طرف من الأنباء و المناقب‏

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
640 /
307

و في الكافي (ج 1؛ 391) بسنده، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: من سرّه أن يستكمل الإيمان كلّه فليقل: القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمّد، فيما اسروا و ما أعلنوا، و فيما بلغني عنهم و فيما لم يبلغني.

بل إنّ عمر بن الخطّاب كان قد سمع ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال مشيرا إلى عليّ (عليه السلام):

هذا مولاي و مولى كلّ مؤمن، و من لم يكن مولاه فليس بمؤمن. انظر الرياض النضرة (ج 2؛ 170) و مناقب الخوارزمي (97) و الصواعق المحرقة (107) و ذخائر العقبى (68) و فرائد السمطين (ج 1؛ 78، 79/ الأحاديث 46، 47، 48، 49).

و في دلائل الإمامة (237) بسنده، أنّ سلمان قال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و هل يكون إيمان بغير معرفة [أي معرفة الأئمة] بأسمائهم و أنسابهم؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لا.

308

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

309

الطّرفة العاشرة

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 476، 477) و نقلها العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 90) باختصار.

لقد ذكرت المصادر الإسلاميّة، و روت كتب الفريقين، خطبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند منصرفه من حجّة الوداع، و من ثمّ خطبته في المدينة قبل وفاته (صلّى اللّه عليه و آله)، و بلّغ في كلا الموضعين- غير المواضع الأخرى الكثيرة- ولاية عليّ (عليه السلام)، و أوصى المسلمين بالتمسّك بكتاب اللّه و عترته أهل بيته. و هذا ممّا لا يتنازع في صدوره عنه (صلّى اللّه عليه و آله) اثنان.

و أمّا سبب تخصيص هذه الطّرفة بالأنصار، فلأنّهم أطوع الناس للرسول و الوصي، و لم تكن في قلوبهم الأحقاد الّتي كانت في صدور المهاجرين- أعني قريشا- لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، الّذي وترهم في اللّه بسيفه، و قد صرّحت الزهراء (عليها السلام) بذلك في خطبتها بعد غصب حقّها، و صرّح عليّ (عليه السلام) طيلة عمره الشريف بظلم قريش له و حقدهم عليه و حسدهم له، بخلاف الأنصار الذين آزروا عليّا و نصروه و تابعوه حتّى آخر لحظة من عمره، حتّى أنّه لم يتخلّف عن بيعته- بعد عثمان- سوى نفر من الأنصار لا يتجاوزون عدد الأصابع، بخلاف قريش الّتي حاربته و ألّبت عليه، و قد ثبت في التواريخ و السير أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مدح الأنصار، و أوصى بهم، و شكر لهم نصرتهم للإسلام، و بذلهم الأموال، و مواساتهم للمسلمين، و هذا بمنزلة الضروري من المطالب.

310

قال لهم (صلّى اللّه عليه و آله): كتاب اللّه و أهل بيتي ... فإنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض‏

اعلم أنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة عند الفريقين، قال المناوي في فيض القدير (ج 3؛ 14): «قال السمهوديّ: و في الباب ما يزيد عن عشرين من الصحابة»، و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة (136): «اعلم أنّ الحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيّف و عشرين صحابيا».

و قد رواه عن النبي أكثر من ثلاثين صحابيا، و ما لا يقل عن ثلاثمائة عالم من كبار علماء أهل السنة. انظر نفحات الأزهار (ج 1؛ 185، 186).

و قد أفرد العلّامة السيّد مير حامد حسين جزءين من «عبقات الأنوار» في طرق هذا الحديث، و انظر بعض تخريجاته في كتاب قادتنا (ج 7؛ 354- 373).

و في أمالي الطوسي (255) بسنده، عن أبي سعيد الخدريّ، أنّه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنّي تارك فيكم الثقلين، ألا إنّ أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. و قال: ألا إنّ أهل بيتي عيبتي الّتي آوي إليها، و إنّ الأنصار كرشي، فاعفوا عن مسيئهم و أعينوا محسنهم.

و في صحيح مسلم (ج 7؛ 122/ باب فضائل عليّ) ما روى بإسناده عن زيد بن أرقم، قال فيه: قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكّة و المدينة، فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكّر، ثمّ قال: أما بعد، ألا أيّها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي، فأجيب، و أنا تارك فيكم الثقلين: أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى و النور، فخذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به، فحثّ على كتاب اللّه و رغّب فيه، ثمّ قال: و أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي.

فقال له حصين: و من أهل بيته يا زيد؟ أ ليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته؟! و لكنّ أهل بيته من حرم الصدقة عليه بعده.

و في حديث آخر أخرجه مسلم في صحيحه (ج 7؛ 123) عن زيد، و فيه: فقلنا: من‏

311

أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، و أيم اللّه إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته أصله و عصبته الّذين حرموا الصدقة بعده.

و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة (137) ثمّ أحقّ من يتمسك به منهم إمامهم عليّ ابن أبي طالب، لما قلنا من مزيد علمه و دقائق مستنبطاته.

و في كتاب مائة منقبة لابن شاذان (140/ المنقبة 86) رواه بسنده عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عليّ بن أبي طالب.

و في معاني الأخبار (91) قال: فقام إليه (صلّى اللّه عليه و آله) جابر بن عبد اللّه، فقال: يا رسول اللّه و من عترتك؟ قال: عليّ و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولد الحسين إلى يوم القيامة.

و انظر بعض تخريجات حديث الثقلين في تفسير العيّاشي (ج 1؛ 15، 16) و تفسير القمّي (ج 1؛ 172، 173) و أمالي الطوسي (162، 548) و كشف الغمّة (ج 1؛ 49) و تقريب المعارف (111) و معاني الأخبار (90، 91) و فيه خمسة أحاديث، و نهج الحق (225- 228) و العمدة لابن البطريق (68- 76) و فيه أحد عشر حديثا، و الكافي (ج 1؛ 294) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 41).

