الرياض النضرة في مناقب العشرة - ج3

- محب الدين الطبري‏ المزيد...
241 /
55

المهاجرين و الأنصار، و أرسل إلى أمراء الأجناد- و كانوا قد وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن فقال أما بعد يا علي فإني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، أ فلا تجعل على نفسك سبيلا، و أخذ بيد عثمان فقال: أبايعك على سنة اللّه و سنة رسوله و الخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن و بايعه الناس و المهاجرون و الأنصار و أمراء الأجناد و المسلمون أخرجاه.

(شرح) الرهط ما دون العشرة ليس فيهم امرأة و منه: (كان في المدينة تسعة رهط) و انثال الناس عليه و تناثلوا إذا انصبوا. و هجع من الليل و هجعة منه أي نومة خفيفة من أوله، و ابهار الليل. و ابتهر انتصف و يقال ذهب معظمه و أكثره، فابهار علينا الليل طال، و الإشارة بقوله توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنهم راض إلى ما تضمنه الحديث المتقدم في باب ما دون العشرة.

عن سهل بن مالك عن أبيه عن جده قال: لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من حجة الوداع صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس- إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك. يا أيها الناس- إني راض عن عمر و علي و عثمان و طلحة بن عبيد اللّه و الزبير بن العوام و سعد بن مالك و عبد الرحمن بن عوف و المهاجرين الأولين فاعرفوا لهم ذلك. خرجه الخلعي، و الحافظ الدمشقي في معجمه، فلذلك خصهم عمر بالذكر و لم يتعدهم إلى غيرهم لمكان تخصيصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إياهم بالذكر مع تعميمه حكم الرضا في المهاجرين الأولين، و كان هذا القول بعد حجة الوداع قريب الوفاة على ما تضمنه الحديث و اعتماد عمر عليه يؤيد ذلك، و لو بعد عنها كان الأصل بقاءه، و لكن قربه أنسب، لترتب الاعتماد عليه و أبعد من تغير حكم الرضا، و إن جاز فهو مرجوح. و قد يتبادر إلى الأفهام أن المراد بالذين توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنهم راض بقية العشرة، و لو كان المراد

56

أولئك لدخل سعيد بن زيد فإنه كان حاضرا لأنه كان من أمراء الأجناد، و قد تقدم في الحديث آنفا أنهم حضروا في ذلك العام، و توفي عمر في آخر ذي الحجة قبل أن يتفرقوا، و يدل على ذلك وجه التنصيص أعني دخول سعيد بن زيد ممن حضر في ذلك العام حديث السقيفة عن ابن عباس و فيه: أن عمر خطب في يوم جمعة مرجعه من حجة الوداع و ذكر حديث السقيفة. و ذكر ابن عباس انه عجل الرواح ذلك اليوم فوجد سعيد بن زيد جالسا إلى ركن المنبر فدل على ما قلناه آنفا، على أن العشرة رضي اللّه عنهم و غيرهم من المهاجرين ممن توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنهم راض، لكن لم يرد فيهم تنصيص على الرضا عنهم على التعيين كما ورد في هؤلاء، و للتخصيص بالذكر و التنصيص راجحية، فلذلك اعتمدها عمر رضي اللّه عنه، و هذا في الاعتذار عن ذكر غيرهم من سعيد و غيره رضي اللّه عنهم أولى من جواب محمد بن جرير الطبري لما قيل له: العباس بن عبد المطلب مع جلالته و قربه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و منزلته لم يدخله عمر في الستة في الشورى. فقال إنه إنما جعلها في أهل السبق من البدريين، و العباس لم يكن مهاجرا و لا سابقا و لا بدريا، و هذا يعترض عليه بعثمان و طلحة فإنهما لم يحضرا بدرا. و لئن قال: ثبت لهما أجر بدريين و سهمهما فعدا من البدريين، قلنا: يشكل بسعيد بن زيد فإنه أسبق السابقين إسلاما و هجرة، و كان ممن لم يحضر بدرا إلا أنه أعطي سهم بدري و أجره فلينسحب عليه حكمهما، فعلم و الحالة هذه أن لا موجب للتنصيص عليهم و تخصيصهم بالذكر دون غيرهم إلا ما تضمنه الحديث المذكور مما اعتمده عمر. و اللّه أعلم.

ذكر اختيار كل واحد من أهل الشورى عثمان رضي اللّه عنهم‏

عن أسامة بن زيد عن رجل منهم أنه كان- يعني عبد الرحمن بن عوف- كلما دعا رجلا منهم- يعني من أهل الشورى- تلك الليلة ذكر

57

مناقبه و قال: إنك لها أهل، فإن أخطأتك فمن؟ يقول: إن أخطأتني فعثمان. خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.

الفصل الحادي عشر في مقتله و ما يتعلق به ذكر شهادة النبي له (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكر فتنة فقال: (يقتل فيها هذا مظلوما، و أشار إلى عثمان)! خرجه في المصابيح الحسان، و خرجه الترمذي و قال: (يقتل مظلوما) لعثمان، و قال: حديث حسن غريب‏ (1)، و خرجه أحمد و قال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان.

ذكر ما روي عن الصحابة أنه مظلوم‏

عن موسى بن حكيم قال: أشرف عثمان على المسجد فإذا طلحة جالس في المسجد في المشرق، قال يا طلحة: قال يا لبيك! قال نشدتك باللّه هل تعلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (من يشتري قطعة يزيدها في المسجد). فاشتريتها من مالي؟ قال طلحة اللهم نعم! فقال يا طلحة.

قال: يا لبيك! قال نشدتك باللّه هل تعلمني حملت في جيش العشرة على مائة؟ قال طلحة: اللهم نعم. ثم قال طلحة: اللهم لا أعلم عثمان إلا مظلوما. أخرجه الدارقطني.

و عن الأوزاعي: أن عمر أرسل إلى كعب فقال: يا كعب كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرن حديد. قال و ما قرن حديد؟ قال: لا تأخذك في اللّه لومة لائم، قال: ثم مه‏ (2) قال: يكون بعدك خليفة تقتله أمة ظالمة له، قال: ثم مه. قال: يقع البلاء. أخرجه ابن الضحاك.

____________

(1): رواه راو واحد فقط.

(2): هذه الكلمة: ما الاستفهامية: أدخلت عليها هاء السكت.

58

و عن طلق بن حبيب قال: انطلقت من البصرة إلى المدينة حتى انتهيت إلى عائشة فسلمت فردت السلام و قالت ممن الرجل؟ فقلت من أهل البصرة: قالت: من أي أهل البصرة قلت من بكر بن وائل، قالت: من أي بكر بن وائل؟ قلت: من بني قيس بن ثعلبة قالت: من قوم فلان؟ قلت يا أم المؤمنين فيم قتل عثمان؟ قالت: قتل و اللّه مظلوما لعن اللّه قتلته. أخرجه الحاكمي.

ذكر رؤيا أنس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مشيرا له إلى قتل عثمان و إخباره بما ترتب على ذلك‏

عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وضع يده على كتف عثمان و قال: (كيف أنتم إذا قتلتم إمامكم و تجالدتم بأسيافكم، و ورث دنياكم شراركم؟ فويل لأمتي! فويل لأمتي إذا فعلوه!). خرجه الحاكمي.

ذكر استشعار ابن عمر منهم قتل عثمان‏

عن ابن عمر قال جاءني رجل في خلافة عثمان فإذا هو يأمرني أن أعتب على عثمان، فلما قضى كلامه قلت له: إنا كنا نقول و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حي أفضل أمة محمد بعده أبو بكر و عمر ثم عثمان، و إنا و اللّه ما نعلم عثمان قتل نفسا بغير حق و لا جاء من الكبائر شيئا، و لكنه هذا المال، إن أعطاكموه رضيتم و إن أعطاه قرابته سخطتم. إنما تريدون أن تكونوا كفارس و الروم، لا يتركون لهم أميرا إلا قتلوه، ففاضت عيناه بأربعة من الدمع ثم قال: اللهم لا ترد ذلك خرجه الحافظ الدمشقي.

ذكر دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له بالصبر و صبره على عهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن الزبير بن العوام أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (اللهم صبر عثمان بن‏

59

عفان). خرجه خيثمة بن سليمان.

و عن أبي سهلة قال: قال عثمان يوم الدار: (إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عهد إليّ عهدا و أنا صابر عليه). خرجه الترمذي و قال حسن صحيح، و خرجه أحمد و زاد: قال قيس فكانوا يرونه ذلك اليوم.

ذكر إخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان أنه يرد على الحوض و أوداجه تشخب دما

عن زيد بن أبي أوفى أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لعثمان: (ترد عليّ الحوض و أوداجك تشخب دما فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول فلان و فلان و ذلك كلام جبريل). خرجه الحافظ الدمشقي. و قد تقدم طرف من هذا المعنى من حديث ابن عمر في ذكر التحذير من بغضه.

ذكر قدوم أهل مصر و غيرهم ممن تمالأ على قتله‏

و اعتذاره إليهم مما نقموا و انصرافهم ثم عودهم بسبب الكتاب المزور، و إتيانهم عليا و سؤالهم منه القيام معهم إلى عثمان فأبى، و دعواهم عليه أنه كتب إليهم ليقدموا، و حلفه على أنه لم يكتب إليهم كتبا قط، و خروجه من المدينة و دخولهم على عثمان و تقريرهم له و إنكاره الكتاب و حلفه على ذلك، و حصارهم له و صبره على ذلك، و محاورات جرت بينه و بينهم و رؤيا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مبشرا له بالفطر عندهم، و دخولهم عليه و قتلهم إياه رضي اللّه عنه، و بيان من قتله و من صلّى للناس مدة حصاره و من حج بهم، و كم كان معه في الدار و كم مدة الحصار.

عن أبي سعيد مولى أبي سيد الأنصاري قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه و قالوا له: ادع بالمصحف. فدعا بالمصحف، فقالوا له:

افتح السابعة. قال: و كانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتى أتى‏

60

على هذه الآية قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ فقالوا له قف! أ رأيت ما حميت من الحمى آللّه أذن لك به أم تفتري! فقال: امضه نزلت في كذا و كذا، و أما الحمى في إبل الصدقة فلما ولدت زادت في إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة. امضه. قال فجعلوا يأخذونه بآية آية فيقول: امضه نزلت في كذا و كذا، فقال لهم ما تريدون؟ قالوا نأخذ ميثاقك قال؛ فكتبوا عليه شرطا و أخذ عليهم أن لا يشقوا عصا و لا يفارقوا جماعة. فأقام لهم شرطهم و قال لهم: ما تريدون؟ قالوا نريد أن لا يأخذ أهل المدينة عطاء، قال: لا. إنما هذا المال لمن قاتل عليه، و لهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: فرضوا و أقبلوا معه إلى المدينة راضين. قال: فقام فخطب فقال: ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، و من كان له ضرع فليحتلبه. ألا و إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه و لهؤلاء الشيوخ من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال فغضب الناس و قالوا: هذا مكر بني امية، قال: ثم رجع المصريون فبينما هم في الطريق إذا براكب يتعرض لهم يفارقهم ثم يرجع إليهم و يسبهم، قالوا: ما لك؟ إن لك الأمان ما شأنك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، قال ففتشوه فإذا هم بكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم و أرجلهم، فأقبلوا حتى قدموا المدينة فأتوا عليا فقالوا: أ لم تر إلى عدو اللّه كتب فينا بكذا و كذا، و إن اللّه قد أحل دمه. قم معنا إليه فقال: و اللّه لا أقوم معكم، قالوا فلم كتب إلينا؟ قال:

و اللّه ما كتبت إليكم كتابا قط، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم إلى بعض:

لهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية و انطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت كذا و كذا فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا على رجلين من المسلمين أو يميني باللّه الذي لا إله إلا هو ما كتبت و لا أمليت و لا علمت، و قد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل و قد ينقش‏

61

الخاتم على الخاتم فقالوا: و اللّه أحل دمك و نقضوا العهد و الميثاق فحاصروه فأشرف عليهم ذات يوم و قال: السلام عليكم! فما أسمع أحدا من الناس يرد (عليه السلام) إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال:

