سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - ج10

- محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي‏ المزيد...
492 /
453

و ردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزيز و التوقير، و لم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي يتأذّى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك.

تنبيه:

قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ميتا كحرمته حيّا، و كلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، و لا يعرض عنه كما كان يلزمه، ذلك في مجلسه عند تلفظه به و قد نبّه اللّه تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى‏ وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا [الأعراف/ 204] و كلام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الوحي و له من الحكمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة، ببيانها في كتب الفقه فإذا كان رفع الصوت فوق صوته يحبط العمل فما الظن برفع الأمراء و نقائح الأفكار على سننه و ما جاء به.

السادسة:

و بأن أصحابه إذا كانوا معه على أمر جامع كخطبة و جهاد و رباط لم يذهب أحد منهم في حاجة حتى يستأذنوه أي لم يذهب أحد في حاجة حتى يستأذنه.

كما قال اللّه تعالى‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى‏ أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ‏ [النور/ 62] فإذا كان هذا مذهبا مقيدا، أرضا فيه لحاجة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله و فروعه دقيقه و جليله هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذان‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ [النحل/ 43].

السابعة:

و بتحريم ندائه من وراء الحجرات كما قال اللّه تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏ [الحجرات 4].

وجه الاستدلال أن اللّه تعالى وصف فاعل ذلك بعدم العقل أي عقل الأحكام الشرعية فدل على أن من الأحكام الشرعية أن لا يناديه من وراء الحجرات.

الثامنة:

و بتحريم ندائه باسمه مثل يا محمد يا أحمد، و لكن ينادى يا نبي اللّه، يا رسول اللّه، يا خيرة اللّه و نحو ذلك قال اللّه تعالى‏ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور/ 63].

قال سعيد بن جبير و مجاهد بلغني قولوا يا رسول اللّه في رفق و لين، و لا تقولوا يا محمد بتهجم.

454

تنبيهان:

الأول: روى البخاري عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- أن رجلا من أهل البادية جاء فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن اللّه أرسلك ... الحديث. فيحمل هذا على احتمال أنه كان قبل النهي عن ذلك.

الثاني: هل يجوز نداؤه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالكنية و اللقب؟ قال القاضي جلال الدين ظاهر قول الشيخين يقتضي المنع بل نقول: يا نبي اللّه، يا رسول اللّه، من النداء بالكنية و اللقب و لكنه محلّ نظر، و تقدم في الكلام على كناه من باب الأسماء ما يقتضي أنه كان يجوز النداء بالكنية، لأنه لو كان حراما لما

كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«تسمّوا باسمي و لا تكنوا بكنيتي».

و روى الشيخان‏

أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يوما يمشي بالبقيع فسمع رجلا يقول يا أبا القاسم، فرد رأسه إليه فقال الرجل: يا رسول اللّه لم أدعك إنما دعوت فلانا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «تسموا باسمي و لا تكنوا بكنيتي».

فأفهم هذا جواز النداء بالكنية لأنه نهى عن التكنّي بها لئلا يحصل الالتفات منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المراد غيره، و أما الاسم و إن كان النداء لغيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) ممكنا، إلا أن الالتفات منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يحصل، لأنه محرم على العباد النداء بالاسم.

التاسعة:

و بتحريم التّقدّم بين يديه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالقول و الفعل، و هو ذكر الرأي عنده، أو فعله، قبل رأيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال اللّه- تبارك و تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ [الحجرات/ 1] لأن من قدّم قوله أو فعله، على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقد قدم على اللّه، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما يأمر من أمر اللّه، و المعنى لا تقطعوا أمرا دون اللّه و رسوله و لا تعجلوا به، لأن «بين اليدين» ها هنا الأمام و القدام فتضمن حمله على قدام الأمر و النهي، فقدم هنا بمعنى تقدم كما في قولهم بين و تبيّن و فكر و تفكّر، و هذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ فالتقدم بين يدي نبيه، بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.

العاشرة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يستشفى به، كذا قاله الرافعي و هو شامل لذاته الشريفه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قولا و فعلا كدعائه و مس يده و الغسل بريقه و التمسح بفضل وضوئه و نخامته و عرقه، و هذا أمر مشهور و قد تقدم بيان ذلك في المعجزات.

فإن قيل ما وجه الخصوصية في ذلك و غيره من الأولياء قد كان يستشفى بدعائه و لمس يده و بريقه و شعره و عرقه و يتبرك بذلك؟

فالجواب عن ذلك أن هذا الاستشفاء من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) متيقن الإجابة بخلاف غيره، فإنه مظنون و قد تتخلف الخصوصية في اليقين.

455

الحادية عشرة:

و بأن النجس منا طاهر منه.

الثانية عشر:

و يستسقى به.

روى البزار و الطبراني و الحاكم و البيهقي بسند حسنه الشيخ عن عبد اللّه بن الزبير قال‏

احتجم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأعطاني الدم فقال: «اذهب فغيّبه» فذهبت فشربته، ثم أتيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال لي «ما صنعت؟» قلت غيبته قال «لعلك شربته» قلت شربته.

و روى الدار قطني في السنن عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏

أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) احتجم فدفع دمه إلى ابني فشربه، فأتاه جبريل فأخبره فقال «ما صنعت؟» قال كرهت أن أصبّ دمك فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا تمسك النار، و مسح على رأسه و قال: «ويل للناس منك و ويل لك من الناس».

و روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

شجّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد فتلقاه أبي فلحس الدم عن وجهه بفمه و ازدرده فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «من سره أن ينظر إلى رجل خالط دمه دمي فلينظر إلى مالك بن سنان».

و رواه سعيد بن منصور عن عمرو بن السائب مرسلا و روى البزار و أبو يعلى و ابن أبي خيثمة و البيهقي في السنن و الطبراني عن سفينة قال:

احتجم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال خذ هذا الدم فادفنه من الدواب و الطير و الناس فذهبت فشربته ثم جئت فقال ما صنعت؟ فأخبرته فضحك.

و رواه ابن عدي من طريق شريح بن يونس ثنا ابن أبي فديك ثنا بريّة بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده بلفظ خذ هذا الدم فادفنه من الدواب و الطير أو قال الناس و الدواب شك ابن أبي فديك.

و رواه أبو الحسن بن الضحاك قال: حدثنا أبو الحكم حدثنا أبو الغنائم حدثنا عبد اللّه بن عبيد اللّه أنبأنا أبو عبد اللّه المحاملي أنبأنا علي بن شعيب أنبأنا ابن أبي فديك فذكره.

و روى أبو يعلى و الطبراني و الدار قطني و الحاكم و أبو نعيم عن أم أيمن- رضي اللّه تعالى عنها- قالت‏

قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الليل إلى فخارة فبال فيها، فقمت من الليل و أنا عطشانة فشربت ما فيها، فلما أصبح أخبرته فضحك و قال «أما إنك لا يتجعن بطنك أبدا» و لفظ أبي يعلى «أنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا».

و روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال‏

أخبرت أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شي‏ء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت بهم من أرض الحبشة فقال «أين البول الذي كان في القدح؟» قالت شربته قال: «صحة يا أم يوسف» و كانت تكنى أم يوسف، فما مرضت قط حتى ماتت فيه،

456

و صحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين و هو واضح من اختلاف السياق و صحح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، و هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني كما دلّ عليه كلامه في «التدريب».

و روى الطبراني و البيهقي بسند صححه الشيخ عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت:

كان للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدح من عيدان يبول فيه و يضعه تحت سريره، فقام فطلبه فسأل عنه فقال أين القدح: فقالوا: شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «لقد احتظرت من النار بحظار».

و موضوع الدلالة من هذه الأحاديث أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم ينكر على ابن الزبير و لا أم أيمن و لا من فعل مثل فعلها، و لا أمرهم بغسل الفم، و لا نهاهم عن العود إلى مثله، و من حمل ذلك على التداوي، قيل له‏

قد أخبر (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«أن اللّه يجعل شفاء أمته فيما حرم عليها»

رواه ابن حبان في صحيحه فلا يصح حمل الأحاديث على ذلك بل هي ظاهرة في الطهارة.

الثالثة عشر:

و بأن من زنا بحضرته و استهان به كفر.

قال الرافعي:

و الدليل على ذلك قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا [الفتح/ 8، 9] قال المفسرون معنى تعزروه أي تعظموه و تفخموه فالضمير عائد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فالوقف تام بقوله تسبحوه أي تسبحوا اللّه تعالى بكرة و أصيلا فيكون معنى الكلام راجعا إلى اللّه- عز و جل- و هو و سبحوه من غير خلاف و يكون بعض الكلام راجعا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو التوقير و التعظيم و هو من باب اللّف و النشر المشوش.

فكما أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يرسل إلى الخلق كافة ليأمرهم بالإيمان كذلك هو مرسل إليهم ليأمرهم بنصرته و توقيره فمن خالف موجب ذلك كفر.

تنبيه‏

قال النووي- (رحمه اللّه تعالى)- و في مسأله المزني نظر قال- الجلال البلقيني: مراده بذلك أن لا يكون الزّاني قاصدا للاستهانة فمن قصد الاستهانة فالحق أنه لا نظر في ذلك، لأنه لا يتضمن استهانة له في ذلك و لا نظر إلى الزاني الخالي عن قصد [لعدم النية من الشخص: و في هذا نظر].

فالفعل نفسه استهانة فلا حاجة إلى القصد معه و إن لم يكن قاصدا لها، لأن ترك الاستحياء من الشخص استهانة له فلا حاجة إلى القصد معه.

457

الرابعة عشر:

و بان من سبّه و هجاه يقتل.

روى الحاكم و البيهقي- رضي اللّه تعالى عنه- عن أبي بردة- رضي اللّه تعالى عنه- أن رجلا سب أبا بكر- رضي اللّه تعالى عنه- فقلت ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟

فقال ليست هذه لأحد بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

روى أبو داود و البيهقي عن علي- رضي اللّه تعالى عنه‏

- أن يهودية كانت تشتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأهدر الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) دمها.

و روى مسدد عن أبي إسحاق الهمداني (رحمه اللّه تعالى) قال كان رجل من المسلمين ذاهب البصر يأوي إلى يهودية و كانت حسنة الصنع إليه، و كانت تسبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا ذكرته فنهاها فأبت أن تفعل فقتلها، فأبطل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دمها.

و روى الحارث برجال ثقات. عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- أنه مر براهب فقيل له: إن هذا سب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال لو سمعته لضربت عنقه إنّا لم نعطهم العهد على أن يسبوا نبينا.

و روى أبو يعلى بسند صحيح عن كعب بن علقمة أن عرفة بن الحارث و كانت له صحبة- رضي اللّه عنه- مرّ على رجل كان يلبس كل يوم ثوبا أو قال حلّة لا تشبه الأخرى فلبس في السنة ثلاثمائة و ستين ثوبا و كان له عهد فدعاه عرفة إلى الإسلام فغضب فسبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقتله عرفة فقال له عمرو بن العاص: إنهم إنما يعظمون للعهد ما عهدناهم أن يؤذونا في اللّه و رسوله الحديث.

الخامسة عشر:

و بأن السب في حقه بالتعريض كالتصريح بخلاف غيره نقله الرافعي عن الإمام، و قال لا خلاف فيه.

السادسة عشر:

و بوجوب إجابته على المصلي إذا دعاه و لا تبطل صلاته و كذا الأنبياء.

روى الإمام أحمد و البخاري عن أبي سعيد بن المعلى- رضي اللّه تعالى عنه- قال‏

كنت أصلي فمر بي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعاني فلم أجبه، و في رواية فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال: «ما منعك أن تأتي ألم يقل اللّه تعالى:

اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ‏

[الأنفال/ 24].

و روى الإمام أحمد و النسائي و ابن خزيمة و الترمذي و صححه عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه-

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مر على أبيّ بن كعب فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يا أبيّ و هو يصلي‏

458

فالتفت أبي فلم يجبه و صلّى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «ما منعك يا أبيّ أن تجيبني إذ دعوتك» فقال: يا رسول اللّه كنت في الصلاة، قال: «أ فلم تجد فيما أوحي إليّ أن‏

اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ»

الحديث.

فظهر بهاتين القصتين وجوب الإجابة.

