه: حمزه و ذؤاله، و الوليد بن حسان الغساني و جميع الوجوه، و بقي ابن عمر فيمن بقي من اصحابه مقيما لم يبرح.

و يقال: ان عبد الله بن عمر لما ولى العراق ولى الكوفه عبيد الله بن العباس الكندى و على شرطه عمر بن الغضبان بن القبعثرى، فلم يزالا على ذلك حتى مات يزيد بن الوليد، و قام ابراهيم بن الوليد، فاقر ابن عمر على العراق، فولى ابن عمر أخاه عاصما على الكوفه، و اقر ابن الغضبان على شرطه، فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله بن معاويه فاتهم عمر بن الغضبان، فلما انقضى امر عبد الله بن معاويه ولى عبد الله بن عمر عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفه، و على شرطه الحكم بن عتيبة الأسدي من اهل الشام، ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفه، ثم عزل عمر بن الغضبان عن شرطه و ولى الوليد بن حسان الغساني، ثم ولى اسماعيل بن عبد الله القسرى و على شرطه ابان بن الوليد، ثم عزل اسماعيل‏

320

و ولى عبد الصمد بن ابان بن النعمان بن بشير الأنصاري، ثم عزل فولى عاصم بن عمر، فقدم عليه الضحاك بن قيس الشيبانى.

و يقال: انما قدم الضحاك و اسماعيل بن عبد الله القسرى في القصر و عبد الله بن عمر بالحيرة و ابن الحرشي بدير هند، فغلب الضحاك على الكوفه، و ولى ملحان بن معروف الشيبانى عليها، و على شرطه الصفر من بنى حنظله- حروري- فخرج ابن الحرشي يريد الشام، فعارضه ملحان، فقتله ابن الحرشي فولى الضحاك على الكوفه حسان فولى حسان ابنه الحارث على شرطه.

و قال عبد الله بن عمر يرثى أخاه عاصما لما قتله الخوارج:

رمى غرضي ريب الزمان فلم يدع* * * غداه رمى للقوس في الكف منزعا

رمى غرضي الأقصى فاقصد عاصما* * * أخا كان لي حرزا و ماوى و مفزعا

فان تك احزان و فائض عبره* * * اذابت عبيطا من دم الجوف منقعا

تجرعتها في عاصم و احتسيتها* * * فأعظم منها ما احتسى و تجرعا

فليت المنايا كن خلفن عاصما* * * فعشنا جميعا او ذهبن بنا معا

و ذكر ان عبد الله بن عمر يقول: بلغنى ان عين بن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم بن ميم، و كان يأمل ان يقتله، فقتله عبد الله بن على ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فذكر ان اصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط، قال لابن عمر اصحابه: علام تقيم و قد هرب الناس! قال:

اتلوم و انظر، فأقام يوما او يومين لا يرى الا هاربا، و قد امتلأت قلوبهم رعبا من الخوارج، فامر عند ذلك بالرحيل الى واسط، و جمع خالد بن الغزيل اصحابه، فلحق بمروان و هو مقيم بالجزيرة، و نظر عبيد الله بن العباس الكندى الى ما لقى الناس، فلم يامن على نفسه، فجنح الى الضحاك فبايعه، و كان معه في عسكره، فقال ابو عطاء السندي يعيره باتباعه الضحاك، و قد قتل أخاه:

قل لعبيد الله لو كان جعفر* * * هو الحى لم يجنح و أنت قتيل‏

321

و لم يتبع المراق و الثار فيهم* * * و في كفه عضب الذباب صقيل‏

الى معشر اردوا اخاك و اكفروا* * * اباك، فما ذا بعد ذاك تقول!

- فلما بلغ عبيد الله بن العباس هذا البيت من قول ابى عطاء، قال اقول:

اعضك الله ببظر أمك-

فلا وصلتك الرحم من ذي قرابه* * * و طالب وتر، و الذليل ذليل‏

تركت أخا شيبان يسلب بزه* * * و نجاك خوار العنان مطول‏

قال: فنزل ابن عمر منزل الحجاج بن يوسف بواسط- فيما قيل- في اليمانيه و نزل النضر و اخوه سليمان ابنا سعيد و حنظله بن نباته و ابناه محمد و نباته في المضرية ذات اليمين إذا صعدت من البصره، و خلوا الكوفه و الحيرة للضحاك و الشراه، و صارت في ايديهم، و عادت الحرب بين عبد الله بن عمر و النضر ابن سعيد الحرشي الى ما كان عليه قبل قدوم الضحاك يطلب النضر ان يسلم اليه عبد الله بن عمر ولايه العراق بكتاب مروان، و ياتى عبد الله بن عمر و اليمانيه مع ابن عمر و النزارية مع النضر، و ذلك ان جند اهل اليمن كانوا مع يزيد الناقص تعصبا على الوليد حيث اسلم خالد بن عبد الله القسرى الى يوسف بن عمر حتى قتله، و كانت القيسية مع مروان، لأنه طلب بدم الوليد- و اخوال الوليد من قيس، ثم من ثقيف‏

3

، أمه زينب بنت محمد بن يوسف ابنه أخي الحجاج- فعادت الحرب بين ابن عمر و النضر، و دخل الضحاك الكوفه فأقام بها، و استعمل عليها ملحان الشيبانى في شعبان سنه سبع و عشرين و مائه، فاقبل منقضا في الشراه الى واسط، متبعا لابن عمر و النضر، فنزل باب المضمار.

فلما راى ذلك ابن عمر و النضر نكلا عن الحرب فيما بينهما، و صارت كلمتهما عليه واحده، كما كانت بالكوفه، فجعل النضر و قواده يعبرون الجسر، فيقاتلون الضحاك و اصحابه مع ابن عمر ثم يعودون الى مواضعهم، و لا يقيمون مع ابن عمر، فلم يزالوا على ذلك: شعبان و شهر رمضان و شوال، فاقتتلوا يوما من تلك الأيام، فاشتد قتالهم، فشد منصور بن جمهور على قائد

322

من قواد الضحاك، كان عظيم القدر في الشراه، يقال له عكرمه بن شيبان، فضربه على باب القورج، فقطعه باثنين فقتله و بعث الضحاك قائدا من قواده يدعى شوالا من بنى شيبان الى باب الزاب، فقال: اضرمه عليهم نارا، فقد طال الحصار علينا، فانطلق شوال و معه الخيبرى، احد بنى شيبان في خيلهم، فلقيهم عبد الملك بن علقمه، فقال لهم: اين تريدون؟ فقال له شوال: نريد باب الزاب، أمرني امير المؤمنين بكذا و كذا، فقال: انا معك، فرجع معه و هو حاسر، لا درع عليه، و كان من قواد الضحاك أيضا و كان أشد الناس، فانتهوا الى الباب فاضرموه، خ فاخرج لهم عبد الله بن عمر منصور بن جمهور في ستمائه فارس من كلب، فقاتلوهم أشد القتال، و جعل عبد الملك بن علقمه يشد عليهم و هو حاسر، فقتل منهم عده، فنظر اليه منصور بن جمهور، فغاظه صنيعه، فشد عليه فضربه على حبل عاتقه فقطعه حتى بلغ حرقفته، فخر ميتا، و اقبلت امراه من الخوارج شاده، حتى أخذت بلجام منصور بن جمهور، فقالت: يا فاسق، أجب امير المؤمنين، فضرب يدها- و يقال: ضرب عنان دابته فقطعه في يدها- و نجا.

فدخل المدينة الخيبرى يريد منصورا، فاعترض عليه ابن عم له من كلب، فضربه الخيبرى فقتله فقال حبيب بن خدره مولى بنى هلال- و كان يزعم انه من أبناء ملوك فارس- يرثى عبد الملك بن علقمه:

و قائله و دمع العين يجرى* * * على روح ابن علقمه السلام‏

ا أدركك الحمام و أنت سار* * * و كل فتى لمصرعه حمام‏

فلا رعش البدين و لا هدان* * * و لا و كل اللقاء و لا كهام‏

و ما قتل على شار بعار* * * و لكن يقتلون و هم كرام‏

طغام الناس ليس لهم سبيل* * * شجاني يا بن علقمه الطغام‏

ثم ان منصورا قال لابن عمر: ما رايت في الناس مثل هؤلاء قط يعنى الشراه- فلم تحاربهم و تشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا، و اجعلهم بينك و بين مروان، فإنك ان اعطيتهم الرضا خلوا عنا و مضوا الى مروان،

323

فكان حدهم و بأسهم عليه، و اقمت أنت مستريحا بموضعك هذا، فان ظفروا بها كان ما اردت و كنت عندهم آمنا، و ان ظفر بهم و اردت خلافه و قتاله قاتلته جاما مستريحا، مع ان امره و امرهم سيطول، و يوسعونه شرا.

فقال ابن عمر: لا تعجل حتى نتلوم و ننظر، فقال: اى شي‏ء ننتظر! فما تستطيع ان تطلع معهم و لا تستقر، و ان خرجنا لم نقم لهم، فما انتظارنا بهم و مروان في راحه، و قد كفيناه حدهم و شغلناهم عنه! اما انا فخارج لاحق بهم فخرج فوقف حيال صفهم و ناداهم: انى جانح اريد ان اسلم و اسمع كلام الله- قال: و هي محنتهم- فلحق بهم فبايعهم، و قال: قد اسلمت، فدعوا له بغداء فتغدى، ثم قال لهم: من الفارس الذى أخذ بعنانى يوم الزاب؟ يعنى يوم ابن علقمه- فنادوا يا أم العنبر، فخرجت اليهم، فإذا اجمل الناس، فقالت له: أنت منصور؟ قال: نعم، قالت:

قبح الله سيفك، اين ما تذكر منه! فو الله ما صنع شيئا، و لا ترك- تعنى الا يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنه- و كان منصور لا يعلم يومئذ انها امراه، فقال: يا امير المؤمنين، زوجنيها، قال: ان لها زوجا- و كانت تحت عبيده بن سوار التغلبى- قال: ثم ان عبد الله بن عمر خرج اليهم في آخر شوال فبايعه.

خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد

4 و في هذه السنه- اعنى سنه سبع و عشرين و مائه- خلع سليمان بن هشام ابن عبد الملك بن مروان مروان بن محمد و نصب الحرب.

