تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام - ج42

- شمس الدين الذهبي المزيد...
496 /
205

و قال غيره: كان ديّنا، عدّلا، محبا للخير، مهيبا جري‏ء الكلام، قويّ النّفس، مليح الشّكل- يجرّ قوسا يكون سبعا و ثلاثين رطلا باليد.

و قال ابن دحية [ (1)]: كان من اللّغة بمكان مكين، و مورد في الطّبّ عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرّمّة، و هو ثلث اللّغة، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطّبّ، مع سموّ النّسب و كثرة المال و النّشب. صحبته زمانا طويلا، و استفدت منه أدبا جليلا.

و قال لي: ولدت سنة سبع و خمسمائة.

و له أشعار حلوة. و رحل أبو جدّه إلى المشرق، و ولي رئاسة الطّبّ ببغداد، ثمّ بمصر، ثمّ بالقيروان، ثمّ استوطن دانية بالأندلس، و طار ذكره.

قلت: و قد مرّ والده في سنة سبع و خمسين، و جدّه في سنة خمس و عشرين و خمسمائة.

و كان أبو بكر يقال له: الحفيد. و كان وزيرا محتشما، كثير الحرمة، من سروات أهل الأندلس. و قد رأس في فنّي الطّبّ و الأدب و بلغ فيهما الغاية [ (2)].

266- محمد بن عليّ بن الحسن بن أحمد بن عبد الوهّاب [ (3)].

أبو بكر المزّيّ [ (4)]، الدّمشقيّ، المعروف بالدّوانيقيّ.

روى عن: أبي الفتح نصر اللَّه المصّيصيّ.

روى عنه: يوسف بن خليل، و القوصي، و التّاج القرطبيّ، و أخوه إسماعيل.

____________

[ (1)] في المطرب 203.

[ (2)] و قد قيل في ابن زهر:

قل للوبا أنت و ابن زهر* * * قد جزتما الحدّ في النكاية

ترفّقا بالورى قليلا* * * في واحد منكما كفاية

(المختصر في أخبار البشر 3/ 97، المختار من تاريخ ابن الجزري 72، و تاريخ ابن الوردي 2/ 115).

[ (3)] انظر عن (محمد بن علي) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 329 رقم 488، و تكملة إكمال الإكمال 333، 334.

[ (4)] هكذا في الأصل بالزاي. و قيّدها ابن الصابوني: «المرّي» بضم الميم و كسر الراء المشدّدة.

206

و توفّي في شعبان.

267- محمد بن محمد بن الحسين [ (1)].

أبو المظفّر الخاتونيّ، الأصبهانيّ، ثمّ البغداديّ، الكاتب.

أحد الشّعراء.

سمع جزءا من محمد بن عليّ السّمنانيّ، بسماعه من أبي الغنائم ابن المأمون.

رواه عنه: أبو الحسن بن القطيعيّ، و غيره.

و توفّي في ذي الحجّة عن نيّف و عشرين سنة [ (2)].

268- المبارك بن إسماعيل بن عبد الباقي بن أحمد بن الصّواف [ (3)].

أبو نصر بن النّشف الواسطيّ، البزّاز، المقرئ.

قرأ القراءات على: أبي الفتح المبارك بن أحمد الحدّاد، و غيره.

و سمع: أبا عبد اللَّه محمد بن عليّ الجلابيّ، و أحمد بن عبيد اللَّه الآمديّ.

و سمع ببغداد من: ابن ناصر.

و حدّث.

روى عنه: أبو عبد اللَّه الدّبيثيّ، و قال: توفّي في ذي القعدة و له أربع و سبعون سنة.

____________

[ (1)] انظر عن (محمد بن محمد الخاتوني) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 338 رقم 508، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 125، و الوافي بالوفيات 1/ 419، 150 رقم 63.

[ (2)] قال ابن النجار: من ساكني دار الخلافة. كان كاتبا فاضلا أديبا حسن الأخلاق. خدم عدّة من الأمراء ثم نظر في أعمال قوسان و بعدها في دجيل ثم انعزل و لزم بيته، و أورد له من أبيات:

لقد هاج لي أبين حزنا طويلا* * * و حمّلني البين عبئا ثقيلا

و أذكرني البرق سفح الغدير* * * و تلك القفار و تلك الهجولا

و مثّل لي وقفات الحجيج‏* * * وجوب الفلا عنقا أو ذميلا

فأذريت دمعي لعلّ الدموع‏* * * تبلّ غليلا و تروي عليلا

فما بلغت بعض ما نلته‏* * * و ما هو أمرا أراه منيلا

لأنّي أروم شفاء الجوى‏* * * و قد أوحش البين تلك السبيلا

[ (3)] انظر عن (المبارك بن إسماعيل) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 337 رقم 506، و المختصر المحتاج إليه 3/ 168 رقم 1123.

207

269- المبارك بن عليّ بن يحيى بن محمد بن بذال [ (1)].

أبو بكر المعروف بابن النّفيس البغداديّ.

ولد سنة سبع عشرة.

و سمع من: أبي بكر الأنصاريّ، و أبي منصور الشّيبانيّ القزّاز.

قال الدّبيثيّ [ (2)]: سمع منه بعض أصحابنا، و أجاز لي.

270- مسعود بن أبي منصور بن محمد بن الحسن [ (3)].

الأصبهانيّ أبو الحسن، الخيّاط المعروف بالجمّال.

ولد سنة ستّ و خمسمائة، و سمع من: أبي عليّ الحدّاد، و محمود بن إسماعيل الصّيرفيّ، و أبي نهشل عبد الصّمد العنبريّ، و الهيثم بن محمد المعدانيّ. و حضر أبا القاسم غانما البرجيّ، و حمزة بن العبّاس العلويّ.

و أجاز له عبد الغفّار الشّيروييّ.

و كان من بقايا أصحاب الحدّاد.

روى عنه: ابن خليل، و أبو موسى بن عبد الغنيّ، و محمد بن عمر العثمانيّ.

و أجاز لأحمد بن أبي الخير، و جماعة.

توفّي في الخامس و العشرين من شوّال.

271- مسلم بن عليّ بن محمد [ (4)].

____________

[ (1)] انظر عن (المبارك بن علي) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 335، 336 رقم 502، و إكمال الإكمال لابن نقطة (مادّة: بذال) ورقة 31، و المختصر المحتاج إليه 3/ 173 رقم 1142.

[ (2)] في المختصر المحتاج إليه.

[ (3)] انظر عن (مسعود بن أبي منصور) في: التقييد لابن نقطة 446 رقم 598، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 333 رقم 496، و العبر 4/ 288، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و سير أعلام النبلاء 21/ 268 رقم 141، و المعين في طبقات المحدّثين 182 رقم 1933، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 309 و فيه: «مسعود بن أبي مسعود»، و ذيل التقييد 2/ 278 رقم 1621، و النجوم الزاهرة 6/ 154، و شذرات الذهب 4/ 321.

[ (4)] انظر عن (مسلم بن علي) في: إكمال الإكمال، لابن نقطة (السيحي)، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 319 رقم 465، و المشتبه 1/ 350، و سير أعلام النبلاء 21/ 302، 303 رقم 159.

208

أبو منصور بن السّيحيّ [ (1)]، العدل الموصليّ.

حدّث عن: أبي البركات محمد بن محمد بن خميس، و هو آخر من حدّث عنه.

روى عنه: ابن خليل، و أبو محمد اليلدانيّ.

توفّي في منتصف المحرّم.

272- منصور بن أبي الحسن بن إسماعيل بن المظفّر [ (2)].

أبو الفضل المخزوميّ، الطّبريّ، الصّوفيّ، الواعظ.

ولد بآمل طبرستان، و نشأ بمرو، و تفقّه على الإمام أبي الحسن عليّ بن محمد المروزيّ.

و بنيسابور على محمد [ (3)] بن يحيى.

و كان مليح الكلام في المناظرة، ثمّ اشتغل بالوعظ و التّصوّف.

و سمع من: زاهر بن طاهر، و عبد الجبّار بن محمد الحواريّ، و عليّ بن محمد المروزيّ. و حدّث ببغداد و الشّام.

أخذ عنه: أبو بكر الحازميّ، و إلياس بن جامع، و ابن خليل، و أخوه إبراهيم، و الضّياء المقدسيّ، و التّاج بن أبي جعفر، و الشّهاب القوصيّ، و طائفة سواهم.

____________

[ (1)] في الأصل: «السحي»، و التصحيح من مصادر الترجمة. قال المنذري: السّيحي: بكسر السين و الحاء المهملتين بينهما ياء آخر الحروف.

[ (2)] انظر عن (منصور بن أبي الحسن) في: التقييد 453، 454 رقم 606، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 160 رقم 477، و تاريخ إربل 1/ 191 رقم 94، و تكملة إكمال الإكمال 134، و ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي 15/ 353، و التدوين في أخبار قزوين 4/ 116، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 309، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و العبر 4/ 288، و المعين في طبقات المحدّثين 182 رقم 1934، و المختصر المحتاج إليه 3/ 191، 192 رقم 1205، و تلخيص مجمع الآداب 4 ق 1 ص 36، و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 313، و لسان الميزان 6/ 92، و النجوم الزاهرة 6/ 54، و شذرات الذهب 4/ 321.

[ (3)] في الأصل: «و بنيسابور علي بن محمد» و هو وهم.

209

و روى عنه الأمير يعقوب بن محمد الهذبانيّ «مسند» أبي يعلى الموصليّ، سمعه منه بالموصل، و لقّبه القوصيّ بشهاب الدّين.

و نقلت من خطّه قال: حدّث بدمشق سنة اثنتين و تسعين «بصحيح مسلم»، و سمعته منه، عن الفراويّ.

و توقّف في أمره الحافظ بهاء الدّين القاسم بن عساكر، و امتنع جماعة لامتناعه.

و مولده بطبرستان سنة خمس عشرة و خمسمائة.

و قال ابن النّجّار: حدّث ببغداد، ثمّ سكن الموصل يحدّث و يدرّس. ثمّ انتقل إلى دمشق، فذكر لي رفيقنا عبد العزيز الشّيبانيّ أنّه سمع منه، و ادّعى أنّه سمع «صحيح مسلم» من الفراويّ. و كان معه خطّ مزوّر على خطّ الفراويّ.

و قال ابن نقطة [ (1)]: حدّثني عليّ بن القاسم بن عساكر قال: لمّا قرئ على الطّبريّ أوّل مجلس من «صحيح مسلم» بحكم الثّبت حضر شيخ الشّيوخ ابن حمّويه، و حضر أبي و أنا معه، فجاء ابن خليل الأدميّ و قال لأبي: هذا الثّبت ليس بصحيح، و أراه إيّاه. فامتنع أبي من الحضور و الجماعة، فغضب شيخ الشّيوخ أبو الحسن بن حمّويه و الصّوفيّة، و قرءوا عليه الكتاب [ (2)].

أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة عن منصور بن أبي الحسن الطّبريّ، أنا عبد الجبّار بن محمد بن أحمد: أنا أبو بكر البيهقيّ، أنا محمد بن يعقوب الفقيه بالطّابران، أنا أبو النّصر الفقيه: ثنا عثمان بن سعيد الدّارميّ، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيّوب: حدّثني يزيد بن الهاد، أنّ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عبد اللَّه بن أنيس قال:

كنّا بالبادية فقلنا: إن قدمنا بأهلينا شقّ علينا، و إن خلّفناهم أصابتهم ضيعة. فبعثوني، و كنت أصغرهم، إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فذكرت له قولهم، فأمرنا بليلة ثلاث و عشرين [ (3)].

____________

[ (1)] في التقييد 454.

[ (2)] المختصر المحتاج إليه 3/ 192.

[ (3)] الحديث بطوله رواه أبو داود في الصلاة، و النسائي في الاعتكاف. انظر: تحفة الأشراف 4/ 273 رقم 5143.

210

قال ابن الهاد: فكان محمد بن إبراهيم يجتهد تلك اللّيلة [ (1)].

توفّي في ثامن عشر ربيع الآخر بدمشق [ (2)].

- حرف النون-

273- نصر بن أبي المحاسن بن أبي الرشيد [ (3)].

أبو الخطّاب الأصبهانيّ، الصّوفيّ.

حدّث عن: أبي القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصّيدلانيّ.

و توفّي ببغداد.

____________

[ (1)] و قال ابن عبد البرّ في (الاستيعاب 2/ 259): و تعرف تلك الليلة بليلة الجهنيّ بالمدينة.

[ (2)] و قال الرافعي القزويني: ورد قزوين و سمع منه بها: «فضائل الأوقات» لأبي بكر البيهقي سنة تسع و ستين و خمسمائة. بروايته عن عبد الجبار الخواريّ، عن المصنّف. (التدوين).

و قال ابن نقطة: سمع ببغداد (سنن) البيهقي الصغير بقراءة ابن ناصر الحافظ في سنة خمس و عشرين و خمسمائة. و قال أبو الطاهر بن الأنماطي بدمشق إنهم وجدوا سماعه من مسند أبي يعلى الموصلي من زاهر، و أن سماعه في نسخة يوسف البندهي بدمشق.

و رأيت نسخة بأربعين حديثا من جمع أبي الفضل منصور بن أبي الحسن الطبري و عليها خطه و قد حدّث بها عن زاهر بن طاهر الشحامي، و ذكر أنه توفي في سنة سبع و عشرين، و إنما كانت وفاته في ربيع الآخر من سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة، و ما روي فيها- أعني الأربعين- عن الفراوي شيئا، و فيها أحاديث من «صحيح» مسلم قد رواها عن أبي عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخطيب الكشميهني، عن الفراوي، و لو كان قد سمعه من الفراوي كما زعم في آخره لما خرج عن رجل، عنه، و قد حدّث فيها بأسانيد فيها نظر، و صحّتها مستبعدة. (التقييد).

و قال ابن المستوفي: هو أبو الفضل بن أبي عبد اللَّه، المعروف بالدّيّني المخزومي ثم الطبري، كذا كتب لي نسبه بخطّه في إجازة لي. و حدّثني أبو الخير بدل ابن أبي المعمّر التبريزي أنه: منصور بن علي بن إسماعيل. و وجدت بخط إلياس بن جامع: «أبو الفضل منصور بن الحسن بن سعد بن المظفر بن الطبري المخزومي»، ورد إربل و نزل خانكاه أبي منصور قايماز، و سمع عليه الحديث بإربل، و أدركته بالموصل و لم يقدّر لي السماع عليه.

رحل إلى دمشق و أقام بها، فقيل إنه توفي بها.

