تاريخ الأمم و الملوك‏‏‏ - ج7

- ابن جرير الطبري المزيد...
656 /
357

في تسعمائة رجل و اربعه فرسان، و من اهل هرمز فره سليمان بن حسان و اخوه يزدان بن حسان و الهيثم بن يزيد بن كيسان، و بويع مولى نصر بن معاويه و ابو خالد الحسن و جردى و محمد بن علوان، و قدم اهل السقادم مع ابى القاسم محرز بن ابراهيم الجوبانى في الف و ثلاثمائة راجل و سته عشر فارسا، و منهم من الدعاه ابو العباس المروزى و خذام بن عمار و حمزه بن زنيم، فجعل اهل السقادم يكبرون من ناحيتهم و اهل السقادم مع محرز بن ابراهيم يجيبونهم بالتكبير، فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر ابى مسلم بسفيذنج، و ذلك يوم السبت من بعد ظهور ابى مسلم بيومين، و امر ابو مسلم ان يرم حصن سفيذنج و يحصن و يدرب، فلما حضر العيد يوم الفطر بسفيذنج امر ابو مسلم سليمان بن كثير ان يصلى به و بالشيعة، و نصب له منبرا في العسكر، و امره ان يبدأ بالصلاة قبل الخطبه بغير اذان و لا اقامه- و كانت بنو اميه تبدا بالخطبه و الاذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاه يوم الجمعه، فيخطبون على المنابر جلوسا في الجمعه و الاعياد- و امر ابو مسلم سليمان بن كثير ان يكبر الركعة الاولى ست تكبيرات تباعا، ثم يقرا و يركع بالسابعه، و يكبر في الركعة الثانيه خمس تكبيرات تباعا، ثم يقرا و يركع بالسادسه، و يفتتح الخطبه بالتكبير و يختمها بالقرآن، و كانت بنو اميه تكبر في الركعة الاولى اربع تكبيرات يوم العيد، و في الثانيه ثلاث تكبيرات فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة و الخطبه انصرف ابو مسلم و الشيعة الى طعام قد اعده لهم ابو مسلم الخراسانى، فطعموا مستبشرين و كان ابو مسلم و هو في الخندق إذا كتب الى نصر بن سيار يكتب: للأمير نصر، فلما قوى ابو مسلم بمن اجتمع اليه في خندقه من الشيعة بدا بنفسه، فكتب الى نصر: اما بعد، فان الله تبارك اسماؤه و تعالى ذكره عير أقواما في القرآن فقال: «وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّئِ وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ‏

358

الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.

» فتعاظم نصر الكتاب و انه بدا بنفسه، و كسر له احدى عينيه و اطال الفكره و قال: هذا كتاب له جواب فلما استقر بابى مسلم معسكره بالماخوان امر محرز ابن ابراهيم ان يخندق خندقا بجيرنج، و يجتمع اليه اصحابه و من نزع اليه من الشيعة، فيقطع ماده نصر بن سيار من مروروذ و بلخ و كور طخارستان.

ففعل ذلك محرز بن ابراهيم، و اجتمع له في خندق نحو من الف رجل، فامر ابو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر ان يوجه رجلا الى خندق محرز بن ابراهيم لعرض من فيه و احصائهم في دفتر باسمائهم و أسماء آبائهم و قراهم، فوجه ابو صالح حميدا الأزرق لذلك، و كان كاتبا، فاحصى في خندق محرز ثمانمائه رجل و اربعه رجال من اهل الكف، و كان فيهم من القواد المعروفين زياد بن سيار الأزدي من قريه تدعى اسبوادق من ربع خرقان، و خذام بن عمار الكندى من ربع السقادم و من قريه تدعى بالاوايق، و حنيفه بن قيس من ربع السقادم، و من قريه تدعى الشنج، و عبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من اهل هراة، و كان يجلب الغنم الى مرو، و حمزه بن زنيم الباهلى من ربع خرقان من قريه تدعى ميلاذجرد، و ابو هاشم خليفه بن مهران من ربع السقادم من قريه تدعى جوبان و ابو خديجه جيلان بن السغدى و ابو نعيم موسى بن صبيح فلم يزل محرز بن ابراهيم مقيما في خندقه حتى دخل ابو مسلم حائط مرو، و عطل الخندق بماخوان و الى ان عسكر بمار سرجس يريد نيسابور، فضم اليه محرز بن ابراهيم اصحابه، و كان من الاحداث، و ابو مسلم بسفيدنج ان نصر بن سيار وجه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمه لمحاربه ابى مسلم بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره، فوجه اليه ابو مسلم مالك ابن الهيثم الخزاعي و معه مصعب بن قيس، فالتقوا بقرية تدعى آلين، فدعاهم مالك الى الرضا من آل رسول الله ص، فاستكبروا عن ذلك، فصافهم مالك و هو في نحو من مائتين من أول النهار الى وقت العصر

359

و قدم على ابى مسلم صالح بن سليمان الضبي و ابراهيم بن يزيد و زياد بن عيسى فوجههم الى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم ابو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه: ان تركنا هؤلاء الليلة اتتهم الامداد، فاحملوا على القوم، ففعلوا، و ترجل ابو نصر و حض اصحابه، و قال: انى لأرجو ان يقطع الله من الكافرين طرفا، فاجتلدوا جلادا صادقا، و صبر الفريقان، فقتل من شيعه بنى مروان اربعه و ثلاثون رجلا، و اسر منهم ثمانية نفر، و حمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر عميد القوم فاسره، و انهزم اصحابه، فوجه ابو نصر عبد الله الطائي باسيره في رجال من الشيعة، و معهم الأسرى و الرءوس، و اقام ابو نصر في معسكره بسفيذنج، و في الوفد ابو حماد المروزى و ابو عمرو الأعجمي، فامر ابو مسلم بالرءوس فنصبت على باب الحائط الذى في معسكره، و دفع يزيد الأسلمي الى ابى إسحاق خالد بن عثمان، و امره ان يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به، و يحسن تعاهده، و كتب الى ابى نصر بالقدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه ابو مسلم، فقال: ان شئت ان تقيم معنا و تدخل في دعوتنا فقد ارشدك الله، و ان كرهت فارجع الى مولاك سالما، و أعطنا عهد الله الا تحاربنا و الا تكذب علينا، و ان تقول فينا ما رايت، فاختار الرجوع الى مولاه، فخلى له الطريق و قال ابو مسلم: ان هذا سيرد عنكم اهل الورع و الصلاح، فانا عندهم على غير الاسلام.

و قدم يزيد على نصر بن سيار، فقال: لا مرحبا بك، و الله ما ظننت استبقاك القوم الا ليتخذوك حجه علينا، فقال يزيد: فهو و الله ما ظننت، و قد استحلفونى الا اكذب عليهم، و انا اقول: انهم يصلون الصلوات لمواقيتها باذان و اقامه، و يتلون الكتاب، و يذكرون الله كثيرا، و يدعون الى ولايه رسول الله ص، و ما احسب امرهم الا سيعلو، و لو لا انك مولاى اعتقتنى من الرق ما رجعت إليك، و لأقمت معهم فهذه أول حرب كانت بين الشيعة و شيعه بنى مروان‏

360

و في هذه السنه غلب خازم بن خزيمة على مروروذ، و قتل عامل نصر بن سيار الذى كان عليها، و كتب بالفتح الى ابى مسلم مع خزيمة بن خازم.

ذكر الخبر عن ذلك:

ذكر على بن محمد ان أبا الحسن الجشمى و زهير بن هنيد و الحسن ابن رشيد اخبروه ان خازم بن خزيمة لما اراد الخروج بمرو روذ اراد ناس من تميم ان يمنعوه، فقال: انما انا رجل منكم، اريد مرو لعلى ان اغلب عليها، فان ظفرت فهى لكم، و ان قتلت فقد كفيتكم امرى فكفوا عنه، فخرج فعسكر في قريه يقال لها كنج رستاه، و قدم عليهم من قبل ابى مسلم النضر بن صبيح و بسام بن ابراهيم فلما امسى خازم بيت اهل مروروذ، فقتل بشر بن جعفر السعدي- و كان عاملا لنصر بن سيار على مروروذ- في أول ذي القعده، و بعث بالفتح الى ابى مسلم مع خزيمة بن خازم عبد الله بن سعيد و شبيب بن واج قال ابو جعفر: و قال غير الذين ذكرنا قولهم في امر ابى مسلم و اظهاره الدعوة و مصيره الى خراسان و شخوصه عنها و عوده إليها بعد الشخوص قولا خلاف قولهم، و الذى قال في ذلك: ان ابراهيم الامام زوج أبا مسلم لما توجه الى خراسان ابنه ابى النجم، و ساق عنه صداقها، و كتب بذلك الى النقباء، و امرهم بالسمع و الطاعة لأبي مسلم، و كان ابو مسلم- فيما زعم- من اهل خطرنيه، من سواد الكوفه، و كان قهرمانا لإدريس بن معقل العجلى، فال امره و منتهى ولائه لمحمد بن على، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من اولاد محمد ابن على فقدم خراسان و هو حديث السن، فلم يقبله سليمان بن كثير و تخوف الا يقوى على امرهم، و خاف على نفسه و اصحابه، فردوه- و ابو داود خالد بن ابراهيم غائب خلف نهر بلخ- فلما انصرف ابو داود، و قدم‏

361

مرو اقراه كتاب الامام ابراهيم، فسال عن الرجل الذى وجهه، فاخبروه ان سليمان بن كثير رده، فأرسل الى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بن اسماعيل، فقال لهم ابو داود: أتاكم كتاب الامام فيمن وجهه إليكم و انا غائب فرددتموه، فما حجتكم في رده؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثه سنه، و تخوفا الا يقدر على القيام بهذا الأمر، فأشفقنا على من دعونا اليه و على أنفسنا و على المجيبين لنا، فقال: هل فيكم احد ينكر ان الله تبارك و تعالى اختار محمدا(ص)و انتخبه و اصطفاه، و بعثه برسالته الى جميع خلقه؟

فهل فيكم احد ينكر ذلك؟ قالوا: لا، قال: ا فتشكون ان الله تعالى نزل عليه كتابه فأتاه به جبريل الروح الامين، أحل فيه حلاله، و حرم فيه حرامه، و شرع فيه شرائعه، و سن فيه سننه، و انباه فيه بما كان قبله، و ما هو كائن بعده الى يوم القيامه؟ قالوا: لا، قال: ا فتشكون ان الله عز و جل قبضه اليه بعد ما ادى ما عليه من رساله ربه؟ قالوا: لا، قال:

ا فتظنون ان ذلك العلم الذى انزل عليه رفع معه او خلفه؟ قالوا: بل خلفه، قال: ا فتظنونه خلفه عند غير عترته و اهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قال: فهل احد منكم إذا راى من هذا الأمر إقبالا، و راى الناس له مجيبين بدا له ان يصرف ذلك الى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، و كيف يكون ذلك! قال:

لست اقول لكم فعلتم، و لكن الشيطان ربما نزع النزعه فيما يكون.

و فيما لا يكون قال: فهل فيكم احد بدا له ان يصرف هذا الأمر عن اهل البيت الى غيرهم من عتره النبي ص؟ قالوا: لا، قال: ا فتشكون انهم معدن العلم و اصحاب ميراث رسول الله ص؟ قالوا: لا، قال:

فاراكم شككتم في امرهم و رددتم عليهم علمهم، و لو لم يعلموا ان هذا الرجل هو الذى ينبغى له ان يقوم بامرهم، لما بعثوه إليكم، و هو لا يتهم في موالاتهم و نصرتهم و القيام بحقهم.

فبعثوا الى ابى مسلم فردوه من قومس بقول ابى داود، و ولوه امرهم و سمعوا له و أطاعوا و لم تزل في نفس ابى مسلم على سليمان بن كثير، و لم يزل‏

362

يعرفها لأبي داود و سمعت الشيعة من النقباء و غيرهم لأبي مسلم، و أطاعوه و تنازعوا، و قبلوا ما جاء به، و بث الدعاه في اقطار خراسان، فدخل الناس أفواجا، و كثروا، و فشت الدعاه بخراسان كلها و كتب اليه ابراهيم الامام يأمره ان يوافيه بالموسم في هذه السنه- و هي سنه تسع و عشرين و مائه-، ليامره بامره في اظهار دعوته، و ان يقدم معه بقحطبه بن شبيب، و يحمل اليه ما اجتمع عنده من الأموال، و قد كان اجتمع عنده ثلاثمائة الف و ستون الف درهم، فاشترى بعامتها عروضا من متاع التجار، من القوهي و المروى و الحرير و الفرند، و صير بقيته سبائك ذهب و فضه و صيرها في الأقبية المحشوه، و اشترى البغال و خرج في النصف من جمادى الآخرة، و معه من النقباء قحطبه بن شبيب و القاسم بن مجاشع و طلحه بن رزيق، و من الشيعة واحد و اربعون رجلا، و تحمل من قرى خزاعة، و حمل اثقاله على واحد و عشرين بغلا، و حمل على كل بغل رجلا من الشيعة بسلاحه، و أخذ المفازة وعدا عن مسلحه نصر بن سيار حتى انتهوا الى ابيورد.

فكتب ابو مسلم الى عثمان بن نهيك و اصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، و بينه و بينهم خمسه فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلا، ثم ارتحلوا من ابيورد، حتى انتهوا الى قريه يقال لها قافس، من قرى نسا، فبعث الفضل ابن سليمان الى اندومان- قريه اسيد- فلقى بها رجلا من الشيعة، فسأله عن اسيد، فقال له الرجل: و ما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شر طويل من العامل أخذ، فاخذ معه الاحجم بن عبد الله و غيلان بن فضالة و غالب ابن سعيد و المهاجرين بن عثمان، فحملوا الى العامل عاصم بن قيس بن الحروري، فحبسهم و ارتحل ابو مسلم و اصحابه حتى انتهوا الى اندومان، فأتاه ابو مالك و الشيعة من اهل نسا، فاخبره ابو مالك ان الكتاب الذى كان مع رسول الامام عنده، فأمره ان يأتيه به، فأتاه بالكتاب و بلواء و رايه، فإذا في الكتاب اليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه، و ان يظهر الدعوة فعقد اللواء الذى أتاه من الامام على رمح، و عقد الراية، و اجتمع اليه شيعه اهل نسا و الدعاه و الرءوس، و معه اهل ابيورد الذين قدموا معه.

