الرياض النضرة في مناقب العشرة - ج3

- محب الدين الطبري‏ المزيد...
241 /
205

يقول: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ‏ (1) و لو لم تبدأوا بهذا لما بدأنا. ثم رجع إلى مكانه.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما- و قد سأله رجل: أكان علي يباشر القتال يوم صفين؟ فقال: و اللّه ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلف من علي، و لقد كنت أراه يخرج حاسر الرأس، بيده السيف إلى الرجل الدارع فيقتله، أخرجهما الواحدي.

و قال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم أن علي بن أبي طالب صاح و هم محاصرو بني قريظة: يا كتيبة الإيمان، و تقدم هو و الزبير ابن العوام و قال: و اللّه لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم، فقالوا يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ.

و عن علي قال: قاتلت يوم بدر قتالا، ثم جئت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإذا هو ساجد يقول: (يا حي يا قيوم). ففتح اللّه عز و جل عليه. أخرجه النسائي و الحافظ الدمشقي في الموافقات.

ذكر شدته في دين اللّه عز و جل‏

عن سويد بن غفلة قال: قال (عليه السلام): إذا حدثتكم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حديثا فو اللّه لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه.

و في رواية: أن أقول عليه ما لم يقل. أخرجاه.

و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: اشتكى الناس عليا يوما، فقام رسول اللّه فينا فخطبنا، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليا، فو اللّه إنه لأخشن في ذات اللّه عز و جل- أو قال في سبيل اللّه).

أخرجه أحمد.

و عن كعب بن عجرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (إن‏

____________

(1) سورة البقرة الآية 194.

206

عليا مخشوشن في ذات اللّه عز و جل) أخرجه أبو عمر.

(شرح)- الأخشن مثل الخشن. قاله الجوهري، تقول منه خشن بالضم فهو خشن و اخشوشن للمبالغة أي اشتدت خشونته.

و عن علي (عليه السلام) قال: كنت أنطلق أنا و أسامة إلى أصنام قريش التي حول الكعبة فنأتي بالعذرات التي حول البيوت، فنأخذ كل صوابة جرو و بزاق بأيدينا و ننطلق به إلى أصنام قريش فنلطخها.

فيصيحون و يقولون: من فعل هذا بآلهتنا، فيظلون النهار يغسلونها بالماء و اللبن. أخرجه أبو القزويني الحاكمي.

(شرح)- العذرات: جمع عذرة و هي فناء الدار.

ذكر رسوخ قدمه في الإيمان‏

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن عليا كان يقول في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): اللّه عز و جل يقول: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ (1) و اللّه لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللّه و لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت. و اللّه إني لأخوه و وليه و ابن عمه و وارثه. و من أحق به مني؟ أخرجه أحمد في المناقب.

و عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال: أشهد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسمعته و هو يقول: (لو أن السموات السبع و الأرضين السبع وضعت في كفة و وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي) أخرجه ابن السمان و الحافظ السلفي في المشيخة البغدادية و الفضائلي.

ذكر تعبده‏

تقدم في حديث ضرار في أول الفصل طرف منه.

____________

(1) سورة آل عمران الآية 144.

207

و عن حارثة بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي اللّه عنه قال: كان لعلي بيت في المسجد يتحدث فيه كما كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخرجه الحضرمي.

ذكر أذكاره و أدعيته‏

عن جعفر الصادق قال: كان أكثر كلام علي (عليه السلام). الحمد للّه. أخرجه الخجندي.

و عن عبد اللّه بن الحارث الهمداني أن عليا كان يقول في ركوعه:

اللهم لك ركعت و بك آمنت. و أنت ربي. ركع سمعي و بصري و لحمي و دمي و شعري و عظمي، تقبل مني أنت السميع العليم. فإذا رفع رأسه من الركوع و أراد أن يسجد قال: لك أركع و أسجد، و أقوم و أقعد، و إذا سجد قال: اللهم لك سجدت، و بك آمنت، و أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، و شق سمعه و بصره، تبارك اللّه أحسن الخالقين، الحمد للّه رب العالمين، و يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي و ارحمني و اهدني و ارزقني، أخرجه أبو روق الهزاني.

و عن أبي إسحاق السبيعي عن علي (عليه السلام): و لما خرج من باب القصر قال: فوضع رجله في الغرز فقال: بسم اللّه، فلما استوى على الدابة قال: الحمد للّه الذي كرمنا و حملنا في البر و البحر، و رزقنا من الطيبات، و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا. سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون، رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أخرجه الترمذي و أبو داود و النسائي و الحافظ في الموافقات.

ذكر صدقته‏

عن علي (عليه السلام) قال: رأيتني مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إني لأربط

208

الحجر على بطني من الجوع و إن صدقني اليوم لأربعون ألفا و في رواية و إن صدقة مالي لأربعون ألف دينار. أخرجهما أحمد و ربما يتوهم متوهم أن مال علي (عليه السلام) تبلغ زكاته هذا القدر و ليس كذلك- و اللّه أعلم- فإنه رضي اللّه عنه كان أزهد الناس على ما علم من حاله مما تقدم و ما سيأتي في ذكر زهده، فكيف يقتني مثل هذا؟ قال أبو الحسن بن فارس اللغوي:

سألت أبي عن هذا الحديث قال: معناه أن الذي تصدقت به منذ كان لي مال إلى اليوم كذا و كذا ألفا، قلت: و ذكره لذلك يحتمل أن يكون في معرض التوبيخ لنفسه بتنقل الحال إلى مثل هذا بعد ذلك الحال و يحتمل أن يكون في معرض الشكر على سد الخلة و عظم الاكتراث بما خرج للّه و أن إخراجه أبلغ في الزهد من عدمه.

و عن عبد اللّه بن سلام قال: أذن بلال بصلاة الظهر، فقام الناس يصلون، فمن بين راكع و ساجد و سائل يسأل فأعطاه علي خاتمه و هو راكع فأخبر السائل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقرأ علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ أخرجه الواحدي و أبو الفرج و الفضائلي، و مضى أن الولاية هنا النصرة على ما تقدم تقريره في الخصائص.

و عن جعفر بن محمد عن أبيه- و قد سئل عن قوله تعالى‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (1). قال: هم أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: قلت: إنهم يقولون إنه علي بن أبي طالب، فقال: علي منهم ...

. أخرجه ابن السمان في الموافقة.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله‏ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً قال: أجر علي نفسه يسقي نخلا بشي‏ء من شعير ليلة حتى أصبح، فلما أصبح قبض الشعير فطحن منه شيئا ليأكلوه يقال له‏

209

الحريرة (دقيق بلادهن) فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأطعموه إياه، ثم صنعوا الثلث الثاني، فلما تم إنضاجه أتى يتيم مسكين فسأل فأطعموه إياه، ثم صنعوا الثلث الثالث، فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فأطعموه إياه و طووا يومهم فنزلت. و هذا قول الحسن و قتادة أن الأسير كان من المشركين. قال أهل العلم، و هذا يدل على أن الثواب مرجو فيهم و إن كانوا من غير أهل الملة، و هذا إذا أعطوا من غير الزكاة و الكفارة.

و قال سعيد بن جبير: الأسير: المحبوس من أهل القبلة. ذكره الواحدي.

و عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر أقطع عليا ينبع. ثم اشترى أرضا إلى جنب قطعته فحفر فيها عينا، فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجذور من السماء، فأتى علي فبشر بذلك، فقال: بشروا عمر. ثم تصدق بها على الفقراء و المساكين و ابن السبيل و في سبيل اللّه للقريب و البعيد، في السلم و الحرب، ليوم تبيض وجوه، و تسود وجوه، ليصرف اللّه بها وجهي عن النار و لتصرف النار عن وجهي. أخرجه بن السمان في الموافقة.