أنشدكم اللّه هل علمتم أني اشتريت بئر رومة من مالي فجعلت رشاي كرشا رجل من المسلمين! قيل نعم! قال فعلام تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر. أنشدكم اللّه هل علمتم أني اشتريت كذا و كذا من الأرض فزدته في المسجد قيل: نعم! فهل علمتم أن أحدا من الناس منع أن يصلي فيه قبلي. أنشدكم اللّه هل سمعتم نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يذكر كذا و كذا- أشياء في شأنه عددها، قال: و رأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم و ذكرهم فلم تأخذ منهم الموعظة، و كان الناس تأخذ منهم الموعظة في أول ما يسمعونها، فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ منهم، فقال لامرأته: افتحي الباب و وضع المصحف بين يديه، و ذلك أنه رأى من الليل أن نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول له: أفطر عندنا الليلة فدخل عليه رجل فقال: بيني و بينك كتاب اللّه فخرج و تركه ثم دخل عليه آخر فقال بيني و بينك كتاب اللّه المصحف بين يديه قال: فأهوى إليه بالسيف و اتقاه بيده فقطعها، فلا أدري أبانها أو لم يبنها، قال عثمان أما و اللّه إنها لأول كف خطت المفصل، و في حديث غير أبي سعيد فدخل البحتري فضربه مشقصا فنضح الدم على هذه الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ قال: و إنها في المصحف ما حكت قال في حديث أبي سعيد و أخذت بنت الفرافصة حلتها فوضعته في حجرها و ذلك قبل أن يقتل فلما قتل تفاجت عنه فقال بعضهم: قاتلها اللّه ما أعظم عجيزتها: فعلمت أن أعداء اللّه لم يريدوا إلا الدنيا، أخرجه أبو حاتم. و ذكر ابن قتيبة أنه سار إليه قوم من أهل مصر منهم محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن زيد في جند، و كنانة بن بشر في جند، و ابن عديس البلوي، و من أهل البصرة حكيم بن جبلة العبدي، و سدوس بن عنبس الشني و نفر من أهل‏

62

الكوفة فاستعتبوه فأعتبهم و أرضاهم، ثم وجدوا بعد انصرافهم كتابا من عثمان عليه خاتمة إلى أمير مصر إذا نلت القوم فاضرب رقابهم فعادوا به إلى عثمان فحلف لهم أنه لم يأمر و لم يعلم فقالوا إن هذا عليك شديد، يؤخذ خاتمك من غير علمك و راحلتك! فإن كنت قد غلبت على نفسك فاعتزل، فأبى أن يعتزل و أن يقاتلهم، و نهى عن ذلك و أغلق بابه فحصروه أكثر من عشرين يوما و هو في الدار في ستمائة رجل، ثم دخلوا عليه من دار أبي حزم الأنصاري فضربه سيار بن عياض الأسلمي بمشقص في وجهه فسال الدم على مصحف في حجره، و أقام للناس الحج تلك السنة عبد اللّه بن عباس و صلّى بالناس علي بن أبي طالب و خطبهم.

و روي عن عبد اللّه بن سلام أنه قال: لما حصر عثمان ولى أبا هريرة على الصلاة، و كان ابن عباس يصلي أحيانا، و قام للناس الحج في ذلك العام عبد اللّه و كان عثمان قد حج عشر حجج متواليات. خرجه القلعي و قال الواقدي: حاصروه تسعة و أربعين يوما و قال الزبير: حاصروه شهرين و عشرين يوما.

و ذكر ابن الجوزي في شرح الصحيحين في شرح الحديث الخامس من مسند عثمان: أن الذين خرجوا على عثمان هجموا على المدينة، و كان عثمان يخرج فيصلي بالناس و هم يصلون خلفه شهرا ثم خرج من آخر جمعة خرج فيها فحصبوه حتى وقع عن المنبر و لم يقدر يصلي بهم، فصلّى بهم يومئذ أبو أمامة بن سهل بن أبي حنيف ثم حصروه و منعوه الصلاة في المسجد، فكان يصلي ابن عديس تارة و كنانة بن بشر أخرى- و هما من الخوارج على عثمان- فبقوا على ذلك عشرة أيام ثم قتلوه.

و في رواية- أنهم حصروه أربعين ليلة و طلحة يصلي بالناس و في رواية أن عليا صلّى بهم أكثر تلك الأيام.

و روي أن الجهجاه الغفاري قال له- بعد أن حصبوه و نزل من المنبر-

63

و اللّه لنغربنك إلى جبل الرمال، و أخذ عصا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كسرها بركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

طريق آخر في مقتله و فيه بيان الأسباب التي نقمت عليه على سبيل الإجمال‏

عن ابن شهاب قال: قلت لسعيد بن المسيب هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ و ما كان شأن الناس و شأنه؟ و لم خذله أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: قتل عثمان مظلوما، و من قتله كان ظالما، و من خذله كان معذرا، فقلت: و كيف كان ذلك؟ قال: لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لأن عثمان كان يجب قومه فولي اثنتي عشرة حجة، و كان كثيرا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان يجي‏ء من أمرائه ما يكره أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صحبة، و كان يستغاث عليهم فلا يغيثهم، فلما كان في الستة الحجج الأواخر استأثر بني عمه فولاهم و أمرهم، و ولى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر فشكا منه أهل مصر، و كان من قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد اللّه بن مسعود و أبي ذر و عمار بن ياسر، و كانت هزيل و بنو زهرة في قلوبهم ما فيها لأجل عبد اللّه بن مسعود، و كانت بنو غفار و أحلافها و من غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، و كانت بنو مخزوم جفت على عثمان لأجل عمار بن ياسر، و جاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فكتب إليه يهدده فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه و ضرب بعض من أتاه من قبل عثمان و من كان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله فخرج جيش أهل مصر سبعمائة رجل إلى المدينة فنزلوا المسجد و شكوا إلى أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدخل عليه علي بن أبي طالب- و كان متكلم القوم- قال: إنما سألوك رجلا مكان رجل و قد ادعوا قبله دما فاعزله عنهم، و إن وجب عليه حق فأنصفهم من عاملك. فقال لهم: اختاروا رجلا فأشار الناس إلى محمد بن أبي بكر فكتب عهده و ولاه، و خرج معهم مدد من المهاجرين‏

64

و الأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر و بين ابن أبي سرح، فخرج محمد و من معه فلما كانوا على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا حتى كأنه يطلب أو يطلب فقال له أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما قصتك و ما شأنك كأنك هارب أو طالب؟ فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين وجّهني إلى عامل مصر، قال رجل: هذا عامل مصر معنا، قال ليس هذا الذي يريد، و أخبروا بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجالا فأخذوه فجاءوا به إليه فقال: غلام من أنت؟ فاعتل: مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين، و مرة يقول أنا غلام مروان، فقال له محمد إلى من أرسلت؟ قال إلى عامل مصر، قال: بما ذا؛ قال: برسالة، قال: معك كتاب؟ قال لا قال ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا، و كانت معه إداوة قد يبست فيها شي‏ء يتقلقل فرادوه فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح فجمع محمد من كان معه من المهاجرين و الأنصار و غيرهم ثم فكّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك فلان و محمد و فلان فاحتل لقتلهم و أبطل كتابه وقف على عملك حتى يأتيك أمري إن شاء اللّه تعالى فلما قرءوا الكتاب فزعوا و رجعوا إلى المدينة و ختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و دفع الكتاب إلى رجل منهم و قدموا المدينة فجمعوا طلحة و الزبير و عليا و سعدا و من كان من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم و قرءوا عليهم الكتاب و أخبروهم بقصة العبد فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، و زاد ذلك ذلك من غضب ابن مسعود و أبي ذر و عمار و قام أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى منازلهم و ما منهم من أحد إلا مغتم و حاصر الناس عثمان، فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة و الزبير و سعد و عمار و نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم دخل على عثمان و معه الكتاب و الغلام و البعير فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال نعم! و البعير بعيرك؟ قال نعم! قال فأنت كتبت الكتاب؟ قال: لا حلف باللّه ما كتبت هذا الكتاب و لا

65

أمرت به و لا علمت به و لا وجهت بهذا الغلام الى مصر، و أما الخط فعرفوا أنه خط مروان، و سألوه يدفعه إليهم و كان معه في الدار فأبى و خشي عليه القتل فخرج أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من عنده غضابا و علموا أن عثمان لا يحلف بباطل، فحصره الناس و منعوه الماء فأشرف على الناس و قال أ فيكم علي قالوا: لا: قال أ فيكم سعد؟ قالوا: لا!! فقال: ألا أحد يسقينا ماء؟ فبلغ ذلك علي فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء؛ فما كادت تصل إليه حتى خرج بسببها عدة من موالي بني هاشم و بني أمية، ثم بلغ على أنهم يريدون قتل عثمان فقال: إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا!! و قال للحسن و الحسين: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه؛ و بعث الزبير ابنه، و بعث طلحة ابنه؛ و بعث عدة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، و يسألونه إخراج مروان.

فلما رأى الناس ذلك رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بدمائه و أصاب مروان سهم و هو في الدار، و كذلك محمد بن طلحة.

و شج قنبر مولى علي، ثم إن بعض من حصر عثمان خشي أن يغضب بنو هاشم لأجل الحسن و الحسين فتنتشر الفتنة فأخذ بيد رجلين فقال لهما إن جاء بنو هاشم فرأوا الدم على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان و بطل ما تريدون، و لكن اذهبوا بنا نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد فتسوروا من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان و ما يعلم أحد ممن كان معه، لأن كل من كان معه كان فوق البيت و لم يكن معه إلا امرأته، فقتلوه و خرجوا هاربين من حيث دخلوا، و صرخت امرأته فلم يسمع صراخها من الجلبة فصعدت إلى الناس فقالت إن أمير المؤمنين قتل، فدخل عليه الحسن و الحسين و من كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا فانكبوا عليه يبكون؟ و دخل الناس فوجدوا عثمان مقتولا فبلغ عليا و طلحة و الزبير و سعدا و من كان بالمدينة فخرجوا و قد ذهبت عقولهم حتى‏

66

دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا، فاسترجعوا و قال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين و أنتما على الباب؟ و رفع يده فلطم الحسن و ضرب صدر الحسين، و شتم محمد بن طلحة، و لعن عبد اللّه بن الزبير، و خرج علي و هو غضبان فلقيه طلحة فقال: ما لك يا أبا الحسن ضربت الحسن و الحسين و كان يرى أنه أعان على قتل عثمان فقال عليك كذا و كذا رجل من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدري لم تقم عليه بينة و لا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل، فقال علي لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكومة و خرج فأتى منزله و جاء الناس كلهم إلى علي ليبايعوه فقال لهم: ليس هذا إليكم إنما هو إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا قال: ما نرى أحق لها منك؛ فلما رأى علي ذلك جاء المسجد فصعد المنبر، و كان أول من صعد إليه، و بايعه طلحة و الزبير و سعد و أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و طلب مروان فهرب، و طلب نفرا من ولد مروان و بني أبي معيط فهربوا، خرجه ابن السمان في كتاب الموافقة.

ذكر ما قال لهم حين بلغه توعدهم له بالقتل‏

عن أبي أمامة بن سهل قال: كنا مع عثمان و هو محصور في الدار فقال إنهم يتوعدوني بالقتل قال قلنا: يكفيكهم اللّه يا أمير المؤمنين، قال: و بم يقتلوني؟ سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه، أو زني بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها)؟ فو اللّه ما أحببت بديني بدلا منذ هداني اللّه، و لا زنيت في جاهلية و لا إسلام قط، و لا قتلت نفسا فبم يقتلوني؛ خرجه احمد.

و عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال عثمان: إن وجدتم في كتاب اللّه أن تضعوا رجلي في القيد فضعوها. خرجه أحمد.

67

ذكر طلبهم منه أن يخلع نفسه فأبى‏

تقدم طرف منه في الذكر الأول.

و عن عبد اللّه بن سلام: أنه بعث إليهم فقال لهم ما تريدون مني؟

قالوا أن تخلع نفسك، قال: لا أخلع سربالا سربلنيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قيل: فهم قاتلوك، قال: لئن قتلوني لا يتحامون بعدي، و يقاتلون‏ (1) بعدي عدوا جميعا أبدا، فلما اشتد عليه الأمر أصبح صائما يوم الجمعة، فلما كان في النهار قام فقال: رأيت الآن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال إنك تفطر عندنا الليلة، فقتل من يومه.

ذكر رؤيا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سقيه إياه الماء و تخييره إياه بين النصر و الفطر عنده فاختار الفطر عنده و استعد لذلك بالصوم و بالعتق و غير ذلك‏

تقدم ذكر رؤياه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الذكر قبله، و في الذكر الأول.

و عن عبد اللّه بن سلام أنه قال أتيت عثمان و هو محصور أسلم عليه فقال مرحبا بأخي، مرحبا بأخي أ فلا أحدثك ما رأيت الليلة في المنام! فقلت بلى! قال رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذه الخوخة- و إذا خوخة في البيت- فقال: حصروك؟ فقلت نعم! فقال: عطشوك؟ فقلت: نعم فأدلى لي دلوا من ماء فشربت حتى رويت، فإني لأجد بردا بين كتفي و بين ثديي، قال إن شئت نصرت عليهم، و إن شئت أفطرت عندنا، قال:

فاخترت أن أفطر عندهم، فقتل في ذلك اليوم، خرجه أبو الخير الحاكمي القزويني.

و عن مسلم عن أبي سعيد مولى عثمان أن عثمان أعتق عشرين مملوكا و دعا بسراويل فشدها عليه و لم يلبسها في جاهلية و لا إسلام قال: إني‏

____________

(1) و لا يقاتلون.

68

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البارحة و أبا بكر و عمر فقالوا لي: صبرا فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه. خرجه أحمد.

و عن ابن عمر: أن عثمان أصبح يحدث الناس قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام قال: يا عثمان أفطر عندنا غدا، فأصبح يحدث صائما و قتل من يومه. و اختلاف الروايات محمول على تكرار الرؤيا، فكانت مرة نهارا و مرة ليلا.

