بحار الأنوار - ج33

- العلامة المجلسي المزيد...
640 /
53

وَ قَالَ فِيهِ يَوْمَ الطَّيْرِ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ وَ إِلَيَّ وَ إِلَيَّ وَ قَالَ فِيهِ يَوْمَ النَّضِيرِ عَلِيٌّ إِمَامُ الْبَرَرَةِ وَ قَاتِلُ الْفَجَرَةِ مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ وَ قَالَ فِيهِ عَلِيٌّ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي وَ أَكَّدَ الْقَوْلَ عَلَيَّ وَ عَلَيْكَ وَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَ قَالَ إِنِّي مُخْلِفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي وَ قَالَ أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا وَ قَدْ عَلِمْتَ يَا مُعَاوِيَةُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّاتِ فِي فَضَائِلِهِ الَّتِي لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا أَحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى‏

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ

وَ كَقَوْلِهِ‏

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏

وَ كَقَوْلِهِ‏

أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ

وَ كَقَوْلِهِ‏

رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏

وَ كَقَوْلِهِ‏

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ مَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ سِلْمُكَ سِلْمِي وَ حَرْبُكَ حَرْبِي وَ تَكُونَ أَخِي وَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ يَا أَبَا الْحَسَنِ مَنْ أَحَبَّكَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَ مَنْ أَحَبَّكَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ وَ كِتَابُكَ يَا مُعَاوِيَةُ الَّذِي هَذَا جَوَابُهُ لَيْسَ مِمَّا يَنْخَدِعُ بِهِ مَنْ لَهُ عَقْلٌ وَ دِينٌ وَ السَّلَامُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يُعْرِضُ عَلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَ الْوِلَايَاتِ وَ كَتَبَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ‏

جَهِلْتَ وَ لَمْ تَعْلَمْ مَحَلَّكَ عِنْدَنَا* * * -فَأَرْسَلْتَ شَيْئاً مِنْ خِطَابٍ وَ مَا تَدْرِي-

فَثِقْ بِالَّذِي عِنْدِي لَكَ الْيَوْمَ آنِفاً* * * -مِنَ الْعِزِّ وَ الْإِكْرَامِ وَ الْجَاهِ وَ النَّصْرِ-

فَأَكْتُبُ عَهْداً تَرْتَضِيهِ مُؤَكَّداً* * * -وَ أَشْفَعُهُ بِالْبَذْلِ مِنِّي وَ بِالْبِرِّ-

فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرٌو بِأَبْيَاتٍ لَيْسَ بِالشِّعْرِ الْجَيِّدِ يَطْلُبُ‏

54

فِيهَا مِصْرَ

(1)

وَ أَوَّلُهَا

أَبَى الْقَلْبُ مِنِّي أَنْ أُخَادَعَ بِالْمَكْرِ* * * -بِقَتْلِ ابْنِ عَفَّانَ أُجَرُّ إِلَى الْكُفْرِ-

فَكَتَبَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بِذَلِكَ وَ أَنْفَذَهُ إِلَيْهِ فَفَكَّرَ عَمْرٌو وَ لَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ وَ ذَهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَقَالَ‏

تَطَاوَلَ لَيْلِي بِالْهُمُومِ الطَّوَارِقِ* * * -وَ صَافَحْتُ مِنْ دَهْرِي وُجُوهَ الْبَوَائِقِ-

أَ أَخْدَعُهُ وَ الْخَدْعُ مِنِّي سَجِيَّةٌ* * * -أَمْ أُعْطِيهِ مِنْ نَفْسِي نَصِيحَةَ وَامِقٍ-

أَمْ أَقْعُدُ فِي بَيْتِي وَ فِي ذَاكَ رَاحَةٌ* * * -لِشَيْخٍ يَخَافُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ شَارِقٍ-

فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَا مَوْلَاهُ وَرْدَانَ وَ كَانَ عَاقِلًا فَشَاوَرَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَرْدَانُ إِنَّ مَعَ عَلِيٍّ آخِرَةً وَ لَا دُنْيَا مَعَهُ وَ هِيَ الَّتِي تَبْقَى لَكَ وَ تَبْقَى فِيهَا وَ إِنَّ مَعَ مُعَاوِيَةَ دُنْيَا وَ لَا آخِرَةَ مَعَهُ وَ هِيَ الَّتِي لَا تَبْقَى عَلَى أَحَدٍ فَاخْتَرْ مَا شِئْتَ فَتَبَسَّمَ عَمْرٌو وَ قَالَ‏

يَا قَاتَلَ اللَّهُ وَرْدَاناً وَ فِطْنَتَهُ* * * -لَقَدْ أَصَابَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَرْدَانُ-

لَمَّا تَعَرَّضَتِ الدُّنْيَا عَرَضْتُ لَهَا* * * -بِحِرْصِ نَفْسِي وَ فِي الْأَطْبَاعِ إِدْهَانٌ-

نَفْسٌ تَعُفُّ وَ أُخْرَى الْحِرْصُ يَغْلِبُهَا* * * -وَ الْمَرْءُ يَأْكُلُ نَتْناً وَ هُوَ غَرْثَانٌ-

أَمَّا عَلِيٌّ فَدِينٌ لَيْسَ يَشْرَكُهُ* * * -دُنْيَا وَ ذَاكَ لَهُ دُنْيَا وَ سُلْطَانٌ-

فَاخْتَرْتُ مِنْ طَمَعِي دُنْيَا عَلَى بَصَرِي* * * -وَ مَا مَعِي بِالَّذِي أَخْتَارُ بُرْهَانٌ-

إِنِّي لَأَعْرِفُ مَا فِيهَا وَ أُبْصِرُهُ* * * -وَ فِيَّ أَيْضاً لِمَا أَهْوَاهُ أَلْوَانٌ-

لَكِنَّ نَفْسِي تُحِبُّ الْعَيْشَ فِي شَرَفٍ* * * -وَ لَيْسَ يَرْضَى بِذُلِّ الْعَيْشِ إِنْسَانٌ-

ثُمَّ إِنَّ عَمْراً رَحَلَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمَنَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ وَرْدَانُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَلَمَّا بَلَغَ مَفْرِقَ الطَّرِيقَيْنِ الشَّامِ وَ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ وَرْدَانُ طَرِيقُ الْعِرَاقِ طَرِيقُ الْآخِرَةِ وَ طَرِيقُ الشَّامِ طَرِيقُ الدُّنْيَا فَأَيَّهُمَا تَسْلُكُ قَالَ طَرِيقَ الشَّامِ.

تَوْضِيحٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْقَرِيعُ الْفَحْلُ وَ السَّيِّدُ يُقَالُ فُلَانٌ قَرِيعُ دَهْرِهِ وَ قَرِيعُكَ الَّذِي يُقَارِعُكَ.

____________

(1) هذا كان مؤخرا في أصلى فقدمناه لكونه أوفق، و القصة ذكرها الخوارزمي حرفية في الفصل الثالث من الفصل (16) من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)(ص)129.

55

وَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِيهِ ذِكْرُ بِئْرِ رُومَةَ هِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ اسْمُ بِئْرٍ بِالْمَدِينَةِ اشْتَرَاهَا عُثْمَانُ وَ سَبَّلَهَا وَ فِي الْقَامُوسِ أَشْلَى دَابَّتَهُ أَرَاهَا الْمِخْلَاةَ لِتَأْتِيَهُ وَ النَّاقَةَ دَعَاهَا لِلْحَلْبِ وَ الْوَامِقُ الْمُحِبُّ وَ الشَّارِقُ الشَّمْسُ وَ شَرِقَتِ الشَّمْسُ طَلَعَتْ وَ الْغَرْثَانُ الْجَائِعُ.

396

(1)

-

نهج، نهج البلاغة

وَ لَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ الْمُبَايِعِ وَ خَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا وَ عَلَا سَنَاهَا وَ اسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ.

بيان قوله (عليه السلام) و لم يبايع قال الشارحون إشارة إلى ما اشتهر من أن أمير المؤمنين(ع)لما نزل بالكوفة بعد فراغه من البصرة كتب إلى معاوية كتابا يدعوه إلى البيعة فدعا قوما من أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان فأجابوه و أشار إليه أخوه بالاستعانة بعمرو بن العاص فلما قدم عليه و عرف حاجته إليه تباعد عنه و جعل يمدح عليا(ع)في وجهه حتى رضي معاوية أن يعطيه المصر فبايعه فذلك معنى قوله(ع)أن يؤتيه على البيعة ثمنا ثم أردف ذلك بالدعاء على البائع لدينه و هو عمرو بعدم الظفر في الحرب أو بالثمن أو بشي‏ء مما يأمله و ألحقه بالتوبيخ للمبتاع و هو معاوية بذكر هوان أمانته عليه و هي بلاد المسلمين و أموالهم.

و يحتمل أن يكون إسناد الخزي إلى الأمانة إسنادا مجازيا.

و ذهب بعض الشارحين إلى أن المراد بالبائع معاوية و بالمبتاع عمرو و هو ضعيف لأن الثمن إذا كان مصرا فالمبتاع هو معاوية كذا ذكره ابن ميثم.

و قال ابن أبي الحديد في أكثر النسخ فلا ظفرت يد المبايع بميم المفاعلة و الظاهر ما رويناه.

____________

(1). 396- رواه السيّد الرضيّ رفع اللّه مقامه في ذيل المختار: (26) من نهج البلاغة.

56

قوله(ع)فقد شب لظاها أي أوقدت نارها و أثيرت و روي بالبناء للفاعل أي ارتفع لهبها و السنا بالقصر الضوء.

أقول قال ابن أبي الحديد روى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار (1) قال رأى عمرو بن العاص معاوية يوما فضحك فقال مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك قال أضحك من حضور ذهنك حين إبدائك سوأتك يوم ابن أبي طالب(ع)و الله لقد وجدته منانا و لو شاء أن يقتلك لقتلك فقال عمرو يا أمير المؤمنين أما و الله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فاحولت عيناك و انتفخ سحرك و بدا منك ما أكره ذكره فمن نفسك أضحك أو فدع‏

____________

(1)- رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (68) من نهج البلاغة في عنوان: «أخبار الجبناء و نوادرهم» من شرحه: ج 2(ص)333.

و الحديث ذكره ابن قتيبة في أواسط كتاب الحرب من كتاب عيون الأخبار: ج 1،(ص)169، ط بيروت..

57

باب 16 باب كتبه(ع)إلى معاوية و احتجاجاته عليه و مراسلاته إليه و إلى أصحابه‏

398

(1)

-

نهج، نهج البلاغة ج، الإحتجاج احْتِجَاجُهُ(ع)عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي جَوَابِ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَيْهِ وَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ وَ هُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْحِجَاجِ وَ أَصْوَبِهِ‏

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي‏

(2)

كِتَابُكَ تَذْكُرُ اصْطِفَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّداً(ص)لِدِينِهِ وَ تَأْيِيدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللَّهِ عِنْدَنَا وَ نِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ‏

____________

(1). 398- رواه السيّد الرضيّ (رحمه اللّه) في المختار: (28) من باب الكتب من نهج البلاغة.

و رواه الطبرسيّ رضي اللّه عنه في عنوان «احتجاجه على معاوية ...» من كتاب الاحتجاج(ص)176.

(2) كذا في طبع الكمبانيّ من البحار و بهامشه و في النهج و الاحتجاج: فقد أتانى. و فيهما: تذكر فيه.

58

وَ زَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ وَ إِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ وَ مَا أَنْتَ وَ الْفَاضِلَ وَ الْمَفْضُولَ وَ السَّائِسَ وَ الْمَسُوسَ وَ مَا لِلطُّلَقَاءِ وَ أَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ وَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَ تَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ وَ تَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا فَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا أَ لَا تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ وَ تَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ وَ تَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ وَ لَا لَكَ ظَفَرُ الظَّافِرِ وَ إِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ أَ لَا تَرَى غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ وَ لَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أُحَدِّثُ أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ أَ وَ لَا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا كَمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ قِيلَ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ وَ لَوْ لَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَا تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَ النَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَ عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا فَنَكَحْنَا وَ أَنْكَحْنَا فِعْلَ الْأَكْفَاءِ وَ لَسْتُمْ هُنَاكَ وَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَ مِنَّا النَّبِيُّ وَ مِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ وَ مِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَ مِنْكُمْ أَسَدُ الْأَحْلَافِ وَ مِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ مِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ وَ مِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ مِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَ عَلَيْكُمْ فَإِسْلَامُنَا مَا قَدْ سُمِعَ وَ جَاهِلِيَّتُكُمْ مَا لَا تُدْفَعُ‏

(1)

وَ كِتَابُ اللَّهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏

وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏

____________

(1) و في النهج: و جاهليتنا. و في النهج و الاحتجاج: لا تدفع.

59

وَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ وَ تَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ وَ لَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَجُوا عَلَيْهِمْ فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ وَ إِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ وَ زَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ وَ عَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ‏

وَ تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

وَ قُلْتَ إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ وَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ وَ أَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ وَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ وَ لَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ وَ هَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا وَ لَكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَ أَمْرِ عُثْمَانَ فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اسْتَكَفَّهُ أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ كَلَّا وَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ‏

اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (1)

وَ مَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَ هِدَايَتِي لَهُ فَرُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ‏

وَ قَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ الْمُتَنَصِّحُ-

وَ مَا أَرَدْتُ‏

إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏

____________

(1) اقتباس من الآية (18) من سورة الأحزاب (33)، و فيها: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ». و ما يأتي بعد سطرين اقتباس من الآية 88/ هود.

60

وَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَ لِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ وَ بِالسُّيُوفِ مُخَوَّفِينَ‏

فَالْبَثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلٌ-

فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ وَ يَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ وَ أَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَ سُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَ خَالِكَ وَ جَدِّكَ وَ أَهْلِكَ‏

وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ

.

بيان قال ابن أبي الحديد (1) بعد إيراد هذا الكتاب سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد قلت أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي(ع)فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة و أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذن غير صحيح و إن كان ذاك الجواب فهذا الجواب إذن غير صحيح و لا ثابت.

فقال لي بل كلاهما ثابت مروي و كلاهما كلام أمير المؤمنين(ع)و ألفاظه ثم أمرني أن أكتب ما يمليه علي فكتبته.