و بلغ ذلك عاصم بن قيس الحروري، فبعث الى ابى مسلم يسأله عن حاله، فاخبره انه من الحاج الذين يريدون بيت الله، و معه عده من‏

363

اصحابه من التجار، و ساله ان يخلى سبيل من احتبس من اصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم ان يكتب لهم شرطا على نفسه، ان يصرف من معه من العبيد و ما معه من الدواب و السلاح، على ان يخلوا سبيل اصحابه الذين قدموا من بلاد الامام و غيرهم فأجابهم ابو مسلم الى ذلك، و خلى سبيل اصحابه، فامر ابو مسلم الشيعة من اصحابه ان ينصرفوا، و قرأ عليهم كتاب الامام، و امرهم باظهار الدعوة، فانصرف منهم طائفه و سار معه ابو مالك اسيد بن عبد الله الخزاعي و زريق بن شوذب و من قدم عليه من ابيورد، و امر من انصرف بالاستعداد ثم سار فيمن بقي من اصحابه و معه قحطبه ابن شبيب، حتى نزلوا تخوم جرجان، و بعث الى خالد بن برمك و ابى عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قبلهما من مال الشيعة، فقدما عليه، فأقام أياما حتى اجتمعت القوافل و جهز قحطبه بن شبيب، و دفع اليه المال الذى كان معه، و الاحمال بما فيها، ثم وجهه الى ابراهيم بن محمد، و سار ابو مسلم بمن معه حتى انتهى الى نسا، ثم ارتحل منها الى ابيورد حتى قدمها، ثم سار حتى اتى مرو متنكرا، فنزل قريه تدعى فنين من قرى خزاعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان، و قد كان واعد اصحابه ان يوافوه بمرو يوم الفطر.

و وجه أبا داود و عمرو بن اعين الى طخارستان، و النضر بن صبيح الى آمل و بخارى و معه شريك بن عيسى، و موسى بن كعب الى ابيورد و نسا، و خازم بن خزيمة الى مروروذ، و قدموا عليه، فصلى بهم القاسم بن مجاشع التميمى يوم العيد، في مصلى آل قنبر، في قريه ابى داود خالد بن ابراهيم.

ذكر تعاقد اهل خراسان على قتال ابى مسلم‏

و في هذه السنه تحالفت و تعاقدت عامه من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال ابى مسلم، و ذلك حين كثر تباع ابى مسلم و قوى امره و فيها تحول ابو مسلم من معسكره باسفيذنج الى الماخوان.

ذكر الخبر عن ذلك و السبب فيه:

قال على:

3

أخبرنا الصباح مولى جبريل، عن مسلمه بن يحيى، قال:

364

لما ظهر ابو مسلم، تسارع اليه الناس، و جعل اهل مرو يأتونه، لا يعرض لهم نصر و لا يمنعهم، و كان الكرماني و شيبان لا يكرهان امر ابى مسلم، لأنه دعا الى خلع مروان بن محمد، و ابو مسلم في قريه يقال لها بالين في خباء ليس له حرس و لا حجاب، و عظم امره عند الناس، و قالوا: ظهر رجل من بنى هاشم، له حلم و وقار و سكينه، فانطلق فتية من اهل مرو، نساك كانوا يطلبون الفقه، فاتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خبري خير لكم من نسبي، و سألوه عن أشياء من الفقه، فقال: امركم بالمعروف و نهيكم عن المنكر خير لكم من هذا، و نحن في شغل، و نحن الى عونكم احوج منا الى مسألتكم، فاعفونا قالوا: و الله ما نعرف لك نسبا، و لا نظنك تبقى الا قليلا حتى تقتل، و ما بينك و بين ذلك الا ان يتفرغ احد هذين، قال ابو مسلم: بل انا اقتلهما ان شاء الله.

فرجع الفتيه فاتوا نصر بن سيار فحدثوه، فقال: جزاكم الله خيرا، مثلكم تفقد هذا و عرفه و أتوا شيبان فاعلموه، فأرسل: انا قد اشجى بعضنا بعضا، فأرسل اليه نصر: ان شئت فكف عنى حتى اقاتله، و ان شئت فجامعنى على حربه حتى اقتله او انفيه، ثم نعود الى امرنا الذى نحن عليه فهم شيبان ان يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فاتت عيون ابى مسلم فاخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذى بلغهم! تكلمت عند احد بشي‏ء؟ فاخبره خبر الفتيه الذين اتوه، فقال: هذا لذاك إذا فكتبوا الى على بن الكرماني: انك موتور، قتل ابوك و نحن نعلم انك لست على راى شيبان، و انما تقاتل لثارك فامنع شيبان من صلح نصر، فدخل على شيبان، فكلمه فثناه عن رايه، فأرسل نصر الى شيبان: انك لمغرور، و ايم الله ليتفاقمن هذا الأمر حتى تستصغرنى في جنبه‏

365

فبينا هم في امرهم إذ بعث ابو مسلم النضر بن نعيم الضبي الى هراة و عليها عيسى بن عقيل الليثى، فطرده عن هراة، فقدم عيسى على نصر منهزما، و غلب النضر على هراة قال: فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة: اختاروا اما ان تهلكوا أنتم قبل مضر او مضر قبلكم، قالوا: و كيف ذاك؟ قال: ان هذا الرجل انما ظهر امره منذ شهر، و قد صار في عسكره مثل عسكركم، قالوا:

فما الرأي؟ قال: صالحوا نصرا، فإنكم ان صالحتموه قاتلوا نصرا و تركوكم، لان الأمر في مضر، و ان لم تصالحوا نصرا صالحوه و قاتلوكم، ثم عادوا عليكم.

قالوا: فما الرأي؟ قال: قدموهم قبلكم و لو ساعه، فتقر اعينكم بقتلهم.

فأرسل شيبان الى نصر يدعوه الى الموادعة فأجابه، فأرسل الى سلم بن احوز، فكتب بينهم كتابا، فاتى شيبان و عن يمينه ابن الكرماني، و عن يساره يحيى ابن نعيم، فقال سلم لابن الكرماني: يا اعور، ما اخلقك ان تكون الأعور الذى بلغنا ان يكون هلاك مضر على يديه! ثم توادعوا سنه، و كتبوا بينهم كتابا فبلغ أبا مسلم، فأرسل الى شيبان: انا نوادعك أشهرا، فتوادعنا ثلاثة اشهر، فقال ابن الكرماني: فانى ما صالحت نصرا، و انما صالحه شيبان، و انا لذلك كاره، و انا موتور، و لا ادع قتاله فعاوده القتال، و ابى شيبان ان يعينه، و قال: لا يحل الغدر فأرسل ابن الكرماني الى ابى مسلم يستنصره على نصر بن سيار، فاقبل ابو مسلم حتى اتى الماخوان، و ارسل الى ابن الكرماني شبل بن طهمان: انى معك على نصر، فقال ابن الكرماني: انى أحب ان يلقاني ابو مسلم، فابلغه ذلك شبل، فأقام ابو مسلم اربعه عشر يوما، ثم سار الى ابن الكرماني، و خلف عسكره بالماخوان، فتلقاه عثمان بن الكرماني في خيل، و سار معه حتى دخل العسكر، و اتى لحجره على فوقف، فاذن له‏

366

فدخل، فسلم على على بالإمرة، و قد اتخذ له على منزلا في قصر لمخلد بن الحسن الأزدي، فأقام يومين، ثم انصرف الى عسكره بالماخوان، و ذلك لخمس خلون من المحرم من سنه ثلاثين و مائه.

و اما ابو الخطاب، فانه قال: لما كثرت الشيعة في عسكر ابى مسلم، ضاقت به سفيذنج، فارتاد معسكرا فسيحا، فأصاب حاجته بالماخوان،- و هي قريه العلاء بن حريث و ابى إسحاق خالد بن عثمان، و فيها ابو الجهم ابن عطية و اخوته- و كان مقامه بسفيذنج اثنين و اربعين يوما، و ارتحل من سفيذنج الى الماخوان، فنزل منزل ابى إسحاق خالد بن عثمان يوم الأربعاء، لتسع ليال خلون من ذي القعده من سنه تسع و عشرين و مائه، فاحتفر بها خندقا، و جعل للخندق بابين، فعسكر فيه و الشيعة، و وكل بأحد بابى الخندق مصعب بن قيس الحنفي و بهدل بن اياس الضبي، و وكل بالباب الآخر أبا شراحيل و أبا عمرو الأعجمي، و استعمل على الشرط أبا نصر مالك ابن الهيثم، و على الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، و على ديوان الجند كامل ابن مظفر أبا صالح، و على الرسائل اسلم بن صبيح، و القاسم بن مجاشع النقيب التميمى على القضاء، و ضم أبا الوضاح و عده من اهل السقادم الى مالك بن الهيثم، و جعل اهل نوشان- و هم ثلاثة و ثمانون رجلا- الى ابى إسحاق في الحرس و كان القاسم بن مجاشع يصلى بابى مسلم الصلوات في الخندق، و يقص القصص بعد العصر، فيذكر فضل بنى هاشم و معايب بنى اميه فنزل ابو مسلم خندق الماخوان، و هو كرجل من الشيعة في هيئته، حتى أتاه عبد الله بن بسطام، فأتاه بالاروقه و الفساطيط و المطابخ و المعالف للدواب و حياض الادم للماء، فأول عامل استعمله ابو مسلم على شي‏ء من العمل داود بن كراز، فرد ابو مسلم العبيد عن ان يضاموا في خندقه، و احتفر لهم خندقا في قريه شوال، و ولى الخندق داود بن كراز فلما اجتمعت للعبيد جماعه، وجههم الى موسى بن كعب بابيورد، و امر ابو مسلم كامل بن مظفر ان يعرض اهل الخندق باسمائهم و أسماء آبائهم فينسبهم الى القوى، و يجعل ذلك في دفتر،

367

ففعل ذلك كامل ابو صالح، فبلغت عدتهم سبعه آلاف رجل، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكل رجل، ثم اعطاهم اربعه على يدي ابى صالح كامل.

ثم ان اهل القبائل من مضر و ربيعه و قحطان توادعوا على وضع الحرب، و على ان تجتمع كلمتهم على محاربه ابى مسلم، فإذا نفوه عن مرو نظروا في امر انفسهم و على ما يجتمعون عليه فكتبوا على انفسهم بذلك كتابا وثيقا.

و بلغ أبا مسلم الخبر، فافظعه ذلك و اعظمه، فنظر ابو مسلم في امره، فإذا ماخوان سافله الماء، فتخوف ان يقطع عنه نصر بن سيار الماء، فتحول الى آلين- قريه ابى منصور طلحه بن رزيق النقيب- و ذلك بعد مقامه اربعه اشهر بخندق الماخوان، فنزل آلين في ذي الحجه من سنه تسع و عشرين و مائه، يوم الخميس لست خلون من ذي الحجه فخندق بالين خندقا امام القرية، فيما بينها و بين بلاش‏جرد، فصارت القرية من خلف الخندق، و جعل وجه دار المحتفز بن عثمان ابن بشر المزنى في الخندق، و شرب اهل آلين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكن نصر ابن سيار قطع الشرب عن آلين و حضر العيد يوم النحر، و امر القاسم بن مجاشع التميمى فصلى بابى مسلم و الشيعة في مصلى آلين، و عسكر نصر بن سيار على نهر عياض، و وضع عاصم بن عمرو ببلاش جرد، و وضع أبا الذيال بطوسان، و وضع بشر بن انيف اليربوعى بجلفر، و وضع حاتم بن الحارث ابن سريج بخرق، و هو يلتمس مواقعه ابى مسلم فاما ابو الذيال فانزل جنده على أهلها مع ابى مسلم في الخندق، فاذوا اهل طوسان و عسفوهم و ذبحوا الدجاج و البقر و الحمام، و كلفوهم الطعام و العلف، فشكت الشيعة ذلك الى ابى مسلم، فوجه معهم خيلا، فلقوا أبا الذيال فهزموه، و أسروا من اصحابه ميمونا الاعسر الخوارزمي في نحو من ثلاثين رجلا، فكساهم ابو مسلم، و داوى جراحاتهم و خلى لهم الطريق‏

. ذكر خبر مقتل الكرماني‏

قال ابو جعفر: و في هذه السنه قتل جديع بن على الكرماني و صلب‏

368

ذكر الخبر عن مقتله: قد مضى قبل ذكرنا مقتل الحارث بن سريج، و ان الكرماني هو الذى قتله و لما قتل الكرماني الحارث، خلصت له مرو بقتله اياه، و تنحى نصر ابن سيار عنها الى ابرشهر، و قوى امر الكرماني، فوجه نصر اليه- فيما قيل- سلم بن احوز، فسار في رابطه نصر و فرسانه، حتى لقى اصحاب الكرماني، فوجد يحيى بن نعيم أبا الميلاء واقفا في الف رجل من ربيعه، و محمد بن المثنى في سبعمائة من فرسان الأزد، و ابن الحسن بن الشيخ الأزدي في الف من فتيانهم، و الحزمي السغدى في الف رجل من أبناء اليمن، فلما تواقفوا قال سلم بن احوز لمحمد بن المثنى: يا محمد بن المثنى، مر هذا الملاح بالخروج إلينا، فقال محمد لسلم: يا بن الفاعله، لأبي على تقول هذا! و دلف القوم بعضهم الى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلم بن احوز، و قتل من اصحابه زياده على مائه، و قتل من اصحاب محمد زياده على عشرين، و قدم اصحاب نصر عليه فلو لا، فقال له عقيل بن معقل: يا نصر شامت العرب، فاما إذ صنعت ما صنعت فجد و شمر عن ساق، فوجه عصمه بن عبد الله الأسدي فوقف موقف سلم بن احوز، فنادى: يا محمد، لتعلمن ان السمك لا يغلب اللخم، فقال له محمد: يا بن الفاعله، قف لنا إذا و امر محمد السغدى فخرج اليه في اهل اليمن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عصمه حتى اتى نصر بن سيار، و قد قتل من اصحابه أربعمائة.