ذكر عرض علي رضي اللّه عنه و غيره على عثمان قتال من قصده و دفعهم عنه‏

عن شداد بن أوس قال: لما اشتد الحصار بعثمان يوم الدار أشرف على الناس فقال يا عباد اللّه- قال: فرأيت علي بن أبي طالب خارجا من منزله معتما بعمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) متقلدا سيفه، أمامه الحسن و عبد اللّه بن عمر في نفر من المهاجرين و الأنصار حتى حملوا على الناس و فرقوهم ثم دخلوا على عثمان فقال له علي: السلام عليك يا أمير المؤمنين: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، و إني و اللّه لا أرى القوم إلا قاتلوك فمرنا فلنقاتل فقال عثمان: أنشد اللّه رجلا رأى اللّه حقا و أقر أن لي عليه حقا أن يهريق في سبيلي‏ (1) مل‏ء محجمة من دم أو يهريق دمه فيّ، فأعاد علي عليه القول فأجابه بمثل ما أجابه. قال: فرأيت عليا خارجا من الباب و هو يقول: اللهم إنك تعلم أنا بذلنا المجهود، ثم دخل المسجد و حضرت الصلاة فقالوا له: يا أبا الحسن تقدم فصل بالناس فقال: لا أصلي بكم و الإمام محصور، و لكن أصلي وحدي، فصلّى وحده و انصرف إلى منزله فلحقه ابنه و قال: و اللّه يا أبت قد اقتحموا عليه الدار، قال: إنا للّه و إنا إليه راجعون، هم و اللّه قاتلوه قالوا: أين هو يا أبا الحسن؛ قال في الجنة و اللّه زلفى: قالوا: و أين هم يا أبا الحسن؟

____________

(1) في نسخة: في سبي.

69

قال: في النار و اللّه ثلاثا.

و عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخل أبو قتادة و رجل آخر على عثمان و هو محصور فاستأذناه في الحج فأذن لهم، فقالا له: إن غلب هؤلاء القوم مع من نكون؟ قال: عليكم بالجماعة، قال: فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك، مع من نكون؟ قال فالجماعة حيث كانت، فخرجنا فاستقبلنا الحسن بن علي عند باب الدار داخلا على عثمان فرجعنا معه لنسمع ما يقول: فسلم على عثمان ثم قال: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت فقال عثمان: يا ابن أخي ارجع و اجلس حتى يأتي اللّه بأمره، فخرج و خرجنا عنه فاستقبلنا ابن عمر داخلا الى عثمان فرجعنا معه نسمع ما يقول، فسلم على عثمان ثم قال يا أمير المؤمنين صحبت رسول اللّه فسمعت و أطعت، ثم صحبت أبا بكر فسمعت و أطعت، ثم صحبت عمر فسمعت و أطعت، و رأيت له حق الوالد و حق الخلافة، و ها أنا طوع يديك يا أمير المؤمنين فمرني بما شئت، فقال عثمان: جزاكم اللّه يا آل عمر خيرا مرتين: لا حاجة لي في إراقة الدم لا حاجة لي في إراقة الدم، ثم دخل أبو هريرة متقلدا سيفه فقال الآن طاب الضراب، فقال له عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة لما ألقيت سيفك، قال: فألقيته فما أدرى من أخذه، ثم دخل عليه المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء القوم قد اجتمعوا عليك و هموا بك، فإن شئت أن تلحق بمكة و إن شئت أن تلحق بالشام فإن بها معاوية، و إن شئت فاخرج إلى هؤلاء فقاتلهم فإن معك عددا و قوة و أنت على الحق و هم على الباطل، فقال عثمان. أما أن أخرج و أقاتل فلن أكون أول من خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أمته بسفك الدماء، و أما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (يلحد رجل من قريش بمكة يكون عذابه نصف عذاب العالم).

فلن أكون أنا و أما أن ألحق بالشام و فيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي و مجاورة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

70

و عن عبد اللّه بن الزبير أنه قال لعثمان- حين حصر- عندي نجائب قد أعددتها فهل لك أن تحول عليها إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟

قال لا إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (يلحد بمكة كبش من قريش عليه مثل أوزار نصف الناس).

و عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان و هو محصور فقال إنك إمام العامة و إني أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا و قوة و أنت على الحق و هم على الباطل، و إما أن نخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة فإنهم لن يستحلوك و أنت بها، و إما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام و فيهم معاوية، فقال له عثمان ثم ذكر ما تقدم في حديث أبي سلمة. خرجهما أبو أحمد و عن أبي هريرة قال: إني لمحصور مع عثمان في الدار قال: فرمي رجل منا فقلت يا أمير المؤمنين الآن طاب الضراب قتلوا منا رجلا، قال: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت سيفك فإنما تراد نفسي، و سأقي المؤمنين بنفسي. قال أبو هريرة: فرميت سيفي لا أدري أين هو حتى الساعة. خرجه أبو عمر.

ذكر خبر عن علي رضي اللّه عنه يوهم ظاهره أنه مضاد لما تقدم عنه‏

عن عطاء أن عثمان دعا عليا فقال يا أبا الحسن إنك لو شئت لاستقامت عليّ هذه الأمة فلم يخالفني واحد فقال علي: لو كانت لي أموال الدنيا و زخرفها ما استطعت أن أدفع عنك أكف الناس، و لكني سأدلك على أمر هو أفضل مما سألتني: تعمل بعمل أخويك أبي بكر و عمر و أنا لك بالناس لا يخالفك أحد منهم، خرجه ابن السمان و لا تضاد بينهما، بل ذلك في حالين مختلفين، فكان هذا في مبتدأ الأمر قبل اجتماع الناس عليه في وقت يتمكن فيه من العمل بسنة الشيخين بحيث يشتهر عنه فلا يبقى‏

71

لأحد عليه حجة، و قال له علي هذه المقالة رجاء عمله بسنة الشيخين و لم يكن قطعا يخطئه فيما هو عليه، فلذلك لم ينكر عليه و لا كان مصوبا له، و إلا فما كان أمره باتباع غيره مع رؤيته أنه إمام حق لا محالة، و إلا كان مع المتمالئين عليه و لما دعت الضرورة إلى الدفع عنه و اجتمع الناس عليه- عرض عليه الدفع عنه و لم ير أن يفتات عليه في ذلك، بل رأى طواعيته له أولى من الدفع، و كذلك كل من عزم عليه عثمان في ترك الدفع عنه، و اللّه أعلم. و سيأتي في فصل خلافة علي ما يدل على أنه نهض بنصرته فوجده قد مات.

ذكر من كان معه في الدار و من دفع عنه‏

تقدم في الذكر الأول أنه كان معه في الدار ستمائة رجل. قال أبو عمر: كان معه في الدار ممن يريد الدفع عنه عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه ابن سلام، و عبد اللّه بن الزبير، و الحسن بن علي، و أبو هريرة، و محمد ابن حاطب، و زيد بن ثابت، و مروان بن الحكم، و المغيرة بن الأخنس، يومئذ قتل- أعني يوم قتل عثمان و طائفة من الناس.

و عن كنانة مولى صفية بنت حي بن أخطب قال: شهدت مقتل عثمان فأخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش مضرجين بالدم محمولين كانوا يدرءون عن عثمان: الحسن بن علي، و عبد اللّه بن الزبير، و محمد بن حاطب، و مروان بن الحكم، قال محمد بن طلحة فقلت له هل تدمى محمد بن أبي بكر شي‏ء من دمه؟ قال معاذ اللّه! دخل عليه فكلمه بكلام فخرج و لم ينل شيئا من دمه؟ قال: فقلت من قتله؟

قال: قتله رجل من أهل مصر يقال له جبلة بن الأيهم. أخرجه أبو عمر.

ذكر زجر عبد اللّه بن سلام عن قتله و إخبارهم بما يترتب على ذلك‏

عن حميد بن هلال أن عبد اللّه بن سلام قال لهم: إن الملائكة لم تزل‏

72

محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لئن قتلتموه لتذهبن ثم لا تعود إليكم أبدا، أو إن السيف لا يزال مغمودا فيكم و و اللّه لئن قتلتموه ليسلنه عليكم ثم لا يغمد عنكم أبدا أو قال: إلى يوم القيامة.

و ما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، و لا قتل خليفة إلا قتل به خمسة و ثلاثون ألفا. أخرجه أبو الخير الحاكمي، و خرجه القاضي أبو بكر بن الضحاك مختصرا.

ذكر من قتله‏

قال أبو عمر: يروى أن محمد بن أبي بكر دخل عليه فقال له قولا فاستحيا و خرج، ثم دخل رومان بن سرحان- رجل أزرق قصير من أصبح، معه خنجر- فاستقبله فقال: على أي دين أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست بنعثل و لكني عثمان بن عفان، أنا على ملة إبراهيم حنيفا و ما أنا من المشركين، فضربه على صدغه الأيسر فقتله- فخر و أدخلته امرأته نائلة بينها و بين ثيابها، و كانت امرأة جسيمة و دخل رجل من أهل مصر معه السيف مصلتا و قال: و اللّه لأقطعن أنفه فعالج امرأته فقبضت على السيف فقطع إبهامها، فقالت لغلام لعثمان- يقال له رباح و معه سيف عثمان أعني على هذا و أخرجه عني، فضربه الغلام بالسيف فقتله، و قيل: قتله جبلة بن الأيهم، و قيل الأسود التجيبي، و قيل يسار بن عياض.

و قد تقدم ذكر ذلك. و أكثرهم يروي أن قطرة من دمه أو قطرات سقطت على المصحف على قوله «فسيكفيكهم اللّه و هو السميع العليم».

ذكر ما روي عنه من القول حين ضرب‏

عن هارون بن يحيى أن عثمان جعل يقول- حين ضرب و الدماء تسيل على لحيته- لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم‏

73

إني أستعديك و أستعينك على جميع أموري و أسألك الصبر على بليتي.

و عن عبد اللّه بن سلام أنه قال لمن حضر قتل عثمان و هو يتشحط في دمه و هو يقول اللهم اجمع أمة محمد و الذي نفسي بيده لو دعا اللّه عز و جل على تلك الحال أن لا يجتمعوا أبدا ما اجتمعوا إلى يوم القيامة. أخرجه الفضائلي.

ذكر تاريخ مقتله‏

قال ابن اسحاق. قتل يوم الأربعاء بعد العصر و دفن يوم السبت قبل الظهر و قيل: يوم الجمعة لثمان عشرة أو سبع خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين ذكر المدائني عن أبي معشر عن نافع: و قال أبو عثمان النهدي: قتل في وسط أيام التشريق.

و عن الليث قال: قتل مصدر الحاج سنة خمس و ثلاثين.

ذكر دفنه و أين دفن و كم و من دفنه و من صلّى عليه‏

قال أبو عمر لما قتل أقام مطروحا يومه ذلك إلى الليل فحمله رجال على باب ليدفنوه فعرض لهم ناس ليمنعوهم من دفنه فوجدوا قبرا كان قد حفر لغيره فدفنوه، و صلّى عليه جبير بن مطعم.

و قال الواقدي دفن ليلا ليلة السبت في موضع يقال له «حش كوكب» و أخفي قبره، و كوكب- رجل من الأنصار و الحش البستان، كان عثمان قد اشتراه و زاده في البقيع، فكان أول من قبر فيه. قال مالك:

و كان عثمان مر بحش كوكب فقال. إنه سيدفن هنا رجل صالح. خرجه القلعي. قال الواقدي و غيره و حمل على لوح و صلّى عليه جبير بن مطعم في ثلاثة نفر هو رابعهم و قيل: المسور بن مخرمة و قيل: حكيم بن حزام.

و قيل الزبير، و كان أوصى إليه. رواه أحمد. و قيل: ابنه عمرو بن عثمان. ذكره القلعي.

74

و عن عروة أنه قال أرادوا أن يصلوا على عثمان فمنعوا، فقال رجل من قريش- أبو جهم بن حذيفة دعوه فقد صلّى عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

خرجه القلعي. و قد قيل إن الذين تولوا تجهيزه كانوا خمسة أو ستة جبير بن مطعم، و حكيم بن حزام، و أبو جهم بن حذيفة، و يسار بن مكرم و زوجتاه نائلة بنت الفرافصة، و أم البنين بنت عقبة، نزل قبره بيان و أبو جهم و جبير و كان حكيم و نائلة و أم البنين يدلونه، فلما دفنوه غيبوا قبره.

و عن الحسن قال: شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه.

خرجه في الصفوة. و عن إبراهيم بن عبد اللّه بن فروخ عن أبيه مثله و لم يغسل خرجه البخاري عن البغوي في معجمه. و ذكر الخجندي أنه أقام في حش كوكب ثلاثا مطروحا لا يصلّى عليه حتى هتف بهم هاتف ادفنوه و لا تصلوا عليه فإن اللّه عز و جل قد صلّى عليه. و قيل صلّى: عليه و غشيهم في الصلاة عليه و في دفنه سواد فلما فرغوا منه نودوا أن لا روع عليكم اثبتوا، و كانوا يرون أنهم الملائكة.