كان رجلا صالحا عنده شي‏ء من فقه- كما قيل- سمع الكثير و عمّر حتى سمع عليه. و أخبرني بدل بن أبي المعمّر قال: أحبّ السماع عليه، فكان يقول: إنه سمع الكتاب جميعه، فإذا تفقد وجد سماعه على بعضه، فعل ذلك في مسند أبي يعلى الموصلي و غيره. (تاريخ إربل).

[ (3)] انظر عن (نصر بن أبي المحاسن) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 335 رقم 501.

211

- حرف الواو-

274- وهب بن لبّ بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن وهب بن نذير [ (1)].

أبو العطاء الفهريّ الأندلسيّ، الشّنتمريّ، نزيل بلنسية.

سمع من: أبيه أبي عيسى. و لزم أبا الوليد بن الدّبّاغ و أكثر عنه.

و تفقّه على أبي الحسن بن النّعمة. و أخذ القراءات عن أبي محمد بن سعدون الوشقي.

و كان فقيها، حافظا، مشاورا، مفتيا، مدرّسا، من أهل العلم و الذّكاء و الدّهاء.

أخذ عنه جماعة، و ولّي قضاء بلنسية و خطابتها، ثمّ صرف عن القضاء و بقي خطيبا.

توفّي في ذي الحجّة، و صلّى عليه ولده أبو عبد اللَّه، و عاش ثلاثا و ثمانين سنة. ذكره الأبّار.

- حرف الياء-

275- يحيى بن عبد الرحمن.

أبو بكر الأزديّ، الأندلسيّ، النّحويّ، المعروف بابن فضالة.

من علماء أوريولة. خطب ببلده و ناب في القضاء، قال التّجيبيّ: كان شيخي في اللّغة و العربيّة، و صحبته عدّة سنين و عرضت عليه كتبا كثيرة. و عمّر دهرا.

بقي إلى سنة خمس هذه.

276- يحيى بن عليّ بن الفضل بن هبة اللَّه بن بركة [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن (وهب بن لب) في: تكملة الصلة لابن الأبّار.

[ (2)] انظر عن (يحيى بن علي بن الفضل) في: الكامل في التاريخ 12/ 154 و فيه: «يحيى بن علي بن فضلان»، و ذيل الروضتين 15، و التقييد لابن نقطة 485، 486 رقم 660، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 330، 331 رقم 491، و تاريخ ابن الدبيثي 15/ 392، و الجامع المختصر 19/ 11- 13، و العبر 4/ 289، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 309، و المختصر المحتاج إليه 3/ 246، رقم 1353، و إنسان العيون، ورقة 179، و طبقات‏

212

العلّامة جمال الدّين أبو القاسم البغداديّ، الشّافعيّ، المعروف بابن فضلان.

ولد في آخر سنة خمس عشرة و خمسمائة.

و سمع: أبا غالب ابن البنّاء، و أبا القاسم بن السّمرقنديّ، و أبا الفضل الأرمويّ، و غيرهم.

و كان اسمه واثق، و كذا هو في الطّباق، و لكن غلب عليه يحيى و اختاره هو. و كان إماما بارعا في علم الخلاف، مشارا إليه في جودة النّظر.

تفقّه على أبي منصور الرّزّاز، و ارتحل إلى صاحب الغزاليّ محمد بن يحيى مرّتين، و علّق عنه.

و ظهر فضله، و اشتهر اسمه، و انتفع به خلق.

و سمع أيضا بنيسابور من: أبي يحيى، و عمر بن أحمد الصّفّار الفقيه، و أبي الأسعد هبة الرحمن بن القشيريّ، و إسماعيل بن عبد الرحمن العصائديّ.

و كان حسن الأخلاق، سهل القياد، حلو العبارة، يقظا، لبيبا، نبيها، وجيها. درّس ببغداد بمدرسة دار الذّهب و غيرها.

و أعاد له الدّرس الإمام أبو عليّ يحيى بن الربيع.

روى عنه: ابن خليل في حروف الواو، و أبو عبد اللَّه الدّبيثيّ، و جماعة.

و توفّي في تاسع عشر شعبان.

قال الموفّق عبد اللّطيف: ارتحل ابن فضلان إلى محمد بن يحيى مرّتين، و سقط في الطّريق فانكسرت ذراعه، و صارت كفخذه، فالتجأ إلى قرية، و أدّته الضّرورة إلى قطعها من المرفق، و عمل محضرا بأنّها لم تقطع في‏

____________

[ ()] الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 320 (7/ 322، 323)، و طبقات الشافعية للإسنويّ 2/ 279، 280، و طبقات الشافعية لابن كثير، ورقة 151 ب، 152 أ، و البداية و النهاية 13/ 21، و مرآة الجنان 3/ 479، و العسجد المسبوك 2/ 254، و عقد الجمان 17/ ورقة 239، 240، و العقد المذهب، ورقة 74، و النجوم الزاهرة 6/ 153، و معجم الشافعية لابن عبد الهادي، ورقة 100، و الفلاكة و المفلوكين 20، و شذرات الذهب 4/ 321، و الأعلام 9/ 198.

213

ريبة. فلمّا قدم بغداد و ناظر المجير، و كان كثيرا ما ينقطع في يد المجير، فقال له المجير: يسافر أحدهم في قطع الطّريق، و يدّعي أنّه كان يشتغل.

فأخرج ابن فضلان المحضر ثمّ شنّع على المجير بالفلسفة.

و كان ابن فضلان ظريف المناظرة، له نغمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه بوزن مطرب أنيق، يقف على أواخر الكلمات خوفا من اللّحن. و كان يداعبني كثيرا.

و رمي بالفالج في آخر عمره، (رحمه اللَّه تعالى).

277- يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ [ (1)].

الملقّب بالمنصور، أمير المؤمنين أبو يوسف، سلطان المغرب القيسيّ المرّاكشيّ، و أمّه أمّ ولد روميّة اسمها سحر [ (2)].

بويع في حياة والده بأمره بذلك عند موته، فملك و عمره يومئذ اثنتان و ثلاثون سنة. و كان صافي السّمرة إلى الطّول ما هو، جميل الوجه، أعين، أفوه، أقنى، أكحل، مستدير اللّحية، ضخم الشّكل، جهوريّ الصّوت، جزل‏

____________

[ (1)] انظر عن (يعقوب بن يوسف) في: الكامل في التاريخ 12/ 145- 147، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 464- 468، و الروضتين 2/ 174، و ذيل الروضتين 16، و وفيات الأعيان 7/ 3- 19، و المعجب 336 و ما بعدها، و الحلل الموشّية 121، و آثار البلاد و أخبار العباد 112، و روض القرطاس 160، و أعمال الأعلام 269، و الجامع المختصر 9/ 8، و البيان المغرب 3/ 140- 211، و الاستقصاء 2/ 158، و تاريخ الدولتين 10، و جذوة الاقتباس 348، و الأنيس المطرب 153، و نفح الطيب (انظر فهرس الأعلام)، و الدر المطلوب 127، و شرح رقم الحلل 191، 200- 202، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و سير أعلام النبلاء 21/ 311- 319 رقم 166، و المختار من تاريخ ابن الجزري 64- 71، و دول الإسلام 2/ 77، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و مآثر الإنافة 2/ 73، و المختصر في أخبار البشر 3/ 97، و تاريخ ابن الوردي 2/ 114، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 166- 168، و الروض المعطار 27، 82، 127، 136، 163، 174، 175، 200، 201، 342، 343، 347، 354، 390، 414، 415، 469، 479، 487، 521، 541، 568، 578، 579، و النجوم الزاهرة 6/ 137، و نظم الجمان 96، و الحلّة السيراء 2/ 178، 193، و البداية و النهاية 13/ 19، و شذرات الذهب 4/ 421- 423.

[ (2)] في (المعجب): «ساحر».

214

الألفاظ، صادق اللّهجة، كثير الإصابة بالظّنّ و الفراسة، ذا خبرة بالخير و الشّرّ. ولّي الوزارة لأبيه، فبحث عن الأمور، و كشف أحوال العمّال و الولاة.

و كان له من الولد: محمد وليّ عهده، و إبراهيم، و موسى، و عبد اللَّه، و عبد العزيز، و أبو بكر، و زكريّا، و إدريس، و عيسى، و صالح، و عثمان، و يونس، و سعد، و ساعد، و الحسن، و الحسين، فهؤلاء الّذين عاشوا بعده. و له عدّة بنات.

و وزر له عمر بن أبي زيد الهنتانيّ إلى أن مات، ثمّ أبو بكر بن عبد اللَّه بن الشّيخ عمر إينتي، ثمّ ابن عمّ هذا محمد بن أبي بكر. ثمّ هرب محمد هذا و تزهّد و لبس عباءة، ثمّ وزر له أبو زيد عبد الرحمن بن موسى الهنتانيّ، و بقي بعده وزيرا لابنه مديدة.

و كتب له أبو الفضل بن محشوّة، ثمّ بعده أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الرحمن بن عيّاش الكاتب البليغ الّذي بقي إلى سنة تسع عشرة و ستّمائة.

و كتب أيضا لولده من بعده.

و قضى له أبو جعفر أحمد بن مضاء، و بعده أبو عبد اللَّه بن أبي مروان الوهرانيّ، ثمّ عزله بأبي القاسم أحمد بن محمد بن بقيّ.

و لمّا بويع كان له من إخوته و عمومته منافسون و مزاحمون لا يرونه أهلا للإمارة لما كانوا يعرفون من سوء صباه، فلقي منهم شدّة، ثمّ عبر البحر بعساكره حتّى نزل مدينة سلا، و بها تمّت بيعته، لأنّ بعض أعمامه تلكّأ، فأنعم عليهم، و ملأ أيديهم أموالا لها خطر. ثمّ شرع في بناء المدينة العظمى الّتي على البحر و النّهر من العدوة، و هي تلي مرّاكش. و كان أبوه قد اختطّها و رسمها، فشرع هو في بنائها إلى أن تمّت أسوارها، و بنى فيها جامعا عظيما إلى الغاية، و عمل له منارة في نهاية العلوّ على هيئة منارة الإسكندريّة، لكن لم يتمّ هذا الجامع لأنّ العمل بطل منه بموته. و أمّا المدينة فتمّت، و طولها نحو من فرسخ، لكنّ عرضها قليل بالنّسبة. ثمّ سار بعد أن تهيّأت فنزل مرّاكش.

215

و في أوّل ملكه، و ذلك في سنة ثمانين، خرج عليه صاحب ميورقة [ (1)] الملك المعروف بابن غانية، و هو عليّ بن إسحاق بن محمد بن عليّ بن غانية، فسار في البحر بجيوشه، و قصد مدينة بجاية، فملكها و أخرج من بها من الموحّدين في شعبان من السّنة. و هذا أوّل اختلال وقع في دولة الموحّدين [ (2)].

و أقام ابن غانية ببجاية سبعة أيّام، و صلّى فيها الجمعة، و أقام الخطبة للإمام النّاصر لدين اللَّه العبّاسيّ، و كان خطيبه يومئذ الإمام أبو محمد عبد الحقّ الأزديّ مصنّف الإحكام. فأحنق ذلك المنصور أبا يوسف، و رام قتل عبد الحقّ، فعصمه اللَّه و توفّاه قريبا.

ثمّ سار ابن غانية بعد أن أسّس أموره ببجاية، و نازل قلعة بني حمّاد فملكها، و ملك تلك النّواحي، فتجهّز المنصور لحربه بجيوشه، فتقهقر ابن غانية، و قصد بلاد الجريد، فلمّا وصل المنصور إلى بجّاية تلقّاه أهلها، فصفح عنهم، و جهّز جيشا مع ابن عمّه يعقوب بن عمر، و نزل هو تونس، فالتقى يعقوب و ابن غانية، فانهزم الموحّدون انهزاما منكرا، و تبعهم جيش ابن غانية من العرب و البربر يقتلونهم في كلّ وجه، و هلك كثير منهم عطشا، و رجع من سلم إلى تونس. فلمّ المنصور شعثهم، ثمّ سار بنفسه و عمل مع ابن غانية مصافّا، فانكسر أصحاب ابن غانية، و ثبت هو، و بيّن إلى أن أثخن جراحا، ففرّ بنفسه متماسكا، و مات في خيمة أعرابيّة [ (3)]. ثمّ إنّ جنده قدّموا عليهم أخاه يحيى، و لحقوا بالصّحراء فكانوا بها مع تلك العربان إلى أن رجع المنصور إلى مرّاكش.

و انتقض أهل قفصة في هذه المدّة، و دعوا لبني غانية، فنزل عليها المنصور، فحاصرها أشدّ الحصار، و افتتحها عنوة، و قتل أهلها قتلا ذريعا.

فقيل إنّه ذبح أكثرهم صبرا، و هدم أسوارها، و رجع إلى المغرب [ (4)].

____________

[ (1)] في الأصل: «ميرقة».

[ (2)] الروض المعطار 568.

[ (3)] المعجب 349.

[ (4)] الروض المعطار 568، المعجب 349.

216

و أمّا يحيى بن غانية فإنّه بعث أخاه أبا محمد عبد اللَّه إلى ميورقة فاستقلّ بها، إلى أن دخلها عليه الموحّدون قبل السّتّمائة. و بقي يحيى بإفريقية يظهر مرّة و يخمد أخرى، و له أخبار يطول شرحها.

و في غيبة المنصور عن مرّاكش طمع عمّاه في الأمر، و هما سليمان و عمر، فأسرع المنصور و لم يتمّ لهما ما راماه، فتلقّياه و ترجّلا له، فقبض عليهما، و قيّدهما في الحال، فلمّا دخل مرّاكش قتلهما صبرا، فهابه جميع القرابة و خافوه.

ثمّ أظهر بعد ذلك زهدا و تقشّفا و خشونة عيش و ملبس، و عظم صيت العبّاد و الصّالحين في زمانه، و كذلك أهل الحديث، و ارتفعت منزلتهم عنده فكان يسألهم الدعاء. و انقطع في أيّامه علم الفروع، و خاف منه الفقهاء، و أمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرّد ما فيها من الحديث، فأحرق منها جملة في سائر بلاده، «كالمدوّنة»، و «كتاب ابن يونس»، و «نوادر ابن أبي زيد»، و «التّهذيب» للبرادعيّ، و «الواضحة» لابن حبيب.

قال محيي الدّين عبد الواحد بن عليّ المرّاكشيّ في كتاب «المعجب» [ (1)] له: و لقد كنت بفاس، فشهدت يؤتى بالأحمال منها فتوضع و يطلق فيها النّار.