ثم ارسل نصر بن سيار مالك بن عمرو التميمى فاقبل في اصحابه، ثم نادى: يا بن المثنى، ابرز لي ان كنت رجلا! فبرز له، فضربه التميمى على حبل العاتق فلم يصنع شيئا، و ضربه محمد بن المثنى بعمود فشدخ راسه، فالتحم القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا كأعظم ما يكون من القتال، فانهزم اصحاب نصر، و قد قتل منهم سبعمائة رجل، و قتل من اصحاب الكرماني ثلاثمائة رجل، و لم يزل الشر بينهم حتى خرجوا جميعا الى الخندقين، فاقتتلوا قتالا شديدا،

369

فلما استيقن ابو مسلم ان كلا الفريقين قد اثخن صاحبه، و انه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب الى شيبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضرية، فإنهم سيعرضون لك، و يأخذون كتبك، فكانوا يأخذونها فيقرءون فيها: انى رايت اهل اليمن لا وفاء لهم و لا خير فيهم، فلا تثقن بهم و لا تطمئن اليهم، فانى أرجو ان يريك الله ما تحب، و لئن بقيت لا ادع لهم شعرا و لا ظفرا.

و يرسل رسولا آخر في طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرية و اطراء اليمن بمثل ذلك، حتى صار هوى الفريقين جميعا معه، و جعل يكتب الى نصر بن سيار و الى الكرماني: ان الامام قد أوصاني بكم، و لست اعدو رايه فيكم.

و كتب الى الكور باظهار الأمر، فكان أول من سود- فيما ذكر- اسيد ابن عبد الله بنسا، و نادى: يا محمد، يا منصور و سود معه مقاتل بن حكيم و ابن غزوان، و سود اهل ابيورد و اهل مرو الروذ، و قرى مرو.

و اقبل ابو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بن سيار و خندق جديع الكرماني، و هابه الفريقان، و كثر اصحابه، فكتب نصر بن سيار الى مروان ابن محمد يعلمه حال ابى مسلم و خروجه و كثره من معه و من تبعه، و انه يدعو الى ابراهيم بن محمد، و كتب بابيات شعر:

ارى بين الرماد و ميض جمر* * * فاحج بان يكون له ضرام‏

فان النار بالعودين تذكى* * * و ان الحرب مبدؤها الكلام‏

فقلت من التعجب: ليت شعرى* * * ا ايقاظ اميه أم نيام!

فكتب اليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر: اما صاحبكم فقد اعلمكم الا نصر عنده فكتب الى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده، و كتب اليه بابيات شعر:

ابلغ يزيد و خير القول اصدقه* * * و قد تبينت الأخير في الكذب‏

370

ان خراسان ارض قد رايت بها* * * بيضا لو افرخ قد حدثت بالعجب‏

فراخ عامين الا انها كبرت* * * لما يطرن و قد سربلن بالزغب‏

فان يطرن و لم يحتل لهن بها* * * يلهبن نيران حرب أيما لهب‏

فقال يزيد: لا غلبه الا بكثرة، و ليس عندي رجل و كتب نصر الى مروان يخبره خبر ابى مسلم و ظهوره و قوته، و انه يدعو الى ابراهيم بن محمد، فالفى الكتاب مروان و قد أتاه رسول لأبي مسلم الى ابراهيم، كان قد عاد من عند ابراهيم، و معه كتاب ابراهيم الى ابى مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم و يسبه، حيث لم ينتهز الفرصة من نصر و الكرماني إذ امكناه، و يأمره الا يدع بخراسان عربيا الا قتله فدفع الرسول الكتاب الى مروان، فكتب مروان الى الوليد بن معاويه بن عبد الملك و هو على دمشق، يأمره ان يكتب الى عامل البلقاء، فيسير الى كرار الحميمه، فليأخذ ابراهيم بن محمد و يشده وثاقا، و ليبعث به اليه في خيل، فوجه الوليد الى عامل البلقاء فاتى ابراهيم و هو في مسجد القرية، فأخذه و كتفه و حمله الى الوليد، فحمله الى مروان فحبسه مروان في السجن.

رجع الحديث الى حديث نصر و الكرماني و بعث ابو مسلم حين عظم الأمر بين الكرماني و نصر الى الكرماني: انى معك، فقبل ذلك الكرماني و انضم اليه ابو مسلم، فاشتد ذلك على نصر، فأرسل الى الكرماني: ويلك لا تغترر! فو الله انى لخائف عليك و على أصحابك منه، و لكن هلم الى الموادعة، فتدخل مرو، فنكتب بيننا كتابا بصلح- و هو يريد ان يفرق بينه و بين ابى مسلم- فدخل الكرماني منزله، و اقام ابو مسلم في المعسكر، و خرج الكرماني حتى وقف في الرحبه في مائه فارس، و عليه قرطق خشكشونه ثم ارسل الى نصر: اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فابصر نصر منه غره، فوجه اليه‏

371

ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلاثمائة فارس، فالتقوا في الرحبه، فاقتتلوا بها طويلا.

ثم ان الكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته، و حماه اصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر الكرماني و صلبه، و معه سمكه، فاقبل ابنه على- و قد كان صار الى ابى مسلم، و قد جمع جمعا كثيرا- فسار بهم الى نصر بن سيار فقاتله حتى اخرجه من دار الإمارة، فمال الى بعض دور مرو، و اقبل ابو مسلم حتى دخل مرو، فأتاه على بن جديع الكرماني فسلم عليه بالإمرة، و اعلمه انه معه على مساعدته، و قال: مرني بأمرك، فقال:

أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري.

غلبه عبد الله بن معاويه على فارس‏

و في هذه السنه غلب عبد الله بن معاويه بن عبد الله بن جعفر بن ابى طالب على فارس ذكر الخبر عن ذلك و عن السبب الذى وصل به الى الغلبه عليها:

ذكر على بن محمد ان عاصم بن حفص التميمى و غيره حدثوه ان عبد الله ابن معاويه لما هزم بالكوفه، شخص الى المدائن، فبايعه اهل المدائن، فأتاه قوم من اهل الكوفه، فخرج الى الجبال فغلب عليها، و على حلوان و قومس و أصبهان و الري، و خرج اليه عبيد اهل الكوفه، فلما غلب على ذلك اقام بأصبهان، و قد كان محارب بن موسى مولى بنى يشكر عظيم القدر بفارس، فجاء يمشى في نعلين الى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل، عامل ابن عمر عنها، و قال لرجل يقال له عماره: بايع الناس، فقال له اهل اصطخر: علام نبايع؟

قال: على ما احببتم و كرهتم فبايعوه لابن معاويه، و خرج محارب الى كرمان فاغار عليهم، و أصاب في غارته إبلا لثعلبة بن حسان المازنى فاستاقها و رجع.

فخرج ثعلبه يطلب ابله في قريه له تدعى اشهر- قال: و مع ثعلبه مولى له- فقال له مولاه: هل لك ان نفتك بمحارب، فان شئت ضربته و كفيتني الناس، و ان شئت ضربته و كفيتك الناس؟ قال: ويحك! اردت ان تفتك‏

372

و تذهب الإبل و لم نلق الرجل! ثم دخل على محارب فرحب به ثم قال:

حاجتك! قال: ابلى، قال: نعم، لقد أخذت، و ما اعرفها، و قد عرفتها، فدونك ابلك فأخذها، و قال لمولاه: هذا خير، و ما اردت؟

قال: ذلك لو أخذناها كان اشفى و انضم الى محارب القواد و الأمراء من اهل الشام:

فسار الى مسلم بن المسيب و هو بشيراز، عامل لابن عمر، فقتله في سنه ثمان و عشرين و مائه، ثم خرج محارب الى أصبهان، فحول عبد الله بن معاويه الى اصطخر، و استعمل عبد الله أخاه الحسن على الجبال، فاقبل فنزل في دير على ميل من اصطخر، و استعمل أخاه يزيد على فارس فأقام، فأتاه الناس، بنو هاشم و غيرهم، و جبى المال، و بعث العمال، و كان معه منصور بن جمهور و سليمان بن هشام بن عبد الملك و شيبان بن الحلس بن عبد العزيز الشيبانى الخارجي، و أتاه ابو جعفر عبد الله، و عبد الله و عيسى ابنا على و قدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق، فأرسل نباته بن حنظله الكلابى الى عبد الله بن معاويه، و بلغ سليمان بن حبيب ان ابن هبيرة ولى نباته الاهواز، فسرح داود بن حاتم، فأقام بكربج دينار ليمنع نباته من الاهواز، فقدم نباته، فقاتله، فقتل داود، و هرب سليمان الى سابور، و فيها الأكراد قد غلبوا عليها، و اخرجوا المسيح بن الحمارى، فقاتلهم سليمان، فطرد الأكراد عن سابور، و كتب الى عبد الله بن معاويه بالبيعه، فقال: عبد الرحمن ابن يزيد بن المهلب: لا يفى لك، و انما اراد ان يدفعك عنه، و يأكل سابور، فاكتب اليه فليقدم عليك ان كان صادقا فكتب اليه فقدم، و قال لأصحابه: ادخلوا معى، فان منعكم احد فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاويه:

انا اطوع الناس لك، قال: ارجع الى عملك، فرجع ثم ان محارب بن موسى نافر ابن معاويه، و جمع جمعا، فاتى سابور- و كان ابنه مخلد بن محارب محبوسا بسابور، اخذه يزيد بن معاويه فحبسه- فقال لمحارب: ابنك في يديه و تحاربه! اما تخاف ان يقتل ابنك! قال:

ابعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فاتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الاشعث، فصار معه، ثم نافر ابن الاشعث فقتله و اربعه و عشرين‏

373

ابنا له و لم يزل عبد الله بن معاويه بإصطخر حتى أتاه ابن ضباره مع داود ابن يزيد بن عمر بن هبيرة، فامر ابن معاويه فكسروا قنطره الكوفه، فوجه ابن هبيرة معن بن زائده من وجه آخر، فقال سليمان لابان بن معاويه بن هشام: قد أتاك القوم، قال: لم اومر بقتالهم، قال: و لا تؤمر و الله بهم ابدا، و أتاهم فقاتلهم عند مرو الشاذان، و معن يرتجز:

ليس امير القوم بالخب الخدع* * * فر من الموت و في الموت وقع‏

قال ابن المقفع او غيره:

فر من الموت و فيه قد وقع.

قال: عمدا، قلت: قد عملت، فانهزم ابن معاويه، و كف معن عنهم، فقتل في المعركة رجل من آل ابى لهب، و كان يقال: يقتل رجل من بنى هاشم بمرو الشاذان و أسروا اسراء كثيره، فقتل ابن ضباره عده كثيره، فيقال كان فيمن قتل يومئذ حكيم الفرد ابو المجد، و يقال: قتل بالاهواز، قتله نباته.

و لما انهزم ابن معاويه هرب شيبان الى جزيرة ابن كاوان و منصور بن جمهور الى السند، و عبد الرحمن بن يزيد الى عمان، و عمرو بن سهل بن عبد العزيز الى مصر، و بعث ببقية الأسراء الى ابن هبيرة.

قال حميد الطويل: اطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن و عله السدوسي، و لما امر بقتله قال: اقتل من بين الأسراء! قال: نعم، أنت مشرك، أنت الذى تقول:

و لو آمر الشمس لم تشرق‏

.

و مضى ابن معاويه من وجهه الى سجستان ثم اتى خراسان و منصور بن جمهور الى السند، فسار في طلبه معن بن زائده و عطية الثعلبى و غيره من بنى ثعلبه، فلم يدركوه، فرجعوا و كان حصين بن و عله السدوسي مع يزيد بن معاويه، فتركه معن بن زائده فبعث به معن الى ابن ضباره، فبعث به ابن ضباره الى واسط، و سار ابن ضباره الى عبد الله بن معاويه بإصطخر، فنزل بازائه على نهر اصطخر، فعبر ابن الصحصح في الف، فلقيه من اصحاب‏

374

عبد الله بن معاويه ابان بن معاويه بن هشام فيمن كان معه من اهل الشام، ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا، فمال ابن نباته الى القنطرة، فلقيهم من كان مع ابن معاويه من الخوارج، فانهزم ابان و الخوارج، فاسر منهم ألفا، فاتوا بهم ابن ضباره، فخلى عنهم، و أخذ يومئذ عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس في الأسراء، فنسبه ابن ضباره، فقال: ما جاء بك الى ابن معاويه، و قد عرفت خلافه امير المؤمنين! قال: كان على دين فاديته فقام اليه حرب بن قطن الكنانى، فقال: ابن أختنا، فوهبه له، و قال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش و قال له ابن ضباره: ان الذى قد كنت معه قد عيب بأشياء، فعندك منها علم؟ قال: نعم، و عابه و رمى اصحابه باللواط، فاتوا ابن ضباره بغلمان عليهم أقبية قوهية مصبغه ألوانا، فأقامهم للناس و هم اكثر من مائه غلام، لينظروا اليهم و حمل ابن ضباره عبد الله بن على على البريد الى ابن هبيرة ليخبره اخباره، فحمله ابن هبيرة الى مروان في اجناد اهل الشام، و كان يعيبه، و ابن ضباره يومئذ في مفازة كرمان في طلب عبد الله ابن معاويه، و قد اتى ابن هبيرة مقتل نباته، فوجه ابن هبيرة كرب بن مصقله و الحكم بن ابى الأبيض العبسى و ابن محمد السكوني، كلهم خطيب، فتكلموا في تقريظ ابن ضباره، فكتب اليه ان سر بالناس الى فارس، ثم جاءه كتاب ابن هبيرة: سر الى أصبهان‏

. مجي‏ء ابى حمزه الخارجي الموسم‏

و في هذه السنه وافى الموسم ابو حمزه الخارجي، من قبل عبد الله ابن يحيى طالب الحق، محكما مظهرا للخلاف على مروان بن محمد.

