الرياض النضرة في مناقب العشرة - ج3

- محب الدين الطبري‏ المزيد...
241 /
105

عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي بن أبي طالب:

(سلام عليك يا أبا الريحانتين، فعن قليل يذهب ركناك و اللّه خليفتي عليك) فلما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال علي: هذا أحد الركنين الذي قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلما ماتت فاطمة قال: هذا الركن الآخر الذي قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرجه أحمد في المناقب. و كناه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أيضا أبا تراب.

و عن سهل بن سعد أن رجلا جاءه فقال: هذا فلان أمير من أمراء المدينة يدعوك لتسب عليا على المنبر. قال أقول ماذا؟ قال تقول له أبا تراب. قال فضحك سهل و قال: و اللّه ما سماه إياه إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ و اللّه ما كان لعلي اسم أحب اليه منه. دخل علي على فاطمة ثم خرج؛ فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاطمة فقال: (أين ابن عمك؟) قالت. هو ذا مضطجع في المسجد، فخرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يمسح التراب عن ظهره و يقول: (اجلس أبا تراب) ما كان اسم أحب اليه منه، ما سماه إياه إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). أخرجاه و أبو حاتم و اللفظ له. و قال البخاري بعد قوله فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، و خلص التراب إلى ظهره فجلس يمسح عن ظهره و يقول: اجلس (أبا تراب) مرتين.

و عنه قال: استعمل علي على المدينة رجلا من آل مروان، قال:

فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا، فأبى. فقال: أما إذ أبيت فقل لعن اللّه أبا التراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب اليه من أبي التراب إنه كان يفرح إذا دعي بها. فقال له: أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب؟ قال جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال: (أين ابن عمك)؟ فقالت: كان بيني و بينه شي‏ء فغاضبني فخرج و لم يقم عندي، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لإنسان: (أنظر أين هو؟) فقال: يا رسول اللّه هو في المسجد راقد. فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مضطجع قد

106

سقط رداؤه عن شقه و أصابه تراب، فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يمسحه.

و يقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب). أخرجاه.

و عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا و علي رفيقين في غزاة ذي العشيرة، فلما نزلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقام بها رأينا ناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم في نخل، فقال علي: يا أبا اليقظان هل لك أن تأتي هؤلاء فتنظر كيف يعملون؟ فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا و علي فاضجعنا في صور من النخل في دقع من التراب فنمنا، فو اللّه ما أنبهنا إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحركنا برجله و قد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي يا أبا تراب، لما رأى عليه من التراب؛ قال: (ألا أحدثكما بأشقى الناس؟ فقلنا بلى يا رسول اللّه قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة و الذي يضربك في هذه- يعني قرنه- حتى تبتل منه هذه، يعني لحيته). خرجه أحمد.

(شرح)- الصور: بفتح الصاد و تسكين الواو النخل المجتمع الصغار- و الدقعاء: التراب، و دقع بالكسر أي لصق بالتراب- و أحيمر:

تصغير أحمر و هو لقب قدار بن سالف عاقر ناقة صالح (عليه السلام).

قال الخجندي و كان يكنى أبا قصم، و يلقب بيعسوب الأمة و بالصديق الأكبر.

و عن معاذة العدوية قالت: سمعت عليا على المنبر- منبر البصرة- يقول: أنا الصديق الأكبر. خرجه ابن قتيبة.

و عن علي أنه كان يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسوله، و أنا الصديق الأكبر. خرجه القلعي.

و عن أبي ذر قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لعلي: (أنت الصديق الأكبر، و أنت الفاروق الذي تفرق بين الحق و الباطل).

107

و في رواية: و أنت يعسوب الدين، خرجهما الحاكمي.

(شرح)- يعسوب الدين: سيده و رئيسه و منه الحديث الآخر هذا يعسوب قريش و أصله فحل النحل، و يلقب أيضا ببيضة البلد، و بالأمين، و بالشريف، و بالهادي، و بالمهتدي، و ذي الأذن الواعي و قد جاء في الصحيح من شعره: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة).

و سيأتي في الخصائص إن شاء اللّه تعالى و حيدرة اسم الأسد و كانت فاطمة أمه لما ولدته سمته باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب كره الاسم، فسماه عليا.

الفصل الثالث في صفته‏

و كان رضي اللّه عنه ربعة من الرجال، أدعج العينين عظيمهما حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، عظيم البطن.

و عن أبي سعيد التيمي أنه قال. كنا نبيع الثياب على عواتقنا و نحن غلمان في السوق، فإذا رأينا عليا قد أقبل، قلنا بزرك أشكم، قال علي. ما تقولون؟ قال: نقول عظيم البطن. قال: أجل أعلاه علم و أسفله طعام. و كان رضي اللّه عنه عريض المنكبين، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري لا يبين عضده من ساعده، قد أدمج إدماجا، شثن الكفين، عظيم الكراديس، أغيد: كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه.

عن أبي لبيد قال: رأيت علي بن أبي طالب يتوضأ، فحسر العمامة عن رأسه، فرأيت رأسه مثل راحتي عليه مثل خط الأصابع من الشعر.

خرجه ابن الضحاك.

و عن قيس بن عباد قال: قدمت المدينة أطلب العلم فرأيت رجلا عليه بردان و له ضفيرتان، و قد وضع يده على عاتق عمر، فقلت: من‏

108

هذا؟ قالوا: علي. خرجه ابن الضحاك أيضا، و لا تضاد بينهما، إذ يكون الشعر انحسر عن وسط رأسه و كان في جوانبه شعر مسترسل، جمع فظفر باثنتين، و كان كثير شعر اللحية؛ لم يصفه أحد بالخضاب إلا سوادة ابن حنظلة.

و روي أنه كان أصفر اللحية، و المشهور أنه كان أبيضها، و يشبه أن يكون خضب مرة ثم ترك.

و عن الشعبي أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب و رأسه و لحيته قطنة بيضاء. خرجه ابن الضحاك. و كان إذا مشي تكفأ، و إذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، و هو قريب إلى السمن، شديد الساعد و اليد، و إذا مشي إلى الحرب هرول، ثبت الجنان، قوي ما صارع أحدا قط إلا صرعه، شجاع منصور على من لاقاه.

(شرح)- ربعة: أي مربوع الخلق لا طويل و لا قصير؛ و جمعه ربعات بالتحريك و هو شاذ لأن فعلة لا تحرك في الجمع إذا كان صفة و إنما تحرك إذا كان اسما و لم يكن موضع العين واو أو ياء- و الدعج: شدة سواد العين مع سعتها، يقال عين دعجاء، و الأدعج من الرجال: الأسود- و الأشكم: بالعجمية البطن- و بزرك: بضم الباء و الزاي و سكون الراء عظيم- شثن الكفين: بالتسكين عظيمهما، تقول منه شثنت كفه شثنا بالتحريك إذا خشنت و غلظت- الأغيد: الوسنان المائل العنق، و الغيد النعومة، و امرأة غيداء غادة أيضا ناعمة بينة الغيد- المشاش: رءوس العظام اللينة، الواحد مشاشة- و دمج الشي‏ء دموجا إذا دخل في الشي‏ء و استحكم فيه، و كذلك اندمج و ادمج بتشديد الدال، يريد- و اللّه أعلم- أن عظمي عضده و ساعده للينهما قد اندمجا، و هكذا هو في صفة الأسد- و الضاري المتعود الصيد، و الضرو من أولاد الكلاب و الأنثى ضروة- تكفأ: أي تمايل في مشيته.

109

الفصل الرابع في إسلامه «ذكر سنه يوم أسلم»

عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه بلغه أن علي بن أبي طالب و الزبير أسلما و هما ابنا ثمان سنين.

و قال ابن إسحاق: و أسلم علي ابن عشرة. و عن الحسن: أسلم علي و هو ابن ذؤابة. حكاه الخجندي.

و عن ابن عمر أنه أسلم و هو ابن ثلاث عشرة. خرجه القلعي.

و عن أبي الحجاج مجاهد بن جبر قال: كان من نعمة اللّه على علي بن أبي طالب، و مما أراد اللّه به أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للعباس عم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، و قد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله فآخذ من بنيه رجلا و تأخذ رجلا فنكفيهما عنه). فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهم أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. و في رواية إذا تركتما لي عقيلا و طالبا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى بعثه اللّه نبيا فتابعه علي و آمن به و صدقه، و لم يزل جعفر عند العباس.

ذكر أنه أول من أسلم‏

قد تقدم في نظير هذا الذكر من فصل إسلام أبي بكر طرف صالح من ذلك، و بيان الخلاف فيه و ذكر المختلفين.

عن عمر قال: كنت أنا و أبو عبيدة و أبو بكر و جماعة من أصحابه إذ ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منكب علي فقال: (يا علي أنت أول المؤمنين‏

110

إيمانا، و أول المسلمين إسلاما، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى).

خرجه ابن السمان.

و عن زيد بن ارقم قال: كان أول من أسلم علي بن أبي طالب خرجه أحمد و الترمذي و صححه.

عن ابن عباس قال: كان علي أول من أسلم بعد خديجة، قال ابن عمر: هذا حديث صحيح الإسناد لا مطعن في رواته لأحد، و هو يعارض ما تقدم عن ابن عباس في أبي بكر، و الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر الإسلام كما تقدم ذكره في بابه، و به قال مجاهد و من حكينا قوله من العلماء ثمة.

و عن معاذة العدوية قالت: سمعت عليا على المنبر- منبر البصرة- يقول: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر و أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر. خرجه ابن قتيبة في المعارف.

و عن أبي ذر قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لعلي: (أنت أول من آمن بي و صدق). خرجه الحاكمي.

و عن سلمان أنه قال: أول هذه الأمة ورودا على نبيها (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولها إسلاما علي بن أبي طالب. و قد روي مرفوعا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لفظه أول هذه الأمة ورودا على الحوض ... الحديث.

و في رواية أولكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب خرجه القلعي و غيره.

و عن ابن عباس قال السباق ثلاثة، يوشع بن نون إلى موسى و صاحب ياسين إلى عيسى، و علي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). خرجه ابن الضحاك في الآحاد و المثاني.

111

ذكر أنه أول من صلى‏

عن ابن عباس أنه قال: لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره و ذكر منها أنه أول عربي و عجمي صلى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). خرجه أبو عمر و خرج الترمذي منه عن ابن عباس: أول من صلى علي رضي اللّه عنه.

و خرجه أبو القاسم في الموافقات كذلك.

و عن أنس قال: استنبئ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين و صلّى علي يوم الثلاث. خرجه الترمذي و أبو عمر؛ و في بعض طرقه: بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين و أسلم علي يوم الثلاث خرجه البغوي في معجمه.

و عن الحكم بن عيينة قال: خديجة أول من صدق، و علي أول من صلّى إلى القبلة. خرجه الحافظ السلفي.