قال رحمه الله كان معاوية يتسقط عليا(ع)و يبغي عليه ما عساه أن يذكره من حال أبي بكر و عمر و أنهما غصباه حقه و لا يزال يكيده بالكتاب يكتبه و الرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال أبي بكر و عمر إما مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجة عليه عند أهل الشام و يضيفه إلى ما قدره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم فكان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان أو مالأ على قتله و أنه قتل طلحة و الزبير و أسر عائشة و أراق دماء أهل البصرة

____________

(1) ذكره ابن أبي الحديد في شرح الكتاب و هو المختار: (28) من باب الكتب من نهج البلاغة.

61

و بقيت خصلة واحدة و هو أن يثبت عندهم أنه يبرأ من أبي بكر و عمر و ينسبهما إلى الظلم و مخالفة الرسول في أمر الخلافة و أنهما وثبا عليها غلبة و غصباه إياها فكانت هذه تكون الطامة الكبرى و ليست مقتصرة على إفساد أهل الشام عليه بل و أهل العراق الذين هم جنده و بطانته و أنصاره لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل الشاذ من خواص الشيعة.

فلما كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليا و يحرجه و يحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر و أنه أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر فكان الجواب مجمجما

(1)

غير بين ليس فيه تصريح بالتظليم لهما و لا التصريح ببراءتهما و تارة يترحم عليهما و تارة يقول أخذا حقي و قد تركته لهما.

فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأول ليستفزا فيه عليا(ع)و يستخفاه و يحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيح حاله و تهجين مذهبه و قال له عمرو إن عليا(ع)رجل نزق تياه ما استطعمت‏

(2)

منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر و عمر فاكتب إليه ثانيا فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي و هو من الصحابة بعد أن عزم على بعثه مع أبي الدرداء و نسخة الكتاب.

من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا(ص)لرسالته و اختصه بوحيه و تأدية شريعته فأنقذ به من العماية و هدى به من الغواية ثم قبضه إليه رشيدا حميدا قد

____________

(1) قال الفيروزآبادي: «الجمجمة» أن لا يبين كلامه و إخفاء الشي‏ء في الصدر. منه (رحمه اللّه)- [و جمجم‏] عن الامر: لم يقدم عليه.

(2) النزق: الخفة في كل أمر. العجلة في جهل و حمق. و التياه: كثير التيه و هو الكبر.

و قال المجلسيّ على ما في هامش بحار الأنوار ط الكمبانيّ: «الاستطعام» هنا استخراج الكلام. قال الجوهريّ: «استطعمه» سأله أن يطعمه، و في الحديث: إن استطعمكم الامام فأطعموه. انتهى. و في بعض النسخ بتقديم الميم على العين و لعله تصحيف.

62

بلغ الشرع و محق الشرك و أخمد نار الإفك فأحسن الله جزاءه و ضاعف عليه نعمه و آلاءه.

ثم إن الله سبحانه اختص محمدا(ص)بأصحاب أيدوه و آزروه و نصروه و كانوا كما قال الله سبحانه لهم‏

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ‏

فكان أفضلهم مرتبة و أعلاهم عند الله و المسلمين منزلة الخليفة الأول الذي جمع الكلمة و لم الدعوة و قاتل أهل الردة ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح و مصر الأمصار و أذل رقاب المشركين ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة و طبق الآفاق بالكلمة الحنيفية.

فلما استوثق الإسلام و ضرب بجرانه عدوت عليه فبغيته الغوائل و نصبت له المكايد و ضربت له بطن الأمر و ظهره و دسست عليه و أغريت به و قعدت حيث استنصرك عن نصرته و سألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته.

و ما يوم المسلمين منك بواحد لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه و رمت إفساد أمره و قعدت في بيتك عنه و استغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته.

ثم كرهت خلافة عمر و حسدته و استطلت مدته و سررت بقتله و أظهرت الشماتة بمصابه حتى إنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه.

ثم لم تكن أشد حسدا منك لابن عمك عثمان نشرت مقابحه و طويت محاسنه و طعنت في فقهه ثم في دينه ثم في سيرته ثم في عقله و أغريت به السفهاء من أصحابك و شيعتك حتى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان و لا يد.

و ما من هؤلاء إلا من بغيت عليه و تلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار

(1)

كما يساق الفحل المخشوش ثم نهضت الآن‏

____________

(1) و «الخزائم» جمع «الخزيمة» و خزمت البعير بالخزامة و هي حلقة من شعر تجعل في وتر أنفه يشد بها الزمام. و «الاقتسار» الاكراه على الامر. منه (رحمه اللّه).

63

تطلب الخلافة و قتلة عثمان خلصاؤك و سجراؤك‏

(1)

و المحدقون بك و تلك من أماني النفوس و ضلالات الأهواء.

فدع اللجاج و العنت جانبا و ادفع إلينا قتلة عثمان و أعد الأمر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا فلا بيعة لك في أعناقها و لا طاعة لك علينا و لا عتبى لك عندنا و ليس لك و لأصحابك عندي إلا السيف و الذي لا إله إلا هو لأطلبن قتلة عثمان أين كانوا و حيث كانوا حتى أقتلهم أو تلحق روحي بالله.

فأما ما لا تزال تمت به من سابقتك و جهادك‏

(2)

فإني وجدت الله سبحانه يقول‏

يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏

و لو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها و إذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة فالامتنان على الله يبطل أجر الجهاد و يجعله ك

صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏

قال النقيب أبو جعفر فلما وصل هذا الكتاب إلى علي(ع)مع أبي أمامة الباهلي كلم أبا أمامة بنحو مما كلم به أبا مسلم الخولاني و كتب معه هذا الجواب.

قال النقيب و في كتاب معاوية هذا ذكر لفظة الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم و ليس في ذلك هذه اللفظة و إنما فيه حسدت الخلفاء و بغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر و قولك‏

____________

(1) و السجير الخليل و الصفى، ج: سجراء، ذكره الفيروزآبادي و في بعض النسخ: «سمراؤك» جمع «السمير» و هو المحدث بالليل. منه (رحمه اللّه).

(2) قال الجوهريّ: «المت» المد و التوسل بقرابة، و «الماتة» الحرمة و الوسيلة، تقول: فلان يمت بالملك بقرابة. انتهى. و في بعض النسخ: تمن بالنون. منه (رحمه اللّه).

أقول: و في المطبوع من شرح النهج: «تمن» كما هو المتناسب مع الآية.

64

الهجر و تنفسك الصعداء و إبطاؤك عن الخلفاء قال و إنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين و المشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظة فيه و الصحيح أنها في كتاب أبي أمامة أ لا تراها عادت في الجواب و لو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه.

انتهى كلام النقيب أبي جعفر أقول إنما أوردت هذا الكتاب على كاتبه و ممليه أشد العذاب ليتضح الجواب و ليظهر لكل عاقل كفر هذا المنافق المرتاب.

قوله(ع)فلقد خبأ لنا الدهر قال في النهاية خبأت الشي‏ء خبئا إذا أخفيته و الخب‏ء كل شي‏ء غائب مستور و لعل المعنى أن الدهر أخفى لنا من أحوالك شيئا عجبا لم نكن نظن ذلك حتى ظهر منك.

و يحتمل أن يكون على سبيل التجريد أي أنت أعجب الأشياء في الدهر كنت مخفيا فظهرت من قبيل لقيني منه أسد: قال ابن ميثم و وجه العجب أنه أخبر أهل بيت النبي(ص)بحاله و ما أنعم الله به عليه مع علمهم البالغ بحاله و كونهم أولى بالإخبار عنها و ضرب له في ذلك مثلين و أصل المثل الأول أن رجلا قدم من هجر إلى البصرة بمال اشترى به شيئا للربح فلم يجد فيها أكسد من التمر فاشترى بماله تمرا و حمله إلى هجر و ادخره في البيوت ينتظر به السعر فلم يزدد إلا رخصا حتى فسد جميعه و تلف ما له فضرب مثلا لمن يحمل الشي‏ء إلى معدنه لينتفع به فيه و هجر معروفة بكثرة التمر حتى أنه ربما يبلغ سعر خمسين جلة بدينار و وزن الجلة مائة رطل فذلك خمسة آلاف رطل و لم يسمع ذلك في غيرها من البلاد.

و الثاني أنه شبهه بداعي مسدده و أستاده في الرمي إلى المراماة و مسدده أولى بأن يدعوه إلى ذلك.

قوله(ع)إن تم اعتزلك كله أي تباعد عنك و المعنى ذكرت أمرا إن تم لم ينفعك و إن نقص لم يضرك بل لا تعلق له بك أصلا و الثلمة

65

الخلل في الحائط و غيره و السياسة القيام على الشي‏ء بما يصلحه و ليس في هذا الكلام شهادة منه(ع)على فضل الخلفاء لما عرفت من المصلحة في هذا الإجمال.

و قال في النهاية أصل الحنين ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها و منه كتاب علي(ع)إلى معاوية و أما قولك كيت و كيت فقد حن قدح ليس منها هو مثل يضرب لرجل ينتمي إلى نسب ليس منه أو يدعي ما ليس منه في شي‏ء و القدح بالكسر أحد سهام الميسر فإذا كان من غير جوهر أخواته ثم حركها المفيض بها خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به.

قال الزمخشري في المستقصى القداح التي يضرب بها تكون من نبع فربما ضاع منها قدح فنحيت على مثاله من غرب أو غيره آخر بالعجلة فإذا احتك معها صوت صوتا لا يشابه أصواتها فيقال ذلك ثم ضربه عمر لعقبة بن أبي معيط حين أمر النبي(ص)بضرب عنقه يوم بدر فقال اقتل من بين قريش أراد عمر أنك لست من قريش.

و قيل في بني الحنان و هم بطن من بلحرث إن جدهم ألقى قدحا في قداح قوم يضربون بالمسير و كان يضرب لهم رجل أعمى فلما وقع قدحه في يده قال حن قدح ليس منها فلقب الحنان لذلك يضرب لمنتحل نسبا أو فضلا انتهى.

قوله(ع)يحكم فيها أي في هذه القصة أو القضية من كان الحكم لها عليه لا له.

و يجوز إرجاع الضمير إلى الطبقات.

و قال ابن ميثم يضرب لمن يحكم على قوم و فيهم و هو من أراد لهم و ليس للحكم بأهل بل هم أولى منه به.

و قال الجوهري يقال اربع على نفسك و اربع على ظلعك أي ارفق بنفسك و كف يقال ظلعت الأرض بأهلها أي ضاقت بهم من كثرتهم و يقال‏

66

ارق على ظلعك أي اربع على نفسك و لا تحمل عليها أكثر مما تطيق.

و قال في النهاية فيه أنه لا يربع على ظلعك الظلع بالسكون العرج و المعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك و ربع في المكان إذا أقام به.

و في الصحاح أصل الذراع هو بسط اليد و يقال ضقت بالأمر ذرعا إذا لم تطقه و لم تقو عليه.

و قال ابن ميثم قوله(ع)حيث أخره القدر إشارة إلى مرتبته النازلة التي جرى القدر بها أن تكون نازلة عن مراتب السابقين و قد أمره بالتأخر فيها و الوقوف عندها.

قوله(ع)في التيه أي في الضلال و التحير أو في التكبر.

قال في النهاية تاه يتيه تيها إذا تحير و ضل و إذا تكبر و الرواغ الميال.

و القصد المعتدل الذي لا يميل إلى طرفي الإفراط و التفريط.

قوله(ع)غير مخبر أي أتكلم بكلامي هذا لا لإخباري إياك بل للتحدث بنعمته سبحانه إما لأن معاوية غير قابل للخطاب و الإخبار بهذا الكلام و المقام مقام تحقيره أو لأنه كان عالما به أو لأنه يتراءى من مثل هذا الكلام و إخبار الخصم به المفاخرة بذكر تلك الفضائل فدفع ذلك التوهم بقوله لكن بنعمة الله أحدث و ما بعد لكن بهذا الاحتمال أنسب و إن كان قوله(ع)لك بالأول ألصق.

قوله(ع)قيل سيد الشهداء قال ابن أبي الحديد أي في حياة النبي(ص)لأن عليا(ع)مات شهيدا و لا خلاف في أنه أفضل من حمزة و جعفر و غيرهما بل هو سيد المسلمين‏ (1).

____________

(1) هذا تلخيص كلام ابن أبي الحديد، و إليك نص كلامه حرفيا في شرح الكلام في ج 4(ص)608 ط الحديث ببيروت قال:

المراد هاهنا [من قوله:] «سيد الشهداء» حمزة رضي اللّه عنه.

و ينبغي أن يحمل قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «إنّه سيد الشهداء» على أنّه سيد الشهداء في حياة النبيّ [لا عموم الشهداء] لأن عليّا (عليه السلام) مات شهيدا، و لا يجوز أن يقال: حمزة سيده، بل هو سيّد المسلمين كلهم و لا خلاف بين أصحابنا أنّه أفضل من حمزة و جعفر رضى اللّه عنهما ...

67

قوله بسبعين تكبيرة قال ابن ميثم أي في أربع عشرة صلاة و ذلك أنه كلما كبر عليه خمسا حضرت جماعة أخرى من الملائكة فصلى بهم عليه أيضا و ذلك من خصائص حمزة رضي الله عنه.

قوله(ع)لذكر ذاكر يعني نفسه و إنما نكره و لم يأت بالألف و اللام و لم ينسبه إلى نفسه لئلا يصرح بتزكية نفسه و استعار لفظ المج لكراهية النفس لبعض ما يكرر سماعه و إعراضها عنه فإنها تصير كالقاذف له من الأذن كما يقذف الماج الماء من فيه كذا قيل و الظاهر أنه كناية عن أنها لوضوحها لا يمكن لأحد إنكارها فغير المؤمنين و إن ثقل عليهم سماعها فلا يمكنهم إنكارها.

قوله(ع)فدع عنك إلخ الرمية الصيد يرمى يقال بئس الرمية الأرنب أي بئس الشي‏ء مما يرمي الأرنب و المعنى دع ذكر من مال إلى الدنيا و أمالته إليها و أمالته عن الطريق المستقيم فإن شأن الصيد الخروج عن الطريق و هي إشارة إلى الخلفاء و الكلام في بيان التفاضل سابقا و لاحقا.

و قال ابن أبي الحديد هذه إشارة إلى عثمان لا إلى أبي بكر و عمر و هذا مما لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ‏ مع أن المذكور في كتاب معاوية لم يكن عثمان وحده كما عرفت.

