طرف من الأنباء و المناقب‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
640 /
457

و لا باطل إلّا أعطاه.

و في الخصال (551) في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي بكر بثلاث و أربعين خصلة، رواه بسنده عن أبي سعيد الورّاق، عن أبيه، عن الصادق، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)، قال: ... فأنشدك باللّه أنا ضمنت دين رسول اللّه، و ناديت في الموسم بإنجاز موعده أم أنت؟! قال: بل أنت.

قال محقق الخصال: و قد أخرجه في كنز العمال (ج 6؛ 396) و قال أخرجه أحمد و ابن جرير و صحّحه.

و انظر إثبات الوصيّة (99) و أمالي المفيد (61، 174) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 132) و (ج 3؛ 214) و المسترشد (215، 262، 344، 634) و كشف اليقين (255- 256) و دلائل الإمامة (106) و أمالي الصدوق (252) و أمالي الطوسي (545، 550) و كفاية الأثر (20، 75- 76، 121، 135) و كشف الغمّة (ج 1؛ 333) و شرح الأخبار (ج 1؛ 113- 115) و تفسير فرات (154، 545) و تفسير الإمام العسكريّ (178) و التهاب نيران الاحزان (40) و اليقين (137، 227) و بشارة المصطفى (54، 58، 59) و الخصال (551، 572- 580) و تفسير القمّي (ج 2؛ 109) و التحصين (607) و مناقب الخوارزمي (210) و فرائد السمطين (ج 1؛ 50) و طبقات ابن سعد (ج 2؛ 319) و كنز العمال (ج 6؛ 155) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 113، 121) و فيض القدير للمناويّ (ج 4؛ 359) و كنز الحقائق (92) و مناقب ابن المغازلي (238، 261) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 79) و تذكرة الخواص (86).

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

459

الطّرفة الحادية و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرفة- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 487- 488) و العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 88- 89) بأدنى تفاوت.

مضمون هذه الطّرفة، و ما مرّ في الطّرفة السابقة من قوله «لا ترجعنّ بعدي كفّارا» واحد؛ لأنّ نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الصحابة عن رجوعهم كفّارا فيه معنى الإخبار بوقوع ذلك المنهي عنه هنا، و ذلك كثير في لسان العرب و كلامهم، مثل قول الشاعر:

لا ألفينّك بعد الموت تندبني‏ * * * و في حياتي ما زوّدتني زادي‏ (1)

فصورته النهي، و معناه الإخبار، أي إنّني سألفينك بعد الموت تندبني.

و مثل هذا ما ورد في نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عائشة عن الخروج في قوله: «ليت شعري أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، تنبحها كلاب الحوأب، إيّاك أن تكونيها يا عائشة» فهذا النهي فيه معنى الإخبار بخروجها على إمام زمانها، و مقاتلتها إيّاه.

و يدلّ على هذا المراد حديث الحوض و ارتداد الصحابة كما سيأتي، و يدلّ عليه الخلاف و التخاصم و القتال الّذي حدث بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و تذييل الحديث بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لئن فعلتم لتجدنّي في كتيبة أضرب وجوهكم»، و أوضحها دلالة ما في تفسير القمّي (ج 1؛ 172) بسنده عن الصادق (عليه السلام)، حيث روى خطبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في منى في حجّة الوداع، و فيها

____________

(1). مروج الذهب 3؛ 25.

460

قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا، فإن فعلتم ذلك- و لتفعلنّ- لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل و ميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف، ثمّ التفت (صلّى اللّه عليه و آله) عن يمينه فسكت ساعة، ثمّ قال: إن شاء اللّه، أو عليّ بن أبي طالب».

فنهاهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أخبر بأنّهم سيتركون أمره و يرجعون كفّارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف.

و في كشف اليقين (161- 162) عن علقمة و الأسود، عن أبي أيّوب الأنصاريّ في خبر، قال فيه: و دخل عمّار فسلّم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فرحّب به، و قال: إنّه سيكون من بعدي في أمّتي هنات، حتّى يختلف السيف فيما بينهم، و حتّى يقتل بعضهم بعضا، و حتّى يبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك، فعليك بهذا الأصلع عن يميني عليّ بن أبي طالب، فإن سلك الناس كلّهم واديا و سلك عليّ واديا، فاسلك وادي عليّ و خلّ عن الناس، إنّ عليّا لا يردّك عن هدى، و لا يدلّك على ردى، يا عمّار طاعة عليّ طاعتي، و طاعتي طاعة اللّه.

و هو في الطرائف (ج 1؛ 101- 102) و مناقب الخوارزمي (124- 125).

و في الإرشاد (96) قال: ثمّ كان ممّا أكّد (صلّى اللّه عليه و آله) له (عليه السلام) من الفضل، و تخصصه منه بجليل رتبته، ما تلا حجّة الوداع من الأمور المتجدّدة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ... و كان فيما ذكره من ذلك ما جاءت به الرواة على الاتفاق و الاجتماع، من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أيّها الناس إنّي فرطكم على الحوض، ألا و إنّي سائلكم عن الثقلين ... أيّها الناس، لا ألفينكم بعدي ترجعون كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فتلقوني في كتيبة كمجرّ السيل الجرار، ألا و إنّ عليّ بن أبي طالب أخي، و وصيّي، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله.

و في شواهد التنزيل (ج 1؛ 526- 527) بسنده عن عبد اللّه بن عبّاس، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّهما سمعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول في حجّة الوداع- و هو بمنى-: لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، و أيم اللّه لئن فعلتموها لتعرفنّي في كتيبة يضاربونكم، فغمز جبرئيل من خلفه منكبه الأيسر، فالتفت فقال: أو عليّ، أو عليّ، فنزلت هذه الآية قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ* رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَ إِنَّا عَلى‏

461

أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ‏ (1). و في شواهد التنزيل عدّة أحاديث بعدّة أسانيد، فراجعه (ج 1؛ 526- 529) في تفسير الآيات (93- 95) من سورة «المؤمنون»، و فيه أيضا (ج 2؛ 216) في تفسير الآيتين (42، 43) من سورة «الزخرف».

و انظر تفسير فرات (278- 280) ففيه عدّة أحاديث بعدّة أسانيد، و تفسير مجمع البيان (ج 9؛ 49) في تفسير قوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ* أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ‏ (2)، و إعلام الورى (82) و خصائص الوحي المبين (152) و مناقب ابن المغازلي (274- 275) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 219) و أمالي الطوسي (502، 503/ الحديثان 1101، 1102) و المسترشد في الإمامة (229) و العمدة (353- 354).

و قد صرّح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ الشيخين هما اللّذان يتركان الناس يضرب بعضهم رقاب بعض، ففي الاحتجاج (ج 1؛ 425) عن عبادة بن الصامت في رواية- قدّمنا ذكرها- قال: أنّ النبي قال للشيخين فيها: و كأنّي بكما قد سلبتماه [يعني عليّا (عليه السلام)‏] ملكه، و تحاربتما عليه، و أعانكما على ذلك أعداء اللّه و أعداء رسوله، و كأنّي بكما قد تركتما المهاجرين و الأنصار بعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف على الدنيا ....

____________

(1). المؤمنون؛ 93- 95.

(2). الزخرف؛ 42- 43.

462

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

463

الطّرفة الثانية و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 488).

يا عليّ من شاقّك من نسائي و أصحابي فقد عصاني، و من عصاني فقد عصى اللّه، و أنا منهم بري‏ء، فابرأ منهم‏

يدلّ على هذا المعنى الكثير ممّا مرّ، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الطّرفة السادسة «و طاعته طاعة اللّه و رسوله»، و كقوله (صلّى اللّه عليه و آله) لأصحاب الكساء و فيهم عليّ (عليه السلام): «أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم»، و غيرها من النصوص السالفة، و النصوص كلّها عامّة شاملة لنساء النبي و أصحابه، و يدلّ عليه ما سيأتي من حديث كلاب الحوأب و نهي النبي عائشة عن الخروج و تحذيرها من ذلك.

و نذكر هنا بعض الروايات في ذلك ترسيخا للمطلب، و تثبيتا لما نقلناه؛ فقد روى الصدوق في معاني الأخبار (372- 373) بسنده عن ابن عبّاس في كلام كثير للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، قال فيه: أيّها الناس، من عصى عليّا فقد عصاني، و من عصاني فقد عصى اللّه عزّ و جلّ، و من أطاع عليّا فقد أطاعني، و من أطاعني فقد أطاع اللّه، أيّها الناس من ردّ على عليّ في قول أو فعل فقد ردّ عليّ، و من ردّ عليّ فقد ردّ على اللّه فوق عرشه ....

و في أمالي الصدوق (247) بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): يا عليّ أنت إمام المسلمين، و أمير المؤمنين، ... يا عليّ إنّه لمّا عرج بي‏

464

إلى السماء السابعة، و منها إلى سدرة المنتهى، و منها إلى حجب النور، و أكرمني ربّي جلّ جلاله بمناجاته، قال لي: يا محمّد، قلت: لبيك ربي و سعديك تباركت و تعاليت، قال: إنّ عليّا إمام أوليائي، و نور لمن أطاعني، و هو الكلمة الّتي الزمتها المتقين، من أطاعه أطاعني و من عصاه عصاني ....

و في الاحتجاج (57) بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: حجّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من المدينة ... [ثمّ روى خبر الغدير، و فيه قول جبرئيل عن اللّه للنبي (صلّى اللّه عليه و آله):] فاليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي، و رضيت لكم الإسلام دينا، بولاية وليّي، و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، عليّ، عبدي، و وصي نبيّي، و الخليفة من بعده، و حجّتي البالغة، من أطاعه فقد أطاعني، و من عصاه عصاني، جعلته علما بيني و بين خلقي ....

و في بشارة المصطفى (274) بسنده عن يعلى بن مرّة، قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:

يا عليّ، أنت خير الناس بعدي، و أنت أوّل الناس تصدّرا، من أطاعك فقد أطاعني، و من أطاعني فقد أطاع اللّه، و من عصاك فقد عصاني، و من عصاني فقد عصى اللّه ....

و في تفسير فرات (499- 500) بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (1) قال: الأذن الواعية عليّ (عليه السلام)، و هو حجّة اللّه على خلقه، من أطاعه أطاع اللّه، و من عصاه فقد عصى اللّه ....

و نضيف هنا ما رواه الديلمي في إرشاد القلوب (337) من خبر حذيفة، حيث قال: ثمّ أمر (صلّى اللّه عليه و آله) خادمة لأم سلمة، فقال اجمعي لي هؤلاء- يعني نساءه- فجمعتهن له في منزل أم سلمة، فقال لهنّ: اسمعن ما أقول لكنّ- و أشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب- فقال لهنّ: هذا أخي، و وصيّي، و وارثي، و القائم فيكنّ و في الأمّة من بعدي، فأطعنه فيما يأمركنّ به، و لا تعصينه فتهلكن لمعصيته ....

و سيأتي ما يتعلق بلعن المضلّين، و أنّ أصحاب الجمل ملعونون على لسان‏

____________

(1). الحاقة؛ 12.

465

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يدخلون الجنّة حتّى يدخل الجمل في سمّ الخياط، و سيأتي لعن الإمام عليّ (عليه السلام)- بوصيّة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- معاوية و أصحابه، و أنّه كان يقنت بذلك و يلعنهم في صلاته، و هذه هي البراءة منهم.

يا عليّ، إنّ القوم يأتمرون بعدي على قتلك، يظلمون و يبيتون على ذلك‏

أخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) بأنّ الأمّة ستغدر به من بعده، و ذكر له ما سيكون من أمر أبي بكر و عمر و عثمان، و ما سيكون من قتاله للناكثين و القاسطين و المارقين، و أسرّ له أسراره، و أعلمه بما كان و ما هو كائن، و أنّه ستخضب لحيته من رأسه بدم عبيط. و قد أخرجنا كلّ ذلك فيما مضى و ما سيأتي، و كان من جملة ما أخبره بأنّ القوم يأتمرون على قتله، و قد حصل ذلك بالفعل، فقد كانت هناك- رغم إعمال عليّ (عليه السلام) للتقيّة- محاولات لقتله، و بشتى الأساليب، و المحاولات الأساسيّة منها هي ثلاث محاولات: الأولى في بيعة السقيفة و اقتحام الدار، و الثانية محاولة اغتياله في المسجد بعد صلاة الفجر، و الثالثة في يوم الشورى، و سنذكر هذه المحاولات الثلاث من خلال عرض النصوص و الوقائع التاريخية في ذلك.

أمّا المحاولة الأولى:

فقد روى الصدوق في الخصال (462) بسنده عن زيد بن وهب [في قضية الاثني عشر الّذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة و تقدّمه على عليّ (عليه السلام)، حيث إنّ أولئك الاثني عشر ذهبوا إلى عليّ (عليه السلام) يستشيرونه في ذلك‏]، فقال لهم عليّ (عليه السلام): لو فعلتم ذلك ما كنتم إلّا حربا لهم ... و لقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلّا السكوت؛ لما تعلمون من وغر صدور القوم و بغضهم للّه و لأهل بيت نبيّه، و أنّهم يطالبون بثارات الجاهليّة، و اللّه لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدين للحرب و القتال؛ كما فعلوا ذلك حتّى قهروني و غلبوني على نفسي، و لبّبوني و قالوا لي: بايع و إلّا قتلناك، فلم أجد حيلة إلّا أن أدفع القوم عن نفسي، و ذاك أنّي ذكرت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ، إنّ القوم نقضوا أمرك و استبدوا بها دونك،

466

و عصوني فيك، فعليك بالصبر حتّى ينزل الأمر، و إنّهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تجعل لهم سبيلا إلى إذلالك و سفك دمك، فإنّ الأمّة ستغدر بك بعدي، كذلك أخبرني جبرئيل.