قال القاضي جلال الدين و أما كونه لا تبطل الصلاة فلأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمره بالإجابة و لو كان في صلاة مفروضة أو نافلة لأن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم من المقال، فلو كان ذلك مبطلا للصلاة مطلقا لم يأمره النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، لأن قطع الصلاة بعد الشروع فيها إذا كانت فرضا حرام فإذا لم يكن هنالك ما يوجب ذلك كأن وجد أعمى و قدامه نحو بئر يقع فيه وجب إعلامه، و تبطل بذلك لقوله تعالى‏ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ [محمد/ 33] و ذكر الإجابة بيّن في حديث أبيّ بن كعب.

و أما حديث أبي سعيد ففيه ذكر الإتيان، و الظاهر أنه محمول على الإجابة كما في الرواية الأخرى التي للبخاري فيكون من روى علم أنه روى بالمعنى و المعنى مشى في الصلاة و المشي مبطل فبطلت. قلت كلام الروضة كما قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا في «شرح الروضة» شامل للإباحة بالفعل و إن كثر، صحت و لا تبطل به الصلاة.

و قال الأسنوي و هو المتجه و اللّه تعالى أعلم.

و إذا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) شخصا في الصلاة و كان ذلك في منزله دعاية له و لو قال يا فلان كما أشار إليه ابن حبان و استحسنه القاضي جلال الدين.

قال الخضري و محل وجوب الإجابة على لفظ يفهم عنه الجواب بأن يقول نعم و لبيك يا رسول اللّه و أما الزيادة على ذلك فلا تظهر لي فيه الجواز و لم أر من تعرض لذلك.

السابعة عشرة:

و بأن أولاد بناته ينسبون إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أولاد غيره لا ينسبون إليه في الكفاءة و لا في غيرها.

روى أبو نعيم في ترجمة عمر عنه في أثناء حديث رفقة قال: و كل ولد آدم كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم و عصبتهم.

قال الحافظ أبو الخير السخاوي- (رحمه اللّه تعالى)- في فتاويه رجاله موثقون و للحديث شواهد رواه الطبراني في «الكبير» من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة ابنة الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى و الخطيب من طريق محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العوام قال حدثنا أبي قال: حدثنا جرير قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذكره.

459

و روى الحاكم عن جابر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

لكل نبيّ أم عصبة إلا بني فاطمة أن وليهما و عصبتهما.

الثامن عشر:

كل نسب و سبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سببه.

روى عن عبد اللّه ابن الإمام أحمد بسند قال الذهبي صالح عن عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي و سببي و صهري.»

روى الحاكم و البيهقي عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه-

أنه خطب إلى علي أم كلثوم فتزوجها فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنّئوني بأم كلثوم ابنة فاطمة. سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «كل سبب و نسب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي و نسبي»

فأحببت أن يكون بيني و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبب و نسب.

و روى الإمام أحمد و الطبراني و الحاكم و البيهقي و الضيا في المختارة عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- و ابن حبان عن ابنه عبد اللّه و الطبراني و أبو نعيم عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهم- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي و سببي و صهري»

قيل: و معنى ذلك أن أمته ينسبون إليه يوم القيامة و أمة سائر الأنبياء لا ينسبون إليهم.

قال القاضي جلال الدين البلقيني و هو مردود بما في الصحيح من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

يحي نوح و أمته فيقول اللّه هل بلغت فيقول نعم أي ربّ فيقول لأمته هل بلغكم ...

الحديث.

و هذا صريح في نسبة أمة نوح إليه يوم القيامة و معناه أنه ينتفع به من ينسب إليه و لا ينقطع بسائر الأنساب قال و هو الذي يظهر.

التاسعة عشر:

بحرمة التكني بكنيته مع جواز التسمية باسمه.

العشرون:

و بعدم جواز الجنون على الأنبياء.

الحادية و العشرون:

و بعدم جواز الإغماء الطويل فيما ذكره الشيخ أبو حامد من تعليقه، و جزم به البلقيني في «حواشي الروضة».

الثاني و العشرون:

و بأن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم كما خالف نومهم نوم غيرهم قال اللّه سبحانه و تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ‏ [القلم/ 2] .. و الأنبياء لم يزالوا على وصف الكمال من العلم باللّه تعالى و لو أمكن الجنون و الإغماء الطويل في حقهم لكانوا في حال من الأحوال جاهلين باللّه تعالى و يفتتح أيضا باب الطعن عليهم.

460

الثالثة و العشرون:

و بعدم جواز الاحتلام عليهم على الصواب فإنه من تلاعب الشيطان.

و روى الطبراني و الدينوري في المجالسة عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

ما احتلم نبي قطّ و إنما الاحتلام من الشيطان».

الرابعة و العشرون:

و بأن الأرض لا تأكل لحومهم كما رواه أبو داود و النسائي و ابن ماجة عن أوس بن أوس الثقفي مرفوعا و سيأتي الكلام عليه في باب حياته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قبره بعد الوفاة.

الخامسة و العشرون:

و بأن الكذب عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كبيرة و ليس كالكذب على غيره في تشديد الحرمة كما في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة و قد جاء في حديث التحذير من الكذب عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من طرق جماعة من الصحابة- رضي اللّه تعالى عنهم- حتى قال النووي- (رحمه اللّه تعالى)- أنه قيل جاء عن مائتين من الصحابة، و لا فرق في تحريم الكذب عليه بين ما كان من الأحكام و ما لا حكم فيه كالترغيب و الترهيب، و المواعظ و غير ذلك و كله حرام من أكبر الكبائر و أقبح القبائح بإجماع من يعتد به و بأن من كذب عليه عمدا من غير استحلال يكفر و يراق دمه قاله الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين، و الجمهور على خلافه و أنه لا يكفر إلا إذا استحل ذلك.

السادسة و العشرون:

و بأن من رآه في المنام فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورته كما رواه البخاري عن أنس و الشيخان عن أبي قتادة و البخاري عن أبي سعيد و مسلم عن جابر و الشيخان عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- قال القضاعي هذه الخصوصية مما خصّ به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من غيره من الأنبياء.

و قال الشيخ أكمل الدين في «شرح المشارق» ذكر المحققون أن هذا المعنى خاص به (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قالوا في ذلك أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن ظهر بجميع أحكام الحق و صفاته تخلّقا و تحققا فإن من مقتضى مقام رسالته و إرشاده للخلق و دعوته إياهم إلى صفات الحق الذي أرسله إليهم هو أن يكون الأظهر فيه حكما و سأظنه من صفات الحق و أسمائه صفة الهداية، و الإسم الهادي كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله .. وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ [الشورى/ 52] فهو- (عليه الصلاة و السلام)- صورة الاسم الهادي و مظهر صفات الهادي و الشيطان مظهرا لاسم المضل و الظاهر بصفة الضّلالة فهما ضدان و لا يظهر أحدهما بصورة الآخر فالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خلقه اللّه تعالى للهداية فلو ساغ ظهور إبليس في صورته زال الاعتماد بكل ما يبديه الحق و يظهره لمن شاء هدايته به فلهذه الحكمة عصم اللّه تعالى صورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أن يظهر بها شيطان.

فإن قيل: عظمة الحق سبحانه و تعالى أتم من عظمة كل عظيم فكيف اعتاض على‏

461

إبليس أن يظهر بصورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم إن إبليس اللعين قد تراءى لكثيرين و خاطبهم بأنه الحق طلبا لإضلالهم، و قد أضل جماعة بمثل هذا- حتى ظنوا أنهم رأوا الحق و سمعوا خطابه.

فالجواب من وجهين أحدهما: أن كل عاقل يعلم أن الحقّ- سبحانه و تعالى- ليست له صورة معينة توجب الاشتباه بخلاف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإنه ذو صورة معينة معلومة مشهورة.

و الثاني: أن مقتضى حكم اللّه تعالى أنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء بخلاف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنه متصف بصفة الهداية، و ظاهر بصورتها فوجب عصمة صورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد، و ظهور حكم الهداية فيمن شاء اللّه هداية به (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال القاضي أبو بكر بن الطيب: المراد

بقوله‏

«من رآني في المنام فقد رآني»

أن رؤياه صحيحة، لا تكون أضغاثا، و لا تكون من تشبيهات الشيطان قال: و يعضده قوله في بعض طرقه «فقد رأى الحق» و في قوله «فإن الشيطان لا يتمثل بي» إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا.

و قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رآه على غيرها كانت تأويلا لا رؤيا حقيقية، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه و منها ما يحتاج إلى تأويل.

قال النووي و هذا الذي قاله ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري قال الحافظ: و هذا الذي رده النووي روي عن ابن سرين أمام المعبرين اعتباره فقد روى: إسماعيل بن إسحاق بسند صحيح عن أيوب قال كان محمد- يعني- ابن سيرين إذا قص رجل أنه رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال صف الذي رأيته فإن وصف له صبغة لم يعرفها قال لم تره و الذي قاله القاضي توسط حسن و يمكن الجمع بينه و بين ما قاله المازري، بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير، و إن كان على غير صورته كان النقص من جهة الرأي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه و يحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير و على ذلك جرى علماء التعبير فقالوا: إذا قال الجاهل رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنه يسأل عن صفته فإن وافق الصفة المرئية و إلا فلا يقبل منه.

قال الحافظ: و ذهب الشيخ ابن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي فقال بعد أن حكى الخلاف، و منهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذلك حسن، في دين الرائي، و إن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص، فذلك خلل في الرائي من الدين، قال: و هذا هو الحق و قد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب و به تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أولا لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نوراني مثل المرآة

462

الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حس أو غيره تصور فيها و هي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها و لا شين و كذلك يقال في كلامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم إنه يعرض على سنة فما وافقها فهو حق، و ما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق و الخلل إنما هو في سمع الرائي، أو بصره.

قال: و هذا خير ما سمعته في ذلك.

قال الحافظ: و يظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه و لو كانت سائر الصّفات مخالفة و على ذلك فتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا تحتاج إلى تأويل و عليها يتنزل قوله «فقد رأى الحق» و مهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك، و يصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة من ذلك فقد رآه حقيقة و قال الغزالي: ليس معنى قوله «رآني» أنه رأى جسمي و بدني و إنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، و كذلك قوله «فسيراني في اليقظة» و ليس المراد أنه يرى جسمي و بدني قال و الآلة تارة تكون حقيقية، و تارة تكون خيالية و النفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى و لا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق، قال و مثل ذلك من يرى اللّه- سبحانه و تعالى- في المنام قال فإن ذاته منزهة من الشكل و الصورة، و لكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره و يكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف، فيقول: الذي رأيت اللّه تعالى في المنام لا يعني رأيت ذات اللّه كما تقول في حق غيره.

و قال الأستاذ أبو القاسم القشيري، ما حاصله: أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى اللّه تبارك و تعالى على وصف يتعالى عنه و هو يعتقد أنه منزه عن ذلك و يقدح في رؤيته، بل تكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل.

و قال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر و يعلم أنه رآني الرؤيا الحق التي هي من اللّه تعالى و هي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي، و كذا أقوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق للباطل، و كذا قوله: «فقد رآني» فإن الشرط و الجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شي‏ء و ذكر الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة ما ملخصه أنه يؤخذ من‏

قوله‏

«فإن الشيطان لا يتمثّل بي»

أن من تمثلت صورته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في خاطره من أرباب القلوب و تصور له في عالم سره أنه يكلمه، إن ذلك يكون حقا، بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم لما منّ اللّه تعالى به عليهم من تنوير قلوبهم.

463

و قال القرطبي: اختلف في معنى هذا الحديث فقال قوم: هو على ظاهره فمن رآه في النوم رآه على حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال: و هذا قول يدرك فساده بأوائل العقول، و يلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها و أن لا يراه رئيان في آن واحد في مكانين و أن يحيى الآن و يخرج من قبره، و يمشي في الأسواق و يخاطب الناس، و يخاطبوهم و يلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شي‏ء فيزار مجرد القبر و يسلم على غائب، لأنه جائز أن يرى في الليل و في النهار مع اتصال على حقيقته في غير قبره و هذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل.

و قالت طائفة معناه: أن من رآه على صورته التي كان عليها و يلزم منه أن من رآه على غير حقيقته أن تكون رؤياه من الأضغاث، و من المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، و تقع تلك الرؤيا حقا كما لو رؤي ملأ دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير و لو تمكّن الشيطان من التمثيل بشي‏ء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم‏

قوله‏

«فإن الشيطان لا يتمثل بي»

فالأولى أن تنزه رؤياه و كذا رؤيا شي‏ء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك. فهو أبلغ في الحرمة و أليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته.