و قال ابن ميثم رحمه الله أي فدع عنك أصحاب الأغراض الفاسدة و لا تلتفت إلى ما يقولون في حقنا كعمرو بن العاص و يحتمل أن يكون الإشارة إلى نفسه على طريقة قولهم إياك أعني و اسمعي يا جارة.

و استعار لفظ الرمية و كنى بها عن الأمور التي تقصدها النفوس و ترميها بقصودها انتهى.

و لا يخفى بعده و أبعد منه ما ذكره الكيدري حيث قال أراد أنه مطعون في نسبه و حسبه و أنه أزاله عن مقام التفاخر و التنافر مطاعن شهرت فيه انتهى.

68

و كأنه حمل الرمية على السهام المرمية.

قوله(ع)فإنا صنائع ربنا هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول و لنتكلم على ما يمكننا إظهاره و الخوض فيه فنقول صنيعة الملك من يصطنعه و يرفع قدره و منه قوله تعالى‏ وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي‏ أي اخترتك و أخذتك صنيعتي لتنصرف عن إرادتي و محبتي فالمعنى أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى أنعم علينا فليس بيننا و بينه واسطة و الناس بأسرهم صنائعنا فنحن الوسائط بينهم و بين الله سبحانه.

و يحتمل أن يريد بالناس بعض الناس أي المختار من الناس نصطنعه و نرفع قدره.

و قال ابن أبي الحديد هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت و باطنه أنهم عبيد الله و الناس عبيدهم.

و قال ابن ميثم لفظ الصنائع في الموضعين مجاز من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل و الحال على المحل يقال فلان صنيعة فلان إذا اختصه لموضع نعمته و النعمة الجزيلة التي اختصهم الله بها هي نعمة الرسالة و ما يستلزمه من الشرف و الفضل حتى كان الناس عيالاتهم فيها.

قوله(ع)و عادي طولنا قال الجوهري عاد قبيلة و هم قوم هود(ع)و شي‏ء عادي أي قديم كأنه منسوب إلى عاد.

و قال ابن أبي الحديد الطول الفضل و قال الأفعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدة تكون عادية بكثرة المناقب و المآثر و المفاخر و إن كانت المدة قصيرة و لا يراد بالقديم قديم الزمان بل من قولهم لفلان قديم أثر أي سابقة حسنة و إنما جعلنا اللفظ مجازا لأن بني هاشم و بني أمية لم يفترقا في الشرف إلا منذ نشأ هاشم بن عبد مناف ثم لم تكن المدة بين نشإ هاشم و إظهار محمد(ص)الدعوة إلا نحو تسعين سنة انتهى.

69

و أقول قد ظهر لك مما سبق أن بني أمية لم يكن لهم نسب صحيح ليشاركوا في الحسب آباءه مع أن قديم عزهم لم ينحصر في النسب بل أنوارهم(ع)أول المخلوقات و من بدء خلق أنوارهم إلى خلق أجسادهم و ظهور آثارهم كانوا معروفين بالعز و الشرف و الكمالات في الأرضين و السماوات‏ (1) يخبر بفضلهم كل سلف خلفا و رفع الله ذكرهم في كل أمة عزا و شرفا.

و قوله(ع)فعل الأكفاء منصوب على المصدر بفعل مقدر المكذب أبو سفيان و قيل أبو جهل و أسد الله حمزة رضي الله عنه و أرضاه و أسد الأحلاف هو أسد بن عبد العزى و قال في القاموس الحلف بالكسر العهد بين القوم و الصداقة و الصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به و الجمع أحلاف. و الأحلاف في قول زهير أسد و غطفان لأنهم تحالفوا على‏

____________

(1) و ينبغي لنا هاهنا أن نشير إلى نموذج ممّا أشار إليه المصنّف العلامة من طريق أهل السنة فنقول:

روى أحمد في الحديث: (251) من باب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب الفضائل(ص)178، ط 1، قال:

حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا أحمد بن المقدام العجليّ قال: حدّثنا الفضيل بن عياض، قال: حدّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان:

عن سلمان قال: سمعت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلم يقول:

كنت أنا و على نورا بين يدي اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق اللّه آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق اللّه آدم قسم ذلك النور جزءين فجزء أنا و جزء على.

و للحديث مصادر كثيرة يقف عليها الباحث في تعليق الحديث، و في الحديث:

(186) و تعليقه من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 1،(ص)151، ط 2.

و رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (154) من نهج البلاغة من شرحه:

ج 9(ص)171، ط مصر، و في ط الحديث ببيروت: ج 3(ص)252 قال: رواه أحمد في مسند [سلمان من كتاب‏] المسند [ج 5(ص)437] و ذكره [أيضا] صاحب الفردوس و زاد فيه: ثم انتقلنا حتّى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوّة و لعلى الوصية.

70

التناصر و الأحلاف قوم من ثقيف و في قريش ست قبائل عبد الدار و كعب و جمح و سهم و مخزوم و عدي لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة و السقاية و أبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعتها لأحلافهم و هم أسد و زهرة و تيم عند الكعبة فغمسوا أيديهم فيها و تعاهدوا و تعاقدت بنو عبد الدار و حلفاؤها حلفا آخر مؤكدا فسموا الأحلاف انتهى و نحوه قال في النهاية إلا أنه قال بعد قوله فغمسوا أيديهم فيها و تعاقدوا فسموا المطيبين.

و صبية النار إشارة إلى الكلمة التي قالها النبي(ص)لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبرا يوم بدر و قال كالمستعطف له(ص)من للصبية يا محمد قال النار.

و حَمَّالَةَ الْحَطَبِ‏ هي أم جميل بنت حرب بن أمية امرأة أبي لهب.

و قوله(ع)في كثير متعلق بمحذوف أي هذا الذي ذكرنا داخل في كثير مما يتضمن ما ينفعنا و يضركم.

قوله(ع)و جاهليتنا أي شرفنا و فضلنا في الجاهلية لا يدفعه أحد و في بعض النسخ و جاهليتكم و لعله أظهر.

و وجه الاستدلال بالآية الأولى ظاهر لأنه(ع)كان أولي الأرحام برسول الله(ص)و أقربهم إليه و كذا الثانية لأنه كان أقرب الخلق إلى اتباع رسول الله(ص)و أول من آمن به و صدقه.

و قال الجوهري الفلج الظفر و الفوز و قد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجا و الاسم الفلج بالضم.

قوله(ع)و تلك شكاة قال الجوهري يقال هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل قال الشاعر.

و عيرها الواشون إني أحبها* * * و تلك شكاة ظاهر عنك عارها.

71

و قال شكوت فلانا شكاة إذا أخبرت بسوء فعله.

و قال ابن ميثم البيت لأبي ذويب و هو مثل يضرب لمن ينكر أمرا ليس منه في شي‏ء و لا يلزمه دفعه.

و الخشاش بالكسر الذي يدخل في عظم أنف البعير و خششت البعير إذا جعلت في أنفه الخشاش و الغضاضة بالفتح المذلة و المنقصة.

قوله(ع)و هذه حجتي إلى غيرك لعل المعنى لست أنت المقصود بها لحقارتك كقوله(ع)غير مخبر لك أو لعلمي بأنك لا تقبل حججي و لا تؤمن بها أو لأنك عالم بها و لا فائدة في إخبار العالم بل قصدي بذكرها إلى غيرك من السامعين لعله يؤمن بها من أنكرها و يطمئن بها قلب من آمن بها.

و قال ابن ميثم أي لست أنت المقصود بها إذ لست من هذا الأمر في شي‏ء بل القصد منها غيرك أي الذين ظلموا و إنما ذكرت منها بقدر ما دعت الحاجة إليه و سنح لي أن أذكره في جوابك.

قوله(ع)فلك أن تجاب أي هذه ليست مثل السابقة التي لم يكن لك السؤال فيها لأنك من بني أمية و بينك و بينه رحم.

و قوله(ع)فأينا ابتداء تقرير الجواب: و الأعدى من العداوة أو من العدوان و الأول أصوب و أهدى إلى مقاتله أي لوجوه قتله و مواضعه من الآراء و الحيل أم من بذل أراد به نفسه المقدسة فإنه لما اشتد الحصار على عثمان بعث(ع)إليه و عرض عليه نصرته فقال عثمان لا أحتاج إلى نصرتك و لكن اقعد و كف شرك و ذلك لأن عثمان كان متهما له(ع)بالدخول في أمره و أراد(ع)بقوله من استنصره معاوية و ذلك أنه بعث عثمان حال حصاره إلى الشام مستصرخا بمعاوية فلم يزل يتراخى عنه و يؤخر الخروج إلى أن قتل لطمعه في الأمر و ذكر القدر و نسبة القتل إليه هاهنا مناسب لتبريه من دمه و البث‏

72

النشر و المنون الدهر و المنية أي نشر إليه نوائب الدهر و أسباب المنية و قوله(ع)و الله لقد علم الله اقتباس من قوله تعالى‏ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ‏ قال الطبرسي رحمه الله هم الذين كانوا يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول الله(ص)و التعويق التثبيط وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ‏ يعني اليهود قالوا لإخوانهم المنافقين‏ هَلُمَّ إِلَيْنا أي تعالوا و أقبلوا إلينا و دعوا محمدا(ص)و قيل القائلون هم المنافقون قالوا لإخوانهم من ضعفة المسلمين لا تحاربوا و خلوا محمدا(ص)فإنا نخاف عليكم الهلاك‏ وَ لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ‏ أي لا يحضرون القتال و البأس الحرب و أصله الشدة إِلَّا قَلِيلًا إلا كارهين يكون قلوبهم مع المشركين.

و لعل الغرض من الاقتباس أنه سبحانه عاب المعوقين و القائلين فالمتراخي مقصر على تقدير وجوب الحضور كما زعمته.

و يحتمل أن يكون غرضه واقعا تعويقه عن نصره(ع)و إن أوهم ظاهره نصر عثمان.

و قال الجوهري نقمت على الرجل أنقم بالكسر إذا عتبت عليه.

و قال ابن ميثم‏

في قوله(ع)فرب ملوم لا ذنب له.

و أنا ذلك الملوم و هو مثل لأكثم بن صيفي يضرب لمن قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه و هم لا يعرفون حجته و عذره فيه و قوله و قد يستفيد إلخ يضرب مثلا لمن يبالغ في النصيحة حتى يتهم أنه غاش و صدر البيت‏

و كم سقت في آثاركم من نصيحة

.

و قال في الصحاح و القاموس المتنصح من تشبه بالنصحاء و هذا المعنى و إن كان محتملا في كلامه(ع)على وجه بعيد لكن الظاهر أنه ليس غرضا للشاعر و الظاهر ما ذكره الخليل في العين حيث قال التنصح كثرة النصيحة قال أكثم بن صيفي إياكم و كثرة التنصح فإنه يورث التهمة انتهى و الظنة التهمة.

73

قوله(ع)فلقد أضحكت بعد استعبار قال الجوهري عبرت عينه و استعبرت أي دمعت و العبران الباكي.

و قال ابن ميثم أي أتيت بشي‏ء عجيب بالغ في الغرابة فإن الضحك بعد البكاء إنما يكون لتعجب بالغ و ذلك كالمثل في معرض الاستهزاء به.

و قيل معناه لقد أضحكت من سمع منك هذا تعجبا بعد بكائه على الدين لتصرفك فيه و ألفيت الشي‏ء وجدته قوله(ع)فالبث قليلا قال ابن ميثم مثل يضرب للوعيد بالحرب و أصله أن حمل بن بدر رجل من قشير أغير على إبل له في الجاهلية في حرب داحس و الغبراء فاستنقذها و قال‏

لبث قليلا يلحق الهيجاء حمل* * * ما أحسن الموت إذ الموت نزل.

و قيل أصله أن مالك بن زهير توعد حمل بن بدر فقال حمل لبث قليلا البيت فأرسل مثلا ثم أتى و قتل مالكا فظفر أخوه قيس بن زهير به و بأخيه حذيفة فقتلهما و قال‏

شفيت النفس من حمل بن بدر* * * و سيفي من حذيفة قد شفاني.

و قال الزمخشري في المستقصى تمام البيت‏

ما أحسن الموت إذا حان الأجل.

و قال قالوا في حمل هو اسم رجل شجاع يستظهر به في الحرب و لا يبعد أن يراد به حمل بن بدر صاحب الغبراء يضربه من ناصره وراءه انتهى.

ثم اعلم أن حملا في بعض النسخ بالحاء المهملة و في بعضها بالجيم.

و قال الفيروزآبادي أرقل أسرع و الإرقال ضرب من الخبب و الجحفل بتقديم الجيم على الحاء الجيش و القتام الغبار و سطع الغبار و الرائحة و الصبح ارتفع و السربال القميص و سرابيل الموت إنما كناية عن الدروع و الأحوال و الهيئات التي وطنوا نفوسهم على القتل فيها فكأنها أكفانهم‏

74

و قوله(ع)ذرية بدرية أي أولاد البدريين.

و قد مر أن أخاه أي معاوية حنظلة و خاله الوليد و جده عتبة أبو أمه.

398

(1)

-

ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ جَبْرِ بْنِ نَوْفٍ قَالَ:

لَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى الشَّامِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا لَوْ كَتَبْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ أَصْحَابِهِ قَبْلَ مَسِيرِنَا إِلَيْهِمْ كِتَاباً تَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَ تَأْمُرُهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْحَظِّ كَانَتِ الْحُجَّةُ تَزْدَادُ عَلَيْهِمْ قُوَّةً فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبِهِ اكْتُبْ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَ مَنْ قِبَلَهُ مِنَ النَّاسِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً آمَنُوا بِالتَّنْزِيلِ وَ عَرَفُوا التَّأْوِيلَ وَ فَقُهُوا فِي الدِّينِ وَ بَيَّنَ اللَّهُ فَضْلَهُمْ فِي الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ وَ أَنْتَ يَا مُعَاوِيَةُ وَ أَبُوكَ وَ أَهْلُكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَعْدَاءُ الرَّسُولِ مُكَذِّبُونَ بِالْكِتَابِ مُجْتَمِعُونَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَقِيتَهُمْ مِنْهُمْ حَبَسْتُمُوهُ أَوْ عَذَّبْتُمُوهُ أَوْ قَتَلْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى إِعْزَازَ دِينِهِ وَ إِظْهَارَ رَسُولِهِ دَخَلَتِ الْعَرَبُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً وَ أَسْلَمَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَ كَرْهاً فَكُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي هَذَا الدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وَ إِمَّا رَهْبَةً فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُنَازِعُوا أَهْلَ السَّبْقِ وَ مَنْ فَازَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ مَنْ نَازَعَهُ مِنْكُمْ فَبِحَوْبٍ وَ ظُلْمٍ فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَنْ يَجْهَلَ قَدْرَهُ وَ لَا يَعْدُوَ طَوْرَهُ وَ لَا يَشْفِيَ نَفْسَهُ بِالْتِمَاسِ مَا لَيْسَ لَهُ‏

____________

(1). 398- رواهما الشيخ الطوسيّ رفع اللّه مقامه في الحديث: (10) و الحديث:

(37) من الجزء (7 و 8) من أماليه(ص)115 و 135.