و روى السيّد ابن طاوس في كتاب اليقين (337) عن أحمد بن محمّد الطبريّ الخليلي، بسنده إلى زيد بن وهب، و رواه الطبريّ في كتاب مناقب أهل البيت، مثله.

و في كتاب سليم بن قيس (84- 86) قال: ثمّ انطلق بعلي يعتل عتلا، حتّى انتهي به إلى أبي بكر، و عمر قائم بالسيف على رأسه، و خالد بن الوليد، و أبو عبيدة بن الجراح، و سالم مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل، و المغيرة بن شعبة، و أسيد بن حضير، و بشير بن سعد، و سائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح ... و لمّا انتهي بعليّ (عليه السلام) إلى أبي بكر انتهره عمر، و قال له: بايع ودع عنك هذه الأباطيل، فقال له عليّ (عليه السلام): فإن لم أفعل فما أنتم صانعون؟ قالوا:

نقتلك ذلّا و صغارا، فقال: إذا تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله، قال أبو بكر: أمّا عبد اللّه فنعم، و أمّا أخو رسول اللّه فما نقرّ بهذا ...

و في الشافي (ج 3؛ 244) قال: و روى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح بن درّاج، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم، قال: ما رحمت أحدا رحمتي عليّا حين أتي به ملبّبا، فقيل له: بايع، قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله، ثمّ بايع كذا، و ضمّ يده اليمنى.

و روى إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلّد البجلّي، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم، قال: إنّي لجالس عند أبي بكر إذ جي‏ء بعلي (عليه السلام)، فقال له أبو بكر: بايع، فقال له عليّ (عليه السلام): فإن لم أفعل؟ فقال: أضرب الذي فيه عيناك، فرفع رأسه إلى السماء ثمّ قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ مدّ يده.

قال الشريف المرتضى في الشافي (ج 3؛ 244- 245): و قد روي هذا المعنى من طرق مختلفة، و بألفاظ متقاربة المعنى و إن اختلفت ألفاظها، و أنّه (عليه السلام) كان يقول في ذلك اليوم- لمّا أكره على البيعة و حذّر من التقاعد عنها-: يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا

467

يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (1)، و يردد ذلك و يكرّره، و ذكر أكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه.

و في الإمامة و السياسة (ج 1؛ 30) قال: و بقي عمر و معه قوم، فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذا- و اللّه الّذي لا إله إلّا هو- نضرب عنقك، فقال: إذا تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله، قال عمر: أما عبد اللّه فنعم، و أما أخو رسوله فلا، و أبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: أ لا تأمر فيه بأمرك؟! فقال: لا أكرهه على شي‏ء ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق بقبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصيح و يبكي و ينادي: يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (2).

فلا حظ استفهام عمر، فإنّه يشير إلى المؤامرة السابقة بأن يضربوا عنق عليّ (عليه السلام) إن لم يبايع، و ذلك بعينه ما تقدّم نقله عن الخصال؛ حيث أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) بأن لا يجعل لهم سبيلا إلى قتله و سفك دمه، و ذلك ما فعله عليّ (عليه السلام).

و انظر- تصريحهم بالتهديد لعليّ بضرب عنقه، و قراءته (عليه السلام) الآية المباركة- المسترشد في الإمامة (378) و اليقين (337) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 115) و تفسير العياشي (ج 2؛ 70) و الاحتجاج (83) و إثبات الوصيّة (124) و تقريب المعارف (237) و التهاب نيران الأحزان (71- 72) و غيرها من المصادر المصرّحة بذلك من الفريقين من المسلمين.

و قد مرّ خبر الخصال و اليقين، و أن عليّا (عليه السلام) كان يعلم بتفاصيل ما يفعلونه، و لكنّه سكت التزاما بوصيّة رسول اللّه، فلم يكن منه إلّا الصبر.

و قد صرّح في كثير من المصادر أنّه كان يعلم بذلك، و صبر عليه بوصيّته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل إنّ تلاوة عليّ (عليه السلام) للآية المباركة يشير إلى أنّ النبي كان قد أخبره بذلك، كما أنّ هارون كان على وصيّة من موسى، فعصوه؛ و لم يقاتلهم خشية التفريق بين‏

____________

(1). الأعراف؛ 150.

(2). الأعراف؛ 150.

468

بني إسرائيل، و كذلك فعل عليّ (عليه السلام)؛ التزاما بما قاله له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و أمّا المحاولة الثانية:

فهي المؤامرة الدنيئة الّتي خطط لها أبو بكر و عمر، على أن ينفّذها خالد بن الوليد عند صلاة الفجر في غلس اللّيل- لأنّهم كانوا يغلّسون بالصلاة لأجل أن لا تعرف النساء- و أرادوا أن يضيع دمه (عليه السلام)، و كان لأسماء بنت عميس الدور المشرّف في الدفاع عن وصي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

ففي كتاب سليم بن قيس (256) قال ابن عبّاس: ثمّ إنّهم تآمروا و تذاكروا فقالوا:

لا يستقيم لنا أمر ما دام هذا الرجل حيّا، فقال أبو بكر: من لنا بقتله؟ فقال عمر: خالد ابن الوليد، فأرسلا إليه، فقالا: يا خالد ما رأيك في أمر نحملك عليه؟ قال: احملاني على ما شئتما، فو اللّه إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت، فقالا: و اللّه ما نريد غيره، قال: فإنّي لها، فقال أبو بكر: إذا قمنا في الصلاة- صلاة الفجر- فقم إلى جانبه و معك السيف، فإذا سلّمت فاضرب عنقه، قال: نعم، فافترقوا على ذلك، ثمّ إنّ أبا بكر تفكّر فيما أمر به من قتل عليّ (عليه السلام)، و عرف أنّه إن فعل ذلك وقعت حرب شديدة و بلاء طويل، فندم على أمره، فلم ينم ليلته تلك، حتّى أتى المسجد و قد أقيمت الصلاة، فتقدّم فصلى بالناس مفكّرا لا يدري ما يقول، و أقبل خالد بن الوليد متقلّدا بالسيف، حتّى قام إلى جانب عليّ (عليه السلام)، و قد فطن عليّ ببعض ذلك، فلمّا فرغ أبو بكر من تشهّده صاح قبل أن يسلّم: «يا خالد لا تفعل ما أمرتك، فإن فعلت قتلتك»، ثمّ سلّم عن يمينه و شماله، فوثب عليّ (عليه السلام) فأخذ بتلابيب خالد و انتزع السيف من يده، ثمّ صرعه و جلس على صدره، و أخذ سيفه ليقتله، و اجتمع عليه أهل المسجد ليخلّصوا خالدا فما قدروا عليه، فقال العبّاس: حلّفوه بحقّ القبر لما كففت، فحلّفوه بالقبر، فتركه، و قام فانطلق إلى منزله.

و في إثبات الوصيّة (124) قال المسعوديّ: و همّوا بقتل أمير المؤمنين، و تواصوا و تواعدوا بذلك، و أن يتولى قتله خالد بن الوليد، فبعثت أسماء بنت عميس إلى‏

469

أمير المؤمنين بجارية لها، فأخذت بعضادتي الباب و نادت‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏ (1)، فخرج مشتملا سيفه، و كان الوعد في قتله أن ينتهي إمامهم من صلاته بالتسليم، فيقوم خالد إليه بسيفه، فأحسّوا بأسه (عليه السلام)، فقال الإمام قبل أن يسلّم: لا يفعلنّ خالد ما أمرته به.

و في شرح النهج (ج 13؛ 301- 302) قال ابن أبي الحديد: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد ... فقلت له: أحقّ ما يقال في حديث خالد؟

فقال: إنّ قوما من العلويّة يذكرون ذلك، ثمّ قال: و قد روي أن رجلا جاء إلى زفر ابن الهذيل صاحب أبي حنيفة، فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم؛ نحو الكلام و الفعل الكثير أو الحدث؟ فقال: إنّه جائز؛ قد قال أبو بكر في تشهّده ما قال، فقال الرجل: و ما الّذي قاله أبو بكر؟ قال: لا عليك، فأعاد عليه السؤال ثانية و ثالثة، فقال: أخرجوه، قد كنت أحدّث أنّه من أصحاب أبي خطّاب.

و قد روى السمعاني في الأنساب 3: 95 في ترجمة الرواجنيّ- عباد بن يعقوب، المتوفى سنة 250 ه، و هو من شيوخ البخاريّ- أنّه روى حديث أبي بكر، و أنّه قال: لا يفعل خالد ما أمر به. و روى الحادثة العلّامة العلياريّ في ترجمة سفيان الثوريّ في بهجة الآمال (ج 4؛ 380) و رواها الكشي في اختيار معرفة الرجال (ج 2؛ 695) عن كتاب أبي محمّد جبرئيل بن أحمد الفاريابي بخطه بسنده عن ميمون بن عبد اللّه، و ذلك عن سفيان الثوريّ في ترجمته.

و انظر محاولة الاغتيال في المسترشد في الإمامة (450- 454) و تفسير القمّي (ج 2؛ 158) و التهاب نيران الأحزان (93) و الاحتجاج (ج 1؛ 89- 90) و الخرائج و الجرائح (ج 2؛ 757/ الحديث 75 من الطبعة الجديدة) و علل الشرائع (190- 192).

و قد سكت عليّ (عليه السلام)، عن خالد لوصيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك، و إخباره (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) بأنّ ابن ملجم قاتله لا غير، و قد صرّح بذلك في كثير من المصادر، فمن ذلك ما في الاحتجاج‏

____________

(1). القصص؛ 20.

470

(ج 1؛ 90) حيث قال: فالتفت عليّ (عليه السلام) فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه، فقال: يا خالد، ما الّذي أمرك به؟ قال: بقتلك يا أمير المؤمنين، قال: أو كنت فاعلا؟ فقال: إي و اللّه لو لا أنّه نهاني لو ضعته في أكثرك شعرا، فقال له عليّ (عليه السلام): كذبت لا أمّ لك، من يفعله أضيق حلقة است منك، أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لو لا ما سبق به القضاء لعلمت، أيّ الفريقين شرّ مكانا و أضعف جندا.

و أمّا المحاولة الثالثة:

و هي محاولة قتله فيما يسمّى ب «الشورى»، مع أنّها ليست بشورى، لأنّها كانت ذات قوانين مبتنية على العسف و الجور و القوّة، لأن عمر بن الخطّاب جعل الشورى طبق ما دبّره هو لكي تؤول الخلافة إلى عثمان.

قال العلّامة في نهج الحقّ (285- 286): و جعل الأمر إلى ستّة، ثمّ إلى أربعة، ثمّ إلى واحد وصفه بالضعف و القصور، و قال: إن اجتمع عليّ و عثمان فالقول ما قالاه، و إن صاروا ثلاثة و ثلاثة، فالقول للذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، و ذلك لعلمه بأنّ عليّا و عثمان لا يجتمعان، و أنّ عبد الرحمن بن عوف لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه و ابن عمّه، و أنّه أمر بضرب أعناقهم إن تأخّروا عن البيعة فوق ثلاثة أيّام، و أنّه أمر بقتل من يخالف الأربعة منهم، و الّذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف.

و في الإمامة و السياسة (ج 1؛ 42- 43) قال ابن قتيبة: ثمّ قال [أي عمر]: إن استقام أمر خمسة منكم و خالف واحد فاضربوا عنقه، و إن استقام أربعة و اختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، و إن استقرّ ثلاثة و اختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد اللّه، فلأيّ الثلاثة قضى فالخليفة منهم و فيهم، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم.

و في رواية الطبريّ (ج 5؛ 35) و ابن الأثير (ج 3؛ 67) قال: فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر فكونوا مع الّذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.

و في رواية الطبريّ و ابن الأثير أيضا: فخرجوا، فقال عليّ لقوم كانوا معه من‏

471

بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمّروا أبدا، و تلقّاه العبّاس، فقال: عدلت عنا، فقال:

و ما علمك؟ قال: قرن بي عثمان و قال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا و رجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن، و عبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيولّيها عبد الرحمن عثمان، أو يولّيها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ....

و قد مرّ بيان الشورى قبل قليل عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «إيّاكم و بيعات الضلالة و الشورى للجهالة»، لكنّ المهم هو تهديدهم، بالقتل لمن يخالف الأربعة من أصحاب الشورى، أو الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف، فإنّ عمر بن الخطّاب كان يعرف- طبق ما أسلفنا بيانه- أنّ عليّا (عليه السلام) و الزبير أو عليّا لوحده هو المخالف قطعا، و كان غرضه أن يعارض عليّ (عليه السلام) فيقتل لذلك.