قال و الصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة و لا أضغاثا بل هي حق في نفسها لو رؤي على غير صورته فتصّور تلك ليس من الشيطان بل هو من قبل اللّه تعالى و يؤيده قوله «فقد رأى الحق» أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي فإن كانت على ظاهرها و إلا سعى في تأويلها و لا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر إما ليخيف الرائي و إما لينزجر عنه و إما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه.

تنبيهان:

أحدهما: وقع في‏

حديث أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- في الصحيحين‏

«من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، و لا يتمثّل الشيطان بي»

و كذا رواه الطبراني من حديث مالك بن عبد اللّه الخثعمي و من حديث أبي بكرة و الدارمي من حديث أبي قتادة- رضي اللّه تعالى عنه-

و زاد مسلم من حديث أبي هريرة

«أو فكأنما رآني في اليقظة»

هكذا بالشك و وقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكور «فقد رآني في اليقظة» بدل قوله «فسيراني» و مثله في حديث ابن مسعود عن ابن ماجة و صححه الترمذي و أبو عوانة و وقع عند ابن ماجة من حديث أبي جحيفة فكأنما رآني في اليقظة.

قال ابن بطال معنى فسيراني في اليقظة، يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة و صحتها،

464

و خروجها على الحق و ليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم و من لم يره منهم فهذه ثلاثة ألفاظ: «فسيراني في اليقظة»، «فكأنما رآني في اليقظة»، «فقد رآني في اليقظة».

قال ابن التين المراد من آمن به في حياته و لم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به و لم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز.

و قال المازري إن كان المحفوظ «فكأنما رآني في اليقظة» فمعناه ظاهر و إن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أن يراه بعد ذلك في اليقظة، و أوحى- اللّه تعالى- بذلك إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال القاضي: قيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة و صحتها و قيل معنى الرؤية في اليقظة أنه سيراه في الآخرة و تعقب بأن يراه في الآخرة جميع أمته من رآه في المنام و من لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية، و أجاب القاضي باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها و وصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة، و أن يراه رؤية خاصة من القرب منه أو الشفاعة له بعلو الدرجة و نحو ذلك من الخصوصيات قال و لا يبعد أن يعاقب اللّه بعض المذنبين يوم القيامة بمنع رؤية نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و حمله الشيخ أبي محمد بن أبي جمرة على محل آخر فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكّرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين و لعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنظر فيها فرأى صورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم ير صورة نفسه و نقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة و سألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك و هذا نوع من الكرامات.

قال شيخنا في شرح الترمذي و أكثر من يقع له ذلك إنما يقع قرب نومه أو عند الاحتضار، و يكرم اللّه سبحانه و تعالى به من يشاء.

قال الحافظ و هذا مشكل جدا، و لو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابه و لأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة و يعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، و خبر الصادق لا يتخلّف.

قال مؤلفه محمد بن يوسف- (رحمه اللّه تعالى)-: أما ما ذكره من أنه لو حمل على ظاهره لكان هو لأصحابه فقد تقدم في قول الغزالي أن المراد بقوله فسيراني في اليقظة ليس المراد جسمي و بدني إلى آخر ما ذكره.

465

و أما أن جمعا جمّا رآه في المنام فلم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة فليس بلازم لاحتمال أن يكونوا رأوه و كتموا ذلك، إذ لم يقولوا ما رأيناه و قد ألف شيخنا- (رحمه اللّه تعالى)- في ذلك مؤلفا حافلا سماه تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي و الملك و أنا أذكر مقاصده هنا.

فقال بعد أن ذكر الأحوال السابقة و قال قوم: هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا بد أن يراه في اليقظة يعني: بعين رأسه، و قيل: بعين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر العربي.

و قال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في (تعليقه) [ (1)] على الأحاديث التي انتقاها من البخاري هذا الحديث يدل على أن من رآه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم فسيراه في اليقظة و هل هذا على عمومه في حياته و بعد مماته أو هذا في حياته؟ و هل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية و الاتباع لسّنته- (عليه الصلاة و السلام)-، و اللفظ على العموم و من يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمتعسّف ثم ذكر ما تقدم نقله عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- ثم قال فذكر عن السلف و الخلف و هلم جرا عن جماعة ممن كانوا رأوه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم و كانوا مما يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك يقظة و سألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها و نصّ لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة و لا نقص.

قال: و المنكر لهذا لا يخلو إما أن يصدق بكرامات الأولياء، أو يكذب بها، فإن كان ممن يكذب بها فسقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، و إن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي و السفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى.

قال الشيخ: و قوله إن ذلك عام و ليس بخاص بمن فيه الأهلية و الاتباع لسنّته- (عليه الصلاة و السلام)- مراده وقوع الرؤية الموعود بها في اليقظة على الرؤية في المنام و لو مرة واحدة، تحقيقا لوعده الشريف الذي لا يخلف و أكثر ما يقع ذلك للعامة قبيل الموت عند الاحتضار فلا تخرج روحه من جسده حتى يراه في المنام و لو مرة وفاء بوعده، و أما غيرهم فتحصل لهم الرؤية طول حياتهم، إما كثيرا و إما قليلا بحسب اجتهادهم و محافظتهم على السنّة و الإخلال بالسنة مانع كبير و قال الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» ثم إنني لما فرغت من العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية و القدر الذي أذكره لينتفع به إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة و أن سيرهم و سيرتهم أحسن السير و طريقتهم أحسن الطرق و أخلاقهم أذكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء و حكمة الحكماء

____________

[ (1)] في ج تعاقبه.

466

و علم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا من سيرهم و أخلاقهم و يبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا فإن جميع حركاتهم و سكناتهم في ظواهرهم و بواطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة و ليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به إلى أن قال: حتى أنهم و هم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء و يسمعون منهم أصواتا و يقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور و الأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. انتهى كلامه. قال حتى إنهم و هم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء و يسمعون منهم أصواتا، و يقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور و الأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق المنطق.

و قال تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه «قانون التأويل» ذهبت الصوفية إلى إنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس و تزكية القلب، و قطع العلائق، و حسم مواد أسباب الدنيا من الجاه و المال و الخلطة بالجنس، و الإقبال على اللّه تعالى بالكلية علما دائما و عملا مستمرا كشفت له القلوب و رأى الملائكة و سمع أقوالهم و أطلع على أرواح الأنبياء و الملائكة و سمع كلامهم، ثم قال ابن العربي و رؤية الأنبياء و الملائكة و سماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة، و الكافر عقوبة.

و قال ابن الحاج في «المدخل» رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في اليقظة باب ضيق و قلّ من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبا مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم اللّه تعالى في بواطنهم و ظواهرهم قال: و قد أنكر بعض علماء الظاهر رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في اليقظة و علل ذلك بأن قال: «العين الفانية لا ترى العين الباقية» و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في دار البقاء و الرائي في دار الفناء و قد كان سيدي أبو محمد بن أبي جمرة يحل هذا الإشكال و يرده بأن المؤمن إذا مات يرى اللّه تعالى و هو لا يموت و الواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة. انتهى.

و قال الشيخ عفيف الدين اليافعي- (رحمه اللّه تعالى)- في «روض الرياحين» و الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في «رسالته» قال الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين و بركة أهل زمانه أبو عبد اللّه القرشي لما جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر توجهت لأن أدعو فقيل لي لا تدع فما يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء فسافرت إلى الشام فلمّا وصلت إلى قريب ضريح الخليل- (عليه الصلاة و السلام)- تلّقاني الخليل، فقلت يا رسول اللّه: اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر فدعا لهم ففرّج اللّه تعالى عنهم.

قال اليافعي: و قوله: «تلّقاني الخليل» قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماوات و الأرض و ينظرون الأنبياء أحياء غير

467

أموات كما نظر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى موسى في الأرض، و نظره أيضا هو و جماعة من الأنبياء في السماوات و سمع منهم مخاطبات و قد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي.

قال الشيخ سراج الدين بن الملقن في «طبقات الأولياء» في ترجمة الشيخ خليفة النهر ملكي: كان كثير الرؤية لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقظة و مناما فكان يقال: أن أكثر أفعاله متلقاة منه بأمر منه إما يقظة، و إمّا مناما، و رآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في إحداهن: يا خليفة لا تضجر مني، كثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي و قال الكمال الأدفوي في «الطالع السعيد» في ترجمة الصفي أبي عبد اللّه محمد بن يحيى الأسواني نزيل أخميم من أصحاب أبي يحيى بن شافع: كان مشهورا بالصلاح و له مكاشفات و كرامات كتب عنه ابن دقيق العيد، و ابن النعمان، و القطب العسقلاني، و كان يذكر أنه يرى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يتمتع به.

و قال الشيخ عبد الغفار بن نوح في كتابه الوحيد من أصحاب الشيخ أبي يحيى أبو عبد اللّه الأسواني المقيم بأخميم كان يخبر أنه يرى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كل ساعة حتى لا تكاد ساعة إلا و يخبر عنه.

و قال فيه أيضا: كان للشيخ أبو العباس المرسي وصلة بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا سلم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رد (عليه السلام) و يجاوبه إذا تحدث معه.

و قال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه: في «لطائف المنن في مناقب أبي العباس و شيخه أبي الحسن» قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي: يا سيدي، صافحني بكفك هذه فإنك لقيت رجالا و بلادا فقال و اللّه ما صافحت بكفي هذه إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: قال الشيخ: لو حجب عني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين.

و في معجم الشيخ برهان الدين البقاعي- (رحمه اللّه تعالى)- قال: حدثني الإمام أبو الفضل بن أبي الفضيل النويري أن السيد نور الدين الأيجي والد الشريف عفيف الدين لما ورد إلى الروضة الشريفة و قال: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته سمع من كان بحضرته قائلا يقول: من القبر و عليك السلام يا ولدي.

قال الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخه أخبرني أبو أحمد داود بن علي بن محمد بن هبة اللّه بن المسلمة: أنا أبو الفرج المبارك بن عبد اللّه بن محمد بن النقور قال:

حكى شيخنا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد الصوفي الكرخي قال: حججت وزرت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبينا أنا جالس عند الحجرة إذ دخل الشيخ أبو بكر الديار بكري و وقف بإزاء وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، فسمعت صوتا من داخل الحجرة و عليك السلام يا أبا بكر و سمعه من حضر قال الشيخ بعد أن أورد حكايات‏

468

كثيرة من ذلك أكثر ما تقع رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في اليقظة بالقلب ثم يترقى إلى أن يرى بالبصر و قد تقدم الأمر أن في كلام القاضي أبي بكر بن العربي لكن ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض و إنما هي جمعية حالة و برزخية و أمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشر و هل الرؤية لذات المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجسمه و روحه أو لمثاله؟ الذين رأيتهم من أرباب الأحوال يقولون بالثاني و به صرح الغزالي فذكر كلامه السابق أولا، قال: فصّل القاضي أبو بكر بن العربي فقال رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صفته المعلومة إدراك على الحقيقة و رؤيته على غير صفته ادراك للمثال، و هذا الذي قاله في غاية الحسن و لا يمتنع رؤية ذاته الشريف بجسده و روحه و ذلك لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سائر الأنبياء أحياء ردّت إليهم أرواحهم كما سيأتي بيان ذلك في باب حياته في قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر الوفاة ثم قال الشيخ فإن قال قائل يلزم على هذا إثبات الصحبة لمن رآه؟

و الجواب أن ذلك ليس بلازم أما إن قلنا بأن المرئي المثال فواضح، لأن الصحبة إنما ثبتت برؤية ذاته الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلّم) جسدا و روحا، و إن قلنا: المرئي الذات فشرط الصحبة أن يراه في عالم الملكوت و هذه الرؤية لا تثبت صحبته و يؤيد ذلك أن الأحاديث وردت بأن جميع أمته عرضوا عليه فرآهم و رأوه، و لم تثبت الصحبة للجميع، لأنها رؤية في عالم الملكوت فلا تقيد الصحبة، و الحاصل مما تقدم من الأجوبة ستة.