و جواهر العقدين المخطوط (172) و كنز العمال (ج 13؛ 140) و شرح النهج (ج 6؛ 375) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 20، 29) و سنن الترمذيّ (ج 5؛ 329) و الدرّ المنثور (ج 6؛ 7) و مسند أحمد (ج 2؛ 585) و (ج 3؛ 26) و (ج 4؛ 366) و السنن الكبرى (ج 2؛ 148) و نظم درر السمطين (231) و تذكرة الخواص (322) و مناقب ابن المغازلي (18، 235) و صحيح مسلم (ج 4؛ 1873/ باب فضائل عليّ) و فيه عدّة أحاديث، و سنن ابن ماجة (ج 2؛ 479/ باب افتراق الأمم) و سنن أبي داود (ج 4؛ 197، 198) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 163) و كفاية الطالب (52) و أسد الغابة (ج 2؛ 12).

و هاهنا ملاحظة لا بدّ من التنبيه عليها، و هي أنّ الأسانيد الصحاح روت هذا الحديث في أماكن مختلفة، و أنّ النبي قاله في مواطن متعددة.

ففي الصواعق المحرقة (136) قال ابن حجر: اعلم أنّ لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة،

312

وردت عن نيّف و عشرين صحابيا، و في بعض تلك الطرق أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، و في أخرى أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قاله بالمدينة في مرضه و قد امتلأت الحجرة بأصحابه، و في أخرى أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذلك بغدير خمّ، و في أخرى أنّه لمّا قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف، و لا تنافي؛ إذ لا مانع من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كرر عليهم ذلك في هذه المواطن و غيرها، اهتماما بشأن الكتاب العزيز و العترة الطاهرة.

ألا و إن الإسلام سقف تحته دعامة ... الدعامة دعامة الإسلام‏

، و ذلك قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ (1) فالعمل الصالح طاعة الإمام ولي الأمر و التمسك بحبل اللّه‏

يدلّ على هذا المطلب كلّ ما دلّ على أنّ قبول الفرائض و الأعمال مشروط بمعرفة الأئمّة (عليهم السلام)، كما مرّ تخريجه؛ فإنّ دعائم الإسلام كلّها تنتهي إلى دعامة طاعة الإمام و متابعته و معرفته، و قد ورد التصريح بذلك في روايات أهل البيت (عليهم السلام) و أنّهم دعائم الإسلام.

ففي تفسير القمّي (ج 2؛ 208) عن الصادق (عليه السلام): و قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ (2)، قال: كلمة الإخلاص، و الإقرار بما جاء من عند اللّه من الفرائض، و الولاية ترفع العمل الصالح إلى اللّه.

و عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏ قول المؤمن «لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، عليّ ولي اللّه و خليفة رسول اللّه»، و قال: وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ‏ الاعتقاد بالقلب أنّ هذا هو الحقّ من عند اللّه لا شكّ فيه من ربّ العالمين. و انظر تفسير البرهان (ج 3؛ 359/ الحديث 6) نقلا عن القمّي.

و في البرهان (ج 3؛ 358/ الحديث 1) نقلا عن الكليني بسنده إلى الصادق (عليه السلام)، قال:

____________

(1). فاطر؛ 10

(2). فاطر؛ 10

313

الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ و لا يتنا أهل البيت- و أهوى بيده إلى صدره- فمن لم يتولّنا لم يرفع اللّه له عملا.

و في أمالي المفيد (217) بسنده، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): يا عليّ أنا و أنت و ابناك الحسن و الحسين، و تسعة من ولد الحسين أركان الدين و دعائم الإسلام. و روى مثله ابن جرير الطبريّ الإمامي في بشارة المصطفى (49) و رواه والد الشيخ الصدوق في الإمامة و التبصرة (111) و فيه زيادة «من تبعنا نجا و من تخلف عنّا فإلى النار».

و في بصائر الدرجات (83) بسنده إلى الباقر (عليه السلام) قال: و نحن دعائم الإسلام.

و في ينابيع المودّة (ج 3؛ 147) عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: نحن حجج اللّه، و نحن أركان الإيمان، و نحن دعائم الإسلام. نقله عن فرائد السمطين (ج 2؛ 253) بسنده إلى الباقر (عليه السلام).

و في أمالي الصدوق (500) بسنده عن عليّ (عليه السلام)، أنّه قال لقنبر: يا قنبر ألا إنّ لكلّ شي‏ء دعامة، و دعامة الإسلام الشيعة.

و في أمالي المفيد (353) بسنده إلى الصادق (عليه السلام)، قال: بني الإسلام على خمس دعائم:

إقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم شهر رمضان، و حجّ البيت الحرام، و الولاية لنا أهل البيت. و رواه الصدوق في أماليه (221) و الطبريّ الإمامي في بشارة المصطفى (69).

و في تفسير العيّاشي (ج 1؛ 279) عن يحيى السري، قال: قلت للصادق: أخبرني عن دعائم الإسلام الّتي بني عليها الدين، و لا يسع أحد التقصير في شي‏ء منها؛ الّتي من قصر عن معرفة شي‏ء منها فسد عليه دينه و لم يقبل منه عمله، و من عرفها و عمل بها صلح له دينه و قبل منه عمله، و لم يضرّ ما هو فيه بجهل شي‏ء من الأمور إن جهله؟ فقال (عليه السلام): نعم، شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و الإيمان برسوله، و الإقرار بما جاء من عند اللّه، و حقّ من الأموال الزكاة، و الولاية الّتي أمر اللّه بها ولاية آل محمّد ... و مثله في ينابيع المودّة (ج 1؛ 116).

و انظر الكافي (ج 2؛ 18- 20) ففيه خمسة عشر حديثا في دعائم الإسلام و أنّها مشروطة بالإمامة و الولاية لأهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

و كتب الصدوق (رحمه اللّه)- الذي تعد أقواله مضامين الروايات- لمن سأله عن وصف‏

314

دين الإماميّة على الإيجاز و الاختصار: إنّ الدعائم الّتي بني عليها خمس: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و ولاية النبي و الأئمّة من بعده، و هم اثنا عشر؛ أوّلهم أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) و آخرهم الحجّة بن الحسن (عليهم السلام).

اللّه اللّه في أهل بيتي، مصابيح الهدى، و معادن العلم، و ينابيع الحكم‏

هذا و ما سيأتي في الطّرفة (20) من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «اللّه اللّه في أهل بيتي، فإنّهم أركان الدين و مصابيح الظلم و معدن العلم» مضمون واحد.

و هذا المضمون لا يكاد يحصى في روايات أهل البيت، و في روايات العامة أيضا، و هو مذكور في جلّ المصادر و الكتب الّتي خرّجت حديث الثقلين، و بيعة غدير خم، فراجعها.