و روى محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم بن عبد الملك بن الماجشون عن مالك قال- لما قتل عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام فلما كان في الليل أتاه اثنا عشر رجلا منهم حويطب بن عبد العزي و حكيم بن حزام و عبد اللّه بن الزبير و جدي فاحتملوه فلما صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه إذا هم بقوم من بني مازن قالوا: و اللّه لئن دفنتموه هاهنا لنجرن الناس غدا، فاحتملوه و كان على باب و إن رأسه على الباب ليقول طق طق حتى صاروا به إلى حش كوكب فاحتفروا له، و كانت عائشة ابنته معها مصباح في حق فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت فقال لها الزبير، و اللّه لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عيناك، فسكتت فدفنوه. خرجه القلعي.

ذكر شهود الملائكة عثمان‏

تقدم في الذكر قبله طرف منه، و تقدم في خصائصه أن الملائكة تصلي‏

75

عليه يوم يموت.

و عن سهم بن خنيس- و كان ممن شهد قتل عثمان- قال: فلما أمسينا قلت لئن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فأمكنا له من جوف الليل، ثم حملناه فغشينا سواد من خلفنا فهبناهم حتى كدنا نتفرق فإذا مناد؛ لا روع عليكم اثبتوا فإنا جئنا لنشهده معكم، و كان ابن خنيس يقول: هم الملائكة. خرجه ابن الضحاك.

ذكر وصيته‏

تقدم في ذكر عرض الصحابة عليه القتال و الدفع عنه، و وصيته أبا قتادة بالكون مع الجماعة.

و عن العلاء بن الفضل عن أمه قال: لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوب فيها: هذه وصية عثمان‏ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، و أن الجنة حق، و أن النار حق، و أن اللّه يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه، إن اللّه لا يخلف الميعاد، عليها يحيي و عليها يموت و عليها يبعث إن شاء اللّه. خرجه الفضائلي و الرازي و خرجه نظام الملك- و زاد، و وجدوا في ظهرها مكتوبا:

غنى النفس يغني النفس حتى يجلّها* * * و إن غضّها حتى يضرّ بها الفقر

و ما عسرة فاصبر لها إن لقيتها* * * بكائنة- إلا سيتبعها يسر

و من لم يقاس الدهر لم يعرف الأسى‏* * * و في غير (1)الأيام ما وعد الدهر

ذكر مدة ولايته و قدر سنه‏

قال ابن اسحاق: كانت ولايته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما،

____________

(1) تقلباته.

76

و قتل و هو ابن ثمانين سنة. و قال غيره: كانت ولايته إحدى عشرة سنة و أحد عشر شهرا و أربعة عشر يوما. و قيل في عمره. ثمان و ثمانون سنة، و قيل: تسعون. و قال قتادة. ستة و ثمانون و قال الواقدي: لا خلاف عندنا أنه قتل و هو ابن اثنتين و ثمانين سنة.

ذكر بكاء الجن عليه‏

عن عثمان بن مرة قال: حدثتني أمي قالت بكت الجن على عثمان في مسجد المدينة أو قال في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرجه الملا في سيرته.

ذكر محو ابن الزبير نفسه من الديوان لموت عثمان‏

عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما قتل عمر محا الزبير نفسه من الديوان فلما قتل عثمان محا ابن الزبير نفسه من الديوان ... خرجه أبو عمر.

ذكر رؤيا ابن عباس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد قتل عثمان مخبرا له بحاله‏

عن ابن عباس قال: رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام على برذون و عليه عمامة من نور متعمم بها و بيده قضيب من الفردوس فقلت يا رسول اللّه إني إلى رؤياك بالأشواق و أراك مبادرا فالتفت إلي و تبسم و قال: إن عثمان بن عفان أضحى عندنا في الجنة ملكا عروسا و قد دعينا إلى وليمته فأنا مبادر. خرجه أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن البنا الفقيه، و هو حديث غريب من حديث العلاء بن المسيب انفرد به محمد بن معاوية عن جرير، و خرجه أبو شجاع شيرويه الديلمي في كتاب المنتقى و لفظه عن ابن عباس قال: رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في منامي على برذون أبلق، عليه عمامة من نور معتجرا بها، و في رجليه نعلان خضراوان، شراكه من لؤلؤ رطب، بكفه قضيب من قضبان الجنة، فسلم علي فرددت عليه ثم قلت بأبي أنت و أمي‏

77

قد اشتد شوقي إليك فإلى أين تبادر؟ قال إن عثمان أصبح ملكا عروسا في الجنة و قد دعيت إلى عرسه.

و قد تقدم عن ابن عباس من حديث الملاء مثله في ذكر صدقته من فصل الفضائل، و لعل الرؤيا تكررت و هو الظاهر، ألا ترى إلى بعض ألفاظها؟

ذكر رؤيا الحسن بن علي حال عثمان بعد قتله و أن اللّه يطلب بدمه‏

عن الحسن بن علي قال: ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها- رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) واضعا يده على العرش، و رأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رأيت عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، و رأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، و رأيت دما دونه فقلت: ما هذا؟

قالوا دم عثمان يطلب اللّه به. خرجه الديلمي في كتاب المنتقى.

ذكر ما قال علي لما بلغه قتل عثمان‏

عن أبي جعفر الأنصاري قال: دخلت مع المصريين على عثمان فلما ضربوه خرجت أشتد حتى ملأت فروجي عدوا حتى دخلت المسجد فإذا رجل جالس في نحو عشرة عليه عمامة سوداء، فقال: ويحك، ما وراءك؟ قلت: و اللّه قد فرغ من الرجل، فقال: تبا لك‏ (1) آخر الدهر، فنظرت فإذا هو على خرجه القلعي، و خرجه ابن السمان و لفظه- قال:

لما دخل على عثمان يوم الدار خرجت فملأت مجتازا بالمسجد فإذا رجل قاعد في ظله النساء عليه عمامة سوداء و حوله نحو من عشرة فإذا هو علي، فقال ما صنع الرجل؟ قال قلت: قتل الرجل، قال: تبا لهم آخر الدهر.

____________

(1) هلاكا، و ليس المراد حقيقة الدعاء على المخبر، بل هو مما يصدر عند انفعال النفس من التأثر.

78

ذكر تبري علي من دم عثمان و شهادته له بالإيمان‏

عن علي رضي اللّه عنه قال: من تبرأ من دين عثمان فقد تبرأ من الإيمان. و اللّه ما أعنت على قتله و لا أمرت و لا رضيت. خرجه أبو عمر و ابن السمان و زاد- و لا شاركت. و عن قيس بن عباد قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، و لقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، و أنكرت نفسي و جاءوني للبيعة فقلت ألا أستحي من اللّه أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ألا أستحي من تستحي منه الملائكة؟؟). و إني لأستحي من اللّه أن أبايع و عثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت، قال:

فقالوا يا أمير المؤمنين؛ فكأنما صدع قلبي و قلت: اللهم خذ مني حتى ترضى. خرجه ابن السمان في الموافقة و الخجندي في الأربعين.

و عن ابن عباس عن علي قال: و اللّه ما قتلت عثمان و لا أمرت بقتله و لكني نهيت؛ و اللّه ما قتلت عثمان و لا أمرت و لكني غلبت. قالها ثلاثا.

و في رواية و لكني غلبت في قتل عثمان.

و عن محمد بن سيرين قال: لما قدم علي البصرة اعتذر على المنبر من قتل عثمان فقال: و اللّه ما مالأت و لا شاركت و لا رضيت. خرجه ابن السمان.

و عن محمد بن الحنفية قال: لما كان يوم الدار أرسل عثمان إلى علي فأراد إتيانه فتعلقوا به و منعوه، قال: فلوى عمامة له سوداء و نادى ثلاثا:

اللهم إني لا أرضى قتل عثمان و لا آمر به. خرجه ابن السمان أيضا.

ذكر أولوية علي بعثمان‏

عن وائل بن حجر أنه قال لمعاوية- و قد عاتبه في تخلفه عن‏

79

نصرته- فقال: إنك قاتلت رجلا هو أحق بعثمان منك، قال: و كيف يكون أحق بعثمان مني و أنا أقرب إلى عثمان في النسب!؟ قلت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان آخى بين عثمان و علي، فالأخ أولى من ابن العم، خرجه الطبراني في قصة طويلة.

ذكر لعن قتلة عثمان و دعائه عليهم‏

عن محمد بن الحنفية أن عليا قال يوم الجمل: لعن اللّه قتلة عثمان في السهل و الجبل.

و عنه أن عليا بلغه أن عائشة تلعن قتلة عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: أنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم اللّه في السهل و الجبل- مرتين أو ثلاثا- خرجهما ابن السمان، و خرج الثاني الحاكمي.

و عن يحيى بن سعيد قال: حدثني عمي أو عم أبي قال: لما كان يوم الجمل نادى علي في الناس لا ترموا بسهم و لا تطعنوا برمح و لا تضربوا بسيف و لا تبدءوهم بقتال، كلموهم باللطف. و قال: إن هذا يوم من أفلح فيه أفلح يوم القيامة. قال: فتوافقنا على ذلك حتى أتانا حر الحديد. ثم إن القوم نادوا بأجمعهم يا ثارات عثمان: قال: و ابن الحنفية أمامنا معه اللواء فناداه علي: يا ابن الحنفية ما يقولون؟ قال يا أمير المؤمنين: يقولون يا ثارات عثمان! قال فرفع علي يديه و قال: اللهم أكب قتلة عثمان اليوم لوجوههم. خرجه الحسين القطان و ابن السمان في الموافقة.

و عن إسماعيل بن أبي خالد عن بعض أصحابه قال: قال علي يوم الجمل: ما يريد هؤلاء القوم؟ قال: يقولون قتلت عثمان. قال: فرفع يديه إلى السماء و قال: اللهم جلل قتلة عثمان، منك اليوم نجزى.

خرجه ابن السمان أيضا.

80

ذكر لعن الحسن بن علي و غيره من الصحابة قتلة عثمان‏

عن عبيد اللّه بن الزراد قال: حدثني رجل كان مع الحسن بن علي في الحمام قال: فوضع الحسن يده على الحائط، و قال: لعن اللّه قتلة عثمان، فقال الرجل: إنهم يزعمون أن عليا قتله، قال: قتله الذي قتله، لعن اللّه قتلة عثمان. خرجه ابن السمان.

و قد تقدم في أول الفصل لعن عائشة قتلة عثمان، خرجه الحاكمي.

ذكر بكاء بعض أهل البيت على عثمان‏

عن عبد اللّه بن الحسن أنه قد ذكر عنده قتل عثمان فبكى حتى بل لحيته. أخرجه ابن السمان.

ذكر تبري حذيفة من دم عثمان‏

عن حذيفة أنه قال لما بلغه قتل عثمان قال: اللهم إنك تعلم براءتي من دم عثمان، فإن كان الذين قتلوا عثمان أصابوا بقتله فأنا بري‏ء منهم، و إن كانوا أخطئوا فإنك تعلم براءتي منه. أخرجه القزويني الحاكمي.

ذكر شهادته بأن قتلة عثمان في النار

عن جندب قال: دخلت على حذيفة فقال لي: ما فعل الرجل- يعني عثمان-؟ فقلت. أراهم قاتليه، فمه!. قال! إن قتلوه كان في الجنة و كانوا في النار. أخرجه خيثمة.

و تقدم في ذكر عرض علي على عثمان الدفع عنه شهادته أيضا أنهم في النار و أنه في الجنة.

ذكر أن أول الفتن قتل عثمان و أن من كان في قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان تبع الدجال‏

عن حذيفة قال: أول الفتن قتل عثمان، و آخر الفتن خروج‏

81

الدجال. و الذي نفسي بيده لا يموت رجل و في قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، و إن لم يدركه آمن به في قبره.

أخرجه السلفي الحافظ.

ذكر عدهم النجاة من قتل عثمان عافية

عن طاوس قال: لما وقعت فتنة عثمان قال رجل لأهله: أوثقوني بالحديد فإني مجنون، فلما قتل عثمان قال: خلوا عني فالحمد للّه الذي شفاني من الجنون و عافاني من قتل عثمان، خرجه خيثمة بن سليمان.

ذكر استعظامهم قتله‏

عن سعيد بن زيد قال: لو أن أحدا انقض للذي صنعتموه بعثمان لكان محقوقا أن ينقض. خرجه البخاري.

و عن عبد اللّه بن سلام قال: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق عنهم إلى قيام الساعة. أخرجه أبو عمر.

و عن ابن عباس قال: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمي قوم لوط. أخرجه الحاكمي.

ذكر استعظامهم جرأة قاتله‏

عن طاوس- و قد قال له رجل: ما رأيت أحدا أجرأ على اللّه من فلان- قال. إنك لم تر قاتل عثمان. خرجه البغوي.

ذكر اقتتال قتلة عثمان‏

عن الحسن قال: لقد رأيت الذين قتلوا عثمان تحاصبوا في المسجد حتى ما أبصر أديم السماء، و إن إنسانا رفع مصحفا من حجرات النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: أ لم تعلموا أن محمدا قد برئ ممن فرق دينه و كانوا شيعا؟! خرجه في الصفوة.