أحدها: التشبيه و التمثيل دل عليه قوله في الرواية الأخرى «فكأنما رآني في اليقظة».

ثانيهما: أن معناه سيراني في اليقظة و تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.

ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.

رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك و هو أبعد المحامل كما قال الحافظ.

خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ من لم يره في المنام.

سادسها: يراه في الدنيا حقيقة و يخاطبه و قال القرطبي قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها، غير أنّ الأمثلة تارة تقع مطابقة و تارة يقع معناها، فمن الأول رؤياه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة و فيه «فإذا هي أتت» فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه.

و من الثاني: رؤيا البقر التي تخر المذكورة في قصة أحد، و المقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور.

و من فوائد رؤيته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته و الى تلك الإشارة

469

بقوله «فيراني في اليقظة» أي أن من رآني رؤية معظم لحرمتي و مشتاق إلى مشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه، و ظفر بكل مطلوبه، قال: و يجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته و هو دينه و شريعته فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة أو نقصان أو إساءة أو إحسان قال الحافظ: و هذا جواب سابع، و الذي قبله لم يظهر لي فإن ظهر فهو ثامن.

التنبيه الثاني قال الزركشي في «الخادم»: قال العلماء إنما يصح رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأحد رجلين:

أحدهما: صحابي فرآه فعلم صفته [ (1)] فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان.

و ثانيهما: رجل تكرّرت عليه صفاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) المنقولة في الكتب حتى انطبعت صفاته في نفسه و مثاله المعصوم كما حصل ذلك لمن شاهده و رآه، فإذا رآه جزم برؤية مثاله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما جزم به من رآه و أما غير هذين فلا يحصل الجزم بل يجوز أن يكون رأى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمثاله و يحتمل أن يكون من تخيّل الشيطان، و لا يفيده قوله للذي رآه أنا رسول اللّه و لا قول من يحضر معه، ذكر ذلك القرافي في كتاب «القواعد» و أخذ بعض ذلك من كلام شيخه ابن عبد السلام قال فإذا تقرر هذا فكيف يقولون أن الذي رآه شيخا أو شابا أو أسود أو أبيض إلى غير ذلك من الصّفات.

و الجواب أن هذه صفات الرائين و أحوالهم تظهر فيه و هو كالمراد له قلت لبعض مشايخي فكيف يبقى المثال مع هذه الأحوال المعتادة [ (2)] فقال لي لو كان لك أب شاب فغبت عنه ثم جئته فوجدته شيخا أو أصابه يرقان فاصفر أو أسود أو غير ذلك، أ كنت تشك أنه أبوك؟ قلت لا، قال ما ذاك إلا لما ثبت في نفسك مثاله المتقدم عندك فذلك ثبت عنده حال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) هكذا لا يشكّ فيه مع عروض هذه الأحوال، فإذا صح له و انضبط فالسّواد يدلّ على ظلم الرّائي، و العمى يدل على عدم إيمانه، لأنه إدراك ذهب إلى غير ذلك.

الثالث: قال في أصل الروضة: لا يعمل بما يسمعه منه الرائي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط الرائي [ (3)] لا الشك في الرؤية فإن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف و النائم بخلافه و ذكر نحوه ابن الصلاح في فتاويه و قال ليس ذلك لعدم الوثوق بالمرئي بل من جهة عدم الوثوق بضبط الرائي و أن حالة النوم حالة غفلة و بطلان القوة الحافظة لما يجري في النوم على التفصيل انتهى.

____________

[ (1)] في ج صفاته.

[ (2)] سقط في ج.

[ (3)] سقط في ج.

470

و بذلك جزم القاضي الحسين في فتاويه، و نقل القاضي عياض الإجماع عليه.

قال النووي- (رحمه اللّه تعالى)- أما إذا رآه يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل به على وقفة، لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل ما تقرر من أصل ذلك.

فائدة: نقل الزركشي عن الشيخ عز الدين بن خطيب الأشموني قال: أخبرني والدي أن إنسانا رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام و قال له اذهب إلى موضع كذا و خذ منه ما فيه من ركاز و لا خمس عليك فيه و أنه توجه إليه فوجده كما أخبره النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنه استفتى الفقهاء بدمشق فكلهم أفتاه بعدم الوجوب، و قالوا قد ظهرت دلائل صدق الرؤيا و الشيطان ممنوع من التمثيل بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال و أفتاه شيخنا الشيخ عز الدين بن عبد السلام بوجوب الخمس عليه، و استدل على ذلك بأن طريق رفع القواعد النسخ فلا نسخ بعد انقطاع الوحي بموته (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال ثم إني حكيت هذه الحكاية لشيخنا الشّيخ تقي الدين القشيري بن دقيق العيد فصدق روايتها و زاد على ذلك أن الشيخ عز الدين إنما كان يرى ذلك من باب الترجيح على تقدير صدق المنام قال و أظنّ أنه أراد الترجيح أن رواية الجمهور وجوب الخمس أيضا و رواية هذا شاذة في منام انتهى.

السابعة و العشرون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

روى الشيخان عن صفوان بن يعلى بن أمية

أن رجلا جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) متضمخا بالطيب فقال: يا رسول اللّه كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعد ما تضمّخ بطيب، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ساعة فجاءه الوحي ثم سرى عنه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أين الذي سأل عن العمرة آنفا» فالتمس الرجل فأتى به فقال «أما الطّيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات و أما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك».

روى البيهقي عن ابن عمر- رضي اللّه عنه‏

- سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أي البقاع خير قال: لا أدري، قال أبي البقاع شر قال لا أدري فأتاه جبريل فقال «يا جبريل أي البقاع خير و أي البقاع شر؟» قال لا أدري قال «سل ربك» فانتفض جبريل انتفاضة كاد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصعق منها فقال: ما أسأله عن شي‏ء فقال اللّه- عز و جل- لجبريل: سألك محمد أي البقاع خير فقلت: له لا أدري فأي البقاع شر فقلت: لا أدري فأخبره أن خير البقاع المساجد و أن شر البقاع الأسواق.

الثامنة و العشرون:

و بزيادة الوعك عليه لزيادة الأجر له (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سيأتي بيان ذلك في الوفاة.

التاسعة و العشرون:

و بأن إبطه لم يعهد له شعر و لم يكن له رائحة كريهة لما تقدم في باب صفاته الحسية (صلّى اللّه عليه و سلّم).

471

تنبيه‏

قال الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي في «شرح تقريب والده» و ذكر بعض الشافعية أنه لم ير مكشوفا ...

و قال الأسنوي أن بياض الإبط من خواصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فورد التعبير بذلك في حقه فأطلق في حقه غيره و أما إبط غيره فأسود لما فيه من الشعر.

قال أبو زرعة و ما ادعاه من كون هذه من الخصائص فيه نظر إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه بل لم يرد ذلك في شي‏ء من الكتب المعتمدة، و الخصائص لا تثبت بالاحتمال و لا يلزم من ذكر السن و غيره بياض إبطه، أن لا يكون له شعر فإن الشعر إذا نتف يبقى المكان أبيض و إن بقي فيه آثار الشعر، و لذلك ورد في حديث عبد اللّه بن أقزم الخزاعي أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى معه فقال كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد رواه الترمذي و حسنه.

و يؤيده ما في الصحيحين في رواية أخرى حتى رأيت عفرة إبطيه.

و العفرة هي البياض المشوب مأخوذ من عفر الأرض و ناقة عفراء ليست بخالصة البياض و هذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر و إلا فلو كان خاليا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر و إطلاق بياض الإبطين في حقه غيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) موجود في كلام جمع من الفقهاء، و لا إنكار فيه، لأن الإبط لا تناله الشمس في السفر و الحضر فتغير لونه كسائر الجسد الذي يبدو للشخص، نعم الذي يعتقد فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة بل كان نظيفا.

الثلاثون:

بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا ينزل عليه الذباب ذكره السبتي في مولده و ابن سبع رضي اللّه عنه.

الحادية و الثلاثون:

و بأن القمل لم يكن يؤذيه تعظيما له ذكره ابن سبع و قد تشكل على ذلك ما رواه الإمام أحمد و صححه ابن حبان عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت:

ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا بشرا من البشر يفلي ثوبه و يحلب شاته ... الحديث و لازم ذلك التفالي وجود شي‏ء يؤذيه في الجملة إما قملا أو برغوثا و نحو ذلك.

قال الحضري و يحتمل أن يكون التفلي لاستقذار وجوده و لو لم يحصل منه أذى في حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأن وجوده في الثوب و البدن مستقذر.

الثانية و الثلاثون:

و بأنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما ذكره القاضي و القرطبي و ذكر السهيلي أنه كان يرى إثنا عشر نجما و قد تقدم ذلك في أوائل الكتاب.

الثالثة و الثلاثون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولد مختونا و قد تقدّم بيان ذلك في أبواب المولد، و في‏

472

إدخال هذه الخصائص نظر فقد تقدم أن جماعة من الأنبياء ولدوا كذلك و جماعة من هذه الأمة حتى في عصرنا أخبر بعضهم بأنه ولد مختونا.

الرابعة و الثلاثون:

و بأنه يدّعي له بلفظ الصلاة فلا يقال- (رحمه اللّه)- لدلالة لفظ الصلاة على معنى التعظيم و لا يشعر به لفظ الترحم.

قال أبو عمرو: و لا يجوز لأحد إذا ذكر النّبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يقول- (رحمه اللّه)-، لأنّه قال «من صلّى عليّ» و لم يقل من ترحّم عليّ و لا من دعا لي و إن كان معنى الصلاة الرّحمة و لكنه خصّ بهذا اللفظ تعظيما له فلا يعدل عنه إلى غيره، و يؤيّده قوله تعالى‏ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور/ 63]. قال الحافظ: و هو بحث حسن و قد ذكر نحو ذلك القاضي أبو بكر بن العربي من المالكية و الصيدلاني من الشافعية.

قال شيخنا في شرح السنن: و لا يرد عليه بما كان‏

يقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين السجدتين‏

«اللهم اغفر لي و ارحمني»

لأن هذا سبق للتشريع، و تعليم الأمة كيف يقولون في هذا المحكي من الصلاة مع ما فيه من تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لربه و أما نحن فلا ندعو له إلا بلفظ الصلاة التي أمرنا أن ندعو له بها لما فيها من التفخيم و التعظيم اللائق بمنصبه الشّريف (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر أنّه ألف في المسألة جزءا لم أره، و قال أبو القاسم الأنصاري شارح «الإرشاد» يجوز ذلك مضافا للصلاة و لا يجوز مفردا، و في «الذخيرة البرهانية» من كتب الحنفية عن محمّد يكره ذلك لإيهامه النّقص، لأن الرحمة إنما تكون لفعل ما يلام عليه قلت و ما قاله الأنصاري هو الحق.

الخامسة و الثلاثون:

و بأن اللّه- سبحانه و تعالى- أعطى ملكا من الملائكة أسماع الخلائق قائما على قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبلغه صلاة أمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما سيأتي بيان ذلك في باب الصلاة عليه و لم ينقل حصول ذلك لغيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) انتهى.

السادسة و الثلاثون:

و بأن كل موضع صلّى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ضبط موقفه فهو نص بيقين لا يجوز الاجتهاد فيه بتيامن و لا تياسر فيه بخلاف بقية المحاريب انتهى.

السابعة و الثلاثون:

و بأن الأنبياء- (عليهم الصلاة و السلام)- لا يتثاءبون كما رواه البخاري في تاريخه الكبير عن مسلمة بن عبد الملك.

تنبيه‏

قال ثابت السرقطي في «دلائله» و غيره من أئمة اللّغة: صواب هذا اللفظ تثأب مشددة الهمزة، و لا يقال تثاءب.

الثامنة و الثلاثون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا يتمطّى، لأنه من عمل الشيطان قاله ابن سبع.

473

التاسعة و الثلاثون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا يرى له ظل كما في الضوء و قد تقدم بيان ذلك.

الأربعون:

و بأنّ الأرض كانت تبتلع ما يخرج منه من الغائط، فلا يظهر له أثر و يفوح كذلك رائحة طيبة و كذلك الأنبياء- (عليهم الصلاة و السلام)-.