و عن رافع قال: صلّى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين و صلت خديجة آخر يوم الاثنين و صلّى عليّ يوم الثلاث من الغد قبل أن يصلي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحد سبع سنين و أشهر. خرجه القلعي.

و عنه قال: صليت قبل أن تصلي الناس بسبع سنين.

و في رواية. أسلمت قبل أن يسلم الناس بسبع سنين.

و في رواية. صليت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاث سنين قبل أن يصلي معه أحد من الناس. خرجهن أحمد في المناقب.

و عنه أنه كان يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا الصديق الأكبر و لقد صليت قبل الناس بسبع سنين. خرجهن الخلعي.

و عن علي قال: عبدت اللّه قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين. خرجه أبو عمر.

و عن عفيف الكندي قال. كنت امرأ تاجرا فقدمت الحج فأتيت‏

112

العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة و كان امرأ تاجرا، قال فو اللّه. إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى السماء فلما رآها قام يصلي ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفه فصلت ثم خرج غلام حين راهق الحلم فقام معه يصلي، قال. فقلت للعباس يا عباس ما هذا؟ قال هذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ابن أخي، قال. قلت من هذه المرأة؟ قال هذه امرأته خديجة بنت خويلد، قال فقلت من هذا الفتى؟ قال هذا ابن عمه علي بن أبي طالب، قال. قلت فما الذي يصنع؟ قال يصلي و هو يزعم أنه نبي و لم يتبعه أحد على أمره إلا امرأته و ابن عمه هذا الفتى و هو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى و قيصر. قال فكان عفيف و هو ابن الأشعث بن قيس يقول- و أسلم بعد ذلك و حسن إسلامه- لو كان اللّه رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي ابن أبي طالب.

و عن حبة العربي قال سمعت عليا يقول. أنا أول رجل صلّى مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرجهما أبو أحمد. و عن حبة أيضا قال: رأيت عليا ضحك ضحكا أكثر منه حتى بدت نواجذه ثم قال ذكرت قول أبي طالب ظهر علينا أبو طالب و أنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نحن نصلي ببطن نخلة قال ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الإسلام فقال ما بالذي تصنعان أو الذي تقولان بأس و لكن و اللّه لا تعلوني استي أبدا و ضحك تعجبا من قول أبيه ثم قال: اللهم لا أعرف لك عبدا من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك- ثلاث مرات- لقد صليت قبل أن يصلي الناس. خرجه أحمد، و خرجه في المناقب و زاد: لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعا. و حبة العربي ضعيف.

قال ابن اسحاق: و ذكر بعض أهل العلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة و خرج معه علي بن أبي طالب‏

113

مستخفيا من عمه أبي طالب و من جميع أعمامه و سائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصليان فقال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا بن أخي ما هذا أراك تدين به؟ قال: (أي عم هذا دين اللّه و دين ملائكته و دين رسله و دين أبينا إبراهيم). أو كما قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (و بعثني اللّه به رسولا إلى العباد و أنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى، و أحق من أجابني إليه و أعانني عليه) أو كما قال: قال فقال أبو طالب:

أي ابن أخي إني و اللّه لا أستطيع أن أفارق دين آبائي و ما كانوا عليه و لكن و اللّه لا يخلص إليك شي‏ء تكرهه ما بقيت.

و ذكروا أنه قال لعلي: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ قال:

يا أبت آمنت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صدقت بما جاء به، و صليت معه للّه، و اتبعته فزعموا أنه قال: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه خرجه ابن إسحاق.

الفصل الخامس في هجرته‏

قال ابن إسحاق: و أقام علي بمكة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاث ليال و أيامها حتى أدى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الودائع‏ (1) التي كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنزل معه على كلثوم بن زهدم و لم يقم بقباء إلا ليلة أو ليلتين.

الفصل السادس في خصائصه‏

ذكر اختصاصه بأنه أول من أسلم و أول من صلّى‏

تقدم أحاديث هذا الذكر في الفصل قبله.

____________

(1) و ليملأ القارئ نفسه تقديرا للأمانة على ضوء تأديته (صلّى اللّه عليه و سلّم) لودائع من أخرجوه من وطنه، و لقد كانوا- و لا ريب- يعلمون هذه الحقيقة فيه: (صلّى اللّه عليه و سلّم): و لهذا- ائتمنوه مع دعوته التي حاربوها.

114

ذكر أنه أول من يجثو للخصومة يوم القيامة

عن علي قال: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة.

قال قيس: فيهم‏ (2) نزلت‏ هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏ قال هم الذين تبارزوا يوم بدر؛ علي و حمزة و عبيدة بن الحارث و شيبة بن ربيعة و عتبة بن ربيعة و الوليد بن عتبة.

و في رواية أن عليا قال: فينا نزلت هذه الآية و في مبارزتنا يوم بدر:

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏. خرجه البخاري.

ذكر أنه أول من يقرع باب الجنة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن علي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا علي إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي). خرجه الإمام علي بن موسى الرضا في مسنده.

ذكر اختصاصه بأحبية اللّه تعالى له‏

عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) طير فقال: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه). خرجه الترمذي و قال غريب، و البغوي في المصابيح في الحسان، و خرجه الحربي و زاد بعد قوله: أهدي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طير و كان مما يعجبه أكله و زاد بعد قوله فجاء علي بن أبي طالب فقال: استأذن على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت ما عليه إذن و كنت أحب أن يكون رجلا من الأنصار و خرجه عمر بن شاهين و لم يذكر زيادة الحربي، و قال بعد قوله: فجاء علي فرددته، ثم جاء فرددته، فدخل في الثالثة أو في الرابعة فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما حبسك عني أو ما أبطأ بك عني يا علي) قال جئت فردني‏

____________

(2) أي في علي و من معه و خصومهم المذكورين في المبارزة الآتية.

115

أنس، ثم جئت فردني أنس، قال يا أنس، (ما حملك على ما صنعت؟) قال: رجوت أن يكون رجلا من الأنصار خير من علي أو أفضل من علي. و خرجه النجار عنه و قال، قدمت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طيرا فسعى و أكل لقمة و قال: (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك و إلي). فأتى علي فضرب الباب، فقلت من أنت؟ قال: علي، قلت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على حاجة ثم أكل لقمة و قال مثل الأولى فضرب علي، فقلت من أنت؟ قال: علي، قلت إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على حاجة، ثم أكل لقمة و قال مثل ذلك، قال فضرب علي و رفع صوته، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

يا أنس افتح الباب) قال فدخل فلما رآه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تبسم ثم قال:

(الحمد للّه الذي عجلك فإني أدعو في كل لقمة أن يأتيني اللّه بأحب الخلق إليه و إلى فكنت أنت) قال: فو الذي بعثك بالحق نبيا إني لأضرب الباب ثلاث مرات و يردني أنس.

قال فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (لم رددته؟) قال. كنت أحب معه‏ (1) رجلا من الأنصار، فتبسم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال. ما يلام الرجل على قومه.

و عن سفينة قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طيرين بين رغيفين فقدمت إليه الطيرين فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك و إلى رسولك). ثم ذكر معنى حديث البخاري و قال في آخره:

فأكل مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الطيرين حتى فنيا.

ذكر اختصاصه بأحبية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن عائشة، سئلت أي الناس أحب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالت:

فاطمة فقيل من الرجال قالت: زوجها، أن كان ما علمت صواما قواما.

خرجه الترمذي. و قال حسن غريب.

____________

(1) مع طلبه: (صلّى اللّه عليه و سلّم): إجابة له.

116

و عنها و قد ذكر عندها علي فقالت: ما رأيت رجلا أحب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منه و لا امرأة أحب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من امرأته. خرجه المخلص و الحافظ الدمشقي.

و عن معاذية الغفارية قالت: كان لي أنس بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخرج معه في الأسفار و أقوم على المرضى و أداوي الجرحى فدخلت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بيت عائشة و علي خارج من عنده فسمعته يقول (يا عائشة إن هذا أحب الرجال إليي و أكرمهم علي فاعر في له حقه و أكرمي مثواه). خرجه الخجندي.

و عن مجمع قال: دخلت مع أبي على عائشة فسألتها عن مسراها يوم الجمل فقالت كانت قدرا من اللّه، و سألتها عن علي فقالت: سألت عن أحب الناس إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و زوج ابنة أحب الناس كان إليه.

و عن معاوية بن ثعلبة قال: جاء رجل إلى أبي ذر و هو في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال يا أبا ذر: ألا تخبرني باحب الناس إليك فإني أعرف أن أحب الناس إليك أحبهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: أي‏ (1) و رب الكعبة أحبهم إليّ أحبهم الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو الشيخ و أشار إلى علي. خرجه الملاء.

و قد تقدم لأبي بكر مثل هذا في المتفق عليه فيحمل هذا على أن عليا أحب الناس إليه من أهل بيته و عائشة أحب إليه مطلقا جمعا بين الحديثين و يؤيده ما رواه الدولابي في الذرية الطاهرة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لفاطمة:

(أنكحتك أحب أهل بيتي إليّ) و خرجه عبد الرزاق و لفظه أنكحتك أحب أهلي إليّ.

____________

(1) نعم.

117

ذكر اختصاصه بأنه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمنزلة الرأس من الجسد

عن البراء قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (علي مني بمنزلة رأسي من جسدي). خرجه الملاء.

ذكر اختصاصه بأنه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمنزلة هارون من موسى‏

عن سعد بن أبي وقاص أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). أخرجاه‏ (2) و أخرجه الترمذي و أبو حاتم و لم يقولا: (إلا أنه لا نبي بعدي).

و عنه قال: خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا في غزوة تبوك فقال يا رسول اللّه تخلفني في النساء و الصبيان؟ قال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) خرجه أحمد و مسلم و أبو حاتم.

و في رواية غير أنه ليس معي نبي. خرجه ابن الجراح.

و عنه قال لما نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجرف- طعن رجال من المنافقين في إمرة علي و قالوا إنما خلفه استثقالا فخرج علي فحمل سلاحه حتى أتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالجرف فقال: يا رسول اللّه ما تخلفت عنك في غزاة قط قبل هذه؛ قد زعم المنافقون أنك خلفتني استثقالا فقال: (كذبوا و لكن خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). خرجه ابن اسحق و خرج معناه الحافظ الدمشقي في معجمه.

و عن سفيان و قد قال له المهدي حدثني بأحسن فضيلة عندك لعلي‏

____________

(2) أي البخاري و مسلم.

118

قال: حدثني سلمة بن كهيل عن حجبة بن عدي عن علي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) خرجه الحافظ السلفي في النسخة البغدادية.

و عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (اللهم إني أقول- كما قال أخي موسى- اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي أخي عليا اشدد به أزري و أشركه في أمري كي نسبحك كثيرا و نذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصرا). خرجه أحمد في المناقب و المراد بالأمر غير النبوة بذكر ما تقدم و قد تعلق بعض الرافضة بهذا الحديث في أنه الخليفة بعده؛ و لا دلالة فيه.