و في الكافي (ج 1؛ 221) عقد بابا أسند فيه ثلاثة أحاديث تحت عنوان «أنّ الأئمّة معدن العلم و شجرة النبوة و مختلف الملائكة»، في الثالث منها بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) أنّه قال لخيثمة: يا خيثمة، نحن شجرة النبوة، و بيت الرحمة، و مفاتيح الحكمة، و معدن العلم، و موضع الرسالة، و مختلف الملائكة، و موضع سرّ اللّه، و نحن وديعة اللّه في عباده، و نحن حرم اللّه الأكبر، و نحن ذمّة اللّه، و نحن عهد اللّه، فمن و فى بعهدنا فقد و في بعهد اللّه، و من خفرها فقد خفر ذمة اللّه و عهده.

و في بصائر الدرجات (382- 385) عقد ابن فروخ الصفّار في الجزء السابع/ الباب 19 في ذلك، تحت عنوان «ما جاء عن الأئمّة من أحاديث رسول اللّه الّتي صارت إلى العامّة و ما خصّوا به من دونهم».

و في الحديث التاسع من الباب المذكور بسنده عن عليّ (عليه السلام) أنّه: صعد على منبر الكوفة، فحمد اللّه و أثنى عليه و شهد بشهادة الحقّ، ثمّ قال: إنّ اللّه بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالرسالة، و اختصّه بالنبوّة، و أنبأه بالوحي، و أنال الناس و أنال، و فينا أهل البيت معاقل العلم، و أبواب الحكم، و ضياء الأمر، فمن يحبّنا أهل البيت ينفعه إيمانه و يقبل عمله، و من لا يحبّنا أهل البيت فلا ينفعه إيمانه و لا يقبل منه عمله و لو صام النهار و قام اللّيل.

315

و في المسترشد (292) قال عليّ في خطبة له: نحن و اللّه الّذي لا إله غيره أئمّة العرب و منار الهدى ...

و في فرائد السمطين (ج 1؛ 44) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 20) قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): نحن أهل البيت مفاتيح الرحمة، و موضع الرسالة، و مختلف الملائكة، و معدن العلم.

و في بشارة المصطفى (16) بسنده، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين أهل بيتي و ثقلي.

و قد نبّهنا على أنّ الأحاديث في مضمون الطّرفة كثيرة جدا يصعب حصرها، حتّى أنّ الأئمّة كانوا يقولون: إنّ في بيوتنا زغب جناح جبرئيل، كما في بصائر الدرجات (31، 32) بأسانيده إلى الحسين و السجاد و الصادق (عليهم السلام)، و إنّما اقتصرنا على بعض ما ورد في ذلك، فإنّها لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الإماميّة.

و من هو منّي بمنزلة هارون من موسى‏

حديث المنزلة من الأحاديث المتواترة عند المسلمين، و قد رواه الأئمّة و الحفّاظ في كتبهم و تصانيفهم، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يصدع به على رءوس الملأ من المسلمين، و في عدّة مواطن، و قد رواه جمّ غفير من الصحابة، كما روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يكاد يخلو منه مصنف إمامي، و هو موجود في احتجاجات الإمام عليّ (عليه السلام) و مناشداته في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في الشورى، و بعد بيعة عثمان، و في الرحبة، و في الكوفة، و قد رواه الأعلام، حتّى قال أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف (205): «إنّ كلّ ناقل لغزاة تبوك ناقل لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي».

و خلاصة الحادثة هي ما رواه أبو جعفر الطبريّ الإمامي في بشارة المصطفى (205) عن سعد بن مالك، قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غزا [غزوة تبوك‏] على ناقته الحمراء، و خلف عليّا، فنفست عليه قريش، و قالوا: إنّما خلّفه لما استثقله و كره صحبته، فجاء عليّ (عليه السلام) حتّى أخذ بغرز الناقة، فقال: يا نبي اللّه لأتبعنّك- أو إنّي تابعك- زعمت قريش أنّك لما استثقلتني‏

316

و كرهت صحبتي، قال: و بكى عليّ (عليه السلام)، فنادى رسول اللّه في الناس فاجتمعوا، فقال: يا أيها الناس ما منكم من أحد إلّا و له خاصة، ثمّ قال لعلي: أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي؟ قال (عليه السلام): رضيت عن اللّه و عن رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

و هذا أشهر موارد الحديث، فإنّ النبي بلّغ ذلك للمسلمين في موارد و أماكن أخرى تظهر بمتابعة المرويّات.

انظر الكافي (ج 8؛ 107) و تفسير العيّاشي (ج 2؛ 135) و تفسير القمّي (ج 2؛ 109) و تفسير فرات (137، 159، 342، 421) و بشارة المصطفى (147، 155، 167، 203) و أمالي الصدوق (47، 81، 147، 266، 332) و الاحتجاج (ج 1؛ 51، 75) و الإرشاد (83) و كشف الغمّة (ج 1؛ 288) و أمالي الطوسي (548، 555، 560) و الخصال (554، 572) و كتاب سليم بن قيس: 118، و ورد في أكثر من خمسة عشر موردا من الكتاب، و أمالي المفيد (757) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 186- 191) و (ج 3؛ 15، 16).

و تاريخ دمشق (ج 1؛ 334/ الحديثان برقم 403 و 404) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 110) و أسنى المطالب (27 و 29/ الباب السادس- الحديثان 9 و 23) و مطالب السئول (43) و مناقب الخوارزمي (211) و كفاية الطالب (11) و منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد (ج 5؛ 31) و مناقب ابن المغازلي (27- 37) و صحيح مسلم (ج 4؛ 1870/ باب فضائل عليّ) و سنن ابن ماجة (ج 1؛ 42) و ميزان الاعتدال (ج 3؛ 540) و سنن الترمذيّ (ج 5؛ 304) و المعيار و الموازنة (219) و صحيح البخاري (ج 5؛ 3 و 24/ كتاب الفضائل) و مسند أحمد (ج 1؛ 170، 173، 175، 185) و سنن أبي داود (ج 1؛ 29) و أسد الغابة (ج 4؛ 26) و (ج 5؛ 8) و خصائص النسائي (15، 16) و كنز العمال (ج 6؛ 402) و ذخائر العقبى (120) و تذكرة الخواص (19) و الفصول المهمة (38، 39) و مستدرك الحاكم (ج 3؛ 132) و الإصابة (ج 2؛ 507) و فرائد السمطين (ج 1؛ 149) و حلية الأولياء (ج 7؛ 195، 196) تاريخ بغداد (ج 11؛ 432). و انظر بعض تخريجاته في كتاب قادتنا (ج 2؛ 411- 428).