قال: و تقدّم إلى النّاس بترك الفقه و الاشتغال بالرأي و الخوض فيه، و توعّد على ذلك، و أمر من عنده من المحدّثين بجمع أحاديث من المصنّفات العشرة و هي: «الموطّأ»، و الكتب الخمسة، و «مسند أبي بكر بن أبي شيبة»، و «مسند البزّار»، و «سنن الدّار الدّارقطنيّ»، «و سنن البيهقيّ» في الصّلاة و ما يتعلّق بها، على نحو الأحاديث الّتي جمعها ابن تومرت في الطّهارة.

فجمعوا ذلك، فكان يمليه بنفسه على النّاس، و يأخذهم بحفظه. و انتشر هذا المجموع في جميع المغرب و حفظه خلق. و كان يجعل لمن حفظه عطاء و خلعة.

و كان قصده في الجملة محو مذهب مالك رضي اللَّه عنه و إزالته من‏

____________

[ (1)] ص 354.

217

المغرب. و حمل النّاس على الظّاهر من القرآن و السّنّة. و هذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه و جدّه، إلّا أنهما لم يظهراه، و أظهره هو.

أخبرني غير واحد ممّن لقي الحافظ أبا بكر بن الجدّانة أنّه أخبرهم قال:

دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف أوّل دخلة دخلتها عليه، فوجدت بين يديه «كتاب ابن يونس»، فقال لي: يا أبا بكر أنا انظر في هذه الآراء المتشعّبة الّتي أحدثت في دين اللَّه. أ رأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال، و خمسة أقوال، أو أكثر في أيّ هذه الأقوال الحقّ؟ و أيّها يجب أن يأخذ به المقلّد؟

فافتتحت أبيّن له، فقال لي، و قطع كلامي: يا أبا بكر ليس إلّا هذا، و أشار إلى المصحف، أو هذا، و أشار إلى «سنن أبي داود»، أو السّيف.

قال عبد الواحد: و ظهر في أيّام أبي يوسف يعقوب ما خفي في أيّام أبيه و جدّه، و نال عنده طلبة العلم و الحديث ما لم ينالوا في أيّام أبويه، و انتهى أمره إلى أن قال يوما بحضرة كافّة الموحّدين: يا معشر الموحّدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته و هؤلاء، يعني الطّلبة، لا قبيل لهم إلّا أنا، فمهما نابهم أمر فأنا ملجأهم. فعظموا عند ذلك في أعين الموحّدين، و بالغوا في احترامهم.

و في سنة خمس و ثمانين قصد بطرو بن الريق لعنه اللَّه مدينة شلب فنالها فأخذها، فتجهّز المنصور أبو يوسف في جيوش عظيمة، و عبر البحر، و نزل على شلب، فلم يطق الفرنج دفاعه، و هربوا منها، و تسلّمها. و لم يكفه ذلك حتّى أخذ لهم حصنا، و رجع فمرض بمرّاكش مرضا عظيما، و تكلّم أخوه أبو يحيى في الملك، و دعا إلى نفسه، فلمّا عوفي قتله صبرا، و قال: و إنّما أقتلك‏

بقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الأحدث منهما».

تولّى قتله أخوه عبد الرحمن بمحضر من النّاس. ثمّ تهدّد القرابة و أهانهم، فلم يزالوا في خمول، و قد كانوا قبل ذلك لا فرق بينهم و بين الخليفة سوى نفوذ العلامة [ (1)].

____________

[ (1)] المعجب 356- 358.

218

و في سنة تسعين انتقض ما بينه و بين الأذفنش [ (1)] من العهد، و عاثت الفرنج في الأندلس، فتجهّز أبو يوسف و أخذ في العبور، فعبر في جمادى الآخرة سنة إحدى و تسعين، و نزل بإشبيليّة، فعرض جيوشه، و قسم الأموال، و قصد العدوّ المخذول، فتجهّز الأذفنش في جموع ضخمة، فالتقوا بفحص الحديد، و كان الأذفنش قد جمع جموعا لم يجتمع له مثلها قطّ، فلمّا تراءى الجمعان اشتدّ خوف الموحّدين، و أمير المؤمنين يعقوب في ذلك كلّه لا مستند له إلّا الدّعاء، و الاستعانة بكلّ من يظنّ أنّه صالح، فتواقعوا في ثالث شعبان، فنصر اللَّه الإسلام، و منح أكتاف الروم، حتّى لم ينج الفنش، إلّا في نحو من ثلاثين نفسا من وجوه أصحابه. و استشهد يومئذ جماعة من الأعيان، منهم الوزير أبو بكر ابن عبد اللَّه ابن الشّيخ عمر اينتي، و أتى أبو يوسف قلعة رباح و قد هرب أهلها، فدخلها و جعل كنيستها مسجدا و استولى على ما حول طليطلة من الحصون، و ردّ إلى إشبيلية.

ثمّ قصد الروم من إشبيلية في سنة اثنتين و تسعين، فنزل على مدينة طليطلة بجيوشه، فقطع أشجارها، و أنكى في الروم نكاية بيّنة و رجع. ثمّ عاد في المرّة الثالثة، و توغّل في بلاد الروم، و وصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين، و رجع، فأرسل الأدفنش يطلب المهادنة، فهادنه عشر سنين، و عبر بعد هذا إلى مرّاكش في سنة أربع و تسعين.

قال: و بلغني عن غير واحد أنّه صرّح للموحّدين بالرحلة إلى المشرق، و جعل يذكر لهم البلاد المصريّة و ما فيها من المناكير و البدع و يقول: نحن إن شاء اللَّه مطهّروها. و لم يزل هذا عزمه إلى أن مات في صدر سنة خمس.

و كان في جميع أيّامه مؤثرا للعدل بحسب طاقته، و بما يقتضيه إقليمه و الأمّة الّتي هو فيها.

و كان يتولّى الإمامة بنفسه في الصّلوات الخمس أشهرا إلى أن أبطأ يوما

____________

[ (1)] يقال: «الأذفنش» و «الأدفنش»، و «الفنش». و هو «ألفونس الثامن» ملك قشتالة.

219

عن العصر حتّى كادت تفوت، فخرج و أوسعهم لوما و قال: ما أرى صلاتكم إلّا لنا، و إلّا فما منعكم أن تقدّموا رجلا؟ فقد قدّم أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصّلاة، و هو (عليه السلام) غائب، أما لكم أسوة؟ فكان ذلك سببا لقطعه الإمامة [ (1)].

و كان يقعد للنّاس عامّة لا يحجب عنه أحد، حتّى اختصم إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما و أمر بضربهما قليلا، و قال: أما كان في البلد حكّام قد نصبوا لهذا.

ثمّ بعد هذا بقي يقعد في أيّام مخصوصة. و استعمل على القضاء أبا القاسم بن بقيّ، فشرط عليه بأن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا و هو من وراء ستر.

و كان يدخل إليه أمناء الأسواق في الشّهر مرّتين، فيسألهم عن أسواقهم، و أسعارهم، و حكّامهم. و كان إذا وفد عليه أهل بلد سألهم عن ولاتهم و قضاتهم، فإذا أثنوا خيرا قال: اعلموا بأنّكم مسئولون عن هذه الشّهادة يوم القيامة. و ربّما تلا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ [ (2)].

قال: و بلغني أنّه تصدّق سنة إحدى و تسعين قبل خروجه إلى الغزوة بأربعين ألف دينار. و كان كلّما دخلت السّنة أمر أن تكتب له الأيتام و المنقطعون، فيجمعون إلى عند قصره، فيختنون، و يأمر لكلّ صبيّ منهم بمثقال، و ثوب، و رغيف، و رمّانة. هذا كلّه شهدته [ (3)].

و بنى بمرّاكش بيمارستانا ما أظنّ في الدّنيا مثله، أجرى فيه مياها كثيرة، و غرس فيه من جميع الأشجار، و زخرفه، و أمر له من الفرش بما يزيد على الوصف. و أجرى له ثلاثين دينارا كلّ يوم برسم الأدوية. و كان كلّ جمعة يعود فيه المرضى و يقول: كيف حالكم؟ كيف القومة عليكم؟.

____________

[ (1)] المعجب 361.

[ (2)] سورة المائدة، الآية 8.

[ (3)] القول لعبد الواحد المراكشي في (المعجب) 364.

220

و في سنة نيّف و ثمانين ورد عليه من مصر قراغش التّقويّ، فتى تقيّ الدّين عمر ابن أخي السّلطان الملك النّاصر، و الأمير شعبان، و القاضي عماد الدّين في جماعة، فأكرمهم و أقطعهم، حتّى أقطع رجلا من أهل إربل يعرف بأحمد الحاجب مواضع، و أقطع شعبان بالأندلس قرى تغلّ في السّنة نحوا من تسعة آلاف دينار، سوى ما قرّر لهم من الجامكيّة [ (1)].

و أخبرني أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم بن مطرّف بمكّة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العبّاس اشهد لي بين يدي اللَّه أنّي لا أقول بالعصمة، يعني عصمة ابن تومرت.

و قال لي، و قد استأذنته في فعل: متى نفتقر إلى وجود الإمام؟ يا أبا العبّاس أين الإمام، أين الإمام؟

أخبرني أبو بكر بن هانئ الجيّانيّ قال: لمّا رجع أمير المؤمنين من غزوته تلقّيناه، فسألني عن أحوال البلد و قضاته و ولاته، فلمّا فرغت من جوابه سألني: ما قرأت من العلم؟ فقلت: قرأت تواليف الإمام، أعني ابن تومرت، فنظر إليّ نظرة المغضب و قال: ما هكذا يقول الطّالب، إنّما حكمك أن تقول: قرأت كتاب اللَّه، و قرأت شيئا من السّنّة، ثمّ بعد هذا قل ما شئت [ (2)].

و قال تاج الدّين عبد السّلام بن حمّويه الصّوفيّ: دخلت مرّاكش في أيّام السّيّد الإمام أبي يوسف يعقوب، و لقد كانت الدّولة بسيادته مجمّلة، و المحاسن و الفضائل في أيّامه مكمّلة، يقصده العلماء لفضله، و الأغنياء لعدله، و الفقراء لبذله، و الغزاة لكثرة جهاده، و الصلحاء و العامّة لتكثير سواده و زيادة إمداده، و الزّهّاد لإرادته و حسن اعتقاده. كما قال فيه بعض الشّعراء:

أهل لأن يسعى إليه و يرتجى‏* * * و يزار من أقصى البلاد على الوجا

____________

[ (1)] المعجب 365، 366.

[ (2)] المعجب 369.

221

ملك غدا بالمكرمات مقلّدا* * * و موشّحا و مختما و متوّجا

عمرت مقامات الملوك بذكره‏* * * و تعطّرت منه الرّياح تأرّجا

وجد الوجود و قد دجا فأضاءه‏* * * و رآه في الكرب العظام ففرّجا

و لمّا قدمت عليه أكرم مقدمي، و أعذب في مشارعه موردي، و أنجح في حسن الإقبال و القبول مقصدي، و قرّر لي الرّتبة و الرّاتب، و عيّن أوقات الدّخول إلى مجلسه بغير مانع و لا حاجب. و كانت أكثر مجالسة المرتبة بحضور العلماء و الفضلاء، يفتتح في ذلك بقراءة القرآن، ثمّ يقرأ بين يديه قدر ورقتين أو ثلاث من الأحاديث النّبويّة. و ربّما وقع البحث في معانيها، ثمّ يختم المجلس بالدّعاء، فيدعو هو. و كذا كان يدعو عند نزوله من الركوب.

ثمّ ينزل فيدخل قصره.

و الّذي أعلمه من حاله أنّه كان يجيد حفظ القرآن، و كان يحفظ متون الأحاديث، و يتكلّم في الفقه و الأحكام كلاما بليغا، و يناظر و يباحث. و كان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى و المشكلات و له فتاو مجموعة. و كانوا ينسبونه إلى مذهب الظّاهر و الحكم بالنّصوص.

و كان فصيح العبارة، مهيبا، ملحوظ الإشارة، مع تمام الخلقة و حسن الصّورة و طلاقة البشر، لا يرى منه اكفهرار، و لا له عن مجالسه إعراض و لا ازورار. يدخل عليه الدّاخل فيراه بزيّ الزّهّاد و العلماء، و عليه جلالة الملوك.

و قد صنّف كتاب «التّرغيب» في الأحاديث الّتي في العبادات، فمن فتاويه: حضانة الولد للأمّ ثمّ للأب ثمّ للجدّة.

اليمين على المنكر و لا ترد على المدّعي بحال، من نكل عن اليمين حكم عليه بما نكل عنه، الشّفعة لا تنقطع إلّا بتصريح من الّذي يجب له إسقاطها، من ادّعى العدم و أشكل أمره، خيّر طالبه بين أن يخلى سبيله، و بين أن يحبسه و ينفق عليه.

و له شعر جيّد، و موشّحات مشهورة.

222

و بلغني أنّ قوما أتوه بفيل هديّة من بلاد السّودان، فوصلهم و لم يقبل الفيل، و قال: لا نريد أن نكون أصحاب الفيل. و قيل بل جرى ذلك لوالده يوسف.

ثمّ ذكر فصلا فيه طول في كرمه و عدله و خيره، إلى أن قال: فإذا كان عشر ذي الحجّة أمر ولاة الزّكاة بإحضارها، فيفرّقها في الأصناف الثّمانية.

حدّثني بعض عمّالهم أنّه فرّق في عيد، سنة أربع و تسعين، ثلاثا و سبعين ألف رأس من معز و ضأن. ثمّ ذكر أنّه عمل مكتبا كبيرا فيه جماعة عرفاء و غيرهم، و يجري عليهم النّفقات و الكسوة للصّبيان، فسألت واحدا فقال: نحن عشرة معلّمين، و الصّبيان يزيدون على الألف، و قد ينقصون.

و كان يكسو الفقراء في العام، و يختن أولادهم، و يعطي الصّبيّ دينارا [ (1)].

قال عبد الواحد [ (2)]: و كان مهتمّا بأمر البناء، لم يخل وقت من قصر يستجدّه، أو مدينة يعمرها. و زاد في مرّاكش زيادة كبيرة. و أمر أن تميّز اليهود بلباس ثياب كحليّة و أكمام مفرطة في الطّول و السّعة، تصل إلى قريب أقدامهم، و بدلا من العمائم كلوتات على أشنع صور، كأنّها البراذع، تبلغ إلى تحت آذانهم و شاع هذا الزّيّ فيهم. و بقوا إلى أن توسّلوا إلى ابنه بعده بكلّ وسيلة و شفاعة، فأمرهم ابنه بثياب صفر، و عمائم صفر، فهم على ذلك إلى وقتنا، و هو سنة إحدى و عشرين و ستّمائة.