ذكر فكه رهان ميت بتحمل دين عنه‏

عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شي‏ء من عمل الرجل و يسأل عن دينه، فان قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، و إن قيل ليس عليه دين صلى عليه، فأتي بجنازة فلما قام ليكبر سأل (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابه: (هل على صاحبكم دين؟) قالوا:

ديناران، فعدل (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: (فصلوا على صاحبكم،) فقال علي: هما عليّ، بري‏ء منهما. فتقدم (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال لعلي: (جزاك اللّه خيرا، فك اللّه رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت إلا و هو مرتهن بدينه‏

210

و من يفك رهان ميت فك اللّه رهانة يوم القيامة) فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أو للمسلمين عامة؟ فقال: (للمسلمين عامة). أخرجه الدارقطني، و أخرجه أيضا، عن أبي سعيد، و فيه، فقال علي: أنا ضامن لدينه. و أخرجه الحاكمي عن ابن عباس.

ذكر أنه كان من أكرم الناس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن ابن اسحاق السبيعي قال: سألت أكثر من أربعين رجلا من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من كان أكرم الناس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قالوا:

الزبير و علي رضي اللّه عنهما. أخرجه الفضائلي.

ذكر زهده‏

تقدم في صدر الفصل حديث ضرار و فيه طرف منه و عن عمار بن ياسر رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي:

إن اللّه قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب منها هي زينة الأبرار عند اللّه: الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزأ من الدنيا و لا ترزأ الدنيا منك شيئا، و وصب لك المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا و يرضون بك إماما. أخرجه أبو الخير الحاكمي.

(شرح) ترزأ: تصيب و الرزء: المصيبة- و وصب لك: أي أدام و منه و له الدين واصبا.

و عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا علي .. كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة و رغبوا في الدنيا و أكلوا التراث أكلا لما و أحبوا المال حبا جما و اتخذوا دين اللّه دغلا و مالوا دولا؟) قلت: أتركهم و ما اختاروا و أختار اللّه و رسوله و الدار الآخرة، و أصبر على مصيبات الدنيا و بلواها حتى ألحق بكم إن شاء اللّه تعالى قال: صدقت اللهم افعل ذلك‏

211

به، أخرجه الحافظ الثقفي في الأربعين. و عن علي بن أبي ربيعة أن علي ابن أبي طالب جاءه ابن التياح فقال: يا أمير المؤمنين، امتلأ بيت المال من صفراء و بيضاء فقال: اللّه أكبر، فقام متوكئا على ابن التياح حتى قام على بيت المال و أمر فنودي في الناس، فأعطى جميع ما في بيت المال للمسلمين، و هو يقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري، هاء و هاء؛ حتى ما بقي فيه دينار و لا درهم، ثم أمر بنضحه و صلّى فيه ركعتين.

أخرجه أحمد في المناقب، و الملاء و صاحب الصفوة. و أخرج أحمد من طريق آخر، و الفضائلي معناه عن أبي صالح السمان، و لفظه: رأيت عليا دخل بيت المال فرأى فيه شيئا، فقال: ألا أرى هذا ههنا و بالناس إليه حاجة، فأمر به فقسم، و أمر بالبيت فكنس و نضح، فصلّى فيه- أو قال فيه يعني نام- و في رواية عند أحمد فصلّى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة. و أخرجهما القلعي.

(شرح) نضحه. أي رشه، و قوله. هاء و هاء. أي هاك و هاك.

و قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه. ها و ها ساكن لألف، و الصواب مدها و فتحها، لأن أصلها هاك. فحذفت الكاف و عوضت منها المدة و الهمزة يقال للواحدها و للاثنين هاؤما و للجميع هاؤم و غير الخطابي يجيز فيه السكون على حذف العوض و ينزل منزلة ها التي للتنبيه.

و عن أبي السوار قال: رأيت عليا اشترى ثوبين غليظين فخير قنبر في أحدهما. أخرجه أحمد و صاحب الصفوة، و قد تقدم في ذكر اتباعه للسنة أنه أشترى ثوبا بثلاثة دراهم.

و عن عبد اللّه بن أبي الهذيل قال: رأيت عليا خرج و عليه قميص رازي إذا قمصه بلغ الظفر، و إذا أرسله صار إلى نصف الساعد.

و عن الحسن بن جرموز عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب يخرج من مسجد الكوفة و عليه قطريتان مؤتزرا بواحدة، مرتديا بالأخرى،

212

و إزاره إلى نصف الساق و هو يطوف بالأسواق، و معه درة، يأمرهم بتقوى اللّه عز و جل و صدق الحديث و حسن البيع و الوفاء بالكيل و الميزان.

أخرجهما القلعي.

(شرح)- القطر: و القطرية ضرب من البرود.

و عن أبي سعيد الأزدي قال: رأيت عليا في السوق و هو يقول: من عنده قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي. فجاء به فأعجبه فأعطاه ثم لبسه فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه فأمر به فقطع ما فضل عن أصابعه. أخرجه الملاء في سيرته، و أخرج صاحب الصفوة معناه عن فضل بن سلمة عن أبيه، و لفظه: أن عليا اشترى قميصا، ثم قال:

اقطعه لي من ههنا من أطراف أصابعه، فأمر بقطع ما فضل عن أطراف الأصابع.

و عن ان عباس رضي اللّه عنهما قال: اشترى علي بن أبي طالب قميصا بثلاثة دراهم و هو خليفة، و قطع كمه من موضع الرسغين و قال:

الحمد للّه الذي هذا من رياشه. أخرجه السلفي.

(شرح)- الرسغ: موصل الوظيف من الرجل و اليد. تسكن سينه و تحرك بالضم كاليسر و العسر، و الوظيف. مستدق الذراع و الساق من الخيل و الإبل ثم استعمل الرسغ في الآدمي اتساعا. و الريش و الرياش:

اللباس الفاخر، كالحرم و الحرام و اللبس و اللباس.

و عن أبي بحر عن شيخ قال: رأيت على علي إزارا غليظا، ثمنه خمسة دراهم، و قد أشتراه بخمسة دراهم قال: رأيت معه دراهم مصرورة قال: هذه بقية نفقتنا من ينبع.

و عن علي بن ربيعة قال: كان لعلي امرأتان، فكان إذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم، و إذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم.

213

و عن ابن أبي مليكة قال: لما أرسل عثمان إلى علي في اليعاقيب وجده مؤتزرا بعباءة محتجزا بعقال و هو يهنأ بعيرا له.

(شرح) يهنأ: أي يطليه بالهنا و هو القطران.

و عن عمر بن قيس قال: قيل لعلي: يا أمير المؤمنين، لم ترفع قميصك؟ قال: يخشع القلب و يقتدي به المؤمن.

و عن زيد بن وهب أن الجعد بن بعجة عاتب عليا في لبوسه، فقال:

و مالك و اللبوس؟ أن لبوسي هذا أبعد من الكبر و أجدر أن يقتدي به المسلم.

و عن عدي بن ثابت أن عليا أتي بالفالوذج فلم يأكله.

و عن حبة العرني أن عليا أتي بالفالوذج فوضع قدامه فقال و اللّه إنك لطيب الريح حسن اللون طيب المطعم، و لكني أكره أن أعوذ نفسي ما لم تعتده.

و عن أم سليم- و قد سئلت عن لباس علي- قالت: كان لباسه الكرابيس السنبلانية.

و عن الضحاك بن عمير قال: رأيت قميص علي بن أبي طالب الذي أصيب فيه، كرباس سنبلاني، و رأيت أثر دمه فيه كأنه ردي‏ء أخرج من حديث أبي سعيد الأزدي إلى هنا أحمد في المناقب.

ذكر ما كان فيه من ضيق العيش مع استصحاب الصبر الجميل‏

عن علي (عليه السلام) قال: أصبت شارفا من مغنم بدر، و أعطاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شارفا، فأنختهما عند باب رجل من الأنصار أريد أن أحمل عليهما إذخرا و أبيعه و أستعين به على وليمة فاطمة، و معي رجل صانع من بني قينقاع و حمزة بن عبد المطلب في البيت، و قينة تغنيه فقالت:

214

ألا يا حمزة للشرف البواء

فثار إليهما بالسيف فجب أسنتهما، و بقر خواصرهما و أخذ من أكبادهما قال: فنظرت إلى أمر فصنعني فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه زيد بن حارثة، فخرجت معه حتى قام على حمزة فتغيظ عليه، فرفع حمزة بصره و قال: هل أنتم إلا أعبد آبائي؟ فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقهقر عنه. متفق على صحته.