317

ألا إنّ باب فاطمة بابي، و بيتها بيتي، فمن هتكه هتك حجاب اللّه ... قال الكاظم (عليه السلام): هتك و اللّه حجاب اللّه و حجاب اللّه حجاب فاطمة

معلوم بالضرورة أنّ باب عليّ و فاطمة و بيتها، هما باب و بيت رسول اللّه؛ لأنها بضعته و عليّا أخوه، و معلوم أيضا أنّ حجاب فاطمة هو حجاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و حجاب رسول اللّه هو حجاب اللّه. و هذا لا شبهة فيه و لا غبار عليه، و قد ورد في النصوص ما يدلّ عليه.

ففي شواهد التنزيل (ج 1؛ 534) بإسناده، عن أنس و بريدة، قالا: قرأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذه الآية فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏ (1) فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللّه أيّ بيوت هذه؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول اللّه هذا البيت منها- لبيت عليّ و فاطمة-؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم، من أفاضلها.

و أسند في شواهد التنزيل (ج 1؛ 532- 534) ثلاثة أحاديث في ذلك، عن أبي برزة و أنس بن مالك و بريدة. و رواه الثعلبي كما في خصائص الوحي المبين (79) و أخرجه ابن مردويه كما في كشف الغمّة (ج 1؛ 319) و الدر المنثور للسيوطي (ج 5؛ 50) و رواه محمّد ابن العبّاس الماهيار كما في تفسير البرهان (ج 3؛ 138) و رواه فرات في تفسيره (286، 287) عن زيد بن عليّ، و رواه القمّي في تفسيره (ج 2؛ 104) عن الباقر (عليه السلام)، و رواه الطبرسي في مجمع البيان (ج 4؛ 144) مرفوعا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فكيف صرّح (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ بيت عليّ و فاطمة من بيوت الأنبياء لو لا أنّه بيته (صلّى اللّه عليه و آله)، فيكون حجاب من فيه حجاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و حجاب الرسول حجاب اللّه.

ففي بصائر الدرجات (84) بإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال: بنا عبد اللّه و بنا عرف اللّه و بنا وعد اللّه، و محمّد حجاب اللّه.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 273) في قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا (2)،

____________

(1). النور؛ 36

(2). القمر؛ 14

318

عن الأعمش قال: جاء رجل مشجوج الرأس يستعدي عمرا على عليّ، فقال عليّ (عليه السلام) [في رواية الأصمعي‏]: رأيته ينظر في حرم اللّه إلى حريم اللّه، فقال عمر: اذهب وقعت عليك عين من عيون اللّه، و حجاب من حجب اللّه، تلك يد اللّه اليمنى يضعها حيث يشاء.

و في الخصال (607) بسنده عن الصادق (عليه السلام) في بيان شرائع الدين، قال في كلام طويل:

و حبّ أولياء اللّه و الولاية لهم واجبة، و البراءة من أعدائهم واجبة، و من الّذين ظلموا آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و هتكوا حجابه ...

و في الكافي (ج 1؛ 300) بسنده عن الباقر (عليه السلام)، قال: ... فخرجت [عائشة] مبادرة على بغل بسرج ... فقالت: نحّوا ابنكم [تعني الحسن (عليه السلام)‏] عن بيتي، فإنّه لا يدفن في بيتي و يهتك على رسول اللّه حجابه، فقال لها الحسين (عليه السلام): قديما هتكت أنت و أبوك حجاب رسول اللّه ...

و مثله بتفصيل في (ج 1؛ 302) من الكافي عن الباقر (عليه السلام) أيضا.

و سيأتي هتكهم لحجاب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في حرقهم بابه، و شجّهم جنبي الزهراء الّتي هي روح النبي الّتي بين جنبيه، و إسقاطهم محسنا، و ما فعلوه بعلي، و قد علمت أنّ محمّدا و عليّا و فاطمة و كلّ الأئمّة حجابهم حجاب الرسول، و حجاب الرسول حجاب اللّه.

319

الطّرفة الحادية عشر

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 478) و العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 90- 91) باختصار.

و مضمون هذه الطّرفة صحيح و متسالم عليه و مرويّ في كتب الأصحاب، إذ أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ على الناس الإقرار بولاية عليّ و إمامته و إمرته للمؤمنين قبل حجّة الوداع و فيها و بعدها، و قد تقدّم مثله في حديث الثقلين، لكنّ تخصيص أخذ البيعة لوصيّه بالمهاجرين ممّا لم نعثر عليه في مصدر، و لكن يدلّ عليه أنّ المعارضين لهذه البيعة و الولاية كانوا كلّهم من قريش- أي المهاجرين- و على رأسهم الشيخان، فإنّهما و غيرهما من قريش اعترضوا على النبي و استفهموا بقولهم: أمن اللّه و من رسوله؟ فلذلك خصّهم الإمام بالذكر لأنّهم المقصودون بالذات من هذه البيعة، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقصد تأكيد البيعة عليهم، لعلمه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّهم سينقضون العهد و ينكثون البيعة، و سيأتي اعتراض بعضهم بعد قليل.

إنّي أعلمكم أنّي قد أوصيت وصيّي و لم أهملكم إهمال البهائم، و لم أترك من أموركم شيئا سدى‏

في كتاب سليم بن قيس (236) قول ابن عبّاس في محاججة معاوية: يا معاوية أ ما علمت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين بعث إلى مؤتة أمّر عليهم جعفر بن أبي طالب، ثمّ قال: إن هلك جعفر فزيد بن حارثة، فإن هلك زيد فعبد اللّه بن رواحة، و لم يرض لهم أن يختاروا

320

لأنفسهم، أ فكان يترك أمّته لا يبيّن لهم خليفته فيهم!! بلى و اللّه ما تركهم في عمياء و لا شبهة، بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيّهم، و كذبوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فهلكوا و هلك من شايعهم، و ضلّوا و ضلّ من تابعهم، فبعدا للقوم الظالمين.