و انظر- أمره بقتل من يخالف الأربعة، أو الثلاثة الذين ليس فيهم ابن عوف- شرح النهج (ج 12؛ 256) و طبقات ابن سعد (ج 3؛ 61- 62) و تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 160) و الفتوح (ج 1؛ 327، 328) و الفخريّ (97).

و إضافة إلى هذه المعادلة الظالمة الّتي جعلها عمر في الشورى، و الّتي تؤدي إلى قتل عليّ (عليه السلام) إن عارضهم، نرى تصريحات عليّ (عليه السلام) بأنّه كان هو المراد من هذه المؤامرة، و أنّها كانت محاولة لقتله.

ففي أمالي المفيد (153- 154) بسنده عن زيد بن عليّ بن الحسين، يقول: حدّثني أبي، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يخطب الناس، فقال في خطبته: و اللّه لقد بايع الناس أبا بكر و أنا أولى الناس بهم منّي بقميصي هذا، فكظمت غيظي، و انتظرت أمر ربّي، و ألصقت كلكلي بالأرض، ثمّ إن أبا بكر هلك و استخلف عمر، و قد علم و اللّه أنّي أولى الناس بهم منّي بقميصي هذا، فكظمت غيظي، و انتظرت أمر ربّي، ثمّ إنّ عمر هلك و قد جعلها شورى، فجعلني سادس ستّة كسهم الجدّة، و قال: اقتلوا الأقلّ، و ما أراد غيري .... و روى هذا الخبر أبو الصلاح في تقريب المعارف: 241 قائلا

472

«و قوله (عليه السلام) المستفيض: بايع و اللّه ...».

و في تاريخ الطبريّ (ج 5؛ 41) قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من المنبر، و أقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، و تلكّأ عليّ (عليه السلام)، فقال عبد الرحمن:

فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ، وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (1)، فرجع عليّ يشق الناس حتّى بايع و هو يقول: خدعة و أيّما خدعة.

و في تقريب المعارف (351) قال: و امتنع عليّ (عليه السلام)، فقال له عبد الرحمن: بايع و إلّا ضربت عنقك، في تاريخ البلاذريّ و غيره.

و من طريق آخر: إنّ عليّا (عليه السلام)، خرج مغضبا، فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا له: بايع و إلّا جاهدناك، فقال له: يا عبد الرحمن خئونة خنت دهرا. و من طرق أخر عن الطبريّ و غيره: نصعت الخئونة يا بن عوف، ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم علينا فيه، فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون، و اللّه ما ولّيت عثمان إلّا ليردّ الأمر إليك، و اللّه كلّ يوم في شأن، فقال له عبد الرحمن: لا تجعل على نفسك سبيلا، إنّي نظرت و شاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان.

و قال أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف (353) بعد شرحه لمؤامرة الشورى:

و لم يخف ذلك عليه (عليه السلام)؛ لأنّه قال لابن عبّاس: إنّ القوم قد عادوكم بعد نبيّكم لعداوتهم له في حياته، أ لا ترى إلى قول عمر: إن يبايع اثنان لواحد و اثنان لواحد فالحقّ حقّ عبد الرحمن و اقتلوا الثلاثة الأخر، أما و اللّه ما أراد غيري؛ لأنّه علم أنّ الزبير لا يكون إلّا في حيّزي، و طلحة لا يفارق الزبير، فلم يبال إذا قتلني و الزبير أن يقتل طلحة، أما و اللّه لئن عاش عمره لأعرّفنه سوء رأيه فينا قديما و حديثا، و لئن مات ليجمعني و إيّاه يوم يكون فصل الخطاب.

فهذه هي المحاولات الرئيسية لقتل و اغتيال الإمام عليّ (عليه السلام)، أخبر النبي بها عليّا (عليه السلام)

____________

(1). الفتح؛ 10.

473

بخصوصها تارة، و من جملة ما أخبره به من الحوادث تارة أخرى، و قد نجّاه اللّه منها، إلى أن استشهد (عليه السلام) على يد أشقى الأولين و الآخرين.

و فيهم نزلت‏ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَ اللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ‏ (1)

جاءت الرواية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير قوله تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ‏ (2) أنّهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة، و هم الثلاثي المشؤوم الذي تحمّل العب‏ء الأكبر من وزر غصب الخلافة، و سحب عليّ إلى البيعة قسرا، لكن المحدّث البحراني (رحمه اللّه) في كتابه البرهان (ج 1؛ 396) ذكر تفسير هذه الآية بَيَّتَ طائِفَةٌ (3) في ضمن تفسيره الآية إِذْ يُبَيِّتُونَ‏ (4)، ممّا يعني أنّ المراد في الآيتين نفس المبيّتين؛ و هم الثلاثة المذكورون، و يؤيد هذا أنّ المفسرين ذكروا في تفسير قوله‏ إِذْ يُبَيِّتُونَ‏ (5) انّ المبيتين هم المنافقون، و من المسلّم المقطوع به في روايات الأئمّة (عليهم السلام) أنّ المذكورين من المنافقين.

و في الكافي (ج 8؛ 334) بسنده عن سليمان الجعفريّ، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول:

في قوله اللّه تبارك و تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ‏ (6) قال: يعني فلانا و فلانا و أبا عبيدة بن الجراح.

و في تفسير العيّاشي (ج 1؛ 301) بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام)- في قوله‏ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ‏ (7)- قال: فلان و فلان و أبو عبيدة بن الجراح.

و في رواية عمر بن سعيد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: هما و أبو عبيدة بن الجراح.

____________

(1). النساء؛ 81.

(2). النساء؛ 108.

(3). النساء؛ 81.

(4). النساء؛ 108.

(5). النساء؛ 108.

(6). النساء؛ 108.

(7). النساء؛ 108.

474

و في رواية عمر بن صالح، قال: الأوّل و الثاني و أبو عبيدة بن الجراح. و انظر إرشاد القلوب (336) حيث قرأ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذه الآية في أصحاب الصحيفة الملعونة.

هذا، و كان أبو عبيدة بن الجراح من أصحاب الصحيفة الملعونة كما سيأتي، و هل بعد هذا النفاق من نفاق، و بعد ذلك التبييت من تبييت؟!

ثمّ يميتك شقيّ هذه الأمّة

أخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام) أمام الملأ بأنّ قاتله أشقى البرية و أشقى الناس، و أنّ أشقى الأولين عاقر الناقة، و أشقى الآخرين قاتل عليّ (عليه السلام)، و قد وردت بذلك الروايات المتظافرة الصريحة الصحيحة من طرق الفريقين.

ففي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج 1؛ 230- 232) بسنده عن الرضا، عن الكاظم، عن الصادق، عن الباقر، عن السجاد، عن الحسين، عن الإمام عليّ (عليهم السلام)، قال: إنّ رسول اللّه خطبنا ذات يوم، فقال: أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر اللّه بالبركة و الرحمة و المغفرة ...

فقمت فقلت: يا رسول اللّه، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم اللّه، ثمّ بكى (صلّى اللّه عليه و آله)، فقلت: يا رسول اللّه ما يبكيك؟ فقال: يا عليّ، أبكي لما يستحلّ منك في هذا الشهر؛ كأنّي بك و أنت تصلّي لربّك، و قد انبعث أشقى الأوّلين و الآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك، فخضب منها لحيتك ... و مثله في أمالي الصدوق (84- 86).

و في كامل الزيارات (259- 266) في خبر طويل رواه السجاد (عليه السلام)، عن عمته زينب بنت عليّ (عليه السلام)، عن أم سلمة، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و فيه: ثمّ قال جبرئيل: يا محمّد، إنّ أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمّتك، متعوب من أعدائك، ثمّ مقتول بعدك، يقتله أشرّ الخلق و الخليقة، و أشقى البريّة، نظير عاقر الناقة، ببلد تكون إليه هجرته، و هو مغرس شيعته و شيعة ولده ...

و في كتاب سليم بن قيس (211) قال أبان: قال سليم: لمّا التقى أمير المؤمنين (عليه السلام)

475

و أهل البصرة يوم الجمل، نادى (عليه السلام) الزبير: «يا أبا عبد اللّه اخرج إليّ»، فقال له أصحابه:

يا أمير المؤمنين، تخرج إلى الزبير الناكث بيعته و هو على فرس شاك في السلاح، و أنت على بغلة بلا سلاح؟! فقال عليّ (عليه السلام): إنّ عليّ جبّة واقية، لن يستطيع أحد فرارا من أجله، و إنّي لا أموت، و لا أقتل إلّا على يدي أشقاها، كما عقر ناقة اللّه أشقى ثمود.

و في مجمع البيان (ج 5؛ 498- 499) في تفسير قوله: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (1) أي كان تكذيبها حين انبعث أشقى ثمود للعقر ... و الأشقى عاقر الناقة، و هو أشقى الأولين على لسان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ... و قد صحّت الرواية بالإسناد عن عثمان بن صهيب، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «من أشقى الأولين»؟ قال: عاقر الناقة، قال (صلّى اللّه عليه و آله):

صدقت، فمن أشقى الآخرين؟ قال: قلت: لا أعلم يا رسول اللّه، قال: الّذي يضربك على هذه- و أشار إلى يافوخه-.

و في كشف الغمّة (ج 1؛ 427) قال: قال أبو المؤيد الخوارزمي في كتاب المناقب، يرفعه إلى أبي سنان الدؤلي، أنّه عاد عليّا في شكوى اشتكاها، قال: فقلت له: لقد تخوّفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال: لكنّي و اللّه ما تخوفت على نفسي، لأنّي سمعت رسول اللّه الصادق المصدّق يقول: إنّك ستضرب هاهنا- و أشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتّى تخضب لحيتك، و يكون صاحبها أشقاها، كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود.

قال الأربلي: قلت: الضمير في «أشقاها» يعود إلى الأمّة و إن لم يجر لها ذكر، كما قال تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ‏ (2) و كما قال:

حتّى إذا ألقت يدا من كافر * * * و أجنّ عورات الثغور ظلامها (3)

و يدلّ عليه «أشقى ثمود»، انتهى.

و توضيح ذلك أن الضمير في قوله «توارت» راجع إلى الشمس و إن لم تكن مذكورة،

____________

(1). الشمس؛ 12.

(2). ص؛ 32.

(3). ديوان لبيد بن ربيعة العامريّ: 176.

476

لأنّه شي‏ء قد عرف، و كذلك الضمير في قول لبيد «ألقت»؛ فإنّه راجع للشمس.

و قال الطبرسي (رحمه اللّه) في مجمع البيان (ج 4؛ 474): «توارت بالحجاب» أي توارت الشمس، و لم يجر لها ذكر؛ لأنّه شي‏ء قد عرف، كقوله سبحانه‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ* (1) يعني القرآن، و لم يجر له ذكر، و قوله‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ (2) يعني الأرض، قال الزّجّاج: في الآية دليل على الشمس؛ و هو قوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ‏ (3)، فهو في معنى «عرض عليه بعد زوال الشمس حتّى توارت الشمس بالحجاب»، قال: و ليس يجوز الإضمار إلّا أن يجرى ذكر أو دليل بمنزلة الذكر.

و في مسند أحمد (ج 4؛ 263) بسنده عن عمّار بن ياسر، قال: كنت أنا و عليّ (عليه السلام) رفيقين في غزوة ذات العشيرة، فلمّا نزلها رسول اللّه و أقام بها، رأينا ناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم في نخل، فقال لي عليّ (عليه السلام): يا أبا اليقظان هل لك أن نأتي هؤلاء فننظر كيف يعملون؟ فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثمّ غشينا النوم، فانطلقت أنا و عليّ (عليه السلام) فاضطجعنا في صور من النخل في دقعاء من التراب، فنمنا، فو اللّه ما أهبّنا إلّا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يحرّكنا برجله و قد تترّبنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): يا أبا تراب- لما يرى عليه من التراب- أ لا أحدّثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول اللّه، قال:

أحيمر ثمود الّذي عقر الناقة، و الّذي يضربك يا عليّ على هذه- يعني قرنه- حتّى تبلّ منه هذه- يعني لحيته-.

و في شواهد التنزيل (ج 2؛ 444) بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

أشقى الخلق قدار بن قدير عاقر ناقة صالح، و قاتل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ قال ابن عبّاس:

و لقد أمطرت السماء يوم قتل عليّ دما يومين متتابعين.

و انظر مجمع البيان (ج 5؛ 499) و التوحيد (367- 368) و العمدة (25) و الخرائج و الجرائح (115) و إعلام الورى (83- 84) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 140)

____________

(1). القدر؛ 1.

(2). الرحمن؛ 26.

(3). ص؛ 31.

477

و الإرشاد (13- 14) و فرحة الغري (18- 19) و البحار (ج 42؛ 195) عن كتاب العدد، و الدرّ المنثور (ج 6؛ 357) و شواهد التنزيل (ج 2؛ 434- 444) و فيه ثلاثة عشر حديثا في ذلك، و المستدرك للحاكم (ج 3؛ 113، 140» و خصائص النسائي (129- 130) و تاريخ دمشق (ج 3؛ 276/ الحديث 1361) و (279/ الحديث 1365) و نزل الأبرار (62) و الاستيعاب (ج 3؛ 1125) و كنز العمال (ج 6؛ 399) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 136- 137) و أنساب الأشراف (ج 2؛ 499/ الحديث 544) و مشكل الآثار للطحاويّ (ج 1؛ 351) و سنن البيهقي (ج 8؛ 58) و أسد الغابة (ج 4؛ 33) و تاريخ بغداد (ج 1؛ 135) و نور الأبصار (97) و الصواعق المحرقة (80) و طبقات ابن سعد (ج 3؛ 33- 35) و الرياض النضرة (ج 2؛ 223، 248) و فتح الباري (ج 8؛ 76) و تفسير الثعلبي المخطوط في ذيل الآية 180 من سورة الأعراف، و جواهر العقدين المخطوط/ العقد الثاني- الذكر 14. و انظر تخريجاته في قادتنا (ج 4؛ 98- 104) و فضائل الخمسة (ج 3؛ 82- 86).