و عنه قال: جعت بالمدينة جوعا شديدا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله، فأتيتها فعاطيتها كل دلو بتمرة فمددت ستة عشر ذنوبا حق مجلت يدي ثم أتيتها فقلت: بكلتي يدي هكذا بين يديها- و بسط اسماعيل راوي الحديث يديه جميعا- فعدت لي ست عشرة تمرة فأتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته، فأكل معي منها و قال إلي خيرا و دعا لي. أخرجه أحمد و صاحب الصفوة و الفضائلي.

(شرح)- عوالي المدينة: أعاليها و هي منازل معروفة بها.

عاطيتها: يجوز أن يكون من قولهم هو يعطيني بالتشديد و يعاطيني إذا كان يخدمك و يجوز أن يكون من المعاطاة المناولة فكل واحد منهما أخذ يد صاحبه على ذلك إذا عاقده عليه، و إن لم يوجد أخذ اليد حسا. و الذنوب:

الدلو الملآن ماء و قال ابن السكيت: فيها ماء ما يقرب من ملئها يؤنث و يذكر و لا يقال لها و هي فارغة ذنوب و جمعه في القلة أذنبة و الكثير ذنائب نحو قلوس و قلائص و مجلت: تنفطت من العمل.

و عن سهل بن سعد أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة و الحسن و الحسين يبكيان فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع، فخرج علي فوجد دينارا في السوق فجاء إلى فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان اليهودي فخذ لنا به دقيقا، فجاء إلى اليهودي فاشترى به دقيقا فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول؟ قال: نعم. قال:

215

فخذ دينارك و لك الدقيق. فخرج علي حتى جاء به فاطمة فأخبرها فقالت: إذهب إلى الجزار فخذ لنا بدرهم لحما، فذهب فرهن الدينار بدرهم على لحم، فجاء به و عجنت و نصبت و خبزت، و أرسلت إلى أبيها، فجاءهم، فقالت: يا رسول اللّه أذكر لك، فإن رأيته حلالا أكلنا و أكلت، من شأنه كذا و كذا، فقال: كلوا بسم اللّه، فأكلوا، فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد اللّه و الإسلام الدينار، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعي له، فسأله فقال: سقط مني في السوق، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا علي اذهب إلى الجزار، فقل له إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لك: (أرسل إلي بالدينار، و درهمك علي فأرسل به). فدفع إليه أخرجه أبو داود.

و عن أسماء بنت عميس عن فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها يوما فقال: (أين ابناي؟) يعني حسنا و حسينا، قالت:

أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء نذوقه، فقال علي: أذهب بهما، فإني أتخوف أن يبكيا عليك، و ليس عندك شي‏ء؛ فذهب بهما إلى فلان اليهودي.

فتوجه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجدهما يلعبان في مسربه، بين أيديهما فضل من تمر، فقال: يا علي ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر عليهما؟ قال:

فقال علي: أصبحنا و ليس في بيتنا شي‏ء، فلو جلست يا رسول حتى أجمع لفاطمة تمرات؟ فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و علي ينزع لليهودي كل دلو بتمرة حتى اجتمع له شي‏ء من تمر فجعله في حجزته، ثم أقبل فحمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحدهما و حمل علي (عليه السلام) الآخر. أخرجه الدولابي في الذرية الطاهرة في مسند أسماء بنت عميس عن فاطمة.

(شرح)- المسربة: بالفتح و الضم، الغرفة، و حجزة الإذار:

معقده، و حجزة السراويل التي فيها التكة.

و عن أبي سويد المدني قال: لما أهديت فاطمة إلى علي لم تجد عنده إلا رملا مبسوطا و وسادة و جرة و كوزا فأرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (لا تقرب‏

216

امرأتك حتى آتيك ...) و ذكر قصة دخولها عليه و قد تقدمت في الخصائص.

و عن علي (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة و وسادة من أدم حشوها ليف و رحاتين و سقاء و جرتين فقال علي لفاطمة ذات يوم: و اللّه لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري و قد جاء اللّه أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: و اللّه قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: (ما حاجتك يا بنية؟) قالت: جئت لأسلم عليك، و استحيت أن تسأله، و رجعت، فقالت: استحيت أن أسأله، فأتيناه جميعا فقال علي: يا رسول اللّه، لقد سنت حتى اشتكيت صدري، و قالت فاطمة: و قد طحنت حتى مجلت يداي، و قد جاء اللّه بسبي وسعة، فأخدمنا قال: و اللّه لا أعطيكما و أدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، و لكن أبيعه و أنفق عليهم أثمانهم، فرجعا فأتاهما (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد دخل في قطيفتهما إذا غطت رؤسهما انكشفت أقدامهما، و إذا غطت أقدامهما انكشفت رؤسهما، فثارا فقال: (مكانكما. ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، قال: كلمات علمنيهن جبريل (عليه السلام)، فقال: تسبحان دبر كل صلاة عشرا و تحمدان عشرا و تكبران عشرا، و إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا و ثلاثين، و احمدا ثلاثا و ثلاثين، و كبرا أربعا و ثلاثين. قال علي: فما تركتهن منذ علمنيهن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقيل له: و لا ليلة صفين؟ قال:

و لا ليلة صفين). أخرجه أحمد.

(شرح)- الخميلة: لعله أراد بها الطنفسة و يقال لها الخمل- و سنوت: استقيت، و السانية: الناضحة التي يستقى عليها- و مجلت:

تنفطت من العمل، و السبي و السبا: الأسرى، قاله الجوهري، و قال غيره: السبي: النهب و أخذ الناس عبيدا، و أما السبية: المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة و جمعه سبايا.

217

و عنه أن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحا، فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبي فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبرته عائشة بمجي‏ء فاطمة، فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلينا و قد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال: (على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعا و ثلاثين، و سبحانه ثلاثا و ثلاثين، و أحمدا ثلاثا و ثلاثين، فهو خير لكما من خادم يخدمكما). أخرجه البخاري و أبو حاتم.

و عند ما قال: شكت إلي فاطمة من الطحين فقلت: لو أتيت أباك فسألته خادما؟ قال: فأتت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلم تصادفه، فرجعت مكانها، فلما جاء أخبر، فأتى و علينا قطيفة إذا لبسناها طولا خرجت منها جنوبنا و إذا لبسناها عرضا خرجت منها أقدامنا و رءوسنا فقال: يا فاطمة أخبرت أنك جئت، فهل كانت لك حاجة؟ قالت: لا، قلت: بلى، شكت إلي من الطحين فقلت لو أتيت أباك فسألته خادما؟ فقال: (أفلا أدلكما على ما هو خير لكما؟ إذا أخذتما مضاجعكما ..). ثم ذكر معناه. أخرجه أبو حاتم.

و عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: جاءت فاطمة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تشتكي أثر الخدمة و تسأله خادما، قالت: يا رسول اللّه لقد مجلت يداي من الرحا، أطحن مرة و أعجن مرة، فقال لها: (إن يرزقك اللّه شيئا سيأتيك، و سأدلك على خير من ذلك: إذا لزمت مضجعك فسبحي اللّه ثلاثا و ثلاثين، و كبري اللّه ثلاثا و ثلاثين، و احمدي اللّه أربعا و ثلاثين، فتلك مائة، فهو خير لك من الخدم). اخرجه الدولابي.

ذكر تواضعه‏

تقدم في زهده طرف منه، و سيأتي في ذكر ورعه طرف منه أيضا.

و عن أبي صالح بياع الأكسية عن جده قال: رأيت عليا اشتري تمرا

218

بدرهم فحمله في ملحفته، فقيل: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟

قال: أبو العيال أحق بحمله. أخرجه البغوي في معجمه.

و عن زيد بن وهب أن الجعد بن بعجة من الخوارج عاتب عليا في لباسه فقال: ما لكم و لباسي؟ هذا هو أبعد من الكبر، و أجدر أن يقتدي به المسلم. أخرجه أحمد و صاحب الصفوة، و قد تقدم في زهده، و قوله: أجدر: أي أحق و أولى، و جدير و خليق و حري بمعنى.