و في الكافي (ج 1؛ 199) بسنده عن عبد العزيز بن مسلم، عن الإمام الرضا (عليه السلام) في كلام طويل له في الإمامة: إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يقبض نبيّه حتّى أكمل له الدين ... و أنزل في حجّة الوداع- و هي آخر عمره (صلّى اللّه عليه و آله)- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1) و أمر الإمامة من تمام الدين، و لم يمض (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى بيّن لأمّته معالم دينهم، و أوضح لهم سبيلهم، و تركهم على قصد سبيل الحقّ، و أقام لهم عليّا علما و إماما، و ما ترك شيئا يحتاج إليه الأمّة إلّا بيّنه، فمن زعم أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يكمل دينه ردّ كتاب اللّه، و من ردّ كتاب اللّه فهو كافر به ....

و انظر هذه الرواية في عيون أخبار الرضا (171- 175) و أمالي الصدوق (536- 540) و إكمال الدين (675- 681) و معاني الأخبار (96- 101) و المنقول هنا هو صدر الرواية.

و في تفسير فرات (316) بسنده عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى‏ مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (2)، قال: قضى إليه بالوصيّة إلى يوشع بن نون، و أعلمه أنّه لم يبعث نبيّا إلّا و قد جعل له وصيّا، و إنّي باعث نبيّا عربيّا و جاعل وصيّه عليّا، قال ابن عبّاس: فمن زعم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يوص فقد كذب على اللّه و جهّل نبيّه، و قد أخبر اللّه نبيّه بما هو كائن إلى يوم القيامة.

و الأدلّة النقليّة و العقليّة قائمة على إيصاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه لم يترك أمّته سدى، و قد ألّفت المؤلّفات في إثبات ذلك، و سيأتيك هنا أنّ النبي أوصى وصيّه عليّا و أمرهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين و التسليم له، فاعترض الشيخان و غيرهما مستفهمين بقولهما:

فبأمر من اللّه أوصيت أم بأمرك؟!.

____________

(1). المائدة؛ 3

(2). القصص؛ 44

321

فقال له: فبأمر من اللّه أوصيت أم بأمرك؟!

أكّد رسول اللّه ولاية عليّ 7 و إمامته في مواضع شتّى، و في مناسبات مختلفة، أوّلها بيعة الدار، و أخذ (صلّى اللّه عليه و آله) يؤكد الأمر تأكيدا عظيما قبيل وفاته و التحاقه بربّه، فأخذ على المسلمين عموما و المهاجرين خصوصا البيعة لعلي و التسليم عليه بإمرة المؤمنين، فأخذ عليهم البيعة و أمرهم بالتسليم بذلك قبل حجّة الوداع و بعدها كما في كتاب سليم بن قيس (167) و في غدير خمّ كما في تفسير القمّي (ج 1؛ 173، 389) و إرشاد القلوب (331) و في المدينة في نخيل بني النجّار كما في إرشاد القلوب (325، 326) و اليقين (272) و عند دخولهما على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في بيته أو في بيت عليّ (عليه السلام) كما في الكثير من المصادر الآتي سردها، و عند ما كان عليّ مريضا فجاءوا لعيادته كما في اليقين (312) و عند ما دعا (صلّى اللّه عليه و آله) تسعة رهط للبيعة فيهم الشيخان، و ذلك قبل وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) بقليل كما في التحصين (537) و عند ما كانوا ثمانين رجلا من العرب و أربعين من العجم كما في كتاب سليم بن قيس (164).

و كان الشيخان في كلّ ذلك يقولون: أمن اللّه و من رسوله؟!، و في بعضها يقولون: و اللّه لا نسلّم له ما قال أبدا، و في بعضها: ما أنزل اللّه هذا في عليّ و ما يريد إلّا أن يرفع بضبع ابن عمّه، و في بعضها- بعد أن قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): و سألت ربّي أن يجعلك وصيّي- قالا:

و اللّه لصاع من تمر في شنّ بال أحبّ إلينا ممّا سأل محمّد ربّه، بل إنّ قريشا قالت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله):

اعفنا من ولاية عليّ، كما في الكافي (ج 1؛ 434) إلى غير ذلك من العبارات الّتي صدرت منهما في تلك المواطن.

ففي إرشاد القلوب (330، 331) عن حذيفة بن اليمان، قال: و رحل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أغذّ في السير مسرعا على دخول المدينة لينصب عليّا علما للناس، فلمّا كانت اللّيلة الرابعة هبط جبرئيل في آخر اللّيل فقرأ عليه‏ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ‏ (1)

____________

(1). المائدة؛ 67

322

و هم الذين همّوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أ ما تراني يا جبرئيل أغذّ في السير مجدّا فيه لأدخل المدينة فأعرض ولاية عليّ على الشاهد و الغائب؟

فقال له جبرئيل: اللّه يأمرك أن تفرض ولاية عليّ غدا إذا نزلت منزلك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): نعم يا جبرئيل، غدا أفعل ذلك إن شاء اللّه، و أمر رسول اللّه بالرحيل من وقته، و سار الناس معه، حتّى نزل بغدير خمّ و صلّى بالناس، و أمرهم أن يجتمعوا إليه، و دعا عليّا (عليه السلام)، و رفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يد عليّ اليسرى بيده اليمنى، و رفع صوته بالولاء لعلي على الناس أجمعين، و فرض طاعته عليهم، و أمرهم أن لا يختلفوا عليه بعده، و خبّرهم أنّ ذلك عن اللّه، و قال لهم: أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال:

فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله.

ثمّ أمر الناس أن يبايعوه، فبايعه الناس جميعا و لم يتكلّم منهم أحد، و قد كان أبو بكر و عمر تقدّما إلى الجحفة فبعث (صلّى اللّه عليه و آله) و ردّهما، ثمّ قال لهما النبي متجهّما: يا ابن أبي قحافة و يا عمر بايعا عليّا بالولاية من بعدي، فقالا: أمر من اللّه و رسوله؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): و هل يكون مثل هذا من غير أمر من اللّه و من رسوله؟! نعم أمر من اللّه و من رسوله، فبايعا و انصرفا ....

و في إرشاد القلوب (325، 326) قال بريدة: كنت أنا و عمّار أخي مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في نخيل بني النجّار، فدخل علينا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فسلّم، فردّ عليه رسول اللّه و رددنا، ثمّ قال له: يا عليّ اجلس هناك، فدخل رجال فأمرهم رسول اللّه بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين، فسلّموا و ما كادوا.