هم شركاؤه فيما يفعل‏

هذا ثابت من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، و ثابت في الواقع الّذي حصل بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ إذ لو لا الأوّل لما جاء الثاني، و لو لا الثاني لما جاء الثالث، و لو لا الثاني و الثالث لما تأمّر معاوية و من بعده يزيد، و لما ابتلي الإمام عليّ (عليه السلام) بانحرافات خطيرة عند المسلمين، فكان الأوّلون هم السبب في شهادته (عليه السلام)، و في جميع المصائب الّتي حلّت بآل محمّد (صلوات اللّه عليهم) و المسلمين.

ففي تفسير القمّي (ج 1؛ 383) قال عليّ بن إبراهيم في قوله: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏ (1) قال: يحملون آثامهم، يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين (عليه السلام)، و آثام كلّ من اقتدى بهم، و هو قول الصادق (عليه السلام): و اللّه ما أهريقت‏

____________

(1). النحل؛ 25.

478

محجمة من دم، و لا قرعت عصا بعصا، و لا غصب فرج حرام، و لا أخذ مال من غير حلّه، إلّا وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العالمين شي‏ء.

و في رجال الكشي (ج 2؛ 461) بسنده عن الورد بن زيد، قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام):

جعلني اللّه فداك، قدم الكميت، فقال: أدخله، فسأله الكميت عن الشيخين؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما أهرق دم، و لا حكم بحكم غير موافق لحكم اللّه و حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حكم عليّ (عليه السلام)، إلّا و هو في أعناقهما، فقال الكميت: اللّه أكبر، اللّه أكبر، حسبي، حسبي.

و في الكافي (ج 8؛ 102- 103) بسنده عن الكميت بن زيد الأسديّ، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام)، فقال: و اللّه- يا كميت- لو كان عندنا مال لأعطيناك منه، و لكن لك ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحسّان بن ثابت: «لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنّا» قال: قلت:

خبّرني عن الرجلين؟ قال: فأخذ الوسادة فكسرها في صدره، ثمّ قال: و اللّه- يا كميت- ما أهريق محجمة من دم، و لا أخذ مال من غير حلّه، و لا قلب حجر على حجر، إلّا ذاك في أعناقهما.

و في الكافي أيضا (ج 8؛ 102) بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ منّ علينا بأن عرّفنا توحيده، ثمّ منّ علينا بأنّ أقررنا بمحمّد؛ بالرسالة، ثمّ اختصّنا بحبّكم أهل البيت، نتولّاكم و نتبرّأ من عدوكم، و إنّما نريد بذلك خلاص أنفسنا من النار، قال: و رققت فبكيت، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): سلني، فو اللّه لا تسألني عن شي‏ء إلّا أخبرتك به- قال: فقال له عبد الملك بن أعين: ما سمعته قالها لمخلوق قبلك- قال: قلت: خبّرني عن الرجلين؟ قال: ظلمنا حقّنا في كتاب اللّه عزّ و جلّ، و منعا فاطمة ميراثها من أبيها، و جرى ظلمهما إلى اليوم، قال- و أشار إلى خلفه-: و نبذا كتاب اللّه وراء ظهورهما.

و في الكافي أيضا (ج 8؛ 245) بسنده عن سدير الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عنهما، فقال: يا أبا الفضل ما تسألني عنهما!! فو اللّه، ما مات منّا ميّت قطّ إلّا ساخطا عليهما، و ما منّا اليوم إلّا ساخط عليهما، يوصي بذلك الكبير منّا الصغير، إنّهما ظلمنا حقّنا، و منعانا

479

فيئنا، و كانا أوّل من ركب أعناقنا، و بثقا علينا بثقا في الإسلام لا يسكّر أبدا حتّى يقوم قائمنا، أو يتكلم متكلمنا، ثمّ قال: ... و اللّه ما أسّست من بلية، و لا قضيّة تجري علينا أهل البيت، إلّا هما أسّسا أوّلها، فعليهما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين.

و انظر تقريب المعارف (237- 257) ففيه أحاديث كثيرة عن كثير من الأئمّة و الصحابة، مفادها أنّ الغاصبين الأوائل كانوا هم السبب فيما يجري على آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- من القتل و الاهتضام و سفك دمائهم و تشريدهم، و الروايات في ذلك كثيرة جدّا، أورد جلّها العلّامة المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار/ باب «كفر الثلاثة و نفاقهم و فضائح أعمالهم و قبائح آثارهم و فضل التبري منهم و لعنهم».

480

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

481

الطّرفة الثالثة و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 488) و العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 3؛ 169) باختصار.

و تخرج فلانة عليك في عساكر الحديد

في إرشاد القلوب (337) في خبر حذيفة بن اليمان، قال: ثمّ أمر (صلّى اللّه عليه و آله) خادمة لأم سلمة، فقال لها: اجمعي لي هؤلاء- يعني نساءه- فجمعتهنّ له في منزل أم سلمة، فقال لهنّ: اسمعن ما أقول لكنّ- و أشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب- فقال لهن: هذا أخي، و وصيّي، و وارثي، و القائم فيكنّ و في الأمّة من بعدي، فأطعنه فيما يأمركنّ به، و لا تعصينه فتهلكن لمعصيته.

ثمّ قال: يا عليّ أوصيك بهنّ، فأمسكهنّ ما أطعن اللّه و أطعنك، و أنفق عليهنّ من مالك، و أمرهنّ بأمرك، و انههنّ عمّا يريبك، و خلّ سبيلهن إن عصينك.

فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه، إنّهنّ نساء، و فيهنّ الوهن و ضعف الرأي، فقال: أرفق بهنّ ما كان الرفق أمثل، فمن عصاك منهنّ فطلّقها طلاقا يبرأ اللّه و رسوله منها.

قال: كلّ نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد صمتن فما يقلن شيئا، فتكلّمت عائشة، فقالت: يا رسول اللّه ما كنّا لتأمرنا بشي‏ء فنخالفه إلى ما سواه.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله) لها: بلى، قد خالفت أمري أشدّ الخلاف [في إفشائها ما أسرّه النبي إليها]، و أيم اللّه لتخالفين قولي هذا، و لتعصينه بعدي، و لتخرجين من البيت الّذي أخلّفك فيه،

482

متبرّجة، قد حفّ بك فئات من الناس، فتخالفينه ظالمة له، عاصية لربّك، و لتنبحنّك في طريقك كلاب الحوأب، ألا إنّ ذلك كائن، ثمّ قال: قمن فانصرفن إلى منازلكنّ، فقمن فانصرفن.

و في كمال الدين (ج 1؛ 27) بسنده عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قلت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا رسول اللّه من يغسّلك إذا متّ؟ قال: يغسّل كلّ نبي وصيّه، قلت: فمن وصيّك يا رسول اللّه؟

قال: عليّ بن أبي طالب، قلت: كم يعيش بعدك يا رسول اللّه؟ قال: ثلاثين سنة؛ فإنّ يوشع بن نون- وصي موسى- عاش بعد موسى ثلاثين سنة، و خرجت عليه صفراء بنت شعيب؛ زوجة موسى، فقالت: أنا أحقّ منك بالأمر، فقاتلها فقتل مقاتلتها، و أسرها فأحسن أسرها، و إنّ ابنة أبي بكر ستخرج على عليّ في كذا و كذا ألفا من أمّتي، فيقاتلها فيقتل مقاتليها، و يأسرها فيحسن أسرها، و فيها أنزل اللّه عزّ و جلّ‏ وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ (1) يعني صفراء بنت شعيب. و روى هذا الخبر الطبريّ الإمامي في بشارة المصطفى (277- 278) بسنده عن عبد اللّه بن مسعود أيضا.

و قال العلّامة البياضي في خبر رواه في الصراط المستقيم (ج 2؛ 45): فلمّا ماتا [هارون و موسى‏] كان وصي موسى يوشع بن نون، فخرجت عليه صافورا، و هي غير صفراء بنت شعيب امرأة موسى ....

و في كتاب اليقين (199- 200) نقلا من كتاب المعرفة لإبراهيم الثقفيّ، بإسناده عن نافع مولى عائشة، قال: كنت خادما لعائشة و أنا غلام ... ثمّ جاء جاء فدقّ الباب، فخرجت إليه، فإذا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فرجعت إلى النبي و أخبرته، فقال: أدخله، فدخل عليّ (عليه السلام)، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): مرحبا و أهلا، لقد تمنّيتك حتّى لو أبطأت عليّ لسألت اللّه أن يجي‏ء بك، اجلس فكل، فجلس فأكل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قاتل اللّه من يقاتلك و من يعاديك، قالت عائشة:

و من يعاديه؟، قال (صلّى اللّه عليه و آله): أنت و من معك، أنت و من معك. و روى نحوه في (246- 247)

____________

(1). الأحزاب؛ 33

483

عن كتاب «المائة حديث» بطرق العامة، و رواه الطبريّ الإمامي في المسترشد (603).

و قال ابن حجر في تطهير الجنان (50): و بسند رجاله ثقات أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يا عليّ، إنّه سيكون بينك و بين عائشة أمر ... إذا كان كذلك فارددها إلى مأمنها.

و في ينابيع المودّة (ج 2؛ 105) عن أم سلمة، قالت: ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خروج واحدة من أمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: يا حميراء، إيّاك أن تكوني أنت، ثمّ التفت إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: إن وليت من أمرها شيئا فأرفق بها. و هو في مناقب الخوارزمي (110).

و حديث كلاب الحوأب من الأحاديث الصحيحة المتواترة معنى؛ فقد قال ابن حجر في تطهير الجنان (50): و بسند رجاله رجال الصحيح: أن عائشة لمّا نزلت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلّا راجعة، سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول لنا: أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب؟! فقال لها الزبير: لا ترجعين، عسى اللّه أن يصلح بك الناس.

و قال: و بسند رجاله ثقات، أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لنسائه: أيّتكنّ صاحبة الجمل الأزيب- أي بزاي فتحتية فموحّدة، الطويل أو الضامر- تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، تقتل عن يمينها و عن يسارها قتلى كثيرة، ثمّ تنجو بعد ما كادت تهلك.

و في شرح النهج (ج 9؛ 311) قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لنسائه، و هنّ جميعا عنده: أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها و شمالها قتلى كثيرة كلّهم في النار، و تنجو بعد ما كادت.

و فيه أيضا (ج 6؛ 217- 218) قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط.

و في الصراط المستقيم (ج 3؛ 163) قالت أم سلمة لعائشة: أ لا تذكرين قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

لا تذهب الأيّام و اللّيالي حتّى تنابح كلاب الحوأب على امرأة من نسائي في فئة طاغية؟!

و في ينابيع المودّة (ج 2؛ 71) عائشة، رفعته: أنّ اللّه قد عهد إليّ أنّ من خرج على عليّ (عليه السلام) فهو كافر في النار، قيل: لم خرجت عليه؟ قالت: أنا نسيت هذا الحديث يوم الجمل حتّى ذكرته بالبصرة، و أنا أستغفر اللّه.

484

و انظر حديث كلاب الحوأب في الفائق (ج 1؛ 190) و النهاية في غريب الحديث و الأثر (ج 1؛ 456 «حوب») و (ج 2؛ 96 «دبب») و كفاية الطالب (171) و المواهب اللّدنيّة (ج 2؛ 195) و مجمع الزوائد (ج 7؛ 234) و كنز العمال (ج 6؛ 83) و السيرة الحلبية (ج 3؛ 312) و إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار (67) و المحاسن و المساوئ (49) و حياة الحيوان (ج 1؛ 282) و الإمامة و السياسة (ج 1؛ 82) و الفتوح (ج 1؛ 456- 457) و مروج الذهب (ج 2؛ 366) و تاريخ ابن الأثير (ج 3؛ 210) و تاريخ الطبريّ (ج 5؛ 171) و الأعلام للماورديّ (82) و تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 181) و تاريخ ابن خلدون (ج 2؛ 608) و مسند أحمد (ج 6؛ 97) و المستدرك للحاكم (ج 3؛ 119) و الفخريّ (86) و مناقب الخوارزمي (114).

و في دلائل الإمامة (120- 121) بسنده عن سليمان بن خالد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) جالسا ... قالوا: فإن طلحة و الزبير صنعا ما صنعا، فما حال المرأة؟ قال (عليه السلام):

المرأة عظيم إثمها، ما أهرقت محجمة من دم إلّا و إثم ذلك في عنقها و عنق صاحبيها.