و الحديث الأول قد تقدم عن كتاب صفّين في أواخر الباب: (11)(ص)481 ط الكمبانيّ.

و ليلاحظ المختار: (78) و ما حوله من باب الكتب من كتاب نهج السعادة: ج 4(ص)216 ط 1.

75

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ قَدِيماً وَ حَدِيثاً أَقْرَبُهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَعْلَمُهُمْ بِالْكِتَابِ وَ أَقْدَمُهُمْ فِي الدِّينِ وَ أَفْضَلُهُمْ جِهَاداً وَ أَوَّلُهُمْ إِيمَاناً وَ أَشَدُّهُمْ اطِّلَاعاً بِمَا تَجْهَلُهُ الرَّعِيَّةُ عَنْ أَمْرِهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏

وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ‏

لِتُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَ اعْلَمُوا أَنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ وَ أَنَّ شَرَّهُمُ الْجُهَلَاءُ الَّذِينَ يُنَازِعُونَ بِالْجَهْلِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَلَا وَ إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ(ص)وَ حَقْنِ دِمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنْ قَبِلْتُمْ أَصَبْتُمْ رُشْدَكُمْ وَ هُدِيتُمْ لَحْظَكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْفُرْقَةَ وَ شَقَّ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَزْدَادُوا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً وَ لَمْ يَزْدَدْ عَلَيْكُمْ إِلَّا سَخَطاً وَ السَّلَامُ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ‏

لَيْسَ بَيْنِي وَ بَيْنَ عَمْرٍو عِتَابٌ* * * -غَيْرَ طَعْنِ الْكُلَى وَ حَزِّ الرِّقَابِ-

فَلَمَّا وَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَلَى جَوَابِهِ بِذَلِكَ قَالَ‏

إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏

وَ لَكِنَّ اللَّهَ‏

يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏

.

بيان: الحز بالحاء المهملة و بالجيم المعجمة القطع.

399

(1)

-

ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ الْكَاتِبِ عَنِ الْأَجْلَحِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيدَ الْحِمَّانِيِّ قَالَ:

كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ إِلَيْنَا كِتَابَهُ وَ لَمْ يَدَعْنَا فِي شُبْهَةٍ وَ لَا عُذْرَ لِمَنْ رَكِبَ ذَنْباً بِجَهَالَةٍ وَ التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ

وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏

وَ أَنْتَ مِمَّنْ شَرَعَ الْخِلَافَ مُتَمَادِياً فِي غَمْرَةِ الْأَمَلِ مُخْتَلِفَ السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ رَغْبَةً فِي الْعَاجِلِ وَ تَكْذِيباً بَعْدُ فِي الْآجِلِ وَ كَأَنَّكَ قَدْ تَذَكَّرْتَ مَا مَضَى مِنْكَ فَلَمْ تَجِدْ إِلَى الرُّجُوعِ سَبِيلًا وَ كَتَبَ (صلوات اللّه عليه) إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الَّذِي أَعْجَبَكَ مِمَّا بَارَيْتَ مِنَ الدُّنْيَا وَ وَثِقْتَ بِهِ مِنْهَا مُنْقَلَبٌ عَنْكَ فَلَا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا

____________

(1). 399- رواهما الشيخ الطوسيّ رفع اللّه مقامه في الحديث: (10) و الحديث:

(37) من الجزء (7 و 8) من أماليه(ص)115 و 135.

و الحديث الأول قد تقدم عن كتاب صفّين في أواخر الباب: (11)(ص)481 ط الكمبانيّ.

و ليلاحظ المختار: (78) و ما حوله من باب الكتب من كتاب نهج السعادة: ج 4(ص)216 ط 1.

76

فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ وَ لَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَذَرْتَ مَا بَقِيَ وَ انْتَفَعْتَ مِنْهَا بِمَا وُعِظْتَ بِهِ وَ لَكِنَّكَ تَبِعْتَ هَوَاكَ وَ آثَرْتَهُ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ تُؤْثِرْ عَلَى مَا دَعَوْنَاكَ إِلَيْهِ غَيْرَهُ لِأَنَّا أَعْظَمُ رَجَاءً وَ أَوْلَى بِالْحُجَّةِ وَ السَّلَامُ وَ كَتَبَ(ع)إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَنْ لَا يُغَيِّرَهُ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ وَ لَا مَرْتَبَةٌ اخْتَصَّ بِهَا وَ أَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ وَ عَطْفاً عَلَيْهِمْ أَلَا وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَنْ لَا أَحْجُبَنَّ دُونَكُمْ سِرّاً إِلَّا فِي حَرْبٍ وَ لَا أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حُكْمٍ وَ لَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ وَ أَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَجَبَتْ لِي عَلَيْكُمُ الْبَيْعَةُ وَ لَزِمَتْكُمُ الطَّاعَةُ وَ أَنْ لَا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ وَ لَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ وَ أَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ خَالَفَنِي فِيهِ ثُمَّ أُحِلُّ لَكُمْ فِيهِ عُقُوبَتَهُ وَ لَا تَجِدُوا عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ وَ أَعْطُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَذَا يَصْلُحْ أَمْرُكُمْ وَ السَّلَامُ.

بيان قال الجوهري فلان يباري فلانا أي يعارضه و يفعل مثل فعله و فلان يباري الريح سخاء أي يعارضها خيرا و بركة.

أقول و سيأتي الكتاب الأخير برواية النهج بتغيير ما.

400

(1)

-

نهج، نهج البلاغة: وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ-

أَنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَ إِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى‏

____________

(1). 400- رواه السيّد الرضيّ (قدس اللّه نفسه) في المختار: (6) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

77

رَجُلٍ وَ سَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًى فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ‏

غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ‏

وَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَ لَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدُنِي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَ لَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ وَ السَّلَامُ.

تنبيه لعل هذا منه(ع)إلزام لمعاوية بالإجماع الذي أثبتوا به خلافة أبي بكر و عمر و عثمان و عدم تمسكه(ع)بالنص لعدم التفاتهم إليه في أول العهد مع عدم تطاول الأيام فكيف مع بعد العهد و قوله(ع)إنما الشورى إلخ أي الشورى الذي تعتقدونه و تحتجون به و لا حاجة إلى حمل الكلام على التقية كما نقله ابن أبي الحديد من أصحابنا الإمامية قوله(ع)كان ذلك لله رضا أي بزعمهم و العزلة الاسم من الاعتزال و التجني أن يدعى عليك ذنب لم تفعله.

و قال ابن ميثم رحمه الله هذا الفصل من كتاب كتبه إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي حين نزعه من همدان و صدره أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك و أنت بالشام لأنه بايعني القوم.

ثم يتلو قوله و ولاه الله ما تولى تمام الآية.

و يتصل بها أن قال و إن طلحة و الزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي و كان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك‏ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ‏ فادخل يا معاوية فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك و استعنت بالله عليك.

و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك و إياهم على كتاب الله.

و أما هاتيك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن.

78

ثم يتصل به قوله و لعمري إلى قوله ما بدا لك ثم يتصل به و اعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة و لا يعرض فيهم الشورى و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد الله و هو من أهل الإيمان و الهجرة فبايع و لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏

وَ قَالَ (رحمه اللّه)

وَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّا بَعْدُ فَلَوْ كُنْتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ إِذَنْ مَا قَاتَلْتُكَ وَ لَا اسْتَحْلَلْتُ ذَلِكَ وَ لَكِنَّهُ إِنَّمَا أَفْسَدَ عَلَيْكَ بَيْعَتِي خَطِيئَتُكَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْحِجَازِ الْحُكَّامَ عَلَى النَّاسِ حِينَ كَانَ الْحَقُّ فِيهِمْ فَلَمَّا تَرَكُوهُ صَارَ أَهْلُ الشَّامِ الْحُكَّامَ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ وَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ وَ لَعَمْرِي مَا حُجَّتُكَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ كَحُجَّتِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ لَا حُجَّتُكَ عَلَيَّ كَحُجَّتِكَ عَلَى طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَدْ كَانُوا بَايَعُوكَ وَ لَمْ يُبَايِعْكَ أَهْلُ الشَّامِ وَ إِنَّ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ بَايَعَاكَ وَ لَمْ أُبَايِعْكَ وَ أَمَّا فَضْلُكَ فِي الْإِسْلَامِ وَ قَرَابَتُكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مَوْضِعُكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَسْتُ أَدْفَعُهُ وَ السَّلَامُ فَكَتَبَ(ع)فِي جَوَابِهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ أَتَانِي كِتَابُكَ كِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ وَ لَا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لَاغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً زَعَمْتَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَفْسَدَ عَلَيَّ بَيْعَتَكَ خَطِيئَتِي فِي عُثْمَانَ وَ لَعَمْرِي مَا كُنْتُ إِلَّا رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوْرَدْتُ كَمَا أَوْرَدُوا وَ أَصْدَرْتُ كَمَا أَصْدَرُوا وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَهُمْ عَلَى ضَلَالٍ وَ لَا يَضْرِبَهُمْ بِعَمًى وَ أَمَّا مَا زَعَمْتَ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ الْحُكَّامُ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ فَهَاتِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشِ الشَّامِ يُقْبَلَانِ فِي الشُّورَى أَوْ تَحِلُّ لَهُمَا الْخِلَافَةُ فَإِنْ زَعَمْتَ ذَلِكَ كَذَّبَكَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ وَ إِلَّا فَأَنَا آتِيكَ بِهِمَا مِنْ قُرَيْشِ الْحِجَازِ وَ أَمَّا مَا مَيَّزْتَ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ فَلَعَمْرِي مَا الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَّا وَاحِدٌ لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ عَامَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ وَ لَا

79

يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ وَ الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ الْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ وَ أَمَّا فَضْلِي فِي الْإِسْلَامِ وَ قَرَابَتِي مِنَ الرَّسُولِ وَ شَرَفِي فِي بَنِي هَاشِمٍ فَلَوِ اسْتَطَعْتَ دَفْعَهُ لَفَعَلْتَ وَ السَّلَامُ فَلَمَّا وَصَلَ هَذَا الْكِتَابُ إِلَى مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عَلِيُّ وَ دَعِ الْحَسَدَ فَإِنَّهُ طَالَ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَهْلُهُ وَ لَا تُفْسِدْ سَابِقَةَ قَدِيمِكَ بِشَرٍّ مِنْ حَدِيثِكَ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِخَوَاتِيمِهَا وَ لَا تُلْحِدَنَّ بِبَاطِلٍ فِي حَقِّ مَنْ لَا حَقَّ لَكَ فِي حَقِّهِ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ لَا تُضْلِلْ إِلَّا نَفْسَكَ وَ لَا تَمْحَقْ إِلَّا عَمَلَكَ وَ لَعَمْرِي إِنَّ مَا مَضَى لَكَ مِنَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ لَحَقِيقَةٌ أَنْ تَرُدَّكَ وَ تَرْدَعَكَ عَمَّا اجْتَرَأْتَ عَلَيْهِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ إِجْلَاءِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنِ الْحِلِّ وَ الْحَرَامِ فَاقْرَأْ سُورَةَ الْفَلَقِ وَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ‏

مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ‏

وَ مِنْ شَرِّ نَفْسِكَ الْحَاسِدِ

إِذا حَسَدَ

قَفَلَ اللَّهُ بِقَلْبِكَ وَ أَخَذَ بِنَاصِيَتِكَ وَ عَجَّلَ تَوْفِيقَكَ فَإِنِّي أَسْعَدُ النَّاسِ بِذَلِكَ وَ السَّلَامُ فَكَتَبَ(ع)أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلَالِكَ وَ أَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ وَ كِتَابٌ لَيْسَ بِبَعِيدِ الشَّبَهِ مِنْكَ حَمَلَكَ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَى مَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ حَقٌّ وَ لَوْ لَا عِلْمِي بِكَ وَ مَا قَدْ سَبَقَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِيكَ مِمَّا لَا مَرَدَّ لَهُ دُونَ إِنْفَاذِهِ إِذَنْ لَوَعَظْتُكَ وَ لَكِنْ عِظَتِي لَا تَنْفَعُ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ وَ لَمْ يَخَفِ الْعِقَابَ وَ لَا يَرْجُو

لِلَّهِ وَقاراً

وَ لَمْ يَخَفْ لَهُ حِذَاراً فَشَأْنَكَ وَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَ الْحَيْرَةِ وَ الْجَهَالَةِ تَجِدِ اللَّهَ فِي ذَلِكَ بِالْمِرْصَادِ مِنْ دُنْيَاكَ الْمُنْقَطِعَةِ وَ تَمَنِّيكَ الْأَبَاطِيلَ وَ قَدْ عَلِمْتَ مَا قَالَ النَّبِيُّ(ص)فِيكَ وَ فِي أُمِّكَ وَ أَبِيكَ وَ السَّلَامُ‏

(1)

.

. بيان أقول قد روى السيد رضي الله عنه في النهج بعض الكتابين‏

____________

(1) رواه ابن ميثم (رحمه اللّه) في شرحه على المختار: (7) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج البلاغة: ج 4(ص)356 ط الحديث بطهران.

و ليلاحظ المختار: (45 و 99) من باب كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب نهج السعادة: ج 4(ص)94 و 266 ط 1.

80

الذين أوردهما ابن ميثم و خلطهما (1).

قوله(ع)فهجر أي هذى و اللغط بالتحريك الصوت و الجلبة ذكره الجوهري و قال خبط البعير فهو خابط إذا مشى ضالا فخبط بيديه كل ما يلقاه و لا يتوقى شيئا و خبطه ضربه باليد و منه قيل خبط عشواء أي الناقة التي في بصرها ضعف.