روى ابن سعد أنبأنا إسماعيل بن أبان الورّاق أنبأنا عتبة بن عبد الرحمن القشيري عن محمد بن زاذان عن أم سعد عن عائشة و رجاله ثقات إلا محمد بن زاذان فينظر حاله و الدار قطني في «الأفراد» أنبأنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد الباهلي النعماني أنبأنا محمد بن حسان الأموي أنبأنا عبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.

روى ابن سعد أنبأنا إسماعيل بن أبان الوراق (نا) عنبسة بن عبد الرحمن القشيري عن محمد بن زاذان عن أم سعد عن عائشة- و رجاله ثقات إلا محمد بن زاذان فينظر حاله قال البخاري يكتب حديثه و الدار قطني في «الإفراد» أنبأنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد الباهلي النعماني أنبأنا محمد بن حسان الأموي ثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال الحافظ بن دحية في «خصائصه» ثابت و هو أقوى طرق الحديث، و محمد بن حسان بغدادي ثقة صالح و عبدة من رجال الشيخين و الحاكم في المستدرك أخبرني مخلد بن جعفر حدثنا محمد بن جرير ثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي ثنا إبراهيم بن سعد ثنا المنهال بن عبيد اللّه عمن ذكره عن ليلى مولاة عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- و أبو نعيم ثنا محمد بن إبراهيم ثنا علي بن أحمد بن سليمان المصري ثنا زكريا بن يحيى البلخي حدثنا شهاب بن معمر العوفي حدثنا عبد الكريم الخزاز حدثنا أبو عبد اللّه المدني عن ليلى مولاة عائشة و القاضي أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن إبراهيم الشافعي أخبرنا أبو بلال و محمد بن عبد العزيز الكلاني أخبرنا كثير بن محمد ثنا أبو الحسن بن الفراء أخبرنا أرطأة بن قيس بن الربيع الأسدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- و السدي أخبرنا زيد بن إسماعيل الصائغ أخبرنا الحسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: قلت يا رسول اللّه إنك تدخل الخلاء فإذا خرجت دخلت أثرك فما أرى شيئا.

و في لفظ قالت كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا دخل الخلاء ثم خرج دخلت بعده فلا أجد رائحة إلا أنّني أجد ريح الطّيب قالت فذكرت ذلك له و في لفظ قالت كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا دخل المخرج دخلنا بعده فلا نرى أثر غائط و نجد رائحة الموضع رائحة الطيب و في لفظ إذا دخل الخلاء ثم خرج دخلت بعده فلا أجد شيئا إلا أني أجد ريح الطيب قالت فذكرت ذلك له و في لفظ قالت قلت يا رسول اللّه تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى، و في لفظ قالت‏

474

دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لقضاء حاجته فلم أر شيئا و وجدت ريح المسك فقلت: يا رسول اللّه إني لم أر شيئا

فقلت يا رسول اللّه: إذا دخلت لتتوضأ دخلنا بعدك فلا نجد أثر غائط و نجد رائحة الموضع رائحة الطيب فقال: «أو ما علمت يا عائشة بأن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء و لا يرى منه شي‏ء» و في لفظ «فلأن الأرض أمرت أن تبتلعه منا معاشر الأنبياء و في لفظ نبتت على أجسادنا على أرواح الجنة فما خرج منا من شي‏ء تبلعه الأرض» في لفظ «أما علمت أن معاشر الأنبياء نبتت أجسادنا على أرواح الجنة فما خرج منا من شي‏ء ابتلعته الأرض يا عائشة» و في لفظ: «إنا معاشر الأنبياء إذا تورطنا في بقعة أمر اللّه تعالى الأرض فابتلعته و حول الموضع رائحة الطيب»

كذا وقع تروطنا قال أبو الحسن بن الضحاك و أظنه و اللّه تعالى أعلم تغوطنا.

روى الخطيب في «رواه مالك» نحوه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري- رضي اللّه تعالى عنه- و لفظه حدثنا أبو يعلى محمد بن علي الواسطي أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن علي الجرجاني حدثنا إسحاق بن الصلت أخبرنا مالك بن أنس أخبرنا أبو الزبير المكي حدثنا جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: رأيت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة أشياء لو لم يأت بالقرآن لآمنت به تصحرنا في جبانة تنقطع الطرق دونها فذكر الحديث و فيه فتوضأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبادرته بالماء و قلت لعل اللّه أن يطلعني على ما خرج من جوفه فآكله فرأيت الأرض بيضاء

فقلت يا رسول اللّه: أما كنت توضأت؟ قال: «بلى و لكنا معشر الأنبياء أمرت الأرض أن تواري ما يخرج منا من الغائط و البول»

و ذكر الحديث.

فقال أبو الحسن بن الضحاك: حدثنا أبو القاسم محمد بن العاص حدثنا عبد اللّه بن فرج الزاهد حدثنا أبو جعفر بن محمد قال: أنبأنا ابن محمد بن يحيى قال: [ (1)] أنبأنا أبو سعيد الفضل بن محمد بن إبراهيم حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد أخبرنا علي بن القاسم بن عبد اللّه بن سليمان بن محمد بن عبد اللّه بن عباس عن أبيه عن جده قال بلغنا أنه لم يوجد لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجيع من الخلاء قط.

و رواه الحكم الترمذي عن ذكوان و هذه الطرق إذا ضم بعضها إلى بعض أدّت إلى قوّة الحديث و قد رواه البيهقي من طريق الحسين (صلّى اللّه عليه و سلّم) بن علوان عن هشام بن عروة و قال هذا من موضوعات ابن علوان و قد علمت مما تقدم أن ابن علوان لم ينفرد به بل تابعه عبدة بن سليمان و سئل الحافظ عبد الغني- (رحمه اللّه تعالى)- عما كان يخرج منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال روى ذلك من وجه غريب و الظاهر يؤيّده فإنّه لم يذكر أحد من الصحابة أنه رآه و لا ذكره، و أمّا البول فقد شاهد غير واحد، و شربته أمّ أيمن- رضي اللّه عنها-.

____________

[ (1)] سقط في ج.

475

الحادية و الأربعون:

و بأن الإمام لا يكون بعده إلا واحدا و لم يكن الأنبياء قبله كذلك قاله ابن سراقة.

الثانية و الأربعون:

و بأن اللّه تبارك و تعالى بدأ بالعفو قبل التأنيب و المخاطبة قبل أن يعرف الذنب، فقال- جل و علا-: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ [التوبة/ 43] أي لأي شي‏ء أذنت لهم لأنك لو لم تأذن لهم عن الخروج معك و عند قعودهم عنك بعد نهيك لهم تبين لك صدقهم من كذبهم، لأنهم لا يخرجون معك بكل حال.

قال الحسين بن منصور الأصطخري: الأنبياء يؤمنون على مقاديرهم و اختلاف مقاماتهم فمنهم من نبه ثم أنسيه و لو لم ينه بعد التأنيب لتفطن كما قال نوح- (عليه السلام)- إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏ [هود/ 46].

و منهم من أنسيه ثم نبه ليفطن لقربه منه، و ذلك أنه- سبحانه و تعالى- أمر نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سورة النور أن يأذن لمن شاء منهم بقوله‏ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ‏ [النور/ 62] و قال في سورة التوبة مرتين له عن ذلك‏ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏ [التوبة/ 43] فلو قال: لم أذنت لهم عفا اللّه عنك لأذنب و هذا ليس يذنب و لكن بالإضافة إلى الشرف و مقام الترقيات تقدم العفو عنه و قدره و رفع محله بالدعاء له كما يقال الكريم عفا اللّه عنك بما صنعت و قيل: لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة.

الثالثة و الأربعون:

و بأنه من تكلّم في عهده (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يخطب بطلت صلاته.

الرابعة و الأربعون:

و بأنه لا يجوز لأحد الخروج عن مجلسه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا بإذنه قال اللّه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى‏ أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ‏ [النور/ 62]، الآية.

و روى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان- رضي اللّه تعالى عنه- قال كان لا يصح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في يوم الجمعة بعد ما يأخذ في الخطبة، و كان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بإصبعه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيأذن لهم من غير أن يتكلّم الرجل منهم، و كان إذا تكلّم و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب بطلت جمعته.

الخامسة و الأربعون:

و بمبالغته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الأدب مع ربه- عز و جل- في حال سروره و غضبه.

قال ابن دحية: ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن موسى (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قوله حالة شدة خوفه‏ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏ [الشعراء/ 62] فقدم اسمه على اسم ربه فلذلك أشركت أمته بالعجل و أما النبي فإنه في شدته قال لأبي بكر و هما في الغار لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة/ 40] فقدم اسم ربه على اسمه فعصمت أمته من الشرك، و أنزلت السكينة في قلوبهم، السكينة

476

فعيلة من سكن يسكن سكونا و هو خلاف الاضطراب و الحركة.

السادسة و الأربعون:

بوجوب تقديمه على النفوس فلا يتم الإيمان إلا بمحبته قال اللّه- سبحانه و تعالى- النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ [الأحزاب/ 6] أي أحق و قدمه تعالى في القرآن على الآباء و الأبناء و الإخوة و الأزواج و العشائر و الأموال قال تعالى‏ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏ [التوبة/ 24].

و عن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- أنه قال‏

يا رسول اللّه، لأنت أحب إليّ من كلّ شي‏ء إلا نفسي فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «لا و الذي نفسي بيده لا تكون مؤمنا حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» فقال عمر و اللّه لأنت أحبّ إليّ من نفسي فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «الآن يا عمر، أنت مؤمن»

و عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده و والده و الناس أجمعين»

و رواه البخاري قال أبو الزناد- رضي اللّه تعالى عنه- هذا الحديث من جوامع الكلم الذي أوتيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لأنه قد جمع في هذه الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة لأن أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال و عظمة كمحبة الوالد لولده و محبة رحمة و شفقة كمحبة الولد، و محبة استحسان و مشاركة كمحبة سائر الناس فحصر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصناف المحبة في هذا اللفظ اليسير، و معنى الحديث و اللّه تعالى أعلم أن من استطعم الإيمان علم أن فضل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضله أكبر من حق ابنه و أبيه و الناس أجمعين لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) استنقذ اللّه به أمته و هداهم من الضلال و المراد من هذا الحديث بذل النفوس دونه.

و قال الكسائي في قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ [الأنفال/ 64] أي حسبك اللّه ناصرا و كافيا و حسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك.

السابعة و الأربعون:

و بأنه لا يدخل الإيمان في قلب رجل حتى يحب أهل بيته،

روى ابن ماجة و الحاكم و الطبراني عن العباس- رضي اللّه تعالى عنه- قال:

قلت يا رسول اللّه: إني رأيت قوما يتحدّثون فلما رأوني سكتوا و ما ذاك إلا أنهم استحلوا فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو قد فعلوها و الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحبّكم أ تحبون أن تدخلوا الجنة بشفاعتي و لا تبرحوها من عبد المطلب.

الثامنة و الأربعون:

و بأن شانيه أبتر- أي مقطوع البركة و النسل قال اللّه سبحانه و تعالى:

إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر/ 1- 3] و نقل ابن‏

477

إسحاق و ابن عقبة في سبب نزول هذه السورة عن يزيد بن رومان قال كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له لو هلك استرحتم منه فنزلت.

و قيل نزلت في أبي جهل.

و قيل غير ذلك فإن قيل إذا كان المستنقص هو الأبتر الذي لا ولد له كيف يستقيم ذلك في العاص بن وائل فإنه ذو ولد و عقب؟ فكيف يثبت له البتر و انقطاع الولد.

فالجواب أن العاص و إن كان ذا ولد فقد انقطعت العصمة بينه و بينهم فليسوا بأتباع له، لأن الإسلام قد حجزهم عنه فلا يرثهم و لا يرثونه فهم أتباع سيّدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال السّهيلي قوله- عز و جل-: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر/ 3] و لم يقل شانئك الأبتر ليضمن اختصاصه بهذا الوصف كما هو في مثل هذا الموضع يعطي الاختصاص مثل قول القائل إن زيدا فاسق فلا يكون مخصوصا بهذا الوصف دون غيره فإذا قلت إن يزيدا هو الفاسق لا الذي زعمت فدل أن الحصر من يزعم غير ذلك و هكذا قال الجرجاني و غيره في تفسيرها هو أن يعطي الاختصاص و كذلك قالوا في قوله تعالى: و أنه هو أغنى و أَبقَى [النجم/ 48]. و لما كان العباد يتوهمون أن غير اللّه قد يغنى قال هو أغنى و أبقى لا غيره.