و قد سبق الكلام مستوفيا في شرح لفظه و معناه في فصل خلافة أبي بكر.

و عن عمر و قد سمع رجلا يسب عليا فقال: إني لأظنك من المنافقين: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). خرجه ابن السمان.

و عنه قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لعلي: (ثلاث خصال لوددت أن لي واحدة منهن)، بينا أنا و أبو عبيدة و أبو بكر و جماعة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ ضرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) منكب علي فقال: (يا علي أنت أول المؤمنين إيمانا و أول المسلمين إسلاما و أنت مني بمنزلة هارون من موسى).

خرجه ابن السمان.

ذكر اختصاصه بأنه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كمنزلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من اللّه عز و جل‏

قال جاء أبو بكر و علي يزورون قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد وفاته ستة أيام.

قال علي لأبي بكر. تقدم يا خليفة رسول اللّه فقال أبو بكر: ما كنت‏

119

لأتقدم رجلا سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (علي مني بمنزلتي من ربي) خرجه ابن السمان في الموافقة.

ذكر اختصاصه بأنه أقرب الناس قرابة من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن الشعبي أن أبا بكر نظر إلى علي بن أبي طالب فقال: من سره أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أعظمهم عنه غنى و أحظهم عنده منزلة فلينظر و أشار إلى علي بن أبي طالب. خرجه ابن السمان.

ذكر إخبار جبريل عن اللّه بأن عليا من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمنزلة هارون من موسى‏

عن أسماء بنت عميس قالت: هبط جبريل (عليه السلام) على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام و يقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكن لا نبي بعدك. خرجه الإمام علي بن موسى.

ذكر اختصاصه بأن له من الأجر و من المغنم مثل ما للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك و لم يحضرها

عن أنس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي يوم غزوة تبوك: (أما ترضي أن يكون لك من الأجر مثل ما لي و لك من المغنم مثل ما لي؟) خرجه الخلعي.

ذكر اختصاصه بأنه مثل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن المطلب بن عبد اللّه أبي حيطب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لوفد ثقيف حين جاءوه: (لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلا مني- أو قال مثل نفسي- فليضربن أعناقكم و ليستبين ذراريكم و ليأخذن أموالكم). قال عمر: فو اللّه ما تمنيت إلامارة إلا يومئذ، فجعلت أنصب صدري رجاء أن يقول هو هذا، قال: فالتفت إلى علي فأخذه بيده و قال هو هذا.

120

خرجه عبد الرزاق في جامعه و أبو عمر و ابن السمان.

و عن زيد بن نفيع قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (لينتهين بنور ربيعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي يمضي فيهم أمري يقتل المقاتلة و يسبي الذرية). قال: فقال أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر في حجرتي من خلفي فقال: من تراه يعني؟ قلت ما يعنيك و لكن يعني خاصف النعل يعني عليا. خرجه أحمد في المناقب.

و عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (ما من نبي إلا و له نظير في أمته و علي نظيري). خرجه الخلعي و قد تقدم مستوعبا في مناقب الأعداد.

ذكر اختصاص علي بأنه قسم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نور كان عليه قبل خلق الخلق‏

عن سلمان قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (كنت أنا و علي نورا بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق اللّه آدم قسم ذلك النور جزأين فجزء أنا و جزء علي). خرجه أحمد في المناقب.

ذكر اختصاصه بأن كفه مثل كف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن حبشي بن جنادة قال: كنت جالسا عند أبي بكر فقال من كانت له عدة عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقام رجل فقال يا خليفة رسول اللّه و عدني بثلاث حثيات من تمر، قال فقال أرسلوا إلى علي فقال يا أبا الحسن إن هذا يزعم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وعده بثلاث حثيات من تمر فاحثها له قال فحثاها قال أبو بكر: عدوها. فوجدوا في كل حثية ستين تمرة لا تزيد واحدة على الأخرى فقال أبو بكر: صدق اللّه و رسوله، قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة الهجرة و نحن خارجون من الغار نريد المدينة: يا أبا بكر كفي و كف علي في العدد سواء، خرجه ابن السمان في الموافقة.

121

ذكر اختصاصه بصلاة الملائكة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليه لكونهما كانا يصليان قبل الناس‏

عن أبي أيوب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لقصد صلت الملائكة عليّ و على علي لأنا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا). خرجه أبو الحسن الخلعي.

ذكر اختصاصه بأنه و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقبض اللّه أرواحهما بمشيئة دون ملك الموت‏

عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لما أسرى بي مررت بملك جالس على سرير من نور و إحدى رجليه في المشرق و الأخرى في المغرب، و بين يديه لوح ينظر فيه، و الدنيا كلها بين عينيه، و الخلق بين ركبتيه، و يده تبلغ المشرق و المغرب، فقلت يا جبريل من هذا؟ قال: هذا عزرائيل تقدم فسلم، فتقدمت و سلمت عليه، فقال: و عليك السلام يا أحمد ما فعل ابن عمك علي؟ فقلت: و هل تعرف ابن عمي عليا، قال: و كيف لا أعرفه و قد وكلني اللّه بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك و روح ابن عمك علي بن أبي طالب فإن اللّه يتوفا (1) كما بمشيئته). خرجه الملاء في سيرته.

ذكر اختصاصه أن من آذاه‏

فقد آذى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من أبغضه فقد أبغضه، و من سبه فقد سبه، و من أحبه فقد أحبه. و من تولاه فقد تولاه، و من عاداه فقد عاداه، و من أطاعه فقد أطاعه، و من عصاه فقد عصاه.

عن عمر بن شاس الأسلمي و كان من أصحاب الحديبية قال:

خرجت مع علي إلى اليمن فجفاني في سفري حتى وجدت في نفسي عليه‏

____________

(1) الكل يتوفى بمشيئة اللّه تعالى، و لكن المراد يتوفاهما بدون ملك الموت.

122

فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ناس من أصحابه فلما رآني أبدأني عينيه يقول (حدد إليّ النظر) حتى إذا جلست قال: (يا عمر و اللّه لقد آذيتني). قلت: أعوذ باللّه أن أوذيك يا رسول اللّه. قال: (بلى من آذى عليا فقد آذاني). خرجه أحمد و خرجه أبو حاتم مختصرا.

و عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (من أحب عليا فقد أحبني و من أبغض عليا فقد أبغضني و من آذى عليا فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه). خرجه أبو عمر.

و عن أم سلمة قالت: أشهد أني سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

(من أحب عليا فقد أحبني و من أحبني فقد أحب اللّه و من أبغض عليا فقد أبغضني و من أبغضني فقد أبغض اللّه عز و جل). خرجه المخلص و خرجه الحاكمي عن عمار بن ياسر و زاد في قوله: (من تولاه فقد تولاني و من تولاني فقد تولى اللّه و من أحبه ...) الحديث.

و عن ابن عباس قال بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى علي ابن أبي طالب فقال له: (أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني و حبيبك حبيب اللّه و عدوك عدوي و عدوي عدو اللّه، الويل لمن أبغضك).

خرجه أحمد في المناقب.

و عن ابن عباس أنه مر بعد ما حجب بصره بمجلس من مجالس قريش و هم يسبون عليا فقال لقائده: ما سمعت هؤلاء يقولون؟ قال سبوا عليا قال فردني إليهم، فرده. قال أيكم الساب اللّه؟ قالوا سبحان اللّه من سب اللّه فقد أشرك قال أيكم الساب لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالوا سبحان اللّه من سب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقد كفر، قال فأيكم الساب لعلي؟ قالوا أما هذا فقد كان. قال فأنا أشهد باللّه لسمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من سب عليا فقد سبني و من سبني فقد سب اللّه و من سب اللّه عز و جل أكبه اللّه على‏

123

منخره). ثم تولى عنهم فقال لقائده ما سمعتهم يقولون؟ قال ما قالوا شيئا قال فكيف رأيت وجوههم حيث قلت ما قلت؟ قال:

نظروا إليك بأعين محمرّة* * * نظر التيوس إلى شفار الجازر

قال زدني فداك أبي‏

جزر الحواجب ناكسو أذقانهم‏* * * نظر الذليل إلى العزيز القاهر

قال زدني فداك أبي. قال ما عندي غيرهما قال: لكن عندي‏

أحياؤهم حزني على أمواتهم‏* * * و الميّتون مسبة للغابر

خرجه أبو عبد اللّه الملاء.

و عن أبي عبد اللّه الحدي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي:

أتسب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقلت معاذ اللّه قالت سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من سب عليا فقد سبني). خرجه أحمد.

و عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي: (من أطاعك فقد أطاعني و من أطاعني أطاع اللّه و من عصاك عصاني). خرجه أبو بكر الاسماعيلي في معجمه و خرجه الخجندي بزيادة و لفظه: (من أطاعني فقد أطاع اللّه و من أطاعك فقد أطاعني و من عصاني فقد عصى اللّه و من عصاك فقد عصاني).

و عنه قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (يا علي من فارقني فقد فارق اللّه و من فارقك فقد فارقني). خرجه أحمد في المناقب و النقاش.

و عن عروة بن الزبير أن رجلا وقع في علي بن أبي طالب بمحضر من عمر فقال له عمر: أتعرف صاحب هذا القبر؟ هذا محمد بن عبد اللّه ابن عبد المطلب؛ و علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، لا تذكر عليا إلا بخير فإنك إن تنقصه آذيت صاحب هذا في قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم). خرجه أحمد في‏

124

المناقب و ابن السمان في الموافقة.

و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي: (حبيبك حبيبي و حبيبي حبيب اللّه و عدوك عدوي و عدوي عدو اللّه و الويل لمن أبغضك بعدي). خرجه الحاكمي.

ذكر اختصاصه بإخاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن ابن عمر قال: آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه قال يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك و لم تؤاخ بيني و بين أحد قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (أنت أخي في الدنيا و الآخرة). خرجه الترمذي و قال غريب و البغوي في المصابيح في الحسان.

و عنه قال: آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أصحابه حتى بقي علي و كان رجلا شجاعا ماضيا على أمره إذا أراد شيئا فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال بلى يا رسول رضيت، قال فأنت أخي في الدنيا و الآخرة)، خرجه الخلعي. و عن علي أنه كان يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسوله لا يقوله أحد غيري إلا كذاب. خرجه أبو عمر و خرجه الخلعي و زاد: و أنا الصديق الأكبر و لقد صليت قبل الناس بسبع سنين.

و عن علي قال: طلبني النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجدني في حائط نائما فضربني برجله و قال: (قم فو اللّه لأرضينك، أنت أخي و أبو ولدي تقاتل على سنتي من مات على عهدي فهو في كنز الجنة و من مات على عهدك فقد قضى نحبه و من مات محبك بعد موتك ختم اللّه له بالأمن و الإيمان ما طلعت شمس أو غربت). خرجه أحمد في المناقب.