ذكر الخبر عن ذلك من امره:

حدثنى العباس بن عيسى العقيلي، قال: حدثنا هارون بن موسى الفروى قال: حدثنا موسى بن كثير مولى الساعديين، قال: لما كان تمام سنه تسع و عشرين و مائه، لم يدر الناس بعرفه الا و قد طلعت اعلام عمائم سود

375

حرقانيه في رءوس الرماح و هم في سبعمائة، ففزع الناس حين رأوهم، و قالوا:

ما لكم! و ما حالكم؟ فاخبروهم بخلافهم مروان و آل مروان و التبرؤ منه.

فراسلهم عبد الواحد بن سليمان- و هو يومئذ على المدينة و مكة- فراسلهم في الهدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن، و نحن عليه أشح و صالحهم على انهم جميعا آمنون، بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النفر الأخير، و أصبحوا من الغد فوقفوا على حده بعرفه، و دفع بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، فلما كانوا بمنى ندموا عبد الواحد، و قالوا: قد أخطأت فيهم، و لو حملت الحاج عليهم ما كانوا الا اكله راس فنزل ابو حمزه بقرين الثعالب، و نزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد الى ابى حمزه عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على، و محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، و عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن ابى بكر، و عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، و ربيعه بن ابى عبد الرحمن، في رجال أمثالهم، فدخلوا على ابى حمزه و عليه إزار قطن غليظ، فتقدمهم اليه عبد الله بن الحسن و محمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبس في وجوههما، و اظهر الكراهة لهما، ثم سال عبد الرحمن بن القاسم و عبيد الله بن عمر فانتسبا له، فهش إليهما، و تبسم في وجوههما، و قال: و الله ما خرجنا الا لنسير بسيره أبويكما، فقال له عبد الله بن حسن: و الله ما جئنا لتفضل بين آبائنا، و لكنا بعثنا إليك الأمير برسالة- و هذا ربيعه يخبركها- فلما ذكر ربيعه نقض العهد، قال بلج و أبرهة- و كانا قائدين له: الساعة الساعة! فاقبل عليهم ابو حمزه، فقال: معاذ الله ان ننقض العهد او نحبس، و الله لا افعل و لو قطعت رقبتي هذه، و لكن تنقضي الهدنة بيننا و بينكم فلما ابى عليهم خرجوا، فابلغوا عبد الواحد، فلما كان النفر نفر عبد الواحد في النفر الاول، و خلى مكة لأبي حمزه، فدخلها بغير قتال قال العباس: قال هارون: فانشدنى يعقوب بن طلحه الليثى أبياتا هجى بها عبد الواحد- قال: و هي لبعض الشعراء لم احفظ اسمه:

376

زار الحجيج عصابه قد خالفوا* * * دين الإله ففر عبد الواحد

ترك الحلائل و الإمارة هاربا* * * و مضى يخبط كالبعير الشارد

لو كان والده تنصل عرقه* * * لصفت مضاربه بعرق الوالد

ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالديوان، فضرب على الناس البعث، و زادهم في العطاء عشره عشره قال العباس: قال هارون:

أخبرني بذلك ابو ضمره انس بن عياض، قال: كنت فيمن اكتتب، ثم محوت اسمى.

قال العباس: قال هارون: و حدثنى غير واحد من أصحابنا ان عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا، فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحوره فمضوا.

و حج بالناس في هذه السنه عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان حدثنى بذلك احمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر و كذلك قال محمد بن عمر و غيره.

و كان العامل على مكة و المدينة عبد الواحد بن سليمان، و على العراق يزيد ابن عمر بن هبيرة، و على قضاء الكوفه الحجاج بن عاصم المحاربى- فيما ذكر- و على قضاء البصره عباد بن منصور، و على خراسان نصر بن سيار، و الفتنة بها.

377

ثم دخلت‏

سنه ثلاثين و مائه‏

(ذكر خبر الاحداث التي كانت فيها)

ذكر دخول ابى مسلم مرو و البيعه بها

فمما كان فيها من ذلك دخول ابى مسلم حائط مرو و نزوله دار الإمارة بها، و مطابقه على بن جديع الكرماني اياه على حرب نصر بن سيار.

ذكر الخبر عن ذلك و سببه:

ذكر ابو الخطاب ان دخول ابى مسلم حائط مرو و نزوله دار الإمارة التي ينزلها عمال خراسان كان في سنه ثلاثين و مائه لتسع خلون من جمادى الآخرة يوم الخميس، و ان السبب في مسير على بن جديع مع ابى مسلم كان ان سليمان ابن كثير كان بإزاء على بن الكرماني حين تعاقد هو و نصر على حرب ابى مسلم، فقال سليمان بن كثير لعلى بن الكرماني: يقول لك ابو مسلم: اما تانف من مصالحه نصر بن سيار، و قد قتل بالأمس اباك و صلبه! ما كنت احسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه! فأدرك على بن الكرماني الحفيظة، فرجع عن رايه و انتقض صلح العرب قال: و لما انتقض صلحهم بعث نصر ابن سيار الى ابى مسلم يلتمس منه ان يدخل مع مضر، و بعثت ربيعه و قحطان الى ابى مسلم بمثل ذلك، فتراسلوا بذلك أياما، فأمرهم ابو مسلم ان يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا و امر ابو مسلم الشيعة ان يختاروا ربيعه و قحطان، فان السلطان في مضر، و هم عمال مروان الجعدى، و هم قتله يحيى بن زيد فقدم الوفدان، فكان في وفد مضر عقيل بن معقل بن حسان الليثى و عبيد الله بن عبد ربه الليثى و الخطاب بن محرز السلمى، في رجال منهم و كان في وفد قحطان عثمان بن الكرماني و محمد بن المثنى و سوره بن محمد ابن عزيز الكندى، في رجال منهم، فامر ابو مسلم عثمان بن الكرماني و اصحابه‏

378

فدخلوا بستان المحتفز، و قد بسط لهم فيه، فقعدوا و جلس ابو مسلم في بيت في دار المحتفز، و اذن لعقيل بن معقل و اصحابه من وفد مضر، فدخلوا اليه، و مع ابى مسلم في البيت سبعون رجلا من الشيعة، قرأ على الشيعة كتابا كتبه ابو مسلم ليختاروا احد الفريقين، فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان ابن كثير، فتكلم- و كان خطيبا مفوها- فاختار على بن الكرماني و اصحابه، و قام ابو منصور طلحه بن رزيق النقيب فيهم- و كان فصيحا متكلما- فقال كمقاله سليمان بن كثير، ثم قام مزيد بن شقيق السلمى، فقال: مضر قتله آل النبي(ص)و اعوان بنى اميه و شيعه مروان الجعدى، و دماؤنا في أعناقهم، و أموالنا في ايديهم، و التباعات قبلهم، و نصر بن سيار عامل مروان على خراسان ينفذ أموره، و يدعو له على منبره، و يسميه امير المؤمنين، و نحن من ذلك الى الله برآء و ان يكون مروان امير المؤمنين، و ان يكون نصر على هدى و صواب، و قد اخترنا على بن الكرماني و اصحابه من قحطان و ربيعه فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بن شقيق.

فنهض وفد مضر عليهم الذلة و الكابة، و وجه معهم ابو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، و رجع وفد على بن الكرماني مسرورين منصورين و كان مقام ابى مسلم بالين تسعه و عشرين يوما، فرحل عن آلين راجعا الى خندقه بالماخوان، و امر ابو مسلم الشيعة ان يبتنوا المساكن، و يستعدوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمه العرب، و صيرهم بنا الى افتراق الكلمه، و كان ذلك قدرا من الله مقدورا.

و كان دخول ابى مسلم الماخوان منصرفا عن آلين سنه ثلاثين و مائه، للنصف من صفر يوم الخميس، فأقام ابو مسلم في خندقه بالماخوان ثلاثة اشهر، تسعين يوما، ثم دخل حائط مرو يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الاولى سنه ثلاثين و مائه.

قال: و كان حائط مرو إذ ذاك في يد نصر بن سيار لأنه عامل خراسان،

379

فأرسل على بن الكرماني الى ابى مسلم ان ادخل الحائط من قبلك، و ادخل انا و عشيرتي من قبلي، فنغلب على الحائط فأرسل اليه ابو مسلم ان لست آمن ان يجتمع يدك و يد نصر على محاربتى، و لكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك و بينه و بين اصحابه، فدخل على بن الكرماني فانشب الحرب، و بعث ابو مسلم أبا على شبل بن طهمان النقيب في جند، فدخلوا الحائط، فنزل في قصر بخاراخذاه، فبعثوا الى ابى مسلم ان ادخل، فدخل ابو مسلم من خندق الماخوان، و على مقدمته اسيد بن عبد الله الخزاعي، و على ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعي، و على ميسرته القاسم بن مجاشع التميمى، حتى دخل الحائط، و الفريقان يقتتلان فامرهما بالكف و هو يتلو من كتاب الله:

«وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ‏» و مضى ابو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرو الذى كان ينزله عمال خراسان، و كان ذلك لتسع خلون من جمادى الاولى سنه ثلاثين و مائه، يوم الخميس.

و هرب نصر بن سيار عن مرو الغد من يوم الجمعه لعشر خلون من جمادى الاولى من سنه ثلاثين و مائه، و صفت مرو لأبي مسلم فلما دخل ابو مسلم حائط مرو امر أبا منصور طلحه بن رزيق بأخذ البيعه على الجند من الهاشمية خاصه- و كان ابو منصور رجلا فصيحا نبيلا مفوها عالما بحجج الهاشمية و غوامض أمورهم، و هو احد النقباء الاثنى عشر، و النقباء الاثنا عشر هم الذين اختارهم محمد بن على من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله الى خراسان سنه ثلاث و مائه او اربع و مائه- و امره ان يدعو الى الرضا، و لا يسمى أحدا، و مثل له مثالا و وصف من العدل صفه، فقدمها فدعا سرا، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثنى عشر نقيبا.

منهم من خزاعة سليمان بن كثير و مالك بن الهيثم و زياد بن صالح و طلحه ابن رزيق و عمرو بن اعين‏

3

، و من طيّئ قحطبه- و اسمه زياد بن‏

380

شبيب بن خالد بن معدان‏

3

- و من تميم موسى بن كعب ابو عيينه و لاهز بن قريظ و القاسم بن مجاشع، كلهم من بنى إمرئ القيس، و اسلم بن سلام ابو سلام‏

3

، و من بكر بن وائل ابو داود خالد بن ابراهيم من بنى عمرو بن شيبان أخي سدوس و ابو على الهروي.

و يقال: شبل بن طهمان مكان عمرو بن اعين و عيسى بن كعب و ابو النجم عمران بن اسماعيل مكان ابى على الهروي، و هو ختن ابى مسلم.

و لم يكن في النقباء احد والده حي غير ابى منصور طلحه بن رزيق بن اسعد، و هو ابو زينب الخزاعي، و قد كان شهد حرب عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، و صحب المهلب بن ابى صفره و غزا معه، فكان ابو مسلم يشاوره في الأمور، و يسأله عما شهد من الحروب و المغازى، و يسأله عن الكنية بابى منصور: يا أبا منصور، ما تقول؟ و ما رأيك؟

قال ابو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعه على الهاشمية:

ابايعكم على كتاب الله عز و جل و سنه نبيه(ص)و الطاعة للرضا من اهل بيت رسول الله ص، عليكم بذلك عهد الله و ميثاقه، و الطلاق و العتاق، و المشى الى بيت الله، و على الا تسألوا رزقا و لا طمعا حتى يبداكم به ولاتكم، و ان كان عدو احدكم تحت قدمه فلا تهيجوه الا بأمر ولاتكم فلما حبس ابو مسلم سلم بن احوز و يونس بن عبد ربه، و عقيل ابن معقل و منصور بن ابى الخرقاء و اصحابه، شاور أبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، و سجنك القبر، فاقدمهم ابو مسلم فقتلهم، و كانت عدتهم اربعه و عشرين رجلا.

و اما

9

على بن محمد، فانه ذكر ان الصباح مولى جبريل، اخبره عن مسلمه ابن يحيى، ان أبا مسلم جعل على حرسه خالد بن عثمان، و على شرطه مالك‏

381

ابن الهيثم، و على القضاء القاسم بن مجاشع، و على الديوان كامل بن مظفر، فرزق كل رجل اربعه آلاف، و انه اقام في عسكره بالماخوان ثلاثة اشهر، ثم سار من الماخوان ليلا في جمع كبير يريد عسكر ابن الكرماني، و على ميمنته لاهز بن قريظ، و على ميسرته القاسم بن مجاشع، و على مقدمته ابو نصر مالك بن الهيثم و خلف على خندقه أبا عبد الرحمن الماخوانى، فاصبح في عسكر شيبان، فخاف نصر ان يجتمع ابو مسلم و ابن الكرماني على قتاله، فأرسل الى ابى مسلم يعرض عليه ان يدخل مدينه مرو و يوادعه، فأجابه، فوادع أبا مسلم نصر، فراسل نصر بن احوز يومه ذلك كله، و ابو مسلم في عسكر شيبان، فاصبح نصر و ابن الكرماني، فغدوا الى القتال، و اقبل ابو مسلم ليدخل مدينه مرو، فرد خيل نصر و خيل ابن الكرماني، و دخل المدينة لسبع- او لتسع- خلون من شهر ربيع الآخر سنه ثلاثين و مائه، و هو يتلو:

«وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ‏» الى آخر الآية.