82

ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الإمكان‏

و ذلك أمور: الأول- ما نقموا عليه من عزله جمعا من الصحابة منهم أبو موسى عزله عن البصرة و ولاها عبد اللّه بن عامر و منهم عمرو بن العاص عزله عن مصر و ولاها عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح، و كان ارتد في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لحق بالمشركين فأهدر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دمه بعد الفتح إلى أن أخذ له عثمان الأمان ثم أسلم، و منهم عمار بن ياسر عزله عن الكوفة، و منهم المغيرة بن شعبة عزله عن الكوفة أيضا، و منهم عبد اللّه ابن مسعود عزله عن الكوفة أيضا و أشخصه إلى المدينة.

الثاني- ما ادعوا عليه في الإسراف في بيت المال، و ذلك بأمور منها:

أن الحكم بن العاص لما رده من الطائف إلى المدينة و قد كان طرده النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) وصله من بيت المال. بمائة ألف درهم و جعل لابنه الحارث سوق المدينة يأخذ منها عشور ما يباع فيها، و منها: أنه وهب لمروان خمس إفريقية و منها: أن عبد اللّه بن خالد بن أسد بن أبي العاص بن أمية قدم عليه فوصله بثلاثمائة ألف درهم، و منها: ما رواه أبو موسى قال: كنت إذا أتيت عمر بالمال و الحلية من الذهب و الفضة لم يلبث أن يقسمه بين المسلمين حتى لا يبقى منه شي‏ء، فلما ولي عثمان أتيت به فكان يبعث به الى نسائه و بناته، فلما رأيت ذلك أرسلت دمعي و بكيت، فقال لي ما يبكيك؟ فذكرت له صنيعه و صنيع عمر فقال: رحم اللّه عمر!! كان حسنة و أنا حسنة و لكل ما اكتسب. قال أبو موسى: إن عمر كان ينزع الدرهم الفرد من الصبي من أولاده فيرده في مال اللّه و يقسمه بين المسلمين، فأراك قد أعطيت إحدى بناتك مجمرا من ذهب مكللا باللؤلؤ و الياقوت و أعطيت الأخرى درتين لا يعرف كم قيمتهما، فقال: إن عمر عمل برأيه و لا يألو عن الخير، و أنا أعمل برأيي و لا آلو عن الخير؛ و قد أوصاني اللّه تعالى بذوي قرباي؛ و أنا مستوص بهم أبرهم و منها: ما قالوا إنه أنفق أكثر بيت المال في ضياعه و دوره التي اتخذها لنفسه و لأولاده،

83

و كان عبد اللّه بن الأرقم و معيقيب على بيت المال في زمان عمر، فلما رأيا ذلك استعفيا فعزلهما و ولاه زيد بن ثابت و جعل المفاتيح بيده؛ فقال له يوما- و قد فضل في بيت المال فضلة- فقال: خذها فهي لك. فأخذها زيد فكانت أكثر من مائة ألف درهم.

الثالث- أنهم قالوا: حبس عن عبد اللّه بن مسعود و أبي عطاءهما و أخرج ابن مسعود إلى الربذة فكان بها إلى أن مات، و أوصى إلى الزبير و أوصاه أن يصلي عليه و لا يستأذن عثمان لئلا يصلي عليه، فلما دفن وصل عثمان ورثته بعطاء أبيهم خمس سنين.

الرابع- ما روي أنه حمى بقيع المدينة و منع الناس منه و زاد في الحمى أضعاف البقيع.

الخامس- قالوا: إنه حمي سوق المدينة في بعض ما يباع و يشترى فقالوا: لا يشتري منه أحد النوى حتى يشتري وكيله من شراء ما يحتاج إليه عثمان لعلف إبله.

السادس- زعموا أنه حمى البحر من أن تخرج فيه سفينة إلا في تجارته.

السابع- أنه أقطع أصحابه إقطاعات كثيرة من بلاد الإسلام مما لم يكن له فعله.

الثامن- أنه نفي جماعة من أعلام الصحابة عن أوطانهم منهم أبو ذر الغفاري و جندب بن جنادة؛ و قصته فيما نقلوه: أنه كان بالشام، فلما بلغه ما أحدث عثمان ذكر عيوبه للناس، فكتب إليه عثمان أن أشخصه إليّ على مركب وعر و سائق عنيف؛ فأشخصه معاوية على تلك الصورة، فلما وصل إلى عثمان قال له: لم تفسد علي؟ أشهد لقد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللّه دولا، و عباد

84

اللّه خولا، و دين اللّه دغلا ثم يريح اللّه العباد منهم). فقال عثمان لمن بحضرته من المسلمين: أسمعتم هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قالوا لا، فدعا عثمان عليا فسأله عن الحديث فقال: لم أسمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لكن قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر). فاغتاظ عثمان و قال لأبي ذر: اخرج من هذه البلدة فخرج منها إلى الربذة فكان بها إلى أن مات.

التاسع- قالوا: إن عبادة بن الصامت كان بالشام في جند، فمر عليه قطار جمال تحمل خمرا و قيل إنها خمر تباع لمعاوية، فأخذ شفرة و قام إليها فما ترك منها راوية إلا شقها، ثم ذكر لأهل الشام سوء سيرة عثمان و معاوية، فكتب معاوية إلى عثمان يشكوه و سأل إشخاصه إلى المدينة فبعث إليه و استدعاه، فلما دخل عليه قال: ما لنا و ما لك يا عبادة تنكر علينا و تخرج عن طاعتنا؟ فقال عبادة: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

(لا طاعة (1) لمن عصى اللّه تعالى).

العاشر- هجره لعبد اللّه بن مسعود، و ذلك أنه لما عزله عن الكوفة، و أشخصه إلى المدينة هجره أربع سنين إلى أن مات مهجورا. و سبب ذلك فيما زعموا أن ابن مسعود لما عزله عثمان من الكوفة و ولى الوليد بن عقبة و رأى صنيع الوليد في جوره و ظلمه، فعاب ذلك و جمع الناس بمسجد الكوفة و ذكر لهم أحداث عثمان ثم قال: أيها الناس- لتأمرن بالمعروف و لتنهن عن المنكر أو ليسلطن اللّه عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم و بلغه خبر نفي أبي ذر إلى الربذة فقال في خطبته بمحفل من أهل الكوفة: هل سمعتم قول اللّه تعالى‏ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ‏ و عرض بذلك لعثمان، فكتب الوليد بذلك إلى عثمان فأشخصه من الكوفة فلما دخل مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر

____________

(1) روى البخاري. و مسلم. و أبو داود. و النسائي: عن علي: رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (لا طاعة لأحد في معصية اللّه إنما الطاعة في المعروف).

85

عثمان غلاما له أسود فدفع ابن مسعود و أخرجه من المسجد و رمى به الأرض و أمر بإحراق مصحفه و جعل منزله حبسه و حبس عطاءه أربع سنين إلى أن مات، و أوصى الزبير بأن لا يترك عثمان يصلي عليه. و زعموا- أيضا أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده و قال له: استغفر اللّه لي، فقال: اللهم إنك عظيم العفو كثير التجاوز، فلا تتجاوز عن عثمان حتى تقيد لي منه.

الحادي عشر- نقلوا أنه قال لعبد الرحمن بن عوف إنه منافق و ذلك أن الصحابة لما نقموا على عثمان ما أحدثه و عاتبوا عبد الرحمن في توليته إياه في اختياره فندم على ذلك و قال: إني لا أعلم ما يكون و الآن الأمر إليكم، فبلغ قوله عثمان فقال إن عبد الرحمن منافق، و إنه لا يبالي ما قال؛ فحلف ابن عوف لا يكلمه ما عاش، و مات على هجرته، و قالوا: فإن كان ابن عوف منافقا كما قال فما صحت بيعته و لا اختياره له، و إن لم يكن منافقا فقد فسق بهذا القول و خرج عن أهلية الإمامة.

الثاني عشر- ما رووا أنه ضرب عمار بن ياسر و ذلك أن أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اجتمع منهم خمسون رجلا من المهاجرين و الأنصار فكتبوا أحداث عثمان و ما نقموا عليه في كتاب و قالوا لعمار: أوصل هذا الكتاب إلى عثمان ليقرأه فلعله يرجع عن هذا الذي ينكر، و خوفوه فيه بأنه إن لم يرجع خلعوه و استبدلوا غيره، قالوا: فلما قرأ عثمان الكتاب طرحه، فقال له عمار لا ترم بالكتاب و انظر فيه فإنه كتاب أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا و اللّه ناصح لك و خائف عليك؛ فقال: كذبت يا ابن سمية، و أمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه و أغمي عليه، و زعموا أنه قام بنفسه فوطئ بطنه، و مذاكيره حتى أصابه الفتق و أغمي عليه أربع صلوات فقضاها بعد الإفاقة و اتخذ لنفسه تبّانا تحت ثيابه، و هو أول من لبس التبان لأجل الفتق، فغضب لذلك بنو مخزوم و قالوا: و اللّه لئن مات عمار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخا عظيما- يعنون عثمان- ثم إن عمار لزم بيته‏

86

إلى أن كان من أمر الفتنة ما كان.

الثالث عشر- قالوا: إنه انتهك حرمة كعب بن عبدة البهري، و ذلك أن جماعة من أهل الكوفة اجتمعوا و كتبوا إلى عثمان كتابا يذكرون فيه أحداثه و يقولون: إن أنت أقلعت عنها فإنا سامعون مطيعون، و إلا فإنا منابذوك و لا طاعة لك علينا، و قد أعذر من أنذر و دفعوا الكتاب إلى رجل من عنزة ليحمله إلى عثمان، و كتب إليه كعب بن عبدة كتابا أغلظ منه مع كتابهم فغضب عثمان و كتب إلى سعيد بن العاص أن يسرع إلى كعب بن عبدة و يبعث به من الكوفة إلى بعض الجبال، فدخل عليه و جرده من ثيابه و ضربه عشرين سوطا و نفاه إلى بعض الجبال.

الرابع عشر- أنه انتهك حرمة الأشتر النخعي و ذلك: أن سعيد بن العاص لما ولي الكوفة من قبل عثمان دخل المسجد، فاجتمع إليه أشراف الكوفة فذكروا الكوفة و سوادها فقال عبد الرحمن بن حنين- صاحب شرطة سعيد- وددت أن السواد كله للأمير، فقال الأشتر النخعي لا يكون للأمير ما أفاء اللّه علينا بأسيافنا، فقال عبد الرحمن: اسكت يا أشتر فو اللّه لو أراد الأمير لكان السواد كله له، فقال الأشتر: كذبت يا عبد الرحمن، لو رام ذلك لما قدر عليه، و قامت العامة على ابن حنين فضربوه حتى وقع لجنبه، و كتب سعيد إلى عثمان ليأمره بإخراج الأشتر من الكوفة إلى الشام مع أتباعه الذين أعانوه فأجابه إلى ذلك، فأشخصه مع عشرين نفرا من صلحاء الكوفة إلى الشام، فلم يزالوا محبوسين بها إلى أن كانت فتنة عثمان؛ ثم إن سعيدا لحق بالمدينة و اضطربت الكوفة على عمال عثمان، و كتب أشراف الكوفة إلى الأشتر أما بعد: فقد اجتمع الملأ من إخوانك فتذاكروا أحداث عثمان و ما أتاه إليك، و رأوا ألا طاعة عليهم في معصية اللّه، و قد خرج سعيد عنا، و قد أعطينا عهودنا ألا يدخل علينا سعيد بعد هذا واليا؛ فالحق بنا إن كنت تريد أن تشهد معنا أمرنا، فسار إليهم و اجتمع معهم و أخرجوا ثابت بن قيس صاحب شرطة سعيد بن‏

87

العاص و عزم عسكر الأشتر و أهل الكوفة على منع عمال عثمان على الكوفة، و اتصل الخبر بعثمان فأرسل إليهم سعيد بن العاص؛ فلما بلغ العذيب استقبله جند الكوفة و قالوا له: ارجع يا عدو اللّه فإنك لا تذوق فيها بعد صنيعك ماء الفرات، و قاتلوه و هزموه، فرجع إلى عثمان خائبا، و كتب عثمان إلى الأشتر كتابا توعده فيه على مخالفة الإمام فكتب إليه الأشتر كتابا عنوانه من مالك بن الحويرث إلى الخليفة الخارج عن سنة نبيه النابذ حكم القرآن وراء ظهره: أما بعد: فإن الطعن على الخليفة إنما يكون وبالا إذا كان الخليفة عادلا و بالحق قاضيا، و إذا لم يكن كذلك ففراقه قربة إلى اللّه تعالى و وسيلة إليه. و أنفذ الكتاب مع كميل بن زياد، فلما وصل إلى عثمان سلم و لم يسمه بأمير المؤمنين، فقيل له: لم لا تسلم بالخلافة على أمير المؤمنين؟ فقال: إن تاب عن فعاله و أعطانا ما نريد فهو أميرنا و إلا فلا. فقال عثمان: إني أعطيكم الرضى، من تريدون أن أوليه عليكم؟ فاقترحوا عليه أبا موسى الأشعري فولاه عليهم.