و تتخلّف الأخرى تجمع إليها الجموع، هما في الأمر سواء

قال الطبريّ في تاريخه (ج 5؛ 167): و انطلق القوم بعدها [أي بعد عائشة] إلى حفصة، فقالت: رأيي تبع لرأي عائشة ... و تجهزوا بالمال و نادوا بالرحيل، و استقلّوا ذاهبين، و أرادت حفصة الخروج، فأتاها عبد اللّه بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقعدت، و بعثت إلى عائشة «أن عبد اللّه حال بيني و بين الخروج»، فقالت: يغفر اللّه لعبد اللّه.

و في شرح النهج (ج 16؛ 225) قال أبو مخنف: و أرسلت إلى حفصة تسألها الخروج و المسير معها، فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر، فأتى أخته فعزم عليها، فأقامت و حطّت الرحال بعد ما همّت.

و في الفتوح (ج 1؛ 457) قال: فخرجت عائشة من عند أم سلمة و هي حنقة عليها، ثمّ إنّها بعثت إلى حفصة، فسألتها أن تخرج معها إلى البصرة، فأجابتها حفصة إلى ذلك.

485

و في الفتوح (ج 1؛ 467): و بلغ ذلك [خروج عائشة و الحشود] حفصة بنت عمر بن الخطّاب، فأرسلت إلى أم كلثوم بنت عليّ (عليه السلام)، فدعتها، ثمّ أخبرتها باجتماع الناس إلى عائشة، كلّ ذلك لتغمّها بكثرة الجموع إلى عائشة، فقالت لها أم كلثوم: على رسلك يا حفصة، فإنّكم إن تظاهرتم على أبي فقد تظاهرتم على رسول اللّه، فكان اللّه مولاه و جبرئيل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير.

و في تاريخ ابن الأثير (ج 3؛ 208): و أجابتهم حفصة إلى المسير معهم، فمنعها أخوها عبد اللّه بن عمر.

و في كتاب الجمل (276- 277) قال: و لمّا بلغ عائشة نزول أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار كتبت إلى حفصة بنت عمر: «أمّا بعد، فإنا نزلنا البصرة، و نزل عليّ بذي قار، و اللّه داقّ عنقه كدقّ البيضة على الصفا، إنّه بذي قار بمنزلة الأشقر، إن تقدّم نحر و إن تأخر عقر»، فلمّا وصل الكتاب إلى حفصة استبشرت بذلك، و دعت صبيان بني تيم و عدي، و أعطت جواريها دفوفا و أمرتهنّ أن يضربن بالدفوف، و يقلن: «ما الخبر ما الخبر* عليّ كالاشقر* إن تقدّم نحر* و إن تأخّر عقر»، فبلغ أمّ سلمة رضي اللّه عنها اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سبّ أمير المؤمنين و المسرّة بالكتاب الوارد عليهن من عائشة، فبكت و قالت: أعطوني ثيابي حتّى أخرج إليهن و أقع بهن.

فقالت أمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أنوب عنك، فإنّني أعرف منك، فلبست ثيابها و تنكّرت و تخفّرت، و استصحبت جواريها متخفّرات، و جاءت حتّى دخلت عليهن كأنّها من النظّارة، فلمّا رأت ما هنّ فيه من العبث و السفه كشفت نقابها، و أبرزت لهنّ وجهها، ثمّ قالت لحفصة: «إن تظاهرت أنت و أختك على أمير المؤمنين، فقد تظاهرتما على أخيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من قبل، فأنزل اللّه عزّ و جلّ فيكما ما أنزل، و اللّه من وراء حربكما»، فانكسرت حفصة و أظهرت خجلا، و قالت: إنّهنّ فعلن هذا بجهل، و فرّقتهن في الحال، فانصرفن من المكان.

و روى الخبر ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 14؛ 13) ثمّ قال: قال أبو مخنف:

486

«روى هذا الخبر جرير بن يزيد، عن الحاكم، و رواه الحسن بن دينار، عن الحسن البصريّ»، و ذكر الواقديّ مثل ذلك، و ذكر المدائني أيضا مثله.

و انظر الصراط المستقيم (ج 3؛ 169) و مثالب النواصب (ج 3؛ 37- 38) و الدر النظيم (ج 1؛ 123) و بحار الأنوار (ج 32؛ 90- 91).

و في هذه النصوص و غيرها أكبر دلالة على أنّ حفصة كانت تحارب عليّا إعلاميّا، و تحشّد الناس فكريّا ضد عليّ (عليه السلام)، ليخفّوا إلى عائشة، و يقعدوا عن نصرة عليّ (عليه السلام).

قال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه إن فعلتا ذلك تلوت عليهما كتاب اللّه، و هو الحجّة فيما بيني و بينهما

في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 155) قال عليّ (عليه السلام): اللّهمّ إنّي أعذرت و أنذرت، فكن لي عليهم من الشاهدين، ثمّ أخذ المصحف و طلب من يقرأ عليهم‏ وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما (1)، فقال مسلم المجاشعيّ: ها أنا ذا، فخوّفه بقطع يمينه و شماله و قتله، فقال: يا أمير المؤمنين فهذا قليل في ذات اللّه، فأخذه و دعاهم إلى اللّه، فقطعت يده اليمنى، فأخذه بيده اليسرى، فقطعت، فأخذه بأسنانه، فقال (عليه السلام): الآن طاب الضراب.

و في إرشاد القلوب (341- 342): لمّا صافّ القوم و اجتمعوا على الحرب، أحبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يستظهر عليهم بدعائهم إلى القرآن و حكمه، فدعا بمصحف، و قال: من يأخذ هذا المصحف؛ يعرضه عليهم، و يدعوهم إلى ما فيه، فيحيي ما أحياه، و يميت ما أماته؟ ... قال: فقام الفتى و قال: يا أمير المؤمنين، أنا آخذه و أعرضه عليهم و أدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ نادى الثانية ... ثمّ نادى الثالثة، فلم يقم إليه أحد من الناس إلّا الفتى، فقال: أنا آخذه و أعرضه عليهم، و أدعوهم إلى ما فيه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّك إن فعلت ذلك فأنت مقتول، فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما شي‏ء أحبّ‏

____________

(1). الحجرات؛ 9

487

إليّ من أن أرزق الشهادة بين يديك، و أن أقتل في طاعتك.

فأعطاه أمير المؤمنين (عليه السلام) المصحف، فتوجّه به نحو عسكرهم، فنظر إليه أمير المؤمنين، فقال: إنّ الفتى ممّن حشا اللّه قلبه نورا و إيمانا، و هو مقتول، و لقد أشفقت عليه من ذلك، و لن يفلح القوم بعد قتلهم إيّاه.

فمضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بإزاء عسكر عائشة، و طلحة و الزبير حينئذ عن يمين الهودج و شماله، و كان له صوت فنادى بأعلى صوته: معاشر الناس، هذا كتاب اللّه، و إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يدعوكم إلى كتاب اللّه و الحكم بما أنزل اللّه فيه، فأنيبوا إلى طاعة اللّه و العمل بكتابه.

قال: و كانت عائشة و طلحة و الزبير يسمعون قوله، فأمسكوا، فلمّا رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى- و المصحف في يمينه- فقطعوا يده اليمنى، فتناول المصحف بيده اليسرى، و ناداهم بأعلى صوته مثل ندائه أوّل مرّة، فبادروا إليه و قطعوا يده اليسرى، فتناول المصحف و احتضنه و دماؤه تجري عليه، و ناداهم مثل ذلك، فشدّوا عليه فقتلوه، و وقع ميّتا فقطّعوه إربا إربا، و لقد رأينا شحم بطنه أصفر.

قال: و أمير المؤمنين (عليه السلام) واقف يراهم، فأقبل على أصحابه، و قال: إنّي و اللّه ما كنت في شكّ و لا لبس من ضلالة القوم و باطلهم، و لكن أحببت أن يتبين لكم جميعا ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدي في رجال صالحين معه، و وثوبهم بهذا الفتى و هو يدعوهم إلى كتاب اللّه و الحكم به و العمل بموجبه، فثاروا إليه فقتلوه، لا يرتاب بقتلهم إيّاه مسلم، و وقدت الحرب ....

قال عبد اللّه بن سلمة: كنت ممّن شهد حرب الجمل، فلمّا وضعت الحرب أوزارها، رأيت أم ذلك الفتى واقفة عليه، فجعلت تبكي عليه، ثمّ أنشأت تقول:

يا ربّ إنّ مسلما أتاهم‏ * * * يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم‏

يأمرهم بأمر من ولاهم‏ * * * فخضّبوا من دمه قناهم‏

و أمّه قائمة تراهم‏ * * * تأمرهم بالغي لا تنهاهم‏

488

و انظر بعث عليّ (عليه السلام) الغلام بكتاب اللّه ليدعوهم إليه، و قتلهم الفتى، في تاريخ الطبريّ (ج 5؛ 205- 206) و تاريخ ابن الأثير (ج 3؛ 261- 262) و الفتوح (ج 1؛ 477) و مروج الذهب (ج 2؛ 370) و شرح النهج (ج 9؛ 112) و مناقب الخوارزمي (112- 113) و فيه «أنّ المقتولين الذين بعثهم عليّ بالقرآن ثلاثة، كلّ يوم واحد»، و (119) و الجمل (336- 340) و فيه «أنّ عليّا (عليه السلام) بعث ابن عبّاس بكتاب اللّه ليحاججهم، ثمّ بعث الفتى فقتلوه بأمر عائشة؛ حيث قالت: اشجروه بالرماح قبّحه اللّه»، و تذكرة الخواص (71- 72).

و انظر تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 182).

فإن قبلتاه و إلّا أخبرتهما بالسنة و ما يجب عليهما من طاعتي و حقّي المفروض عليهما

الثابت تاريخيّا أن عليّا (عليه السلام) احتجّ على عائشة و طلحة و الزبير بأبلغ الاحتجاج، فلم يرعووا و لم يرتدعوا؛ إذ احتجّ عليهم بالكتاب كما تقدّم، و بالسنّة كما سنذكره هنا؛ حيث احتجّ على عائشة- و هو مرادنا هنا- كما احتجّ على طلحة و الزبير، و لم يحتجّ على حفصة مباشرة، و إنّما لزمتها الحجّة الّتي أقامها عليّ (عليه السلام) على أصحاب الجمل و أتباعهم، و قد تقدّم أنّ أم كلثوم بنت عليّ و أم سلمة أقامتا الحجّة على حفصة، فتكون الحجّة لازمة لها و إن أقامها عليّ (عليه السلام) على عائشة مباشرة.

ففي بصائر الدرجات (264) بسنده عن محمّد بن سنان، يرفعه، قال: إنّ عائشة قالت:

التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل حتّى أبعثه إليه، قال: فأتيت به ... قال (عليه السلام): أرجع إليها كتابي هذا، و قل لها: ما أطعت اللّه و لا رسوله حيث أمرك اللّه بلزوم بيتك، فخرجت تردّدين في العساكر.

و في الخصال (377) بسنده عن الباقر (عليه السلام)، في رواية طويلة في بيان عليّ (عليه السلام) للمواطن الّتي امتحن اللّه بها الأوصياء، قال عليّ (عليه السلام) فيها: فقدّمت الحجّة بالإعذار و الإنذار، و دعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، و القوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي ....

489

و في الفتوح (ج 1؛ 471): فلمّا كان الغد دعا عليّ (عليه السلام) بزيد بن صوحان و عبد اللّه بن عبّاس، فقال لهما: امضيا إلى عائشة، فقولا لها: أ لم يأمرك اللّه أن تقرّي في بيتك؟ فخدعت و انخدعت، و استنفرت فنفرت، فاتّقي اللّه الّذي إليه مرجعك و معادك، و توبي إليه فإنّه يقبل التوبة عن عباده، و لا يحملنّك قرابة طلحة و حبّ عبد اللّه بن الزبير على الأعمال الّتي تسعى بك إلى النار، قال: فانطلقا إليها و بلّغاها رسالة عليّ (عليه السلام)، فقالت: ما أنا برادّة عليكم شيئا، فإنّي أعلم أنّي لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 152) عن ابن أعثم في الفتوح (ج 1؛ 468) قال: ثمّ كتب (عليه السلام) إلى عائشة: أمّا بعد، فإنّك قد خرجت من بيتك عاصية للّه تعالى و لرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الإصلاح بين المسلمين، فأخبريني ما للنساء وقود العساكر و الإصلاح بين الناس؟! فطلبت كما زعمت بدم عثمان، و عثمان رجل من بني أميّة، و أنت امرأة من بني تيم بن مرّة، و لعمري إنّ الذي عرّضك للبلاء، و حملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان، و ما غضبت حتّى أغضبت، و لا هجت حتّى هيّجت، فاتقي اللّه يا عائشة و ارجعي إلى منزلك، و أسبلي عليك سترك، و السلام.

قال ابن شهرآشوب: قالت عائشة: قد جلّ الأمر عن الخطاب.

و روى الأربلي في كشف الغمّة (ج 1؛ 239- 240) كتاب عليّ هذا، ثمّ قال:

فجاء الجواب إليه: يا بن أبي طالب جلّ الأمر عن العتاب، و لن ندخل في طاعتك أبدا فاقض ما أنت قاض، و السلام. و هو في الإمامة و السياسة (ج 1؛ 90- 91) ثمّ قال: و كتبت عائشة: جلّ الأمر عن العتاب، و السلام.