فائدة

ذكر تاج الدّين بن حمّويه أنّه سأل ابن عطيّة الكاتب، ما بال هذه البلاد، يعني المغرب، ليس فيها أحد من أهل الذّمّة و لا كنائس و لا بيع؟ فقال: هذه الدّولة قامت على رهبة و خشونة. و كان المهديّ قد قال لأصحابه: إنّ هؤلاء الملثّمين مبتدعة و مجسّمة مشبّهة كفرة يجوز قتلهم و سبيهم بعد أن يعرضوا

____________

[ (1)] في المعجب 382.

[ (2)] في المعجب 383.

223

على الإيمان. فلمّا فعل ذلك، و استولوا على السّلاطين، بعد موت المهديّ، و فتح عبد المؤمن مرّاكش، أحضر اليهود و النّصارى و قال: أ لستم قد أنكرتم، يعني أوائلكم، بعثة النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و دفعتم أن يكون هو الرسول الموعود به في كتابكم، و قلتم إنّ الّذي يأتي إنّما يأتي لتأييد شريعتنا و تقرير ملّتنا؟ قالوا:

نعم. قال: فأين منتظركم إذا؟ سيّما و قد زعمتم أنّه لا يتجاوز خمسمائة عام.

و هذه خمسمائة عام قد انتقضت لملّتنا، و لم يأت منكم بشير و لا نذير. و نحن لا نقرّكم [ (1)] على كفركم، و لا لنا حاجة بجزيتكم، فإمّا الإسلام، و إمّا القتل.

ثمّ أجّلهم مدّة لتخفيف أثقالهم، و بيع أملاكهم، و النّزوح عن بلاده.

فأمّا أكثر اليهود، فإنّهم أظهروا الإسلام تقيّة، فأقاموا على أموالهم، و أمّا النّصارى فدخلوا إلى الأندلس، و لم يسلم منهم إلّا القليل. و خربت الكنائس و الصّوامع بجميع المملكة، فليس فيها مشرك و لا كافر يتظاهر بكفره إلى بعد السّتّمائة، و هو حين انفصالي عن المغرب.

قال عبد الواحد [ (2)]: و إنّما حمل أبا يوسف على ما صنعه بهم، يعني بالملثّمين، شكّه في إسلامهم. و كان يقول: لو صحّ عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بنا في أنكحتهم و أمورهم. و لو صحّ عندي كفرهم لقتلتهم، و لكنّني متردّد فيهم، و لم ينعقد عندنا ذمّة ليهوديّ و لا نصرانيّ منذ قام أمر المصامدة، و لا في جميع بلاد المغرب بيعة و لا كنيسة، إنّما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، و يصلّون في المساجد، و يقرءون أولادهم القرآن جارين على ملّتنا و سنّتنا، و اللَّه أعلم بما تكنّ صدورهم.

قلت: ما ينبغي أن يسمّى هؤلاء يهود أبدا بل هم مسلمون.

محنة ابن رشد

و سببها أنّه أخذ في شرح كتاب «الحيوان» لأرسطوطاليس فهذّبه، و قال‏

____________

[ (1)] في الأصل: «لا نقرّنا».

[ (2)] في المعجب 383.

224

فيه عند ذكر الزّرافة: رأيتها عند ملك البربر. كذا غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملك من التّعظيم، فكان هذا ممّا أحنقهم عليه، و لم يظهروه.

ثمّ إنّ قوما ممّن يناوئه بقرطبة و يدّعي معه الكفاءة في البيت و الحشمة سعوا به عند أبي يوسف بأن أخذوا بعض تلك التّلاخيص، فوجدوا فيه بخطّه حاكيا عن بعض الفلاسفة قد ظهر أنّ الزّهرة أحد الآلهة. فأوقفوا أبا يوسف على هذا، فاستدعاه بمحضر من الكبار بقرطبة، فقال له: أخطّك هذا؟

فأنكر، فقال: لعن اللَّه كاتبه، و أمر الحاضرين بلعنه، ثمّ أمر بإخراجه مهانا.

و بإبعاده و إبعاد من يتكلّم في شي‏ء من هذه العلوم، و بالوعيد الشّديد. و كتب إلى البلاد بالتّقدّم إلى النّاس في تركها، و بإحراق كتب الفلسفة، سوى الطّبّ، و الحساب، و المواقيت. ثمّ لمّا رجع إلى مرّاكش نزع عن ذلك كلّه، و جنح إلى تعلّم الفلسفة، و استدعى ابن رشد للإحسان إليه، فحضر و مرض، و مات في آخر سنة أربع.

و توفّي أبو يوسف في غرّة صفر، و ولي بعده وليّ عهده ابنه أبو عبد اللَّه محمد، و كان قد جعله في سنة ستّ و ثمانين وليّ العهد، و له عشر سنين إذ ذاك.

و قال الموفّق أحمد بن أبي أصيبعة في «تاريخه»: حدّثني أبو مروان الباجيّ قال: ثمّ إنّ المنصور نقم على أبي الوليد، و أمر بأن يقيم في بلد اليسّانة، و أن لا يخرج منها، و نقم على جماعة من الأعيان، و أمر بأن يكون في مواضع أخر لأنّهم مشتغلون بعلوم الأوائل. و الجماعة أبو الوليد، و أبو جعفر الذّهبيّ، و محمد بن إبراهيم قاضي بجّاية، و أبو الربيع الكفيف، و أبو العبّاس الشّاعر القرابيّ. ثمّ إنّ جماعة شهدوا لأبي الوليد أنّه على غير ما نسب إليه، فرضي عنه و عن الجماعة، و جعل أبا جعفر الذّهبيّ مزوارا للأطبّاء و الطّلبة.

و ممّا كان في قلب المنصور من أبي الوليد أنّه كان إذا تكلّم معه يخاطبه بأن يقول: تسمع يا أخي.

قلت: و اعتذر عن قوله ملك البربر بأن قال: إنّما كتبت ملك البرّين، و إنّما صحّفها القارئ.

225

و قال الإمام أبو شامة: و فيها توفّي خليفة المغرب أبو يوسف الّذي كسر الفنش. و كان قد قام بالملك بعد أبيه أحسن قيام، و نشر كلمة التّوحيد و رفع راية الجهاد، و أمر بالمعروف، و نهى عن المنكر، و أقام الحدود على أقربائه و غيرهم.

و كان سمحا، جوادا، عادلا، مكرما للعلماء، متمسّكا بالشّرع. يصلّي بالنّاس الصّلوات الخمس، و يلبس الصّوف، و يقف للمرأة و الضّعيف. أوصى عند الموت إلى ولده أبي عبد اللَّه، و أن يدفن على قارعة الطّريق ليترحّم عليه.

توفّي في ربيع الأوّل و مدّه ملكه خمس عشرة سنة.

كتب إليه الملك صلاح الدّين يستنجده على الفرنج، و لم يخاطبه في الكتاب بأمير المؤمنين، فلم يجبه إلى ما طلب.

و قال أحمد بن أبي أصيبعة في ترجمة الغزال أنّه لازم الحفيد أبا بكر بن زهر حتّى برع في الطّبّ و خدم المنصور. و كان المنصور قد أبطل الخمر، و شدّد في أن لا يؤتى بشي‏ء منه، أو يكون عند أحد. ثمّ بعد مدّة قال المنصور لأبي جعفر بن الغزال: أريد أن تركّب لي ترياقا. فجمع حوائجه، فأعوزه الخمر، فأعلم المنصور فقال: تطلّبه من كلّ ناحية فلعلّ تقع عند أحد. فتطلّبه حتّى يئس، فقال المنصور: و اللَّه ما كان قصدي بعمل التّرياق إلّا لأعتبر هل بقي عند أحد خمر أم لا.

قلت: و هذا من أحسن التّلطّف في كشف الأمور الباطنة.

و بلغني أنّ الأدفنش لمّا بعث إلى أبي يوسف يتهدّده و يطلب منه بعض الحصون، و كانت المكاتبة من إنشاء وزيره ابن الفخّار و هي: باسمك اللَّهمّ فاطر السّماوات و الأرض، و صلّى اللَّه على السّيّد المسيح، روح اللَّه و كلمته الرسول الفصيح [ (1)]، أمّا بعد، فلا يخفى [ (2)] على ذي ذهن ثاقب، و لا عقل‏

____________

[ (1)] في مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 446 «و صلى اللَّه على السيد عيسى بن مريم الفصيح»، و المثبت يتفق مع: المختار من تاريخ ابن الجزري 65.

[ (2)] في المرآة: «أيها الأمير إنه لا يخفى».

226

لازب [ (1)]، أنّك أمير الملّة الحنيفيّة، كما أنا أمير الملّة النّصرانيّة، و قد علمت ما عليه نوّابك من رؤساء الأندلس من التّخاذل و التّواكل [ (2)]، و إهمال أمر الرعيّة، و إخلادهم إلى الراحة. و أن أسومهم القهر، فأخلي الدّيار، و أسبي الذراريّ، و أقتل الرجال [ (3)]، و لا عذر لك في التّخلّف عنهم و عن نصرهم إذ أمكنتك يد القدرة، و أنتم تزعمون أنّ اللَّه فرض عليكم قتال عشرة منّا بواحد منكم، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [ (4)]، و نحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منّا، لا تستطيعون دفاعا، و لا تملكون امتناعا.

و قد حكي [ (5)] عنك أنّك أخذت في الاحتفال [ (6)]، و أشرفت على ربوة القتال، و تماطل نفسك عاما بعد عام، تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى، فلا أدري، الجبن بطّأ بك أم التّكذيب بما وعدك ربّك. ثمّ قيل لي إنّك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا لعلّة لا يسوغ لك التّقحّم معها. و ها أنا أقول لك ما فيه الراحة [ (7)]، و أعتذر لك و عنك على أن تفي بالعهود و المواثيق، و كثرة الرهائن، و ترسل إليّ جملة من عبيدك [ (8)] بالمراكب و الشّواني، فأجوز بحملتي إليك، و أقاتلك في أعزّ الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك، و هديّة عظيمة مثلت بين يديك، و إن كانت لي كانت يدي العليا عليك، و استحققت إمارة الملّتين، و الحكم في البرّين. [ (9)].

فلمّا وصل كتابه إلى أبي يوسف مزّقه و قطّعه، و كتب على قطعة منه:

____________

[ (1)] في المرآة: «على ذي عقل لازب».

[ (2)] في المرآة: «الكامل».

[ (3)] في المرآة: «الشباب».

[ (4)] اقتباس من سورة الأنفال، الآية 66.

[ (5)] في الكامل في التاريخ 12/ 113 «حكي لي عنك».

[ (6)] في المرآة ج 8 ق 2/ 447 «الاحتيال».

[ (7)] في المرآة: «و توجه إلى جملة من المراكب لأعبر إليك».

[ (8)] في المرآة: «أن تتوجه بجملة من عندك».

[ (9)] في المرآة: «و التقدم على الفئتين».

227

ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ‏ [ (1)]. الجواب ما ترى لا ما تسمع.

و هذا البيت، و هو للمتنبّي:

و لا كتب إلّا المشرفيّة عندنا* * * و لا رسل إلّا الخميس العرمرم [ (2)]

ثمّ استنفر النّاس، و جمع الجيوش، فكانوا مائة ألف في الدّيوان، و مائة ألف مطوّعة، و سار إلى زقاق سبتة، فعدّى منه إلى الأندلس، و طلب الأدفنش، فكان المصافّ عند قلعة رباح شماليّ قرطبة، ففتح اللَّه و نصر، و كانت ملحمة هائلة قلّ أن وقع مثلها في الإسلام. قيل إنّه حصل منها لبيت المال من دروعهم ستّون ألف درع. و أمّا الدّوابّ فلم يحصر لها عدد.

و ذكر ابن الأثير في «الكامل» [ (3)]، أنّ عدد من قتل من الفرنج مائة ألف و ستّة و أربعون ألفا، و قتل من المسلمين نحو من عشرين ألفا، و أسر من الفرنج ثلاثة عشر ألفا، و غنم المسلمون منهم شيئا عظيما، فمن الخيام مائة ألف و ثلاثة و أربعون ألفا، و من الخيل ستّة و أربعون ألفا، و من البغال مائة ألف، و من الحمير مائة ألف. و نادى يعقوب: من غنم شيئا فهو له سوى السّلاح.

ثمّ إنّه سار إلى طليطلة فحاصرها، و أخذ أعمالها، و ترك الفرنج في أسوأ حال، و رجع إلى إشبيلية، فأقام إلى أثناء سنة ثلاث و تسعين، فعاد و أغار و سبى، و لم يبق للفرنج قدرة على ملتقاه، فالتمسوا الصّلح، فأجابهم لما اتّصل إليه من أخبار ابن غانية الميورقيّ الّذي استولى و خرج عليه في سنة ثمانين، و هو عليّ بن إسحاق الملثّم، و قام بعده أخوه يحيى بن إسحاق، فاستولى على بلاد إفريقية، و استفحل أمره، فهادن أبو يوسف الفرنج خمسة أعوام، و عاد إلى مرّاكش، و شرع في عمل الأحواض و الروايا و الآلات للبرّيّة ليتوجّه إلى إفريقية، و دخل مدينة سلا متنزّها، و كان قد بنى بقرب سلا مدينة

____________

[ (1)] سورة النمل، الآية 37.

[ (2)] ديوان المتنبي، بشرح البرقوقي 4/ 7.

[ (3)] ج 12/ 115.

228

على هيئة الإسكندريّة سمّاها رباط الفتح، ثمّ عاد إلى مرّاكش.

و بعد هذا فقد اختلفت الأقوال في أمره، فقيل إنّه ترك ما كان فيه، و تجرّد و ساح في الأرض حتّى انتهى إلى بلاد المشرق مختفيا، و مات خاملا، حتّى قيل إنّه مات ببعلبكّ، و هذا القول خرافة.

و منهم من قال: رجع إلى مرّاكش و توفّي بها.

و قيل: مات بسلا.

و كان مولده في ربيع الأوّل سنة أربع و خمسين، و عاش إحدى و أربعين سنة.

و كان قد أفتى و أمر برفض فروع الفقه، و أن لا يفتي العلماء إلّا بالكتاب و السّنّة، و أن يجتهدوا، يعني على طريقة أهل الظّاهر.