التاسعة و الأربعون:

«و بأنه لا يدخل النّار من تزوجت إليه أو تزوج إليّ»

فحرمه اللّه على النار و سلم كما رواه ابن عساكر من طريق الحارث عن علي مرفوعا و الحاكم نحوه عن ابن أبي أوفى و الحارث نحوه عن ابن عمر.

الخمسون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزه عن فعل المكروه قال القاضي تاج الدين بن السبكي في «جمع الجوامع»: و فعله غير محرم للعصمة و غير مكروه للنّزاهة و ما فعله مما هو مكروه في حقنا فإنما فعله بيان الجواز، فهو في حقه واجب للتبليغ، أو فضيلة و يثاب عليه ثواب واجب أو فاضل. و اللّه تعالى أعلم.

الحادية و الخمسون:

و بأن رؤياه وحي.

الثانية و الخمسون:

و بأن ما رآه فهو حق و كذلك الأنبياء (صلّى اللّه عليه و سلّم) انتهى.

روى الطبراني عن معاذ بن جبل- رضي اللّه تعالى عنه- قال «ما رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في نومه و يقظته فهو حق».

و روى الحاكم عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- في قوله تعالى‏ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً [يوسف/ 4] قال رؤيا الأنبياء وحي.

478

الثالثة و الخمسون:

و بفضيلة الصلاة قلت لم أفهم ما المراد بذلك إن كان صلاة اللّه عليه فقد تقدّم في آخر الفصل الأول من الباب الأول و إن كان صلاته على غيره و هو الظاهر فقد تقدم في الفصل الثالث من هذا الباب.

الرابعة و الخمسون:

قيل و بأن ما له باق على ملكه لينفق منه على أهله و صححه إمام الحرمين.

الخامسة و الخمسون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا غزا بنفسه يجب على كل أحد الخروج معه لقوله تعالى‏ ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ‏ [التوبة/ 120] و لم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء- رضي اللّه تعالى عنهم- قاله قتادة.

السادسة و الخمسون:

قيل و بأن الجهاد كان في عهده (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرض عين و هو بعده من فروض الكفايات.

السابعة و الخمسون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبو الرجال و النساء نقله في «زوائد الروضة» عن البغوي.

و قال الواحدي قال بعض الأصحاب لا يجوز أن يقال أبو المؤمنين أي في الحرمة لقوله تعالى‏ ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ‏ [الأحزاب/ 40] قال و نصّ الشافعي- (رحمه اللّه تعالى)- على أنه أبو المؤمنين أي في الحرمة، و معنى الآية ليس أحد من رجالكم ولده من الصلب.

الثامنة و الخمسون:

و بإباحة الجلوس لآله و أزواجه في المسجد مع الجنابة و الحيض و قد تقدم بيان ذلك في المسألة الأولى من الفصل الثالث انتهى.

التاسعة و الخمسون:

و بوجوب الاستماع و الإنصات لقرآنه إذا قرأ في الصلاة الجهرية.

الستون:

و عند نزول الوحي.

الحادية و الستون:

قيل و بأن الأمر بالتفسح في المجلس خاص بمجلسه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاله مجاهد.

الثانية و الستون:

و بأن من ضحك في الصلاة خلفه أعاد الوضوء و ليس على من ضحك في الصلاة خلف إمام غيره إعادة وضوءه قاله جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه تعالى عنه-.

الثالثة و الستون:

و بأن من كذب عليه لم تقبل روايته أبدا و إن تاب.

الرابعة و الستون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الأنبياء معصومون من كل ذنب و لو صغيرا أو سهوا.

479

الخامسة و الستون:

و بأن من تمنّى موته و كذا الأنبياء كفر قاله المحاملي في الأوسط و رتب عليه تحريم إرثهم لئلّا يتمنّاه ورثته فيكفروا و قال غيره، و لذا لم يشب شعره، لأن النساء يكرهن الشيب و لو وقع ذلك في أنفسهم كفرن فعصم من ذلك رفقا بهن، قلت و قد تقدم الكلام على شيبته في الكتاب.

السادسة و الستون:

و قيل بأن من قذف أزواجه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا توبة له البتة كما قال ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنه-.

السابعة و الستون:

و بأن قاذفهن يقتل كما نقله القاضي.

و قيل: يختص القتل بمن سب عائشة (رضي اللّه عنها) فيحد في غيرها حدين.

الثامنة و الستون:

و بأن من قذف أمّ أحد من الصحابة يحدّ حدّين.

التاسعة و الستون:

و بأن من قذف آمنة قتل مسلما كان أو كافرا قاله الشيخ موفق الدين بن قدامة الحنبلي في «المقنع».

السبعون:

و بأنه لم تبغ امرأة نبي قط.

الحادية و السبعون:

و قيل باختصاص صلاة الخوف بعهده، لأن إمامته لا عوض لها بخلاف غيره قاله أبو يوسف، و المزني.

الثانية و السبعون:

و بأنه يحرم النقش على نقش خاتمه فليس لأحد أن ينقش على نقش خاتمه محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الثالثة و السبعون:

و بأنه لا يقول في المرض و الغضب إلا حقا.

الرابعة و السبعون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يجوز عليه العمى و كذا الأنبياء فيما ذكره السبكي.

الخامسة و السبعون:

و بأنهم منزّهون عن النقائص في الخلق و الخلق سالمون من العاهات، و المعايب، و لا التفات إلى ما يقع في بعض التواريخ من إضافة العاهات إلى بعضهم بل منزهون من كل عيب و كل ما ينقص العيون أو ينفّر القلوب قاله القاضي.

السادسة و السبعون:

و بأنه يخص من شاء بما شاء كجعله شهادة خزيمة بشهادتين.

السابعة و السبعون:

قيل: و بأنه كان يقال له بأبي أنت و أمي و لا يقال ذلك لغيره فيما ذكره بعضهم [ (1)].

الثامنة و السبعون:

و بأنه كان يرى بالليل و في الظلمة كما يرى بالنهار و في الضوء.

____________

[ (1)] سقط في ج.

480

التاسعة و السبعون:

و بأن ريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعذب الماء المالح.

الثمانون:

و بأنه يجزي الرضيع.

الحادية و الثمانون:

و بأنه يبلغ صوته و سمعه ما لا يسمعه غيره (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الثانية و الثمانون:

و بأن رائحة عرقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أطيب من المسك.

الثالثة و الثمانون:

و بأنه كان إذا مشى مع الطويل طال.

الرابعة و الثمانون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.

الخامسة و الثمانون:

و بأن ظله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يقع على الأرض.

السادسة و الثمانون:

و لا يرى له ظلّ في شمس و لا قمر قال ابن سبع، لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان نورا، تقدم بيان ذلك في أبواب صفاته و بعضها في أبواب المعجزات.

السابعة و الثمانون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا ركب دابّته لا تبول و لا تروث و هو راكبها نقل ذلك عن ابن إسحاق، و بنى عليه بعض المتأخرين طوافه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بعيره فجعله من خصائصه و لم يجز ذلك لغيره.

الثامنة و الثمانون:

و بأن وجهه كان كالشمس تجري فيه.

التاسعة و الثمانون:

و بأنه لم يكن لقدمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخمص.

التسعون:

قيل و بأن خنصر رجليه كانت متظافرة.

الحادية و التسعون:

و بأن الأرض تطوى له إذا مشى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تقدم بيان ذلك في أبواب صفاته.

الثانية و التسعون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يقع في نسبه من لدن آدم سفاح قط.

الثالثة و التسعون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تقلب في الساجدين حتى خرج نبيا.

الرابعة و التسعون:

و بأنه نكّثت الأصنام لمولده (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الخامسة و التسعون:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولد مختونا و مقطوع السرة.

أخرج الطبراني في (الأوسط)، و أبو نعيم و الخطيب و ابن عساكر من طرق، عن أنس، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال:

«من كرامتي على ربي إني ولدت مختونا و لم ير أحد سوأتي».

و صححه الضياء في (المختارة)، و قال ابن سعد، عن يونس بن عطاء المكي، حدثني الحكم بن أبان العدني، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال:

«ولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مختونا مسرورا و أعجب ذلك عبد المطلب و حظي عنده». و قال: «ليكونن‏

481

لابني هذا شأن، فكان له شأن». أخرجه البيهقي و أبو نعيم و ابن عساكر.

و أخرج ابن عدي و ابن عساكر من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: «ولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسرورا مختونا».

و أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة «أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولد مختونا».

و أخرج ابن عساكر، عن ابن عمر قال: «ولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسرورا مختونا».

قال الحاكم في (المستدرك): تواترت الأحاديث أنه ولد مختونا.

و في (الوشاح) لابن دريد قال ابن الكلبي «بلغنا عن كعب الأحبار أنه قال: نجد في بعض كتبنا أن آدم خلق مختونا و اثني عشر نبيا من بعده من ولده خلقوا مختتنين آخرهم محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و شيث، و إدريس، و نوح، و سام، و لوط، و يوسف، و موسى، و سليمان، و شعيب، و يحيى، و هود، و صالح- صلّى اللّه عليهم أجمعين-».

السادسة و التسعون:

و بأنه ما افترقت فرجة إلا كان في خيرها.

السابعة و التسعون:

و بأنه كان نظيفا ما به قذر.

الثامنة و التسعون:

و بأنه وقع على الأرض ساجدا و رافع يده إلى السماء كالمتضرع المبتهل.

التاسعة و التسعون:

و بأن أمه رأت عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام و كذلك أمهات النبيين يرين.

المائة:

و بأنّ مهده (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يتحرك بتحريك الملائكة.

الواحدة بعد المائة:

و بأنّ القمر كان يناغيه و هو في مهده.

و أخرجه البيهقي و الصابوني في (المائتين) و الخطيب و ابن عساكر في تاريخيهما، عن العباس بن عبد المطلب قال:

قلت يا رسول اللّه دعاني إلى الدخول في دينك إمارة لنبوتك رأتك في المهد تناغي القمر و تشير إليه بإصبعك فحيث أشرت إليه مال. قال: «إني كنت أحدثه و يحدثني و يلهيني عن البكاء و أسمع وجبته حين يسجد تحت العرش»

قال البيهقي تفرد به أحمد بن إبراهيم الجيلي و هو مجهول. و قال الصابوني: هذا حديث غريب الإسناد و المتن في المعجزات حسن.

الثانية بعد المائة:

و بأنّه كان يميل حيث أشار إليه.

الثالثة بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تكلّم في المهد.

الرابعة بعد المائة:

و بأنّه لم يلد أبواه غيره.

482

الخامسة بعد المائة:

و بأنه كما قال بعضهم لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت.

السادسة بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت تظلّه الغمامة في الحرّ و تقدم بيان ذلك في أبواب مولده (صلّى اللّه عليه و سلّم).

السابعة بعد المائة:

و بأنه كان يميل إليه في‏ء الشجرة إذا سبق إليه كما تقدم بيان ذلك في باب سفره إلى الشام.

الثامنة بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبيت جائعا و يصبح طاعما يطعمه ربّه و يسقيه من الجنّة كما تقدّم بيانه في الفصل الثالث.

التاسعة بعد المائة:

و بأنه عصم من الأغلال الموجبة كما ذكره القضاعي في تاريخه.

العشرة بعد المائة:

و بأنه ردّت إليه الرّوح بعد ما قبض ثم خير بين البقاء في الدنيا و الرجوع إلى اللّه فاختار الرجوع إلى اللّه و كذلك سائر الأنبياء.

الحادية عشر بعد المائة:

و بأنه أرسل إليه جبريل ثلاثة أيّام في مرضه ليسأله كيف حاله.

الثانية عشر بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما نزل إليه ملك الموت نزل معه ملك يقال له إسماعيل يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط و لم يهبط إلى الأرض قط قبل ذلك اليوم.

الثالثة عشر بعد المائة:

و بأنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سمع صوت ملك الموت باكيا عليه ينادي وا محمّداه.

الرابعة عشر بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى ربّه.

الخامسة عشر بعد المائة:

رأى الملائكة.

السادسة عشر بعد المائة:

و الناس أفواجا بغير إمام و قالوا: هو إمامكم حيا و ميتا.

السابعة عشر بعد المائة:

و بغير دعاء الجنازة المعروف.