ذكر الخبر عن سبب ذلك و ما جرى بينهما:

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنى عبد الوهاب بن ابراهيم، قال:

حدثنى ابو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: لما شخص مروان من الرصافه الى الرقة لتوجيه ابن هبيرة الى العراق لمحاربه الضحاك بن قيس الشيبانى استاذنه سليمان بن هشام في مقام ايام، لاجمام ظهره و اصلاح امره، فاذن‏

324

له و مضى مروان، فاقبل نحو من عشره آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم، حتى جاءوا الرصافه، فدعوا سليمان الى خلع مروان و محاربته، و قالوا: أنت ارضى منه عند اهل الشام و اولى بالخلافة، فاستزله الشيطان، فأجابهم، و خرج اليهم باخوته و ولده و مواليه، فعسكر بهم و سار بجمعهم الى قنسرين، فكاتب اهل الشام فانقضوا اليه من كل وجه و جند، و اقبل مروان بعد ان شارف قرقيسيا منصرفا اليه، و كتب الى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره من دورين حتى نزل معسكره بواسط، و اجتمع من كان بالهنى من موالي سليمان و ولد هشام، فدخلوا حصن الكامل بذراريهم فتحصنوا فيه، و أغلقوا الأبواب دونه، فأرسل اليهم: ما ذا صنعتم؟ خلعتم طاعتي و نقضتم بيعتي بعد ما أعطيتموني من العهود و المواثيق! فردوا على رسله: انا مع سليمان على من خالفه فرد اليهم:

انى احذركم و انذركم ان تعرضوا لأحد ممن تبعني من جندى او يناله منكم أذى، فتحلوا بانفسكم، و لا أمان لكم عندي فأرسلوا اليه: انا سنكف.

و مضى مروان، فجعلوا يخرجون من حصنهم، فيغيرون على من اتبعه من أخريات الناس و شذان الجند، فيسلبونهم خيولهم و سلاحهم و بلغه ذلك، فتحرق عليهم غيظا و اجتمع الى سليمان نحو من سبعين ألفا من اهل الشام و الذكوانيه و غيرهم، و عسكر في قريه لبنى زفر يقال لها خساف من قنسرين من أرضها فلما دنا منه مروان قدم السكسكى في نحو سبعه آلاف، و وجه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدتهم، فالتقوا فيما بين العسكرين، فاقتتلوا قتالا شديدا، و التقى السكسكى و عيسى، و كل واحد منهما فارس بطل، فأطعنا حتى تقصفت رماحهما، ثم صارا الى السيوف، فضرب السكسكى مقدم فرس صاحبه، فسقط لجامه في صدره، و جال به فرسه، فاعترضه السكسكى، فضربه بالعمود فصرعه، ثم نزل اليه فاسره، و بارز فارسا من فرسان أنطاكية، يقال له سلساق قائد الصقالبه فاسره، و انهزمت مقدمه مروان و بلغه الخبر و هو في مسيره، فمضى و طوى على تعبئة، و لم ينزل حتى انتهى‏

325

الى سليمان، و قد تعبا له، و تهيأ لقتاله، فلم يناظره حتى واقعه، فانهزم سليمان و من معه، و اتبعتهم خيوله تقتلهم و تاسرهم، و انتهوا الى عسكرهم فاستباحوه، و وقف مروان موقفا، و امر ابنيه فوقفا موقفين، و وقف كوثر صاحب شرطته في موضع، ثم امرهم الا يأتوا باسير الا قتلوه الا عبدا مملوكا، فاحصى من قتلاهم يومئذ نيف على ثلاثين ألفا.

قال: و قتل ابراهيم بن سليمان اكبر ولده، و اتى بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد بن هشام المخزومي- و كان بادنا كثير اللحم- فادنى اليه و هو يلهث، فقال له: يا فاسق، ا ما كان لك في خمر المدينة و قيانها ما يكفك عن الخروج مع الخراء تقاتلني! قال: يا امير المؤمنين، أكرهني، فأنشدك الله و الرحم! قال: و تكذب أيضا! كيف اكرهك و قد خرجت بالقيان و الزقاق و البرابط معك في عسكره! فقتله قال: و ادعى كثير من الأسراء من الجند انهم رقيق، فكف عن قتلهم، و امر ببيعهم فيمن يزيد مع ما بيع مما اصيب في عسكرهم.

قال: و مضى سليمان مفلولا حتى انتهى الى حمص، فانضم اليه من افلت ممن كان معه، فعسكر بها، و بنى ما كان مروان امر بهدمه من حيطانها، و وجه مروان يوم هزمه قوادا و روابط في جريدة خيل، و تقدم اليهم ان يسبقوا كل خبر، حتى يأتوا الكامل، فيحدقوا بها الى ان يأتيهم، حنقا عليهم، فاتوهم فنزلوا عليهم، و اقبل مروان نحوهم حتى نزل معسكره من واسط، فأرسل اليهم ان انزلوا على حكمى، فقالوا: لا حتى تؤمننا بأجمعنا، فدلف اليهم، و نصب عليهم المجانيق، فلما تتابعت الحجاره عليهم نزلوا على حكمه، فمثل بهم و احتملهم اهل الرقة فاووهم، و داووا جراحاتهم، و هلك بعضهم و بقي اكثرهم، و كانت عدتهم جميعا نحوا من ثلاثمائه ثم شخص الى سليمان و من تجمع معه بحمص، فلما دنا منهم اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان! هلموا فلنتبايع على الموت و لا نفترق بعد معاينته حتى نموت جميعا فمضى على ذلك من فرسانهم من قد وطن‏

326

نفسه على الموت نحو من تسعمائة، و ولى سليمان على شطرهم معاويه السكسكى، و على الشطر الثانى ثبيتا البهرانى فتوجهوا اليه مجتمعين، على ان يبيتوه ان أصابوا منه غره، و بلغه خبرهم و ما كان منهم، فتحرز و زحف اليهم في الخنادق على احتراس و تعبئة، فراموا تبييته فلم يقدروا، فتهيئوا له و كمنوا في زيتون ظهر على طريقه، في قريه تسمى تل منس من جبل السماق، فخرجوا عليه و هو يسير على تعبئة، فوضعوا السلاح فيمن معه، و انتبذ لهم، و نادى خيوله فثابت اليه من المقدمه و المجنبتين و الساقه، فقاتلوهم من لدن ارتفاع النهار الى بعد العصر، و التقى السكسكى و فارس من فرسان بنى سليم، فاضطربا، فصرعه السلمى عن فرسه، و نزل اليه، و اعانه رجل من بنى تميم، فاتياه به أسيرا و هو واقف، فقال: الحمد لله الذى امكن منك فطالما بلغت منا! فقال: استبقني فانى فارس العرب، قال: كذبت، الذى جاء بك افرس منك، فامر به فاوثق، و قتل ممن صبر معه نحو من سته آلاف.

قال: و افلت ثبيت و من انهزم معه، فلما أتوا سليمان خلف أخاه سعيد ابن هشام في مدينه حمص، و عرف انه لا طاقه له به، و مضى هو الى تدمر، فأقام بها، و نزل مروان على حمص، فحاصرهم بها عشره اشهر.

و نصب عليها نيفا و ثمانين منجنيقا، فطرح عليهم حجارتها بالليل و النهار و هم في ذلك يخرجون اليه كل يوم فيقاتلونه، و ربما بيتوا نواحي عسكره، و أغاروا على الموضع الذى يطمعون في اصابه العورة و الفرضه منه.

فلما تتابع عليهم البلاء، و لزمهم الذل سألوه ان يؤمنهم على ان يمكنوه من سعيد بن هشام و ابنيه عثمان و مروان و من رجل كان يسمى السكسكى، كان يغير على عسكرهم، و من حبشي كان يشتمه و يفترى عليه، فأجابهم الى ذلك و قبله و كانت قصه الحبشي انه كان يشرف من الحائط و يربط في ذكره ذكر حمار، ثم يقول: يا بنى سليم، يا اولاد كذا و كذا، هذا لواؤكم!

327

و كان يشتم مروان، فلما ظفر به دفعه الى بنى سليم، فقطعوا مذاكيره و انفه، و مثلوا به، و امر بقتل المتسمى السكسكى و الاستيثاق من سعيد و ابنيه، و اقبل متوجها الى الضحاك.

و اما غير ابى هاشم مخلد بن محمد، فانه ذكر من امر سليمان بن هشام بعد انهزامه من وقعه خساف غير ما ذكره مخلد، و الذى ذكره من ذلك ان سليمان بن هشام بن عبد الملك حين هزمه مروان يوم خساف اقبل هاربا، حتى صار الى عبد الله بن عمر، فخرج مع عبد الله بن عمر الى الضحاك، فبايعه، و اخبر عن مروان بفسق و جور و حضض عليه، و قال: انا سائر معكم في موالي و من اتبعنى، فسار مع الضحاك حين سار الى مروان، فقال شبيل ابن عزره الضبعى في بيعتهم الضحاك:

ا لم تر ان الله اظهر دينه* * * فصلت قريش خلف بكر بن وائل‏

فصارت كلمه ابن عمر و اصحابه واحده على النضر بن سعيد، فعلم انه لا طاقه له بهم، فارتحل من ساعته يريد مروان بالشام.

و ذكر ابو عبيده ان بيهسا اخبره: لما دخل ذو القعده سنه سبع و عشرين و مائه، استقام لمروان الشام و نفى عنها من كان يخالفه، فدعا يزيد بن عمر ابن هبيرة، فوجهه عاملا على العراق، و ضم اليه اجناد الجزيرة، فاقبل حتى نزل سعيد بن عبد الملك، و ارسل ابن عمر الى الضحاك يعلمه ذلك قال: فجعل الضحاك لنا ميسان و قال: انها تكفيكم حتى ننظر عما تنجلى و استعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بن النعمان.

فاما ابو مخنف فانه قال- فيما ذكر عنه هشام: ان عبد الله بن عمر صالح الضحاك على ان بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفه و سوادها، و بيد ابن عمر ما كان بيده من كسكر و ميسان و دستميسان و كور دجلة و الاهواز و فارس، فارتحل الضحاك حتى لقى مروان بكفرتوثا من ارض الجزيرة.