قوله(ع)طاعن قال ابن ميثم أي في صحتها فهو طاعن في دين الله فيجب قتاله حتى يرجع إليها و رويت في الأمر نظرت فيه و فكرت أي الشاك فيها مداهن و المداهنة نوع من النفاق.

قوله(ع)موصلة قال ابن أبي الحديد أي مجموعة الألفاظ من هاهنا و هاهنا و ذلك عيب في الكتابة و الخطابة و قال حبرت الشي‏ء تحبيرا حسنته و زينته أي المزينة الألفاظ يشير(ع)إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلف و التصنع.

و قال الجوهري نمق الكتاب ينمقه بالضم أي كتبه و نمقه تنميقا زينه بالكتابة.

وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ‏ (2)

كَتَبَ مُعَاوِيَةُ فِي أَثْنَاءِ حَرْبِ صِفِّينَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ عَبْدِ اللَّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ‏

وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏

وَ إِنِّي أُحَذِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تُحْبِطَ عَمَلَكَ وَ سَابِقَتَكَ بِشَقِّ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ تَفْرِيقِ جَمَاعَتِهَا فَاتَّقِ اللَّهَ وَ اذْكُرْ مَوْقِفَ الْقِيَامَةِ وَ اقْلَعْ عَمَّا أَسْرَفْتَ فِيهِ مِنَ‏

____________

(1) قد روى السيّد الرضيّ قريبا ممّا رواه عنه ابن ميثم ثانيا، في المختار: (7) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

(2) في شرح المختار 7 من باب الكتب، ج 14،(ص)42، ط مصر، قال: و هذا الكتاب كتبه على (عليه السلام) جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفّين بل في أواخرها.

81

الْخَوْضِ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَوْ تَمَالَأَ أَهْلُ صَنْعَاءَ وَ عَدَنٍ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ قَتَلَ أَعْلَامَ الْمُسْلِمِينَ وَ سَادَاتِ الْمُهَاجِرِينَ بَلْهَ مَا طَحَنَتْ رَحَى حَرْبِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَ ذَوِي الْعِبَادَةِ وَ الْإِيمَانِ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَ شَابٍّ غَرِيرٍ كُلُّهُمْ بِاللَّهِ تَعَالَى مُؤْمِنٌ وَ لَهُ مُخْلِصٌ وَ بِرَسُولِهِ مُقِرٌّ عَارِفٌ فَإِنْ كُنْتَ أَبَا حَسَنٍ إِنَّمَا تُحَارِبُ عَلَى الْإِمْرَةِ وَ الْخِلَافَةِ فَلَعَمْرِي لَوْ صَحَّتْ خِلَافَتُكَ لَكُنْتَ قَرِيباً مِنْ أَنْ تُعْذَرَ فِي حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ وَ لَكِنَّهَا لَمْ تَصِحَّ لَكَ وَ أَنَّى بِصِحَّتِهَا وَ أَهْلُ الشَّامِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهَا وَ لَمْ يَرْتَضُوا بِهَا فَخِفِ اللَّهَ وَ سَطَوَاتِهِ وَ اتَّقِ بَأْسَ اللَّهِ وَ نَكَالَهُ وَ اغْمِدْ سَيْفَكَ عَنِ النَّاسِ فَقَدْ وَ اللَّهِ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا كَالثَّمَدِ فِي قَرَارَةِ الْغَدِيرِ

وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏

فَكَتَبَ عَلِيٌّ(ع)إِلَيْهِ جَوَاباً عَنْ كِتَابِهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلَالِكَ وَ أَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ وَ كِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ وَ لَا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لَاغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً فَأَمَّا أَمْرُكَ لِي بِالتَّقْوَى فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا وَ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ إِذَا أُمِرُوا بِهَا أَخَذَتْهُمُ‏

الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ‏

وَ أَمَّا تَحْذِيرُكَ إِيَّايَ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلِي وَ سَابِقَتِي فِي الْإِسْلَامِ فَلَعَمْرِي لَوْ كُنْتُ الْبَاغِيَ عَلَيْكَ لَكَانَ لَكَ أَنْ تُحَذِّرَنِي ذَلِكَ وَ لَكِنِّي وَجَدْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏

فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏

فَنَظَرْنَا إِلَى الْفِئَتَيْنِ فَأَمَّا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَوَجَدْنَاهَا الْفِئَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا لِأَنَّ بَيْعَتِي بِالْمَدِينَةِ لَزِمَتْكَ وَ أَنْتَ بِالشَّامِ كَمَا لَزِمَتْكَ بَيْعَةُ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ وَ أَنْتَ أَمِيرٌ لِعُمَرَ عَلَى الشَّامِ وَ كَمَا لَزِمَتْ يَزِيدَ أَخَاكَ بَيْعَةُ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ وَ هُوَ أَمِيرٌ لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى الشَّامِ وَ أَمَّا شَقُّ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَنْهَاكَ عَنْهُ‏

82

فَأَمَّا تَخْوِيفُكَ لِي مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَمَرَنِي بِقِتَالِهِمْ وَ قَتْلِهِمْ وَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ إِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ وَ أَشَارَ إِلَيَّ وَ أَنَا أَوْلَى مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ‏

(1)

وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ بَيْعَتِي لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهَا فَإِنَّمَا هِيَ بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ تَلْزَمُ الْحَاضِرَ وَ الْغَائِبَ لَا يُسْتَثْنَى فِيهَا النَّظَرُ وَ لَا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ وَ الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ الْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ فَارْبَعْ عَلَى ظَلْعِكَ وَ انْزِعْ سِرْبَالَ غَيِّكَ وَ اتْرُكْ مَا لَا جَدْوَى لَهُ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدِي إِلَّا السَّيْفُ حَتَّى تَفِي‏ءَ

إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏

صَاغِراً وَ تَدْخُلَ فِي الْبَيْعَةِ رَاغِماً وَ السَّلَامُ.

. بيان قال الجوهري بله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف و معناها دع و يقال معناها سوى و في الحديث أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتهم عليه.

398

(2)

-

وَ قَالَ ابْنُ مِيثَمٍ‏

كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ مُشَاغَبَتِي وَ تَسْتَقْبِحُ مُوَارَبَتِي وَ تَزْعُمُنِي مُتَجَبِّراً وَ عَنْ حَقِّ اللَّهِ مُقَصِّراً فَسُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ تَسْتَجِيزُ الْغِيبَةَ وَ تَسْتَحْسِنُ الْعَضِيهَةَ إِنِّي لَمْ أُشَاغِبْ إِلَّا فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ وَ لَمْ أَتَجَبَّرْ إِلَّا عَلَى بَاغٍ مَارِقٍ أَوْ مُلْحِدٍ مُنَافِقٍ وَ لَمْ آخُذْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ‏

لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ‏

وَ أَمَّا التَّقْصِيرُ فِي حَقِّ اللَّهِ فَمَعَاذَ اللَّهِ وَ إِنَّمَا الْمُقَصِّرُ فِي حَقِّ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ‏

____________

(1) و الحديث متواتر معنى أو مستفيض مقطوع الصدور و قد رواه جمع كثير من حفاظ أهل السنة منهم النسائى في الحديث 154 من كتاب خصائص عليّ (عليه السلام) بتحقيقنا و قد علقناه عليه عن مصادر كثيرة.

و رواه ابن عساكر بأسانيد جمة تحت الرقم 1178 و تواليه من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ج 3،(ص)163، ط 2 من تحقيقنا.

(2) ....

83

عَطَّلَ الْحُقُوقَ الْمُؤَكَّدَةَ وَ رَكِنَ إِلَى الْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ وَ أَخْلَدَ إِلَى الضَّلَالَةِ الْمُحَيِّرَةِ وَ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَصِفَ يَا مُعَاوِيَةُ الْإِحْسَانَ وَ تُخَالِفَ الْبُرْهَانَ وَ تَنْكُثَ الْوَثَائِقَ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ طَلِبَةٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ مَعَ نَبْذِ الْإِسْلَامِ وَ تَضْيِيعِ الْأَحْكَامِ وَ طَمْسِ الْأَعْلَامِ وَ الْجَرْيِ فِي الْهَوَى وَ التَّهَوُّسِ فِي الرَّدَى فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ وَ انْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ وَ ارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلَاماً وَاضِحَةً وَ سُبُلًا نَيِّرَةً وَ مَحَجَّةً نَهْجَةً وَ غَايَةً مُطَّلَبَةً يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ وَ تُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ وَ خَبَطَ فِي التِّيهِ وَ غَيَّرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ وَ أَحَلَّ بِهِ نَقِمَتَهُ فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ وَ حَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ وَ مَحَلَّةِ كُفْرٍ وَ إِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْحَلَتْكَ شَرّاً وَ أَقْحَمَتْكَ غَيّاً وَ أَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ وَ أَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ وَ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَ إِنَّ لِلنَّاسِ جَمَاعَةً يَدُ اللَّهِ عَلَيْهَا وَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِكَ فَإِنَّكَ إِلَى اللَّهِ رَاجِعٌ وَ إِلَى حَشْرِهِ مُهْطِعٌ وَ سَيَبْهَظُكَ كَرْبُهُ وَ يَحُلُّ بِكَ غَمُّهُ فِي يَوْمِ لَا يُغْنِي النَّادِمَ نَدَمُهُ وَ لَا يُقْبَلُ مِنَ الْمُعْتَذِرِ عُذْرُهُ‏

يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏

.

- 399 (1)

نهج، نهج البلاغة

فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ إِلَى قَوْلِهِ وَ أَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكُ.

توضيح قال الفيروزآبادي الشغب تهييج الشر كالتشغيب و شغبهم و بهم و عليهم كمنع و فرح هيج الشر عليهم و شاغبه شاره و قال المواربة المداهاة و المخاتلة و في أكثر النسخ موازرتي أي موازرتي عليك و العضيهة الإفك و البهتان و ركن إليه كعلم مال و أخلدت إلى فلان أي ركنت إليه و أخلد بالمكان أقام و الطمس إخفاء الأثر.

و قال الجوهري الهوس الطوفان بالليل و الهوس شدة الأكل و الهوس السوق اللين يقال هست الإبل فهاست أي ترعى و تسير و الهوس‏

____________

(1). 399- رواه السيّد الرضيّ (رحمه اللّه) في المختار: (30) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

84

بالتحريك طرف من الجنون.

قوله(ع)فيما لديك أي من مال المسلمين و فيئهم أو في نعمة عليك و معرفة ما لا يعذر بجهالته معرفة الإمام و طاعته و الأعلام الأئمة أو الأدلة و النهج الطريق الواضح.

و المطلبة النسخ المصححة متفقة على تشديد الطاء قال الجوهري طلبت الشي‏ء طلبا و كذا اطلبته على افتعلته و التطلب الطلب مرة بعد أخرى انتهى و المعنى غاية من شأنها أن تطلب و يطلبها العقلاء و يكشف عنه قوله(ع)يردها الأكياس.

و قرأ ابن أبي الحديد بتخفيف الطاء و قال أي مساعفة لطالبها يقال طلب فلان مني كذا فاطلبته أي أسعفته به.

و الأنكاس جمع نكس بالكسر و هو الرجل الضعيف ذكره الجوهري و الجزري و قال ابن أبي الحديد و ابن ميثم الدني من الرجال و نكب عن الطريق عدل و الخبط المشي على غير استقامة قوله(ع)تناهت بك يقال تناهى أي بلغ و الباء للتعدية أي بين الله لك سبيلك و غايتك التي توصلك إليها أعمالك أو المعنى قف حيث تناهت بك أمورك كقولهم حيث أنت و قولهم مكانك فلا يكون معطوفا و لا متصلا بقوله فقد بين الله لك سبيلك.

قوله(ع)فقد أجريت هو من إجراء الخيل للمسابقة و قال في الصحاح وحل الرجل وقع في الوحل و أوحله غيره و الاقتحام الدخول في الأمر بشدة و يقال جبل وعر و مطلب وعر أي صعب حزن و الرمس بالفتح القبر و المهطع المسرع و بهظه الأمر أثقله.

400

(1)

-

وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ وَ ابْنُ مِيثَمٍ‏

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَتَبَ إِلَى‏

____________

(1). 400- رواه ابن أبي الحديد و ابن ميثم في شرحيهما على المختار: (32) من الباب الثاني من كتاب نهج البلاغة.

85

مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ تِجَارَةٍ رِبْحُهَا أَوْ خُسْرُهَا الْآخِرَةُ فَالسَّعِيدُ مَنْ كَانَتْ بِضَاعَتُهُ فِيهَا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ مَنْ رَأَى الدُّنْيَا بِعَيْنِهَا وَ قَدَّرَهَا بِقَدْرِهَا وَ إِنِّي لَأَعِظُكَ مَعَ عِلْمِي بِسَابِقِ الْعِلْمِ فِيكَ مِمَّا لَا مَرَدَّ لَهُ دُونَ نَفَاذِهِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَةَ وَ أَنْ يَنْصِحُوا الْغَوِيَّ وَ الرَّشِيدَ فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تَكُنْ مِمَّنْ لَا يَرْجُو

لِلَّهِ وَقاراً

وَ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَإِنَّ اللَّهَ بِالْمِرْصَادِ وَ إِنَّ دُنْيَاكَ سَتُدْبِرُ عَنْكَ وَ سَتَعُودُ حَسْرَةً عَلَيْكَ فَانْتَبِهْ مِنَ الْغَيِّ وَ الضَّلَالِ عَلَى كِبَرِ سِنِّكَ وَ فَنَاءِ عُمُرِكَ فَإِنَّ حَالَكَ الْيَوْمَ كَحَالِ الثَّوْبِ الْمَهِيلِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ مِنْ جَانِبٍ إِلَّا فَسُدَ مِنْ آخَرَ وَ قَدْ أَرْدَيْتَ جِيلًا مِنَ النَّاسِ كَثِيراً خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَ أَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَ تَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ فَجَارُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ وَ هَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ وَ عَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ وَ جَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ وَ الْآخِرَةَ قَرِيبٌ مِنْكَ وَ السَّلَامُ 401-

(1)

قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِكَ وَ قَدْ أَبَيْتَ عَلَى الْغَيِّ إِلَّا تَمَادِياً

(2)

وَ إِنِّي لَعَالِمٌ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكَ إِلَى ذَاكَ مَصْرَعُكَ الَّذِي لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ وَ إِنْ كُنْتَ مُوَائِلًا فَازْدَدْ غَيّاً إِلَى غَيِّكَ فَطَالَ مَا خَفَّ عَقْلُكَ وَ مَنَّيْتَ نَفْسَكَ مَا لَيْسَ لَكَ وَ الْتَوَيْتَ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ كَانَتِ الْعَافِيَةُ لِغَيْرِكَ وَ احْتَمَلْتَ الْوِزْرَ بِمَا أَحَاطَ بِكَ مِنْ خَطِيئَتِكَ وَ السَّلَامُ‏

____________

(1). 401- رواه ابن أبي الحديد- مع التوالى- في شرحه على المختار: (32) من باب كتب نهج البلاغة: ج 16،(ص)133، ط الحديث بمصر، و في ط الحديث ببيروت: ج 4(ص)768.