و عن زاذان قال: رأيت عليا يمشي في الأسواق فيمسك الشسوع بيده فيناول الرجل الشسع، و يرشد الضال و يعين الحمال على الحمولة و هو يقرأ الآية تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ ثم يقول: هذه الآية نزلت في ذي القدرة من الناس. أخرجه أحمد في المناقب.

و عن أبي مطر البصري أنه شهد عليا أتى أصحاب التمر و جارية تبكي عند التمار، فقال: ما شأنك؟ قالت: باعني تمرا بدرهم فرده مولاي، فأبى أن يقبله، فقال: يا صاحب التمر خذ تمرك و أعطها درهمها، فإنها خادم و ليس لها أمر، فدفع عليا، فقال المسلمون: تدري من دفعت؟

قال: لا. قالوا: أمير المؤمنين. فصب تمرها و أعطاها درهمها، و قال:

أحب أن ترضى عني فقال: ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم!. أخرجه أحمد في المناقب.

ذكر حيائه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن علي (عليه السلام) قال: كنت رجلا مذاء، فكنت أستحي أن أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فقال:

(يغسل ذكره و يتوضأ). أخرجاه.

ذكر غيرته على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن علي (عليه السلام) قال: قلت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مالك تنوق في‏

219

قريش و تدعنا؟ قال: و عندكم شي‏ء؟ قلت: نعم، بنت حمزة، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم) (إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة). أخرجه مسلم.

و قوله: تنوق: لعله بمعنى تأنق، و يجوز ذلك، أو يتخذ نوقا، و كنى به عن النساء.

ذكر خوفه من اللّه عز و جل‏

تقدم وصف ضرار له في أول الفصل.

ذكر ورعه‏

عن عبد اللّه بن الزبير قال: دخلت على علي بن أبي طالب يوم الأضحى فقرب إلينا خزيرة، فقلت: أصلحك اللّه لو قربت الينا من هذا البط- يعني الاوز- فإن اللّه قد أكثر الخير، فقال: يا ابن زرير سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (لا يحل لخليفة من مال اللّه إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو و أهله، و قصعة يضعها بين أيدي الناس). أخرجه أحمد.

(شرح)- الخزيرة: أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارا على ماء كثير فإذا نضح رد عليه الدقيق، و إن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: حدثني رجل من ثقيف أن عليا قال له: إذا كان عند الظهر فرح علي، قال فرحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، و وجدته و عنده قدح و كوز من ماء، فدعا بظبية، فقلت في نفسي: لقد أمنني حين يخرج إلي جوهرا و لا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم، فإذا فيها سويق فأخذ منه قبضة في القدح و صب عليه ماء، فشرب و سقاني فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين، أتصنع هذا بالعراق و طعام العراق أكثر من ذلك؟ فقال: و اللّه ما أختم عليه بخلا به و لكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيوضع فيه من غيره، و انما حفظي لذلك، و أكره أن يدخل بطني إلا طيبا. أخرجه في‏

220

لصفوة و الملاء في سيرته.

و عن ابن حبان التيمي عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب على المنبر يقول: من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته. فقام إليه رجل و قال: أسلفك ثمن إزار.

قال عبد الرازق: و كانت بيده الدنيا كلها إلا ما كان من الشام ..

أخرجه أبو عمر، و أخرج معناه بزيادة صاحب الصفوة عن علي بن الأرقم عن أبيه، و لفظه: قال: رأيت عليا و هو يبيع له سيفا في السوق و يقول، من يشتري مني هذا السيف؟ فو الذي فلق الحبة لطال ما كشفت به الحروب عن وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لو كان عندي ثمن إزار ما بعته.

و عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب في الخورنق و هو يرعد تحت سمل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن اللّه قد جعل لك و لأهل بيتك في هذا المال، و أنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: ما أرزؤكم من مالكم، و إنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي- أو قال: من المدينة.

(شرح)- السمل: الخلق- و القطيفة: دثار مخمل، و الجمع قطائف و قطف أيضا كصحيفة و صحف- أرزؤكم؛ أصيب منكم و الرزء المصيبة و الجمع أرزاء.

و عن ابن مطرف قال رأيت عليا مؤتزرا، مرتديا برداء و معه الدرة كأنه أعرابي بدوي، حتى بلغ سوق الكرابيس فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم؛ فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ثم جاء أبو الغلام فأخبره، فأخذ أبوه درهما ثم جاء به فقال: هذا الدرهم يا أمير المؤمنين؛ فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ قال: كان ثمن القميص درهمين؛ باعني رضاي و أخذ رضاه. أخرجهما صاحب الصفوة، و خرج الثاني أحمد في المناقب.

221

(شرح)- الكرباس: فارسي معرب بكسر الفاء، و الكرباسة أخص منه، و الجمع كرابيس، و هي ثياب خشنة.

و عن عمر بن يحيى عن أبيه قال: أهدي إلى علي بن أبي طالب أزقاق سمن و عسل، فرآها قد نقصت، قال: فقيل له: بعثت أم كلثوم فأخذت منه؛ فبعث إلى المقومين، فقوموا خمسة دراهم، فبعث إلى أم كلثوم: إبعثي لي خمسة دراهم. أخرجه في الصفوة.

و عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم علي بن أبي طالب مال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، فوجد فيه رغيفا، فقسمه سبع كسر، و جعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم. أيهم يعطي أول؟ أخرجه أحمد و القلعي.

و عن الأعمش قال: كان علي يغدي و يعشي، و يأكل هو من شي‏ء يجيئه من المدينة.

و عن أبي شالح قال: دخلت على أم كلثوم بنت علي و إذا هي تمتشط في ستر بيني و بينها، فجاء حسن و حسين، فدخلا عليها و هي جالسة تمشط، فقالت: ألا تطعمون أبا صالح شيئا؟ قال: فأخرجوا إلى قصعة فيها مرق بحبوب، قال: فقلت تطعمون هذا و أنتم أمراء؟ قالت أم كلثوم: يا أبا صالح، كيف لو رأيت أمير المؤمنين، يعني عليا، و أني بأترج، فذهب حسين فأخذ منها أترجة فنزعها من يده ثم أمر به فقسم بين الناس!؟

ذكر عدله في رعيته‏

تقدم في ذكر ورعه آنفا طرف منه.

و عن كريمة بنت همام الطائية قالت: كان علي يقسم فينا الورس بالكوفة. قال فضالة: حملناه على العدل منه. أخرجه أحمد في المناقب.

222

ذكر تفقده أحوالهم‏

عن أبي الصهباء قال: رأيت علي بن أبي طالب بشط الكلأ يسأل عن الأسعار.

ذكر شفقته على أمة محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الجاهلية و الإسلام و تخفيف اللّه عز و جل عن الأمة بسببه‏

عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (1) قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (ما ترى دينارا؟) قلت: لا يطيقونه؛ قال: (فكم؟) قلت:

شعيرة؛ قال: إنك لزهيد؛ فنزلت‏ (أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ .. (2) الآية؛ قال: فبي خفف اللّه عن هذه الأمة، أخرجه أبو حاتم.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى؛ قال: قال أبو ذر: كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل بمكة و اثنتي بخبره، فانطلق فلقيه ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ قال:

و اللّه لقد رأيت رجلا يأمر بالخير و ينهى عن الشر فقلت: لم تشفني من الخبر، فأخذت جرابا و عصا ثم اقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه و أكره أن أسأل عنه، و أشرب من ماء زمزم و أكون في المسجد، قال: فمر بي علي، فقال: كأن الرجل غريب، قال: قلت: نعم، قال: فانطلق إلى المنزل، فانطلقت معه لا يسألني عن شي‏ء و لا أخبره؛ فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه و ليس أحد يخبرني عنه بشي‏ء؛ قال: فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ قال: قلت: لا. قال:

____________

(1) سورة المجادلة الآية 12.

(2) سورة المجادلة الآية 13.

223

فانطلق معي فذهبت معه و لا يسأل أحد منا صاحبه عن شي‏ء؛ حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ قال: فقال: ما أمرك و ما أقدمك هذه البلد؟ قال: قلت له:

إن كتمت علي أخبرتك، قال: فقلت له: بلغنا أنه خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع و لم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني و ادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، و امض أنت، فمضى و مضيت معه حتى دخلت معه على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقلت له: اعرض علي الإسلام؛ فعرضه فأسلمت.