ثمّ دخل أبو بكر و عمر فسلّما، فقال لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقالا: الإمرة من اللّه و رسوله؟! فقال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم ... [و اعترض كذلك طلحة و سعد بن مالك و عثمان و أبو عبيدة] ... ثمّ أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: اسمعوا وعوا، إنّي أمرتكم أن تسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، و إن رجالا سألوني عن ذلك «عن أمر اللّه عزّ و جلّ أو أمر

323

رسول اللّه»؟ ما كان لمحمّد أن يأتي أمرا من تلقاء نفسه، بل بوحي ربّه و أمره، و الّذي نفسي بيده لئن أبيتم و نقضتموه لتكفرنّ و لتفارقنّ ما بعثني به ربّي‏ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (1).

و انظر تفسير القمّي (ج 1؛ 173، 389) و كتاب سليم بن قيس (82، 88، 164، 167، 251) و المسترشد (584، 585) و تفسير العيّاشي (ج 2؛ 290) و تقريب المعارف (200) و اليقين (207، 230، 272، 285، 286، 307، 309، 310، 312، 316، 317، 388، 407) و التحصين (537، 574) و أمالي الطوسي (289، 290). و انظر في أقوالهم الأخرى تفسير القمّي (ج 1؛ 324) و الكافي (ج 1؛ 295، 434) و (ج 8؛ 378) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 38).

و انظر نزول قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ‏ (2) في مناقب ابن شهرآشوب حيث نقله عن أبي عبيدة و الثعلبي و النقّاش و سفيان بن عيينة و الرازيّ و القزويني و النيسابوريّ و الطبرسي و الطوسي في تفاسيرهم، و أيضا عن شرح الأخبار، ثمّ قال:

و رواه أبو نعيم الفضل بن دكين. و انظر فرائد السمطين (ج 1؛ 82، 83) و شواهد التنزيل (ج 2؛ 381- 385) ففيه خمسة أحاديث، و خصائص الوحي المبين (55) نقلا عن تفسير الثعلبي و النقاش. و انظر كتاب الغدير (ج 1؛ 239- 246) حيث نقله عن ثلاثين مصدرا. و نفحات الأزهار (ج 8؛ 325- 360).

و الرواية كما في الخصائص (55- 56) نقلا عن الثعلبي: سئل سفيان بن عيينة عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ‏ (3) فيمن نزلت؟ فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدّثني جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السلام)، قال:

لمّا كان رسول اللّه بغدير خمّ نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد عليّ (عليه السلام)، فقال: من كنت‏

____________

(1). الكهف؛ 29

(2). المعارج؛ 1

(3). المعارج؛ 1

324

مولاه فعلي مولاه، فشاع ذلك و طار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على ناقته حتّى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته فأناخها و عقلها، ثمّ أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في ملأ من أصحابه، فقال: يا محمّد أمرتنا عن اللّه أن نشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه فقبلنا منك، و أمرتنا أن نصلّي خمسا فقبلناه منك، و أمرتنا أن نصوم شهرا فقبلناه منك، و أمرتنا أن نحجّ البيت فقبلناه، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضّلته علينا، و قلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شي‏ء منك أم من اللّه؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): و الّذي لا إله إلّا هو إنّه من أمر اللّه، فولّى الحارث يريد راحلته و هو يقول: اللّهم إن كان ما يقول محمّد حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتّى رماه اللّه بحجر، فسقط على هامته و خرج من دبره فقتله، و أنزل اللّه سبحانه و تعالى‏ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ* مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ‏ (1).

من عصاني فقد عصى اللّه، و من عصى وصيّي فقد عصاني، و من أطاع وصيّي فقد أطاعني، و من أطاعني فقد أطاع اللّه‏

انظر ما مرّ في الطّرفة السادسة عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و طاعته طاعة اللّه و رسوله و الأئمّة من ولده».

إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو العلم، فمن قصر دون العلم فقد ضلّ، و من تقدّمه تقدّم إلى النار، و من تأخر عن العلم يمينا هلك، و من أخذ يسارا غوى‏

و مثله قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الطّرفة العشرين: «خلّفت فيكم العلم الأكبر، علم الدين و نور الهدى وصيّي عليّ بن أبي طالب».

في مجمع البحرين (ج 6؛ 123) قال الطريحي: و في الحديث ذكر «الأعلام و المنار»،

____________

(1). المعارج؛ 1- 3

325

فالأعلام جمع علم؛ و هو الجبل الذي يعلم به الطريق ... و أعلام الأزمنة هم الأئمّة (عليهم السلام)؛ لأنّهم يهتدى بهم، و منه حديث يوم الغدير «و هو الذي نصب فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) علما للناس».

و الذي يؤيّد هذا المعنى ما رواه ابن طاوس في التحصين (609) بسند ينتهي إلى أبي ذرّ (رحمه اللّه) أنّه قال في حقّ العترة الطاهرة: فهم فينا كالسماء المرفوعة، و الجبال المنصوبة، و الكعبة المستورة، و الشجرة الزيتونة. و مثله في تفسير فرات (81، 82).

و في كتاب سليم بن قيس (244) قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ أنت علم اللّه الأكبر. و في هامش النسخة «العلم هنا بمعنى الراية».

و قال العلّامة المجلسي في مرآة العقول- في شرح قول الإمام الرضا (عليه السلام) في الكافي (ج 1؛ 99) «و أقام لهم عليّا علما»-: أي علامة لطريق الحقّ. و هذا التفسير جامع للمعنيين السابقين، لأنّ الجبل هو علامة على الطريق، و الراية أيضا علامة يجتمعون إليها.

و نحن نذكر ما ورد من الروايات بلفظ «العلم» ثمّ نذكر ما ورد بلفظ «الراية».

فأمّا ما ورد بلفظ العلم‏:

ففي بشارة المصطفى (54) بسنده عن عبد اللّه بن عبّاس، أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ (عليه السلام): ... يا عليّ أنت العلم المرفوع لأهل الدنيا، من تبعك نجا، و من تخلف عنك هلك.

و فيه (31) بسنده عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللّه سبحانه، قال: ... و اصطفيت عليّا ...

و جعلته العلم الهادي من الضلالة.