و قال ابو عبيده: تهيأ الضحاك ليسير الى مروان، و مضى النضر يريد

328

الشام، فنزل القادسية، و بلغ ذلك ملحان الشيبانى عامل الضحاك على الكوفه، فخرج اليه فقاتله و هو في قله من الشراه، فقاتله فصبر حتى قتله النضر و قال ابن خدره يرثيه و عبد الملك بن علقمه:

كائن كملحان من شار أخي ثقه* * * و ابن علقمه المستشهد الشاري‏

من صادق كنت اصفيه مخالصتى* * * فباع دارى باعلى صفقه الدار

اخوان صدق ارجيهم و اخذلهم* * * اشكو الى الله خذلاني و اخفارى‏

و بلغ الضحاك قتل ملحان، فاستعمل على الكوفه المثنى بن عمران من بنى عائده، ثم سار الضحاك في ذي القعده، فاخذ الموصل، و انحط ابن هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزه من عين التمر، و بلغ ذلك المثنى بن عمران العائذى، عامل الضحاك على الكوفه، فسار اليه فيمن معه من الشراه، و معه منصور بن جمهور، و كان صار اليه حين بايع الضحاك خلافا على مروان، فالتقوا بغزه، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما متواليه، فقتل المثنى و عزيز و عمرو- و كانوا من رؤساء اصحاب الضحاك- و هرب منصور، و انهزمت الخوارج، فقال مسلم حاجب يزيد:

ارت للمثنى يوم غزه حتفه* * * و اذرت عزيز بين تلك الجنادل‏

و عمرا ازارته المنيه بعد ما* * * اطافت بمنصور كفات الحبائل‏

و قال غيلان بن حريث في مدحه ابن هبيرة:

نصرت يوم العين إذ لقيتا* * * كنصر داود على جالوتا

فلما قتل منهم من قتل في يوم العين، و هرب منصور بن جمهور، اقبل لا يلوى حتى دخل الكوفه، فجمع بها جمعا من اليمانيه و الصفريه و من كان تفرق منهم يوم قتل ملحان و من تخلف منهم عن الضحاك، فجمعهم منصور جميعا، ثم سار بهم حتى نزل الروحاء، و اقبل ابن هبيرة في اجناده حتى لقيهم، فقاتلهم أياما ثم هزمهم، و قتل البرذون بن‏

329

مرزوق الشيبانى، و هرب منصور ففي ذلك يقول غيلان بن حريث:

و يوم روحاء العذيب دففوا* * * على ابن مرزوق سمام مزعف‏

قال: و اقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفه و نفى عنها الخوارج، و بلغ الضحاك ما لقى اصحابه، فدعا عبيده بن سوار التغلبى، فوجهه اليهم، و انحط ابن هبيرة يريد واسطا و عبد الله بن عمر بها، و ولى على الكوفه عبد الرحمن بن بشير العجلى، و اقبل عبيده بن سوار مغذا في فرسان اصحابه، حتى نزل الصراة، و لحق به منصور بن جمهور، و بلغ ذلك ابن هبيرة فسار اليهم فالتقوا بالصراه في سنه سبع و عشرين و مائه.

و في هذه السنه توجه سليمان بن كثير و لاهز بن قريظة و قحطبه بن شبيب- فيما ذكر- الى مكة، فلقوا ابراهيم بن محمد الامام بها، و اعلموه ان معهم عشرين الف دينار و مائتي الف درهم و مسكا و متاعا كثيرا، فأمرهم بدفع ذلك الى ابن عروه مولى محمد بن على، و كانوا قدموا معهم بابى مسلم ذلك العام، فقال ابن كثير لإبراهيم بن محمد: ان هذا مولاك.

و فيها كتب بكير بن ماهان الى ابراهيم بن محمد يخبره انه في أول يوم من ايام الآخرة، و آخر يوم من ايام الدنيا، و انه قد استخلف حفص بن سليمان، و هو رضا للامر، و كتب ابراهيم الى ابى سلمه يأمره بالقيام بأمر اصحابه، و كتب الى اهل خراسان يخبرهم انه قد اسند امرهم اليه، و مضى ابو سلمه الى خراسان فصدقوه، و قبلوا امره، و دفعوا اليه ما اجتمع قبلهم من نفقات الشيعة و خمس أموالهم و حج بالناس في هذه السنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و هو عامل مروان على المدينة و مكة و الطائف، حدثنى بذلك احمد بن ثابت الرازى، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر و كذلك قال الواقدى و غيره.

و كان العامل على العراق النضر بن الحرشي، و كان من امره و امر عبد الله ابن عمر و الضحاك الحروري ما قد ذكرت قبل و كان بخراسان نصر بن سيار و بها من ينازعه فيها كالكرمانى و الحارث بن سريج.

330

ثم دخلت‏

سنه ثمان و عشرين و مائه‏

(ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان) فمما كان فيها من الاحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان.

ذكر الخبر عن مقتله و سبب ذلك:

قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بامانه، و خروج الحارث من بلاد الترك الى خراسان و مصيره الى نصر بن سيار، و ما كان من نصر اليه، و اجتماع من اجتمع الى الحارث مستجيبين له فذكر على بن محمد عن شيوخه، ان ابن هبيرة لما ولى العراق كتب الى نصر بعهده، فبايع لمروان، فقال الحارث: انما آمنني يزيد بن الوليد، و مروان لا يجيز أمان يزيد، فلا آمنه فدعا الى البيعه، فشتم ابو السليل مروان، فلما دعا الحارث الى البيعه أتاه سلم بن احوز و خالد بن هريم و قطن بن محمد و عباد بن الأبرد بن قره و حماد بن عامر، و كلموه و قالوا له: لم يصير نصر سلطانه و ولايته في أيدي قومك؟ ا لم يخرجك من ارض الترك و من حكم خاقان! و انما اتى بك لئلا يجترئ عليك عدوك فخالفته، و فارقت امر عشيرتك، و اطمعت فيهم عدوهم، فنذكرك الله ان تفرق جماعتنا! فقال الحارث: انى لأرى في يدي الكرماني ولايه، و الأمر في يد نصر، فلم يجبهم بما أرادوا، و خرج الى حائط لحمزه بن ابى صالح السلمى بإزاء قصر بخاراخذاه، فعسكر و ارسل الى نصر، فقال له: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر فخرج الحارث فاتى منازل يعقوب بن داود، و امر جهم بن صفوان، مولى بنى راسب، فقرا كتابا سير فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبرون، و ارسل الحارث الى نصر: اعزل سلم بن احوز عن شرطك، و استعمل بشر بن بسطام البرجمى، فوقع بينه و بين مغلس بن زياد كلام، فتفرقت قيس و تميم،

331

فعزله و استعمل ابراهيم بن عبد الرحمن، و اختاروا رجالا يسمون لهم قوما يعملون بكتاب الله فاختار نصر مقاتل بن سليمان و مقاتل بن حيان، و اختار الحارث المغيره بن شعبه الجهضمي و معاذ بن جبله، و امر نصر كاتبه ان يكتب ما يرضون من السنن، و ما يختارونه من العمال، فيوليهم الثغرين، ثغر سمرقند و طخارستان، و يكتب الى من عليهما ما يرضونه من السير و السنن.

فاستأذن سلم بن احوز نصرا في الفتك بالحارث، فأبى و ولى ابراهيم الصائغ، و كان يوجه ابنه إسحاق بالفيروزج الى مرو، و كان الحارث يظهر انه صاحب الرايات السود، فأرسل اليه نصر: ان كنت كما تزعم، و انكم تهدمون سور دمشق، و تزيلون امر بنى اميه، فخذ منى خمسمائة راس و مائتي بعير، و احمل من الأموال ما شئت و آله الحرب و سر، فلعمرى لئن كنت صاحب ما ذكرت انى لفي يدك، و ان كنت لست ذلك فقد اهلكت عشيرتك فقال الحارث: قد علمت ان هذا حق، و لكن لا يبايعني عليه من صحبني فقال نصر: فقد استبان انهم ليسوا على رأيك، و لا لهم مثل بصيرتك، و انهم هم فساق و رعاع، فاذكرك الله في عشرين ألفا من ربيعه و اليمن سيهلكون فيما بينكم و عرض نصر على الحارث ان يوليه ما وراء النهر، و يعطيه ثلاثمائة الف، فلم يقبل، فقال له نصر: فان شئت فابدا بالكرمانى فان قتلته فانا في طاعتك.

و ان شئت فخل بيني و بينه، فان ظفرت به رايت رأيك، و ان شئت فسر باصحابك، فإذا جزت الري فانا في طاعتك قال: ثم تناظر الحارث و نصر، فتراضيا ان يحكم بينهم مقاتل بن حيان و جهم بن صفوان، فحكما بان يعتزل نصر، و يكون الأمر شورى.

فلم يقبل نصر و كان جهم يقص في بيته في عسكر الحارث، و خالف الحارث نصرا، ففرض نصر لقومه من بنى سلمه و غيرهم، و صير سلما في المدينة في منزل ابن سوار، و ضم اليه الرابطة و الى هدبه بن عامر الشعراوى فرسا، و صيره في المدينة، و استعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيان السلمى، و حول السلاح و الدواوين الى القهندز، و اتهم قوما من اصحابه‏

332

انهم كاتبوا الحارث، فاجلس عن يساره من اتهم ممن لا بلاء له عنده، و اجلس الذين ولاهم و اصطنعهم عن يمينه، ثم تكلم و ذكر بنى مروان و من خرج عليهم، كيف اظفر الله به، ثم قال: احمد الله و اذم من على يسارى، و ليت خراسان فكنت يا يونس بن عبد ربه ممن اراد الهرب من كلف مئونات مرو، و أنت و اهل بيتك ممن اراد اسد بن عبد الله ان يختم أعناقهم، و يجعلهم في الرجاله، فوليتكم إذ وليتكم و اصطنعتكم و امرتكم ان ترفعوا ما أصبتم إذا اردت المسير الى الوليد، فمنكم من رفع الف الف و اكثر و اقل، ثم ملأتم الحارث على، فهلا نظرتم الى هؤلاء الأحرار الذين لزمونى مؤاسين على غير بلاء! و اشار الى هؤلاء الذين عن يمينه فاعتذر القوم اليه، فقبل عذرهم.

و قدم على نصر من كور خراسان حين بلغهم ما صار اليه من الفتنة جماعه، منهم عاصم بن عمير الصريمى و ابو الذيال الناجى و عمرو الفادوسبان السغدى البخارى و حسان بن خالد الأسدي من طخارستان في فوارس، و عقيل ابن معقل الليثى و مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم و سعد الصغير في فرسان.

و كتب الحارث بن سريج سيرته، فكانت تقرا في طريق مرو و المساجد فأجابه قوم كثير، فقرا رجل كتابه على باب نصر بماجان، فضربه غلمان نصر، فنابذه الحارث، فاتى نصرا هبيرة بن شراحيل و يزيد ابو خالد، فاعلماه، فدعا الحسن بن سعد مولى قريش، فأمره فنادى: ان الحارث بن سريج عدو الله قد نابذ و حارب، فاستعينوا الله و لا حول و لا قوه الا بالله و ارسل من ليلته عاصم بن عمير الى الحارث، و قال لخالد بن عبد الرحمن:

ما نفعل شعارنا غدا؟ فقال مقاتل بن سليمان: ان الله بعث نبيا فقاتل عدوا له، فكان شعاره حم لا ينصرون، فكان شعارهم حم لا ينصرون و علامتهم على الرماح الصوف.

و كان سلم بن احوز و عاصم بن عمير و قطن و عقيل بن معقل و مسلم‏

333

ابن عبد الرحمن و سعيد الصغير و عامر بن مالك و الجماعه في طرف الطخاريه و يحيى بن حضين و ربيعه في البخاريين و دل رجل من اهل مدينه مرو الحارث على نقب في الحائط، فمضى الحارث فنقب الحائط، فدخلوا المدينة من ناحيه باب بالين و هم خمسون، و نادوا: يا منصور- بشعار الحارث- و أتوا باب نيق، فقاتلهم جهم بن مسعود الناجى، فحمل رجل على جهم فطعنه في فيه فقتله، ثم خرجوا من باب نيق حتى أتوا قبة سلم بن احوز فقاتلهم عصمه بن عبد الله الأسدي و خضر بن خالد و الأبرد بن داود من آل الأبرد بن قره، و على باب بالين حازم بن حاتم، فقتلوا كل من كان يحرسه، و انتهبوا منزل ابن احوز و منزل قديد بن منيع، و نهاهم الحارث ان ينتهبوا منزل ابن احوز و منزل قديد بن منيع و منزل ابراهيم و عيسى ابنى عبد الله السلمى الا الدواب و السلاح، و ذلك ليله الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.