قال على: و أخبرنا ابو الذيال و المفضل الضبي، قالا: لما دخل ابو مسلم مدينه مرو، قال نصر لأصحابه: ارى هذا الرجل قد قوى امره، و قد سارع اليه الناس، و قد وادعته و سيتم له ما يريد، فاخرجوا بنا عن هذه البلده و خلوه، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: نعم، و قال بعضهم: لا، فقال:

اما انكم ستذكرون قولي و قال لخاصته من مضر: انطلقوا الى ابى مسلم فالقوه، و خذوا بحظكم منه، و ارسل ابو مسلم الى نصر لاهز بن قريظ يدعوه فقال لاهز: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏»، و قرأ قبلها آيات، ففطن نصر، فقال لغلامه: ضع لي وضوءا، فقام كأنه يريد الوضوء، فدخل بستانا و خرج منه، فركب و هرب.

قال على: و أخبرنا ابو الذيال، قال: أخبرني اياس بن طلحه بن طلحه قال: كنت مع ابى و قد ذهب عمى الى ابى مسلم يبايعه، فأبطأ حتى صليت‏

382

العصر و النهار قصير، فنحن ننتظره، و قد هيأنا له الغداء، فانى لقاعد مع ابى إذ مر نصر على برذون، لا اعلم في داره برذونا اسرى منه، و معه حاجبه و الحكم بن نميله النميرى قال ابى: انه لهارب ليس معه احد، و ليس بين يديه حربه و لا رايه، فمر بنا، فسلم تسليما خفيا، فلما جازنا ضرب برذونه، و نادى الحكم بن نميله غلمانه، فركبوا و اتبعوه.

قال على: قال ابو الذيال: قال اياس: كان بين منزلنا و بين مرو اربعه فراسخ، فمر بنا نصر بعد العتمه، فضج اهل القرية و هربوا، فقال لي اهلى و إخواني: اخرج لا تقتل، و بكوا، فخرجت انا و عمى المهلب بن اياس فلحقنا نصرا بعد هدء الليل، و هو في اربعين، قد قام برذونه، فنزل عنه، فحمله بشر بن بسطام بن عمران بن الفضل البرجمى على برذونه، فقال نصر: انى لا آمن الطلب، فمن يسوق بنا؟ قال عبد الله بن عرعرة الضبي:

انا اسوق بكم، قال: أنت لها، فطرد بنا ليلته حتى أصبحنا في بئر في المفازة على عشرين فرسخا او اقل، و نحن ستمائه، فسرنا يومنا فنزلنا العصر، و نحن ننظر الى ابيات سرخس و قصورها و نحن الف و خمسمائة، فانطلقت انا و عمى الى صديق لنا من بنى حنيفه يقال له مسكين، فبتنا نحن عنده لم نطعم شيئا، فأصبحنا، فجاءنا بثريده فأكلنا منها و نحن جياع لم ناكل يومنا و ليلتنا، و اجتمع الناس فصاروا ثلاثة آلاف، و أقمنا بسرخس يومين، فلما لم يأتنا احد صار نصر الى طوس، فاخبرهم خبر ابى مسلم، و اقام خمسه عشر يوما، ثم سار و سرنا الى نيسابور فأقام بها، و نزل ابو مسلم حين هرب نصر دار الإمارة، و اقبل ابن الكرماني، فدخل مرو مع ابى مسلم، فقال ابو مسلم حين هرب نصر: يزعم نصر انى ساحر، هو و الله ساحر! و قال غير من ذكرت قوله في امر نصر و ابن الكرماني و شيبان الحروري: انتهى ابو مسلم في سنه ثلاثين و مائه من معسكره بقرية سليمان بن كثير الى قريه تدعى الماخوان فنزلها، و اجمع على الاستظهار بعلى بن جديع و من معه من اليمن، و على دعاء نصر بن سيار و من معه الى معاونته، فأرسل الى الفريقين جميعا، و عرض على كل فريق منهم المسالمه و اجتماع الكلمه و الدخول‏

383

في الطاعة، فقبل ذلك على بن جديع، و تابعه على رايه، فعاقده عليه، فلما وثق ابو مسلم بمبايعه على بن جديع اياه، كتب الى نصر بن سيار ان يبعث اليه وفدا يحضرون مقالته و مقاله اصحابه فيما كان وعده ان يميل معه، و ارسل الى على بمثل ما ارسل به الى نصر.

ثم وصف من خبر اختيار قواد الشيعة اليمانيه على المضرية نحوا مما وصف من قد ذكرنا الرواية عنه قبل في كتابنا هذا، و ذكر ان أبا مسلم إذ وجه شبل ابن طهمان فيمن وجهه الى مدينه مرو و انزله قصر بخاراخذاه، انما وجهه مددا لعلى بن الكرماني.

قال: و سار ابو مسلم من خندقه بالماخوان بجميع من معه الى على ابن جديع، و مع على عثمان و اخوه و اشراف اليمن معهم و حلفاؤهم من ربيعه، فلما حاذى ابو مسلم مدينه مرو استقبله عثمان بن جديع في خيل عظيمه، و معه اشراف اليمن و من معه من ربيعه، حتى دخل عسكر على بن الكرماني و شيبان بن سلمه الحروري و من معه من النقباء، و وقف على حجره على بن جديع، فدخل عليه و اعطاه الرضا، و آمنه على نفسه و اصحابه، و خرجا الى حجره شيبان، و هو يسلم عليه يومئذ بالخلافة، فامر ابو مسلم عليا بالجلوس الى جنب شيبان، و اعلمه انه لا يحل له التسليم عليه و اراد ابو مسلم ان يسلم على على بالإمرة، فيظن شيبان انه يسلم عليه ففعل ذلك على، و دخل عليه ابو مسلم، فسلم عليه بالاماره، و الطف لشيبان و عظمه، ثم خرج من عنده فنزل قصر محمد بن الحسن الأزدي، فأقام به ليلتين، ثم انصرف الى خندقه بالماخوان، فأقام به ثلاثة اشهر، ثم ارتحل من خندقه بالماخوان الى مرو لسبع خلون من ربيع الآخر، و خلف على جنده أبا عبد الكريم الماخوانى، و جعل ابو مسلم على ميمنته لاهز بن قريظ، و على ميسرته القاسم ابن مجاشع، و على مقدمته مالك بن الهيثم، و كان مسيره ليلا، فاصبح على باب مدينه مرو، و بعث الى على بن جديع ان يبعث خيله حتى وقف على باب قصر الإمارة، فوجد الفريقين يقتتلان أشد القتال في حائط مرو،

384

فأرسل الى الفريقين ان كفوا، و ليتفرق كل قوم الى معسكرهم، ففعلوا.

و ارسل ابو مسلم لاهز بن قريظ و قريش بن شقيق و عبد الله بن البختري، و داود بن كراز الى نصر يدعوه الى كتاب الله و الطاعة للرضا من آل محمد ص.

فلما راى نصر ما جاءه من اليمانيه و الربيعه و العجم، و انه لا طاقه له بهم، و لا بد ان اظهر قبول ما بعث به اليه ان يأتيه فيبايعه، و جعل يريثهم لما هم به من الغدر و الهرب الى ان امسى، فامر اصحابه ان يخرجوا من ليلتهم الى ما يأمنون فيه، فما تيسر لأصحاب نصر الخروج في تلك الليلة.

و قال له سلم بن احوز: انه لا يتيسر لنا الخروج الليلة، و لكنا نخرج القابله، فلما كان صبح تلك الليلة عبا ابو مسلم كتائبه، فلم يزل في تعبيتها الى بعد الظهر، و ارسل الى نصر لاهز بن قريظ و قريش بن شقيق و عبد الله بن البختري و داود بن كراز و عده من اعاجم الشيعة، فدخلوا على نصر، فقال لهم: لشر ما عدتم، فقال له لاهز: لا بد لك من ذلك فقال نصر: اما إذ كان لا بد منه، فانى أتوضأ و اخرج اليه و ارسل الى ابى مسلم، فان كان هذا رايه و امره أتيته و نعمى لعينه، و أتهيأ الى ان يجي‏ء رسولي، و قام نصر، فلما قام قرأ لاهز هذه الآية: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏»، فدخل نصر منزله و اعلمهم انه ينتظر انصراف رسوله من عند ابى مسلم، فلما جنه الليل، خرج من خلف حجرته، و معه تميم ابنه و الحكم بن نميله النميرى و حاجبه و امراته، فانطلقوا هرابا، فلما استبطأه لاهز و اصحابه دخلوا منزله، فوجدوه قد هرب، فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار الى معسكر نصر، و أخذ ثقات اصحابه و صناديدهم فكتفهم، و كان فيهم سلم بن احوز صاحب شرطه نصر و البختري كاتبه، و ابنان له و يونس بن عبد ربه و محمد بن قطن و مجاهد بن يحيى بن حضين و النضر بن ادريس و منصور بن عمر بن ابى الحرقاء و عقيل بن معقل الليثى، و سيار بن عمر السلمى، مع رجال من رؤساء مضر فاستوثق منهم بالحديد، و وكل بهم عيسى بن اعين، و كانوا في الحبس عنده حتى امر بقتلهم‏

385

جميعا، و نزل نصر سرخس فيمن اتبعه من المضرية، و كانوا ثلاثة آلاف، و مضى ابو مسلم و على بن جديع في طلبه، فطلباه ليلتهما حتى أصبحا في قريه تدعى نصرانية، فوجدا نصرا قد خلف امراته المرزبانه فيها، و نجا بنفسه.

و رجع ابو مسلم و على بن جديع الى مرو، فقال ابو مسلم لمن كان وجه الى نصر: ما الذى ارتاب به منكم؟ قالوا: لا ندري، قال: فهل تكلم احد منكم؟ قالوا: لاهز تلا هذه الآية: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏» قال: هذا الذى دعاه الى الهرب، ثم قال: يا لاهز، ا تدغل في الدين! فضرب عنقه.

خبر مقتل شبيب بن سلمه الخارجي‏

و في هذه السنه قتل شيبان بن سلمه الحروري.

ذكر الخبر عن مقتله و سببه:

و كان سبب مقتله- فيما ذكر- ان على بن جديع و شيبان كانا مجتمعين على قتال نصر بن سيار لمخالفه شيبان نصرا، لأنه من عمال مروان بن محمد، و ان شيبان يرى راى الخوارج و مخالفه على بن جديع نصرا، لأنه يمان و نصر مضرى، و ان نصرا قتل أباه و صلبه، و لما بين الفريقين من العصبية التي كانت بين اليمانيه و المضرية، فلما صالح على بن الكرماني أبا مسلم، و فارق شيبان، تنحى شيبان عن مرو، إذ علم انه لا طاقه له بحرب ابى مسلم و على ابن جديع مع اجتماعهما على خلافه، و قد هرب نصر من مرو و سار الى سرخس فذكر على بن محمد ان أبا حفص‏

9

اخبره و الحسن بن رشيد

9

و أبا الذيال ان المده التي كانت بين ابى مسلم و بين شيبان لما انقضت، ارسل ابو مسلم الى شيبان يدعوه الى البيعه، فقال شيبان: انا ادعوك الى بيعتي، فأرسل اليه ابو مسلم: ان لم تدخل في امرنا فارتحل عن منزلك الذى أنت فيه، فأرسل شيبان الى ابن الكرماني يستنصره، فأبى فسار شيبان الى سرخس،

386

و اجتمع اليه جمع كثير من بكر بن وائل فبعث اليه ابو مسلم تسعه من الأزد، فيهم المنتجع بن الزبير، يدعوه و يسأله ان يكف، فأرسل شيبان، فاخذ رسل ابى مسلم فسجنهم، فكتب ابو مسلم الى بسام بن ابراهيم مولى بنى ليث ببيورد، يأمره ان يسير الى شيبان فيقاتله ففعل، فهزمه بسام، و اتبعه حتى دخل المدينة، فقتل شيبان و عده من بكر بن وائل، فقيل لأبي مسلم:

ان بساما ثائر بابيه، و هو يقتل البري‏ء و السقيم، فكتب اليه ابو مسلم يأمره بالقدوم عليه، فقدم، و استخلف على عسكره رجلا.

قال على: أخبرنا المفضل، قال: لما قتل شيبان مر رجل من بكر بن وائل- يقال له خفاف- برسل ابى مسلم الذين كان ارسلهم الى شيبان، و هم في بيت، فاخرجهم و قتلهم.

و قيل: ان أبا مسلم وجه الى شيبان عسكرا من قبله، عليهم خزيمة ابن خازم و بسام بن ابراهيم‏

. ذكر خبر قتل على و عثمان ابنى جديع‏

و في هذه السنه قتل ابو مسلم عليا و عثمان ابنى جديع الكرماني.

ذكر سبب قتل ابى مسلم إياهما:

و كان السبب في ذلك- فيما قيل- ان أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب الى ابيورد فافتتحها، او كتب الى ابى مسلم بذلك، و وجه أبا داود الى بلخ و بها زياد بن عبد الرحمن القشيرى، فلما بلغه قصد ابى داود بلخ خرج في اهل بلخ و الترمذ و غيرهما من كور طخارستان الى الجوزجان، فلما دنا ابو داود منهم، انصرفوا منهزمين الى الترمذ، و دخل ابو داود مدينه بلخ، فكتب اليه ابو مسلم يأمره بالقدوم عليه، و وجه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء على بلخ، فخرج ابو داود، فلقيه كتاب من ابى مسلم يأمره بالانصراف، فانصرف، و قدم عليه ابو الميلاء، فكاتب زياد بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم ابو الميلاء ان يصير ايديهم واحده، فأجابه، فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيرى و مسلم‏

387

ابن عبد الرحمن بن مسلم الباهلى و عيسى بن زرعه السلمى و اهل بلخ و الترمذ و ملوك طخارستان، و ما خلف النهر و ما دونه، فنزل زياد و اصحابه على فرسخ من مدينه بلخ، و خرج اليه يحيى بن نعيم بمن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحده، مضريهم و يمانيهم و ربعيهم و من معهم من الأعاجم على قتال المسودة، و جعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي، كراهة ان يكون من الفرق الثلاثة، و امر ابو مسلم أبا داود بالعود، فاقبل ابو داود بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان و كان زياد بن عبد الرحمن و اصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشي مسلحه فيما بين العود و بين قريه يقال لها امديان، لئلا يأتيهم اصحاب ابى داود من خلفهم و كانت اعلام ابى سعيد و راياته سودا، فلما اجتمع ابو داود و زياد و أصحابهما، و اصطفوا للقتال، امر ابو سعيد القرشي اصحابه ان يأتوا زيادا و اصحابه من خلفهم، فرجع و خرج عليهم من سكه العود و راياته سود، فظن اصحاب زياد انهم كمين لأبي داود، و قد نشب القتال بين الفريقين، فانهزم زياد و من معه، و تبعهم ابو داود، فوقع عامه اصحاب زياد في نهر السرجنان، و قتل عامه رجالهم المتخلفين، و نزل ابو داود عسكرهم، و حوى ما فيه، و لم يتبع زيادا و لا اصحابه و اكثر من تبعهم سرعان من سرعان خيل ابى داود الى مدينه بلخ لم يجاوزها و مضى زياد و يحيى و من معهما الى الترمذ، و اقام ابو داود يومه ذلك و من الغد، و لم يدخل مدينه بلخ و استصفى اموال من قتل بالسرجنان و من هرب من العرب و غيرهم، و استقامت بلخ لأبي داود.