قال القاضي شمس الدّين ابن خلّكان [ (1)]: لقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب و صلوا إلينا إلى البلاد و هم على تلك الطّريقة، مثل أبي الخطّاب بن دحية، و أخيه عمرو [ (2)]، و الشّيخ محيي الدّين ابن العربيّ.

و كان قد عظم ملكه، و اتّسعت دائرة سلطنته، و إليه تنسب الدّنانير اليعقوبيّة [ (3)].

قال ابن خلّكان [ (4)]: و حكى لي جمع كثير بدمشق في سنة ثمانين و ستّمائة أنّ بالقرب من المجدل بالبقاع قرية يقال لها حمّارة، إلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، و كلّ أهل تلك النّواحي متّفقون على ذلك. و بين القبر و بين المجدل نحو فرسخين.

____________

[ (1)] في وفيات الأعيان 7/ 11.

[ (2)] في وفيات الأعيان 7/ 11 «و أخيه أبي عمر».

[ (3)] وفيات الأعيان 7/ 12.

[ (4)] في وفيات الأعيان 7/ 10.

229

قلت: الأصحّ موته بالمغرب.

توفّي في غرّة جمادى الأولى، و قيل في ربيع الآخر، و قيل في صفر كما تقدّم.

و فيها، في أوّلها ولد: فخر الدّين عليّ بن البخاريّ، و في ذي القعدة عليّ بن محمود بن نبهان الرّبعيّ، و أحمد بن هبة اللَّه بن أحمد الكهفيّ، و محمد بن الحسين بن عتيق بن رشيق المالكيّ، و الموفّق محمد بن عمر ابن بنت الأبّار.

و فيها، تقريبا، أمين الدّين القاسم بن أبي بكر الإربليّ التّاجر.

230

سنة ست و تسعين و خمسمائة

- حرف الألف-

278- أحمد بن عليّ بن أبي بكر عتيق بن إسماعيل [ (1)].

الإمام أبو جعفر القرطبيّ، الفنكيّ، الشّافعيّ، المقرئ، نزيل دمشق، و إمام الكلّاسة.

ولد بقرطبة سنة ثمان و عشرين و خمسمائة، و سمع بها من أبي الوليد يوسف بن عبد العزيز بن الدّبّاغ الحافط، بقراءة أبيه، «الموطّأ»، بسماعه من الخولانيّ.

و قرأ القراءات على أبي بكر محمد بن جعفر بن صاف، ثمّ حجّ و دخل الموصل، فقرأ بها القراءات على يحيى بن سعد القرطبيّ.

و سمع الكثير بدمشق من: أبي القاسم بن عساكر، و من: أبي نصر عبد الرحيم اليوسفيّ، و يحيى الثّقفيّ، و طائفة.

و نسخ الكثير بخطّه المغربيّ الحلو، و كان صالحا، خيّرا، عابدا، قانتا، وليّا للَّه، إماما في القراءات، مجوّدا لمعرفتها.

____________

[ (1)] انظر عن (أحمد بن علي) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 361، 362 رقم 545، و تكملة الصلة لابن الأبّار 1/ 90، 91، و ذيل الروضتين 17، و الذيل و التكملة لكتابي الموصول و الصلة ج 1 ق 1/ 311- 313، و العبر 4/ 291، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و المعين في طبقات المحدّثين 185 رقم 1971، و معرفة القراء الكبار 2/ 576، 577 رقم 533، و سير أعلام النبلاء 21/ 303، 304 رقم 160، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و الوافي بالوفيات 7/ 205 رقم 3151، و طبقات الشافعية لابن كثير، ورقة 146 ب، و العقد المذهب، ورقة 161، و المقفى الكبير 1/ 529، 530 رقم 516، و غاية النهاية 2/ 205، و عقد الجمان 17/ ورقة 247، و النجوم الزاهرة 6/ 158، و ديوان الإسلام 2/ 72، 73 رقم 661، و شذرات الذهب 4/ 323.

231

روى عنه: ولداه تاج الدّين محمد، و إسماعيل، و ابن خليل، و الشّهاب القوصيّ، و جماعة.

و أجاز لشيخنا ابن أبي الخير.

توفّي في سابع عشر رمضان بدمشق.

و فنك: قرية أو قليعة من أعمال قرطبة.

أقرأ القراءات، و كان قيّما بها، و كتب الكثير منها.

279- أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى [ (1)].

أبو العبّاس الدّارقزّيّ، المعروف بابن البخيل.

سمع: أبا المواهب بن ملوك، و أبا غالب بن البنّاء، و القاضي أبا بكر، و غيرهم.

روى عنه: النّجيب عبد اللّطيف.

و أجاز لابن أبي الخير، و أبي الحسن عليّ بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاريّ، تنكّس من داره فمات في تاسع ذي القعدة، (رحمه اللَّه تعالى).

280- إبراهيم بن منصور بن المسلّم [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن (أحمد بن محمد بن أحمد) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 364 رقم 550، و المعين في طبقات المحدّثين 183 رقم 1945، و سير أعلام النبلاء 21/ 335 دون ترجمة، و المختصر المحتاج إليه 1/ 208، 209، و توضيح المشتبه 1/ 380.

[ (2)] انظر عن (إبراهيم بن منصور) في: وفيات الأعيان 1/ 33 رقم 7، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 355، 356 رقم 532، و تكملة إكمال الإكمال 296، و طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح 1/ 320 رقم 91، و العبر 4/ 291، و سير أعلام النبلاء 21/ 304، 305 رقم 161، و مرآة الجنان 3/ 484، و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 201 (7/ 37- 39)، و طبقات الشافعية للإسنويّ 2/ 221- 222، و طبقات الشافعية لابن كثير، ورقة 146 ب، و طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2/ 356، 357 رقم 322، و الوافي بالوفيات 6/ 151 رقم 2896، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 182- 184، و السلوك ج 1 ق 1/ 153، و المقفى الكبير 1/ 322، 323 رقم 383، و حسن المحاضرة 1/ 190، و كشف الظنون 1912، و شذرات الذهب 4/ 223، و سلّم الوصول لحاجّي خليفة، ورقة 35، و الأعلام 1/ 70، و معجم المؤلفين 1/ 116.

232

الفقيه العلّامة أبو إسحاق المصريّ، الخطيب المعروف بالعراقيّ.

ولد بمصر سنة عشر و خمسمائة، و رحل إلى بغداد فتفقّه بها حتّى برع في مذهب الشّافعيّ، و لإقامته ببغداد سمّاه المصريّون العراقيّ. و عاد إلى مصر فولّي خطابة جامعها العتيق و التّصدّر، و شرح «المهذّب» [ (1)] لأبي إسحاق، و انتفع به الطّلبة، و تفقّه به جماعة من الفضلاء.

و قد تفقّه ببغداد على أبي بكر محمد بن الحسين الأرمويّ تلميذ الشّيخ أبي إسحاق الشّيرازيّ. ثمّ تفقّه على أبي الحسن محمد بن الخلّ.

و تفقّه بمصر على القاضي أبي المعالي مجلّي بن جميع. و خرج له عدّة تلامذة.

و هو جدّ شيخنا العلم العراقيّ لأمّه. و كان على سداد و أمر جميل.

توفّي في الحادي و العشرين من جمادى الأولى، و ما أظنّه روى شيئا.

281- إسماعيل بن صالح بن ياسين بن عمران [ (2)].

الرجل الصّالح أبو الطّاهر ابن المقرئ العالم أبي التّقيّ الشّارعيّ [ (3)]، الشّفيقيّ، بفاء ثمّ قاف، نسبة إلى خدمة شفيق الملك، المصريّ البنّاء الجبليّ، نسبة إلى سكنى جبل مصر.

ولد سنة أربع عشرة و خمسمائة. و سمع بمصر من أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن الحطّاب الرازيّ، بإفادة الزّاهد المعروف بالرّدينيّ.

و كان آخر من حدّث بمصر عن الرّازيّ.

____________

[ (1)] قال ابن الصلاح إنه في عشر مجلّدات، رأيته. (طبقات الفقهاء الشافعية).

[ (2)] انظر عن (إسماعيل بن صالح) في: إكمال الإكمال لابن نقطة، (الظاهرية) ورقة 66، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 367، 368 رقم 557، و تكملة إكمال الكمال 225، و العبر 4/ 291، و المعين في طبقات المحدّثين 182 رقم 1937، و سير أعلام النبلاء 21/ 269، 270 رقم 143، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و النجوم الزاهرة 6/ 158، و شذرات الذهب 4/ 323.

[ (3)] الشارعي: منسوب إلى الشارع، الموضع المشهور ظاهر القاهرة.

233

روى عنه: الحافظ عبد الغنيّ، و الحافظ الضّياء، و الشّهاب القوصيّ، و المجد عيسى بن الموفّق، و عبد اللَّه بن الشّيخ أبي عمر، و محمد بن البهاء عبد الرحمن، و الرضى إسماعيل، و يوسف بن خليل، و الزّين أحمد بن عبد الملك، و يونس بن خليل أخو يوسف، و أبو الحسن السّخاويّ، و أبو عمرو بن الحاجب، و إسماعيل بن ظفر، و أبو طالب محمد بن عبد اللَّه بن صابر، و المعين أحمد بن عليّ بن يوسف الدّمشقيّ ثمّ المصريّ، و عبد اللَّه بن عبد الواحد بن علّاق، و الرشيد يحيى بن عليّ العطّار، و إسماعيل بن عزّون، و خلق آخرهم ابن علّاق.

و توفّي في ثاني عشر ذي الحجّة، (رحمه اللَّه).

282- إسماعيل بن عبد الدّائم [ (1)].

أبو منصور الرحبيّ، ثمّ البغداديّ المقرئ الخيّاط.

حدّث عن: أبي محمد سبط الخيّاط.

و توفّي في ربيع الأوّل.

283- أصبة المستنجديّ.

الأمير.

ولّي نيابة واسط مديدة.

- حرف التاء-

284- تكش خوارزم شاه [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن (إسماعيل بن عبد الدائم) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 348 رقم 522، و تاريخ.

ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 271، و المختصر المحتاج إليه 1/ 241.

[ (2)] انظر عن (تكش) في: الكامل في التاريخ 12/ 156- 158، و سيرة السلطان جلال الدين للنسوي (في مواضع كثيرة)، و تاريخ الزمان 232، و تاريخ مختصر الدول 225، و نهاية الأرب 27/ 205، و ذيل الروضتين 17، و المختصر في أخبار البشر 3/ 98، 99، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 471، 472 و 668- 671، و الدر المطلوب 535، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 362 رقم 546، و ذيل مرآة الزمان 1/ 17، و المختار من تاريخ ابن الجزري‏

234

السّلطان علاء الدّين بن الملك رسلان شاه بن أطسز، كذا نسبه الإمام أبو شامة [ (1)]، و قال: هو من ولد طاهر بن الحسين.

قال: و كان شجاعا جوادا، ملك الدّنيا من السّند و الهند و ما وراء النّهر، إلى خراسان، إلى بغداد، فإنّه كان نوّابه في حلوان. و كان في ديوانه مائة ألف مقاتل. و هو الّذي كسر مملوكه عسكر الخليفة و أزال دولة بني سلجوق.

و كان حاذقا بعلم الموسيقى. لم يكن أحد ألعب منه بالعود.

قيل إنّ الباطنيّة جهّزوا عليه من يقتله، و كان يحترس كثيرا، فجلس ليلة يلعب بالعود، فاتّفق أنّه غنيّ بيتا بالعجميّ معناه: قد أبصرتك، و فهمه الباطنيّ، فخاف و ارتعد فهرب، فأخذوه و حمل إليه، فقرّره فاعترف فقتله.

و كان يباشر الحروب بنفسه، و ذهبت عينه في القتال. و كان قد عزم على قصد بغداد، و حشد فوصل إلى دهستان فتوفّي بها في رمضان، و حمل إلى خوارزم، و دفن عند أهله، و قام بعده ولده خوارزم شاه محمد، و لقّب علاء الدّين بلقبه.

و أنبأني ابن البزوريّ قال: السّلطان خوارزم شاه تكش ملك مشهور، عنده آداب و فضائل، و معرفة بمذهب أبي حنيفة، و بنى مدرسة بخوارزم للحنفيّة. و له المقامات المشهورة في رضى الدّيوان، منها محاربة السّلطان طغريل و قتله.

____________

[ ()] 74، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و دول الإسلام 2/ 105، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و سير أعلام النبلاء 21/ 330- 332 رقم 174، و تاريخ ابن الوردي 2/ 116، و العبر 4/ 292، و إنسان العيون، ورقة 103، و البداية و النهاية 13/ 22، 23، و مرآة الجنان 3/ 485، و الوافي بالوفيات 13/ 428، 429 رقم 516، و طبقات الشافعية الكبرى 1/ 330- 332، و تاريخ ابن الفرات/ 4 ق 2/ 192، و الشعور بالعور، ورقة 139- 141، و عقد الجمان 17/ ورقة 247- 251، و مآثر الإنافة 2/ 58، و الجامع المختصر 9/ 24، 25، و النجوم الزاهرة 6/ 155، و العسجد المسبوك 2/ 255، 256، و تاريخ ابن سباط 1/ 231، و أخبار الدول 276، و دائرة المعارف الإسلامية 9/ 3- 17، و الطبقات السنية 1/ ورقة 670، و شذرات الذهب 4/ 324.

[ (1)] في ذيل الروضتين 17.

235

وقع بينه و بين الوزير مؤيّد الدّين محمد بن القصّاب خلف، و كان قد نفّذ له تشريف من الدّيوان فردّه، ثمّ ثاب إليه عقله و ندم و اعتذر، و طلب تشريفا، فنفّذ له فلبسه، و لم يزل نافذ الأمر ماضي الحكم.

توفّي في العشرين من رمضان بشهرستانه، و حمله ولده قطب الدّين محمد فدفنه بمدرسته بخوارزم.

و ذكر المنذريّ [ (1)] وفاته في سابع عشر رمضان.

و قال ابن الأثير [ (2)]: حصل له خوانيق فأشير عليه بترك الحركة، فامتنع و سار، فاشتدّ مرضه و مات. و ولّي بعده قطب الدّين محمد، و لقّب بلقب والده علاء الدّين.

- حرف الجيم-

285- جابر بن محمد بن نامي [ (3)].

أبو أيوب الحضرميّ الإشبيليّ، النّحويّ.

سمع «البخاريّ» و «الموطّأ» من أبي الحسن شريح. و أخذ العربيّة عن:

أبي القاسم بن الدماك، و أبي الحسن بن مسلم.