قال: و اتى نصرا رسول سلم يخبره دنو الحارث منه، و ارسل اليه: اخره حتى نصبح، ثم بعث اليه أيضا محمد بن قطن بن عمران الأسدي، انه قد خرج عليه عامه اصحابه، فأرسل اليه: لا تبداهم.

و كان الذى اهاج القتال، ان غلاما للنضر بن محمد الفقيه يقال له عطية، صار الى اصحاب سلم، فقال اصحاب الحارث: ردوه إلينا، فأبوا، فاقتتلوا، فرمى غلاما لعاصم في عينه فمات، فقاتلهم و معه عقيل بن معقل فهزمهم، فانتهوا الى الحارث و هو يصلى الغداة في مسجد ابى بكره، مولى بنى تميم، فلما قضى الصلاة دنا منهم، فرجعوا حتى صاروا الى طرف الطخاريه، فدنا منه رجلان، فناداهما عاصم: عرقبا برذونه، فضرب الحارث أحدهما بعموده فقتله، و رجع الحارث الى سكه السغد، فراى اعين مولى حيان، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتل، و عدل في سكه بنى عصمه، فاتبعه حماد بن عامر الحماني و محمد بن زرعه، فكسر رمحيهما، و حمل على مرزوق مولى سلم، فلما دنا منه رمى به فرسه، فدخل حانوتا، و ضرب برذونه على مؤخره فنفق قال: و ركب سلم حين اصبح الى باب‏

334

نيق، فأمرهم بالخندق، فخندقوا و امر مناديا، فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث، و قاتلهم الليل كله، فلما أصبحنا أخذ اصحاب نصر على الرزيق، فأدركوا عبد الله بن مجاعه بن سعد، فقتلوه و انتهى سلم الى عسكر الحارث، و انصرف الى نصر فنهاه نصر، فقال: لست منتهيا حتى ادخل المدينة على هذا الدبوسي، فمضى معه محمد ابن قطن و عبيد الله بن بسام الى باب درسنكان- و هو القهندز- فوجده مردوما، فصعد عبد الله بن مزيد الأسدي السور و معه ثلاثة، ففتحوا الباب، و دخل بن احوز، و وكل بالباب أبا مطهر حرب بن سليمان، فقتل سلم يومئذ كاتب الحارث بن سريج، و اسمه يزيد بن داود، و اتى عبد ربه ابن سيسن فقتله، و مضى سلم الى باب نيق ففتحه، و قتل رجلا من الجزارين كان دل الحارث على النقب، فقال المنذر الرقاشى ابن عم يحيى بن حضين، يذكر صبر القاسم الشيبانى:

ما قاتل القوم منكم غير صاحبنا* * * في عصبه قاتلوا صبرا فما ذعروا

هم قاتلوا عند باب الحصن ما وهنوا* * * حتى أتاهم غياث الله فانتصروا

فقاسم بعد امر الله أحرزها* * * و أنت في معزل عن ذاك مقتصر

و يقال: لما غلظ امر الكرماني و الحارث ارسل نصر الى الكرماني، فأتاه على عهد، و حضرهم محمد بن ثابت القاضى و مقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن ابن نعيم الغامدى و سلم بن احوز، فدعا نصر الى الجماعه، فقال للكرمانى:

أنت اسعد الناس بذلك، فوقع بين سلم بن احوز و المقدام كلام، فاغلظ له سلم، فأعانه عليه اخوه، و غضب لهما السغدى بن عبد الرحمن الحزمي، فقال سلم: لقد هممت ان اضرب انفك بالسيف، فقال السغدى: لو مسست السيف لم ترجع إليك يدك، فخاف الكرماني ان يكون مكرا من نصر، فقام و تعلقوا به، فلم يجلس، و عاد الى باب المقصورة.

قال: فتلقوه بفرسه، فركب في المسجد، و قال نصر: اراد الغدر بي، و ارسل الحارث الى نصر: انا لا نرضى بك اماما، فأرسل اليه نصر: كيف‏

335

يكون لك عقل، و قد افنيت عمرك في ارض الشرك و غزوت المسلمين بالمشركين! ا ترانى اتضرع إليك اكثر مما تضرعت! قال: فاسر يومئذ جهم بن صفوان صاحب الجهمية، فقال لسلم: ان لي ولثا من ابنك حارث، قال: ما كان ينبغى له ان يفعل، و لو فعل ما آمنتك، و لو ملات هذه الملاءة كواكب، و ابراك الى عيسى بن مريم ما نجوت، و الله لو كنت في بطنى لشققت بطنى حتى اقتلك، و الله لا يقوم علينا مع اليمانيه اكثر مما قمت، و امر عبد ربه بن سيسن فقتله، فقال الناس: قتل ابو محرز- و كان جهم يكنى أبا محرز.

و اسر يومئذ هبيرة بن شراحيل و عبد الله بن مجاعه فقال: لا ابقى الله من استبقاكما، و ان كنتما من تميم و يقال: بل قتل هبيرة، لحقته الخيل عند دار قديد بن منبع فقتل قال: و لما هزم نصر الحارث، بعث الحارث ابنه حاتما الى الكرماني، فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك، دعهما يضطربان، فبعث الكرماني السغدى بن عبد الرحمن الحزمي معه، فدخل السغدى المدينة من ناحيه باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازه الكرماني، و مع الكرماني داود ابن شعيب الجدانى و محمد بن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرماني، ثم ركب الحارث، فسار معه جماعه بن محمد بن عزيز ابو خلف، فلما كان الغد سار الكرماني الى باب ميدان يزيد، فقاتل اصحاب نصر، فقتل سعد بن سلم المراغي، و أخذوا علم عثمان بن الكرماني، فأول من اتى الكرماني بهزيمه الحارث و هو معسكر بباب ماسرجسان على فرسخ من المدينة النضر ابن غلاق السغدى و عبد الواحد بن المنخل ثم أتاه سواده بن سريج، و حاتم بن الحارث و الخليل بن غزوان العذري، اتوه ببيعه الحارث بن سريج و أول من بايع الكرماني يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانى، فوجه الكرماني الى الحارث بن سريج سوره بن محمد الكندى الى اسمانير و السغدى بن عبد الرحمن أبا طعمه و صعبا او صعيبا، و صباحا، فدخلوا المدينة من باب ميخان، حتى أتوا باب ركك، و اقبل الكرماني الى باب حرب بن عامر،

336

و وجه اصحابه الى نصر يوم الأربعاء، فتراموا ثم تحاجزوا، و لم يكن بينهم يوم الخميس قتال قال: و التقوا يوم الجمعه، فانهزمت الأزد، حتى و صلوا الى الكرماني، فاخذ اللواء بيده فقاتل به، و حمل الخضر بن تميم و عليه تجفاف، فرموه بالنشاب، و حمل عليه حبيش مولى نصر فطعنه في حلقه، فاخذ الخضر السنان بشماله من خلفه، فشب به فرسه، و حمل فطعن حبيشا فاذراه عن برذونه، فقتله رجاله الكرماني بالعصى.

قال: و انهزم اصحاب نصر، و أخذوا لهم ثمانين فرسا، و صرع تميم ابن نصر، فأخذوا له برذونين، أخذ أحدهما السغدى بن عبد الرحمن، و أخذ الآخر الخضر، و لحق الخضر بسلم بن احوز، فتناول من ابن أخيه عمودا فضربه فصرعه، فحمل عليه رجلان من بنى تميم فهرب، فرمى سلم بنفسه تحت القناطر و به بضع عشره ضربه على بيضته فسقط، فحمله محمد بن الحداد الى عسكر نصر، و انصرفوا، فلما كان في بعض الليالى خرج نصر من مرو، و قتل عصمه بن عبد الله الأسدي، و كان يحمى اصحاب نصر، فادركه صالح بن القعقاع الأزدي، فقال له عصمه: تقدم يا مزونى، فقال صالح: اثبت يا خصى- و كان عقيما- فعطف فرسه فشب فسقط، فطعنه صالح فقتله.

و قاتل ابن الديليمرى، و هو يرتجز، فقتل الى جنب عصمه و قتل عبيد الله بن حوتمه السلمى، رمى مروان البهرانى بجرزه، فقتل، فاتى الكرماني برأسه فاسترجع- و كان له صديقا- و أخذ رجل يماني بعنان فرس مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه و اقتتلوا ثلاثة ايام، فهزمت آخر يوم المضرية اليمن، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعه و اليمن، قد دخل الحارث السوق، و قتل ابن الأقطع، ففت في اعضاد المضرية و كان أول من انهزم ابراهيم بن بسام الليثى، و ترجل تميم بن نصر، فاخذ برذونه عبد الرحمن بن جامع الكندى، و قتلوا هياجا الكلبى و لقيط بن اخضر، قتله غلام لهانئ البزار

337

قال: و يقال: لما كان يوم الجمعه تأهبوا للقتال، و هدموا الحيطان ليتسع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بن قطن الى الكرماني: انك لست مثل هذا الدبوسي، فاتق الله، لا تشرع في الفتنة قال: و بعث تميم بن نصر شاكريته، و هم في دار الجنوب بنت القعقاع، فرماهم اصحاب الكرماني من السطوح و نذروا بهم، فقال عقيل بن معقل لمحمد بن المثنى: علام نقتل أنفسنا لنصر و الكرماني! هلم نرجع الى بلدنا بطخارستان، فقال محمد: ان نصرا لم يف لنا، فلسنا ندع حربه و كان اصحاب الحارث و الكرماني يرمون نصرا و اصحابه بعراده، فضرب سرادقه و هو فيه فلم يحوله، فوجه اليهم سلم ابن احوز فقاتلهم، فكان أول الظفر لنصر، فلما راى الكرماني ذلك أخذ لواءه من محمد بن محمد بن عميرة، فقاتل به حتى كسره و أخذ محمد بن المثنى و الزاغ و حطان في كاربكل، حتى خرجوا على الرزيق، و تميم بن نصر على قنطره النهر، فقال محمد بن المثنى لتميم حين انتهى اليه: تنح يا صبى و حمل محمد و الزاغ معه رايه صفراء، فصرعوا اعين مولى نصر، و قتلوه، و كان صاحب دواه نصر، و قتلوا نفرا من شاكريته و حمل الخضر بن تميم على سلم بن احوز فطعنه، فمال السنان، فضربه بجرز على صدره و اخرى على منكبه، و ضربه على راسه فسقط، و حمى نصر اصحابه في ثمانية، فمنعهم من دخول السوق.

قال: و لما هزمت اليمانيه مضر، ارسل الحارث الى نصر: ان اليمانيه يعيروننى بانهزامكم، و انا كاف، فاجعل حماه أصحابك بإزاء الكرماني، فبعث اليه نصر يزيد النحوي او خالدا يتوثق منه، ان يفى له بما اعطاه من الكف.