و عن علي قال: جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو دعا بني عبد المطلب فهم رهط كلهم يأكل الجذعة و يشرب الفرق قال: فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا. قال و بقي الطعام كما هو كأن لم يمس ثم دعا بغمر فشربوا

125

حتى رووا و بقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشربوا فقال يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم خاصة و إلى الناس عامة و قد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخي و صاحبي؟ فلم يقم إليه أحد، قال:

فقمت و كنت أصغر القوم قال اجلس ثم قال ذلك ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول اجلس حتى كان في الثالث فضرب بيده على يدي. خرجه أحمد في المناقب.

و في طريق آخر قال: لما نزل قوله‏ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجالا من أهله إن كان الرجل منهم لآكلا جذعة و إن كان لشاربا فرقا فقدم إليهم رجلا فأكلوا حتى شبعوا فقال لهم: (من يضمن عني ديني و مواعيدي و يكون معي في الجنة و يكون خليفتي في أهلي؟) فعرض ذلك على أهل بيته فقال: أنا فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (تقضي ديني و تنجز مواعيدي). خرجه أحمد في المناقب.

و عن ابن عباس و قد سئل عن علي قال: كان أشدنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لزوما و أولنا به لحوقا. خرجه ابن الضحاك. و عن عمر بن عبد اللّه عن أبيهه عن جده أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) آخى بين الناس و ترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا فقال: يا رسول اللّه آخيت بين الناس و تركتني؟ قال:

(و لم تراني تركتك؟ إنما تركتك لنفسي، أنت أخي و أنا أخوك فإني أذاكرك قل أنا عبد اللّه و أخو رسوله لا يدعيها بعدي إلا كذاب). خرجه أحمد في المناقب.

و عن جابر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (على باب الجنة مكتوب لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه على أخو رسول اللّه).

و في رواية مكتوب على باب الجنة: (محمد رسول اللّه علي أخو رسول اللّه قبل أن تخلق السموات بألفي سنة). خرجهما أبو أحمد في المناقب و خرج الأول الغساني في معجمه و قد تقدمت أحاديث المؤاخاة بين‏

126

الصحابة مستوعبة في باب العشرة.

ذكر اختصاصه بأن اللّه جعل ذرية نبيه في صلبه‏

تقدم في الذكر قبله قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) (أنت أخي و أبو ولدي).

و عن عبد اللّه بن عباس قال: كنت أنا و العباس جالسين عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ دخل علي بن أبي طالب فسلم عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قام و عانقه و قبل بين عينيه و أجلسه عن يمينه فقال العباس: يا رسول اللّه أتحب هذا؟

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (يا عم و اللّه للّه أشد حبا له مني: أن جعل ذرية كل نبي في صلبه و جعل ذريتي في صلب هذا). خرجه أبو الخير الحاكمي.

ذكر اختصاصه بأنه مولى من كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مولاه‏

عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا السلام عليك يا مولانا قال. و كيف أكون مولاكم و أنتم عرب؟ قالوا سمعنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه).

قال رباح: فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري خرجه أحمد و عنه قال: بينما علي جالس إذ جاء رجل فدخل عليه أثر السفر فقال: السلام عليك يا مولاي.

قال. من هذا: قال أبو أيوب الأنصاري. فقال علي: افرجوا له ففرجوا فقال أبو أيوب: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه). خرجه البغوي في معجمه.

و عن البراء بن عازب قال: كنا عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة و كسح لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تحت شجرة فصلّى الظهر و أخذ بيد علي و قال: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا بلى، فأخذ بيد علي و قال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه). قال: فلقيه عمر بعد ذلك‏

127

فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولى كل مؤمن و مؤمنة.

و عن زيد بن أرقم مثله. خرجه أحمد في مسنده و خرج الأول ابن السمان و خرج في كتاب المناقب معناه عن عمر و زاد بعد قوله (و عاد من عاداه و انصر من نصره و أحب من أحبه) قال شعبة: أو قال: (ابغض من أبغضه) و خرج ابن السمان عن عمر منه. (من كنت مولاه فعلي مولاه). و خرجه المخلص الذهبي عن حبشي بن جنادة. و قال بعد و انصر من نصره و أعن من أعانه. و لم يذكر ما بعده.

و عن أبي الطفيل قال قال علي: أنشد اللّه كل امرئ سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم غدير خم لما (1) قام، فقام ناس فشهدوا أنهم سمعوه يقول:

(ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا بلى يا رسول اللّه قال: من كنت مولاه فإن هذا مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه). فخرجت و في نفسي من ذلك شي‏ء فلقيت زيد بن أرقم فذكرت ذلك له فقال: قد سمعناه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول ذلك له، قال أبو نعيم: قلت لفطر- يعني الذي روى عنه الحديث- كم بين القول و بين موته؟ قال مائة يوم. خرجه أبو حاتم و قال يريد موت علي بن أبي طالب. و خرج الترمذي عنه من ذلك: من كنت مولاه فعلي مولاه و قال حسن غريب و خرجه أحمد عن سعيد بن موهب و لفظه قال: نشد علي فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشهدوا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

(من كنت مولاه فعلي مولاه).

و عن زيد بن أرقم قال: استنشد على الناس فقال أنشد اللّه رجلا سمع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه). فقام ستة عشر رجلا فشهدوا.

____________

(1) إلا.

128

و عن زياد بن أبي زياد قال: سمعت علي بن أبي طالب ينشد الناس فقال: أنشد اللّه رجلا مسلما سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول يوم غدير خم ما قال، فقام اثنا عشر رجلا بدريا فشهدوا.

و عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتغير و قال: (يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت بلى يا رسول اللّه قال من كنت مولاه فعلي مولاه). خرجه احمد.

و عن عمر انه قال: علي مولى من كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مولاه.

و عن سالم قيل لعمر: إنك تصنع بعلي شيئا ما تصنعه بأحد من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال إنه مولاي.

و عن عمر و قد جاء أعرابيان يختصمان فقال لعلي اقض بينهما يا أبا الحسن فقضى علي بينهما فقال أحدهما هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر و أخذ بتلبيبه و قال ويحك ما تدري من هذا، هذا مولاي و مولى كل مؤمن و من لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

و عنه و قد نازعه رجل في مسألة فقال: بيني و بينك هذا الجالس و أشار إلى علي بن أبي طالب فقال الرجل: هذا الأبطن! فنهض عمر عن مجلسه و أخذ بتلبيبه حتى شاله من الأرض ثم قال: أتدري من صغرت؟ مولاي و مولى كل مسلم. خرجهن ابن السمان.

(شرح)- غدير خم- موضع بين مكة و المدينة بالجحفة (1). و بيان معنى الحديث بيان متعلق من ذهب إلى إمامة علي رضي اللّه عنه و الجواب عنه و حمل الحديث على المعنى المناسب- لما تقدم في إمامة أبو بكر- قد تقدم في فصل خلافة أبي بكر.

____________

(1) بالقرب من رابغ: حيث ميقات الإحرام: لأهل مصر و من مرّ به.

129

ذكر اختصاصه بأنه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنه ولي كل مؤمن بعده‏

قد تقدم طرف من أحاديث أنه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و عن عمران بن حصين قال: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سرية و استعمل عليها عليا، قال: فمضى على السرية فأصاب جارية فانكروا عليه و تعاقد أربعة من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قالوا اذا لقينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبرناه بما صنع علي، فقال عمران: و كان المسلمون إذا قدموا من سفر بدأوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقام أحد الأربعة فقال يا رسول اللّه ألم تر أن عليا صنع كذا و كذا؟ فأعرض عنه ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الغضب يعرف في وجهه فقال: (ما تريدون من علي- ثلاثا-؟ إن عليا مني و أنا منه و هو ولي كل مؤمن بعدي). خرجه الترمذي و قال حسن غريب و أبو حاتم و خرجه أحمد و قال فيه: فأقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الرابع و قد تغير وجهه فقال: (دعوا علي، دعوا عليا، علي مني و أنا منه و هو ولي كل مؤمن بعدي).

و عن بريدة قال: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سرية و أمر عليها رجلا و أنا فيها فأصبنا سبيا فكتب الرجل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ابعث لنا من يخمسه قال: فبعث عليا و في السبي و صيفة هي من أفضل السبي. قال:

فخمس و قسم قال: فخرج و رأسه يقطر، قلنا يا أبا الحسن ما هذا؟

قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي؟ فإني قسمت و خمست و صارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم صارت في آل علي و وقع بها. فكتب الرجل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت: ابعثني مصدقا.

قال: فجعلت اقرأ الكتاب و أقول صدق قال. فأمسك يدي و الكتاب و قال: (تبغض عليا) قلت نعم قال: (فلا تبغضه و إن كنت تحبه فازدد

130

له حبا فو الذي نفسي بيده لنصيب آل علي من الخمس أفضل من وصيفة) قال: فما كان من الناس أحد بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحب إليّ من علي.

و في رواية فلما أتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دفعت الكتاب فقرئ عليه فرأيت الغضب في وجهه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت. يا رسول اللّه هذا مكان العائذ بعثتني مع رجل و أمرتني أن أطيعه ففعلت ما أمرت. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لا تقع في علي فإنه مني و أنا منه و هو وليكم بعدي). خرجهما أحمد.

و عنه قال. بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا إلى خالد ليقبض الخمس فكنت أبغض عليا فاصطفى منه سبية فأصبح و قد اغتسل فقلت لخالد. أما ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكرت ذلك له فقال: (يا بريدة أتبغض عليا؟) قلت نعم. قال: (لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك). انفرد به البخاري.

و عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (من كنت وليه فعلي وليه). أخرجه أبو حاتم.

و عن علي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إذا جمع اللّه الأولين و الآخرين يوم القيامة و نصب الصراط على جسر جهنم ما جازها أحد حتى كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب). خرجه الحاكمي في الأربعين و المراد بالولاية و اللّه أعلم الموالاة و النصرة و المحبة.

و عن ابن مسعود قال: أنا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخذ بيد علي و قال (هذا ولي و أنا وليه، و اليت من والاه و عاديت من عاداه) خرجه الحاكمي.

ذكر حق عليّ على المسلمين‏

عن عمار بن ياسر و أبي أيوب قالا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (حق علي على المسلمين حق الوالد على الولد). خرجه الحاكمي.

و عن أبي مقدم صالح قال: لما حضرت عبد اللّه بن عباس الوفاة

131

قال: اللهم إني أتقرب إليك بولاية علي بن أبي طالب. خرجه أحمد في المناقب.

و الكلام على هذا الحديث و بيان متعلق الرافضة منه و الجواب و الجمع بينه و بين ما تقدم في خلافة أبي بكر تقدم في فصل خلافة ابي بكر.