الخامس عشر- قالوا: إن عثمان أحرق مصحف ابن مسعود و مصحف أبيّ و جمع الناس على مصحف زيد بن ثابت، و لما بلغ ابن مسعود أنه أحرق مصحفه و كان به نسخة عند أصحاب له بالكوفة أمرهم بحفظها و قال لهم: قرأت سبعين سورة، و إن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان.

السادس عشر- قالوا: إن عثمان ترك إقامة حدود اللّه تعالى في عبيد اللّه بن عمر لما قتل الهرمزان و قتل حنيفة و بنتا صغيرة لأبي لؤلؤة القاتل عمر، فاجتمعت الصحابة عند عثمان و أمروه بقتل عبيد اللّه بن عمر قصاصا بمن قتل، و أشار علي بذلك فلم يقبله، و لذلك سار عبيد اللّه بعد قتل عثمان إلى معاوية خوفا من علي أن يقتله بالهرمزان.

السابع عشر- قالوا: إن عثمان خالف الجماعة بإتمام الصلاة بمنى مع‏

88

علمه بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر و عمر قصروا الصلاة بها.

الثامن عشر- انفرد بأقوال شاذة خالف فيها جميع الأمة في الفرائض و غيرها.

التاسع عشر- قالوا: إنه كان غادرا مخلفا لوعده لأن أهل مصر شكوا إليه عامله عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح فوعدهم أن يولي عليهم من يرتضونه، فاختاروا محمد بن أبي بكر فولاه عليهم و توجهوا به معهم إلى مصر ثم كتب إلى عامله ابن أبي السرح بمصر يأمره أن يأخذ محمد بن أبي بكر فيقطع يديه و رجليه، و هذا كان سبب رجوع أهل مصر المدينة و حصارهم عثمان و قتله.

و الجواب: أما القضية الأولى- و هي عزل من عزله من الصحابة، أما أبو موسى: فكان عذره في عزله أوضح من أن يذكر، فإنه لو لم يعزله اضطربت البصرة و الكوفة و أعمالها، للاختلاف الواقع بين جند البلدين.

و قصته: أنه كتب إلى عمر في أيامه يسأله المدد فأمده بجند الكوفة.

فأمرهم أبو موسى قبل قدومهم عليه برامهرمز فذهبوا إليها و فتحوها و سبوا نساءها و ذراريها فحمدهم على ذلك، و كره نسبة الفتح إلى جند الكوفة دون جند البصرة، فقال لهم: إني كنت قد أعطيتهم الأمان و أجلتهم ستة أشهر فرعوا عليهم فوقع الخلاف في ذلك بين الجندين، و كتبوا إلى عمر فكتب عمر إلى صلحاء جند أبي موسى مثل البراء و حذيفة و عمران بن حصين و أنس بن مالك و سعيد بن عمرو الأنصاري و أمثالهم و أمرهم أن يستحلفوا أبا موسى فإن حلف أنه أعطاهم الأمان و أجلهم ردوا عليهم.

فاستحلفوه فحلف ورد السبي عليهم و انتظر لهم أجلهم، و بقيت قلوب الجند حنقة على أبي موسى، ثم رفع علي أبي موسى إلى عمر و قيل له: لو أعطاهم الأمان لعلم ذلك، فأشخصه عمر و سأل عن يمينه فقال: ما حلفت إلا على حق. قال: فلم أمرت الجند إليهم حتى فعلوا ما فعلوا؟

89

و قد وكلنا أمرك في يمينك إلى اللّه تعالى، فارجع إلى عملك فليس نجد الآن من يقوم مقامك، و لعلنا إن وجدنا من يكفينا عملك وليناه، فلما مضى عمر لسبيله و ولي عثمان شكا جند البصرة شح أبي موسى، و شكا جند الكوفة ما نقموا عليه، فخشي عثمان ممالأة الفريقين على أبي موسى فعزله عن البصرة و ولاها أكرم الفتيان عبد اللّه بن عامر بن كريز، و كان من سادات قريش، و هو الذي سقاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ريقه حين حمل إليه طفلا في مهده. و أما عمرو بن العاص فإنما عزله لأن أهل مصر أكثروا شكايته، و كان عمر قبل ذلك عزله لشي‏ء بلغه عنه، ثم لما أظهر توبته رده، كذلك عزله عثمان لشكاية رعيته، كيف و الرافضة يزعمون أن عمرا كان منافقا في الإسلام، فقد أصاب عثمان في عزله. فكيف يعترض على عثمان بما هو مصيب فيه عندهم؟ و أما توليته عبد اللّه فمن حسن النظر عنده، لأنه تاب و أصلح عمله، و كانت له فيما ولاه آثار محمودة، فإنه فتح من تلك النواحي طائفة كبيرة، حتى انتهى في إغارته على الجزائر التي في بحر بلاد الغرب، و حصل في فتوحه ألف ألف دينار و خمسمائة ألف دينار، سوى ما غنمه من صنوف الأموال؛ و بعث بالخمس منها إلى عثمان و فرق الباقي في جنده و كان في جنده جماعة من الصحابة و من أولادهم: كعقبة بن عامر الجهني، و عبد الرحمن بن أبي بكر، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قاتلوا تحت رايته، و أدوا طاعته و وجدوه أقوم بسياسة الأمر من عمرو بن العاص. ثم أبان عن حسن رأي في نفسه عند وقوع الفتنة فحين قتل عثمان اعتزل الفريقين و لم يشهد مشهدا و لم يقاتل أحدا بعد قتال المشركين (و أما عمار بن ياسر) فأخطئوا في ظن عزله، فإنه لم يعزله و إنما عزله عمر. كان أهل الكوفة قد شكوه فقال عمر: من يعذرني من أهل الكوفة. إن استعملت عليهم تقيا استضعفوه، و إن استعملت عليهم قويا فجروه. ثم عزله و ولى المغيرة بن شعبة، فلما ولي عثمان شكوا المغيرة إليه و ذكروا أنه ارتشى في بعض أموره‏

90

فلما رأى ما وقر عندهم منه استصوب عزله عنهم؛ و لو كانوا مفترين عليه. و العجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة و هم يكفرون المغيرة؟ على أنا نقول: ما زال ولاة الأمر قبله و بعده يعزلون من عمالهم من رأوا عزله و يولون من رأوا توليته بحسب ما تقتضيه أنظارهم. عزل عمر خالد بن الوليد عن الشام و ولى أبا عبيدة، و عزل عمارا عن الكوفة و ولاها المغيرة بن شعبة، و عزل قيس بن سعد عن مصر و ولاها الأشتر النخعي. ألا ترى إلى معاوية- و كان ممن ولاه عمر- لما ضبط الجزيرة و فتح البلاد إلى حدود الروم و فتح جزيرة قبرص و غنم منها مائة ألف رأس سوى ما غنم من البياض و أصناف المال و حمدت سيرته و سراياه أقره على ولايته؟ و أما ابن مسعود فسيأتي الاعتذار عنه فيما بعد.

و أما القضية الثانية- و هو ما ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفتر عليه و مختلق؛ و ما صح منه فعذره فيه واضح، و أما رده الحكم إلى المدينة فقد ذكر رضي اللّه عنه أنه كان استأذن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في رده إلى المدينة فوعده بذلك، فلما ولي أبو بكر سأله عثمان ذلك فقال: كيف أرده إليها و قد نفاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال له عثمان ذلك فقال له: إني لم أسمعه يقول له ذلك؛ و لم تكن مع عثمان بينة على ذلك، فلما ولي عمر سأله ذلك فأبى: و لم يريا (1) الحكم بقول الواحد، فلما ولي قضي بعلمه و هو قول أكثر الفقهاء، و هو مذهب عثمان، و هذا بعد أن تاب و أصلح عما كان طرد لأجله، و إعادة التائب مما تحمد.

و أما صلته من بيت المال بمائة ألف فلم تصح، و إنما الذي صح أنه زوج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم و بذل لها من مال نفسه مائة ألف درهم، و كان رضي اللّه عنه ذا ثروة في الجاهلية و الإسلام و كذلك زوج ابنته أم أبان من ابن مروان بن الحكم و جهزها من خاص ماله بمائة ألف لا

____________

(1) يعني أبا بكر و عمر.

91

من بيت المال. و هذه صلة رحم يحمد عليها.

و أما طعنهم على عثمان أنه وهب خمس إفريقية مروان بن الحكم فهو غلط منهم؛ و إنما المشهور في القضية أن عثمان كان جهز ابن أبي السرح أميرا على آلاف من الجند و حضر القتال بإفريقية، فلما غنم المسلمون أخرج ابن أبي السرح الخمس من الذهب و هو خمسمائة ألف دينار فأنفذها إلى عثمان، و بقي من الخمس أصناف من الأثاث و المواشي مما يشق حمله إلى المدينة فاشتراها مروان منه بمائة ألف درهم نقد أكثرها و بقيت منها بقية، و وصل إلى عثمان مبشرا بفتح إفريقية، و كانت قلوب المسلمين مشغولة خائفة أن يصيب المسلمين من أمر إفريقية نكبة؛ فوهب له عثمان ما بقي عليه جزاء ببشارته؛ و للإمام أن يصل المبشرين من بيت المال بما رأى على قدر مراتب البشارة.

و أما ما ذكروا من صلته عبد اللّه بن خالد بن أسد بثلاثمائة ألف درهم فإن أهل مصر عاتبوه على ذلك لما حاصروه فأجابهم بأنه استقرض له ذلك من بيت المال، و كان يحتسب لبيت المال ذلك من نفسه حتى وفاه.

(و أما دعواهم) أنه جعل للحرث بن الحكم سوق المدينة يأخذ عشور ما يباع فيه فغير صحيح؛ و إنما جعل إليه سوق المدينة ليراعي أمر المثاقيل و الموازين، فتسلط يومين أو ثلاثة على باعة النوى و اشتراه لنفسه، فلما رفع ذلك إلى عثمان أنكر عليه و عزله و قال لأهل المدينة: فإني لم آمره بذلك، و لا عتب على السلطان في جور بعض العمال إذا استدرك بعد علمه.

و قد روي أنه جعله على سوق المدينة و جعل له كل يوم درهمين، و قال لأهل المدينة: إذا رأيتموه سرق شيئا فخذوه منه و هذا غاية الإنصاف.

(و أما قصة أبي موسى) فلا يصح شي‏ء منها، فإنه رواه ابن إسحاق عمن حدثه عن أبي موسى؛ و لا يصح الاستدلال برواية المجهول، و كيف‏

92

يصح ذلك و أبو موسى ما ولي لعثمان عملا إلا في آخر السنة التي قتل فيها؟ و لم يرجع إليه؛ فإنه لما عزله عن البصرة بعبد اللّه بن عامر لم يتول شيئا من أعماله إلى إرسال أهل الكوفة- في السنة التي قتل فيها- أن يوليه الكوفة فولاه إياها و لم يرجع إليه؛ ثم يقال للخوارج و الروافض: إنكم تكفرون أبا موسى و عثمان، فلا حجة في دعوى بعضهم على بعض.

و أما عزله ابن الأرقم و معيقيبا عن ولاية بيت المال: فإنهما أسنا و ضعفا عن القيام بحفظ بيت المال.

و قد روي أن عثمان لما عزله خطب الناس و قال: ألا إن عبد اللّه بن أرقم لم يزل على جرايتكم زمن أبي بكر و عمر إلى اليوم و إنه كبر و ضعف و قد ولينا عمله زيد بن ثابت.

و ما نسبوه إليه من صرف مال بيت المال في عمارة دوره و ضياعه المختصة فبهتان افتروه عليه؛ و كيف و هو من أكثر الصحابة مالا!؟

و كيف يمكنه ذلك بين أظهر الصحابة مع أنه الموصوف بكثرة الحياء، و أن الملائكة تستحي منه لفرط حيائه!؟ أعاذنا اللّه من فرطات الجهل و موبقات الهوى آمين آمين.

(و قولهم) إنه دفع إليه ما فضل من بيت المال افتراء و اختلاق بل الصحيح أنه أمر بتفرقة المال على أصحابه ففضل في بيت المال ألف درهم فأمره بإنفاقها فيما يراه أصلح للمسلمين، فأنفقها زيد على عمارة مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ما زاد عثمان في المسجد زيادة، و كل واحد منهما مشكور محمود على فعله.

و أما القضية الثالثة: و هو ما ادعوه من حبس عطاء ابن مسعود فكان ذلك في مقابلة ما بلغه عنه و لم تزل الأئمة على مثل ذلك، و كل منهما مجتهد، فإما مصيبان أو مخطئ و مصيب، و لم يكن قصد عثمان حرمانه البتة، و إنما التأخير إلى غاية اقتضى نظره التأخير إليها أدبا، فلما قضى‏

93

عليه إما مع بلوغ حصول تلك الغاية أو دونها وصل به ورثته، و لعله كان أنفع لهم.

و أما القضية الرابعة:- و هي الحمى- فهذا مما كان اعترض به أهل مصر عليه فأجابهم بأنه حمى لإبل الصدقة، كما حمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لها، فقالوا: إنك زدت، فقال: لأن إبل الصدقة زادت، و ليس هذا مما ينقم على الإمام.