(2) هذا هو الظاهر من السياق و في شرح نهج البلاغة ط مصر: على الفتن. و في ط الكمبانيّ: على الغين.

86

قَالَ فَكَتَبَ عَلِيٌّ(ع)إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَا أَتَيْتَ بِهِ مِنْ ضَلَالِكَ لَيْسَ بِبَعِيدِ الشَّبَهِ مِمَّا أَتَى بِهِ أَهْلُكَ وَ قَوْمُكَ الَّذِينَ حَمَلَهُمُ الْكُفْرُ وَ تَمَنِّي الْأَبَاطِيلِ عَلَى حَسَدِ مُحَمَّدٍ(ص)حَتَّى صُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ لَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَ أَنَا صَاحِبُهُمْ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ الصَّالِي بِحَرْبِهِمْ وَ الْفَالُّ لِحَدِّهِمْ وَ الْقَاتِلُ لِرُءُوسِهِمْ وَ رُءُوسِ الضَّلَالَةِ وَ الْمُتْبِعُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَفَهُمْ بِسَلَفِهِمْ فَبِئْسَ الْخَلَفُ خَلَفٌ اتَّبَعَ سَلَفاً وَ مَحَلُّهُ مَحَطَّةُ النَّارِ وَ السَّلَامُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ طَالَ فِي الْغَيِّ مَا اسْتَمْرَرْتَ إِدْرَاجَكَ كَمَا طَالَ مَا تَمَادَى عَنِ الْحَرْبِ نُكُوصُكَ وَ إِبْطَاؤُكَ تَتَوَعَّدُ وَعِيدَ الْأَسَدِ وَ تَرُوغُ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ فَحَتَّامَ تَحِيدُ عَنِ اللِّقَاءِ وَ مُبَاشَرَةِ اللُّيُوثِ الضَّارِيَةِ وَ الْأَفَاعِي الْمُقَاتِلَةِ فَلَا تَسْتَبْعِدَنَّهَا فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ السَّلَامُ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)أَمَّا بَعْدُ فَمَا أَعْجَبَ مَا يَأْتِينِي مِنْكَ وَ مَا أَعْلَمَنِي بِمَا أَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهِ وَ لَيْسَ إِبْطَائِي عَنْكَ إِلَّا تَرَقُّباً لِمَا أَنْتَ لَهُ مُكَذِّبٌ وَ أَنَا لَهُ مُصَدِّقُ وَ كَأَنِّي بِكَ غَداً تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ ضَجِيجَ الْجِمَالِ مِنَ الْأَثْقَالِ وَ سَتَدْعُونِي أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ إِلَى كِتَابٍ تُعَظِّمُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَجْحَدُونَهُ بِقُلُوبِكُمْ وَ السَّلَامُ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَمَّا بَعْدُ فَدَعْنِي مِنْ أَسَاطِيرِكَ وَ اكْفُفْ عَنِّي مِنْ أَحَادِيثِكَ وَ أَقْصِرْ عَنْ تَقَوُّلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ افْتِرَائِكَ مِنَ الْكَذِبِ مَا لَمْ يَقُلْ وَ غُرُورِ مَنْ مَعَكَ وَ الْخِدَاعِ لَهُمْ فَقَدِ اسْتَغْوَيْتَهُمْ وَ يُوشِكُ أَمْرُكَ أَنْ يَنْكَشِفَ لَهُمْ فَيَعْتَزِلُوكَ وَ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ بَاطِلٌ مُضْمَحِلٌّ وَ السَّلَامُ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)أَمَّا بَعْدُ فَطَالَ مَا دَعَوْتَ أَنْتَ وَ أَوْلِيَاؤُكَ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الْحَقَّ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ وَ نَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ جَهَدْتُمْ فِي إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ بِأَيْدِيكُمْ وَ أَفْوَاهِكُمْ‏

وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏

87

وَ لَعَمْرِي لَيُتِمَّنَّ النُّورَ عَلَى كُرْهِكَ وَ لَيُنْفِذَنَّ الْعِلْمَ بِصَغَارِكَ وَ لَتُجَازَيَنَّ بِعَمَلِكَ فَعِثْ فِي دُنْيَاكَ الْمُنْقَطِعَةِ عَنْكَ مَا طَابَ لَكَ فَكَأَنَّكَ بِأَجَلِكَ قَدِ انْقَضَى وَ عَمَلِكَ قَدْ هَوَى ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى لَظَى لَمْ يَظْلِمْكَ اللَّهُ شَيْئاً

وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَمَّا بَعْدُ فَمَا أَعْظَمَ الرَّيْنَ عَلَى قَلْبِكَ وَ الْغِطَاءَ عَلَى بَصَرِكَ الشَّرُّ مِنْ شِيمَتِكَ إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَسَاوِيَكَ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ فِيكَ حَالَتْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَنْ يَصْلُحَ أَمْرُكَ أَوْ أَنْ يَرْعَوِيَ قَلْبُكَ يَا ابْنَ الصَّخْرِ اللَّعِينِ زَعَمْتَ أَنْ يَزِنَ الْجِبَالُ حِلْمَكَ وَ يَفْصِلَ بَيْنَ أَهْلِ الشَّكِّ عِلْمُكَ وَ أَنْتَ الْجِلْفُ الْمُنَافِقُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْقَلِيلُ الْعَقْلِ الْجَبَانُ الرَّذْلُ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَسْطُرُ وَ يُعِينُكَ عَلَيْهِ أَخُو بَنِي سَهْمٍ فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَ ابْرُزْ لِمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْحَرْبِ وَ الصَّبْرِ عَلَى الضَّرْبِ وَ أَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ الْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ قَاتِلُ جَدِّكَ وَ أَخِيكَ وَ خَالِكَ وَ مَا أَنْتَ مِنْهُمْ بِبَعِيدٍ وَ السَّلَامُ.

إيضاح أقول روى السيد رضي الله عنه في النهج الكتاب الأول من قوله(ع)و أرديت جيلا إلى آخر هذا الكتاب. (1)

قوله(ع)و من رأى عطف على من كانت أي السعيد من يرى الدنيا بعينها أي يعرفها بحقيقتها أو يراها بالعين التي بها تعرف و هي عين البصيرة و يعلم ما هي عليه من التغير و الزوال و إنها خلقت لغيرها ليقدرها بمقدارها و يجعلها في نظره لما خلقت له.

قوله(ع)ممن لا يرجو لِلَّهِ وَقاراً أي لا يتوقع لله عظمة فيعبده‏

____________

(1) أي الكتاب الأول الذي مر هاهنا تحت الرقم: (400) الذي رواه المصنّف عن ابن أبي الحديد و ابن ميثم رواه الرضى تحت الرقم: (32) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

88

و يطيعه و الوقار الاسم من التوقير و هو التعظيم.

و قيل الرجاء هاهنا بمعنى الخوف و المهيل المتداعي في التمزق و منه رمل مهيل أي ينهال و يسيل و أرديت أي أهلكت و الجيل الصنف و روي بالباء الموحدة و هو الخلق و تغشاهم أي تأتيهم و تحيط بهم و حاروا عدلوا و تحيروا و نكصوا أي رجعوا و عولوا على أحسابهم أي اعتمدوا على نخوة الجاهلية و تعصبهم و رجعوا عن الدين إلا من فاء أي رجع و الموازرة المعاونة و الصعب مقابله الذلول كناية عن الباطل لاقتحامه بصاحبه في المهالك و القياد بالكسر حبل يقاد به الدابة و وائل منه على فاعل طلب النجاة ذكره الجوهري و قال صليت اللحم و غيره أصليه صليا إذا شويته و يقال أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار و جعلته يصلاها و صلي فلان النار بالكسر احترق و صلي بالأمر قاسى حره و شدته و قال فللت الجيش هزمته و يقال فله فانفل أي كسره فانكسر.

قوله(ع)و محله محطه الضمير الأول راجع إلى الخلف و الثاني إلى السلف و النار بدل أو عطف بيان لقوله محطه و لعل الأصوب محله و محطه فالضميران للسلف و درج الرجل مشى و أدرجت الكتاب طويته و قولهم خل درج الضب أي طريقه و الجمع الأدراج و راغ مال قوله(ع)لما أنت به مكذب أي ما أخبرني به النبي(ص)من وقت الحرب و شرائطه أو إتمام الحجة و اتباع أمره تعالى في ذلك و نزول الملائكة للنصرة و بكل ذلك كان لعنه الله مكذبا قوله(ع)فعث من عاث يعيث إذا أفسد و في بعض النسخ فعش.

أقول قال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الكتب قلت و أعجب و أطرف ما جاء به الدهر و إن كانت عجائبه و بدائعه جمة أن يفضي الأمر بعلي(ع)إلى أن يصير معاوية ندا له و نظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب و الجواب و يتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه و لا يقول له علي(ع)كلمة إلا قال له مثلها و أخشن منها فليت محمدا(ص)كان‏

89

مشاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أن الدعوة التي قام بها و قاسى أعظم المشاق في تحملها و كابد الأهوال في الذب عنها و ضرب بالسيوف عليها لما مهد دولتها و شيد أركانها و ملأ الآفاق بها خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذبوه لما دعا إليها و أخرجوه عن أوطانه لما حض عليها و أدموا وجهه و قتلوا عمه و أهله فكأنه كان يسعى لهم و يدأب لراحتهم كما قال أبو سفيان في أيام عثمان و قد مر بقبر حمزة فضربه برجله و قال يا أبا عمارة إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلعبون به ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية عليا كما يتفاخر الأكفاء و النظراء.

402

(1)

-

وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (2)

كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ(ع)مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَمْ نَزَلْ نَنْزِعُ مِنْ قَلِيبٍ وَاحِدٍ وَ نَجْرِي فِي حَلْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَ لَيْسَ لِبَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ فَضْلٌ وَ لَا لِقَائِمِنَا عَلَى قَاعِدِنَا فَخْرٌ كَلِمَتُنَا مُؤْتَلِفَةٌ وَ أُلْفَتُنَا جَامِعَةٌ وَ دَارُنَا وَاحِدَةٌ وَ يَجْمَعُنَا كَرَمُ الْعِرْقِ وَ يَحْوِينَا شَرَفُ الْفَخَارِ وَ يَحْنُو قَوِيُّنَا عَلَى ضَعِيفِنَا وَ يُوَاسِي غَنِيُّنَا فَقِيرَنَا قَدْ خَلَصَتْ قُلُوبُنَا مِنْ دَغَلِ الْحَسَدِ وَ طَهُرَتْ أَنْفُسُنَا مِنْ خُبْثِ السَّجِيَّةِ فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مِنْكَ مِنَ الْإِدْهَانِ فِي أَمْرِ ابْنِ عَمِّكَ وَ الْحَسَدِ لَهُ وَ تَضْرِيبِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِلَ بِمَشْهَدٍ مِنْكَ لَا تَدْفَعُ عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لَا يَدٍ فَلَيْتَكَ أَظْهَرْتَ نَصْرَهُ حَيْثُ أَشْهَرْتَ خَتْرَهُ فَكُنْتَ كَالْمُتَعَلِّقِ بَيْنَ النَّاسِ بِعُذْرٍ وَ إِنْ ضَعُفَ وَ الْمُتَبَرِّئِ مِنْ دَمِهِ بِدَفْعٍ وَ إِنْ وَهَنَ وَ لَكِنَّكَ جَلَسْتَ فِي دَارِكَ تَدُسُّ إِلَيْهِ الدَّوَاهِيَ وَ تُرْسِلُ عَلَيْهِ الْأَفَاعِيَ حَتَّى إِذَا قَضَيْتَ وَطْرَكَ مِنْهُ أَظْهَرْتَ شَمَاتَةً وَ أَبْدَيْتَ طَلَاقَةً وَ حَسَرْتَ‏

____________

(1) و قد ذكر ابن أبي الحديد بعده أبياتا حسنة يعجبنى أن أذكر منها و هى:

إذا عير الطائى بالبخل مادر* * * و قرع قسا بالفهاهة باقل‏

و قال السهى للشمس: أنت خفية* * * و قال الدجى: يا صبح لونك حائل‏

و فاخرت الأرض السماء سفاهة* * * و كاثرت الشهب الحصا و الجنادل‏

فيا موت زر إن الحياة ذميمة* * * و يا نفس جدى إن دهرك هازل‏

(2) ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار (64) من باب كتب نهج البلاغة: ج 5(ص)178، ط الحديث ببيروت.