ذكر اختصاصه بأن جبريل منه‏

عن أبي رافع قال: لما قتل علي أصحاب الألوية يوم أحد- قال جبريل: يا رسول اللّه إن هذه لهي المواساة، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إنه مني و أنا منه) فقال جبريل: و أنا منكما يا رسول اللّه، خرجه أحمد في المناقب.

ذكر اختصاصه بتأييد اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) به و كتبه ذلك على ساق العرش و على بعض الحيوان‏

عن أبي الحمراء قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ليلة أسري بي إلى السماء- نظرت إلى ساق العرش فرأيت كتابا فهمته (محمد رسول اللّه، أيدته بعلي، و نصرته به) خرجه الملاء في سيرته.

و عن ابن عباس قال: كنا عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإذا بطائر في فيه لوزة خضراء، فألقاها في حجر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخذها فقبلها، ثم كسرها، فإذا في جوفها دودة خضراء مكتوب فيها بالأصفر: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، نصرته بعلي خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.

ذكر اختصاصه بالتبليغ عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن أبي سعيد أو أبي هريرة قال: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا بكر، فلما بلغ ضجنان سمع بغام ناقة علي فعرفه فأتاه فقال: ما شأني؟ قال خير، إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعثني ببراءة. فلما رجعنا انطلق أبو بكر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

132

فقال: يا رسول اللّه مالي؟ قال: خير، أنت صاحبي في الغار غير أنه لا يبلغ غيري أو رجل مني يعني عليا.

(شرح) بغام الناقة. صوت لا تفصح به تقول منه بغمت تبغم بالكسر و بغمت الرجل إذا لم تفصح له عن معنى ما تحدثه به- ضجنان، جبل بناحية مكة.

و عن جابر أنهم حين رجعوا من الجعرانة إلى المدينة بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كان بالعرج ثوب بالصبح فلما استوى بالتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف على التكبير فقال. هذه رغوة ناقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلعله أن يكون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنصلي معه، فإذا علي عليها، فقال له أبو بكر. أمير أم رسول؟ فقال لا، بل رسول أرسلني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس حتى إذا فرغ قام علي فقرأ براءة حتى ختمها ثم خرجنا معه، حتى إذا كان يوم عرفة، قام أبو بكر فخطب الناس، فعلمهم مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ثم كان يوم النحر فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم و عن نحرهم و عن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون و كيف يرمون و علمهم مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. خرجهما أبو حاتم و خرج الثاني النسائي.

(شرح) الجعرانة. موضع بقرب مكة معروف يعتمر منه أهل مكة في كل عام مرة في ذي القعدة لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) اعتمر منها بعد مرجعه من الطائف لثنتي عشرة ليلة بقيت من القعدة و فيها لغتان إسكان العين و التخفيف و كسرها مع التشديد الراء- و العرج. منزل بطريق مكة و إليها

133

ينسب العرجي الشاعر و هو عبد اللّه بن عمر بن عثمان بن عفان ذكره الجوهري و الصواب عبد اللّه بن عمر بن عثمان بن عفان- و التثويب. في الصبح أن يقول. الصلاة خير من النوم، ثم قد يراد به الإيذان بالصلاة و لعله المراد هنا- و الرغوة. و الرغاء بمعنى، و هو صوت ذوات الخف، يقول رغا البعير يرغو رغاء إذا ضج.

و عن علي رضي اللّه عنه قال. لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه و رجع أبو بكر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال يا رسول اللّه نزل في شي‏ء؟ قال. لا، جبريل جاءنا فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك.

(شرح)- قوله فرجع أبو بكر: الظاهر أن رجوعه كان بعد مرجعه من الحج، يشهد له الحديث المتقدم، و أطلق عليه لفظ الرجوع لوجود حقيقة الرجوع فيه جمعا بينهما.

و عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين بعثه ببراءة قال. يا رسول اللّه إني لست باللسن و لا بالخطيب، قال: ما بد لي أن يذهب بها أنا أو تذهب بها أنت، قال: فإن كان فأذهب أنا. قال: انطلق فإن اللّه يسدد لسانك و يهدي قلبك قال: ثم وضع يده على فمه. خرجهما أحمد.

و عن حبشي بن جنادة و كان قد شهد حجة الوداع قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (علي مني و أنا منه و لا يؤدي عني إلا أنا أو علي). خرجه الحافظ السلفي.

(شرح)- قوله و لا يبلغ عني غيري أو رجل مني: أي من أهل بيتي، و كذلك قول جبريل: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، و هذا التبليغ و الأداء يختص بهذه الواقعة لا مطلق التبليغ و الأداء، و ذلك‏

134

معلوم بالضرورة يشهد له الوجود، فإن رسله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم تزل مختلفة إلى الآفاق في التبليغ عنه و أداء رسالاته و تعليم الأحكام و الوقائع مؤدين لها عنه و مبلغين عنه، و ليسوا كلهم منه، فعلم أن الإشارة و التبليغ في تلك الواقعة، و كان ذلك لسبب اقتضاه، و هو أن عادة العرب لم تزل جارية في نقض العهود أن لا يتولى ذلك إلا من تولى عقدها أو رجل من قبيلته، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولى أبا بكر ذلك على ما تضمنه حديث علي جريا على عادته في عدم مراعاة العوائد الجاهلية، فأمره اللّه تعالى أن لا يبعث في نقض عهودهم إلا رجلا منه إزاحة لعللهم و قطعا لحججهم لجواز أن يحتجوا على أبي بكر بعوائدهم و مألوفهم كما احتجوا عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كتاب صلح الحديبية لما قال لعلي: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقالوا:

اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب في الجاهلية، و إن كان المعنى المقتضي لإجابتهم في صلح الحديبية إلى ما طلبوا مفقودا هنا لانتشار أمر الإسلام و علو شأنه و ظهوره و قوة أهله زمن حجة أبي بكر، لكن الإيناس بالمألوف المعروف أقرب إلى انقياد النفوس و أدعى إلى طاعتها، و إذا تقررت هذه المقدمة ثبت أن إرسال علي لم يكن عزلا لأبي بكر رضي اللّه عنه عن إمارته، و إنما عن التبليغ فقط لمقتض اقتضاه كما قررنا، و كان أبو بكر الآمر و الخطيب و الإمام و المعلم مناسك الحج.

و قد صرح علي رضى اللّه عنه لما قال له أبو بكر: أمير أم رسول؟

فقال: بل رسول، و قال بعض منه أشبه قوله قول الرافضة ممن ينتمي إلى التحديث و التصوف إنما صرف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إمارة الحج عن علي، لما في الإمارة من شوائب الدنيا تنزيها له، إذ- كان سبيله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أهل بيته إبعادهم عن الدنيا و إبعاد الدنيا عنهم، و إنما كان توليته أمر التبليغ للضرورة التي لا تندفع إلا به كما تقدم تقريره، و هذا القول في هذا الموطن غلط من هذا القائل، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن كان سبيله في أهل بيته ما ذكره- فلا يمكن ادعاء هذا المعنى في هذا الموطن لوجوه، الأول: ما فيه من حط

135

مرتبة أبي بكر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إيثار الأولى في حقه و مكانته منه و منزلته عنده المعلومة المشهورة التي لا يوازنها، مكانة، و لا يضاهيها مرتبة، حتى اتصف بأحب القوم إليه و ألزمهم عنده، و اختص منه بخصائص لم يشاركه فيها غيره على ما تقدم تقريره في مناقبه، و ذلك لا يناسب تخصيصه بالأدنى مع علمه برسوخ قدمه في الزهد و الرغبة فيما عند اللّه تعالى، و إنما كان ذلك و اللّه أعلم تنبيها على أفضليته المقتضية اقامه مقام نفسه، و لذلك صرف الأمور كلها إليه ابتداء ثم خص عليا بأمر التبليغ لما ذكرناه فكان صرف إمرة الحج إلى أبي بكر لاختصاصه بقيام المقتضى لها لا لأمر آخر وراء ذلك.

الوجه الثاني: لا نسلم أن هذا الأمر من الدنيا في شي‏ء، بل هو محض عبادة كالصلاة و الأمير فيها كإمام الصلاة و خطيب الجمعة و لا يقال في شي‏ء من ذلك دنيا، و كيف يصح أن يقال فيه دنيا و على رضي اللّه عنه يقول: يا دنيا غري غيري طلقتك ثلاثا بتاتا. و قد تولى الخلافة العظمى فلو اعتقد أن ما قام فيه محض عبادة للّه تعالى لا دنيا فيه لما صح هذا القول و لا شك في صحته و في أن قدمه في الزهد في الدنيا من أرسخ الأقدام و مباينته لها مشهور بين الانام ثابت عند العلماء الأعلام، نعم تصير هذه الأمور دنيا إذا نوى بها الترفع على أبناء جنسه و أقام جاهه و علو شأنه و نحو ذلك، و أعاذ اللّه أبا بكر و عليا و واحدا من الصحابة من ذلك و أعاذنا اللّه من اعتقاد ذلك فيهم بل قام و اللّه أعلم أبو بكر فيما أقامه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من إمرته فيه عبدا للّه مؤديا مناسكه ممتثلا أمر نبيه في نصب نفسه إماما يقتدى به تعبدا للّه و تقربا إليه ليس إلا، و كذلك قيامه في خلافته و جميع أموره، و قام علي في المواطن التي أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها و في خلافته كذلك، و هكذا كل منهم (رضوان اللّه عليهم أجمعين).

و الوجه الثالث: سلمنا أن فيها شائبة دنيا لكنها مغمورة مضمحلة بالنسبة إلى ما فيها من التعبد و القربة إلى اللّه تعالى، إذ في ذلك إقامة منار

136

الدين و إظهار شعائره و انتظام أمره، و إن ظهرت لها صورة بحكم التبعية فغير مقصودة، و لم تزل سنة اللّه تعالى في أنبيائه و رسله و أوليائه و الصالحين من عباده جارية باعلاء منارهم و تكثير تابعهم و تحكمهم في أمور خلقه بحسب مراتبهم و هل الدنيا إلا عبارة عن ذلك؟ لكن لا يعد شي‏ء من ذلك دنيا لعدم قصدها و إرادتها و إن حصلت صورتها ضمنا و تبعا.

الوجه الرابع: أن ما ذكره منتقض بالمواطن التي أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها عليا على ما تقدم تقريره، و سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، و كل ما يتكلف فيه من غير ما أشرنا إليه فهو خلاف الظاهر.

ذكر اختصاصه بإقامة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إياه مقامه في نحر بقية بدنه و إشراكه إياه في هديه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن جابر حديثه الطويل، و فيه: فنحر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثا و ستين بدنة بيده و أعطى عليا فنحر ما غبر منها و أشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها، و شربا من مرقتها. خرجه مسلم.