أخرجه البخاري.

و في الحديث قصة ذكرناها مستوعبة في مناقب العباس.

ذكر إسلام همدان على يديه‏

عن البراء بن عازب قال: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، و كنت في من سار معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شي‏ء؛ فبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي بن أبي طالب و أمره أن يرسل خالدا و من معه إلا من أراد البقاء مع علي فيتركه، قال البراء:

و كنت مع من عقب مع علي، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلّى علي بنا الفجر، فلما فرغ صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، و كتب بذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما قرأ كتابه خر ساجدا و قال: السلام على همدان، السلام على همدان. أخرجه أبو عمر.

ذكر إثبات أفضليته بقتل الخوارج‏

عن عبيدة السلماني قال: ذكر علي الخوارج، فقال فيهم رجل‏

224

مخدج اليد- أو مودن اليد-: لولا أن تبطروا لأخبرتكم بما وعد اللّه تعالى على لسان نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمن قتلهم؛ قال: فقلت لعلي: أسمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: أي و رب الكعبة- ثلاثا- أخرجه مسلم.

(شرح)- البطر: الاشر و هو شدة المرح، تقول منه، بطر بالكسر يبطر، و أبطره المال، و تقول بطرت عيشك كما تقول رشدت أمرك- و مخدج اليد: ناقصها، و منه حديث الصلاة «فهي خداج» يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام- و مودن اليد- و روى مودن اليد: يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام- و مودن اليد- و روي مودون اليد: و معناهما ناقصها أيضا، و منه قول العرب و دنت الشي‏ء و أودنته إذا نقصته و صغرته.

و عن عبد اللّه بن أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: إن الحرورية لما خرجت و هو مع علي، فقالوا: لا حكم إلا للّه، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) وصف لنا أناسا إني لأعرف وصفهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم- و أشار إلى حلقه- من أبغض خلق اللّه إلى اللّه، فيهم أسود إحدى يديه حلمة ثدي، فلما قتلهم على (عليه السلام) قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا، فقال: ارجعوا، فو اللّه ما كذب و لا كذبت- مرتين أو ثلاثة- ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبد اللّه: و أنا حاضر ذلك من أمرهم و قول علي فيهم. أخرجه أبو حاتم.

(شرح)- الحرورية: قوم ينسبون إلى حرورا و هي بلد الخوارج.

و عن زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذي كان مع علي ابن أبي طالب الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: يا أيها الناس، إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (يخرج من أمتي قوم يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشي‏ء، و لا صلاتكم إلى صلاتهم بشي‏ء، و لا

225

صيامكم إلى صيامهم بشي‏ء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم و هو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي اللّه لهم على لسان محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) لنكلوا عن العمل، و آية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية و أهل الشام و تتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم و أموالكم، و اللّه إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم سفكوا الدم الحرام، و أغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم اللّه تعالى. قال سلمة بن كهيل: فلما التقينا و على الخوارج يومئذ عبد اللّه بن وهب الراسبي، فقال لهم: إلقوا الرماح، و سلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما يوم حروراء؛ فرجعوا فوحشوا برماحهم و سلوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم فقتل بعضهم على بعض، و ما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض. قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر علي ثم قال: صدق اللّه و بلغ رسوله، فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين و اللّه الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): قال: أي و اللّه الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا و هو يحلف له: أخرجه مسلم.

و في رواية قال: فخروا سجودا عند وجود المخدج، و خر علي ساجدا معهم. و في رواية: قال أبو الرضى: فكأني أنظر إليه حبشيا عليه ثديان، أحد ثدييه مثل ثدي المرأة عليه شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع.

و في رواية: أنهم لما لم يجدوه جاء علي بنفسه فجعل يقول: أقلبوا ذا، و اقلبوا ذا، حتى جاء رجل من أهل الكوفة، فقال: هوذا، فقال علي: اللّه أكبر. أخرجهن أحمد في المناقب:

226

و في رواية أنهم لما وجدوه قال علي: هذا شيطان و هو أضلهم.

أخرجها أبو الخير القزويني الحاكمي.

(شرح)، و حشوا برماحهم: أي ألقوها.

و عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (تمرق مارقة من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين باللّه عز و جل).

و عن ابن مسعود أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى منزل أم سلمة، فجاء علي فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا أم سلمة، هذا قاتل القاسطين و الناكثين و المارقين من بعدي). أخرجهما الحاكمي.

(شرح)- القاسطون: الجائرون من القسط بالفتح و القسوط:

الجور و العدول عن الحق، و القسط: بالكسر العدل.

ذكر السبب الموجب لقتال الخوارج عليا (عليه السلام)

عن ابن عباس قال: اجتمعت الخوارج في دارها. و هم ستة آلاف أو نحوها، قلت لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة، لعلي ألقى هؤلاء القوم، فقال: إني أخافهم عليك، قال: فقلت:

كلا، قال: ثم لبس حلتين من أحسن الحلل، قال: و كان ابن عباس جميلا جهيرا، قال: فلما نظروا إليّ قالوا: مرحبا بابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: قلت: و ما تنكرون من ذلك؟ لقد رأيت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حلة من أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ‏ (1) قالوا: فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين و من عند أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من المهاجرين و الأنصار لأبلغكم ما قالوا و لأبلغهم ما تقولون، فما تنقمون من علي ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صهره؟ قال: فأقبل بعضهم على بعض، فقال بعضهم: لا

____________

(1) سورة الأعراف الآية 32.

227

تكلموه فإن اللّه تعالى يقول: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» و قال بعضهم: ما يمنعنا من كلام ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يدعونا إلى كتاب اللّه؟ قالوا:

ننقم عليه خلالا ثلاثا، قال: و ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر اللّه عز و جل، و ما للرجال و لحكم اللّه!؟ و قاتل و لم يسب و لم يغنم، فإن كان الذين قاتل قد حل قتالهم فقد حل سبيهم و إن لم يكن حل سبيهم فما حل قتالهم، و محا اسمه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير المشركين؛ قال: فقلت لهم: غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا؛ قال:

قلت: أرأيتم إن خرجت من هذا بكتاب اللّه و سنة رسول أراجعون أنتم؟

قالوا: و ما يمنعنا؟ قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر اللّه فإني سمعت اللّه عز و جل يقول في كتابه: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ في ثمن صيد أرنب أو نحوه يكون قيمته ربع درهم، فرد اللّه الحكم فيه إلى الرجال، و لو شاء أن يحكم لحكم، و قال تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم: قلت: و أما قولكم: قاتل و لم يسب و لم يغنم فإنه قاتل أمكم، و قال اللّه تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ فإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم، و إن زعمتم أنها أمكم فما حل سباها، فأنتم بين ضلالين، أخرجت من هذه قالوا: نعم، قال: و أما قولكم: محا اسمه من أمير المؤمنين، فإني أنبئكم بذلك عمن ترضون، أما تعلمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الحديبية- و قد جرى الكتاب بينه و بين سهيل بن عمرو- قال: يا علي، اكتب:

(هذا ما اصطلاح محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سهيل بن عمرو)، فقالوا: لو نعلم أنك رسول اللّه ما قاتلناك، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك، فقال: (اللهم إنك تعلم إني رسولك) ثم أخذ الصحيفة فمحاها بيده، ثم قال: يا علي اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه و سهيل بن عمر؟ فو اللّه ما أخرجه اللّه بذاك من النبوة، أخرجت من هذا؟.

228

قالوا: نعم. قال: فرجع ثلثهم، و انصرف ثلثهم، و قتل سائرهم على الضلالة. أخرجه بكار بن قتيبة في نسخته.

الفصل العاشر في خلافته ذكر ما جاء في صحة خلافته و التنبيه عليها تقدم في باب الأربعة طرف منه، و في باب أبي بكر و عمر و علي كذلك‏

و عن عمر أنه قال حين طعن و أوصى: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق المستقيم- يعني عليا- أخرجه أبو عمر و عن عمر بن ميمون قال:

كنت عند عمر إذ ولى الستة الأمر، فلما جاوزوا أتبعهم بصره، ثم قال:

لئن وليتم هذا الأجلح ليركبن بكم الطريق- يعني عليا- أخرجه ابن الضحاك.