و عني بها و تحقّق بمعرفتها، و جلس لإقرائها عن اتّساع باع فيها و اطّلاع على معانيها.

و كان يعرف «كتاب» سيبويه. أقرأ القراءات و عاش نيّفا و ثمانين سنة و توفّي سنة ستّ. و قيل: سنة سبع و تسعين.

286- جعفر بن غريب [ (4)].

____________

[ (1)] في التكملة لوفيات النقلة 1/ 362.

[ (2)] في الكامل 12/ 158.

[ (3)] انظر عن (جابر بن محمد) في: بغية الملتمس للضبيّ 1/ 248، و الوافي بالوفيات 11/ 33 رقم 61 و فيه: «باقي»، و هو تحريف، و بغية الوعاة 1/ 484.

[ (4)] انظر عن (جعفر بن غريب) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 344 رقم 514، و تاريخ ابن‏

236

أبو عبد اللَّه العراقيّ.

حدّث عن: أبي الفتح الكرّوخيّ، و ابن ناصر.

و توفّي في المحرّم.

- حرف الحاء-

287- الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد اللَّه [ (1)].

أبو عليّ الفارسيّ، ثمّ البغداديّ، الصّوفيّ، الصّالح. من صوفيّة رباط الزّوزنيّ.

كان صالحا عابدا، خيّرا. ولد سنة سبع عشر و خمسمائة.

و سمع: هبة اللَّه بن الطّبر، و أبا السّعود أحمد بن المجلّي، و أبا بكر الأنصاريّ، و جماعة.

روى عنه: الدّبيثي و أثنى عليه، و ابن خليل، و اليلدانيّ، و آخرون.

و أمّا:

- الحسن بن مسلم الفارسيّ الزّاهد فقد مات قبل هذا، و ذكرناه [ (2)].

توفّي هذا في الثّالث و العشرين من شعبان.

288- الحسن بن عليّ بن نصر بن عقل [ (3)].

____________

[ ()] الدبيثي (باريس 5921) ورقة 295.

[ (1)] انظر عن (الحسن بن عبد الرحمن) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 360 رقم 542، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 7، و سير أعلام النبلاء 21/ 335 دون ترجمة، و المختصر المحتاج إليه 1/ 282.

[ (2)] في وفيات سنة 594 ه. برقم (183).

[ (3)] انظر عن (الحسن بن علي) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 359، 360 رقم 541، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922 ورقة 11، 12، و ذيل الروضتين 19، و المختصر المحتاج إليه 2/ 18، رقم 581، و فوات الوفيات 1/ 243، و الوافي بالوفيات 12/ 129، 130 رقم 106، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 192، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 474، 475، و البداية و النهاية 13/ 24، و النجوم الزاهرة 6/ 158، و أعيان الشيعة الطبعة الجديدة) 5/ 215.

237

أبو عليّ العبديّ، الواسطيّ، ثمّ البغداديّ، الأديب الشّاعر [ (1)]، المنعوت بالهمام.

مدح طائفة بالشّام و العراق، و أقام بدمشق. و كان شاعرا محسنا.

ذكره العماد في «الخريدة» و قال: مدح السلطان صلاح الدّين.

قال ابن الدّبيثيّ [ (2)]: و كان شيعيّا اكتسب بالشّعر، و مدح الأكابر.

قلت: روى عنه القوصيّ قصيدة، و قال: اتّصل بخدمة الأمجد ببعلبكّ.

و قال المنذريّ [ (3)]: توفّي في العشرين من شعبان.

289- الحسن بن عليّ بن أبي سالم المعمّر بن عبد الملك [ (4)].

____________

[ (1)] و من شعره:

ألا قل لناعي الفضل أقصر فإنني‏* * * تيقّنت حقّا أن نعيك باطل‏

إذا كان محيي الدين في الدست جالسا* * * فما مات في الدنيا من الناس فاضل‏

و من شعره:

ذمّا معي قلبي و ليالي في الهوى‏* * * فكلاهما بالطّيف نمّ و أخبرا

ذا أيقظ الرقباء فرط و جيبه‏* * * بين الضلوع و ذاك أشرق إذ سرى‏

و منه قوله:

أين من ينشد قلبا* * * ضاع يوم البين منّي‏

تاه لما راح يقفو* * * أثر الظّبي الأغنّ‏

سكن البيد فعلمي‏* * * فيهما لا رجم ظنّ‏

إنّ هذا في لظى حزن‏* * * و ذا في روض حزن‏

نح معي شوقا إلى‏* * * البانة يا ورقا و غنّ‏

كلّنا قد علّم الحبّ‏* * * بنا عاشق غصن‏

و من شعره:

و ما الناس إلا كامل الحظ ناقص‏* * * و آخر منهم ناقص الحظّ كامل‏

و إني كمثر في حياء و عفّة* * * و إن لم يكن عندي من المال طائل‏

و ذكر محسن الأمين أن له مقصورة علوية كما في «الطليعة» تناهز الخمسمائة بيت.

[ (2)] في المختصر المحتاج إليه.

[ (3)] في التكملة.

[ (4)] انظر عن (الحسن بن علي) في: معجم الأدباء 3/ 164- 179، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 363 رقم 547، و المقفى الكبير 3/ 426 رقم 1199، و تاريخ ابن الفرات ج 4 ق 2/ 184، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 12، و تلخيص مجمع الآداب‏

238

أبو البدر الإسكافيّ [ (1)]، ثمّ البغداديّ، نزيل القاهرة.

قرأ النّحو على أبي محمد بن الخشّاب، و خدم في الجهات الدّيوانيّة بالعراق.

و كان أديبا فاضلا. روى شيئا من شعره [ (2)]، و عاش نيّفا و ستّين سنة.

و يعرف بابن ناهوج.

290- الحسن بن أبي البركات محمد بن عليّ بن طوق [ (3)].

أبو عليّ الموصليّ، ثمّ البغداديّ.

تفقّه في صباه بالنّظاميّة، و سمع من: أبي الوقت.

توفّي في شوّال [ (4)].

291- الحسن بن محمد بن أبي القاسم علي بن إبراهيم [ (5)].

أبو منصور الشّيرازيّ الأصل، البغداديّ الصّوفيّ.

____________

[ ()] 4/ رقم 88، و الروض الناضر في أخبار الإمام الناصر لابن الساعي، و فيه وفاته 599 ه.

و المختصر المحتاج إليه 2/ 19، رقم 583، و بغية الوعاة 1/ 514.

[ (1)] نسبة إلى إسكاف بني الجنيد، قرية من قرى بغداد تعرف بالعلياء، و هي بكسر الهمزة و سكون السين المهملة.

[ (2)] و منه:

ألا قل لجيران الصفا داعي‏* * * التفرّق أعمى يوم راح مناديا

لعمري لقد ودّعت يوم وداعكم‏* * * بشعب المنقّى شعبة من فؤاديا

[ (3)] انظر عن (الحسن بن أبي البركات) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 364 رقم 548. و تاريخ ابن الدبيثي (باريس) ورقة 15، و الوافي بالوفيات 12/ 234 رقم 213، و الجامع المختصر 9/ 35، 36، و تلخيص مجمع الآداب 5/ رقم 127.

[ (4)] تفقّه للشافعي، و تأدّب، و قال الشعر، و تولّى النظر في العقار الخاص، و ديوان التركات، ثم عزل، و لزم بيته إلى أن مات.

و كان سيّئ الطريقة، مذموم السيرة، ردي‏ء الأفعال، و كان مليح الشيبة، حسن الوجه، نظيفا ظريفا لبّاسا متنعّما، و كان لا يتجاسر على الظهور من بيته بعد عزله. و كان مع جنازته حرّاس و أعوان يحفظونها من العوامّ، فقال مجنون: خرّب اللَّه بيوتهم، هلّا حفظوه بعد دفنه من الزبانية!

[ (5)] انظر عن (الحسن بن محمد) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 366 رقم 555، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5921) ورقة 15، 16.

239

روى عن: أبي القاسم بن البنّاء، و أبي الوقت. و كان كاتبا ثمّ تصوّف و خدم الفقراء.

توفّي ليلة عرفة.

292- حمّاد بن مزيد بن خليفة [ (1)].

أبو الفوارس.

قرأ القراءات على: عليّ بن عساكر البطائحيّ.

و أقرأ، و أمّ بالنّاس مدّة.

توفّي في شعبان.

293- حمزة بن سلمان بن جروان بن الحسين [ (2)].

أبو يعلى الماكسينيّ [ (3)] الأصل، البغداديّ الشّعيريّ [ (4)]، البورانيّ [ (5)]، النّجّار.

حدّث عن: أبي بكر الأنصاريّ، و أبي البدر الكرخيّ.

روى عنه: أبو عبد اللَّه الدّبيثيّ، و بالإجازة ابن أبي الخير، و غيره.

و مات في نصف ربيع الآخر.

____________

[ (1)] انظر عن (حمّاد بن مزيد) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 358 رقم 539، و تلخيص مجمع الآداب ج 4 ق 3/ 162 رقم 2082، و الجامع المختصر 9/ 32، و المختصر المحتاج إليه 2/ 50، 51 رقم 636، و نكت الهميان 148، و الوافي بالوفيات 13/ 153 رقم 167، و غاية النهاية 1/ 259 رقم 1175.

[ (2)] انظر عن (حمزة بن سلمان) في: إكمال الإكمال لابن نقطة (الظاهرية) ورقة 75، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 352، 353 رقم 528، و المختصر المحتاج إليه 2/ 49 رقم 634، و توضيح المشتبه 1/ 644.

[ (3)] الماكسيني: نسبة إلى ماكسين (بكسر الكاف و السين المهملة) بلدة قريبة من رحبة طوق بن مالك.

[ (4)] الشعيري: منسوب إلى درب الشعير محلّة بغربيّ بغداد.

[ (5)] البوراني: بضم الباء الموحّدة و سكون الواو و فتح الراء المهملة و بعد الألف نون. نسبة إلى عمل البواري التي تبسط و يجلس عليها، تعمل من الحلفاء و القصب، و يقال لمن يعملها ببغداد: بوراني، و بوراوي.

240

- حرف الخاء-

294- خطلبا بن سوتكين.

الأمير.

ولي قلعة تكريت، ثمّ شحنكيّة البصرة.

و كان فيه دين و خير.

295- خليل بن أبي الرجاء بدر بن أبي الفتح ثابت بن روح بن محمد ابن عبد الواحد [ (1)].

أبو سعيد الأصبهانيّ، الرّارانيّ، الصّوفيّ.

شيخ معمّر عالي الرّواية. ولد سنة خمسمائة.

و سمع: أبا عليّ الحدّاد، و محمد بن عبد الواحد الدّقّاق، و محمود بن إسماعيل الصّيرفيّ، و جعفر بن عبد الواحد الثّقفيّ.

روى عنه: أبو موسى عبد اللَّه بن عبد الغنيّ، و يوسف بن خليل، و ابنه محمد بن خليل، و عبد العزيز بن عليّ الواعظ، و ليلة البدر بنت محمد بن خليل الرّازيّ، و آخرون.

و أجاز لابن أبي الخير، و غيره.

و توفّي في الخامس و العشرين من ربيع الآخر.

و كان من مريدي الشّريف حمزة بن العبّاس العلويّ. و كان شيخ الشّيوخ بأصبهان في زمانه، أعني أبا سعيد، و لبس منه الخرقة خلق كثير.

و قيل بل مولده سنة اثنتين و خمسمائة.

____________

[ (1)] انظر عن (خليل بن أبي الرجاء) في: إكمال الإكمال لابن نقطة (الظاهرية) (الراراني)، و التقييد 262، 263 رقم 323، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 354 رقم 530، و العبر 4/ 291، و المعين في طبقات المحدّثين 182 رقم 1935، و سير أعلام النبلاء 21/ 269 رقم 142، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و المشتبه 1/ 296، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و النجوم الزاهرة 6/ 158، و شذرات الذهب 4/ 323.

241

- حرف الدال-

296- داود بن سليمان بن أحمد بن نظام الملك [ (1)].

أبو عليّ الطّوسيّ الأصل، الأصبهانيّ.

ولد سنة ثمان عشرة و خمسمائة.

و سمع: جعفر بن عبد الواحد، و فاطمة الجوزدانيّة، و خجسته بنت عليّ بن أبي ذرّ الصّالحانيّة، و سعيد بن أبي الرجاء، و الحسين بن عبد الملك.

و قدم بغداد مرارا.

و سمع من: أبي منصور الرار الفقيه.

روى عنه: أبو عبد اللَّه الدّبيثيّ، و ابن خليل، و جماعة.

و أجاز لابن أبي الخير.

و توفّي بأصبهان، و كان بهيّا، متواضعا، جليلا.

مات في نصف شوّال.

- حرف السين-

297- سعيد بن عبد المنعم بن كليب [ (2)].

سمع من: ابن ناصر.

و لم يرو.

298- سعيد بن المبارك بن أحمد بن صدقة [ (3)].

أبو البدر الحمّاميّ.

روى عن: ابن ناصر، و أبي الوقت.

____________

[ (1)] انظر عن (داود بن سليمان) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 373 رقم 566، و المختصر المحتاج إليه 2/ 60 رقم 650، و الوافي بالوفيات 13/ 466 رقم 566.

[ (2)] انظر عن (سعيد بن عبد المنعم) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 358 رقم 537، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 66، و المختصر المحتاج إليه 2/ 90 رقم 696.

[ (3)] انظر عن (سعيد بن المبارك) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 354 رقم 529، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 66.

242

و الحمّامي بالتّشديد و التّخفيف، قاله المنذريّ.

299- سنقر الطّويل النّاصريّ.

فلك الدّين.

كان ذا قرب من الإمام النّاصر.

ألحقه بالزّعماء و جعله من كبار الأمراء، و أقطعه تكريت و دقوقا.

توفّي في ربيع الأوّل.

- حرف الشين-

300- شاكر بن فضائل بن مسلم [ (1)].

أبو حامد بن طليب الحربيّ.

روى عن: سعيد بن البنّاء.

و عنه: ابن خليل.

ورّخه المنذريّ بلا شهر.

- حرف الصاد-

301- صدقة بن نصر بن زهير بن مقلّد [ (2)].

أبو الحسن الحرّانيّ الأصل البغداديّ.

سمع من: أبي نصر الحسن بن محمد اليونارتيّ [ (3)].

ذكره الدّبيثيّ و قال: ما أعلمه حدّث.

و توفّي في جمادى الأولى.