(شرح)- غبر: أي بقي و منه إلا امرأته كانت من الغابرين، أي الباقين- و البضعة: القطعة بالفتح و أخواتها بالكسر مثل القطعة و الفلذة و القدرة و الكسرة و الخرقة، و ما لا يحصى، قاله الجوهري و البضع و البضعة في العدد مكسور و بعض العرب يفتحها و هو ما بين الثلاث و التسع، يقال بضع سنين و بضعة عشر رجلا، و بضع عشرة امرأة، فإذا جاوز لفظ العشر ذهب البضع فلا تقول بضع و عشرون قاله الجوهري.

ذكر اختصاصه بالقيام على بدن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن علي قال: أمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن أقوم على بدنه، و أن أتصدق بلحمها و جلودها و أن لا أعطي الجزار منها شيئا.

137

ذكر اختصاصه بأنه لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له على الجواز

عن قيس بن حازم قال: التقى أبو بكر الصديق و علي بن أبي طالب فتبسم أبو بكر في وجه علي، فقال له: ما لك تبسمت؟ قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (لا يجوز أحد الصراط الا من كتب له على الجواز). خرجه ابن السمان في الموافقة.

ذكر اختصاصه بمغفرة من اللّه يوم عرفة

عن فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالت: خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عشية عرفة، فقال: (إن اللّه عز و جل قد باهى بكم و غفر لكم عامة، و لعلي خاصة، و إني رسول اللّه غير محاب بقرابتي). خرجه أحمد.

ذكر اختصاصه بسيادة العرب و حث الأنصار على حبه‏

عن الحسن بن علي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ادعو الي سيد العرب، يعني عليا، قالت عائشة: ألست سيد العرب؟ قال: أنا سيد ولد آدم، و علي سيد العرب، فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال لهم: يا معشر الأنصار، ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، قالوا بلى يا رسول اللّه، قال: هذا علي فأحبوه بحبي و أكرموه بكرامتي، فإن جبريل (عليه السلام) أخبرني بالذي قلت لكم عن اللّه عز و جل). خرجه الفضائلي و الخجندي، و المراد سيد شباب العرب لأنه تقدم في خصائص أبي بكر أنه سيد كهول العرب جمعا بين الحديثين.

ذكر اختصاصه بسيادة المسلمين و ولاية المتقين و قيادة الغر المحجلين‏

عن عبد اللّه بن سعد بن زرارة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (ليلة

138

أسري بي انتهيت إلى ربي عز و جل، فأوحى إليّ- أو أمرني، شك الراوي- في علي بثلاث: أنه سيد المسلمين و ولي المتقين و قائد الغر المحجلين). خرجه المحاملي.

و عن علي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إنك سيد المسلمين و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين و يعسوب الدين) خرجه علي بن موسى الرضا.

ذكر سيادته في الدنيا و الآخرة

عن ابن عباس قال: نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى علي بن أبي طالب فقال: (أنت سيد في الدنيا و سيد في الآخرة). خرجه أبو عمر و أبو الخير الحاكمي.

ذكر اختصاصه بالولاية و الإرث‏

و عن بريدة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لكل نبي وصي و وارث، و إن عليا وصيي و وارثي). خرجه البغوي في معجمه.

و عن أنس قال قلنا لسلمان: (سل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من وصيه؟ فقال سلمان: يا رسول اللّه من وصيك؟ قال: يا سلمان من كان وصي موسى؟ قال يوشع بن نون. قال فإن وصيي و وارثي يقضي ديني و ينجز موعدي علي بن أبي طالب). خرجه في المناقب. و هذان الحديثان لا يصحان، و إن صحا فالإرث محمول على ما تضمنه حديث المؤاخاة في باب العشرة و هو أنه قال له (صلّى اللّه عليه و سلّم). (أنت أخي و وارثي، قال: و ما أرث منك يا نبي اللّه؟ قال؛ ما ورث الأنبياء من قبلي قال: و ما ورث الأنبياء من قبلك؟ قال كتاب ربهم و سنة نبيهم). و على ما تضمنه حديث معاذ قال: قال علي: (يا رسول اللّه ما أرث منك؟ قال: ما يرث النبيون بعضهم من بعض كتاب اللّه و سنة نبيه). خرجه ابن الحضرمي حملا

139

للمطلق على المقيد، و هذا توريث غير التوريث المتعارف، فيحمل الإيصاء على نحو من ذلك كالنظر في مصالح المسلمين على أي حال كان خليفة أو غير خليفة و مساعدة أولي الأمر، و عليه يحمل توصيته بالعرب فيما رواه حبة العربي عن علي قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا علي أوصيك بالعرب خيرا). خرجه ابن السراج.

و عن حبشي قال: رأيت عليا يضحي بكبشين فقلت له: ما هذا؟

قال: أوصاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن أضحي عنه. خرجه أحمد في المناقب، و هذا يدل على صرف الوصية إلى غير الولاية إذ لو كانت الولاية لاستوى فيها العرب و العجم، أو يحمل على إيصائه اليه في الضحية عنه، أو الإيصاء اليه في رد الأمانات حين هاجر، أو على حفظ الأهل حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك و نحو ذلك، أو على قضاء دينه و إنجاز وعده على ما تضمنه حديث أنس المتقدم، أو على إيصائه بغسله.

عن حسين بن علي عن أبيه عن جده قال: (أوصى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا أن يغسله فقال علي: يا رسول اللّه أخشى أن لا أطيق ذلك. قال: إنك ستعان عليّ قال. فقال عليّ: فو اللّه ما أردت أن أقلب من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عضوا إلا قلب لي). خرجه ابن الحضرمي، و يعضد هذا التأويل بالأحاديث الصحيحة في نفي التوريث و الإيصاء على ما تقدم في فصل خلافة أبي بكر و أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يعهد اليه عهدا غير ما في كتاب اللّه عز و جل و ما في صحيفة فيها شي‏ء من أسنان الإبل و من العقل.

عن بريدة بن سويد بن طارق التيمي قال. رأيت عليا على المنبر يخطب فسمعته يقول. لا و اللّه ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب اللّه و ما في هذه الصحيفة؛ و إذا فيها أسنان الإبل و أشياء من الجراحات. و حديث المدينة حرم ما بين عير إلى ثور. أخرجاه.

و عن أبي الطفيل عامر بن وائلة قال. كنت عند علي فأتاه رجل فقال‏

140

له. ما كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أسر إليك؟ قال. فغضب ثم قال. ما كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسر إلى شيئا يكتمه على الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع.

قال. ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: (لعن اللّه من لعن والديه و لعن اللّه من ادعى لغير أبيه و لعن اللّه من آوى محدثا و لعن اللّه من غير منار الأرض). خرجه مسلم.

ذكر اختصاصه بغسل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما توفي‏

قال ابن اسحاق. لما غسل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي أسنده إلى صدره و عليه قميصه يدلكه به من ورائه و لا يفضي بيده إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يقول.

بأبي و أمي ما أطيبك حيا و ميتا!! و لم ير من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شي‏ء يرى من الميت و كان العباس و الفضل و قثم يساعدون عليا في تقليب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان أسامة بن زيد و شقران يصبان الماء عليه.

ذكر اختصاصه بالرخصة في تسمية ولده باسم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تكنيته بكنيته‏

عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي قال. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إن ولد لك غلام فسمه باسمي و كنه بكنيتي، و هو لك رخصة دون الناس). خرجه المخلص الذهبي.

و عن علي قال قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يولد لك ابن قد نحلته اسمي و كنيتي). خرجه أحمد.

ذكر اختصاصه برد الشمس عليه‏

عن الحسن بن علي قال كان رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حجر علي و هو يوحى اليه فلما سري عنه قال: (يا علي صليت العصر؟) قال: لا.

قال. (اللهم إنك تعلم أن كان في حاجتك و حاجة نبيك فرد عليه الشمس). فردها عليه فصلّى و غابت الشمس. خرجه الدولابي قال.

141

و قال علماء الحديث و هو حديث موضوع و لم ترد الشمس لأحد و إنما حبست ليوشع بن نون. و قد خرجه الحاكمي عن أسماء بنت عميس و لفظه.

قالت كان رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حجر علي فكره أن يتحرك حتى غابت الشمس فلم يصل العصر ففزع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر له علي أنه لم يصل العصر فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللّه عز و جل أن يرد الشمس عليه فأقبلت الشمس لها خوار حتى ارتفعت قدر ما كانت في وقت العصر قال: فصلّى ثم رجعت. و خرج أيضا عنها: أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد أوحى اللّه اليه أن يجلله بثوب فلم يزل كذلك إلى أن أدبرت الشمس، يقول: غابت أو كادت تغيب ثم إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سري عنه فقال: (أصليت يا علي؟) قال: لا قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (اللهم رد الشمس على علي) فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد.

ذكر اختصاصه بادخال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إياه معه في ثوبه يوم توفي و احتضانه إياه إلى أن قبض‏

عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لما حضرته الوفاة ادعو الى حبيبي، فدعوا له أبا بكر فنظر إليه ثم وضع رأسه ثم قال: ادعوا لي حبيبي فدعوا له عمر فلما نظر اليه وضع رأسه ثم قال:

ادعوا لي حبيبي. فدعوا له عليا فلما رآه أدخله معه في الثوب الذي كان عليه فلم يزل يحتضنه حتى قبض و يده عليه). أخرجه الرازي.

ذكر اختصاصه بأقربية العهد به يوم مات‏

عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: و الذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). قالت: عدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غداة بعد غداة يقول: (جاء علي؟)- مرارا- و أظنه كان بعثه لحاجة فجاء بعد فظننت أن له حاجة فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب فكنت من أدناهم إلى الباب فأكب عليه علي فجعل يساره و يناجيه ثم قبض من يومه‏

142

ذلك (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكان من أقرب الناس به عهدا. أخرجه أحمد.