الثامنة عشر بعد المائة:

و بتكرير الصّلاة عليه عند، مالك و أبي حنيفة- رضي اللّه تعالى عنهما- قيل: و بأنه لم يصل عليه أصلا إنّما كان النّاس يدخلون أفواجا إرسالا فيدعون و ينصرفون و علل بأنه بفضله غير محتاج إلى ذلك.

التاسعة عشر بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ترك بلا دفن ثلاثة أيام.

العشرون بعد المائة:

و بأنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دفن باللّيل و ذلك في حقّ غيره مكروه عن الحسن و خلاف الأولى عند سائر العلماء.

483

الحادي و العشرون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دفن في بيته حيث قبض و كذلك الأنبياء و الأفضل في حقّ من عداهم الدّفن في المقبرة.

الثانية و العشرون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرش له قطيفة في لحده قال وكيع هذا للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاصة، و يكره ذلك لغيره بالاتفاق.

الثالثة و العشرون بعد المائة:

و بأنه غسل في قميصه، و يكره ذلك في حقّ غيره قاله الحنفية و المالكية.

الرابع و العشرون بعد المائة:

و بأنّ الأرض أظلمت بموته و يأتي بيان ذلك كله في أبواب وفاته.

الخامس و العشرون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يضغط في قبره و كذلك الأنبياء و فاطمة بنت أسد كما قاله القرطبي في «التذكرة» و لم يسلم من الضغطة لا صالح و لا غيره سواهم.

السادس و العشرون بعد المائة:

و بأنه تحرم الصلاة على قبره و اتخاذه مسجدا.

السابع و العشرون بعد المائة:

و بأنه يحرم البول عند قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كذلك الأنبياء و يكره عند قبور غيرهم قاله الأوزاعي.

الثانية و العشرون بعد المائة:

و بأنّه لا يبلى جسده و كذلك الأنبياء لا تأكل لحومهم الأرض، و لا السباع، و سيأتي بيان ذلك في أبواب الوفاة.

التاسع و العشرون بعد المائة:

و بأنّه لا خلاف في طهارة ميتهم و في غيرهم خلاف.

الثلاثون بعد المائة:

و بأنّه لا يجري في أطفالهم الخلاف الذي لبعضهم.

الواحدة و الثلاثون بعد المائة:

و بأنه لا يجوز للمضطّر أكل ميتة.

الثانية و الثلاثون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حي في قبره.

الثالث و الثلاثون بعد المائة:

و يصلّي فيه بآذان و إقامة و لهذا قيل لا عن أزواجه، و سيأتي بيان ذلك.

الرابع و الثلاثون بعد المائة:

و بأنّ المصيبة بموته (صلّى اللّه عليه و سلّم) عامة.

الخامس و الثلاثون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كل بقبره ملكان يبلّغانه صلاة المسلمين عليه لأمته إلى يوم القيامة.

السادس و الثلاثون بعد المائة:

و بأن أعمال أمته تعرض (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليه و يستغفر لهم، و سيأتي بيان ذلك في أبواب الصلاة عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

484

السابع و الثلاثون بعد المائة:

و بأن أول ما يرفع رؤيته في المنام و القرآن و الحجر الأسود.

الثامن و الثلاثون بعد المائة:

و بأن قراءة أحاديثه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبادة و يثاب عليها كقراءة القرآن في إحدى الروايتين.

التاسع و الثلاثون بعد المائة:

و بأن النار لا تأكل شيئا من سائر وجهه و كذلك الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام).

الأربعون بعد المائة:

و بكراهة عمل ما كتب عليه اسمه و تقدم بيان ذلك في باب أسمائه.

الواحد و الأربعون بعد المائة:

و بأنه يستحبّ الغسل لقراءة حديثه.

الثانية و الأربعون بعد المائة:

و الطيب.

الثالثة و الأربعون بعد المائة:

و لا ترفع عنده الأصوات.

الرابعة و الأربعون بعد المائة:

و يقرأ على مكان عال.

الخامسة و الأربعون بعد المائة:

و يكره لقارئه أن يقوم لأحد كما سيأتي في أبواب توقيره.

السادسة و الأربعون بعد المائة:

و بأن حملته لا تزال وجوههم نضرة

لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«نضر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها إلى أهلها كما سمعها»

الحديث.

السابعة و الأربعون بعد المائة:

و بأنهم اختصوا بالحفاظ و أمر المؤمنين من بين سائر العلماء.

الثامنة و الأربعون بعد المائة:

و بجعل كتب حديثه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على كرسي كالمصاحف.

التاسعة و الأربعون بعد المائة:

و بأن الصحبة ثبتت لمن اجتمع به (صلّى اللّه عليه و سلّم) لحظة بخلاف التابعي مع الصحابي فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه، على الأصح عن أهل الأصول، و الفرق عظم منصب النبوة و نورها فبمجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجلف ينطق بالحكمة.

الخمسون بعد المائة:

و بأن أصحابه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كلهم عدول فلا يبحث عن عدالة أحد منهم كما يبحث عن عدالة سائر الرواة.

الواحد و الخمسون بعد المائة:

و بأنهم لا يفسّقون بارتكاب ما يفسّق به غيرهم كما ذكره العراقي في شرح «جمع الجوامع».

الثانية و الخمسون بعد المائة:

و بأن اللّه تعالى أوجب الجنّة و الرضوان في كتابه‏

485

لجميع أصحابه، محسنهم و مسيئهم و شرط على من بعدهم أن يتبعوهم بإحسان قاله محمد بن كعب القرظي.

الثالثة و الخمسون بعد المائة:

و بأنه لا يكره للنساء زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما يكره لهن زيارة سائر القبور بل يستحب كما قال العراقي في «نكته» أنه لا شك فيه. انتهى.

الرابعة و الخمسون بعد المائة:

و بأن المصلي في مسجده لا يبصق عن يساره أي في ثوب و نحوه كما هو السنة في سائر المساجد، نبّه على ذلك الشيّخ كمال الدين الدميري، و غيره.

الخامسة و الخمسون بعد المائة:

و بأن مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم) لو بني إلى صنعاء لكان مسجدا و قال النووي (رحمه اللّه تعالى) في «شرح مسلم» «و المناسك» أن الصلاة إنما تضاعف في المسجد الذي كان في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دون بقية الزيادات و لم يحك غيره، لكن الخطيب و ابن جملة نقل عن المحب الطبري أن المسجد المشار إليه في حديث المضاعفة هو ما كان في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع ما زيد فيه لأخبار و آثار وردت في ذلك و استحسنه ابن جملة على ما ذهب إليه النّووي من التخصيص، مع أنّ البرهان بن فرحون نقل في شرحه لابن الحاجب «الفرعي» أنّه لم يخالف في هذه المسألة غير النووي، و أن الشيخ محب الدين الطبري نقل في كتابه «الإحكام» أن النووي رجع عن ذلك، و تعجب بأن ابن الجوزي نقل عن ابن عقيل ما يوافق ما ذكره النووي في «شرح مسلم» و الأقشهري في «روضته» عن ابن نافع صاحب مالك عنه و لفظه في أثناء كلام قيل له أن لمالك هذا المسجد الذي جاء فيه الخبر هل هو ما كان في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو على ما هو عليه الآن؟ قال: بل هو على ما هو عليه الآن قال: لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أخبر بما يكون بعده و زويت له الأرض فرأى مشارقها و مغاربها و تحدّث بما يكون بعده فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت، و نسيه من نسيه و لو لا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة أصحابه، و لم ينكره عليهم في ذلك منكر و عمدة من ذهب إلى التخصيص الإشارة إلى قوله «مسجدي هذا» و لعله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنّما جاء بها ليدفع توهم دخول سائر المساجد المنسوبة إليه بالمدينة عن غير هذا المسجد لا كإخراج ما يزيد فيه و قد سلّم النّووي أنّ المضاعفة في المسجد الحرام مع ما زيد فيه فليكن مسجد المدينة كذلك كما أشار إليه ابن تيمية قال: و هو الذي يدلّ عليه كلام الأئمة المعتمدين و كان الأمر عليه في عهد عمر، و عثمان، فإن كلا منهما زاد في قبلة المسجد، و كان مقامه في الصلوات الخمس في رواية و كذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه و يمنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، و أن يكون الخلفاء و الصفوف الأول كانوا يصلون في غيره.

486

قال و لم يبلغني عن أحد من السلف خلاف هذا إلا أن بعض المتأخرين ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، و ما علمت له سلفا في ذلك. انتهى.

السادسة و الخمسون بعد المائة:

و بأنه و كل بشقتي كل إنسان ملكان يحفظان عليه إلا الصلاة عليه خاصة.

السابعة و الخمسون بعد المائة:

و بوجوب الصلاة عليه عندنا في التشهد الأخير.

الثامنة و الخمسون بعد المائة:

و كلما ذكر عند الطحاوي و الحليمي لأنه ليس بأقل من تشميت العاطس، و سيأتي بيان ذلك في باب وجوب الصلاة عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

التاسعة و الخمسون بعد المائة:

و بأن من صلّى عليه عن الأمر الذي تستقذر منه أو يضحك منه أو جعل الصلاة عليه كناية عن شتم القبر كفر، ذكره الحكيم و نقله في «الخادم».

الستون بعد المائة:

و بأن من حكم عليه فكان في قلبه حرج من حكمه، كفر بخلاف غيره من الحكام ذكره الاصطخري- في أدب القضاء- و ابن دحية و استدلّ لذلك بقوله تعالى‏ فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء/ 65].

يقال: تشاجر القوم إذا اختلفوا يعني فيما شجر بينهم أي فيما وقع من التشاجر بينهم.

الواحد و الستون بعد المائة:

و بأن أهله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يطلق عليهم الأشراف و الواحد شريف و هم ولد علي و عقيل و جعفر و العباس كذلك مصطلح السلف و إنما حدث تخصيص الشّريف بولد الحسن و الحسين في مصر خاصة من عهد المغازية الزاعمين أنّهم من ولد فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها-.

الثاني و الستون بعد المائة:

قيل: أن ابنته لم تحض و لما ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها الصلاة و لذلك سميّت الزهراء، ذكره صاحب الفتاوى الظهيرية من الحنفية و المحب الطبري الشافعي و أورد فيه حديثين أنها حوراء أدمة طاهرة مطهرة لا تحيض، و لا يرى لها دم في طمس و لا في ولادة. انتهى.

الثالث و الستون بعد المائة:

و بأنها لما احتضرت غسلت نفسها، و أوصت ألا يعاد غسلها فعسلها عليّ ذكره كما رواه الإمام أحمد عن أم سلمة- رضي اللّه تعالى عنها- و أورده ابن الجوزي في الموضوعات و تعقبوه.

و قد روى البيهقي بإسناد حسن عن أسماء بنت عميس أن فاطمة أوصت أن يغسلها علي فغسلاها و روى ابن أبي شيبة عن أسماء بنت عميس قالت: غسلت أنا و علي فاطمة بنت‏

487

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تعقب البيهقي هذا بأن أسماء في هذا الوقت كانت عند أبي بكر الصديق، و قد ثبت أن أبا بكر لم يعلم بوفاة فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- لما في الصحيح أن عليا دفنها ليلا، و لم يعلم أبو بكر فكيف يمكن أن تغسلها زوجته و هو لا يعلم، و أجاب في «الخلافيات» باحتمال أن أبا بكر علم بذلك و أحب أن لا يرد غرض علي في كتمانه منه.

قال الحافظ: و يمكن أن يجمع بأن أبا بكر علم بذلك و ظنّ أن عليا يدعوه لحضور دفنها، و ظن علي أنه يحضر من غير استدعاء منه، و قد اتضح بحديث أسماء هذا للإمام أحمد و ابن المنذر و في جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما فبطل ما رواه أنها غسلت نفسها، و أوصت ألا يعاد غسلها كما تقدم.

الرابع و الستون بعد المائة:

و بأن الناس كانوا لعائشة محرما فمع أيهم سافرت سافرت مع المحرم، و ليس غيرها من النساء، كذلك نقله الطحاوي في «معاني الآثار» عن الإمام أبي حنيفة- رضي اللّه تعالى عنه-.

الخامسة و الستون بعد المائة:

و بأن شيئا من شعره سقط في النار.

السادس و الستون بعد المائة:

و بأنه مسح رأس أقرع فنبت شعره في وقته.

السابع و الستون بعد المائة:

و بأنه وضع كفه على المريض فعقل من ساعته.