و روى كتاب عليّ هذا الخوارزمي في مناقبه (117) و سبط ابن الجوزيّ في تذكرة الخواص (69).

و قال أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف (300- 301): فلمّا انتهى (عليه السلام) إليهم دعاهم إلى اللّه، و إلى كتابه، و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الدخول في الجماعة، و خوّفهم الفتنة و الفرقة، فأبوا إلّا القتال أو خلع نفسه من الأمر ليولّوه من شاءوا، أو يسلّم إليهم قتلة عثمان ليروا رأيهم‏

490

فيهم، فسألهم ذكر حدث يوجب خلعه، أو تقصير يمنع من إمامته، فلم يجيبوه، فكرّر الإعذار، و بالغ في النصيحة و الدعوة إلى كتاب اللّه و السنّة، و التخويف من الفتنة و الفرقة، على الانفراد بكلّ منهم بنفسه و برسله، و الاجتماع ... فكرر التذكار و الوعظ، فلم يزدهم ذلك إلّا طغيانا و إصرارا، فأمسك عن قتالهم و اقتصر على الدعاء، حتّى بدءوه بالحرب، و قتلوا داعيه بالمصحف إلى ما فيه، و هو مسلم، و رشقوا أصحابه (عليه السلام) بالسهام، فجرحوا قوما و قتلوا آخرين، و حملوا على أصحابه من كلّ جانب، و عائشة على جملها مجفّفا، و على هودجها الدروع، بارزة بين الصفّين تحرّض على القتال، فحينئذ أذن (عليه السلام) لأنصاره بالقتال ...

و قال الدينوريّ في الأخبار الطوال (147) قالوا: و أقام عليّ (عليه السلام) ثلاثة أيّام يبعث رسله إلى أهل البصرة، فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة و الدخول في الجماعة، فلم يجد عند القوم إجابة.

و في تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 182): و اصطفّ أصحاب عليّ (عليه السلام)، فقال لهم: لا ترموا بسهم، و لا تطعنوا برمح، و لا تضربوا بسيف ... أعذروا، فرمى رجل من عسكر القوم بسهم فقتل رجلا من أصحاب أمير المؤمنين، فأتي به إليه، فقال: اللّهمّ اشهد، ثمّ رمى آخر فقتل رجلا من أصحاب عليّ، فقال: اللّهمّ اشهد، ثمّ رمى رجل آخر، فأصاب عبد اللّه بن بديل ابن ورقاء الخزاعي ....

يضاف إلى ما ذكرنا ما أطبقت عليه المصادر التاريخية من تذكير عليّ الزبير بحقّه بنص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و رجوع الزبير، كما أطبقت المصادر على احتجاج عليّ على طلحة و محاججته بالسنّة، و كذلك عائشة، و هذا كلّه تعلّما من رسول اللّه، و أخذا عنه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد اعترفت عائشة و كانت تعرف ذلك جيدا، و أنّ عليّا ابن عمّ الرسول و المترسّم لخطاه، قال ابن أعثم في الفتوح (ج 1؛ 476- 477): و نظرت إليه [إلى عليّ (عليه السلام)‏] عائشة و هو يجول بين الصفوف، فقالت: انظروا إليه، كأنّ فعله فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم بدر، أما و اللّه ما ينتظر

491

بكم إلّا زوال الشمس، فقال عليّ (عليه السلام): يا عائشة عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ‏ (1).

قال: و عقر الجمل ... و إن وقع في النار

في الفتوح (ج 1؛ 489) قال ابن أعثم: و احمرت الأرض بالدماء، و عقر من ورائه، فعجّ و رغا، فقال عليّ (عليه السلام): عرقبوه فإنّه شيطان.

و قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 1؛ 257): و زحف عليّ (عليه السلام) نحو الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين و الأنصار، و حوله بنوه حسن و حسين (عليهما السلام) و محمّد، و دفع الراية إلى محمّد، و قال: اقدم بها حتّى تركزها في عين الجمل.

و فيه أيضا (ج 1؛ 253): صرخ عليّ بأعلى صوته: ويلكم اعقروا الجمل فإنّه شيطان، ثمّ قال: اعقروه و إلّا فنيت العرب ... فصمدوا له حتّى عقروه، فسقط و له رغاء شديد، فلمّا برك كانت الهزيمة.

و فيه أيضا (ج 1؛ 266): و خلص عليّ (عليه السلام) في جماعة من النّخع و همدان إلى الجمل ...

فما هو إلّا أن صرع الجمل حتّى فرّت الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة.

و فيه أيضا (ج 1؛ 262): فنادى عليّ (عليه السلام): و يحكم ارشقوا الجمل بالنبل، اعقروه لعنه اللّه.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 161): و شكّت السهام الهودج حتّى كأنّه جناح نسر أو شوك قنفذ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما أراه يقاتلكم غير هذا الهودج، اعقروا الجمل.

و في رواية: عرقبوه فإنّه شيطان.

و في أمالي المفيد (59): ثمّ نادى منادي أمير المؤمنين (عليه السلام): عليكم بالبعير فإنّه شيطان، قال: فعقره برمحه، و قطع إحدى يديه رجل آخر، فبرك و رغا.

و انظر تاريخ الطبريّ (ج 5؛ 210) و الجمل (350، 360، 369، 374- 375) و تاريخ ابن الأثير (ج 3؛ 247- 248) و مناقب الخوارزمي (121) و مروج الذهب‏

____________

(1). المؤمنون؛ 40

492

(ج 2؛ 375- 376) و الأخبار الطوال (150- 151) و البداية و النهاية (ج 7؛ 270).

و قال الشريف المرتضى في شرح القصيدة المذهّبة (90) عند شرحه لقول السيّد الحميريّ:

أ إلى أميّة أم إلى شيع الّتي‏ * * * جاءت على الجمل الخدبّ الشوقب‏

قال: و قيل: أنّ اسم هذا الجمل «عسكر»، و شوهد من هذا الجمل في ذلك اليوم كلّ عجب، كلّما أثبتت منه قائمة من قوائمه ثبت على الأخرى، حتّى روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) نادى: اقتلوا الجمل فإنّه شيطان، و أنّ محمّد بن أبي بكر و عمّارا- رحمة اللّه عليهما- توليا عقره بعد طول زمانه، و روي أنّ هذا الجمل بقي باركا، ضاربا بجرانه سنة لا يأكل منه سبع و لا طائر.

و في اختيار معرفة الرجال (ج 1؛ 57- 58) قال: كان سلمان إذا رأى الجمل- الّذي يقال له: عسكر- يضربه، فيقال له: يا أبا عبد اللّه، ما تريد من هذه البهيمة؟ فيقول: ما هذا بهيمة، و لكنّ هذا عسكر بن كنعان الجنّي، يا أعرابي لا ينفق جملك هاهنا، و لكن اذهب به إلى الحوأب؛ فإنّك تعطى ما تريد.

و فيه (ج 1؛ 58) عن الباقر (عليه السلام)، قال: اشتروا عسكرا بسبعمائة درهم، و كان شيطانا.

و في الاحتجاج (164) و قيل: أنّ اسم الجمل الّذي ركبته يوم الجمل عائشة «عسكر»، من ولد إبليس اللّعين، و رئي منه ذلك اليوم كلّ عجيب؛ لأنّه كلّما بتر منه قائمة من قوائمة ثبت على أخرى، حتّى نادى أمير المؤمنين (عليه السلام): اقتلوا الجمل فإنّه شيطان.

و في شرح النهج (ج 1؛ 266) عن أبي مخنف، قال: و حدّثنا مسلم الأعور، عن حبّة العرني، قال: فلمّا رأى عليّ (عليه السلام) أنّ الموت عند الجمل، و أنّه ما دام قائما فالحرب لا تطفأ، وضع سيفه على عاتقه، و عطف نحوه، و أمر أصحابه بذلك، و مشى نحوه، و الخطام مع بني ضبّة، فاقتتلوا قتالا شديدا، و استحرّ القتل في بني ضبّة، فقتل منهم مقتلة عظيمة، و خلص عليّ (عليه السلام) في جماعة من النّخع و همدان إلى الجمل، فقال لرجل من النخع «اسمه بجير»:

دونك الجمل يا بجير، فضرب عجز الجمل بسيفه، فوقع لجنبه، و ضرب بجرانه الأرض، و عجّ عجيجا لم يسمع بأشدّ منه، فما هو إلّا أن صرع الجمل حتّى فرّت الرجال كما

493

يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ... و أمر عليّ (عليه السلام) بالجمل أن يحرق ثمّ يذرّى في الريح، و قال (عليه السلام): لعنه اللّه من دابّة، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل، ثمّ قرأ وَ انْظُرْ إِلى‏ إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (1).

يا عليّ، إذا فعلتا ما شهد عليهما القرآن، فأبنهما منّي فإنّهما بائنتان.

في كمال الدين (459) بسنده عن سعد بن عبد اللّه القمّي، في قضية و روده إلى سامراء ليسأل الإمام العسكري (عليه السلام) عن مسائل، حتّى قال: نظر إليّ مولانا أبو محمّد، فقال: ما جاء بك يا سعد؟ فقلت: شوّقني أحمد بن إسحاق على لقاء مولانا قال: و المسائل الّتي أردت أن تسأل عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي، قال: فسل قرّة عيني- و أومأ إلى الغلام [صاحب الأمر (عجّل اللّه فرجه)‏]- فقال لي الغلام: سل عمّا بدا لك منها.

فقلت له: مولانا و ابن مولانا، إنّا روينا عنكم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة: إنّك قد أرهجت على الإسلام و أهله بفتنتك، و أوردت بنيك حياض الهلاك بجهلك، فإن كففت عنّي غربك و إلّا طلقتك، و نساء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد كان طلاقهنّ وفاته؟!

قال (عليه السلام): ما الطلاق؟

قلت: تخلية السبيل.

قال: فإذا كان طلاقهنّ وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد خلّيت لهنّ السبيل، فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج؟

قلت: لأنّ اللّه تبارك و تعالى حرّم الأزواج عليهنّ.

قال: كيف، و قد خلّى الموت سبيلهنّ؟

قلت: فأخبرني يا بن مولاي عن معنى الطلاق الّذي فوّض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكمه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

____________

(1). طه؛ 97

494

قال (عليه السلام): إنّ اللّه تقدّس اسمه عظّم شأن نساء النبي، فخصهنّ بشرف الأمّهات، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أبا الحسن، إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن للّه على الطاعة، فأيّتهن عصمت اللّه بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج، و أسقطها من شرف أمومة المؤمنين.

و في الفتوح (ج 1؛ 493- 494) بعد أن ذكر محاججة ابن عبّاس لعائشة، قال: ثمّ أقبل عليّ (عليه السلام) على عائشة، فجعل يوبّخها و يقول: أمرك اللّه أن تقرّي في بيتك، و تحتجبي بسترك، و لا تبرّجي، فعصيته و خضت الدماء، تقاتلينني ظالمة، و تحرّضين عليّ الناس، و بنا شرّفك اللّه و شرّف آباءك من قبلك، و سمّاك أم المؤمنين، و ضرب عليك الحجاب، قومي الآن فارحلي، و اختفي في الموضع الّذي خلّفك فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أن يأتيك فيه أجلك، ثمّ قام عليّ (عليه السلام) فخرج من عندها.

قال: فلمّا كان من الغد بعث إليها ابنه الحسن (عليه السلام)، فجاء الحسن (عليه السلام) فقال لها: يقول لك أمير المؤمنين «أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لئن لم ترحلي الساعة لأبعثنّ إليك بما تعلمين»، قال: و عائشة في وقتها ذلك قد ضفرت قرنها الأيمن و هي تريد أن تضفر الأيسر، فلمّا قال لها الحسن ما قال، و ثبت من ساعتها و قالت: رحّلوني.

فقالت لها امرأة من المهالبة: يا أم المؤمنين، جاءك عبد اللّه بن عبّاس فسمعناك و أنت تجاوبينه حتّى علا صوتك، ثمّ خرج من عندك و هو مغضب، ثمّ جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقك، و قد كان أبوه جاءك فلم نر منك هذا القلق و الجزع!!

فقالت عائشة: إنّما أقلقني لأنّه ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فمن أحبّ أن ينظر إلى رسول اللّه فلينظر إلى هذا الغلام، و بعد فقد بعث إليّ أبوه ما قد علمت، و لا بدّ من الرحيل.

فقالت لها المرأة: سألتك باللّه و بمحمّد إلّا أخبرتني بما ذا بعث إليك عليّ (عليه السلام)؟

فقالت عائشة: و يحك، إنّ رسول اللّه أصاب من مغازيه نفلا، فجعل يقسم ذلك في أصحابه، فسألناه أن يعطينا منه شيئا، و ألححنا عليه في ذلك، فلا منا عليّ (عليه السلام)، و قال:

حسبكنّ أضجرتن رسول اللّه، فتجهّمناه و أغلظنا له في القول، فقال: عَسى‏ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَ‏

495

أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ‏ (1)، فأغلظنا له أيضا في القول و تجهّمناه، فغضب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من ذلك و ما استقبلنا به عليا، فأقبل عليه ثمّ قال: يا عليّ، إنّي قد جعلت طلاقهنّ إليك، فمن طلّقها منهنّ فهي بائنة، و لم يوقّت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك وقتا في حياة و لا موت، فهي تلك الكلمة، و أخاف أن أبين من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و روى هذا الخبر ابن شهرآشوب في مناقبه (ج 2؛ 134) و فيه: قالت [عائشة]: إنّ رسول اللّه جعل طلاق نسائه بيد عليّ، فمن طلّقها في الدنيا بانت منه في الآخرة، و في رواية:

كان النبي يقسم نفلا في أصحابه ... و ساق معنى ما تقدّم.