ذكر قدم اختصاصه بتزويج فاطمة (عليها السلام)

عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال: (جاء أبو بكر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقعد بين يديه فقال: يا رسول اللّه قد علمت مناصحتي و قدمي في الإسلام و إني و إني. قال: (و ما ذاك؟) قال: تزوجني فاطمة. قال:

فسكت عنه قال: فرجع أبو بكر إلى عمر فقال هلكت و أهلكت، قال:

و ما ذاك؟ قال: خطبت فاطمة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). فأعرض عني. قال:

مكانك حتى آتي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأطلب مثل الذي طلبت فأتى عمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقعد بين يديه، فقال: يا رسول اللّه، قد علمت مناصحتي و قدمي في الإسلام و إني و إني، قال: (و ما ذاك؟) قال تزوجني فاطمة، فسكت عنه فرجع إلى أبي بكر، فقال إنه ينتظر أمر اللّه بها، قم بنا إلى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي: فأتياني و أنا أعالج فسيلا لي، فقالا إنا جئناك من عند ابن عمك بخطبة، قال علي فنبهاني لأمر فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقعدت بين يديه، فقلت يا رسول اللّه، قد علمت قدمي في الإسلام و مناصحتي و إني و إني، قال: (و ما ذاك؟) قلت تزوجني فاطمة، قال: (و ما عندك؟) قلت. فرسي و بزتي، قال: (أما فرسك فلا بد لك منها و أما بزتك فبعها) قال: فبعتها بأربعمائة و ثمانين، قال: فجئت بها حتى وضعتها في حجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقبض منها قبضة، فقال. أي بلال ابغنا بها طيبا و أمرهم أن يجهزوها، فحمل لها سريرا مشرطا بالشرط و وسادة من أدم حشوه ليف، و قال لعلي: (إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك). فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت و أنا في جانب، و جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (ها هنا أخي) قالت أم أيمن: أخوك و قد زوجته ابنتك، قال: (نعم) و دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البيت فقال لفاطمة: (ائتني بماء)، فقامت إلى قعب في البيت فأتت به بماء فأخذه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مج فيه ثم قال: (تقدمي‏

143

فتقدمت فنضح بين ثدييها و على رأسها، و قال اللهم إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم) ثم قال لها: (أدبري) فأدبرت فصب بين كتفيها و قال: (اللهم إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم) ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ائتوني بماء) قال علي فعلمت الذي يريد فقمت فملأت القعب ماء و أتيته به فأخذه و مج فيه ثم قال تقدم فصب على رأسي و بين ثديي ثم قال: (اللهم إني أعيذه بك و ذريته من الشيطان الرجيم)، ثم قال: (أدبر) فأدبرت فصب بين كتفي و قال: (اللهم إني أعيذه بك و ذريته من الشيطان الرجيم ثم قال لعلي: (ادخل بأهلك بسم اللّه و البركة). أخرجه أبو حاتم و أخرجه أحمد في المناقب من حديث أبي يزيد المدائني و قال: فأرسل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى علي لا تقرب امرأتك حتى آتيك فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعا بماء فقال فيه ما شاء اللّه أن يقول ثم نضح منه على وجه. ثم دعا فاطمة فقامت إليه تعثر في ثوبها و ربما قال في مرطها من الحياء فنضح عليها أيضا و قال لها: (إني لم آل أن أنكحك أحب أهلي إلي) فرأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سوادا وراء الباب. فقال: (من هذا؟) قالت أسماء، قال: (أسماء بنت عميس). قالت نعم قال: (أمع بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جئت كرامة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)). قالت نعم فدعا لي دعاء إنه لأوثق عملي عندي، قال ثم خرج ثم قال لعلي: (دونك أهلك) ثم ولى في حجرة فما زال يدعو لهما حتى دخل في حجرته و أخرج عبد الرزاق في جامعه من هذا الحديث عن عكرمة قال: لما زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا فاطمة، قال لها: (ما ألوت أن أنكحك أحب أهلي إليّ). و أخرج الدولابي جملة معناه عن أسماء بنت عميس و قدم فيه عليا في النضح و الدعاء كما تقدم عن احمد، و قال ثم قال لأم أيمن ادعي لي فاطمة، فجاءت و هي خرقة من الحياء، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (اسكني فقد أنكحتك أحب أهل بيتي إلي). ثم نضح (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليها و دعا لها ثم رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرأى سوادا بين يديه فقال: (من هذا؟) قالت أنا، قال: (أسماء بنت‏

144

عميس؟). قلت نعم، قال: (جئت في زفاف بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تكرمينه؟). قلت نعم، فدعا لي.

(شرح) الفسيل- الودي الصغار، و الجمع- فسلان. و النضح الرش. و نضح البيت رشه. و الخرقة. المستحية من الخرق بالتحريك أي الدهش من الخوف و الحياء تقول منه خرق بالكسر فهو خرق.

و عن أنس رضي اللّه عنه قال: لما زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاطمة قال: (يا أم أيمن زفي ابنتي إلى علي و مريه أن لا يعجل عليها حتى آتيها). فلما صلّى العشاء أقبل بركوة فيها ماء فتفل فيها ما شاء اللّه و قال: (اشرب يا علي و توضأ، و اشربي يا فاطمة و توضئي). ثم أجاف عليهما الباب فبكت فاطمة، فقال: (ما يبكيك؟ و قد زوجك أقدمهم إسلاما و أحسنهم خلقا؟) أخرجه أبو الخير الحاكمي.

و عن بريدة، رضي اللّه عنه. قال: خطب أبو بكر و عمر فاطمة فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إنها صغيرة، فخطبها علي فزوجها). أخرجه أبو حاتم و النسائي.

و عن جابر رضي اللّه عنه قال: حضرنا عرس علي فما رأيت عرسا كان أحسن منه، حشونا البيت طيبا و أتينا بتمر و زيت فأكلنا و كان فراشهما ليلة عرسهما إهاب كبش. أخرجه أبو بكر بن فارس.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما زوج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاطمة بعلي قالت: يا رسول اللّه زوجتني برجل فقير لا شي‏ء له. فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(أما ترضين يا فاطمة؟ إن اللّه اختار من أهل الأرض رجلين جعل أحدهما أباك، و الآخر بعلك). أخرجه الملاء في سيرته.

ذكر أن تزويج فاطمة من علي كان بأمر اللّه عز و جل و وحي منه‏

عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: خطب أبو بكر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

145

ابنته فاطمة، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا أبا بكر لم ينزل القضاء بعد) ثم خطبها عمر مع عدة من قريش كلهم يقول له مثل قوله لأبي بكر، فقيل لعلي لو خطبت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاطمة لخليق أن يزوجكها، قال: و كيف و قد خطبها أشرف قريش فلم يزوجها قال: فخطبها؛ فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (قد أمرني ربي عز و جل بذلك) قال أنس: ثم دعاني النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد أيام فقال لي (يا أنس اخرج و ادع لي أبا بكر الصديق، و عمر بن الخطاب؛ و عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و طلحة، و الزبير، و بعدة من الأنصار) قال فدعوتهم فلما اجتمعوا عنده (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخذوا مجالسهم و كان علي غائبا في حاجة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(الحمد للّه المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه و سطواته، النافذ أمره في سمائه و أرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، و ميزهم بأحكامه، و أعزهم بدينه، و أكرمهم بنبيه محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إن اللّه تبارك اسمه و تعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا، و أمرا مفترضا أو شج به الأرحام و ألزم الأنام، فقال عز من قائل‏ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً فأمر اللّه تعالى يجري إلى قضائه و قضاؤه يجري إلى قدره، و لكل قدر أجل و لكل أجل كتاب، يمحو اللّه و يثبت و عنده أم الكتاب، ثم إن اللّه عز و جل أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة (1) من علي بن أبي طالب فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي بن أبي طالب). ثم دعا بطبق من بسر فوضعه بين أيدينا ثم قال: (انهبوا) فنهبنا، فبينا نحن ننتهب إذ دخل عليّ على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتبسم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في وجهه ثم قال:

(إن اللّه أمرني أن أزوجك فاطمة: على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت‏

____________

(1) مع أن نسبة الأولاد إلى الأباء، و في غير هذا الحديث- قال: (صلّى اللّه عليه و سلّم): فاطمة بنت محمد- ذكر: هنا: (صلّى اللّه عليه و سلّم)- النسبة إلى خذبحة والدة فاطمة، زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المشهورة بالفضل، و العقل، و حسن التصرف و المعاملة، لفتا إلى أن هذه الابنة كأمها.

146

بذلك). فقال: قد رضيت بذلك يا رسول اللّه. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

(جمع اللّه شملكها، و أسعد جدكما، و بارك عليكما و أخرج منكما كثيرا طيبا). قال أنس: فو اللّه لقد أخرج منهما كثيرا طيبا. أخرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.

(شرح)- أو شج به الأرحام: أي شبك بعضها في بعض. يقال:

رحم و اشجة أي مشتبكة. و عنه قال: كنت عند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فغشيه الوحي، فلما أفاق قال تدري ما جاء به جبريل؟ قلت اللّه و رسوله أعلم. قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر و عمر و عثمان و عليا و طلحة و الزبير و بعدة من الأنصار. ثم ذكر الحديث بتمامه و قال: و شج به الأرحام و قال: فلما أقبل علي قال له؛ يا علي: إن اللّه أمرني أن أزوجك فاطمة، و قد زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة أرضيت؟ قال: رضيت يا رسول اللّه، قال ثم قام علي فخر ساجدا شاكرا، قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (جعل اللّه منكما الكثير الطيب، و بارك اللّه فيكما). قال أنس: فو اللّه لقد أخرج منهما الكثير الطيب أخرجه أبو الخير أيضا.

و عن عمر و قد ذكر عنده علي قال: ذاك صهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزل جبريل فقال: إن اللّه يأمرك أن تزوج فاطمة ابنتك من علي، أخرجه ابن السمان في الموافقة.

ذكر أن اللّه زوج فاطمة عليا بمشهد من الملائكة

عن أنس رضي اللّه عنه قال: بينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المسجد، إذ قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي (هذا جبريل يخبرني أن اللّه عز و جل زوجك فاطمة، و أشهد على تزويجك أربعين ألف ملك، و أوحى إلى شجرة طوبى أن انثري عليهم الدر و الياقوت فنثرت عليهم الدر و الياقوت، فابتدرت إليه الحور العين يلتقطن من أطباق الدر و الياقوت، فهم يتهادونه بينهم إلى يوم القيامة).

أخرجه الملاء في سيرته.

147

ذكر اختصاصه بإعطائه الراية يوم خيبر و بفتحها

عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه). قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: (أين علي بن أبي طالب؟) قالوا: يشتكي عينيه يا رسول اللّه، قال: (فأرسلوا إليه) فلما جاء بصق في عينيه و دعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع؛ و أعطاه الراية فقال علي: يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: (ابتدي‏ء على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه. فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم).

أخرجاه و أبو حاتم.

(شرح)- قوله يدوكون- أي يخوضون و يموجون- و قوله: ابتدئ على رسلك- أي امض على مؤدتك كما تقول على هينتك- و حمر النعم- أفخرها عند العرب و يجوز أن يكون المراد و اللّه أعلم يكون لك حمر النعم فتنفقها في سبيل اللّه، و هداية رجل على يديك أفضل لك من ذلك، لأن يملكها و يقتنيها، إذ لا فضل في ذلك إلا زينة الدنيا، و لا تعدل و إن عظمت شيئا من ثواب الآخرة، و هكذا كلما ورد نحو خير من الدنيا، و ما فيها: خير مما طلعت عليه الشمس و اللّه أعلم.

و عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لأدفعن الراية اليوم إلى رجل يحب اللّه و رسوله فتطاول القوم فقال: أين علي؟ فقالوا: يشتكي عينه، فدعاه فبزق في كفيه و مسح بهما عين علي ثم دفع إليه الراية ففتح اللّه عليه). أخرجه أبو حاتم. و عنه قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم خيبر:

(لأعطين هذه الراية رجلا يحب اللّه و رسوله يفتح اللّه عليه. قال عمر:

فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتشارفت فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا فأعطاه‏

148

إياها و قال امش و لا تلتفت فسار علي شيئا ثم وقف و لم يلتفت، فصرخ رسول اللّه، فقال علي: علام أقاتل؟ فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على اللّه عز و جل). أخرجه مسلم و أبو حاتم بتغيير بعض اللفظ.

و عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه قال: كان علي قد تخلف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في خيبر و كان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فخرج علي فلحق بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما كانت الليلة التي فتحها اللّه في صباحها قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه اللّه و رسوله) أو قال: (يحب اللّه و رسوله، يفتح اللّه عليه) فإذا نحن بعلي و ما نرجوه، فقالوا هذا علي، فأعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ففتح اللّه عليه- أخرجاه‏ (1).

و عنه قال: خرجنا إلى خيبر و كان عمي عامر يرتجز بالقوم و هو يقول:

و اللّه لولا اللّه ما اهتدينا* * * و لا تصدّقنا و لا صلينا

و نحن عن فضلك ما استغنينا* * * فثبت الأقدام إن لاقينا

و أنزلن سكينة علينا

فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (من هذا؟) قالوا عامر، فقال: (غفر اللّه لك يا عامر) و ما استغفر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لرجل خصه إلا استشهد، قال عمر:

يا رسول اللّه لو متعتنا بعامر.

فلما قدمنا خيبر خرج مرحب يخطر بسيفه و هو ملكهم و هو يقول:

____________

(1) البخاري و مسلم.

149

قد علمت خيبر أني مرحب‏* * * شاكي السلاح بطل مجرب‏

إذا الحروب أقبلت تلتهب

فنزل عامر فقال:

قد علمت خيبر أني عامر* * * شاكي السلاح بطل مغامر

فاختلفا بضربتين فوقع سيف مرحب في فرس عامر فذهب ليسفل له فوقع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكان فيها نفسه و إذا نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا أبكي فقلت يا رسول اللّه بطل عمل عامر، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (من قال هذا؟) قلت ناس من أصحابك، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): (بل له أجره مرتين، ثم أرسلني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى علي فألقيته و هو أرمد فقال: (لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله). فجئت به أقوده و هو أرمد حتى أتيت به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبصق في عينيه فبرئ و أعطاه الراية، و خرج مرحب فقال:

قد علمت خيبر أني عامر* * * شاكي السلاح بطل مغامر

فقال علي:

أنا الذي سمتني أمي حيدره‏* * * كليث غابات كريه المنظره‏

أو فيهم بالصّاع كيل السندره

قال فضربه ففلق رأسه فقتله و كان الفتح على يد علي بن أبي طالب.

أخرجه أبو حاتم و قال هكذا روي في فرس عامر و إنما هو في عامر، و أخرجه مسلم بتغيير بعض لفظه، و أخرجه أحمد عن بريدة الأسلمي و لم يذكر فيه قصة عامر، و قال بعد قوله شاكي السلاح بطل مجرب:

أطعن أحيانا و حينا أضرب‏

و قال فاختلف هو و علي ضربتين فضربه علي على عاتقه حتى عض‏

150

السيف فيها بأضراسه و سمع أهل العسكر صوت ضربته، قال: و ما ينام الناس مع علي حتى فتح اللّه له و لهم.

(شرح)- ألقيته: وجدته؛ و تلافيته تداركته- شاكي السلاح:

و شائك السلاح بمعنى و هو الذي ظهرت حدته و شوكته- مغامر: المغامرة المباطشة، تقول غامره إذا باطشه و قاتله و لم يبال بالموت.

و قد تقدم ذكر ذلك في خصائص أبي بكر- و الأكحل عرق في البدن يفصد و لا يقال عرق الأكحل- يسفل: التسفيل التصويب حيدرة: من أسماء الأسد.

و قد تقدم في ذكر اسمه- و الليث اسم للأسد أيضا- و الغابات: جمع غابة و هي الأجمة من القصب، و غابة اسم موضع بالحجاز- و السندرة:

مكيال ضخم كالقنقل، و يروى أكيلهم بالسيف كيل السندرة.

و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخذ الراية و هزها ثم قال: (من يأخذها بحقها) فجاء فلان فقال أنا، فقال امض، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (و الذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلا لا يفر: هاك يا علي) فانطلق حتى فتح اللّه عليه خيبر، و فدك، و جاء بعجوتها و قديدها. خرجه أحمد.

و عن بريدة رضي اللّه عنه قال: لما كان حيث نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحصن أهل خيبر أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللواء عمر بن الخطاب و نهض معه من نهض من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر و أصحابه فرجعوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله). فلما كان الغد تصادر بها أبو بكر و عمر فدعا عليا و هو أرمد فتفل في عينيه و أعطاه اللواء و نهض معه من الناس من نهض، ثم ذكر قتل مرحب و قال: فما ينام آخر الناس حتى فتح اللّه لهم و له. أخرجه الغيباني و الحافظ الدمشقي في الموافقات، و عنه قال:

151

حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف و لم يفتح له، ثم أخذه عمر من الغد فخرج و رجع و لم يفتح له، و أصاب الناس يومئذ شدة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (إني دافع اللواء إلى رجل يحبه اللّه و رسوله و يحبّ اللّه و رسوله، لا يرجع حتى يفتح عليه) ... فبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا، فلما أصبح (صلّى اللّه عليه و سلّم) قام قائما فدعا باللواء و الناس على مصافهم فدعا عليا و هو أرمد فتفل في عينه و دفعه إليه ففتح له، قال بريدة: و أنا ممن تطاول لها. أخرجه أحمد في المناقب.

و عن سلمة رضى اللّه عنه قال: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا بكر الصديق برايته و كانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر فقاتل و رجع و لم يكن فتح و قد جهد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه، ليس بفرّار). فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعلي و هو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: (خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح اللّه عليك). قال سلمة: فخرج و اللّه بها يهرول هرولة و إنا خلفه أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت؟ قال. أنا علي بن أبي طالب، قال: يقول اليهودي علوتم و ما أنزل على موسى، أو كما قال، فما رجع حتى فتح اللّه على يديه. أخرجه ابن إسحاق.

و عن أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: خرجنا مع علي حين بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود و قد طرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به نفسه فلم يزل بيده حتى فتح اللّه عز و جل عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجتهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه. أخرجه أحمد. و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما أن علي بن أبي طالب حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون فافتتحوها، و بعد ذلك لم يحمله أربعون رجلا و في طريق ضعيف ثم‏

152

اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب. أخرجهما الحاكمي في الأربعين.

ذكر اختصاصه بأنه و زوجته و ابنيه أهل البيت‏

عن سعيد قال أمر معاوية سعدا أن يسب أبا تراب فقال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلن أسبه لأن يكون في واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول و خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: تخلفني مع النساء و الصبيان، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). و سمعته يقول يوم خيبر (لأعطين الراية). و ذكر القصة: و سيأتي.

و لما نزلت هذه الآية، فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ‏ (1) دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليا و فاطمة و الحسن و الحسين. و قال: (اللهم هؤلاء أهلي). خرجه مسلم و الترمذي.

و عن أم سلمة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلل على الحسن و الحسين و علي و فاطمة كساء، و قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي، أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا). خرجه الترمذي، و قال حسن صحيح.

و عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: قلت لعبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة: يا عم لم كان صغو الناس إلى علي؟ فقال: يا ابن أخي إن عليا كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم و كان له من السطة (2) في العشيرة و القدم في الإسلام و الصهر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الفقه في السنة و النجدة في الحرب و الجود في الماعون.

و لما نزل قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ‏

____________

(1) سورة آل عمران الآية 61.

(2) مصدر وسط يسط سطة- و سيأتي في كلام المؤلف.

153

الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاطمة و عليا و حسنا و حسينا في بيت أم سلمة، و قال اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا أخرجه القلعي و معناه في الصحيح و ستأتي أحاديث هذا الذكر مستوفاة في فضل أهل البيت من كتاب (مناقب القرابة و الذرية).

(شرح)- صغو الناس: أي ميلهم، قال أبو زيد: يقال صغوه معك بفتح الصاد و كسرها. و صغاة: أي ميله، تقول منه صغا يصغو و يصغي صغيا، و كذلك صغى بالكسر يصغا. السطة: المتوسطة تقول:

وسطت القوم أسطهم وسطا. وسطة أي توسطتهم و أشار و اللّه أعلم إلى التمكن فيهم لأن من توسط شيئا تمكن منه. و النجدة الشجاعة، تقول نجد الرجل بالضم فهو نجد و نجد و تجيد و تجيد و جمع نجد انجاد مثل يقظ و أيقاظ، و جمع نجيد نجد و نجداء و رجل ذو نجدة أي ذو بأس و الرجس القذر، يطلق على العقاب و الغضب كما في قوله تعالى‏ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ‏ قال الفراء و الرجز لغة فيه.

ذكر أن بيوته أوسط بيوت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن سعيد بن عبيدة قال جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر له محاسن عمله ثم قال لعل ذلك يسوؤك قال نعم قال فأرغم اللّه أنفك ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال ذاك بيته أوسط بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لعل ذلك يسوؤك قال أجل قال فأرغم اللّه أنفك انطلق فاجهد على جهدك أخرجه البخاري و المخلص.

____________

(1) سورة الاحزاب الآية 33.

154

ذكر اختصاصه و زوجه و بنيه بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حرب لمن حاربهم سلم لمن سالمهم‏

عن زيد بن أرقم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين (أنا حرب لمن حاربهم سلم لمن سالمهم). خرجه الترمذي.

و عن أبي بكر الصديق قال رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيم خيمة و هو متكئ على قوس عربية و في الخيمة علي و فاطمة و الحسن و الحسين فقال:

(معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة حرب لمن حاربهم ولي لمن والاهم لا يحبهم إلا سعيد الجد (1) طيب المولد و لا يبغضهم إلا شقي الجد ردي‏ء الولادة).

ذكر اختصاصه بانتفاء الرمد عن عينيه أبدا بسبب تفل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيهما

عن علي رضي اللّه عنه قال ما رمدت‏ (2) منذ تفل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عيني أخرجه أحمد.

و عنه قال ما رمدت عيناي منذ مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجهي و تفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية. أخرجه أبو الخير القزويني.

ذكر اختصاصه بلبس لباس الشتاء في الصيف و لبس لباس الصيف في الشتاء لعدم وجدان الحر و البرد

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان أبي يسمر مع علي و كان علي يلبس ثياب الصيف في الشتاء و ثياب الشتاء في الصيف فقيل له لو سألته فسأله فقال إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعث إلي و أنا أرمد العين يوم خيبر فقلت يا

____________

(1) الحظ.

(2) ما أصابني رمد.