و في الكافي (ج 1؛ 437) بسنده عن الباقر (عليه السلام)، قال: إنّ اللّه نصب عليّا علما بينه و بين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، و من أنكره كان كافرا، و من جهله كان ضالّا، و من نصب معه شيئا كان مشركا، و من جاء بولايته دخل الجنّة.

و في أمالي الصدوق (234) بسنده، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): معاشر أصحابي إنّ اللّه يأمركم‏

326

بولاية عليّ و الاقتداء به، فهو وليّكم و إمامكم من بعدي، لا تخالفوه فتكفروا، و لا تفارقوه فتضلّوا، إنّ اللّه جعل عليّا علما بين الإيمان و النفاق.

و في إثبات الوصيّة (110) قال عليّ (عليه السلام): فو اللّه لأقولنّ قولا لا يطيق أن يقوله أحد من خلقك، أنا علم الهدى، و كهف التقى، و محل السخاء، و بحر الندى، و طود النهى، و معدن العلم، و النور في ظلم الدجى.

و انظر روضة الواعظين (90، 103) و كتاب سليم بن قيس (244) و بصائر الدرجات (433) و بشارة المصطفى (33) و كشف اليقين (230) و التحصين (551) و تفسير فرات (118، 206، 265) و أمالي الطوسي (365، 486، 487) و تفسير القمّي (ج 1؛ 193) و (ج 2؛ 57) و الكافي (ج 1؛ 199، 203) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 23) و (ج 3؛ 147) و تذكرة الخواص (50) و درّ بحر المناقب (45).

و الأئمّة (عليهم السلام) كلّهم أعلام للهداية، ففي بصائر الدرجات (83) بسنده عن الباقر (عليه السلام)، قال:

نحن أئمّة الهدى، و نحن مصابيح الدجى، و نحن منار الهدى، و نحن السابقون، و نحن الآخرون، و نحن العلم المرفوع للخلق.

و في دلائل الإمامة (169) بسنده عن أبي بصير، أنّه سأل الإمام الكاظم (عليه السلام): بم يعرف الإمام؟ قال (عليه السلام): بخصال؛ أمّا أوّلهن فبشي‏ء تقدّم من أبيه فيه و عرّفه الناس، و نصبه لهم علما حتّى يكون عليهم حجّة؛ لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نصّب أمير المؤمنين علما و عرّفه الناس، و كذلك الأئمّة؛ يعرّفونهم الناس و ينصبونهم لهم حتّى يعرفوهم ....

و في ينابيع المودّة (ج 1؛ 23) و (ج 3؛ 148) قال: و في المناقب: خطب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فقال: إنّ اللّه أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيه دينه، و أبلج بهم باطن ينابيع علمه، فمن عرف من الأمّة واجب حقّ إمامه وجد حلاوة إيمانه، و علم فضل طلاوة إسلامه، لأنّ اللّه نصب الإمام علما لخلقه، و حجّة على أهل أرضه ... فلم يزل اللّه تبارك و تعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين (عليه السلام) من عقب كلّ إمام، يصطفيهم لذلك، و كلّما مضى منهم إمام نصب اللّه لخلقه من عقبه إماما علما بيّنا و منارا نيّرا.

327

و في ينابيع المودّة (ج 3؛ 147) نقلا عن فرائد السمطين (ج 2؛ 253) بإسناده إلى الباقر (عليه السلام) قال: ... و نحن العلم المرفوع للحقّ، من تمسّك بنا لحق، و من تأخر عنّا غرق ....

و أمّا ما ورد بلفظ الراية:

ففي كشف اليقين: 230 قال العلّامة الحلّي: و من كتاب كفاية الطالب للحافظ أبي عبد اللّه الشافعي، بإسناده عن أبي بردة، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه عهد إليّ عهدا في عليّ، فقلت: يا ربّ بيّنه لي؟ فقال: اسمع، فقلت: سمعت، فقال: إنّ عليّا راية الهدى، و إمام الأولياء، و نور من أطاعني ....

و في المسترشد (627) أسند عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، عن جبرئيل، أنّه قال: إنّ عليّ بن أبي طالب راية الهدى من بعدك.

و هو كثير جدّا في المصادر الإماميّة، استغنينا عن الإطالة في تخريجاته بما مرّ بلفظ العلم، و نقتصر هنا على ما ورد في المصادر العامّة بلفظ «راية الهدى». فانظر في ذلك تاريخ دمشق (ج 2؛ 188، 229، 339) و حلية الأولياء (ج 1؛ 66) و كفاية الطالب (72) و مناقب ابن المغازلي (46) و مناقب الخوارزمي (220) و فرائد السمطين (ج 1؛ 144، 151، 158) و شرح النهج (ج 9؛ 167) و الكامل لابن عدي (ج 7؛ 260) و لسان الميزان (ج 6؛ 237) و ينابيع المودّة (ج 1؛ 78). و انظر خلاصة عبقات الأنوار (ج 5؛ 282).

و الأئمّة (عليهم السلام) كلهم رايات للهدى؛ ففي الإمامة و التبصرة (132) بسنده عن عبيد بن كرب، قال: سمعت عليّا يقول: إنّ لنا أهل البيت راية، من تقدّمها مرق، و من تأخّر عنها محق، و من تبعها لحق. و رواه الصدوق في إكمال الدين (654/ الحديث 23).

و في ينابيع المودّة (ج 1؛ 22) قال: و أخرج الحافظ عمرو بن بحر في كتابه: حدّثني أبو عبيدة، عن جعفر الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام): أنّ عليّا خطب بالمدينة بعد بيعة الناس له، و قال: ألا إنّ أبرار عترتي، و أطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، و أعلمهم كبارا، ألا و إنّا أهل بيت من علم اللّه علمنا، و بحكم اللّه حكمنا، و من قول الصادق سمعنا، فإن تتّبعوا آثارنا

328

تهتدوا ببصائرنا، و إن لم تفعلوا يهلككم اللّه، و معنا راية الحقّ، من تبعها لحق، و من تأخّر عنها غرق، ألا و بنا يدرك كلّ مؤمن ثواب عمله، و بنا يخلع ربقة الذلّ من أعناقكم، و بنا فتح اللّه و بنا يختم. و مثله في الإرشاد (128) حيث قال: «ما رواه الخاصة و العامّة عنه (عليه السلام)، و ذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى و غيره ...» ثمّ ساق الرواية المتقدّمة.