____________

[ (1)] انظر عن (شاكر بن فضائل) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 373 رقم 565، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 79.

[ (2)] انظر عن (صدقة بن نصر) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 355 رقم 531، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 84، و المختصر المحتاج إليه 2/ 111، 112 رقم 738.

[ (3)] اليونارتي: بضم الياء و سكون الواو و فتح النون و سكون الألف و الراء في آخرها تاء فوقها نقطتان. هذه النسبة إلى: يونارت، و هي قرية على باب أصبهان.

243

- حرف الطاء-

302- طاهر بن نصر اللَّه بن جهبل [ (1)].

الشّيخ مجد الدّين الكلابيّ، الحلبيّ، الفقيه الشّافعيّ، الفرضيّ.

مدرّس مدرسة القدس.

توفّي بالقدس، و كان فقيها إماما فاضلا، عاش أكثر من ستّين سنة، و هو والد الفقهاء الّذين كانوا بدمشق بهاء الدّين نصر اللَّه، و تاج الدّين إسماعيل، و قطب الدّين.

- حرف العين-

303- عبد اللَّه بن محمد بن سليمان.

أبو محمد بن الشّكّاك الفاسيّ، المالكيّ.

و حجّ و سمع من: السّلفيّ.

و دخل الأندلس فأخذ عن أبي القاسم بن ورد.

حدّث عنه: يعيش بن النّديم، و أبو الحسن القطّان.

و عاش بضعا و تسعين سنة.

و كان معمّرا معدّلا.

304- عبد اللَّه بن المستنجد باللَّه بن المقتفي.

الأمير أبو القاسم.

توفّي في هذه السّنة.

305- عبد اللَّه بن ملد بن المبارك بن الحسين ابن النشّال.

____________

[ (1)] انظر عن (طاهر بن نصر اللَّه) في: ذيل الروضتين 17، و وفيات الأعيان 6/ 272 و 7/ 343، و العبر 4/ 292، و طبقات الشافعية لابن كثير (مخطوط) ورقة 147 ب، و البداية و النهاية 13/ 23، و طبقات الشافعية للإسنويّ 1/ 371، 372، و مرآة الجنان 3/ 485، و الوافي بالوفيات 16/ 411 رقم 449. و شذرات الذهب 4/ 324، و الدارس في تاريخ المدارس 1/ 230، و الأنس الجليل 2/ 102، 103.

244

أبو طالب العبّاسيّ، نقيب النّقباء بالعراق.

عزل من نقابته، و أحدر إلى واسط فحبس بها إلى أن توفّي في شوّال.

306- عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن بن سعد اللَّه بن قنان [ (1)].

البغداديّ الكاتب.

سمع: أباه، و شهدة.

و توفّي شابا في ذي الحجّة.

307- عبد الرّحيم بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرّج بن أحمد [ (2)].

____________

[ (1)] انظر عن (عبد الرحيم بن عبد الرحمن) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 371 رقم 560، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 134، و الجامع المختصر 9/ 38.

[ (2)] انظر عن (عبد الرحيم بن علي) في: النوادر السلطانية (في مواضع كثيرة)، و النكت العصرية 53، 79، و الكامل في التاريخ 12/ 159، و خريدة القصر (قسم شعراء مصر) 1/ 35- 54. و معجم البلدان 1/ 788، 789، و المشترك وضعا 76، و مرآة الزمان 8/ 473، و ذيل الروضتين 17، و بدائع البدائه 4، 16، 270، 276، 396، 397، 403، 404، و مفرّج الكروب 3/ 109، 110، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 351، 352 رقم 526، و وفيات الأعيان 3/ 158- 163 رقم 374، و الجامع المختصر لابن الساعي 9/ 28، 29، و المختصر في أخبار البشر 3/ 98، و نهاية الأرب 8/ 1- 51، و المشترك وضعا 76، و دول الإسلام 2/ 105، و المعين في طبقات المحدّثين 182 رقم 1939، و سير أعلام النبلاء 21/ 338- 344 رقم 179، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و المختار من تاريخ ابن الجزري 74، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و العبر 4/ 293، و تاريخ ابن الوردي 2/ 115، 116، و مسالك الأبصار (دولة المماليك الأولى) 86، 89، 146، 147، 177، 193، 195، 212، و البداية و النهاية 13/ 24- 26، و الدرّ المطلوب 141- 146، و مرآة الجنان 3/ 485- 487، و تاريخ ابن خلدون 5/ 337، و العقد الثمين 5/ 422- 428، و السلوك ج 1 ق 1/ 153 و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 253، و الفلاكة و المفلوكين 789 و العسجد المسبوك 257، و ثمرات الأوراق لابن حجّة الحموي 20، 31، 133، 134، 137، 138، 342، 347، و النجوم الزاهرة د/ 156- 158، و حسن المحاضرة 1/ 270، و تاريخ الخلفاء 457، و حسن التوسّل لشهاب الدين محمود 77 و 307، و تاريخ ابن سباط 1/ 228، و كشف الظنون 2/ 1016، و شذرات الذهب 4/ 324- 327، و تحفة الأحباب للسخاوي 69، و الأعلام 4/ 121 و بدائع الزهور ج 1 ق 1/ 253، و المواعظ و الاعتبار 2/ 366، 367، و تاريخ الأزمنة للدويهي 200، 201، و بلوغ الأرب في علم الأدب لجرمانوس فرحات 162، و الكواكب الدرّية لحسين الجسير

245

القاضي الفاضل أبو عليّ ابن القاضي الأشرف أبي الحسن، اللّخميّ البيسانيّ، العسقلانيّ، المولد، المصريّ الدّار، الكاتب صاحب ديوان الإنشاء في الدّولة الصّلاحيّة و بعدها.

ولد في منتصف جمادى الآخرة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و لقبه محيي الدّين. و في نسبه إلى بيسان تجوّز، فإنّه ليس منها، و إنّما ولّي أبوه قضاءها، فلهذا نسب إليها.

انتهت إلى القاضي الفاضل براعة الإنشاء، و بلاغة التّرسّل، و له في ذلك معاني مبتكرة لم يسبق إليها مع كثرتها.

قال القاضي شمس الدّين ابن خلّكان [ (1)]: نقل عنه أنّه قال إنّ مسوّدات رسائله في المجلّدات و التّعليقات في الأوراق، إذا جمعت ما تقصّر عن مائة مجلّد. و له نظم كثير.

و اشتغل بصناعة الإنشاء على الموفّق يوسف بن الخلّال شيخ الإنشاء للمتأخرين من خلفاء بني عبيد.

ثم إنه خدم بثغر الإسكندرية في شبيبته، و أقام بها مدة.

قال عمارة اليمنيّ [ (2)]: و من محاسن العادل بن الصالح بن رزّيك خروج أمره إلى والي الإسكندريّة بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب، و استخدامه في ديوان الجيش، فإنّه غرس منه للدّولة، بل للملّة، شجرة مباركة متزايدة النّماء، أصلها ثابت و فرعها في السّماء.

و قال العماد الكاتب [ (3)]: و تمّت الرّزيّة الكبرى و فجيعة أهل الدّين و الدّنيا بانتقال القاضي الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء في داره بالقاهرة في‏

____________

[ ()] 21، و له ديوان مطبوع في جزء من تحقيق الدكتور أحمد أحمد بدوي، القاهرة 1961.

[ (1)] قول ابن خلّكان ورد في ترجمة «الموفق الخلّال» 7/ 219- 221.

[ (2)] في النكت العصرية 53، 54.

[ (3)] في الخريدة 1/ 53.

246

سادس ربيع الآخر. و كان ليلتئذ صلّى العشاء، و جلس مع مدرّس مدرسته، و تحدّث معه ما شاء، و طالت المسامرة و انفصل إلى منزله صحيح البدن، و قال لغلامه: رتّب حوائج الحمّام، و عرّفني حتّى أقضي منّي المنام. فوافاه سحرا للإعلام، فما اكترث بصوت الغلام، و لم يدر أنّ كلم الحمام حمى الكلام، و أنّ وثوقه بطهارة الكوثر أغناه عن الحمّام، فبادر إليه ولده فألفاه و هو ساكت باهت، فلبث يومه لا يسمع له إلّا أنين خفيّ، ثمّ قضى سعيدا و لم يبق في حياته عملا صالحا إلّا و قدّمه، و لا عهدا في الجنّة إلّا أحكمه، و لا عقدا في البرّ إلا أبرمه، فإنّ صنائعه في الرّقاب، و أوقافه على سبل الخيرات متجاوزة الحساب، لا سيّما أوقافه لفكاك أسرى المسلمين إلى يوم الحساب، و أعان الطّلبة الشّافعيّة و المالكيّة عند داره بالمدرسة، و الأيتام بالكتّاب.

و كان (رحمه اللَّه) للحقوق قاضيا، و في الحقائق ماضيا. سلطانه مطاع، و السّلطان له مطيع، ما افتتح الأقاليم إلّا بأقاليد آرائه، و مقاليد غناه و عنائه، و كنت من حسناته محسوبا، و إلى مناسب آلائه منسوبا، أعرف صناعته، و يعرف صناعتي، و أعارض بضاعته الثّمينة بمزجاة بضاعتي. و كانت كتابته كتائب النّصر، و براعته رائعة الدّهر، و يراعته بارئة للبرّ، و عبارته نافثة في عقد السّحر، و بلاغته للدّولة مجمّلة، و للمملكة مكمّلة، و للعصر الصّلاحيّ على سائر الأعصار مفضّلة، و هو الّذي نسخ أساليب القدماء بما أقدمه من الأساليب، و أغربه من الإبداع، و أبدعه من الغريب. و ما ألفيته كرّر دعاء في مكاتبة، و لا تردّد لفظا في مخاطبة. بل تأتي فصوله مبتكرة مبتدعة مبتدهة، لا مفتكرة بالعرف و العرفان معرّفة لا نكرة. و كان الكرام في ظلّه يقيلون، و من عثرات النّوائب بفضله يستقيلون، و بعزّ حمايته يعزّون. فإلى من بعده الوفادة؟

و ممّن الإفادة؟ و في من السّيادة؟ و لمن السّعادة؟

و قال ابن خلّكان [ (1)] في ترجمته: وزر للسّلطان صلاح الدّين.

____________

[ (1)] في وفيات الأعيان 3/ 158.

247

و من شعره عند وصوله إلى الفرات يتشوّق إلى النيل:

باللَّه قل للنّيل عنّي إنّني‏* * * لم أشف من ماء الفرات غليلا

و سل الفؤاد فإنّه لي شاهد* * * هل كان جفني بالدّموع بخيلا

يا قلب كم خلّفت ثمّ بثينة* * * و أعيذ صبرك أن يكون جميلا [ (1)]

و كان الملك العزيز صلاح الدّين يميل إلى القاضي الفاضل في أيّام أبيه، و اتّفق أنّه أحبّ قينة و شغف بها و بلغ صلاح الدّين، فمنعه من صحبتها، و منعها منه، فحزن و لم يستجر أن يجتمع بعد هذا بها، فسيّرت له مع خادم كرة عنبر، فكسرها فوجد فيها زرّ ذهب، فلم يفهم المراد به، و جاء القاضي الفاضل فعرّفه الصّورة، فعمل القاضي:

أهدت لك العنبر في وسطه‏* * * زرّ من التّبر دقيق اللّحام‏

فالزّرّ في العنبر معناهما* * * زر هكذا مستترا في الظّلام [ (2)]

و له:

بتنا على حال يسرّ الهوى‏* * * و ربّما لا يمكن الشّرح‏

بوّابنا اللّيل، و قلنا له:* * * إن غبت عنّا هجم [ (3)] الصّبح‏

و له:

و سيف عتيق للعلاء فإن تقل:* * * رأيت أبا بكر، فقل: و عتيق‏

فزر بابه، فهو الطّريق إلى النّدى‏* * * و دع كلّ باب ما إليه طريق‏

و لهبة الملك بن سناء الملك فيه و قد ولي الوزارة، من قصيدة:

قال الزّمان لغيره إذ [ (4)] رامها:* * * تربت يمينك لست من أربابها [ (5)]

اذهب طريقك لست من أربابها* * * و ارجع وراءك لست من أترابها [ (6)]

____________

[ (1)] ديوان القاضي الفاضل 91، وفيات الأعيان 3/ 160.

[ (2)] في وفيات الأعيان 3/ 161.

[ (3)] في الديوان 26، و وفيات الأعيان 3/ 160 «دخل».

[ (4)] في سير أعلام النبلاء 21/ 340 «لو».

[ (5)] في ديوان ابن سناء الملك (طبعة دار الكاتب العربيّ بالقاهرة 1969) ج 2/ 22 «من أترابها».

[ (6)] في الديوان: «من أصحابها».

248

و بعزّ سيّدنا و سيّد غيرنا [ (1)]* * * ذلّت من الأيّام شمس صعابها

و أتت سعادته إلى أبوابه‏* * * لا كالّذي يسعى إلى أبوابها

فلتفخر الدّنيا بسائس ملكها* * * منه و دارس علمها و كتابها

صوّامها قوّامها علّامها* * * عمّالها بذّالها وهابها [ (2)]

و بلغنا أنّ كتبه الّتي ملكها بلغت مائة ألف مجلّد، و كان يحصّلها من سائر البلاد [ (3)].

و ذكر القاضي ضياء الدّين القاسم بن يحيى الشّهرزوريّ أنّ القاضي لمّا سمع أنّ العادل أخذ الدّيار المصريّة دعا على نفسه بالموت خشية أن يستدعيه وزيره صفيّ الدّين بن شكر، أو يجري في حقّه إهانة، فأصبح ميتا. و كان له معاملة حسنة مع اللَّه و تهجّد باللّيل.

و قال العماد في «الخريدة» [ (4)]: و قبل شروعي في أعيان مصر، أقدّم ذكر من جميع أفاضل القصر [ (5)] كالقطرة في بحرة [ (6)]، المولى القاضي الأجلّ الفاضل، الأسعد أبو عليّ عبد الرحيم بن القاضي الأشرف أبي المجد عليّ بن البيسانيّ، صاحب القرآن، العديم الأقران، واحد الزّمان.

إلى أن قال: فهو كالشّريعة المحمّدية نسخت الشّرائع، يخترع الأفكار، و يفترع الأبكار [ (7)]، و هو ضابط الملك بآرائه، و رابط السّلك بآلائه. و إن شاء

____________

[ (1)] في الديوان: «و سيد غزنا».

[ (2)] في الديوان 2/ 22- 24، سير أعلام النبلاء 21/ 340، 341.