و يقال: انما كف الحارث عن قتال نصر ان عمران بن الفضل الأزدي و اهل بيته و عبد الجبار العدوى و خالد بن عبيد الله بن حبيب العدوى و عامه اصحابه نقموا على الكرماني فعله باهل التبوشكان، و ذلك ان أسدا وجهه اليهم، فنزلوا على حكم اسد، فبقر بطون خمسين رجلا و القاهم في نهر بلخ، و قطع أيدي ثلاثمائة منهم و ارجلهم، و صلب ثلاثة، و باع اثقالهم فيمن يزيد خ،

338

فنقموا على الحارث عونه الكرماني، و قتاله نصرا فقال نصر لأصحابه حين تغير الأمر بينه و بين الحارث: ان مضر، لا تجتمع لي ما كان الحارث مع الكرماني، لا يتفقان على امر، فالرأي تركهما، فإنهما يختلفان و خرج الى جلفر فيجد عبد الجبار الأحول العدوى و عمر بن ابى الهيثم الصغدي، فقال لهما: ا يسعكما المقام مع الكرماني؟ فقال عبد الجبار: و أنت فلا عدمت آسيا، ما احلك هذا المحل! فلما رجع نصر الى مرو امر به فضرب أربعمائة سوط، و مضى نصر الى خرق، فأقام اربعه ايام بها، و معه مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم و سلم بن احوز و سنان الأعرابي، فقال نصر لنسائه: ان الحارث سيخلفنى فيكن و يحميكن فلما قرب من نيسابور أرسلوا اليه: ما اقدمك، و قد اظهرت من العصبية امرا قد كان الله اطفاه؟ و كان عامل نصر على نيسابور ضرار ابن عيسى العامري، فأرسل اليه نصر بن سيار سنانا الأعرابي و مسلم بن عبد الرحمن و سلم بن احوز، فكلموهم فخرجوا، فتلقوا نصرا بالمواكب و الجوارى و الهدايا، فقال سلم: جعلني الله فداك! هذا الحى من قيس، فإنما كانت عاتبه، فقال نصر:

انا ابن خندف تنمينى قبائلها* * * للصالحات و عمى قيس عيلانا

و اقام عند نصر حين خرج من مرو يونس بن عبد ربه و محمد بن قطن و خالد بن عبد الرحمن في نظرائهم.

قال: و تقدم عباد بن عمر الأزدي و عبد الحكيم بن سعيد العوذى و ابو جعفر عيسى بن جرز على نصر من مكة بابرشهر، فقال نصر لعبد الحكيم:

اما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ فقال عبد الحكيم: بل سفهاء قومك، طالت ولايتها في ولايتك، و صيرت الولاية لقومك دون ربيعه و اليمن فبطروا، و في ربيعه و اليمن حلماء و سفهاء فغلب السفهاء الحكماء فقال عباد: ا تستقبل الأمير بهذا الكلام! قال: دعه فقد صدق، فقال ابو جعفر عيسى بن جرز- و هو من اهل قريه على نهر مرو: ايها الأمير، حسبك من هذه الأمور و الولاية،

339

فانه قد اطل امر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد، و يدعو الى دوله تكون، فيغلب على الأمر و أنتم تنظرون و تضطربون فقال نصر:

ما اشبه ان يكون لقله الوفاء، و استجراح الناس، و سوء ذات البين وجهت الى الحارث و هو بأرض الترك، فعرضت عليه الولاية و الأموال فأبى و شغب، و ظاهر على فقال ابو جعفر عيسى: ان الحارث مقتول مصلوب، و ما الكرماني من ذلك ببعيد فوصله نصر قال: و كان سلم بن احوز يقول: ما رايت قوما اكرم اجابه، و لا ابذل لدمائهم من قيس.

قال: فلما خرج نصر من مرو غلب عليها الكرماني، و قال للحارث: انما اريد كتاب الله، فقال قحطبه: لو كان صادقا لامددته الف عنان، فقال مقاتل بن حيان: ا في كتاب الله هدم الدور و انتهاب الأموال! فحبسه الكرماني في خيمه في العسكر، فكلمه معمر بن مقاتل بن حيان- او معمر بن حيان- فخلاه، فاتى الكرماني المسجد، و وقف الحارث، فخطب الكرماني الناس، و آمنهم غير محمد بن الزبير و رجل آخر، فاستامن لابن الزبير داود بن ابى داود بن يعقوب، و دخل الكاتب فآمنه، و مضى الحارث الى باب دوران و سرخس، و عسكر الكرماني في مصلى اسد، و بعث الى الحارث فأتاه، فأنكر الحارث هدم الدور و انتهاب الأموال، فهم الكرماني به، ثم كف عنه، فأقام أياما و خرج بشر بن جرموز الضبي بخرقان، فدعا الى الكتاب و السنه، و قال للحارث: انما قاتلت معك طلب العدل، فاما إذ كنت مع الكرماني، فقد علمت انك انما تقاتل ليقال: غلب الحارث! و هؤلاء يقاتلون عصبية، فلست مقاتلا معك و اعتزل في خمسه آلاف و خمسمائة- و يقال في اربعه آلاف- و قال: نحن الفئة العادلة، ندعو الى الحق و لا نقاتل الا من يقاتلنا و اتى الحارث مسجد عياض، فأرسل الى الكرماني يدعوه الى ان يكون الأمر شورى، فأبى الكرماني، و بعث الحارث ابنه محمدا فحمل ثقله من دار تميم بن نصر، فكتب نصر الى عشيرته و مضر، ان الزموا الحارث مناصحه‏

340

فاتوه، فقال الحارث: انكم اصل العرب و فرعها، و أنتم قريب عهد بالهزيمة، فاخرجوا الى بالأثقال، فقالوا: لم نكن نرضى بشي‏ء دون لقائه و كان من مدبرى عسكر الكرماني مقاتل بن سليمان، فأتاه رجل من البخاريين، فقال: أعطني اجر المنجنيق التي نصبتها، فقال: أقم البينه انك نصبتها من منفعه المسلمين، فشهد له شيبه بن شيخ الأزدي، فامر مقاتل فصك له الى بيت المال قال: فكتب اصحاب الحارث الى الكرماني: نوصيكم بتقوى الله و طاعته و ايثار ائمه الهدى و تحريم ما حرم الله من دمائكم، فان الله جعل اجتماعنا كان الى الحارث ابتغاء الوسيله الى الله، و نصيحه في عباده، فعرضنا أنفسنا للحرب و دماءنا للسفك و أموالنا للتلف، فصغر ذلك كله عندنا في جنب ما نرجو من ثواب الله، و نحن و أنتم اخوان في الدين و انصار على العدو، فاتقوا الله و راجعوا الحق، فانا لا نريد سفك الدماء بغير حلها.

فأقاموا أياما، فاتى الحارث بن سريج الحائط فثلم فيه ثلمه ناحيه نوبان عند دار هشام بن ابى الهيثم، فتفرق عن الحارث اهل البصائر و قالوا:

غدرت فأقام القاسم الشيبانى و ربيع التيمى في جماعه، و دخل الكرماني من باب سرخس، فحاذى الحارث، و مر المنخل بن عمرو الأزدي فقتله السميدع، احد بنى العدوية، و نادى: يا لثارات لقيط! و اقتتلوا، و جعل الكرماني على ميمنته داود بن شعيب و اخوته: خالدا و مزيدا و المهلب، و على ميسرته سوره بن محمد بن عزيز الكندى، في كنده و ربيعه فاشتد الأمر بينهم، فانهزم اصحاب الحارث و قتلوا ما بين الثلمه و عسكر الحارث، و الحارث على بغل فنزل عنه، و ركب فرسا فضربه، فجرى و انهزم اصحابه، فبقى في اصحابه، فقتل عند شجره، و قتل اخوه سواده و بشر بن جرموز و قطن بن المغيره بن عجرد، و كف الكرماني، و قتل مع الحارث مائه، و قتل من اصحاب الكرماني مائه، و صلب الحارث عند مدينه مرو بغير راس.

و كان قتل بعد خروج نصر من مرو بثلاثين يوما، قتل يوم الأحد لست بقين من رجب و كان يقال: ان الحارث يقتل تحت زيتونه او شجره غبيراء.

فقتل كذلك سنه ثمان و عشرين و مائه و أصاب الكرماني صفائح ذهب للحارث‏

341

فأخذها و حبس أم ولده ثم خلى عنها، و كانت عند حاجب بن عمرو بن سلمه بن سكن بن جون بن دبيب قال: و أخذ اموال من خرج مع نصر، و اصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال ابراهيم: بم تستحل ما له؟ فقال صالح من آل الوضاح: اسقنى دمه، فحال بينه و بينه مقاتل بن سليمان، فاتى به منزله قال على:، قال زهير بن الهنيد: خرج الكرماني الى بشر بن جرموز، و عسكر خارجا من المدينة، مدينه مرو، و بشر في اربعه آلاف، فعسكر الحارث مع الكرماني، فأقام الكرماني أياما بينه و بين عسكر بشر فرسخان، ثم تقدم حتى قرب من عسكر بشر، و هو يريد ان يقاتله، فقال للحارث:

تقدم و ندم الحارث على اتباع الكرماني، فقال: لا تعجل الى قتالهم، فانى اردهم إليك، فخرج من العسكر في عشره فوارس، حتى اتى عسكر بشر في قريه الدرزيجان، فأقام معهم و قال: ما كنت لاقاتلكم مع اليمانيه، و جعل المضريون ينسلون من عسكر الكرماني الى الحارث حتى لم يبق مع الكرماني مضرى غير سلمه بن ابى عبد الله، مولى بنى سليم، فانه قال: و الله لا اتبع الحارث ابدا فانى لم أره الا غادرا و المهلب بن اياس، و قال: لا اتبعه فانى لم أره قط الا في خيل تطرد فقاتلهم الكرماني مرارا يقتتلون ثم يرجعون الى خنادقهم، فمره لهؤلاء و مره لهؤلاء، فالتقوا يوما من ايامهم، و قد شرب مرثد بن عبد الله المجاشعي، فخرج سكران على برذون للحارث، فطعن فصرع، و حماه فوارس من بنى تميم، حتى تخلص، و عار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، و قال: كدت تقتل نفسك، فقال للحارث: انما تقول ذلك لمكان برذونك، امراته طالق ان لم آتك ببرذون افره من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: اى برذون في عسكرهم افره؟ قالوا: برذون عبد الله ابن ديسم العنزي- و أشاروا الى موقفه- حتى وصل اليه، فلما غشيه رمى ابن ديسم نفسه عن برذونه، و علق مرثد عنان فرسه في رمحه، و قاده حتى اتى به الحارث، فقال: هذا مكان برذونك، فلقى مخلد بن الحسن مرثدا، فقال له يمازحه: ما اهيا برذون ابن ديسم تحتك! فنزل عنه، و قال: خذه، قال:

اردت ان تفضحني! أخذته منا في الحرب و آخذه في السلم! و مكثوا بذلك‏

342

أياما، ثم ارتحل الحارث ليلا، فاتى حائط مرو فنقب بابا، و دخل الحائط، فدخل الكرماني، و ارتحل، فقالت المضرية للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، و قد فررت غير مره، فترجل فقال: انا لكم فارسا خير منى لكم راجلا، قالوا: لا نرضى الا ان تترجل، فترجل و هو بين حائط مرو و المدينة، فقتل الحارث و اخوه و بشر بن جرموز و عده من فرسان تميم، و انهزم الباقون، و صلب الحارث و صفت مرو لليمن، فهدموا دور المضرية، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل:

يا مدخل الذل على قومه* * * بعدا و سحقا لك من هالك!