و في لفظ: إن ولوها الأصيلع يحملهم على الحق و إن السيف على عنقه. أخرجه القلعي، و قد تقدم في فصل مقتل عمر.

و عن عبد الرحمن بن عبيد أنه سمع عمر رجلا ينادي رجلا من الأنصار من بني حارثة فقال: تجدونه يستخلف، فعد الأنصار و المهاجرين و لم يذكروا عليا، فقال عمر: فما بكم عن علي؟ فو اللّه إني لأرى إن قد ولي شيئا من أموركم فسيحملكم على طريقة الحق أخرجه ابن الضحاك.

و عن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر و كان الحادي يحدو:

إن الأمير بعده عثمان، فحججت مع عثمان، فكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده علي. أخرجه البغوي في معجمه، و قد تقدم في ذلك أيضا في نظيره في مناقب عثمان.

و عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى ينبع‏

229

عائدا لعلي بن أبي طالب، فقال له: يا أبا حسن؛ ما قيمك بهذا البلد، إن أصابك أجلك لم يلك إلا أعراب جهينة؟ فلو احتملت إلى المدينة فأصابك أجلك وليك أصحابك فصلوا عليك؟ فقال: يا أبا فضالة: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عهد إلى أن لا أموت حتى أومر، ثم تخضب هذه- يعني لحيته- من هذه- يعني ناصيته- أخرجه أحمد في المناقب و أبو حاتم و قال:

و قتل أبو فضاله مع علي بصفين. و خرجه الملاء في سيرته، و أخرجه ابن الضحاك و قال بعد قوله عائدا لعلي: و كان مريضا، و لم يقل حتى أومر.

و قد تقدم ذكر كراماته.

و عن ابن عمر أنه قال: ما أساء عليّ شي‏ء إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية، و على صوم الهواجر.

و فيه دليل على صحة خلافته عندهم.

و عن عمر بن خاقان قال: قال لي الأحنف بن قيس: لقيت الزبير؟

فقلت له: ما تأمرني به و ترضاه لي؟ قال: آمرك بعلي بن أبي طالب، قلت اتأمرني به و ترضاه لي؟ قال: نعم. أخرجه الحضرمي.

و عن عاصم بن عمر قال: لقي عمر عليا فقال: يا أبا الحسن، نشدتك باللّه هل كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولاك الأمر؟ قال: إن قلت ذاك فما تصنع أنت و صاحبك؟ قال: أما صاحبي فقد مضى، و أما أنا فو اللّه لأخلعنها من عنقي في عنقك، قال: جذع اللّه أنف من أبعدك من هذا؟

لا، و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعلني علما، فإذا أنا قمت فمن خالفني ضل.

و في رواية أنه قال له: يا أبا الحسن نشدتك باللّه هل استخلفك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: لا، و لكن جعلني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) علما، فمتى قمت فمن خالفني ضل. أخرهما ابن السمان في الموافقة.

ذكر بيعته و من تخلف عنها

تقدم في مقتل عثمان طرف من ذلك.

230

و عن محمد بن الحنفية قال: أتى رجل و عثمان محصور، فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي فقال: يا محمد: فأخذت بوسطه تخوفا عليه فقال: حل لا أم لك قال: فأتو على الدار و قد قتل الرجل، فأتى داره فدخلها و أغلق عليه بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه، فقال: إن هذا الرجل قد قتل، و لا بد للناس من خليفة، و لا نعلم أحدا أحق بها منك. فقال لهم علي: لا تريدوني، فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: و اللّه لا نعلم أحدا أحق بها منك: قال: فإن أبيتم علي فان بيعتي لا تكون سرا، و لكن ائتوا المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني. قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس.

و عن المسور بن مخرمة قال: قتل عثمان و علي في المسجد، فمال الناس إلى طلحة، قال: فانصرف علي يريد منزله، فلقيه رجل من قريش عند موضع الجنائز فقال: انظروا إلى رجل قتل ابن عمه و سلب ملكه! قال: فولى راجعا فرقي المنبر، فقيل: ذاك علي على المنبر، فمال الناس إليه فبايعوه و تركوا طلحة. أخرجهما أحمد في المناقب، و غيره، و لا تضاد بينهما، بل يحمل على أن طائفة من الناس أرادوا بيعة طلحة و الجمهور أتوا عليا في داره فسألوه ما سألوه و أجابهم على ما تقدم تقريره، فخرج بعد انصرافهم عنه في بعض شؤونه، فلما سمع كلام ذلك الرجل خشي الخلف بين الناس، فصعد شؤونه، فلما سمع كلام ذلك الرجل خشي الخلف بين الناس، فصعد المنبر في وقته ذاك، و بادر إلى البيعة لهذا المعنى، لا لحب المملكة و خشية فواتها و حمية حين سمع كلام ذلك الرجل:

قال ابن اسحاق: إن عثمان لما قتل بويع علي بن أبي طالب بيعة العامة في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و بايع له أهل البصرة، و بايع له بالمدينة طلحة و الزبير.

231

قال أبو عمر: و اجتمع على بيعته المهاجرون و الأنصار، و تخلف عن بيعته نفر، فلم يكرههم، و سئل عنهم فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق و لم يقوموا مع الباطل، و تخلف عنه معاوية و من معه بالشام و كان منهم في صفين ما كان، فغفر اللّه لهم أجمعين ثم خرج عليه الخوارج فكفروه و كل من معه إذ رضي بالتحكيم في دين اللّه بينه و بين أهل الشام، فقالوا:

حكمت الرجال في دين اللّه عز و جل، و اللّه تعالى يقول‏ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ‏ (1) ثم اجتمعوا و شقوا عصا المسلمين، و نصبوا راية الخلاف، و سفكوا الدماء، و قطعوا السبيل، فخرج اليهم بمن معه، و رام رجعتهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم و استأصل جمهورهم، و لم ينج منهم إلا القليل. و قال أبو عمر: و بايع له أهل اليمن بالخلافة يوم قتل عثمان.

ذكر حاجبه و نقش خاتمه‏

كان حاجبه قنبر مولاه. ذكره الخجندي، و كان نقش خاتمه (اللّه الملك). رواه أبو جعفر محمد بن علية، أخرجه السلفي و أخرجه الخجندي.

ذكر ابتداء شخوصه من المدينة و أنه لم يقم فيما قام فيه إلا محتسبا للّه تعالى‏

عن مالك بن الجون قال: قام علي بن أبي طالب بالربذة، فقال:

من أحب أن يلحقنا فليلحقنا، و من أحب أن يرجع فليرجع مأذونا له غير حرج، فقام الحسن بن علي فقال: يا أبة- أو يا أمير المؤمنين- لو كنت في جحر و كان للعرب فيك حاجة لاستخرجوك من جحرك، فقال:

الحمد للّه الذي يبتلي من يشاء بما يشاء، و يعافى من يشاء بما يشاء، أما

____________

(1) سورة الأنعام الآية 57.

232

و اللّه لقد ضربت هذا الأمر ظهرا لبطن- أو ذنبا و رأسا- فو اللّه إن وجدت له إلا القتال أو الكفر باللّه يحلف باللّه عليه، اجلس يا بني و لا تحن عليّ حنين الجارية. أخرجه أبو الجهم.

و قد تقدم في باب الشيخين قول ابن الكوا و قيس بن عباد له في قتاله و أنه: هل هو بعهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو شي‏ء من عندك؟ و جوابه لهما.

فلينظر ثمة.

ذكر ما رواه أبو بكر في فضل علي و روى عنه‏

و قد ذكرنا ذلك مفرقا في الأبواب و الفصول، و نحن ننبه عليه لتوفر الداعية.

فمنه حديث النظر اليه عبادة في الفضائل، و حديث استواء كفه و كف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و حديث أنه خيم عليه و على بنيه خيمة، و حديث أنه من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمنزلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ربه، و حديث: لا يجوز أحد الصراط إلا بجواز يكتبه علي، كل ذلك في الخصائص، و قوله: من سره أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة، و إحالته على علي لما سئل عن وصف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الفضائل و حديث مشاورة أبي بكر له في قتال أهل الردة في اتباعه للسنة.