و أما الخامسة:- و هو أنه حمى سوق المدينة إلى آخر ما قرر- فهذا مما تقول عليه و اختلق، و لا أصل له، و لم يصح إلا ما تقدم من حديث الحارث بن الحكم. و لعله لما فعل ذلك نسبوه إلى عثمان، و على تقدير صحة ذلك يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة و ألحقه بحمى المرعى لها، لأنه في معناه.

و أما السادسة:- و هي حمى البحر فعلى تقدير صحة النقل فيها يحمل على أنها كانت ملكا له، لأنه كان منبسطا في التجارات، متسع المال في الجاهلية و الإسلام، فما حمى البحر، و إنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه.

و أما السابعة: و هي إقطاعه كثيرا من الصحابة كثيرا من بلاد الإسلام- فعنه جوابان:

الأول:- أن ذلك كان منه إذنا في إحياء كل ما قدر عليه من أموات أرض العراق، و من أحيا أرضا ميتة فهي له.

الثاني: أن أصحاب السير ذكروا أن الأشراف من أهل اليمن قدموا المدينة و هجروا بلادهم و أموالهم مثلها، فأعطى طلحة موضعا و أخذ منه ما له بكندة، و هكذا كل من أعطى شيئا فإنما هو شي‏ء صار للمسلمين، و فعل ذلك لما رأى من المصلحة، إما إجارة إن قلنا أراضي السواد وقف،

94

و إمّا تمليكا إن قلنا ملك.

(و أما القضية الثامنة) و هو ما ادعوه في نفيه جماعة من الصحابة: أما أبو ذر فروى أنه كان يتجاسر عليه و يجبهه بالكلام الخشن و يفسد عليه و يثير الفتنة، و كان يؤدي ذلك التجاسر عليه إلى إذهاب هيبته و تقليل حرمته ففعل ما فعل به صيانة لمنصب الشريعة و إقالة لحرمة الدين و كان عذر أبي ذر فيما كان يفعله أنه كان يدعوه إلى ما كان عليه صاحباه من التجرد عن الدنيا و الزهد فيها، فيخالفه في أمور مباحة من اقتنائه الأموال، و جمعه الغلمان الذين يستعان بهم على الحروب، و كل منهما كان على هدى من اللّه تعالى. و لم يزل أبو ذر ملازما طاعة عثمان بعد خروجه إلى الربذة حتى توفي.

و لما قدم إليها كان لعثمان غلام يصلي بالناس فقدم أبا ذر للصلاة فقال له: أنت الوالي، و الوالي أحق. و هذا كله على تقدير صحة ما نقله الروافض في قصة أبي ذر مع عثمان؛ و إلا فقد روى محمد بن سيرين خلاف ذلك، فقال: لما قدم أبو ذر الشام استأذن عثمان في في لحوقه بالربذة فقال عثمان: أقم عندي تغدو عليك اللقاح و تروح فقال: لا حاجة لي في الدنيا، فأذن له في الخروج إلى الربذة.

و روى قتادة: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لأبي ذر: (إذا رأيت المدينة بلغ بناؤها سلعا فاخرج منها) و أشار إلى الشام فلما كان في ولاية عثمان بلغ بناؤها سلعا فخرج إلى الشام، و أنكر على معاوية أشياء فشكاه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبي ذر: أقبل إلينا فنحن أرعى لحقك و أحسن جوارا من معاوية فقال أبو ذر: سمعا و طاعة فقدم على عثمان ثم استأذن في الخروج إلى الربذة فأذن له فمات. و رواية هذين الإمامين العالمين من التابعين و أهل السنة هذه القصة أشبه بأبي ذر و عثمان من رواية غيرهما من أهل البدعة.

95

و أما القضية التاسعة: و هي قضية عبادة بن الصامت- فهي دعوى باطلة و كذب مختلق؛ و ما شكا معاوية عبادة و لا أشخصه عثمان، و الأمر على خلاف ذلك فيما رواه الثقات الأثبات من اتفاقهم و رجوع بعضهم إلى بعض في الحق. و يشهد لذلك ما روي: أن معاوية لما غزا جزيرة قبرص كان معه عبادة بن الصامت، فلما فتحوا الجزيرة و أخذوا غنائمها أخرج معاوية خمسها و بعثه إلى عثمان و جلس يقسم الباقي بين جنده، و جلس جماعة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ناحية، منهم عبادة بن الصامت و أبو الدرداء و شداد بن أوس و واثلة بن الأسقع و أبو أمامة الباهلي و عبد اللّه بن بشر المازني، فمر بهم رجلان يسوقان حمارين فقال لهما عبادة بن الصامت: ما هذان الحماران؟ فقالا: إن معاوية أعطاناهما من المغنم، و إنا نرجو أن نحج عليهما، فقال لهما عبادة: لا يحل لكما ذلك و لا لمعاوية أن يعطيكما فرد الرجلان الحمارين على معاوية، و سأل معاوية عبادة بن الصامت عن ذلك فقال عبادة: شهدت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة حنين و الناس يكلمونه في الغنائم فأخذ و برة من بعير و قال: (ما لي مما أفاء اللّه عليكم من هذه الغنائم إلا الخمس، و الخمس مردود عليكم) فاتق اللّه يا معاوية و اقسم الغنائم على وجهها و لا تعط منها أحدا أكثر من حقه، فقال له معاوية: قد وليتك قسمة الغنائم ليس أحد بالشام أفضل منك و لا أعلم، فاقسمها بين أهلها و اتق اللّه فيها فقسمها عبادة بين أهلها و أعانه أبو الدرداء و أبو أمامة، و ما زالوا على ذلك إلى آخر زمن عثمان فهذه قصة عبادة في التزامه طاعة عثمان و طاعة عامله بالشام، بضد ما رووه، قاتلهم اللّه.

و أما القضية العاشرة:- ما رووه مما جرى على عبد اللّه بن مسعود من عثمان و أمره غلامه بضربه إلى آخر ما قرروه- فكله بهتان و اختلاق لا يصح منه شي‏ء، و هؤلاء الجهلة لا يتحامون الكذب فيما يرونه موافقا لأغراضهم، إذ لا ديانة تردهم عن ذلك. ثم نقول: على تقدير صحة

96

صدور ذلك من الغلام، فيكون قد فعله من نفسه غضبا لمولاه، فإن ابن مسعود كان يجبه عثمان بالكلام و يلقاه بما يكرهه، و لو صح ذلك عنه لكان محمولا على الأدب، فإن منصب الخلافة لا يحتمل ذلك، و يصنع ذلك منه بين العامة، و ليس هذا بأعظم من ضرب عمر سعد بن أبي وقاص بالدرة على رأسه حين لم يقم له، و قال له: إنك لم تهب الخلافة فأردت أن تعرف أن الخلافة لا تهابك. و لم يغير ذلك سعدا و لا رآه عيبا و كذلك ضربه لأبي بن كعب حين رآه يمشي و خلفه قوم فعلاه بالدرة و قال: إن هذه مذلة التابع و فتنة للمتبوع، و لم يطعن أبي بذلك على عمر، بل رآه أدبا منه نفعه اللّه به، و لم يزل دأب الخلفاء و الأمراء تأديب من رأوا منه الخلاف، على أنه قد روي أن عثمان اعتذر لابن مسعود و أختاه في منزله، حين بلغه مرضه و سأله أن يستغفر له و قال: يا أبا عبد الرحمن هذا عطاؤك فخذه. قال له ابن مسعود: و ما أتيتني به إذا كان ينفعني، و جئتني به عند الموت!؟ لا أقبله. فمضى عثمان إلى أم حبيبة، و سألها أن تطلب إلى ابن مسعود ليرضى عنه، فكلمته أم حبيبة، ثم أتاه عثمان فقال له: يا أبا عبد اللّه، ألا تقول كما قال يوسف لأخوته: لا تَثْرِيبَ‏ (1) عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ‏؟ فلم يكلمه ابن مسعود. و إذا ثبت هذا فقد فعل عثمان ما هو الممكن في حقه و اللائق بمنصبه أولا و آخرا، و لو فرض خطؤه فقد أظهر التوبة و التمس الاستغفار، و اعتذر بالذنب لمن لم يقبله حينئذ، فإن اللّه أخبر أنه:

يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ‏، و في ذلك حثهم على الاقتداء به على أنه قد نقل أن ابن مسعود رضي عنه و استغفر له. قال سلمة بن سعيد: دخلت على ابن مسعود في مرضه الذي توفي فيه، و عنده قوم يذكرون عثمان فقال لهم: مهلا فإنكم إن قتلتموه لا تصيبون مثله.

و أما عزله عن الكوفة و إشخاصه إلى المدينة و هجره له و جفاؤه إياه،

____________

(1) لا لوم.

97

فلم تزل هذه شيمة الخلفاء قبله و بعده على ما تقدم تقريره، و ليس هجره إياه بأعظم من هجر علي أخاه عقيل بن أبي طالب و أبا أيوب الأنصاري حين فارقاه بعد انصرافه من صفين و ذهبا إلى معاوية، و لم يوجب ذلك طعنا عليه و لا عيبا فيه.

و قد روي أن أعرابيا من همدان دخل المسجد فرأى ابن مسعود و حذيفة و أبا موسى الأشعري يذكرون عثمان طاعنين عليه فقال لهم:

أنشدكم اللّه، لو أن عثمان ردكم إلى أعمالكم ورد إليكم عطاياكم أ كنتم ترضون؟ قالوا: اللهم نعم. فقال الهمداني: اتقوا اللّه يا أصحاب محمد و لا تطعنوا على أئمتكم و في هذا بيان أن من طعن على عثمان إنما كان لعزله إياه و توليته غيره و قطع عطائه، و ذلك سائغ للإمام إذا أدى اجتهاده إليه.

و أما الحادية عشرة:- و هي قولهم إن عبد الرحمن ندم على تولية عثمان- فكذب صريح، و لو كان كذلك لصرح بخلعه إذ لا مانع له، فإن أعيان الصحابة على زعمهم منكرون عليه ناقمون أحداثه، و الناس تبع لهم، فلا مانع لهم من خلعه، و كيف يصح ما وصفوا به كل واحد منهما في حق الآخر، و قد آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بينهما، فثبت لكل واحد منهما على الآخر حق الأخوة و الاشتراك في صحبة النبوة، و شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لكل واحد منهما بالجنة، و ترك التنزيل مخبرا بالرضى عنهم، و توفي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عليهما راض. و يبعد مع كل هذا صدور ما ذكروه عن كل واحد منهما، و إنما الذي صح في قصته أن عثمان استوحش منه، فإن عبد الرحمن كان يبسط عليه في القول لا يبالي بما يقول له.

و روي أنه قال له: إني أخاف يا ابن عوف أن تبسط من دمي.

(حاشية) كذا وقع، و لعله أن تهدر دمي.

و أما الثانية عشرة و هي ضرب عمار فسياق هذه القصة لا يصح على‏

98

النحو الذي رووه بل الصحيح منها أن غلمانه ضربوا عمارا، و قد حلف أنه لم يكن على أمره لأنهم عاتبوه في ذلك فاعتذر إليهم بأن قال: جاء هو و سعد إلى المسجد و أرسلا إلي أن ائتنا فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلناها، فأرسلت إليهما أني عنكما اليوم مشغول، فانصرفا و موعدكما يوم كذا و كذا. فانصرف سعد و أبى هو أن ينصرف، فأعدت إليه الرسول فأبى ثم أعدته إليه فأبى، فتناوله رسولي بغير أمري. و اللّه ما أمرته و لا رضيت بضربه؛ و هذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء. و هذا من أبلغ ما يكون من الإنصاف.

و مما يؤيد ذلك و يوهي ما رووه- ما روى أبو الزناد عن أبي هريرة أن عثمان لما حوصر و منع الماء قال لهم عمار: سبحان اللّه! قد اشترى بئر رومة و تمنعوه ماءها! خلوا سبيل الماء، ثم جاء إلى علي و سأله إنفاذ الماء إليه، فأمر براوية ماء. و هذا يدل على رضائه عنه.

و قد روي أنه رضي عنه لما أنصفه بحسن الاعتذار، فما بال أهل البدعة لا يرضون! و ما مثله فيه إلا كما يقال: رضي الخصمان، و لم يرض القاضي.

و أما الثالثة عشرة- و هي قولهم إنه انتهك حرمة كعب- فيقال لهم:

ما أنصفتم إذ ذكرتم بعض القصة و تركتم تمامها، و ذلك: أن عثمان استدرك ذلك بما أرضاه فكتب إلى سعد بن العاص أن ابعثه إليّ مكرما؛ فبعث إليه فلما دخل عليه قال له: يا كعب إنك كتبت إليّ كتابا غليظا و لو كتبت ببعض اللين لقبلت مشورتك، و لكنك حددتني و أغضبتني حتى نلت منك ما نلت. ثم نزع قميصه و دعا بسوط فدفعه إليه ثم قال: قم فاقتص مني ما ضربته. فقال كعب: أما إذا فعلت ذلك فأنا أدعه للّه تعالى، و لا أكون أول من اقتص من الأئمة؛ ثم صار بعد ذلك من خاصة عثمان، و عذره في مبادرته الأمر بضربه و نفيه، و ذلك سبيل أولي‏

99

الأمر في تأديب من رأوا خروجه على امامه.