90

لِلْأَمْرِ عَنْ سَاعِدِكَ وَ شَمَّرْتَ عَنْ سَاقِكَ وَ دَعَوْتَ إِلَى نَفْسِكَ وَ أَكْرَهْتَ أَعْيَانَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَيْعَتِكَ ثُمَّ كَانَ مِنْكَ بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِكَ شَيْخَيِ الْمُسْلِمِينَ أَبِي مُحَمَّدٍ طَلْحَةَ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرَ وَ هُمَا مِنَ الْمَوْعُودِينَ بِالْجَنَّةِ وَ الْمُبَشَّرُ قَاتِلُ أَحَدِهِمَا بِنَارِ الْآخِرَةِ هَذَا إِلَى تَشْرِيدِكَ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَ إِحْلَالِهَا مَحَلَّ الْهَوَانِ مُبْتَذِلَةً بَيْنَ أَيْدِي الْأَعْرَابِ وَ فَسَقَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَمِنْ بَيْنِ مُنْتَهِرٍ لَهَا وَ بَيْنَ شَامِتٍ بِهَا وَ بَيْنَ سَاخِرٍ مِنْهَا أَ تَرَى ابْنَ عَمِّكَ كَانَ بِهَذَا لَوْ رَآهُ رَاضِياً أَمْ كَانَ يَكُونُ عَلَيْكَ سَاخِطاً وَ لَكَ عَنْهُ زَاجِراً أَنْ تُؤْذِيَ فِي أَهْلِهِ وَ تُشَرِّدَ بِحَلِيلَتِهِ وَ تَسْفِكَ دِمَاءَ أَهْلِ مِلَّتِهِ ثُمَّ تَرْكُكَ دَارَ الْهِجْرَةِ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْهَا إِنَّ الْمَدِينَةَ لَتَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ فَلَعَمْرِي لَقَدْ صَحَّ وَعْدُهُ وَ صَدَقَ قَوْلُهُ وَ لَقَدْ نَفَتْ خَبَثَهَا وَ طَرَدَتْ مِنْهَا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَسْتَوْطِنَهَا فَأَقَمْتَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ وَ بَعُدْتَ عَنْ بَرَكَةِ الْحَرَمَيْنِ وَ رَضِيتَ بِالْكُوفَةِ بَدَلًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَ بِمُجَاوَرَةِ الْخَوَرْنَقِ وَ الْحَيْرَةِ عِوَضاً عَنْ مُجَاوَرَةِ قَبْرِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ وَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ مَا عَنَيْتَ خَلِيفَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَيَّامَ حَيَاتِهِمَا فَقَعَدْتَ عَنْهُمَا وَ الْتَوَيْتَ عَلَيْهِمَا وَ امْتَنَعْتَ مِنْ بَيْعَتِهِمَا وَ رُمْتَ أَمْراً لَمْ يَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَهْلًا وَ رَقِيتَ سُلَّماً وَعْراً وَ حَاوَلْتَ مَقَاماً دَحْضاً وَ ادَّعَيْتَ مَا لَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ نَاصِراً وَ لَعَمْرِي لَوْ وُلِّيتَهَا حِينَئِذٍ لَمَا ازْدَدْتَ إِلَّا فَسَاداً وَ اضْطِرَاباً وَ لَا أَعْقَبَتْ وَلَايَتُكَهَا إِلَّا انْتِشَاراً وَ ارْتِدَاداً لِأَنَّكَ الشَّامِخُ بِأَنْفِهِ الذَّاهِبُ بِنَفْسِهِ الْمُسْتَطِيلُ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَ يَدِهِ وَ هَا أَنَا السَّائِرُ إِلَيْكَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ تَحُفُّهُمْ سُيُوفٌ شَامِيَّةٌ وَ رِمَاحٌ قَحْطَانِيَّةٌ حَتَّى يُحَاكِمُوكَ إِلَى اللَّهِ فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ الْمُسْلِمِينَ وَ ادْفَعْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ فَإِنَّهُمْ خَاصَّتُكَ وَ خُلَصَاؤُكَ وَ الْمُحْدِقُونَ بِكَ فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا سُلُوكَ سَبِيلِ اللَّجَاجِ وَ الْإِصْرَارَ عَلَى الْغَيِّ وَ الضَّلَالِ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيكَ وَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَكَ‏

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ‏

: فَأَجَابَ عَلِيٌّ(ع)كِتَابَهُ بِمَا رَوَاهُ السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّهْجِ‏

91

وَ الطَّبْرِسِيُّ (رحمه اللّه) فِي الْإِحْتِجَاجِ‏

(1)

وَ اللَّفْظُ لِلسَّيِّدِ قَالَ وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ جَوَاباً عَنْ كِتَابٍ مِنْهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَ الْجَمَاعَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ كَفَرْتُمْ وَ الْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كَرْهاً وَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)حِزْباً وَ ذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَ شَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ وَ نَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ وَ ذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ وَ لَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ وَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي لِلنَّقِمَةِ مِنْكَ وَ إِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ

مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ* * * بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودٍ

وَ عِنْدِيَ السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَ خَالِكَ وَ أَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ وَ إِنَّكَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ وَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلِعَ سَوْءٍ عَلَيْكَ لَا لَكَ لِأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَ رَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا فِي مَعْدِنِهِ فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ وَ قَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَ تَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ(ص)فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَ لَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَا وَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَ إِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ أَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ‏

____________

(1) رواه السيّد رفع اللّه مقامه في المختار: (64) من باب كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) من نهج البلاغة.

و رواه الطبرسيّ (قدّس سرّه) في الكتاب الثاني ممّا أورده في عنوان: «احتجاج على (عليه السلام) على معاوية ...» من كتاب الاحتجاج: ج 1(ص)179، ط بيروت.

92

اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ.

تبيين قوله(ع)كنا نحن و أنتم أي قبل البعثة أنا استقمنا أي على منهاج الحق و بعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله(ص)حزبا في أكثر النسخ بالزاء بعد الحاء المهملة المكسورة و في بعضها بالراء المهملة بعد الحاء المفتوحة و كذلك كان في نسخة ابن أبي الحديد قال أي بعد أن كان أنف الإسلام محاربا لرسول الله(ص)و أنف كل شي‏ء أوله و كان أبو سفيان و أهله من بني عبد شمس من أشد الناس على رسول الله(ص)في أول الهجرة إلى فتح مكة انتهى.

و الأظهر ما في أكثر النسخ كما كان في نسخة ابن ميثم قال أي بعد أن اشتد الإسلام و صار للرسول(ص)حزب قوي من الأشراف و استعار لفظ الأنف لهم باعتبار كونهم أعزاء أهله انتهى أو باعتبار أنهم مقدمون على غيرهم فإنهم‏ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ فيكون هذا الكلام كالدليل على كون إسلامهم عن كره و إجبار فلا عليك في الاحتجاج فلا الجناية عليك و هو أظهر.

و قال ابن أبي الحديد أجمل(ع)في الجواب و الجواب المفصل أن طلحة و الزبير قتلا أنفسهما ببيعتهما و نكثهما و لو استقاما على الطريقة لسلما و من قتله الحق فدمه هدر.

و أما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة و الكلام في سلامتها.

و أما قوله بشر قاتل ابن صفية بالنار فقد اختلف فيه فقال قوم من علماء الحديث و أرباب السيرة هو كلام على غير مرفوع و قوم منهم جعلوه مرفوعا و على كل حال فهو حق لأن ابن جرموز قتله موليا خارجا من الصف و قاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار.

و أما عائشة فأي ذنب لأمير المؤمنين(ع)في ذلك و لو أقامت في‏

93

منزلها لم تبتذل بين الأعراب و أهل الكوفة.

على أن عليا(ع)أكرمها و صانها و عظم من شأنها و لو كانت فعلت بعمر ما فعلت به ثم ظفر بها لقتلها و مزقها إربا إربا و لكن عليا(ع)كان حليما كريما.

و أما قوله لو عاش رسول الله(ص)إلى آخره فلعلي(ع)أن يقلب الكلام عليه و يقول أ فتراه لو عاش أ كان رضي لحليلته أن تؤذي أخاه و وصيه.

و أيضا أ تراه لو عاش أ كان رضي لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليا الخلافة و تفرق جماعة هذه الأمة.

و أيضا أ تراه لو عاش أ كان رضي لطلحة و الزبير أن يبايعا ثم ينكثا لا بسبب بل قالوا جئنا نطلب الدراهم فقد قيل لنا إن بالبصرة مالا كثيرا.

فأما قوله ثم تركك دار الهجرة فلا عيب عليه إذا انتقضت عليه أطراف الإسلام بالبغي و الفساد أن يخرج من المدينة إليها و يهذب أهلها و ليس كل من خرج من المدينة كان خبيثا فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام.

ثم لعلي(ع)أن يقول و أنت يا معاوية قد نفتك المدينة أيضا فأنت إذن خبيث و كذلك طلحة و الزبير و عائشة الذين تتعصب لهم و تحتج على الناس بهم.

و قد خرج عن المدينة الصالحون كابن مسعود و أبي ذر و غيرهما و ماتوا في بلاد نائية عنها.

و أما قوله بعدت عن بركة الحرمين فكلام إقناعي ضعيف و الواجب على الإمام أن يقدم الأهم فالأهم من مصالح الإسلام و تقديم قتال أهل البغي على المقام في الحرمين أولى.

و أما ما ذكره من خذلان عثمان و شماتته به و إكراه الناس على البيعة فكله‏

94

دعوى و الأمر بخلافها.

و أما قوله التويت على أبي بكر و عمر و قعدت عنهما و حاولت الخلافة فإن عليا(ع)لم يكن يجحد ذلك و لا ينكره و لا ريب أنه كان يدعي الأمر بعد وفاة رسول الله(ص)لنفسه على الجملة إما للنص كما تقوله الشيعة أو لأمر آخر كما يقوله أصحابنا.

فأما قوله لو وليتها حينئذ لفسد الأمر و اضطرب الإسلام فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله و لعله لو وليها حينئذ لاستقام الأمر فإنه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لأن أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافة و تقديم غيره عليه فصغر شأنه في النفوس و قرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلوح و لو كان وليها ابتداء و هو على تلك الجلالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله(ص)و تلك المنزلة الرفيعة و الاختصاص الذي كان له لكان الأمر غير الذي رأيناه.

و أما قوله لأنك الشامخ‏ (1) فقد أسرف في وصفه بما وصفه به و لا شك أنه(ع)كان عنده زهو و لكن لا هكذا و كان(ع)مع زهوه ألطف الناس خلقا انتهى كلامه.

و أقول على أصولنا لا يستحق الملعون الجواب بما قد ظهر من كفره و نفاقه من كل باب و هو(ع)كان أعلم بما يأتي به من الحق و الصواب و لا ريب أن الحق يئوب معه حيث آب.

قوله و قد انقطعت الهجرة قال ابن ميثم لما أوهم كلامه أنه من المهاجرين أكذبه بقوله و قد انقطعت الهجرة يوم أسر أبوك أي حين الفتح و ذلك أن معاوية و أباه و جماعة من أهله إنما أظهروا الإسلام بعد الفتح و

- قد قال(ص)لا هجرة بعد الفتح.

و سمي(ع)أخذ العباس لأبي سفيان إلى رسول الله(ص)غير مختار و عرضه على القتل أسرا.

و روي يوم أسر أخوك و قد كان أسر أخوه عمرو بن أبي سفيان يوم‏

____________

(1) هذا هو الصواب المذكور في شرح ابن أبي الحديد. و في ط الكمبانيّ من البحار: لافك التابة.

95

بدر فعلى هذه الرواية يكون الكلام في معرض التذكرة له بأن من شأنه و شأن أهله أن يؤسروا و لا يسلموا فكيف يدعون مع ذلك الهجرة فإن الهجرة بهذا الاعتبار منقطعة عنهم و لا يكون يوم أسر ظرفا لانقطاع الهجرة لأن الهجرة إنما انقطعت بعد الفتح انتهى و لا يخفى ما فيه من التكلف و البعد.

و قال ابن أبي الحديد يوم أسر أخوك يعني يزيد بن أبي سفيان أسر يوم الفتح في باب الخندمة و كان خرج في نفر من قريش يحاربون و يمنعون من دخول مكة فقتل منهم قوم و أسر يزيد بن أبي سفيان أسره خالد بن الوليد فخلصه أبو سفيان منه و أدخله داره فآمن‏

- لأن رسول الله(ص)قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

. قوله فاسترفه أي اطلب الرفاهية على نفسك في ذلك فإنك إنما تستعجل إلى ما يضرك أو لا ترهق نفسك بالعجل فإني أزورك إن لم تزرني فكما قال أخو بني أسد.

قال ابن أبي الحديد كنت أسمع قديما أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الأسدي و الآن فقد تصفحت شعره فلم أجده و لا وقفت بعد على قائله.

و ريح حاصب تحمل الحصباء و هي صغار الحصا و إذا كانت بين أغوار و هي ما سفل من الأرض و كانت مع ذاك ريح صيف كانت أعظم مشقة و أشد ضررا على من تلاقيه.

فأما قوله و جلمود يمكن أن يكون عطفا على حاصب و أن يكون عطفا على أغوار أي بين أغوار من الأرض و حرة و ذلك أشد لأذاها لما تكتسبه الحرة من لفح السموم و وهجها و الوجه الأول أليق انتهى.

و قال الجوهري الجلمد و الجلمود الصخر و قال أعضضته بسيفي أي ضربته به و عض الرجل بصاحبه يعض عضيضا أي لزمه.

و قال ابن أبي الحديد أعضضته أي جعلته معضوضا برءوس أهلك به و أكثر ما يأتي أفعلت أن تجعله فاعلا و هنا من المقلوب أي عضضت رءوس أهلك به.

96

و قال ابن ميثم قوله عضضته يروى بالضاد المعجمة أي جعلته عاضا لهم و ألزمته بهم و يروى أغصصته بالغين المعجمة و الصادين المهملتين تقول أغصصت السيف بفلان أي جعلته يغص به المضروب هو الذي يغص بالسيف أي لا يكاد يسيغه.

و قد مر مرارا أن مراده(ع)من قوله الجد جد معاوية عتبة بن ربيعة و الخال الوليد و الأخ حنظلة قتلهم(ع)يوم بدر.

قوله(ع)ما علمت كلمة ما موصولة و هي بصلتها خبر أن و الأغلف بيان للموصول.

و يحتمل أن يكون المعنى ما دمت علمتك و اطلعت عليك وجدتك كذلك.

و قيل ما مصدرية و الأغلف القلب من لا بصيرة له كان قلبه في غلاف و المقارب العقل في أكثر النسخ بصيغة الفاعل و كذا صححه الشارحان.

و قال الجوهري شي‏ء مقارب بكسر الراء بين الجيد و الردي‏ء و لا نقل مقارب بفتح الراء.

و في بعض النسخ المصححة بالفتح فيحتمل أن يكون بالمعنى المذكور أيضا.

و قال في القاموس شي‏ء مقارب بكسر الراء بين الجيد و الردي‏ء أو دين مقارب بالكسر و متاع مقارب بالفتح انتهى.