و في إرشاد القلوب (337): ثمّ أمر (صلّى اللّه عليه و آله) خادمة لأم سلمة، فقال: اجمعي لي هؤلاء- يعني نساءه- فجمعتهن له في منزل أم سلمة، فقال لهنّ: اسمعن ما أقول لكنّ- و أشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)- فقال لهنّ: هذا أخي، و وصيّي، و وارثي، و القائم فيكن و في الأمّة من بعدي، فأطعنه فيما يأمركن به، و لا تعصينه فتهلكن لمعصيته.

ثمّ قال: يا عليّ، أوصيك بهنّ، فأمسكهنّ ما أطعن اللّه و أطعنك، و أنفق عليهن من مالك، و أمرهنّ بأمرك، و انههنّ عمّا يريبك، و خلّ سبيلهن إن عصينك.

فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه، إنّهنّ نساء و فيهنّ الوهن و ضعف الرأي.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أرفق بهنّ ما كان الرفق أمثل، فمن عصاك منهنّ فطلّقها طلاقا يبرأ اللّه و رسوله منها. و روى نحوه الدرازي في التهاب نيران الأحزان (34).

و في بصائر الدرجات (314) بسنده عن يزيد بن شرحبيل: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): هذا أفضلكم حلما، و أعلمكم علما، و أقدمكم سلما، قال ابن مسعود: يا رسول اللّه فضلنا بالخير كلّه؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما علّمت شيئا إلّا و قد علّمته، و ما أعطيت شيئا إلّا و قد أعطيته، و لا استودعت شيئا إلّا و قد استودعته، قالوا: فأمر نسائك إليه؟

____________

(1). التحريم؛ 5

496

قال: نعم، قالوا: في حياتك؟ قال: من عصاه فقد عصاني، و من أطاعه فقد أطاعني، فإن دعاكم فاشهدوا.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 133- 134) قال: و إنّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل طلاق نسائه إليه. أبو الدر عليّ المرادي، و صالح مولى التؤمة، عن عائشة: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعل طلاق نسائه إلى عليّ (عليه السلام).

الأصبغ بن نباتة، قال: بعث عليّ يوم الجمل إلى عائشة: ارجعي و إلّا تكلّمت بكلام تبرين من اللّه و رسوله.

و في المسترشد (354) في مناشدة عليّ (عليه السلام): أ فيكم أحد جعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في طلاق نسائه مثل نفسه غيري؟

و في أمالي الطوسي (550) قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): فهل فيكم أحد استخلفه رسول اللّه في أهله، و جعل أمر أزواجه إليه من بعده غيري؟ و روى مثله الديلمي في إرشاد القلوب (261).

و في الاحتجاج (138) قال (عليه السلام): نشدتكم باللّه، هل فيكم أحد جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طلاق نسائه بيده غيري؟!

و في الخصال (377) قول عليّ (عليه السلام) في وصف الناكثين: فلمّا لم يجدوه عندي وثبوا بالمرأة عليّ، و أنا وليّ أمرها و الوصي عليها. و مثله في شرح الأخبار (ج 1؛ 353).

و في بصائر الدرجات (299) بسنده عن معاوية الدهني، قال: دخل أبو بكر على عليّ (عليه السلام) فقال له: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما تحدّث إلينا في أمرك حديثا بعد يوم الولاية، و إنّي أشهد أنّك مولاي، مقرّ لك بذلك، و قد سلّمت عليك على عهد رسول اللّه بإمرة المؤمنين، و أخبرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّك وصيّه و وارثه و خليفته في أهله و نسائه ....

و لم يختصّ هذا المطلب بعائشة فقط أو نساء النبي، و إنّما روي مثل ذلك في تطليق الإمام الرضا (عليه السلام) زوجة الإمام الكاظم (عليه السلام) بعد موته.

ففي الكافي (ج 1؛ 316) بسنده عن يزيد بن سليط، في وصيّة الكاظم (عليه السلام)، حيث ذكر

497

فيها وصاياه عامّة، و منها: و إنّي قد أوصيت إلى عليّ و بني بعد معه ... و أوصيت إليه بصدقاتي و مواليّ و صبياني الّذين خلّفت، و ولدي إلى إبراهيم و العباس و قاسم و إسماعيل و أحمد و أمّ أحمد، و إلى عليّ (عليه السلام) أمر نسائي دونهم.

و في الكافي أيضا (ج 1؛ 381) بسنده عن الوشاء، قال: قلت لأبي الحسن [الرضا (عليه السلام)‏]:

إنّهم رووا عنك في موت أبي الحسن [الكاظم (عليه السلام)‏]: أنّ رجلا قال لك: علمت ذلك بقول سعيد؟ فقال (عليه السلام): جاء سعيد بعد ما علمت به قبل مجيئة، قال: و سمعته يقول: طلّقت أم فروة بنت إسحاق [إحدى نساء الكاظم (عليه السلام)‏] في رجب، بعد موت أبي الحسن بيوم، قلت: طلّقتها و قد علمت بموت أبي الحسن؟ قال: نعم، قلت: قبل أن يقدم عليك سعيد؟ قال: نعم.

و في بصائر الدرجات (487) بسنده عن أحمد بن عمر، قال: سمعته يقول- يعني أبا الحسن الرضا (عليه السلام)-: إنّي طلّقت أمّ فروة بنت إسحاق في رجب، بعد موت أبي بيوم، قلت له: جعلت فداك طلّقتها و قد علمت موت أبي الحسن؟ قال: نعم.

و أبواهما شريكان لهما فيما فعلتا

مرّ قبل قليل أنّ الأوّل و الثاني هما أساس الانحراف و الظلم، و أنّه ما أسست بليّة و لا أريق دم إلّا و في أعناقهما وزر ذلك، مرّ هذا عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «هم شركاؤه فيما يفعل».

و نزيد هنا ما نقله العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 8؛ 251) عن كتاب قديم فيه دعاء (1) عن الإمام الصادق (عليه السلام) و قوله: اللّهمّ العنهما و ابنتيهما، و كلّ من مال ميلهم، و حذا حذوهم، و سلك طريقهم ... و هو في مهج الدعوات (333- 334).

____________

(1). ذكر ناسخه و هو مصنّفه أن اسمه محمّد بن محمّد بن عبد اللّه بن فاطر، رواه عن شيوخه، فقال ما هذا لفظه «حدّثنا محمّد بن عليّ بن رقاق القمّي، قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان القمّي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي، عن أبيه، قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه الحميريّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن أبي يحيى المدنيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أنّه قال: من حقّنا على أوليائنا و أشياعنا أن لا ينصرف الرجل منهم من صلاته حتّى يدعو بهذا الدعاء، و هو: ثمّ روى الدعاء و فيه ما نقلناه.

498

و في مصباح الكفعمي (552) روى دعاء صنمي قريش عن ابن عبّاس: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقنت به في صلاته، و هو: اللّهمّ العن صنمي قريش و جبتيها و طاغوتيها و أفّاكيها و ابنتيهما ....

و في تأويل الآيات الظاهرة (ج 2؛ 714/ الحديث 1) بسنده عن حمران، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقرأ هذه الآية وَ جاءَ فِرْعَوْنُ‏ (1) يعني الثالث‏ وَ مَنْ قَبْلَهُ‏ (2) الأوّلين‏ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ‏ (3) أهل البصرة بِالْخاطِئَةِ (4) الحميراء.

و فيه أيضا (ج 2؛ 714/ الحديث 2) بسنده عن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله، قال:

وَ جاءَ فِرْعَوْنُ‏ (5) يعني الثالث‏ وَ مَنْ قَبْلَهُ‏ (6) يعني الأوّلين‏ بِالْخاطِئَةِ (7) يعني عائشة.

قال المؤلف: فمعنى قوله‏ وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (8) في أقوالها و أفعالها، و في كلّ خطأ وقع، فإنّه منسوب إليها، و كيف جاءوا بها، بمعنى أنّهم وثّبوها و سنّوا لها الخلاف لمولاها، و وزر ذلك عليهم، و فعل من تابعها إلى يوم القيامة.

و قوله: «و المؤتفكات أهل البصرة»، فقد جاء في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لأهل البصرة:

يا أهل المؤتفكة، ائتفكت بأهلها ثلاث مرّات، و على اللّه تمام الرابعة. و معنى «ائتفكت بأهلها» أي خسفت بهم.

و في الخصال (556) بسنده عن عامر بن واثلة، في احتجاج عليّ (عليه السلام) يوم الشورى، و فيه قوله: «نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ من أحبّك و والاك‏

____________

(1). الحاقة؛ 9

(2). الحاقة؛ 9

(3). الحاقة؛ 9

(4). الحاقة؛ 9

(5). الحاقة؛ 9، و لعلّ المؤتفكات سقطت من هذه الرواية.

(6). الحاقة؛ 9

(7). الحاقة؛ 9

(8). الحاقة؛ 9

499

سبقت له الرحمة، و من أبغضك و عاداك سبقت له اللّعنة» فقالت عائشة: يا رسول اللّه ادع اللّه لي و لأبي لا نكون ممن يبغضه و يعاديه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): اسكتي، إن كنت أنت و أبوك ممّن يتولّاه و يحبّه فقد سبقت لكما الرحمة، و إن كنتما ممّن يبغضه و يعاديه فقد سبقت لكما اللّعنة، و لقد جئت أنت و أبوك، إن كان أبوك أوّل من يظلمه، و أنت أوّل من يقاتله ....

و في تفسير العيّاشي (ج 1؛ 224) عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: أ تدرون مات النبي أو قتل؟ إنّ اللّه تعالى يقول: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ (1) فسمّ قبل الموت، إنّهما سقتاه قبل الموت، فقلنا: إنّهما و أبواهما شرّ من خلق اللّه.

و انظر تفسير القمّي (ج 2؛ 376) في اجتماعهما و أبويهما على أن يسمّوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و فيه أيضا (ج 2؛ 291) عن عبد الرحمن بن سالم الأشل، عن الصادق (عليه السلام)، قال: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (2) عائشة هي نكثت إيمانها.

و في الكافي (ج 1؛ 300) بسنده عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لمّا حضر الحسن بن عليّ (عليهما السلام) الوفاة ... و حمل و أدخل إلى المسجد، فلمّا أوقف على قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذهب ذو العوينتين [أي الجاسوس‏] إلى عائشة، فقال لها: إنّهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فخرجت مبادرة على بغل بسرج- فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجا- فقالت: نحّوا ابنكم عن بيتي؛ فإنّه لا يدفن في بيتي و يهتك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حجابه، فقال لها الحسين (عليه السلام): قديما هتكت أنت و أبوك حجاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أدخلت عليه بيته من لا يحبّ قربة، و إنّ اللّه سائلك عن ذلك يا عائشة.

و فيه أيضا (ج 1؛ 302- 303) بسنده عن محمّد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام)، و فيه زيادة قول الحسين (عليه السلام): و إنّ اللّه سائلك عن ذلك يا عائشة ... و قد أدخلت أنت بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الرجال بغير إذنه، و قد قال اللّه عزّ و جلّ‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا

____________

(1). آل عمران؛ 144

(2). النحل؛ 92

500

أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ (1) و لعمري لقد ضربت أنت- لأبيك و فاروقه- عند أذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المعاول، و قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ (2)، و لعمري لقد أدخل أبوك و فاروقه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقربهما منه الأذى، و ما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه به على لسان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إنّ اللّه حرّم من المؤمنين أمواتا ما حرّم منهم أحياء.

و في تقريب المعارف (250): رووا عن العبّاس بن الوليد الأعذاريّ، قال: سئل زيد بن عليّ، عن أبي بكر و عمر، فلم يجب فيهما، فلمّا أصابته الرمية نزع الرمح من وجهه، و استقبل الدم بيده حتّى صار كأنّه كبد، فقال: أين السائل عن أبي بكر و عمر؟ هما و اللّه شركاء في هذا الدم، ثمّ رمى به وراء ظهره.

و عن نافع الثقفي- و كان قد أدرك زيد بن عليّ- قال: سأله رجل عن أبي بكر و عمر، فسكت فلم يجبه، فلمّا رمي، قال: أين السائل عن أبي بكر و عمر؟ هما أوقفاني هذا الموقف.

و في نهج الحقّ و كشف الصدق (356): و روى البلاذريّ، قال: لمّا قتل الحسين (عليه السلام) كتب عبد اللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية: أمّا بعد، فقد عظمت الرزيّة، و جلّت المصيبة، و حدث في الإسلام حدث عظيم، و لا يوم كيوم قتل الحسين.