شؤمك اردى مضرا كلها* * * و غض من قومك بالحارك‏

ما كانت الأزد و اشياعها* * * تطمع في عمرو و لا مالك‏

و لا بنى سعد إذا ألجموا* * * كل طمر لونه حالك‏

و يقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقه المازنى.

و قالت أم كثير الضبية:

لا بارك الله في أنثى و عذبها* * * تزوجت مضريا آخر الدهر

ابلغ رجال تميم قول موجعه* * * احللتموها بدار الذل و الفقر

ان أنتم لم تكروا بعد جولتكم* * * حتى تعيدوا رجال الأزد في الظهر

انى استحيت لكم من بذل طاعتكم* * * هذا المزونى يجبيكم على قهر

و قال عباد بن الحارث:

الا يا نصر قد برح الخفاء* * * و قد طال التمنى و الرجاء

و اصبحت المزون بأرض مرو* * * تقضى في الحكومة ما تشاء

يجوز قضاؤها في كل حكم* * * على مضر و ان جار القضاء

343

و حمير في مجالسها قعود* * * ترقرق في رقابهم الدماء

فان مضر بذا رضيت و ذلت* * * فطال لها المذلة و الشقاء

و ان هي اعتبت فيها و الا* * * فحل على عساكرها العفاء

و قال:

الا يا ايها المرء* * * الذى قد شفه الطرب‏

أفق ودع الذى قد* * * كنت تطلبه و نطلب‏

فقد حدثت بحضرتنا* * * امور شأنها عجب‏

الأزد رايتها* * * عزت بمرو و ذلت العرب‏

فجاز الصفر لما* * * كان ذاك و بهرج الذهب‏

و قال ابو بكر بن ابراهيم لعلى و عثمان ابنى الكرماني.

انى لمرتحل اريد بمدحتى* * * اخوين فوق ذرى الأنام ذراهما

سبقا الجياد فلم يزالا نجعه* * * لا يعلم الضيف الغريب قرأهما

يستعليان و يجريان الى العلا* * * و يعيش في كنفيهما حياهما

اعنى عليا انه و وزيره* * * عثمان ليس يذل من والاهما

جريا لكيما يلحقا بأبيهما* * * جرى الجياد من البعيد مداهما

فلئن هما لحقا به لمنصب* * * يستعليان و يلحقان أباهما

و لئن ابر عليهما فلطالما* * * جريا فبذهما و بذ سواهما

فلامدحنهما بما قد عاينت* * * عيني و ان لم احص كل نداهما

فهما التقيان المشار إليهما* * * الحاملان الكاملان كلاهما

و هما ازالا عن عريكه ملكه* * * نصرا و لاقى الذل إذ عاداهما

نفيا ابن اقطع بعد قتل حماته* * * و تقسمت اسلابه خيلاهما

344

و الحارث بن سريج إذ قصدوا له* * * حتى تعاور راسه سيفاهما

أخذا بعفو أبيهما في قدره* * * إذ عز قومهما و من والاهما

و في هذه السنه وجه ابراهيم بن محمد أبا مسلم الى خراسان، و كتب الى اصحابه: انى قد امرته بأمري، فاسمعوا منه و أقبلوا قوله، فانى قد امرته على خراسان و ما غلب عليه بعد ذلك، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، و خرجوا من قابل، فالتقوا بمكة عند ابراهيم، فاعلمه ابو مسلم انهم لم ينفذوا كتابه و امره، فقال ابراهيم: انى قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه على، و ذلك انه كان عرض ذلك قبل ان يوجه أبا مسلم على سليمان بن كثير، فقال: لا الى اثنين ابدا، ثم عرضه على ابراهيم بن سلمه فأبى، فاعلمهم انه اجمع رايه على ابى مسلم، و امرهم بالسمع و الطاعة، ثم قال: يا عبد الرحمن، انك رجل منا اهل البيت، فاحتفظ وصيتي، و انظر هذا الحى من اليمن فاكرمهم، و حل بين اظهرهم، فان الله لا يتم هذا الأمر الا بهم، و انظر هذا الحى من ربيعه فاتهمهم في امرهم، و انظر هذا الحى من مضر، فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في امره و من كان في امره شبهه و من وقع في نفسك منه شي‏ء، و ان استطعت الا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل، فأيما غلام بلغ خمسه اشبار تتهمه فاقتله، و لا تخالف هذا الشيخ- يعنى سليمان بن كثير- و لا تعصه، و إذا اشكل عليك امر فاكتف به منى.

ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجي‏

و في هذه السنه قتل الضحاك بن قيس الخارجي، فيما قال ابو مخنف، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه‏

345

ذكر الخبر عن مقتله و سبب ذلك:

ذكر ان الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، و بايعه منصور بن جمهور، و راى عبد الله بن عمر انه لا طاقه له به، ارسل اليه: ان مقامكم على ليس بشي‏ء، هذا مروان فسر اليه، فان قاتلته فانا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه.

فذكر هشام، عن ابى مخنف، ان الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقى مروان بكفرتوثا من ارض الجزيرة، فقتل الضحاك يوم التقوا.

و اما ابو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم عنه ان الضحاك لما قتل عطية الثعلبى صاحبه و عامله على الكوفه ملحان بقنطرة السيلحين، و بلغه خبر قتل ملحان و هو محاصر عبد الله بن عمر بواسط، وجه مكانه من اصحابه رجلا يقال له مطاعن، و اصطلح عبد الله بن عمر و الضحاك عن ان يدخل في طاعته، فدخل و صلى خلفه، و انصرف الى الكوفه، و اقام ابن عمر فيمن معه بواسط، و دخل الضحاك الكوفه، و كاتبه اهل الموصل و دعوه الى ان يقدم عليهم فيمكنوه منها، فسار في جماعه جنوده بعد عشرين شهرا، حتى انتهى إليها، و عليها يومئذ عامل لمروان، و هو رجل من بنى شيبان من اهل الجزيرة يقال له القطران بن اكمه، ففتح اهل الموصل المدينة للضحاك و قاتلهم القطران في عده يسيره من قومه و اهل بيته حتى قتلوا، و استولى الضحاك على الموصل و كورها.

و بلغ مروان خبره و هو محاصر حمص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب الى ابنه عبد الله و هو خليفته بالجزيرة، يأمره ان يسير فيمن معه من روابطه الى مدينه نصيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله الى نصيبين في جماعه روابطه، و هو في نحو من سبعه آلاف او ثمانية، و خلف بحران قائدا في الف او نحو ذلك، و سار الضحاك من الموصل الى عبد الله‏

346

بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوه لكثرة من مع الضحاك، فهم فيما بلغنا عشرون و مائه الف، يرزق الفارس عشرين و مائه و الراجل و البغال المائه و الثمانين في كل شهر، و اقام الضحاك على نصيبين محاصرا لها، و وجه قائدين من قواده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبى، و بدر الذكوانى مولى سليمان بن هشام في، اربعه آلاف او خمسه آلاف حتى وردا الرقة، فقاتلهم من بها من خيل مروان، و هم نحو من خمسمائة فارس، و وجه مروان حين بلغه نزولهم الرقة خيلا من روابطه، فلما دنوا منها انقشع اصحاب الضحاك منصرفين اليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيفا و ثلاثين رجلا، فقطعهم مروان حين قدم الرقة، و مضى صامدا الى الضحاك و جموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغز من ارض كفرتوثا، فقاتله يومه ذلك، فلما كان عند المساء ترجل الضحاك و ترجل معه من ذوى الثبات من اصحابه نحو من سته آلاف و اهل عسكره اكثرهم لا يعلمون بما كان منه، و احدقت بهم خيول مروان فألحوا عليهم حتى قتلوهم عند العتمه، و انصرف من بقي من اصحاب الضحاك الى عسكرهم، و لم يعلم مروان و لا اصحاب الضحاك ان الضحاك قد قتل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل و جاءهم بعض من عاينه حين ترجل، فاخبرهم بخبره و مقتله، فبكوه و ناحوا عليه، و خرج عبد الملك بن بشر التغلبى القائد الذى كان وجهه في عسكرهم الى الرقة حتى دخل عسكر مروان، و دخل عليه فاعلمه ان الضحاك قتل، فأرسل معه رسلا من حرسه، معهم النيران و الشمع الى موضع المعركة، فقلبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوا به مروان، و في وجهه اكثر من عشرين ضربه، فكبر اهل عسكر مروان، فعرف اهل عسكر الضحاك انهم قد علموا بذلك، و بعث مروان برأسه من ليلته الى مدائن الجزيرة، فطيف به فيها.

و قيل: ان الخيبرى و الضحاك انما قتلا في سنه تسع و عشرين و مائه.

ذكر الخبر عن مقتل الخيبرى و ولايه شيبان‏

و في هذه السنه كان أيضا- في قول ابى مخنف- قتل الخيبرى الخارجي كذلك ذكر هشام عنه‏

347

ذكر الخبر عن مقتله:

حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم، قال:

حدثنى ابو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: لما قتل الضحاك اصبح اهل عسكره بايعوا الخيبرى، و أقاموا يومئذ و غادوه من بعد الغد، و صافوه و صافهم، و سليمان بن هشام يومئذ في مواليه و اهل بيته مع الخيبرى، و قد كان قدم على الضحاك و هو بنصيبين، و هم في اكثر من ثلاثة آلاف من اهل بيته و مواليه، فتزوج فيهم اخت شيبان الحروري الذى بايعوه بعد قتل الخيبرى، فحمل الخيبرى على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراه، فهزم مروان و هو في القلب، و خرج مروان من المعسكر هاربا، و دخل الخيبرى فيمن معه عسكره، فجعلوا ينادون بشعارهم: يا خيبرى يا خيبرى، و يقتلون من أدركوا حتى انتهوا الى حجره مروان، فقطعوا أطنابها، و جلس الخيبرى على فرشه، و ميمنه مروان عليها ابنه عبد الله ثابته على حالها، و ميسرته ثابته عليها إسحاق بن مسلم العقيلي، فلما راى اهل عسكر مروان قله من مع الخيبرى ثار اليه عبيد من اهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبرى و اصحابه جميعا في حجره مروان و حولها، و بلغ مروان الخبر و قد جاز العسكر بخمسه اميال او سته منهزما، فانصرف الى عسكره و رد خيوله عن مواضعها و مواقفها، و بات ليلته تلك في عسكره فانصرف اهل عسكر الخيبرى فولوا عليهم شيبان و بايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، و ابطل الصف منذ يومئذ و كان مروان يوم الخيبرى بعث محمد بن سعيد، و كان من ثقاته و كتابه الى الخيبرى، فبلغه انه مالاهم و انحاز اليهم يومئذ، فاتى به مروان أسيرا فقطع يده و رجله و لسانه.