ذكر ما رواه عمر في علي و روى عنه مختصرا

و قد تقدم جميع ذلك مفرقا في أبوابه.

فمنه حديث الراية يوم خيبر، و حديث ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن، و حديث أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: في علي ثلاث خلال لوددت أن لي واحدة منهن، و حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و حديث رجحان إيمانه بالسموات السبع و الأرضين، و حديث: من كنت مولاه‏

233

فعلي مولاه، و قوله: ما أحببت الامارة إلا يومئذ، لما قال لعلي: لأبعثنه إلى كذا كذا، و قوله: أصبحت مولى كل مؤمن و مؤمنة، و قوله: علي مولى من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مولاه، و قوله في علي: إنه مولاي، و إحالته في المسألة عليه غير مرة في القضاء.

و قوله: أقضانا علي، و رجوعه إلى قوله في مسائل كثيرة. كل ذلك في الخصائص و الفضائل مفرقا في بابه.

الفصل الحادي عشر في مقتله و ما يتعلق به ذكر إخباره عن نفسه أنه يقتل‏

تقدم في الذكر قبله حديث فضالة، و فيه طرف منه و عن زيد بن وهب قال: قدم على علي قوم من أهل البصرة من الخوارج فيهم رجل يقال له الجعد بن بعجة فقال له: اتق اللّه يا علي، فانك ميت، قال علي بضربة على هذه تخضب هذه- يعني لحيته من رأسه- عهد معهود، و قضاء مقضي و قد خاب من افترى.

و عن عبد اللّه بن سبع قال: خطبنا علي فقال: و الذي خلق الحبة و برأ النسمة، لتخضبن هذه من هذه. قال: فقال الناس: أعلمنا من هو لنبيره- أو لنبيرن عشيرته- قال أنشدكم باللّه أن لا يقتل بي غير قاتلي، قالوا: إن كنت قد علمت ذلك فاستخلف، قال: لا و لكن أكلكم إلى من وكلكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أخرجهما أحمد.

(شرح): لنبيره: أي نهلكه، و البوار الهلاك، و قوم بور أي هلكى، و بار فلان: هلك و أباره اللّه: أهلكه. ذكره الجوهري.

و عن سكين بن عبد العزيز العبدي أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليه فحمله ثم قال: أما أن هذا قاتلي؛

234

قيل: فما منعك منه، قال: إنه لم يقتلني بعد و قيل له: إن ابن ملجم يسم سيفه، و قيل له: إنه سيقتلك به قتلة يتحدث بها العرب، فبعث اليه و قال: لم تسم سيفك، قال: لعدوي و عدوك فخلى عنه و قال: ما قتلني بعد. أخرجه ابن عمر.

و عن الحسين بن كثير عن أبيه و كان قد أدرك عليا، قال: فخرج علي إلى الفجر، فأقبل الاوز يصحن في وجهه فطردوهن، فقال: فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم قلت له: يا أمير المؤمنين، خل بينا و بين مراد، فلا تقوم لهم ثاغية و لا راغية أبدا قال: لا و لكن احبسوا الرجل فإن أنا مت فاقتلوه، و أن أعش فالجروح قصاص. أخرجه أحمد في المناقب.

(شرح) ثاغية: شاه- راغية: بعير، ثغت الشاة ثغاء و رغا البعير يرغو رغاء.

ذكر رؤياه في نومه ليلة قتله‏

عن الحسن البصري أنه سمع الحسن بن علي يقول: أنه سمع أباه في سحر اليوم الذي قتل فيه يقول لهم: يا بني رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نومة نمتها، فقلت: يا رسول اللّه ما لقيت من أمتك من اللأواء و اللدد!! فقال: ادع اللّه عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا منهم، و أبدلهم بي من هو شر مني. ثم انتبه، و جاء مؤذنه يؤذنه بالصلاة فخرج فقتله ابن ملجم. أخرجه أبو عمر و القلعي و غيرهما.

ذكر قاتله و ما حمله على القتل و كيفية قتله و أين دفن‏

قال الزبير بن بكار: كان من بقي من الخوارج تعاقدوا على قتل علي و معاوية و عمرو بن العاص، فخرج لذلك ثلاثة، فكان عبد الرحمن بن ملجم هو الذي التزم لهم قتل علي، فدخل الكوفة عازما على ذلك‏

235

و اشترى سيفا لذلك بألف، و سقاه السم فيما زعموا حتى نفضله و كان في خلال ذلك يأتي عليا يسأله و يستحمله فيحمله، إلى أن وقعت عينه على قطام- امرأة رائعة جميلة كانت ترى رأي الخوارج- و كان علي قد قتل أباها و اخوتها بالنهروان، فخطبها ابن ملجم، فقالت له البنت: أنا لا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه فقال: و ما هو؟ قالت ثلاث آلاف دينار و قتل علي. قال: و اللّه لقد قصدت قتل علي و الفتك به. و ما أقدمني هذا المصر غير ذلك؛ و لكني لما رأيتك آثرت تزويجك، فقالت: إلا الذي قلت لك. قال: و ما يغنيك أو يغنيني منك قتل علي و أنا أعلم أني إن قتلت عليا لم أفلت؟ فقالت: إن قتلته و نجوت فهو الذي أردت، فتبلغ شفاء نفسي، و يهنيك العيش معي، و إن قتلت فما عند اللّه خير من الدنيا و ما فيها فقال لها: لك ما اشترطت. فقالت له: سألتمس لك من يشد ظهرك، فبعثت إلى ابن عم لها يدعى وردان بن مجالد، فأجابها و لقي ابن ملجم شبيب بن نجرة الأشجعي، فقال: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا و الآخرة؟ قال: و ما هو؟ قال: تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا.

كيف تقدر على ذلك؟ قال: إنه رجل لا حرس له، و يخرج إلى المسجد منفردا دون من يحرسه، فنكمن له في المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه فإذا نجونا نجونا، و إن قتلناه سعدنا بالذكر في الدنيا و الجنة في الآخرة. فقال: ويلك إن عليا ذو سابقة في الإسلام مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اللّه ما تنشرح نفسي لقتله. قال: ويلك! إنه حكم الرجال في دين اللّه عز و جل و قتل اخواننا الصالحين، فنقتله ببعض من قتل، و لا تشكن في دينك: فأجابه، و أقبلا، حتى دخل على قطام و هي معتكفة في المسجد الأعظم في قبة ضربتها لنفسها فدعت لهم، و اخذوا أسيافهم، و جلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي، فخرج علي إلى صلاة الصبح فبدره شبيب فضربه فأخطأه و ضربه ابن ملجم على رأسه و قال: الحكم للّه يا

236

علي لا لك و لا لأصحابك فقال علي: لا يفوتكم الكلب فشد الناس عليه من كل جانب، ليأخذوه، و هرب شبيب خارجا من باب كندة فلما أخذ قال: احبسوه فإن مت فاقتلوه و لا تمثلوا به، و إن لم أمت فالامر إلي في العفو و القصاص أخرجه أبو عمر.

(شرح) الفتك: أن يأتي الرجل و هو غار غافل حتى يشد عليه و يقتله، و فيه ثلاث لغات فتح الفاء و ضمها و كسرها مع إسكان التاء كود ودعم- إدا: الإد بالكسر و الإدة الداهية و الأمر الفظيع، و منه قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا- فنكمن له: أي نختفي، تقول كمن كمونا، و منه الكمين في الحرب- و السدة: باب الدار، و قد تقدم.

و عن الليث بن سعد أن عبد الرحمن بن ملجم ضرب عليا في صلاة الصبح على دهش بسيف كان سمه بسم، و مات من يومه، و دفن بالكوفة ليلا. أخرجه البغوي في معجمه.

و اختلفوا في أنه: هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها؟ و هل استخلف من أتم الصلاة أو هو أتمها؟ و الأكثر: على أنه استخلف جعدة ابن هبيرة يصلي بهم تلك الصلاة، و اختلفوا في موضع دفنه فقيل: في قصر الإمارة بالكوفة، و قيل: في رحبة الكوفة، و قيل: بنجف الحيرة.