أو أريد به العقل الذي قاربه الشيطان و مسه أي أنت الذي تخبطه‏ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ‏ قوله و الأولى أن يقال لك جواب لقوله و رقيت سلما و في القاموس طلع الجبل علاه كطلع بالكسر عليك لا لك أي هذا المطلع أو الارتقاء وبال عليك غير نافع لك ما أبعد قولك أي دعواك أنك أمير المؤمنين و خليفة المسلمين من فعلك و هو الخروج باغيا على الإمام المفترض الطاعة و شق عصا المسلمين مع ما ترتكبه من المنكرات و الفسوق كلبس الحرير و المنسوج بالذهب و غير ذلك كما ذكره ابن أبي الحديد و قريب ما أشبهت ما مصدرية أي قريب شبهك بأعمامك و أخوالك من بني أمية

97

الذين حاربوا رسول الله(ص)بوقع سيوف متعلق بصرعوا و ما خلا صفة لسيوف و الوغى بالتحريك الجلبة و الأصوات و منه قيل للحرب وغى لما فيها من الصوت و الجلبة و لم تماشها الهوينا أي لم يلحق ضربنا و وقعها هون و لا سهولة و لم يجر معها و روي و لم يتماسها بالسين المهملة أي لم يخالطها شي‏ء من ذلك و الهوينا موصوفها محذوفة كالضربة و الحالة و نحوها.

و أما تلك التي تريد أي طلبك قتلة عثمان.

403

(1)

-

وَ قَالَ ابْنُ مِيثَمٍ وَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ

كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خُضْرَةٌ ذَاتُ زِينَةٍ وَ بَهْجَةٍ لَمْ يُصَبْ إِلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا وَ شَغَلَتْهُ بِزِينَتِهَا عَمَّا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْهَا وَ بِالْآخِرَةِ أُمِرْنَا وَ عَلَيْهَا حُثِثْنَا فَدَعْ يَا مُعَاوِيَةُ مَا يَفْنَى وَ اعْمَلْ لِمَا يَبْقَى وَ احْذَرِ الْمَوْتَ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُكَ وَ الْحِسَابَ الَّذِي إِلَيْهِ عَاقِبَتُكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَا يَكْرَهُ وَ وَفَّقَهُ لِطَاعَتِهِ وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّاً أَغْرَاهُ بِالدُّنْيَا وَ أَنْسَاهُ الْآخِرَةَ وَ بَسَطَ لَهُ أَمَلَهُ وَ عَاقَهُ عَمَّا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ قَدْ وَصَلَنِي كِتَابُكَ فَوَجَدْتُكَ تَرْمِي غَيْرَ غَرَضِكَ وَ تُنْشِدُ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَ تَخْبِطُ فِي عَمَايَةٍ وَ تَتِيهُ فِي ضَلَالَةٍ وَ تَعْتَصِمُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَ تَلُوذُ بِأَضْعَفِ شُبْهَةٍ فَأَمَّا سُؤَالُكَ إِلَيَّ الْمُتَارَكَةَ وَ الْإِقْرَارَ لَكَ عَلَى الشَّامِ فَلَوْ كُنْتُ فَاعِلًا ذَلِكَ الْيَوْمَ لَفَعَلْتُهُ أَمْسِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ عُمَرَ وَلَّاكَهَا فَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ مَنْ كَانَ وَلَّاهُ صَاحِبُهُ وَ عَزَلَ عُثْمَانُ مَنْ كَانَ عُمَرُ وَلَّاهُ وَ لَمْ يُنْصَبْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ إِلَّا لِيَرَى مِنْ صَلَاحِ الْأُمَّةِ مَا قَدْ كَانَ ظَهَرَ لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ خَفِيَ عَنْهُمْ غَيُّهُ وَ الْأَمْرُ يَحْدُثُ بَعْدَ الْأَمْرِ وَ لِكُلِ‏

____________

(1). 403- روياه في شرح المختار: (37) من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحيهما.

98

وَالٍ رَأْيٌ وَ اجْتِهَادٌ فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ وَ الْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَ اطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ طَلِبَةٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ فِي عُثْمَانَ وَ قَتَلَتِهِ فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ وَ خَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ وَ السَّلَامُ.

404- (1)

ج، الإحتجاج مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)

فَسُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ وَ السَّلَامُ.

بيان الحقائق هي ما يحق للرجل أن يحميه كما يقال حامي الحقيقة و قيل هي الأمور التي ينبغي أن يعتقدها من خلافته(ع)و وجوب طاعته و وثائق الله عهوده المطلوبة له و هي على عباده حجة يوم القيامة.

و قال ابن أبي الحديد (2) و أما قوله(ع)إنما نصرت عثمان إلخ فقد روى البلاذري أنه لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده بعث يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبد الله أمير العراق و قال إذا أتيت ذا خشب فأقم بها و لا تتجاوزها و لا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فإني أنا الشاهد و أنت الغائب.

قال فأقام القسري بذي خشب حتى قتل عثمان فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه و إنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.

____________

(1). 404- رواه الطبرسيّ (رحمه اللّه) في أواخر عنوان: «احتجاجه (عليه السلام) على معاوية في جواب كتبه إليه ...» من كتاب الاحتجاج: ج 1،(ص)180.

و الظاهر أنّه سقط من نسخة الكمبانيّ من بحار الأنوار لفظة «نهج» إذ من البعيد أنه خفى على المصنّف كون الكلام مذكورا تحت الرقم: (37) من باب الكتب من نهج البلاغة.

(2) ذكره في شرح المختار: (37) من نهج البلاغة من شرحه: ج 4(ص)785 ط الحديث ببيروت.

99

و كتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن(ع)كتابا يدعوه فيه إلى بيعته و يقول له فيه و لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا و أن يكون رأيا صوابا فإنك من الساعين عليه و الخاذلين له و السافكين دمه و ما جرى بيني و بينك صلح فيمنعك مني و لا بيدك أمان.

فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه و أما قولك إني من الساعين على عثمان و الخاذلين له و السافكين دمه فأقسم بالله لأنت المتربص بعثمان و المحب لهلاكه و الحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره و لقد أتاك كتابه و صريخه يستغيث بك و يستصرخ فما حفلت حتى بعثت به معذرا بأخرة و أنت تعلم أنهم لن يدركوه حتى يقتل فقتل كما كنت أردت ثم علمت بعد ذلك أن الناس لن يعدلوا بيننا و بينك فطفقت تنعي عثمان و تلزمنا دمه و تقول قتل عثمان مظلوما فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين ثم لم تزل مصوبا و مصعدا و جاثما و رابضا تستغوي الجهال و تنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت‏ وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏ (1).

بيان بعثت به أي بالجيش أو الصريخ معذرا بالتشديد و هو المقصر و من يبدي عذرا و ليس بمحق بأخرة أي بتأخير و تسويف أو آخرا حيث لا ينفع قال الجوهري بعته بأخرة بكسر الخاء و قصر الألف أي بنسئة و جاء فلان بأخرة بفتح الخاء أي أخيرا.

و في النهاية فيه فصعد في النظر و صوبه أي نظر إلى أعلاي و أسفلي يتأملني انتهى.

و جثم الطائر تلبد بالأرض و ربوض الغنم و الكلب مثل بروك الإبل و جثوم الطير فتارة شبهه بالطيور الخاطفة و تارة بالكلاب الضارية الصائدة.

405

(2)

-

وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ رَوَى نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ‏

أَنَّهُ كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‏

____________

(1) اقتباس من الآية: (111) من سورة الأنبياء.

(2). 405- رواه ابن أبي الحديد تاما- و ابن ميثم ناقصا- في شرح المختار: (10) من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحيهما: ج 4(ص)528 ط الحديث ببيروت، و في شرح كمال الدين ابن ميثم: ج 4(ص)371.

و رواه نصر بن مزاحم (رحمه اللّه) في أواسط الجزء الثاني من كتاب صفّين(ص)108، ط مصر.

و رويناه عنه و عن مصدر آخر تحت الرقم: (91- 92) من باب كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب نهج السعادة: ج 4(ص)246.

100

ع إِلَى مُعَاوِيَةَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ سَلَامٌ‏

عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏

فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ مُرُورَ الدُّنْيَا وَ انْقِضَاءَهَا وَ تَصَرُّمَهَا وَ تَصَرُّفَهَا بِأَهْلِهَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا وَ خَيْرُ مَا اكْتَسَبْتَ مِمَّا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَصَابَ الْعِبَادُ الصَّالِحُونَ فِيمَا مَضَى مِنْهَا مِنَ التَّقْوَى وَ مَنْ يَقِسِ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ يَجِدْ بَيْنَهُمَا بَوْناً بَعِيداً وَ اعْلَمْ يَا مُعَاوِيَةُ أَنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ لَا فِي الْقَدِيمِ وَ لَا فِي الْحَدِيثِ وَ لَا فِي الْبَقِيَّةِ وَ لَسْتَ تَقُولُ فِيهِ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ يُعْرَفُ لَهُ أَثَرٌ وَ لَا عَلَيْكَ مِنْهُ شَاهِدٌ وَ لَسْتَ مُتَعَلِّقاً بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ لَا عَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَقَشَّعَتْ عَنْكَ غَيَابَةُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ فُتِنْتَ بِزِينَتِهَا وَ رَكَنْتَ إِلَى لَذَّتِهَا وَ خَلَّا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ فِيهَا عَدُوٌّ كَلِبٌ مُضِلٌّ جَاهِدٌ مَلِيحٌ مُلِحٌّ مَعَ مَا قَدْ ثَبَتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ حُبِّهَا دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا وَ قَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا وَ أَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ خُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لَا يَجُنُّكَ بِهِ مِجَنٌّ وَ مَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ أَوْ وُلَاةً لِأَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلَا قَدَمٍ حَسَنٍ وَ لَا شَرَفٍ تَلِيدٍ عَلَى قَوْمِكُمْ فَاسْتَيْقِظْ مِنْ سِنَتِكَ وَ ارْجِعْ إِلَى خَالِقِكَ وَ شَمِّرْ لِمَا سَيَنْزِلُ بِكَ وَ لَا تُمَكِّنْ عَدُوَّكَ الشَّيْطَانَ مِنْ بُغْيَتِهِ فِيكَ مَعَ أَنِّي أَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ صَادِقَانِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لُزُومِ سَابِقِ الشَّقَاءِ وَ إِنْ لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أُعْلِمُكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ إِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ الشَّيْطَانُ مَأْخَذَهُ فَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ وَ لَسْتَ مِنْ أَئِمَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَا مِنْ رُعَاتِهَا وَ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إِلَى النَّاسِ أَوْ بِأَيْدِيهِمْ لَحَسَدُونَاهُ وَ لَامْتَنُّوا عَلَيْنَا بِهِ‏

101

وَ لَكِنَّهُ قَضَاءٌ مِمَّنْ مَنَحَنَاهُ وَ اخْتَصَّنَا بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ لَا أَفْلَحَ مَنْ شَكَّ بَعْدَ الْعِرْفَانِ وَ الْبَيِّنَةِ رَبِّ احْكُمْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ عَدُوِّنَا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قَالَ نَصْرٌ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِالْجَوَابِ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّا بَعْدُ فَدَعِ الْحَسَدَ فَإِنَّكَ طَالَ مَا لَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ بِرِوَايَةِ ابْنِ مِيثَمٍ (رحمه اللّه).

أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ صِفِّينَ لِنَصْرٍ مِثْلَهُ‏ (1) وَ رَوَى ابْنُ مِيثَمٍ (رحمه اللّه) كِتَابَهُ(ع)نَحْواً مِمَّا مَرَّ (2).

406

(3)

-

وَ ذَكَرَ السَّيِّدُ الرَّضِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّهْجِ بَعْضَهُ فَلْنَذْكُرْهُ لِلِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ بَيْنَهُمَا قَالَ وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ(ع)إِلَيْهِ أَيْضاً

وَ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلَابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا وَ خَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا وَ قَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا وَ أَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا وَ إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ خُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ وَ شَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ وَ لَا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ وَ إِنْ لَا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ وَ بَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ وَ جَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَ الدَّمِ وَ مَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ وَ وُلَاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ وَ لَا شَرَفٍ بَاسِقٍ وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لَوَازِمِ سَابِقِ الشَّقَاءِ وَ أُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ الْأُمْنِيِّةِ مُخْتَلِفَ الْعَلَانِيَةِ وَ السَّرِيرَةِ وَ قَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَ اخْرُجْ إِلَيَّ وَ أَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ عَنِ الْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَ الْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ قَاتِلُ جَدِّكَ‏

____________

(1) تقدم أن نصر بن مزاحم (رحمه اللّه) رواه في أواسط الجزء الثاني من كتاب صفّين(ص)108 ط مصر.

(2) تقدم أن كمال الدين ابن ميثم رواه في شرح المختار: (10) من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحه: ج 4(ص)371.

(3). 406- رواه السيّد (رحمه اللّه) في المختار: (10) من الباب الثاني من نهج البلاغة.

102

وَ خَالِكَ وَ أَخِيكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ وَ ذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي وَ بِذَلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً وَ لَا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً وَ إِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَ دَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِعُثْمَانَ وَ لَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ الْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ وَ كَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ وَ الْقَضَاءِ الْوَاقِعِ وَ مَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ هِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ.

بيان و إني أحمد إليك الله أي أحمد الله منهيا إليك قال في النهاية في كتابه عليه الصلاة و السلام أما بعد فإني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع و قيل معناه أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها.

و قال الجوهري قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع و تقشع و أقشع أيضا.

و في القاموس غيابة كل شي‏ء سترك منه و منه غيابات الجب و غيبان الشجر.

و الجلابيب جمع جلباب و هي الملحفة في الأصل فاستعير لغيرها من الثياب.

قوله(ع)قد تبهجت أي صار ذات بهجة و حسن أو تكلفت البهجة.

و قال الجوهري ألاح بسيفه لمع به و ألاحه أهلكه.

قوله أن يقفك واقف وقف جاء لازما و متعديا و استعمل هنا متعديا و يقال أيضا وقفه على ذنبه أي أطلعه عليه و الواقف هو الرب تعالى عند الحساب أو هو(ع)في الدنيا أو عند مخاصمة القيامة و قيل أي الموت و المجن بكسر الميم و فتح الجيم الترس و التليد القديم و قعس عن الأمر تأخر عنه و الأهبة بالضم الاستعداد لما قد نزل بك أي الابتلاء بسوء العاقبة أو الحرب أو الموت أو القتل و ما بعده تنزيلا لما لا بد من وقوعه منزلة الواقع و تقول أغفلت الشي‏ء إذا