و في هذه السنه وجه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة الى العراق لحرب من بها من الخوارج.

و حج بالناس في هذه السنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، كذلك قال ابو معشر- فيما حدثنى احمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى‏

348

عنه و كذلك قال الواقدى و غيره.

و قال الواقدى: و افتتح مروان حمص و هدم سورها، و أخذ نعيم بن ثابت الجزامى فقتله في شوال سنه ثمان، و قد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل.

و كان العامل على المدينة و مكة و الطائف- فيما ذكر- في هذه السنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و بالعراق عمال الضحاك و عبد الله بن عمر و على قضاء البصره ثمامة بن عبد الله، و بخراسان نصر بن سيار و خراسان مفتونه‏

. خبر ابى حمزه الخارجي مع عبد الله بن يحيى‏

و في هذه السنه لقى ابو حمزه الخارجي عبد الله بن يحيى طالب الحق فدعاه الى مذهبه.

ذكر الخبر عن ذلك:

حدثنى العباس بن عيسى العقيلي، قال: حدثنا هارون بن موسى الفروى، قال: حدثنى موسى بن كثير مولى الساعديين، قال: كان أول امر ابى حمزه- و هو المختار بن عوف الأزدي السليمى من البصره- قال موسى: كان أول امر ابى حمزه انه كان يوافى كل سنه مكة يدعو الناس الى خلاف مروان بن محمد و الى خلاف آل مروان قال: فلم يزل يختلف في كل سنه حتى وافى عبد الله بن يحيى في آخر سنه ثمان و عشرين و مائه، فقال له: يا رجل، اسمع كلاما حسنا، و أراك تدعو الى حق، فانطلق معى، فانى رجل مطاع في قومى، فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه ابو حمزه على الخلافه، و دعا الى خلاف مروان و آل مروان.

و قد حدثنى محمد بن حسن ان أبا حمزه مر بمعدن بنى سليم و كثير بن عبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فامر به فجلد سبعين سوطا، ثم مضى الى مكة، فلما قدم ابو حمزه المدينة حين افتتحها تغيب كثير حتى كان من امرهم ما كان.

349

ثم دخلت‏

سنه تسع و عشرين و مائه‏

(ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث)

خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحروري‏

فمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكري ابى الدلفاء ذكر الخبر عن سبب مهلكه: و كان سبب ذلك ان الخوارج الذين كانوا بإزاء مروان بن محمد يحاربونه لما قتل الضحاك بن قيس الشيبانى رئيس الخوارج و الخيبرى بعده، ولوا عليهم شيبان و بايعوه، فقاتلهم مروان، فذكر هشام بن محمد و الهيثم بن عدى ان الخيبرى لما قتل قال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج- و كان معهم في عسكرهم: ان الذى تفعلون ليس براى، فان أخذتم برأيي، و الا انصرفت عنكم قالوا: فما الرأي؟ قال: ان احدكم يظفر ثم يستقتل فيقتل، فانى ارى ان ننصرف على حاميتنا حتى ننزل الموصل، فنخندق ففعل و اتبعه مروان و الخوارج في شرقى دجلة و مروان بازائهم، فاقتتلوا تسعه اشهر، و يزيد بن عمر بن هبيرة بقرقيسيا في جند كثيف من اهل الشام و اهل الجزيرة، فأمره مروان ان يسير الى الكوفه، و عليها يومئذ المثنى بن عمران، من عائذه قريش من الخوارج.

و حدثنى احمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن ابراهيم، قال:

حدثنى ابو هاشم مخلد بن محمد، قال: كان مروان بن محمد يقاتل الخوارج بالصف، فلما قتل الخيبرى و بويع شيبان، قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، و ابطل الصف منذ يومئذ، و جعل الآخرون يكردسون بكراديس مروان كراديس تكافئهم و تقاتلهم، و تفرق كثير من اصحاب الطمع عنهم و خذلوهم، و حصلوا في نحو من اربعين ألفا، فاشار عليهم سليمان بن هشام ان ينصرفوا الى مدينه الموصل، فيصيروها ظهرا و ملجأ و ميره لهم، فقبلوا رايه، و ارتحلوا

350

ليلا، و اصبح مروان فاتبعهم، ليس يرحلون عن منزل الا نزله، حتى انتهوا الى مدينه الموصل، فعسكروا على شاطئ دجلة، و خندقوا على انفسهم، و عقدوا جسورا على دجلة من عسكرهم الى المدينة، فكانت ميرتهم و مرافقهم منها، و خندق مروان بازائهم، فأقام سته اشهر يقاتلهم بكره و عشيه.

قال: و اتى مروان بابن أخ لسليمان بن هشام، يقال له اميه بن معاويه بن هشام، و كان مع عمه سليمان بن هشام في عسكر شيبان بالموصل، فهو مبارز رجلا من فرسان مروان، فاسره الرجل فاتى به أسيرا، فقال له: أنشدك الله و الرحم يا عم! فقال: ما بيني و بينك اليوم من رحم، فامر به- و عمه سليمان و اخوته ينظرون- فقطعت يداه و ضربت عنقه.

قال: و كتب مروان الى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه الى عبيده بن سوار خليفه الضحاك بالعراق، فلقى خيوله بعين التمر، فقاتلهم فهزمهم، و عليهم يومئذ المثنى بن عمران من عائذه قريش و الحسن بن يزيد، ثم تجمعوا له بالكوفه بالنخيلة، فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصراه و معهم عبيده، فقاتلهم فقتل عبيده، و هزم اصحابه، و استباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم يكن لهم بقية بالعراق، و استولى ابن هبيرة عليها، و كتب اليه مروان بن محمد من الخنادق يأمره ان يمده بعامر بن ضباره المري، فوجهه في نحو من سته آلاف او ثمانية، و بلغ شيبان خبرهم و من معه من الحرورية، فوجهوا اليه قائدين في اربعه آلاف، يقال لهما ابن غوث و الجون، فلقوا ابن ضباره بالسن دون الموصل، فقاتلوه قتالا شديدا، فهزمهم ابن ضباره، فلما قدم فلهم اشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل، و اعلمهم انه لا مقام لهم إذ جاءهم ابن ضباره من خلفهم، و ركبهم مروان من بين ايديهم، فارتحلوا فأخذوا على حلوان الى الاهواز و فارس، و وجه مروان الى ابن ضباره ثلاثة نفر من قواده في ثلاثين ألفا من روابطه، احدهم مصعب بن الصحصح الأسدي و شقيق و عطيف السليماني، و شقيق الذى يقول فيه الخوارج:

قد علمت اختاك يا شقيق* * * انك من سكرك ما تفيق‏

و كتب اليه يأمره ان يتبعهم، و لا يقلع عنهم حتى يبيرهم و يستأصلهم،

351

فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارس، و خرجوا منها و هو في ذلك يستسقط من لحق من اخرياتهم، فتفرقوا، و أخذ شيبان في فرقته الى ناحيه البحرين، فقتل بها، و ركب سليمان فيمن معه من مواليه و اهل بيته السفن الى السند، و انصرف مروان الى منزله من حران، فأقام بها حتى شخص الى الزاب و اما ابو مخنف فانه قال- فيما ذكر هشام بن محمد عنه- قال: امر مروان يزيد بن عمر بن هبيرة- و كان في جنود كثيره من الشام و اهل الجزيرة بقرقيسيا- ان يسير الى الكوفه، و على الكوفه يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنى بن عمران العائذى، عائذه قريش، فسار اليه ابن هبيرة على الفرات حتى انتهى الى عين التمر، ثم سار فلقى المثنى بالروحاء، فوافى الكوفه في شهر رمضان من سنه تسع و عشرين و مائه، فهزم الخوارج، و دخل ابن هبيرة الكوفه ثم سار الى الصراة، و بعث شيبان عبيده بن سوار في خيل كثيره، فعسكر في شرقى الصراة، و ابن هبيرة في غربيها، فالتقوا، فقتل عبيده و عده من اصحابه، و كان منصور بن جمهور معهم في دور الصراة، فمضى حتى غلب على الماهين و على الجبل اجمع، و سار ابن هبيرة الى واسط، فاخذ ابن عمر فحبسه، و وجه نباته بن حنظله الى سليمان بن حبيب و هو على كور الاهواز، و بعث اليه سليمان داود بن حاتم، فالتقوا بالمريان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس، و قتل داود بن حاتم و في ذلك يقول خلف بن خليفه:

نفسي لداود الفدا و الحمى* * * إذ اسلم الجيش أبا حاتم‏

مهلبى مشرق وجهه* * * ليس على المعروف بالنادم‏

سالت من يعلم لي علمه* * * حقا و ما الجاهل كالعالم‏

قالوا عهدناه على مرقب* * * يحمل كالضرغامة الصارم‏

ثم أنثى منجدلا في دم* * * يسفح فوق البدن الناعم‏

و اقبل القبط على راسه* * * و اختصموا في السيف و الخاتم‏

و سار سليمان حتى لحق بابن معاويه الجعفري بفارس و اقام ابن هبيرة شهرا

352

ثم وجه عامر بن ضباره في اهل الشام الى الموصل، فسار حتى انتهى الى السن فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجي، فهزم عامر بن ضباره حتى ادخله السن فتحصن فيها، و جعل مروان يمده بالجنود يأخذون طريق البر، حتى انتهوا الى دجلة، فقطعوها الى ابن ضباره حتى كثروا و كان منصور بن جمهور يمد شيبان بالأموال من كور الجبل، فلما كثر من يتبع ابن ضباره من الجنود، نهض الى الجون بن كلاب فقتل الجون، و مضى ابن ضباره مصعدا الى الموصل، فلما انتهى خبر الجون و قتله الى شيبان و مسير عامر بن ضباره نحوه، كره ان يقيم بين العسكرين، فارتحل بمن معه و فرسان الشام من اليمانيه.

و قدم عامر بن ضباره بمن معه على مروان بالموصل، فضم اليه جنودا من جنوده كثيره، و امره ان يسير الى شيبان، فان اقام اقام، و ان سار سار، و الا يبدأه بقتال، فان قاتله شيبان قاتله، و ان امسك امسك عنه، و ان ارتحل اتبعه، فكان على ذلك حتى مر على الجبل، و خرج على بيضاء اصطخر، و بها عبد الله بن معاويه في جموع كثيره، فلم يتهيأ الأمر بينه و بين ابن معاويه، فسار حتى نزل جيرفت من كرمان، و اقبل عامر بن ضباره حتى نزل بإزاء ابن معاويه أياما، ثم ناهضه القتال، فانهزم ابن معاويه، فلحق بهراه و سار ابن ضباره بمن معه، فلقى شيبان بجيرفت من كرمان، فاقتتلوا قتالا شديدا و انهزمت الخوارج، و استبيح عسكرهم، و مضى شيبان الى سجستان، فهلك بها، و ذلك في سنه ثلاثين و مائه.