الثامن و الستون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غرس نخلا فأثمرت من عامها.

التاسع و الستون بعد المائة:

و بأنه هزّ عمر فأسلم من ساعته و قد تقدم بيان ذلك في أبواب المعجزات.

السبعون بعد المائة:

و بأن إصبعه المسبحة كانت أطول أصابعه و تقدم بيان بطلان ذلك في صفاته الحسية.

الواحد و السبعون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما أشار إلى شي‏ء إلا أطاعه، و تقدم في المعجزات بيان ذلك.

الثاني و السبعون بعد المائة:

قيل: و بأنه ما وطئ على صخر إلا و أثّر، فيه و تقدّم في باب طاعات الجمادات له إن ذلك لا أصل له، و إن اشتهر على السنة كثير من المداح.

الثالث و السبعون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما وطئ محلّا إلا و بورك فيها كما تقدم بيانه في المعجزات.

الرابع و السبعون بعد المائة:

و بأنه كان إذا تبسم في الليل أضاء البيت كما تقدم بيانه في صفاته الحسية. انتهى.

488

الخامس و السبعون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يسمع خفيق أجنحة جبريل و هو يصعد سدرة المنتهى.

السادس و السبعون بعد المائة:

و يشمّ رائحته إذا توجّه بالوحي إليه ذكر ذلك رزين.

السابعة و السبعون بعد المائة:

و بأنه كان المسلمون يهاجرون إليه و تقدم بيانه في أسمائه الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الثامنة و السبعون بعد المائة:

و طول الصعود فيه ذكره رزين.

التاسعة و السبعون بعد المائة:

بأنه حرّم على الناس دخول بيته.

الثمانون بعد المائة:

قيل: و بأنه لم يصل على ابنه إبراهيم.

قال بعض العلماء: لأنه استغنى ببنوة ابنه عن قربة الصلاة كما استغنى الشهيد بقربة الشهادة قاله الأسنوي في نكته و يأتي الكلام على ذلك في باب أولاده.

الواحد و الثمانون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى على حمزة و لم يصلّ على أحد من الشهداء غيره و في لفظ أنه كبر عليه سبعين صلاة.

الثاني و الثمانون بعد المائة:

و بأنه صلّى يوما على أهل أحد صلاته على الميت و ذلك قرب موته بعد ثمان سنين من دفنهم رواه الشيخان عن عقبة بن عامر- رضي اللّه تعالى عنه- و في الصحيح أنه خرج إلى أهل البقيع فصلّى عليهم، و نقل القاضي عن بعضهم أنه يحتمل أن تكون الصلاة المعلومة على الموتى و يكون هذا خصوصا له و يكون أراد أن يعمهم بصلاته إذ فيهم من دفن و هو غائب أو لم يعلم به فلم يصلّ عليه فأراد أن يعمهم بركته.

الثالث و الثمانون بعد المائة:

و بأنه يجوز أن يقال للنبي (ص) احكم بما تشاء فهو صواب موافق حكمي على ما صححه الأكثرون في الأصول و ليس ذلك للعالم على ما اختاره السمعاني لقصور رتبته.

الرابع و الثمانون بعد المائة:

قيل: و بامتناع الاجتهاد له لقدرته على اليقين بالوحي، و لغيره في عصره لقدرته على اليقين بتكفية منه.

الخامس و الثمانون بعد المائة:

و أنه لا ينعقد الإجماع في عصره بالإجماع.

السادس و الثمانون بعد المائة:

و بأنه ما صور نبي قط.

السابع و الثمانون بعد المائة:

و بأن الإلهام حجة على الملهم و غيره إن كان الملهم نبيا، و علم أنه من اللّه لا إن كان وليا قال السكاكي: في «شرح المنار» و قال اليافعي: فرق الشيخ عبد القادر بين ما يسمعه الأنبياء، و بين ما يسمعه الأولياء، يسمّى حديثا فالكلام يلزم تصديقه، و من رده كفر، و الحديث من رده لم يكفر.

489

الثامنة و الثمانون بعد المائة:

و بأنه لا يقال لغيره احكم بما أراك اللّه كما رواه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه-.

التاسعة و الثمانون بعد المائة:

و بأنه لم يسمع بأنّ نبيّا قتل في قتال قط كما رواه سعيد ابن منصور عن سعيد بن جبير.

التسعون بعد المائة:

قيل: بأن الوقف إنما يلزم من الأنبياء خاصة، دون غيرهم.

قال صاحب المبسوط من الحنفية و حمل عليه حديث «لا نورّث ما تركناه صدقة» و جعله مستثنى من قول أبي حنيفة- رضي اللّه عنه- أن الوقف لا يلزم.

الواحد و التسعون بعد المائة:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانوا إذا دخلوا عليه بدأهم بالسلام فقال:

«السلام عليكم» و إذا لقيهم كذلك أيضا لقوله تعالى‏ وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ/ [الأنعام/ 54] رواه ابن المنذر عن ابن جريج و السنّة في حقنا إن الداخل و المّار هو الذي يبدأ و وجوب الابتداء عليه للأمر به، في الآية و ليس أحد من الأمة يجب عليه الإبتداء.

الثاني و التسعون بعد المائة:

قيل: و باختصاصه بجواز رؤية اللّه- تبارك و تعالى- في المنام و لا يجوز ذلك لغيره و هو اختيار الشيخ و عليه أبو منصور الماتريدي.

الثالث و التسعون بعد المائة:

و بأنه لا يحيط باللغة إلا نبي قاله الشافعي في «الرسالة».

الرابع و السبعون بعد المائة:

و بأن ما عبره الأنبياء من الرؤيا كائن لا محالة قاله ابن جرير، و أما تعبير غيرهم فيحق اللّه فيها ما يشاء و يبطل ما يشاء قاله قتادة.

الخامس و التسعون بعد المائة:

و بعدم أخذ الزكاة من ثعلبة بن حاطب لما كذب فلم يقبلها منه عقوبة له، و لا أبو بكر و لا عمر، و لا عثمان حتى مات في خلافته.

السادس و التسعون بعد المائة:

و بامتناع رد تميمة بنت وهب إلى مطلقها رفاعة لما كذبت فلم يرجعها أبو بكر و لا عمر، و قال عمر: لأن أتيتني بعد هذه لأرجمنّك.

السابع و التسعون بعد المائة:

و بعدم أخذ زمام من شعر غلة.

روى أبو داود و الحاكم عن عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه تعالى عنهما- قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسها و يقسمها فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول اللّه هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة قال: أسمعت بلالا نادى ثلاثا قال: نعم قال: فما منعك أن تجي‏ء به قال يا رسول اللّه فاعتذر قال: كن أنت تجي‏ء به يوم القيامة فلن أقبله عنك و بأنه يأخذ من قوله و يترك إلا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاله ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما-.

490

الثامن و التسعون بعد المائة:

[...] [ (1)].

التاسع و التسعون بعد المائة:

و بأن «له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر اللّه تعالى» كما قال ابن عباس إن ذلك خاص به.

المائتان:

و بأن مثلهم مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق.

روى الحاكم عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«ألا إن أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق».

الواحد بعد المائتين:

و بأن من تمسّك بهم و بالقرآن لن يضلّ.

الثاني بعد المائتين:

و بأنهم أمان للأمة من الاختلاف.

الثالث بعد المائتين:

و بأنهم سادات أهل الجنة.

الثالث بعد المائتين:

و بأن اللّه تعالى قد وعدهم أن لا يعذّبّهم كما سيأتي بيان جميع ذلك قريبا.

الرابع بعد المائتين:

و بأن من أبغضهم أدخله اللّه النار.

روى الحاكم عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«يا بني عبد المطلب إني سألت اللّه تعالى لكم ثلاثا» ...

[الحديث تقدم قريبا].

و روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

«و الذي نفسي بيده لا يبغض أهل البيت أحد إلا أدخله اللّه النار».

الخامس بعد المائتين:

و بأن الإيمان لا يدخل قلب أحد حتى يحبّهم للّه، و لقرابتهم لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سيأتي ذلك قريبا.

السادس بعد المائتين:

و بأن من قاتلهم كان كمن قاتل مع الدجال و بأن من صنع مع أحد منهم برا كفاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم القيامة.

السابع بعد المائتين:

و بأن ما منهم أحد إلا و له شفاعة يوم القيامة.

الثامنة بعد المائتين:

و بأن الرجل يقوم لأخيه إلا بني هاشم لا يقومون لأحد.

التاسعة بعد المائتين:

قيل: و بأنه لا يجوز لأحد أن يؤمه لأنه لا يصلح للتقدم بين يده في الصلاة، و لا في غيرها لا في عذر و لا غيره. و قد نهى اللّه المؤمنين عن ذلك و لا يكون أحد شافعا و قد قال: أمتكم شفعاؤكم و كذلك قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يقدم بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حكاه القاضي قلت قد صح أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى ركعة خلف عبد الرحمن بن عوف، و خلف أبي بكر- رضي اللّه عنهما- كما يأتي ذلك في أبواب الوفاة.

____________

[ (1)] بياض في الأصول.

491

العاشرة بعد المائتين:

و بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خصّ أهل بدر من بين أصحابه بأن يزيدوا في الجنازة على أربع تكبيرات.

الحادي عشر بعد المائتين:

و بأنه ما يمكث نبي في قبره أكثر من أربعين يوما يرفع كما رواه الترمذي في جامعه و عبد الرزاق في مصنفه.

الثانية عشرة بعد المائتين:

و بأنّه اختص بحقيقة حق اليقين، و للأنبياء حقيقة اليقين و خواصّ الأولياء عين اليقين و للأولياء علم اليقين نقله الرافعي.

الثالثة عشرة بعد المائتين:

و بأنّ الأنبياء يطالعون بحقائق الأمور و الأولياء يطالعون بمثلها قاله الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه.

الرابعة عشرة بعد المائتين:

و بأن الأنبياء فرض اللّه- تعالى- عليهم ظهور المعجزات ليؤمنوا بها، و فرض على الأولياء كتمان الكرامات، لئلا يفتنوا بها قاله أبو عمر الدمشقي الصوفي.

الخامسة عشرة بعد المائتين:

و بأن الحظوة للأنبياء و الوسوسة للأولياء، و الفكر للعوام قاله أبو العباس المروزي.

السادسة عشرة بعد المائتين:

و بأن أرواح الأنبياء تخرج من جسدها، و تكون في أجواف طير خضر قاله النسفي في «بحر الكلام».

السابعة عشرة بعد المائتين:

و بأنه ينصب للأنبياء في الموقف منابر من ذهب، يجلسون عليها و ليس ذلك لأحد سواهم كما سيأتي في باب حشره و نشره (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الثامنة عشرة بعد المائتين:

قيل: و بأنه لا اعتكاف عليه إلا بمسجد قاله سعيد بن المسيّب كما رواه النسائي عنه.

التاسعة عشرة بعد المائتين:

و بأنّه ما من مولود إلا ينخسه الشيطان إلا الأنبياء ك ما أشار إليه القاضي.

العشرون بعد المائتين:

و بأن من صلّى معه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قام إلى خامسة عمدا لم تبطل صلاته، أو سلم من اثنين فتبعه عمدا لم تبطل صلاته لجواز أن يوحى إليه بالزّيادة و النقصان، أما بعده فمتى تابع المأموم الإمام في ذلك عمدا بطلت صلاته أو سلم من اثنتين فتبعه عمدا بطلت صلاته قاله السبكي.

الحادية و العشرون بعد المائتين:

و بالشهادة بين الأنبياء و أممهم يوم القيامة كما سيأتي في باب حشرة و نشره (صلّى اللّه عليه و سلّم).

492

الثانية و العشرون بعد المائتين:

لم يكن يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه- كما تقدم في أبواب صفته.

الثالثة و العشرون بعد المائتين:

و بتنوير القبور بدعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أورد ذلك القزويني في خصائصه.

و روى مسلم عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ هذه القبور مملوءة مظلمة على أهلها، و إنّ اللّه ينورها بصلاتي عليهم».

الرابعة و العشرون بعد المائتين:

قيل: و بأنّ كلّ دابّة ركب عليها (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقيت على القدر الذي كان يركبها عليه، فلم تهزم له مركب ذكره ابن سبع، و قال غريب و يردّه ما رواه أحمد أن بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذهبت أسنانها من الهرم، و عميت، قاله القزويني، و اللّه تعالى أعلم.