ثم كتب اليه ابو مسلم يأمره بالقدوم عليه، و وجه النضر بن صبيح المري على بلخ و قدم ابو داود، و اجتمع راى ابى داود و ابى مسلم على ان يفرقا بين على و عثمان ابنى الكرماني، فبعث ابو مسلم عثمان عاملا على بلخ، فلما قدمها استخلف الفرافصه بن ظهير العبسى على مدينه بلخ، و اقبلت المضرية من ترمذ، عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلى، فالتقوا و اصحاب عثمان بن جديع بقرية بين البروقان و بين الدستجرد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم اصحاب عثمان بن جديع، و غلب المضرية و مسلم بن عبد الرحمن‏

388

على مدينه بلخ، و اخرجوا الفرافصه منها و بلغ عثمان بن جديع الخبر و النضر ابن صبيح، و هما بمرو الروذ، فاقبلا نحوهم، و بلغ اصحاب زياد بن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، و عتب النضر في طلبهم، رجاء ان يفوتوا، و لقيهم اصحاب عثمان بن جديع، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم اصحاب عثمان بن جديع، و أكثروا فيهم القتل، و مضت المضرية الى أصحابها، و رجع ابو داود من مرو الى بلخ، و سار ابو مسلم و معه على بن جديع الى نيسابور.

و اتفق راى ابى مسلم و راى ابى داود على ان يقتل ابو مسلم عليا، و يقتل ابو داود عثمان في يوم واحد فلما قدم ابو داود بلخ بعث عثمان عاملا على الختل فيمن معه من يماني اهل مرو و اهل بلخ و ربيعهم فلما خرج من بلخ خرج ابو داود فاتبع الاثر فلحق عثمان على شاطئ نهر بوخش من ارض الختل، فوثب ابو داود على عثمان و اصحابه، فحبسهم جميعا ثم ضرب أعناقهم صبرا و قتل ابو مسلم في ذلك اليوم على بن الكرماني، و قد كان ابو مسلم امره ان يسمى له خاصته ليوليهم، و يأمر لهم بجوائز و كسا، فسماهم له فقتلهم جميعا

. قدوم قحطبه بن شبيب على ابى مسلم‏

و في هذه السنه قدم قحطبه بن شبيب على ابى مسلم خراسان منصرفا من عند ابراهيم بن محمد بن على، و معه لواؤه الذى عقد له ابراهيم، فوجهه ابو مسلم حين قدم عليه على مقدمته، و ضم اليه الجيوش، و جعل له العزل و الاستعمال، و كتب الى الجنود بالسمع و الطاعة.

و فيها وجه قحطبه الى نيسابور للقاء نصر، فذكر على بن محمد ان أبا الذيال‏

9

و الحسن بن رشيد و أبا الحسن الجشمى اخبروه ان شيبان بن سلمه الحروري لما قتل لحق اصحابه بنصر و هو بنيسابور، و كتب اليه النابئ بن سويد العجلى يستغيث، فوجه اليه نصر ابنه تميم بن نصر في الفين، و تهيأ نصر على ان يسير الى طوس، و وجه ابو مسلم قحطبه بن شبيب في قواد، منهم القاسم‏

389

ابن مجاشع و جهور بن مرار، فاخذ القاسم من قبل سرخس، و أخذ جهور من قبل ابيورد، فوجه تميم عاصم بن عمير السغدى الى جهور، و كان ادناهم منه، فهزمه عاصم بن عمير، فتحصن في كبادقان، و اطل قحطبه و القاسم على النابى، فأرسل تميم الى عاصم ان ارحل عن جهور و اقبل، فتركه، و اقبل فقاتلهم قحطبه.

قال ابو جعفر: فاما غير الذين روى عنهم على بن محمد ما ذكرنا في امر قحطبه و توجيه ابى مسلم اياه الى نصر و اصحابه، فانه ذكر ان أبا مسلم لما قتل شيبان الخارجي و ابنى الكرماني، و نفى نصرا عن مرو، و غلب على خراسان، وجه عماله على بلادها، فاستعمل سباع بن النعمان الأزدي على سمرقند و أبا داود خالد بن ابراهيم على طخارستان، و وجه محمد بن الاشعث الى الطبسين و فارس، و جعل مالك بن الهيثم على شرطته، و وجه قحطبه الى طوس، و معه عده من القواد، منهم ابو عون عبد الملك بن يزيد و مقاتل بن حكيم العكي و خالد بن برمك و خازم بن خزيمة و المنذر بن عبد الرحمن و عثمان ابن نهيك و جهور بن مرار العجلى و ابو العباس الطوسى و عبد الله بن عثمان الطائي و سلمه بن محمد و ابو غانم عبد الحميد بن ربعي و ابو حميد و ابو الجهم- و جعله ابو مسلم كاتبا لقحطبه على الجند- و عامر بن اسماعيل و محرز بن ابراهيم، في عده من القواد، فلقى من بطوس فانهزموا، و كان من مات منهم في الزحام اكثر ممن قتل، فبلغ عده القتلى يومئذ بضعه عشر ألفا و وجه ابو مسلم القاسم بن مجاشع الى نيسابور على طريق المحجة، و كتب الى قحطبه يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار و النابى بن سويد، و من لجأ إليهما من اهل خراسان، و ان يصرف اليه موسى بن كعب الى من ابيورد فلما قدم قحطبه ابيورد صرف موسى بن كعب الى ابى مسلم، و كتب الى مقاتل بن حكيم يأمره ان يوجه رجلا الى نيسابور، و يصرف منها القاسم بن مجاشع، فوجه ابو مسلم على بن معقل في عشره آلاف الى تميم بن نصر، و امره إذا دخل قحطبه طوس ان يستقبله بمن معه و ينضم اليه، فسار على بن معقل حتى نزل قريه يقال لها حلوان، و بلغ قحطبه مسير على و نزوله حيث نزل، فعجل‏

390

السير الى السوذقان، و هو معسكر تميم بن نصر و النابى بن سويد، و وجه على مقدمته اسيد بن عبد الله الخزاعي في ثلاثة آلاف رجل من شيعه اهل نسا و ابيورد، فسار حتى نزل قريه يقال لها حبوسان، فتعبا تميم و النابى لقتاله، فكتب اسيد الى قحطبه يعلمه ما اجمعوا عليه من قتاله، و انه ان لم يعجل القدوم عليه حاكمهم الى الله عز و جل و اخبره انهما في ثلاثين ألفا من صناديد اهل خراسان و فرسانهم فوجه قحطبه مقاتل بن حكيم العكي في الف و خالد بن برمك في الف، فقدما على اسيد، و بلغ ذلك تميما و النابى فكسرهما ثم قدم عليهم قحطبه بمن معه و تعبا لقتال تميم، و جعل على ميمنته مقاتل بن حكيم و أبا عون عبد الملك بن يزيد و خالد بن برمك، و على ميسرته اسيد بن عبد الله الخزاعي و الحسن بن قحطبه و المسيب بن زهير و عبد الجبار بن عبد الرحمن، و صار هو في القلب ثم زحف اليهم، فدعاهم الى كتاب الله عز و جل و سنه نبيه (صلى الله عليه و سلم) و الى الرضا من آل محمد(ص)فلم يجيبوه، فامر الميمنه و الميسره ان يحملوا، فاقتتلوا قتالا شديدا أشد ما يكون من القتال، فقتل تميم بن نصر في المعركة، و قتل معه منهم مقتله عظيمه، و استبيح عسكرهم، و افلت النابى في عده، فتحصنوا في المدينة، و أحاطت بهم الجنود، فنقبوا الحائط و دخلوا الى المدينة، فقتلوا النابى و من كان معه، و هرب عاصم بن عمير السمرقندي و سالم بن راويه السعيدي الى نصر بن سيار بنيسابور، فأخبراه بمقتل تميم و النابى و من كان معهما، فلما غلب قحطبه على عسكرهم بما فيه صير الى خالد بن برمك قبض ذلك، و وجه مقاتل بن حكيم العكي على مقدمته الى نيسابور فبلغ ذلك نصر بن سيار، فارتحل هاربا في اثر اهل ابرشهر حتى نزل قومس و تفرق عنه اصحابه، فسار الى نباته بن حنظله بجرجان، و قدم قحطبه نيسابور بجنوده‏

391

ذكر خبر قتل نباته بن حنظله‏

و في هذه السنه قتل نباته بن حنظله عامل يزيد بن عمر بن هبيرة على جرجان.

ذكر الخبر عن مقتله:

ذكر على بن محمد ان زهير بن هنيد و أبا الحسن الجشمى و جبله بن فروخ‏

9

و أبا عبد الرحمن الاصبهانى اخبروه ان يزيد بن عمر بن هبيرة بعث نباته بن حنظله الكلابى الى نصر، فاتى فارس و أصبهان، ثم سار الى الري، و مضى الى جرجان، و لم ينضم الى نصر بن سيار، فقالت القيسية لنصر: لا تحملنا قومس، فتحولوا الى جرجان و خندق نباته، فكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشوه فاخره، فكان خندقه نحوا من فرسخ.

و اقبل قحطبه الى جرجان في ذي القعده من سنه ثلاثين و مائه، و معه اسيد ابن عبد الله الخزاعي و خالد بن برمك و ابو عون عبد الملك بن يزيد و موسى بن كعب المرائى و المسيب بن زهير و عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، و على ميمنه موسى بن كعب، و على ميسرته اسيد بن عبد الله، و على مقدمته الحسن بن قحطبه، فقال قحطبه: يا اهل خراسان، ا تدرون الى من تسيرون، و من تقاتلون؟ انما تقاتلون بقية قوم احرقوا بيت الله عز و جل و اقبل الحسن حتى نزل تخوم خراسان، و وجه الحسن عثمان بن رفيع و نافعا المروزى و أبا خالد المروروذى و مسعده الطائي الى مسلحه نباته، و عليها رجل يقال له ذؤيب، فبيتوه، فقتلوا ذؤيبا و سبعين رجلا من اصحابه، ثم رجعوا الى عسكر الحسن، و قدم قحطبه فنزلوا بإزاء نباته و اهل الشام في عده لم ير الناس مثلها.

فلما رآهم اهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك و اظهروه و بلغ قحطبه، فقام فيهم خطيبا فقال:

يا اهل خراسان، هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، و كانوا ينصرون على عدوهم بعدلهم و حسن سيرتهم، حتى بدلوا و ظلموا، فسخط الله عز و جل عليهم، فانتزع سلطانهم، و سلط عليهم أذل أمه كانت في الارض عندهم،

392

فغلبوهم على بلادهم، و استنكحوا نساءهم، و استرقوا أولادهم، فكانوا بذلك يحكمون بالعدل و يوفون بالعهد، و ينصرون المظلوم، ثم بدلوا و غيروا و جاروا في الحكم، و أخافوا اهل البر و التقوى من عتره رسول الله ص، فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا أشد عقوبة، لأنكم طلبتموهم بالثار و قد عهد الى الامام انكم تلقونهم في مثل هذه العده فينصركم الله عز و جل عليهم فتهزمونهم و تقتلونهم.

و قد قرئ على قحطبه كتاب ابى مسلم من ابى مسلم الى قحطبه:

بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد، فناهض عدوك، فان الله عز و جل ناصرك، فإذا ظهرت عليهم فاثخن في القتل فالتقوا في مستهل ذي الحجه سنه ثلاثين و مائه في يوم الجمعه، فقال قحطبه: يا اهل خراسان ان هذا اليوم قد فضله الله تبارك و تعالى على سائر الأيام و العمل فيه مضاعف، و هذا شهر عظيم فيه عيد من اعظم أعيادكم عند الله عز و جل، و قد أخبرنا الامام انكم تنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم، فالقوه بجد و صبر و احتساب، ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ ثم ناهضهم و على ميمنته الحسن بن قحطبه، و على ميسرته خالد بن برمك و مقاتل بن حكيم العكي، فاقتتلوا و صبر بعضهم لبعض، فقتل نباته، و انهزم اهل الشام فقتل منهم عشره آلاف، و بعث قحطبه الى ابى مسلم برأس نباته و ابنه حيه.

قال: و أخبرنا شيخ من بنى عدى، عن‏

9

ابيه، قال: كان سالم بن راويه التميمى ممن هرب من ابى مسلم، و خرج مع نصر، ثم صار مع نباته، فقاتل قحطبه بجرجان، فانهزم الناس، و بقي يقاتل وحده، فحمل عليه عبد الله الطائي- و كان من فرسان قحطبه- فضربه سالم بن راويه على وجهه، فاندر عينه، و قاتلهم حتى اضطر الى المسجد، فدخله و دخلوا عليه، فكان لا يشد من ناحيه الا كشفهم، فجعل ينادى: شربه! فو الله لا نقعن لهم شرا يومى هذا و حرقوا عليه سقف المسجد، فرموه بالحجارة حتى قتلوه و جاءوا

393

برأسه الى قحطبه، و ليس في راسه و لا وجهه مصح، فقال قحطبه: ما رايت مثل هذا قط!