فكتب يزيد: أمّا بعد، يا أحمق، فإنا جئنا إلى بيوت مجدّدة، و فرش ممهّدة، و وسائد منضّدة، فقاتلنا عنها، فإن يكن الحقّ لنا فعن الحقّ قاتلنا، و إن كان الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا، و استأثر بالحقّ على أهله. و انظر ما قاله المظفر ردّا على الفضل في دلائل الصدق (ج 3؛ 576- 578). و انظر الكتاب الخطير الّذي أودعه عمر عند معاوية، و أراه يزيد لعبد اللّه بن عمر لمّا اعترض على قتل يزيد للحسين (عليه السلام)؛ انظره في بحار الأنوار (ج 8؛ 23) نقلا عن الجزء الثاني من دلائل الإمامة، بسنده عن جابر الجعفيّ، عن سعيد بن المسيّب.

____________

(1). الحجرات؛ 2

(2). الحجرات؛ 3

501

و في شرح النهج (ج 3؛ 190) من كتاب لمعاوية يردّ فيه على كتاب كتبه محمّد بن أبي بكر إليه، يقول فيه معاوية: فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه [أي عليّا (عليه السلام)‏] و خالفه، على ذلك اتّفقا و اتّسقا، ثمّ دعواه إلى أنفسهما، فأبطأ عنهما، و تلكّأ عليهما، فهمّا به الهموم، و أراد به العظيم ... أبوك مهّد له مهاده، و بنى ملكه و شاده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله، و إن يكن جورا فأبوك أسّه و نحن شركاؤه، فبهداه أخذنا، و بفعله اقتدينا، رأينا أباك فعل ما فعل، فاحتذينا مثاله، و اقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدا لك، أودع، و السلام على من أناب، و رجع عن غوايته و تاب.

و روى الطبريّ كتاب معاوية هذا في المسترشد (509) و فيه: يا محمّد أبوك مهّد مهاده، و ثنى لملكه وساده، و وافقه على ذلك فاروقه، فإن يكن ما نحن فيه حقّا فأبوك أوّله، و إن يكن باطلا فأبوك أساسه، فعب أباك بما بدا لك، أودع، و السلام.

و هذا المعنى من المسلّمات، و يدل عليه النظر و الاعتبار التاريخي، و قد أجاد الشاعر محمّد بن عبد الرحمن المعروف ب «ابن قريعة» المتوفى سنة 367، حيث قال- كما في الوافي بالوفيّات (ج 3؛ 227- 228)-:

لو لا اعتذار رعيّة * * * ألغى سياستها الخليفة

و سيوف أعداء بها * * * هاماتنا أبدا نقيفه‏

لكشفت من أسرار آ * * * ل محمّد جملا طريفه‏

تغنى بها عمّا روا * * * ه مالك و أبو حنيفة

و نشرت طي صحيفة * * * فيها أحاديث «الصحيفة»

و أريتكم أنّ الحسي * * * ن أصيب في يوم السقيفة

و لأيّ حال ألحدت‏ * * * بالليل فاطمة الشريفة

و لما ختت شيخيكم‏ * * * عن وطء حجرتها المنيفة

آه لبنت محمّد * * * ماتت بغصتها أسيفه‏

و روى الأربلي في كشف الغمّة (ج 1؛ 505) قصيدة ابن قريعة هذه قائلا: أنشدني‏

502

بعض الأصحاب للقاضي أبي بكر ابن قريعة (رحمه اللّه):

يا من يسائل دائبا * * * عن كلّ معضلة سخيفه‏

لا تكشفنّ مغطّأ * * * فلربّما كشّفت جيفه‏

و لربّ مستور بدا * * * كالطبل من تحت القطيفة

إنّ الجواب لحاضر * * * لكنّني أخفيه خيفه‏

لو لا اعتداء رعيّة * * * ألغى سياستها الخليفة

و سيوف أعداء بها * * * هاماتنا أبدا نقيفه‏

لنشرت من أسرار آ * * * ل محمّد جملا طريفه‏

تغنيكم عمّا روا * * * ه مالك و أبو حنيفة

و أريتكم أنّ الحسي * * * ن أصيب في يوم السقيفة

و لأيّ حال ألحدت‏ * * * باللّيل فاطمة الشريفة

و لما حمت شيخيكم‏ * * * عن وطء حجرتها المنيفة

آه لبنت محمّد * * * ماتت بغصّتها أسيفه‏

503

الطّرفة الرابعة و العشرون‏

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 2؛ 488- 489) و نقلها مختصرة العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 89) حيث ذكرها في سياق واحد مع الطّرفة الحادية و العشرين، عادّا لهما طرفة واحدة.

يا عليّ اصبر على ظلم الظالمين ما لم تجد أعوانا

مرّ ما يتعلّق بصبر عليّ (عليه السلام) في الطّرفة الرابعة عشر، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يا عليّ توفي فيها ...

على الصبر منك و الكظم لغيظك على ذهاب حقّك»، و سنذكر هنا ما يتعلّق بصبر عليّ (عليه السلام) لأنّه لم يجد أعوانا، و أنّه لو وجد أعوانا لجاهدهم، و أنّ ذلك كان بوصية من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

ففي كتاب سليم بن قيس (72) قال سليم: سمعت سلمان الفارسي، قال: كنت جالسا بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الذي قبض فيه ... ثمّ نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فاطمة و إلى بعلها و إلى ابنيهما، فقال: يا سلمان، أشهد اللّه أنّي حرب لمن حاربهم، و سلم لمن سالمهم، أما إنّهم معي في الجنّة، ثمّ أقبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على عليّ (عليه السلام)، فقال: يا عليّ، إنّك ستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك و ظلمهم لك، فإن وجدت أعوانا فجاهدهم، و قاتل من خالفك بمن وافقك، فإن لم تجد أعوانا فاصبر و اكفف يدك، و لا تلق بيدك إلى التهلكة، فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى و لك بهارون أسوة حسنة، إنّه قال لأخيه موسى‏ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي‏

504

وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (1).

و فيه أيضا (126- 130): فقال الأشعث بن قيس: فما يمنعك يا بن أبي طالب- حين بويع أبو بكر أخو بني تيم، و أخو بني عدي بن كعب، و أخو بني أميّة بعدهم- أن تقاتل و تضرب بسيفك؟ و أنت لا تخطبنا خطبة- منذ كنت قدمت العراق- إلّا قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر: و اللّه إنّي لأولى الناس بالناس، ما زلت مظلوما منذ قبض محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك؟

قال (عليه السلام): يا بن قيس، اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن و لا كراهيّة للقاء ربّي، و أن لا أكون أعلم أنّ ما عند اللّه خير لي من الدنيا و البقاء فيها، و لكن منعني من ذلك أمر رسول اللّه و عهده إليّ، أخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما الأمّة صانعة بعده، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم و لا أشدّ استيقانا منّي قبل ذلك، بل أنا بقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أشدّ يقينا منّي بما عاينت و شهدت، فقلت: يا رسول اللّه، فما تعهد إليّ إذا كان ذلك؟ قال: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم و جاهدهم، و إن لم تجد أعوانا فاكفف يدك و احقن دمك، حتّى تجد على إقامة الدين و كتاب اللّه و سنّتي أعوانا ... أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لو وجدت يوم بويع أبو بكر- الّذي عيرتني بدخولي في بيعته- أربعين رجلا كلّهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت، لما كففت يدي، و لنا هضت القوم، و لكن لم أجد خامسا.

قال الأشعث: و من الأربعة يا أمير المؤمنين؟

قال: سلمان و أبو ذرّ و المقداد و الزبير بن صفيّة قبل نكثه بيعتي، فإنّه بايعني مرتين، أمّا بيعته الأولى الّتي و فى بها؛ فإنّه لمّا بويع أبو بكر أتاني أربعون رجلا من المهاجرين و الأنصار، فبايعوني- و فيهم الزبير- فأمرتهم أن يصبحوا عند بأبي محلّقين رءوسهم عليهم السلاح، فما و فى منهم أحد، و لا صبّحني منهم غير أربعة: سلمان و أبو ذرّ و المقداد و الزبير، و أمّا بيعته الأخرى؛ فإنّه أتاني هو و صاحبه طلحة بعد قتل عثمان، فبايعاني طائعين غير مكرهين،

____________

(1). الأعراف؛ 150

505

ثمّ رجعا عن دينها مرتدّين ناكثين مكابرين معاندين حاسدين، فقتلهما اللّه إلى النار، و أمّا الثلاثة- سلمان و أبو ذرّ و المقداد- فثبتوا على دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و ملّة إبراهيم، حتّى لقوا اللّه.

يا بن قيس، فو اللّه لو أنّ أولئك الأربعين الذين بايعوني وفوا لي- و أصبحوا على بابي محلقين، قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعة- لنا هضته و حاكمته إلى اللّه، و لو وجدت قبل بيعة عمر أعوانا، لنا هضتهم و حاكمتهم إلى اللّه.

و فيه أيضا (86- 87) فقال (عليه السلام): أنت يا زبير، و أنت يا سلمان، و أنت يا أبا ذرّ، و أنت يا مقداد، أسألكم باللّه و بالإسلام، أ ما سمعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول ذلك و أنتم تسمعون: إنّ فلانا و فلانا- حتّى عدهم هؤلاء الخمسة- قد كتبوا بينهم كتابا، و تعاهدوا فيه و تعاقدوا على ما صنعوا؟ فقالوا: اللهمّ نعم، قد سمعنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول ذلك؛ إنّهم قد تعاهدوا و تعاقدوا على ما صنعوا، و كتبوا بينهم كتابا «إن قتلت أو متّ أن يزووا عنك هذا يا عليّ»، قلت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل؟ فقال لك: إن وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم و نابذهم، و إن أنت لم تجد أعوانا فبايع و احقن دمك، فقال عليّ (عليه السلام): أما و اللّه، لو أنّ أولئك الأربعين رجلا- الذين بايعوني- وفوا لي لجاهدتكم في اللّه، و لكن أما و اللّه لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة.

و انظر في ذلك الاحتجاج (75، 84) و علل الشرائع (148/ الباب 122- الحديثان 5، 6) و الغيبة للطوسي (203) و المسترشد (370- 371) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 194) و الكافي (ج 8؛ 32- 33) و إرشاد القلوب (394- 398) و اختيار معرفة الرجال (ج 1؛ 38- 39) و تقريب المعارف (245) و فيه قول الباقر (عليه السلام): «و اللّه لو وجد عليهما أعوانا لجاهدهما»، يعني أبا بكر و عمر.

و قد صرّح الإمام عليّ (عليه السلام) بأنّه سكت لقلّة ناصره، و عدم وجود المساعد و المعاضد.

ففي نهج البلاغة (ج 1؛ 30- 31) في الخطبة الشقشقية: أما و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى، ينحدر عنّي السيل، و لا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوبا، و طويت عنها كشحا، و طفقت أرتئي؛ بين أن أصول بيد

506

جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء.

و في كتاب كشف المحجّة (235- 269) قال محمّد بن يعقوب في كتاب الرسائل: عن عليّ بن إبراهيم، بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) كتابا بعد منصرفه من النهروان، و أمر أن يقرأ على الناس ... [و فيه قوله (عليه السلام):] فأتاني رهط يعرضون عليّ النصر، منهم ابنا سعيد، و المقداد بن الأسود، و أبو ذرّ الغفاريّ، و عمّار بن ياسر، و سلمان الفارسيّ، و الزبير ابن العوام، و البراء بن عازب، فقلت لهم: إنّ عندي من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عهدا، و له إليّ وصيّة، لست أخالفه عمّا أمرني به، فو اللّه لو خزموني بأنفي لأقررت للّه تعالى سمعا و طاعة ... و قد كان رسول اللّه عهد إليّ عهدا، فقال: «يا بن أبي طالب لك ولاء أمّتي، فإن ولّوك في عافيه و أجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه، فإنّ اللّه سيجعل لك مخرجا»، فنظرت فإذا ليس لي رافد، و لا معي مساعد إلّا أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، و لو كان لي بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عمّي حمزة و أخي جعفر لم أبايع كرها ... فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، و تجرّعت ريقي على الشجا، و صبرت على أمرّ من العلقم، و آلم للقلب من حزّ الشّفار ... انظر الكتاب في الإمامة و السياسية (ج 1؛ 174- 179) و الغارات (199- 212) و المسترشد (77، 98، 426).

و في نهج البلاغة (ج 1؛ 67) من خطبة له (عليه السلام): فنظرت فإذا ليس لي معين إلّا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، و أغضيت على القذى، و شربت على الشجا، و صبرت على أخذ الكظم، و على أمرّ من طعم العلقم. و انظر مثله في نهج البلاغة أيضا (ج 2؛ 202).

و في الإرشاد (129): ما رواه عبد الرحمن بن جندب بن عبد اللّه، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بالمدينة، بعد بيعة الناس لعثمان، فوجدته مطرقا كئيبا، فقلت له: ما أصاب قومك؟ فقال: صبر جميل، فقلت له: سبحان اللّه! و اللّه إنّك لصبور!! قال: فأصنع ما ذا؟ قلت: تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك، و تخبرهم أنّك أولى بالنبي و بالفضل و السابقة، و تسألهم النصر على هؤلاء المتمالئين عليك، فإن أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المائة ... فقال: أ تراه يا جندب يبايعني عشرة من مائة؟ قلت: أرجو ذلك،