و اما ابو عبيده فانه قال: لما قتل الخيبرى قام بأمر الخوارج شيبان بن عبد العزيز اليشكري، فحارب مروان، و طالت الحرب بينهما، و ابن هبيرة بواسط قد قتل عبيده بن سوار و نفى الخوارج و معه رءوس قواد اهل الشام و اهل الجزيرة فوجه عامر بن ضباره في اربعه آلاف مددا لمروان، فاخذ على باب المدائن، و بلغ مسيره شيبان، فخاف ان يأتيهم مروان، فوجه اليه الجون بن كلاب الشيبانى ليشغله، فالتقيا بالسن، فحصر الجون عامرا أياما.

قال ابو عبيده: قال ابو سعيد: فاحرجناهم و الله، و اضطررناهم الى‏

353

قتالنا، و قد كانوا خافونا و أرادوا الهرب منا، فلم ندع لهم مسلكا فقال لهم عامر:

أنتم ميتون لا محاله، فموتوا كراما، فصدمونا صدمه لم يقم لها شي‏ء، و قتلوا رئيسنا الجون بن كلاب، و انكشفنا حتى لحقنا بشيبان، و ابن ضباره في آثارنا، حتى نزل منا قريبا، و كنا نقاتل من وجهين، نزل ابن ضباره من ورائنا مما يلى العراق، و مروان امامنا مما يلى الشام، فقطع عنا المادة و الميرة، فغلت أسعارنا، حتى بلغ الرغيف درهما، ثم ذهب الرغيف فلا شي‏ء يشترى بغال و لا رخيص فقال حبيب بن خدره لشيبان: يا امير المؤمنين، انك في ضيق من المعاش، فلو انتقلت الى غير هذا الموضع! ففعل و مضى شهرزور من ارض الموصل، فعاب ذلك عليه اصحابه، فاختلفت كلمتهم.

و قال بعضهم: لما ولى شيبان امر الخوارج رجع باصحابه الى الموصل فاتبعه مروان ينزل معه حيث نزل فقاتله شهرا ثم انهزم شيبان حتى لحق بأرض فارس، فوجه مروان في اثره عامر بن ضباره فقطع الى جزيرة ابن كاوان، و مضى شيبان بمن معه حتى صار الى عمان، فقتله جلندى بن مسعود ابن جيفر بن جلندى الأزدي.

ذكر اظهار الدعوة العباسية بخراسان‏

و في هذه السنه امر ابراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس أبا مسلم، و قد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس بالانصراف الى شيعته بخراسان، و امرهم باظهار الدعوة و التسويد.

ذكر الخبر عن ذلك و كيف كان الأمر فيه:

قال على بن محمد عن شيوخه: لم يزل ابو مسلم يختلف الى خراسان، حتى وقعت العصبية بها، فلما اضطرب الحبل، كتب سليمان بن كثير الى ابى سلمه الخلال يسأله ان يكتب الى ابراهيم، يسأله ان يوجه رجلا من اهل بيته فكتب ابو سلمه الى ابراهيم، فبعث أبا مسلم فلما كان في سنه تسع و عشرين و مائه، كتب ابراهيم الى ابى مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن اخبار الناس، فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسا

354

من النقباء، فلما صار بالدندانقان من ارض خراسان عرض له كامل- او ابو كامل- قال: اين تريدون؟ قالوا: الحج، ثم خلا به ابو مسلم، فدعاه فأجابهم، و كف عنهم، و مضى ابو مسلم الى بيورد، فأقام بها أياما، ثم سار الى نسا، و كان بها عاصم بن قيس السلمى عاملا لنصر بن سيار الليثى، فلما قرب منها ارسل الفضل بن سليمان الطوسى الى اسيد بن عبد الله الخزاعي ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قريه من قرى نسا، فلقى رجلا من الشيعة يعرفه، فسأله عن اسيد، فانتهره، فقال:

يا عبد الله، ما انكرت من مسألتي عن منزل رجل؟ قال: انه كان في هذه القرية شر، سعى برجلين قدما الى العامل، و قيل انهما داعيان، فأخذهما، و أخذ الاحجم بن عبد الله و غيلان بن فضالة و غالب بن سعيد و المهاجر بن عثمان، فانصرف الفضل الى ابى مسلم و اخبره، فتنكب الطريق، و أخذ في اسفل القرى، و ارسل طرخان الجمال الى اسيد، فقال: ادعه لي و من قدرت عليه من الشيعة، و إياك ان تكلم أحدا لم تعرفه، فاتى طرخان أسيدا فدعاه، و اعلمه بمكان ابى مسلم، فأتاه فسأله عن الاخبار، قال: نعم، قدم الأزهر بن شعيب و عبد الملك بن سعد بكتب من الامام إليك، فخلفا الكتب عندي و خرجا، فأخذا فلا ادرى من سعى بهما! فبعث بهما العامل الى عاصم بن قيس، فضرب المهاجرين عثمان و ناسا من الشيعة قال: فأين الكتب؟ قال: عندي، قال: فاتنى بها فأتاه بالكتب فقرأها.

قال: ثم سار حتى اتى قومس، و عليها بيهس بن بديل العجلى، فأتاهم بيهس، فقال: اين تريدون؟ قالوا: الحج، قال: ا فمعكم فضل برذون تبيعونه؟ قال ابو مسلم: اما بيعا فلا، و لكن خذ اى دوابنا شئت، قال: اعرضوها على، فعرضوها، فاعجبه برذون منها سمند، فقال ابو مسلم: هو لك، قال: لا اقبله الا بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمائة، قال:

هو لك و أتاه و هو بقومس كتاب من الامام اليه و كتاب الى سليمان بن كثير، و كان في كتاب ابى مسلم: انى قد بعثت إليك برايه النصر فارجع من حيث الفاك‏

355

كتابي، و وجه الى قحطبه بما معك يوافنى به في الموسم فانصرف ابو مسلم الى خراسان، و وجه قحطبه الى الامام، فلما كانوا بنسا عرض لهم صاحب مسلحه في قريه من قرى نسا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أردنا الحج، فبلغنا عن الطريق شي‏ء خفناه، فاوصلهم الى عاصم بن قيس السلمى، فسألهم فاخبروه، فقال: ارتحلوا و امر المفضل بن الشرقى السلمى- و كان على شرطته- ان يزعجهم، فخلا به ابو مسلم و عرض عليه امرهم، فأجابه، و قال:

ارتحلوا.

على مهل، و لا تعجلوا و اقام عندهم حتى ارتحلوا فقدم ابو مسلم مرو في أول يوم من شهر رمضان سنه تسع و عشرين و مائه، و دفع كتاب الامام الى سليمان بن كثير، و كان فيه ان اظهر دعوتك و لا تريص، فقد آن ذلك فنصبوا أبا مسلم، و قالوا: رجل من اهل البيت، و دعوا الى طاعه بنى العباس، و أرسلوا الى من قرب منهم او بعد ممن أجابهم، فأمروه باظهار امرهم و الدعاء اليهم و نزل ابو مسلم قريه من قرى خزاعة يقال لها سفيذنج، و شيبان و الكرماني يقاتلان نصر بن سيار، فبث ابو مسلم دعاته في الناس، و ظهر امره، و قال الناس: قدم رجل من بنى هاشم، فاتوه من كل وجه، فظهر يوم الفطر في قريه خالد بن ابراهيم فصلى بالناس يوم الفطر القاسم بن مجاشع المرائى، ثم ارتحل فنزل بالين- و يقال قريه اللين- لخزاعة، فوافاه في يوم واحد اهل ستين قريه، فأقام اثنين و اربعين يوما، فكان أول فتح ابى مسلم من قبل موسى بن كعب في بيورد، و تشاغل بقتل عاصم بن قيس، ثم جاء فتح من قبل مروروذ.

قال ابو جعفر: و اما ابو الخطاب فانه قال: كان مقدم ابى مسلم ارض مرو منصرفا من قومس، و قد انفذ من قومس قحطبه بن شبيب بالأموال التي كانت معه و العروض الى الامام ابراهيم بن محمد، و انصرف الى مرو، فقدمها في شعبان سنه تسع و عشرين و مائه لتسع خلون منه يوم الثلاثاء، فنزل قريه تدعى فنين على ابى الحكم عيسى بن اعين النقيب، و هي قريه ابى داود النقيب، فوجه منها أبا داود و معه عمرو بن اعين الى طخارستان فما دون بلخ‏

356

باظهار الدعوة في شهر رمضان من عامهم، و وجه النضر بن صبيح التميمى و معه شريك بن غضى التميمى الى مرو الروذ باظهار الدعوة في شهر رمضان، و وجه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم الى الطالقان، و وجه أبا الجهم بن عطية الى العلاء بن حريث بخوارزم باظهار الدعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر، فان اعجلهم عدوهم دون الوقت، فعرض لهم بالاذى و المكروه فقد حل لهم ان يدفعوا عن انفسهم، و ان يظهروا السيوف و يجردوها من أغمادها، و يجاهدوا أعداء الله و من شغلهم عدوهم عن الوقت.

فلا حرج عليهم ان يظهروا بعد الوقت ثم تحول ابو مسلم عن منزل ابى الحكم عيسى بن اعين، فنزل على سليمان ابن كثير الخزاعي في قريته التي تدعى سفيذنج من ربع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنه تسع و عشرين و مائه، فلما كانت ليله الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنه تسع و عشرين و مائه اعتقدوا اللواء الذى بعث به الامام اليه الذى يدعى الظل، على رمح طوله اربعه عشر ذراعا، و عقد الراية التي بعث بها الامام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا، و هو يتلو: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»، و لبس السواد هو و سليمان بن كثير و اخوه سليمان و مواليه و من كان أجاب الدعوة من اهل سفيذنج، منهم غيلان بن عبد الله الخزاعي- و كان صهر سليمان على اخته أم عمرو بنت كثير

3

- و منهم حميد بن رزين و اخوه عثمان بن رزين، فأوقدوا النيران ليلتهم اجمع للشيعة من سكان ربع خرقان- و كانت العلامة بين الشيعة- فتجمعوا له حين أصبحوا مغذين، و تاويل هذين الاسمين: الظل و السحاب، ان السحاب يطبق الارض، و كذلك دعوه بنى العباس، و تاويل الظل ان الارض لا تخلو من الظل ابدا، و كذلك لا تخلو من خليفه عباسي ابد الدهر.

و قدم على ابى مسلم الدعاه من اهل مرو بمن أجاب الدعوة، و كان أول من قدم عليه اهل السقادم مع ابى الوضاح الهرمز فرى عيسى بن شبيل‏