ذكر وقعه ابى حمزه الخارجي بقديد

قال ابو جعفر: و في هذه السنه كانت الوقعه التي كانت بقديد بين ابى حمزه الخارجي و اهل المدينة.

ذكر الخبر عن ذلك:

حدثنى العباس بن عيسى العقيلي، قال: حدثنا هارون بن موسى الفروى، قال حدثنى غير واحد من أصحابنا، ان عبد الواحد بن سليمان استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا، فلما كان بالحرة لقيتهم جزر منحوره، فمضوا، فلما كان بالعقيق تعلق لواؤهم بسمره، فانكسر الرمح، فتشاءم الناس بالخروج، ثم ساروا حتى نزلوا قديد، فنزلوها ليلا- و كانت قريه قديد من ناحيه القصر المبنى اليوم، و كانت الحياض هنالك، فنزل قوم مغترون ليسوا باصحاب حرب، فلم يرعهم الا القوم قد خرجوا عليهم من القصر.

و قد زعم بعض الناس ان خزاعة دلت أبا حمزه على عورتهم، و أدخلوهم عليهم فقتلوهم، و كانت المقتله على قريش، هم كانوا اكثر الناس، و بهم كانت الشوكه، و اصيب منهم عدد كثير.

قال العباس: قال هارون: و أخبرني بعض أصحابنا ان رجلا من قريش نظر الى رجل من اهل اليمن و هو يقول: الحمد لله الذى اقر عيني بمقتل قريش، فقال لابنه: يا بنى ابدا به- و قد كان من اهل المدينة- قال: فدنا منه ابنه فضرب عنقه، ثم قال لابنه: اى بنى، تقدم، فقاتلا حتى قتلا ثم ورد فلال الناس المدينة، و بكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح، فما تبرح النساء حتى تاتيهن الاخبار عن رجالهن فتخرج النساء امراه‏

394

امراه، كل امراه.

تذهب الى حميمها فتنصرف حتى ما تبقى عندها امراه قال: و انشدنى ابو ضمره هذه الأبيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه، رثاهم بعض اصحابهم فقال:

يا لهف نفسي و لهفي غير كاذبه* * * على فوارس بالبطحاء انجاد

عمرو و عمرو و عبد الله بينهما* * * و ابناهما خامس و الحارث السادى‏

ذكر خبر دخول ابى حمزه المدينة

و في هذه السنه دخل ابو حمزه الخارجي من مدينه رسول الله(ص)و هرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك الى الشام.

ذكر الخبر عن دخول ابى حمزه المدينة و ما كان منه فيها:

حدثنى العباس بن عيسى، قال: حدثنا هارون بن موسى الفروى، قال: حدثنى موسى بن كثير، قال: دخل ابو حمزه المدينة سنه ثلاثين و مائه، و مضى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك الى الشام، فرقى المنبر، فحمد الله و اثنى عليه، و قال:

يا اهل المدينة، سالناكم عن ولاتكم هؤلاء، فاساتم لعمر الله فيهم القول، و سالناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم لنا: نعم، و سالناكم: هل يستحلون المال الحرام و الفرج الحرام؟ فقلتم لنا: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن و أنتم نناشدهم الله الا تنحوا عنا و عنكم، فقلتم: لا يفعلون، فقلنا لكم:

تعالوا نحن و أنتم نقاتلهم، فان نظهر نحن و أنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله و سنه نبيه محمد ص، فقلتم: لا نقوى، فقلنا لكم:

فخلوا بيننا و بينهم، فان نظفر نعدل في احكامكم و نحملكم على سنه نبيكم(ص)و نقسم فيئكم بينكم، فابيتم، و قاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم‏

395

فابعدكم الله و اسحقكم.

قال محمد بن عمر: حدثنى حزام بن هشام، قال: كانت الحرورية أربعمائة، و على طائفه من الحرورية الحارث، و على طائفه بكار بن محمد العدوى، عدى قريش، و على طائفه ابو حمزه، فالتقوا و قد تهيأ الناس بعد الاعذار من الخوارج اليهم، و قالوا لهم: انا و الله ما لنا حاجه بقتالكم، دعونا نمض الى عدونا فأبى اهل المدينة، فالتقوا لسبع ليال خلون من صفر يوم الخميس سنه ثلاثين و مائه، فقتل اهل المدينة، لم يفلت منهم الا الشريد، و قتل أميرهم عبد العزيز بن عبد الله، و اتهمت قريش خزاعة ان يكونوا داهنوا الحرورية.

فقال لي حزام: و الله لقد آويت رجالا من قريش منهم حتى آمن الناس، فكان بلج على مقدمتهم و قدمت الحرورية المدينة لتسع عشره ليله خلت من صفر حدثنى العباس بن عيسى، قال: قال هارون بن موسى: أخبرني بعض أشياخنا، ان أبا حمزه لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته:

يا اهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، و قد أصابتكم عاهة في ثماركم و كتبتم اليه تسالونه ان يضع اخراصكم عنكم، فكتب إليكم يضعها عنكم، فزاد الغنى غنى، و زاد الفقير فقرا، فقلتم:

جزاك الله خيرا، فلا جزاكم الله خيرا و لا جزاه.

قال العباس: قال هارون: و أخبرني يحيى بن زكرياء ان أبا حمزه خطب بهذه الخطبه، قال: رقى المنبر فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال:

تعلمون يا اهل المدينة انا لم نخرج من ديارنا و أموالنا أشرا و لا بطرا و لا عبثا، و لا لدولة ملك نريد ان نخوض فيه، و لا لثار قديم نيل منا، و لكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، و عنف القائل بالحق، و قتل القائم بالقسط:

ضاقت علينا الارض بما رحبت، و سمعنا داعيا يدعو الى طاعه الرحمن و حكم القرآن، فأجبنا داعى الله «وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي‏

396

الْأَرْضِ‏»، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم و انفسهم، يتعاورون لحافا واحدا، قليلون مستضعفون في الارض، فآوانا و أيدنا بنصره، فأصبحنا و الله جميعا بنعمته اخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم الى طاعه الرحمن و حكم القرآن، و دعونا الى طاعه الشيطان و حكم آل مروان، فشتان لعمر الله ما بين الرشد و الغى ثم أقبلوا يهرعون يزفون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، و غلت بدمائهم مراجله، و صدق عليهم ظنه، و اقبل انصار الله عز و جل عصائب و كتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا و استدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون و أنتم يا اهل المدينة، ان تنصروا مروان و آل مروان يسحتكم الله عز و جل بعذاب من عنده او بأيدينا، و يشف صدور قوم مؤمنين يا اهل المدينة، أولكم خير أول و آخركم شر آخر يا اهل المدينة، الناس منا و نحن منهم، الا مشركا عابد وثن، او مشرك اهل الكتاب، او اماما جائرا يا اهل المدينة من زعم ان الله عز و جل كلف نفسا فوق طاقتها، او سالها ما لم يؤتها، فهو لله عز و جل عدو، و لنا حرب يا اهل المدينة، أخبروني عن ثمانية اسهم فرضها الله عز و جل في كتابه على القوى و الضعيف، فجاء تاسع ليس له منها و لا سهم واحد، فأخذها جميعها لنفسه، مكابرا محاربا لربه يا اهل المدينة، بلغنى انكم تنتقصون اصحابى، قلتم: شباب احداث، و اعراب جفاه، ويلكم يا اهل المدينة! و هل كان اصحاب رسول الله(ص)الا شبابا احداثا! شباب و الله مكتهلون في شبابهم، غضيه عن الشر اعينهم، ثقيله عن الباطل اقدامهم، قد باعوا الله عز و جل أنفسا تموت بانفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، و قيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنيه اصلابهم على اجزاء القرآن، كلما مروا بايه خوف شهقوا خوفا من النار، و إذا مروا بايه‏

397

شوق شهقوا شوقا الى الجنه، فلما نظروا الى السيوف قد انتضيت و الرماح قد شرعت، و الى السهام قد فوقت، و ارعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا و عيد الكتيبة لوعيد الله عز و جل، و لم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم و حسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله عز و جل! و كم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، و كم من خد عتيق و جبين رقيق فلق بعمد الحديد.

(رحمه الله) على تلك الأبدان، و ادخل أرواحها الجنان اقول قولي هذا و استغفر الله من تقصيرنا، و ما توفيقي الا بالله عليه توكلت و اليه انيب.

حدثنى العباس، قال قال هارون: حدثنى جدي ابو علقمه، قال:

سمعت أبا حمزه على منبر رسول الله ص، يقول: من زنى فهو كافر و من شك فهو كافر، و من سرق فهو كافر، و من شك انه كافر.

فهو كافر قال العباس: قال هارون: و سمعت جدي يقول: كان قد احسن السيرة في اهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: من زنى فهو كافر.

قال العباس: قال هارون: و حدثنى بعض أصحابنا: لما رقى المنبر قال: برح الخفاء، اين ما بك يذهب! من زنى فهو كافر، و من سرق فهو كافر، قال العباس: قال هارون: و انشدنى بعضهم في قديد:

ما للزمان و ماليه* * * افنت قديد رجاليه‏

فلأبكين سريره* * * و لابكين علانية

و لابكين إذا* * * شجيت مع الكلاب العاويه‏

398

فكان دخول ابى حمزه و اصحابه المدينة لثلاث عشره بقيت من صفر.

و اختلفوا في قدر مدتهم في مقامهم بها، فقال الواقدى: كان مقامهم بها ثلاثة اشهر و قال غيره: أقاموا بها بقية صفر و شهرى ربيع و طائفه من جمادى الاولى.

و كانت عده من قتل من اهل المدينة بقديد- فيما ذكر الواقدى- سبعمائة.

قال ابو جعفر: و كان ابو حمزه- فيما ذكر- قد قدم طائفه من اصحابه، عليهم ابو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشي، ثم احد بنى عدى بن كعب، و بلج بن عيينه بن الهيصم الأسدي من اهل البصره، فبعث مروان بن محمد من الشام عبد الملك بن محمد بن عطية احد بنى سعد في خيول الشام فحدثني العباس بن عيسى، قال: حدثنى هارون بن موسى، عن موسى بن كثير، قال: خرج ابو حمزه من المدينة، و خلف بعض اصحابه، فسار حتى نزل الوادى.

قال العباس: قال هارون: حدثنى بعض أصحابنا ممن أخبرني عنه ابو يحيى الزهري، ان مروان انتخب من عسكره اربعه آلاف، و استعمل عليهم ابن عطية، و امره بالجد في السير، و اعطى كل رجل منهم مائه دينار، و فرسا عربية و بغلا لثقله، و امره ان يمضى فيقاتلهم، فان هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن و يقاتل عبد الله بن يحيى و من معه، فخرج حتى نزل بالعلا- و كان رجل من اهل المدينة يقال له العلاء بن افلح مولى ابى الغيث، يقول: لقيني و انا غلام ذلك اليوم رجل من اصحاب ابن عطية، فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قال: فقلت: العلاء، قال: ابن من؟

قلت: ابن افلح، قال: مولى من؟ قلت: مولى ابى الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت بالعلا، قال: فأين نحن غدا؟ قلت: بغالب، قال: فما كلمني حتى اردفنى وراءه، و مضى بي حتى ادخلنى على ابن عطية، فقال:

سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذى قلت، قال: فسر

399

بذلك، و وهب لي دارهم.

قال العباس: قال هارون: و أخبرني عبد الملك بن الماجشون، قال: لما لقى ابو حمزه و ابن عطية، قال ابو حمزه: لا تقاتلوهم حتى تخبروهم، قال: فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن و العمل به؟ قال: فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق، قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال:

ناكل ماله و نفجر بامه في أشياء بلغنى انهم سالوهم عنها قال: فلما سمعوا كلامهم، قاتلوهم حتى امسوا، فصاحوا: ويحك يا بن عطية! ان الله عز و جل قد جعل الليل سكنا، فاسكن نسكن قال: فأبى فقاتلهم حتى قتلهم.

قال العباس: قال هارون: و كان ابو حمزه حين خرج ودع اهل المدينة للخروج الى مروان يقاتله، قال: يا اهل المدينة، انا خارجون الى مروان، فان نظفر نعدل في احكامكم، و نحملكم على سنه نبيكم محمد ص، و نقسم فيئكم بينكم، و ان يكن ما تمنون، ف سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ قال العباس: قال هارون: و أخبرني بعض أصحابنا ان الناس و ثبوا على اصحابه حين جاءهم قتله فقتلوهم قال محمد بن عمر: سار ابو حمزه و اصحابه الى مروان، فلقيهم خيل مروان بوادي القرى، عليها ابن عطية السعدي، من قيس، فاوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم الى المدينة، فلقيهم اهل المدينة فقتلوهم قال: و كان الذى قاد جيش مروان عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي سعد هوازن، قدم المدينة في اربعه آلاف فارس عربي، مع كل واحد منهم بغل، و منهم من عليه درعان او درع و سنور و تجافيف، و عده لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوا الى مكة.