[ (3)] و قال ابن حجّة الحموي: و لعمري إن الإنشاء الّذي صدر في الأيام الأموية و الأيام العباسية نسي و ألغي بإنشاء الفاضل و ما اخترعه من النكت الأدبية و المعاني المخترعة و الأنواع البديعة، و الّذي يؤيّده قول العماد الكاتب في «الخريدة» إنه في صناعة الإنشاء كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع. (ثمرات الأوراق 97).

[ (4)] خريدة القصر (شعراء مصر) 1/ 35.

[ (5)] في الخريدة: «أفاضل الدهر، و أمائل العصر»، و في سير أعلام النبلاء 21/ 341 «أفاضل العصر».

[ (6)] في الخريدة: «في تيار بحرة، بل كالذّرّة في أنوار فجره، و هو المولى الأجلّ».

[ (7)] في الخريدة: «و يفترع الأبكار، و يطلع الأنوار، و يبدع الأزهار، و هو ضابط».

249

أنشأ في يوم [ (1)] ما لو دوّن، لكان لأهل الصّناعة خير بضاعة. أين قسّ من فصاحته، و قيس من [ (2)] حصافته؟ و من حاتم و عمرو في سماحته و حماسته [ (3)]؟

لا منّ في فعله، و لا مين في قوله [ (4)] ذو الوفاء، و المروءة، و الصّفا، و الفتوّة، و التّقى، و الصّلاح، و النّدى، و السّماح [ (5)]. و هو من أولياء اللَّه الّذين خصّوا بكرامته، و أخلصوا لولايته [ (6)]. و هو مع ما يتولّاه من أشغال المملكة [ (7)]، لا يفتر عن المواظبة على نوافل صلواته، و نوافل صلاته. يختم كلّ يوم القرآن المجيد، و يضيف إليه ما شاء اللَّه من المزيد، و أنا أوثر أن أفرد لنظمه و نثره كتابا، فإنّني أغار من ذكره مع الّذين هم كالسّها في فلك شمسه و ذكائه، و كالثّرى عند ثريّا علمه و ذكائه، فإنّما تبدو النّجوم إذا لم تبرز الشّمس حاجبها. و إنّه لا يوثر أيضا إثبات ذلك، فأنا ممتثل لأمره المطاع ملتزم له قانون الاتّباع، لا أعرف يدا ملكتني غير يده، و لا أتصدّى إلّا لما جعلني بصدده.

قلت: و كان (رحمه اللَّه) أحدب. فحدثني شيخنا جمال الدّين الفاضليّ أنّ القاضي الفاضل ذهب في الرّسليّة إلى صاحب الموصل، فحضر و أحضرت فواكه، فقال بعض الكبار منكّتا على الفاضل: خياركم أحدب. فقال الفاضل:

خسّنا خير من خياركم.

و حدّثني الفاضليّ في آخر سنة إحدى و تسعين أنّ القاضي و العماد الكاتب كانا في الموكب، فقال القاضي الفاضل:

____________

[ (1)] في الخريدة: «في يوم واحد، بل في ساعة واحدة ما لو دوّن».

[ (2)] في الخريدة: «و أين قيس في».

[ (3)] في الخريدة زيادة: «فضله بالإفضال حال، و نجم قبوله في أفق الإقبال عال».

[ (4)] و في الخريدة زيادة: «و لا خلف وعده، و لا بطء في رفده، الصادق الشيم، السابق بالكرم، منشر رفات العلم و ناشر راياته».

[ (5)] في الخريدة زيادة: و جالي غيابات الفضل و تالي آياته.

[ (6)] في الخريدة زيادة بن: «قد وفقه اللَّه للخير كله، و فضل هذا العصر على الأعصار السالفة بفضله و نبله».

[ (7)] في الخريدة زيادة: «الشاغلة، و مهامه المستغرقة في العاجلة، لا يغفل عن الآجلة ...».

250

أمّا الغبار فإنّه‏* * * ممّا أثارته السّنابك‏

و قال للعماد: أجز. فقال:

فالجوّ منه مغبّر* * * لكن تباشير السّنابك‏

يا دهر لي عبد الرحيم‏* * * فلا أبالي مسّ نابك‏

قلت: و قد سمع: أبا طاهر السّلفيّ، و أبا محمد العثمانيّ، و أبا الطّاهر ابن عوف، و أبا القاسم بن عساكر الحافظ، و عثمان بن سعيد بن فرج العبدريّ.

قال المنذريّ [ (1)]: وزر للسّلطان صلاح الدّين و ركن إليه ركونا تامّا، و تقدّم عنده كثيرا. و كان كثير البرّ و المعروف و الصّدقة. و له آثار جميلة ظاهرة، مع ما كان عليه من الإغضاء و الاحتمال.

توفّي في ليلة سابع ربيع الآخر.

و قال الموفّق عبد اللّطيف: ذكر خبر القاضي الفاضل. كانوا ثلاثة إخوة، واحد منهم خدم في الإسكندريّة و بها مات، و خلّف من الخواتيم صناديق.

و من الحصر و القدور و الخزف بيوتا مملوءة. و كان متى رأى خاتما أو سمع به تسبّب في تحصيله.

و أما الآخر فكان له هوس مفرط في تحصيل الكتب، و كان عنده زهاء مائتي ألف كتاب، من كلّ كتاب نسخ.

و الثّالث القاضي الفاضل، و كان له غرام بالكتابة، و بتحصيل الكتب أيضا، و كان له الدّين و العفاف و التّقى، مواظب على أوراد اللّيل، و الصّيام، و التّلاوة. و لمّا ملك أسد الدّين احتاج إلى كاتب، فأحضره، فأعجبه نفاذه و سمته و نصحه، فلمّا ملك صلاح الدّين استخلصه لنفسه، و حسن اعتقاده فيه.

____________

[ (1)] في التكملة 1/ 352 و فيه زيادة.

251

و كان قليل اللّذّات، كثير الحسنات، دائم التّهجّد، يشتغل بالأدب و التّفسير.

و كان قليل النّحو، لكن له دربة قويّة توجب له قلّة اللّحن، و كتب من الإنشاء ما لم يكتبه أحد. أعرف عند ابن سناء الملك من إنشائه اثنين و عشرين مجلّدا. و عند ابن القطّان، أحد كتّابه، عشرين مجلّدا. و كان متقلّلا في مطعمه و منكحه، و ملبسه. لباسه البياض، لا يبلغ جميع ما عليه دينارين.

و يركب مع غلام و ركابيّ. و لا يمكّن أحدا أن يصحبه. و يكثر تشييع الجنائز، و عيادة المرضى، و زيارة القبور. و له معروف في السّرّ و العلانية.

و كان (رحمه اللَّه) ضعيف البنية، رقيق الصّورة، له حدبة يغطّيها الطّيلسان.

و كان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه، و لا يضرّ أحدا به.

و لأصحاب الفضائل عنده نفاق، يحسن إليهم و لا يمنّ عليهم. و لم يكن له انتقام من أعدائه إلّا بالإحسان إليهم، و بالإعراض عنهم.

و كان دخله و معلومه في السّنة نحو خمسين ألف دينار، سوى متاجر الهند و المغرب، و غيرهما.

مات مسكوتا، أحوج ما كان إلى الموت عند تولّي الإقبال، و إقبال الإدبار، و هذا يدلّ على أنّ للَّه به عناية (رحمه اللَّه).

308- عبد السّلام بن محمود بن أحمد [ (1)].

ظهير الدّين أبو المعالي الفارسيّ، الفقيه، الأصوليّ، المتكلّم.

سمع من: أبي الوقت السّجزيّ.

____________

[ (1)] انظر عن (عبد السلام بن محمود) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 359 رقم 540، و طبقات الشافعية الكبرى 7/ 170 و فيه: «عبد السلام بن محمد»، و البداية و النهاية 13/ 24، و الوافي بالوفيات 18/ 435 رقم 450.

252

و بالثّغر من: أبي طاهر السّلفيّ.

و روى بدمشق.

و توفّي بحلب في سابع عشر شعبان.

و كان من كبار المتكلّمين و الخلافيّين. و درّس و اشتغل، و صنّف التّصانيف. و لم يشتهر من تصانيفه إلّا القليل.

و قد أجاز للحافظ المنذريّ، و هو ترجمه.

309- عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد بن سليمان [ (1)].

الوجيه أبو محمد اللّخميّ، الأندلسيّ، الشّريشيّ الأصل، الإسكندرانيّ المولد و الدّار، العدل المحدّث، أحد طلبة السّلفيّ.

ولد سنة خمس و عشرين و خمسمائة. و قرأ الكبير على السّلفيّ.

و حدّث بمصر و القدس.

روى عنه: ولده أبو القاسم عيسى، و عثمان بن محمد بن أبي عصرون.

و بالإجازة: الشّهاب القوصيّ، و غيره.

توفّي في المحرّم.

310- عبد الكريم بن المبارك بن محمد بن عبد الكريم [ (2)].

الفقيه أبو الفضل البلديّ، البغداديّ، الحنفيّ، المعروف بابن الصّيرفيّ.

ولد سنة خمس و عشرين و خمسمائة.

و تفقّه على الإمام مسعود بن الحسين اليزديّ.

____________

[ (1)] انظر عن (عبد العزيز بن عيسى) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 345 رقم 516، و سير أعلام النبلاء 21/ 335 دون ترجمة.

[ (2)] انظر عن (عبد الكريم بن المبارك) في: التكملة لوفيات النقلة 1/ 357 رقم 536، و تاريخ ابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 166، و المختصر المحتاج إليه 2/ 68، 69 رقم 870، و تلخيص مجمع الآداب 5/ رقم 730، و الجامع المختصر 9/ 30، و الجواهر المضية 1/ 326، و الطبقات السنية 2/ ورقة 545.

253

و سمع من: أبي سعد أحمد بن محمد الزّوزنيّ، و أبي البدر الكرخيّ، و أبي الفضل الأرمويّ.

و درّس، و ناب في القضاء. و كان يسكن بقراح أبي الشّحم، و درّس بالمغيثيّة.

روى عنه: الدّبيثيّ، و ابن خليل، و غيرهما.

و توفّي في جمادى الآخرة.

و هو من بلد الّتي بقرب الموصل.

311- عبد اللّطيف بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن دوست دادا [ (1)].

أبو الحسن ابن شيخ الشّيوخ أبي البركات بن أبي سعد النّيسابوريّ الأصل، البغداديّ، الصّوفيّ، أخو شيخ الشّيوخ صدر الدّين عبد الرحيم.

كان بليدا، قليل الفهم، عديم التّحصيل.

ولد سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة.

و سمع من: أبي بكر الأنصاريّ، و أبي القاسم بن السّمرقنديّ، و أبي منصور عليّ بن عليّ الأمين، و أبي الحسن بن عبد السّلام، و أبي الفتح الكرّوخيّ، و غيرهم.

قال ابن النّجّار: ولّي رباط جدّه بعد أخيه، و لقّب صدر الدّين. ثمّ إنّه حجّ و ركب البحر إلى مصر، و زار بيت المقدس.

و توفّي بدمشق في رابع عشر ذي الحجّة.

____________

[ (1)] انظر عن (عبد اللطيف بن إسماعيل) في: ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي (باريس 5922) ورقة 160، و مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 473، و ذيل الروضتين 17، و التكملة لوفيات النقلة 2/ 370، 371 رقم 558، و الجامع المختصر 9/ 37، و العبر 4/ 293، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و سير أعلام النبلاء 21/ 334، 335 رقم 177، و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و المختصر المحتاج إليه 3/ 63، 64 رقم 857، و عقد الجمان 17/ ورقة 247، و النجوم الزاهرة 6/ 159، و شذرات الذهب 4/ 327.

254

قلت: روى عنه: ابن النّجّار، و ابن خليل، و اليلدانيّ، و عثمان ابن خطيب القرافة، و فرج الحبشيّ، و عبد اللَّه بن أحمد بن طعان [ (1)]، و أخوه عبد الرحمن، و القاضي صدر الدّين ابن سنيّ الدّولة، و تقيّ الدّين إسماعيل بن أبي اليسر، و ابن عبد الدّائم، و الكمال عبد العزيز بن عبد، و خلق.

و بالإجازة: ابن أبي الخير.

قال الدّبيثيّ [ (2)]: كان بليدا لا يفهم. حدّثني بعض الطّلبة أنّه أتاه بجزء ليقرأه عليه، فصادفه في شغل فوقف، فلمّا طال عليه الوقوف قال له عبد اللّطيف: امض إلى ضياء الدّين عبد الوهّاب بن سكينة ليسمعك إيّاه عنّي، فإنّي مشغول.

و نقلت من خطّ الحافظ الضّياء ما صورته: و شيخ الشّيوخ عبد اللّطيف ابن شيخ الشّيوخ أبي البركات توفّي بدمشق في رباط خاتون في ذي الحجّة، و صلّى عليه شيخنا القاسم الحافظ.

312- عبد المنعم بن عبد الوهّاب بن سعد بن صدقة بن الخضر بن كليب [ (3)].

مسند العراق أبو الفرج بن أبي الفتح الحرّانيّ الأصل، البغداديّ، الحنبليّ، التّاجر، الآجرّي، لسكناه درب الآجر.

____________

[ (1)] طعان: بكسر الطاء و فتح العين المهملة. (المشتبه 2/ 421).

[ (2)] في المختصر المحتاج إليه 3/ 63.

[ (3)] انظر عن (عبد المنعم بن عبد الوهاب) في: الكامل في التاريخ 12/ 159، و التقييد 377، 378 رقم 486، و التكملة لوفيات النقلة 1/ 348، 349 رقم 523، و ذيل بغداد لابن الدبيثي 15/ 283، و ذيل تاريخ بغداد لابن النجار 2/ 166، و ذيل الروضتين 18، و الجامع المختصر 9/ 26، و وفيات الأعيان 3/ 227، و دول الإسلام 2/ 78، و سير أعلام النبلاء 21/ 258- 260 رقم 134، و الإعلام بوفيات الأعلام 245، و المعين في طبقات المحدّثين 182 رقم 71940 و الإشارة إلى وفيات الأعيان 310، و المختصر المحتاج إليه 3/ 90، 91، رقم 923، و العبر 4/ 293، و البداية و النهاية 13/ 23، و العسجد المسبوك 2/ 259، و عقد الجمان 17/ ورقة 241، و النجوم الزاهرة 6/ 159، و ديوان الإسلام 4/ 88 رقم 1776، و شذرات الذهب 4/ 327.