و (أما الرابعة عشرة)- و هي قضية الأشتر النخعي- فنقول: ظلمة البدعة و الحمية الناشئة عن محض العصبية دون رؤية الحق، و هل آثار الفتنة في هذه إلا فعل الأشتر بالكوفة؟ من هتك حرمة السلطان، و تسليط العامة على ضرب عامله، فلا يعتذر عن عثمان في الأمر بنفيه؟

بل ذلك أقل ما يستوجبه ثم لم يمنعه ذلك حتى سار من الشام إلى الكوفة و أضرم نار الفتنة على ما تقدم تقريره، ثم لم يتمكن عثمان معهم من شي‏ء إلا سلوك سبيل السياسة؛ و إجابتهم إلى ما أرادوا، فولى عليهم أبا موسى و بعث حذيفة بن اليمان على خراجهم، ثم لم يلبث ذلك حتى خرج إليه الأشتر مع رعاع الكوفة فانضم إليه غاغة أهل مضر و ساروا إلى عثمان فقتلوه، و باشر الأشتر قتله على ما تقدم في بعض الروايات، و صار قتله سببا للفتنة الى أن تقوم الساعة، فعميت أبصارهم و بصائرهم عن ذم الأشتر و أنصاره و تعرضوا لذم من شهد لسان النبوة أنه على الحق، و أمر بالكون معه، و أخبر بأنه يقتل مظلوما؛ يشهد لذلك الحديث الصحيح على ما تقدم في أول فصل مقتله، و سنعيد طرفا منه إن شاء اللّه تعالى.

(الخامسة عشرة)- و هي احراق مصحف ابن مسعود فليس ذلك إلا دواء لفتنة كبيرة في الدين لكثرة ما فيه من الشذوذ المنكر عند أهل العلم بالقرآن، و بحذفه المعوذتين من مصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنهما في القرآن. و قال عثمان لما عوتب في ذلك: خشيت الفتنة في القرآن. و كان الاختلاف بينهم واقعا حتى كان الرجل يقول لصاحبه قرآني خير من قرآنك؛ فقال له حذيفة: أدرك الناس. فجمع الناس على مصحف عثمان. ثم يقال لأهل البدع و الأهواء إن لم يكن مصحف عثمان حقا فلم رضي علي و أهل الشام بالتحكم إليه حين رفع أهل الشام المصاحف؟

فكانت مكتوبة على نسخة مصحف عثمان.

100

(و أما السادسة عشرة)- و هي ترك اقامة حدود اللّه تعالى في عبيد اللّه بن عمر- فنقول: أما ابنة أبي لؤلؤة فلا قود فيها لأنها ابنة مجوسي صغيرة تابعة له؛ و كذلك جفينة فإنه نصراني من أهل الحيرة، و أما الهرمزان ...

فعنه جوابان:

الأول- أنه شارك أبا لؤلؤة في ذلك و مالأه، و إن كان المباشر أبا لؤلؤة وحده، و لكن المعين على قتل الإمام العادل يباح قتله عند جماعة من الأئمة، و قد أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر و المأمور. و بهذا اعتذر عبيد اللّه بن عمر و قال: إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره أنه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان و جفينة يدخلون في مكان يتشاورون، و بينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، فقتل عمر في صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان عبد الرحمن فسأله عن ذلك فقال: انظروا الى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا و قد اجتمعوا على قتله فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان قتل عبيد اللّه بن عمر، لرؤيته عدم وجوب القود لذلك أو ليردده فيه فلم ير الوجوب بالشك.

و الجواب الثاني- أن عثمان خاف من قتله ثوران فتنة عظيمة، لأنه كان بنو تميم و بنو عدي ما نعين من قتله و دافعين عنه، و كان بنو أمية أيضا جانحين‏ (1) إليه حتى قال له عمرو بن العاص: قتل أمير المؤمنين عمر بالأمس و يقتل ابنه اليوم!؟ لا و اللّه لا يكون هذا أبدا. و مال في بني جمح، فلما رأي عثمان ذلك اغتنم تسكين الفتنة و قال: أمره إلي و سأرضي أهل الهرمزان عنه.

(و أما السابعة عشرة)- و هي إتمام الصلاة بمنى- فعذره في ذلك ظاهر، فإنه ممن لم يوجب القصر في السفر، و إنما كان يتجه كما رآه فقهاء

____________

(1) مائلين إليه.

101

المدينة و مالك و الشافعي و غيرهما، و إنما أوجبه فقهاء الكوفة، ثم إنها مسألة اجتهادية، و لذلك اختلف فيها العلماء فقوله فيها لا يوجب تكفيرا و لا تفسيقا.

(و أما الثامنة عشرة)- و هي انفراده بالأقوال الشاذة- فلم يزل أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نحو من ذلك ينفرد الواحد منهم بالقول و يخالفه فيه الباقون؛ و هذا علي بن أبي طالب في مسألة بيع أم الولد على مثل ذلك.

و في الفرائض عدة مسائل على هذا النحو لكثير من الصحابة.

(و أما التاسعة عشرة)- و هي قولهم أنه كان غادرا إلى آخر ما قرروه- فنقول: أما الكتاب الذي كان إلى عامله بمصر لم يكن من عنده؛ و قد حلف على ذلك لهم، و قد تقدم ذكر ذلك في فصل مقتله مستوفيا؛ و ذكرنا من المتهم بالتزوير عليه؛ و قد تحققوا ذلك، و إنما غلب الهوى- أعاذنا اللّه منه- على العقول حتى ضلت في قتله رضي اللّه عنه. فهذا تمام القول في الاعتذار عن تلك القضايا التي نقموها على عثمان و أحسن ما يقال في الجواب. عن جميع ما ذكر دعاة أهل البدع: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أخبر عن وقوع فتنة عثمان، و أخبر أنه على الحق على ما تضمنه حديث كعب بن عجرة في فصل فضائله في ذكر شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه على الحق.

و في رواية أنه على الهدى. خرجه أحمد و الترمذي و قال حسن صحيح، و أخبر أنه يقتل ظلما على ما تضمنه حديث ابن عمر في فصل مقتله من حديث الترمذي و للبغوي و أمر (صلّى اللّه عليه و سلّم) باتباعه عند ثوران الفتنة على ما تضمنه حديث مرة بن كعب من حديث أبي حاتم و أحمد؛ و تقدم في ذكره في فصل فضائله. و من شهد له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه على الحق و أنه يقتل ظلما و أمر باتباعه كيف يتطرق الى الوهم أنه على باطل!؟ ثم ورد في الحديث الصحيح أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبره أن اللّه يقمصه بقميص و أن المنافقين‏

102

يريدونه على خلعه؛ و أمره أن لا يخلعه، و أكد عليه الأمر بأن لا يخلعه.

و في بعض الطرق أنه توعده على خلعه و أمره بالصبر- على ما تقدم تقريره في خصائصه- فامتثل أمره و صبر على ما ابتلى به. و هذا من أدل دليل أنه كان على الحق؛ و ما ذا بعد الحق الا الضلال!؟ فمن خالفه يكون على الباطل. كيف لا و قد وصف (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذين أرادوا خلعه بالنفاق فعلم بالضرورة أن كل ما ورد عنه مما يوجب الطعن عليه دائر بين مفتر عليه و مختلق و بين محمول على تقدير صحته على أحسن التأويلات ليكون معه على الحق تصديقا لخبر النبوة المقطوع بصدقه. هذا ما علم من سابقته و كثرة إنفاقه في سبيل اللّه و شرف منزله بالصهارة الثابتة له في ابنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عظم مكانته في الدين و الصفات الجميلة و المآثر الحميدة على ما تضمنه فصل مناقبه، فكيف يتوهم فيه شي‏ء مما ادعاه أهل الأهواء!؟

و البدع و أما كلفه‏ (1) بأقاربه و صلته إياهم و حبه الخير لهم فتلك صفة جبلّة لم يودعها اللّه عز و جل الا في خيار خلقه، و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) على مثل ذلك في بني هاشم على ما سنبينه في مناقب بني هاشم و قريش إن شاء اللّه تعالى، و ذلك محمود فيما لم يؤد إلى معصية. و لم يتحقق في شي‏ء مما أتاه عثمان معصية بل له من المحامل الجلية الطاهرة ما يمنع من اعتقاد الحرمة بل الكراهة. غاية ما في الباب أنه ترك الأولى، و ما هو الأفضل اللائق به مما كان عليه الشيخان‏ (2)، و لعله اعتقد أنه ما لا يشبه الأفضل في زمانه و عصره فلكل عصر حكم. و على الجملة فالذي يجب اعتقاده و لا يحل خلافه أن شيئا مما يسنه عثمان لم يخرج فيه عن الحق و لا عن الهدى تصديقا لشهادة المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن كان في شي‏ء من ذلك له هوى فهو هوى بهدى من اللّه عز و جل، و قد وسع اللّه تعالى في ذلك فشهده قوله تعالى‏ وَ مَنْ‏

____________

(1) شدة حبه المتجلي في إحسانه إليهم، و حرصه على نفعهم، و لكنه: رضي اللّه عنه- لم يجانب الحق في ذلك.

(2) أبو بكر و عمر: رضي اللّه عنهما.

103

أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏ فدل على أن ثم هوى بهدى من اللّه، و هوى عثمان منه بدليل شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأنه على الهدى و أنه على الحق و أنه مظلوم، و أمر باتباعه على ما قررناه. و اللّه أعلم.

الفصل الثاني عشر في ذكر ولده‏

و كان له من الولد ستة عشر ولدا تسعة ذكور و سبع إناث.

ذكر الذكور

عبد اللّه و يعرف بالأصغر: أمه رقية بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هلك صغيرا و قيل بلغ ست سنين و نقره ديك في عينه فمرض فمات، و عبد اللّه الأكبر أمه فاختة بنت غزوان، و عمرو و كان أسنهم و أشرفهم عقبا و توفي بمنى، و أبان: شهد الجمل مع عائشة و عقبه كثير، و خالد و عمر و له عقب أيضا أمهم بنت جندب بن الأزد، و سعيد و الوليد و أمهما فاطمة بنت الوليد و عبد الملك، أمه أم البنين بنت عيينة بن حصن هلك غلاما.

ذكر الاناث‏

مريم أخت عمرو لأمه، و أم سعيد أخت سعيد لأمه، و عائشة و أم أبان و أم عمرو أمهن رملة بنت شيبة بن ربيعة، و مريم أمها نائلة بنت الفرافصة و أم البنين أمها أم ولد.

الباب الرابع في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و فيه اثنا عشر فصلا

الأول في نسبه. الثاني في اسمه و كنيته. الثالث في صفته الرابع في إسلامه. الخامس في هجرته. السادس في خصائصه السابع في أفضليته.

الثامن في الشهادة له بالجنة. التاسع في فضائله. العاشر في خلافته.

الحادي عشر في مقتله. الثاني عشر في ولده.

104

الفصل الأول في ذكر نسبه‏

تقدم ذكر آبائه في ذكر الشجرة في أنساب العشرة و هو أقربهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نسبا، يجتمع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عبد المطلب الجد الأدنى، و ينسب إلى هاشم فيقال القرشي الهاشمي ابن عم رسول اللّه لأبويه، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. قال أبو عمر و غيره: و هي أول هاشمية ولدت هاشميا. أسلمت و توفيت مسلمة بالمدينة و شهدها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تولى دفنها و أشعرها قميصه و اضطجع في قبرها، ذكره الخجندي. و ذكر السلفي أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى عليها و تمرغ في قبرها. و ذكر الطائي في الأربعين أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزع قميصه و ألبسها إياه و تولى دفنها و اضطجع في قبرها فلما سوى عليها التراب سئل عن ذلك فقال:

ألبستها لتلبس من ثياب أهل الجنة و اضطجعت معها في قبرها لأخفف عنها من ضغطة القبر، إنها كانت أحسن خلق اللّه صنيعا إليّ بعد أبي طالب.

و بكى و قال جزاك اللّه من أم خيرا، فلقد كنت خير أم. قال و كانت ربت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). قال: و ولدت لأبي طالب طالبا و عقيلا و جعفرا و عليا و أم هانى‏ء و اسمها فاختة و جمانة. قال ابن قتيبة و أبو عمر: و كان علي أصغر ولد أبي طالب: كان أصغر من جعفر بعشر سنين و كان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين و كان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين.

الفصل الثاني في اسمه و كنيته‏

و لم يزل اسمه في الجاهلية عليا و كان يكنى أبا الحسن. و سماه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صديقا. عن ابن أبي ليلى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: (الصديقون ثلاثة، حبيب بن مري النجار مؤمن آل ياسين الذي قال يا قوم اتبعوا المرسلين و حزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه؛ و علي بن أبي طالب الثالث و هو أفضلهم). خرجه أحمد في المناقب، و كناه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأبي الريحانتين.