قال الخجندي: و الأصح عندهم أنه مدفون من وراء المسجد غير الذي يؤمه الناس اليوم.

(شرح): النجف و النجفة: بالتحريك مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، و الجمع نجاف بالكسر، و النجاف أيضا: أسكفة الباب و هي عتبته العليا- و الحيرة: بالكسر مدينة بقرب الكوفة، و النسبة إليها حيري و حاري أيضا على غير قياس، و كأنهم قلبوا الياء ألفا.

و عن أبي جعفر أن قبره جهل موضعه، و غسله الحسن و الحسين و عبد

237

اللّه بن جعفر. ذكره الخجندي.

و صلى عليه الحسن بن علي و كبر عليه أربع تكبيرات. قال الخجندي: و قيل: تسعا.

و روى هارون بن سعيد أنه كان عنده مسك أوصى أن يحنط به، و قال: فضل من حنوط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخرجه البغوي.

و عن عائشة رضي اللّه عنها لما بلغها موت علي قالت: لتصنع العرب ما شاءت، فليس لها أحد ينهاها.

ذكر تاريخ مقتله‏

و كان ذلك في صبيحة يوم سبع عشرة من رمضان صبيحة بدر و قيل:

ليلة الجمعة، لثلاث عشرة- و قيل: لإحدى عشرة ليلة- خلت- و قيل بقيت- من رمضان، و قيل: لثمان عشرة ليلة منه، سنة أربعين: ذكر ذلك كله ابن عبد البر.

ذكر ما ظهر من الآية في بيت المقدس لموت علي‏

عن ابن شهاب قال: قدمت دمشق و أنا أريد العراق، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه، فوجدته في قبة على فرش تفوت القائم، و تحته سماطان فسلمت ثم جلست، فقال لي: يا ابن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم. قال:

فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة، و حول إليّ وجهه و أحنى علي فقال: ما كان؟ فقلت: لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم. فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري و غيرك، فلا يسمعه أحد منك. فما حدثت به حتى توفي، أخرجه ابن الضحاك في الآحاد و المثاني.

ذكر وصف قاتله بأشقى الآخرين‏

عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): (يا علي، أتدري‏

238

من أشقى الأولين؟) قلت: اللّه و رسوله أعلم، قال: (قاتلك).

أخرجه أحمد في المناقب، و أخرجه ابن الضحاك.

و قال في أشقى الآخرين: الذي يضربك على هذه فيبل هذه و أخذ بلحيته.

و عن صهيب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعلي: (من أشقى الأولين يا علي؟) قال: الذي عقر ناقة صالح، قال: (صدقت فمن أشقى الآخرين؟) قال: اللّه و رسوله أعلم. قال: (أشقى الآخرين الذي يضربك على هذه) و أشار إلى يافوخه، فكان علي يقول لأهله: و اللّه لوددت أن لو انبعث أشقاها. أخرجه أبو حاتم و الملاء في سيرته.

و عن ابن سبع قال: سمعت عليا على المنبر يقول: ما ينتظر أشقاها؟ عهد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لتخضبن هذه من هذا- و أشار إلى لحيته و رأسه فقالوا: يا أمير المؤمنين، خبرنا من هو حتى نبتدره. فقال: أنشد اللّه رجلا قتل بي غير قاتلي. أخرجه المحاملي.

ذكر وصيته‏

روي أنه لما ضربه ابن ملجم أوصى إلى الحسن و الحسين وصية طويلة في آخرها: يا بني عبد المطلب؛ لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا، تقولون قتل أمير المؤمنين. ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي: انظروا، إذا أنامتّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة، و لا تمثلوا به، فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور). أخرجه الفضائلي.

و عن هشيم مولى الفضل قال: لما قتل ابن ملجم عليا قال للحسن و الحسين: عزمت عليكم لما حبستم الرجل، فإن مت فاقتلوه و لا تمثلوا به. فلما مات قام إليه حسين و محمد و قطعاه و حرقاه، و نهاهم الحسن.

اخرجه الضحاك في الآحاد و المثاني.

239

ذكر سنه يوم مات و مدة خلافته‏

و اختلف في ذلك، فقيل: سنه سبع و خمسون، و قيل: ثمان و خمسون و قيل: ثلاث و ستون، و قيل: خمس و ستون، و قيل: ثمان و ستون. ذكره أبو عمر و غيره.

و ذكر أبو بكر أحمد بن الدارع في كتاب (مواليد أهل البيت) أن سنه خمس و ستون، و لم يذكر غيره، صحب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) منها بمكة ثلاث عشرة سنة، و عمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، ثم هاجر فصحبه بالمدينة عشر سنين و عاش بعده ثلاثين سنة.

الفصل الثاني عشر في ذكر ولده‏

و كان له من الولد أربعة عشر ذكرا و ثمان عشرة أنثى.

ذكر الذكور

«الحسن و الحسين» و قد استوعبنا ذكرهما في مناقب ذوي القربى، و لهما عقب، و «و محسن» مات صغيرا، أمهم فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليها.

و «محمد الأكبر» أمه خولة بنت اياس بن جعفر الحنفية، ذكره الدارقطني و غيره، و قال: و أخته لأمه «عوانة بنت أبي مكمل الغفارية» و قيل: بل كانت أمه من سبي اليمامة فصارت إلى علي، و أنها كانت أمة لبني حنيفة سندية سوداء، و لم تكن من أنفسهم؛ و قيل: إن أبا بكر أعطى عليا الحنفية أم محمد من سبي بني حنيفة. أخرجه ابن السمان.

و «عبد اللّه» قتله المختار، و «أبو بكر» قتل مع الحسين، أمهما ليلى بنت معوذ بن خالد النهشلي، و هي التي تزوجها عبد اللّه بن جعفر،

240

خلف عليها بعد عمه، جمع بين زوجة علي و ابنته، فولدت له «صالحا» و أم ابنها و أم محمد ابني عبد اللّه بن جعفر، فهم إخوة عبد اللّه و أبي بكر ابني علي لأمهما. ذكره الدارقطني.

و «العباس الأكبر» و «عثمان» و «جعفر» و «عبد اللّه» قتلوا مع الحسين أيضا، أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد الوحيدية ثم الكلابية.

و «محمد الأصغر» قتل مع الحسين أيضا، أمه أم ولد.

و «يحيى، و «عون» أمهما أسماء بنت عميس، فهما أخوا بني جعفر ابن أبي طالب، و أخوا محمد بن أبي بكر لأمهم.

و «عمر الأكبر» أمه أم حبيب الصهباء التغلبية، سبية سباها خالد في الردة فاشتراها علي.

و «محمد الأوسط» أمه بنت أبي العاص.

ذكر الإناث‏

«أم كلثوم الكبرى» و «زينب الكبرى» شقيقتا الحسن و الحسين.

و «رقية» شقيقة عمر الأكبر.

و «أم الحسن» و «رملة الكبرى» أمهما أم سعد بنت عروة بن مسعود الثقفي.

و «أم هاني» و «ميمونة» و «رملة الصغرى» و «زينب الصغرى» و «أم كلثوم الصغرى» و «فاطمة» و «أمامة» و «خديجة» و «أم الكرم» و «أم سلمة» و «أم جعفر» و «جمانة» و «تقية» لأمهات أولاد شتى، ذكرها ابن قتيبة و صاحب الصفوة.

و عقبه من الحسن و الحسين و محمد بن الحنفية و عمر و العباس.

241

و تزوج بنات علي بنو عقيل و بنو العباس، ما خلا زينب بنت فاطمة كانت تحت عبد اللّه بن جعفر؛ و أم كلثوم بنت فاطمة كانت تحت عمر بن الخطاب؛ فمات عنها، فتزوجها بعده محمد بن جعفر بن أبي طالب، فمات عنها فتزوجها بعده عون بن جعفر بن أبي طالب، فماتت عنده؛ و أم حسن تزوجها جعفر بن هبيرة المخزومي؛ و فاطمة تزوجها سعد بن الأسود من بني الحارث. و اللّه أعلم.