و قال بعضهم: اقام ابن عطية بالمدينة حين دخلها شهرا، ثم مضى الى مكة، و استخلف على المدينة الوليد بن عروه بن محمد بن عطية، ثم مضى الى مكة و الى اليمن و استخلف على مكة ابن ماعز، رجلا من اهل الشام‏

400

و لما مضى ابن عطية بلغ عبد الله بن يحيى- و هو بصنعاء- مسيره اليه، فاقبل اليه بمن معه فالتقى هو و ابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بن يحيى، و بعث ابنه بشير الى مروان، و مضى ابن عطية فدخل صنعاء و بعث برأس عبد الله بن يحيى الى مروان، ثم كتب مروان الى ابن عطية يأمره ان يغذ السير، و يحج بالناس، فخرج في نفر من اصحابه- فيما حدثنى العباس بن عيسى، عن هارون- حتى نزل الجرف- هكذا قال العباس- ففطن له بعض اهل القرية، فقالوا: منهزمين و الله، فشدوا عليه، فقال: و يحكم! عامل الحج، و الله كتب الى امير المؤمنين قال ابو جعفر: و اما بن عمر، فانه ذكر ان أبا الزبير بن عبد الرحمن حدثه، قال: خرجت مع ابن عطية السعدي، و نحن اثنا عشر رجلا، بعهد مروان على الحج، و معه اربعون الف دينار في خرجه، حتى نزل الجرف يريد الحج، و قد خلف عسكره و خيله وراءه بصنعاء، فو الله انا آمنون مطمئنون، إذ سمعت كلمه من امراه: قاتل الله ابنى جمانه ما اشامهما! فقمت كأني اهريق الماء، و اشرفت على نشز من الارض، فإذا الدهم من الرجال و السلاح و الخيل و القذافات، فإذا ابنا جمانه المراديان واقفان علينا، قد احدقوا بنا من كل ناحيه، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص، فاخرج ابن عطية كتابه، و قال: هذا كتاب امير المؤمنين و عهده على الحج و انا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، و لكنكم لصوص، فرأينا الشر فركب الصفر بن حبيب فرسه، فقاتل و احسن حتى قتل، ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قتل، ثم قتل من معنا و بقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل؟ من همدان، قالوا: من اى همدان أنت؟ فاعتزيت الى بطن منهم- و كنت عالما ببطون همدان- فتركوني، و قالوا: أنت آمن، و كل ما كان لك في هذا الرحل فخذه، فلو ادعيت المال كله لاعطونى، ثم بعثوا معى فرسانا حتى بلغوا بي صعده، و امنت و مضيت حتى قدمت مكة

401

قال ابو جعفر: و في هذه السنه غزا الصائفه- فيما ذكر- الوليد بن هشام، فنزل العمق و بنى حصن مرعش و فيها وقع الطاعون بالبصرة و في هذه السنه قتل قحطبه بن شبيب من اهل جرجان من قتل من أهلها، قيل انه قتل منهم زهاء ثلاثين ألفا، و ذلك انه بلغه- فيما ذكر- عن اهل جرجان انه اجمع رأيهم بعد مقتل نباته بن حنظله على الخروج على قحطبه، فدخل قحطبه لما بلغه ذلك من امرهم، و استعرضهم، فقتل منهم من ذكرت و لما بلغ نصر بن سيار قتل قحطبه نباته و من قتل من اهل جرجان و هو بقومس، ارتحل حتى نزل خوار الري.

و كان سبب نزول نصر قومس- فيما ذكر على بن محمد- ان أبا الذيال حدثه و الحسن بن رشيد و أبا الحسن الجشمى، ان أبا مسلم كتب مع المنهال ابن فتان الى زياد بن زراره القشيرى بعهده على نيسابور بعد ما قتل تميم بن نصر و النابئ بن سويد العجلى، و كتب الى قحطبه يأمره ان يتبع نصرا، فوجه قحطبه العكي على مقدمته و سار قحطبه حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين، شهرى رمضان و شوال من سنه ثلاثين و مائه، و نصر نازل في قريه من قرى قومس يقال لها بذش، و نزل من كان معه من قيس في قريه يقال لها الممد، و كتب نصر الى ابن هبيرة يستمده و هو بواسط مع ناس من وجوه اهل خراسان، يعظم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسله، و كتب نصر الى مروان: انى وجهت الى ابن هبيرة قوما من وجوه اهل خراسان ليعلموه امر الناس من قبلنا، و سألته المدد فاحتبس رسلي و لم يمدني بأحد، و انما انا بمنزله من اخرج من بيته الى حجرته، ثم اخرج من حجرته الى داره، ثم اخرج من داره الى فناء.

داره، فان ادركه من يعينه فعسى ان يعود الى داره و تبقى له، و ان اخرج من داره الى الطريق فلا دار له و لا فناء فكتب مروان الى ابن هبيرة يأمره ان يمد نصرا، و كتب الى نصر يعلمه‏

402

ذلك، فكتب نصر الى ابن هبيرة مع خالد مولى بنى ليث يسأله ان يعجل اليه الجند، فان اهل خراسان قد كذبتهم حتى ما رجل منهم يصدق لي قولا، فامدنى بعشره آلاف قبل ان تمدني بمائه الف، ثم لا تغنى شيئا.

و حج في هذه السنه بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان، كذلك حدثنى احمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن ابى معشر.

و كانت اليه مكة و المدينة و الطائف.

و كان فيها العراق الى يزيد بن عمر بن هبيرة.

و كان على قضاء الكوفه الحجاج بن عاصم المحاربى، و كان على قضاء البصره عباد بن منصور، و على خراسان نصر بن سيار، و الأمر بخراسان على ما ذكرت.

403

ثم دخلت‏

سنه احدى و ثلاثين و مائه‏

(ذكر ما كان فيها من الاحداث)

ذكر خبر موت نصر بن سيار

فمما كان فيها من ذلك توجيه قحطبه ابنه الحسن الى نصر و هو بقومس.

فذكر على بن محمد، ان زهير بن هنيد و الحسن بن رشيد و جبله بن فروخ التاجى، قالوا: لما قتل نباته ارتحل نصر بن سيار من بذش، و دخل خوار و أميرها ابو بكر العقيلي، و وجه قحطبه ابنه الحسن الى قومس في المحرم سنه احدى و ثلاثين و مائه، ثم وجه قحطبه أبا كامل و أبا القاسم محرز بن ابراهيم و أبا العباس المروزى الى الحسن في سبعمائة، فلما كانوا قريبا منه، انحاز ابو كامل و ترك عسكره، و اتى نصرا فصار معه، و اعلمه مكان القائد الذى خلف، فوجه اليهم نصر جندا فاتوهم و هم في حائط فحصروهم، فنقب جميل بن مهران الحائط، و هرب هو و اصحابه، و خلفوا شيئا من متاعهم فأخذه اصحاب نصر، فبعث به نصر الى ابن هبيرة، فعرض له عطيف بالري، فاخذ الكتاب من رسول نصر و المتاع، و بعث به الى ابن هبيرة، فغضب نصر، و قال: ا بي يتلعب ابن هبيرة! ا يشغب على بضغابيس قيس! اما و الله لادعنه فليعرفن انه ليس بشي‏ء و لا ابنه الذى تربص له الأشياء و سار حتى نزل الري- و على الري حبيب بن بديل النهشلي- فخرج عطيف من الري حين قدمها نصر الى همذان، و فيها مالك بن ادهم بن محرز الباهلى على الصحصحيه، فلما راى مالكا في همذان عدل منها الى أصبهان الى عامر بن ضباره- و كان عطيف في ثلاثة آلاف- وجهه ابن هبيرة الى نصر، فنزل الري، و لم يأت نصرا و اقام نصر بالري يومين ثم مرض، فكان يحمل حملا، حتى إذا كان بساوه قريبا من همذان مات بها، فلما مات دخل اصحابه همذان‏

404

و كانت وفاه نصر- فيما قيل- لمضى اثنتى عشره ليله من شهر ربيع الاول، و هو ابن خمس و ثمانين سنه.

و قيل ان نصرا لما شخص من خوار متوجها نحو الري لم يدخل الري و لكنه أخذ المفازة التي بين الري و همذان فمات بها.

رجع الحديث الى حديث على عن شيوخه قالوا: و لما مات نصر بن سيار بعث الحسن خازم بن خزيمة الى قريه يقال لها سمنان، و اقبل قحطبه من جرجان، و قدم امامه زياد بن زراره القشيرى، و كان زياد قد ندم على اتباع ابى مسلم، فانخزل عن قحطبه، و أخذ طريق أصبهان يريد ان ياتى عامر بن ضباره، فوجه قحطبه المسيب بن زهير الضبي، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد، و قتل عامه من معه، و رجع المسيب بن زهير الى قحطبه، ثم سار قحطبه الى قومس و بها ابنه الحسن، فقدم خازم من الوجه الذى كان وجهه فيه الحسن، فقدم قحطبه ابنه الحسن الى الري و بلغ حبيب ابن بديل النهشلي و من معه من اهل الشام مسير الحسن، فخرجوا من الري و دخلها الحسن، فأقام حتى قدم أبوه.

و كتب قحطبه حين قدم الري الى ابى مسلم يعلمه بنزوله الري‏

. امر ابى مسلم مع قحطبه عند نزوله الري‏

قال ابو جعفر: و في هذه السنه تحول ابو مسلم من مرو الى نيسابور فنزلها.

ذكر الخبر عما كان من امر ابى مسلم هنالك و من قحطبه بعد نزوله الري.

و لما كتب قحطبه الى ابى مسلم بنزوله الري ارتحل ابو مسلم- فيما ذكر- من مرو، فنزل نيسابور و خندق بها، و وجه قحطبه ابنه الحسن بعد نزوله الري بثلاث الى همذان، فذكر على عن شيوخه و غيرهم ان الحسن بن قحطبه لما توجه الى همذان، خرج منها مالك بن ادهم و من كان بها من اهل الشام و اهل خراسان الى نهاوند، فدعاهم مالك الى أرزاقهم، و قال: من‏

405

كان له ديوان فليأخذ رزقه، فترك قوم كثير دواوينهم و مضوا، فأقام مالك و من بقي معه من اهل الشام و اهل خراسان ممن كان مع نصر، فسار الحسن من همذان الى نهاوند، فنزل على اربعه فراسخ من المدينة، و امده قحطبه بابى الجهم بن عطية مولى باهله في سبعمائة، حتى اطاف بالمدينة و حصرها

. ذكر خبر قتل عامر بن ضباره و دخول قحطبه أصبهان‏

قال ابو جعفر: و في هذه السنه قتل عامر بن ضباره.

ذكر الخبر عن مقتله و عن سبب ذلك:

و كان سبب مقتله ان عبد الله بن معاويه بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضباره مضى هاربا نحو خراسان، و سلك إليها طريق كرمان، و مضى عامر بن ضباره في اثره لطلبه، و ورد على يزيد بن عمر مقتل نباته بن حنظله بجرجان، فذكر على بن محمد ان أبا السرى و أبا الحسن الجشمى و الحسن ابن رشيد و جبله بن فروج و حفص بن شبيب اخبروه، قالوا: لما قتل نباته كتب ابن هبيرة الى عامر بن ضباره و الى ابنه داود بن يزيد بن عمر ان يسير الى قحطبه- و كانا بكرمان- فسارا في خمسين ألفا حتى نزلوا أصبهان بمدينه جى- و كان يقال لعسكر ابن ضباره عسكر العساكر- فبعث قحطبه اليهم مقاتلا و أبا حفص المهلبى و أبا حماد المروزى مولى بنى سليم و موسى بن عقيل و اسلم بن حسان و ذؤيب بن الاشعث و كلثوم بن شبيب و مالك بن طريف و المخارق بن غفار و الهيثم بن زياد، و عليهم جميعا العكي، فسار حتى نزل قم و بلغ ابن ضباره نزول الحسن باهل نهاوند، فاراد ان يأتيهم معينا لهم، و بلغ الخبر العكي، فبعث الى قحطبه يعلمه، فوجه زهير بن محمد الى قاشان، و خرج العكي من قم و خلف بها طريف بن غيلان، فكتب اليه قحطبه يأمره ان يقيم حتى يقدم عليه، و ان يرجع الى قم، و اقبل قحطبه من الري، و بلغه طلائع العسكرين، فلما لحق قحطبه بمقاتل بن حكيم‏

406

العكي ضم عسكر العكي الى عسكره، و سار عامر بن ضباره اليهم و بينه و بين عسكر قحطبه فرسخ، فأقام أياما، ثم سار قحطبه اليهم، فالتقوا و على ميمنه قحطبه العكي و معه خالد بن برمك، و على ميسرته عبد الحميد بن ربعي و معه مالك بن طريف- و قحطبه في عشرين ألفا و ابن ضباره في مائه الف، و قيل في خمسين و مائه الف- فامر قحطبه بمصحف فنصب على رمح ثم نادى: يا اهل الشام، انا ندعوكم الى ما في هذا المصحف، فشتموه و أفحشوا في القول، فأرسل اليهم قحطبه: احملوا عليهم، فحمل عليهم العكي، و تهايج الناس، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم اهل الشام، و قتلوا قتلا ذريعا، و حووا عسكرهم، فأصابوا شيئا لا يدرى عدده من السلاح و المتاع و الرقيق، و بعث بالفتح الى ابنه الحسن مع شريح بن عبد الله.

قال على: و أخبرنا ابو الذيال، قال: لقى قحطبه عامر بن ضباره، و مع ابن ضباره ناس من اهل خراسان، منهم صالح بن الحجاج النميرى و بشر ابن بسطام بن عمران بن الفضل البرجمى و عبد العزيز بن شماس المازنى و ابن ضباره في خيل ليست معه رجاله، و قحطبه معه خيل و رجاله فرموا الخيل بالنشاب، فانهزم ابن ضباره حتى دخل عسكره، و اتبعه قحطبه، فترك ابن ضباره العسكر، و نادى: الى، فانهزم الناس و قتل.

قال على: و أخبرنا المفضل بن محمد الضبي، قال: لما لقى قحطبه ابن ضباره انهزم داود بن يزيد بن عمر، فسال عنه عامر، فقيل: انهزم، فقال: لعن الله شرنا منقلبا! و قاتل حتى قتل.

قال على: و أخبرنا حفص بن شبيب، قال: حدثنى من شهد قحطبه و كان معه، قال: ما رايت عسكرا قط جمع ما جمع اهل الشام بأصبهان من الخيل و السلاح و الرقيق، كانا افتتحنا مدينه، و أصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط و الطنابير و المزامير، و لقل بيت او خباء ندخله الا أصبنا فيه زكره او زقا من الخمر، فقال بعض الشعراء:

لما رمينا مضرا بالقب* * * قرضبهم قحطبه القرضب‏

يدعون مروان كدعوى الرب