329

الطّرفة الثانية عشر

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 478) و نقلها العلّامة البياضي باختصار في الصراط المستقيم (ج 2؛ 91). و سيأتي في الطّرفة الرابعة عشر ما يتعلّق بالصحيفة المختومة.

و البيت فيه جبرئيل و الملائكة معه، أسمع الحسّ و لا أرى شيئا

في نهج البلاغة (ج 2؛ 71) من كلام للإمام عليّ (عليه السلام) قال فيه: و لقد و ليت غسله (صلّى اللّه عليه و آله) و الملائكة أعواني، فضجت الدار و الأفنية، ملأ يهبط و ملأ يعرج، و ما فارقت سمعي هينمة منهم يصلّون عليه، حتّى واريناه في ضريحه. و هو في ربيع الأبرار (ج 5؛ 197).

قال ابن أبي الحديد في شرحه (ج 10؛ 183) في شرح قوله «فضجت الدار و الأفنية»:

أي النازلون في الدار من الملائكة؛ أي ارتفع ضجيجهم و لجبهم، يعني أنّي سمعت ذلك و لم يسمعه غيري من أهل الدار. و قال في (ج 10؛ 185، 186): و أمّا حديث الهينمة و سماع الصوت، فقد رواه خلق كثير من المحدّثين عن عليّ (عليه السلام).

و في نهج البلاغة أيضا (ج 2؛ 157، 158) قول عليّ (عليه السلام) في الخطبة القاصعة: و لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال:

هذا الشيطان أيس من عبادته؛ إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى، إلّا أنّك لست بنبي، و لكنك وزير و إنّك لعلى خير.

330

و في ينابيع المودّة (ج 1؛ 78) قال: و في المناقب، عن جعفر الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: كان عليّ (عليه السلام) يرى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت. و نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج 13؛ 210) أيضا، عند شرحه لقوله (عليه السلام) في نهج البلاغة (ج 2؛ 157) «و لقد كان (صلّى اللّه عليه و آله) يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه و لا يراه غيري، و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحي و الرسالة و أشمّ ريح النبوّة».

و في بصائر الدرجات (341) بسنده عن الصادق (عليه السلام)، قال: إنّ عليّا كان يوم بني قريظة و بني النضير، كان جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره يحدّثانه.

و انظر سماع عليّ صوت الملائكة عند موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تغسيله و دفنه في أمالي الطوسي (547) و تفسير العيّاشي (ج 1؛ 210) و التهذيب (ج 1؛ 132) و حلية الأولياء (ج 4؛ 78) و مستدرك الحاكم (ج 3؛ 60) و تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 114) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 245).

و الأئمّة الاثنا عشر كلّهم محدّثون، يسمعون الصوت و لا يرون الشخص و الصورة، ففي الكافي (ج 1؛ 176) بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: ... و الإمام هو الذي يسمع الكلام و لا يرى الشخص.

و في بصائر الدرجات (343) بإسناده عن محمّد بن مسلم، قال: ذكرت المحدّث عند أبي عبد اللّه، قال: فقال (عليه السلام): إنّه يسمع الصوت و لا يرى.

و في بصائر الدرجات أيضا (339، 340) بسنده، عن الحكم بن عيينة، قال: دخلت على عليّ بن الحسين يوما، فقال لي: يا حكم، هل تدري ما الآية الّتي كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يعرف بها صاحب قتله و يعلم بها الأمور العظام الّتي كان يحدّث بها الناس؟

قال الحكم: فقلت في نفسي: «قد وقفت على علم عليّ بن الحسين، أعلم بذلك تلك الأمور العظام»، فقلت: لا و اللّه لا أعلم به؛ أخبرني بها يا بن رسول اللّه.

331

قال (عليه السلام): و اللّه قول اللّه: وَ ما أَرْسَلْنا (1) مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ و لا محدّث‏ (2) فقلت:

و كان عليّ بن أبي طالب محدّثا؟ قال: نعم، و كلّ إمام منّا أهل البيت فهو محدّث.

و كتب في هامش البصائر تعليقا على هذه القراءة: قال العلّامة المجلسي طيب اللّه رمسه:

قوله و لا محدّث ليس في القرآن، و كان في مصحفهم. أقول: بل هو موجود في مصحفنا بناء على قراءة كما يأتي روايته آنفا المصحح. انتهى ما في الهامش.

أقول: هذه القراءة نقلت أيضا عن ابن عبّاس في معجم القراءات القرآنيّة (ج 4؛ 191) في قراءة الآية (52) من سورة الحجّ.

و انظر بصائر الدرجات (341- 344/ الباب السادس من الجزء السابع «في أنّ المحدّث كيف صفته و كيف يصنع به، و كيف يحدّث الأئمّة»)، و انظره أيضا في (388- 394) الباب الأوّل من الجزء الثامن «في الفرق بين الأنبياء و الرسل و الأئمّة و معرفتهم و صفتهم و أمر الحديث»، و الكافي (ج 1؛ 176، 177/ «باب الفرق بين الرسول و النبي و المحدّث»).

____________

(1). الحجّ؛ 52.

(2). الحجّ؛ 52.

332

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

333

الطّرفة الثالثة عشر

روى هذه الطّرفة- عن كتاب الطّرف- العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 481، 482) و نقلها العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 91) باختصار.

و ضمانه على ما فيها على ما ضمن يوشع بن نون لموسى بن عمران‏

إنّ وصي موسى بن عمران هو أخوه هارون؛ بنصّ القرآن الكريم و الروايات عند المسلمين، لكن لمّا مات هارون كان وصي موسى يوشع بن نون. انظر المسترشد (574) و الإمامة و التبصرة (23) و إكمال الدين (211) و من لا يحضره الفقيه (ج 4؛ 174) و أمالي الصدوق (328) و بشارة المصطفى (82) عن الصدوق، و أمالي الطوسي (442، 443) و بشارة المصطفى (83) عن الطوسي، و كفاية الأثر (147- 151) و مشارق أنوار اليقين (58، 59). و الاختلاف في الأسماء بحسب الإعجام و النقط و تقارب الأسماء كثير جدّا فلا حظ.

و ضمن واري بن برملا وصي عيسى بن مريم‏

الّذي في المصادر أنّ وصي عيسى هو شمعون بن حمون الصفا. انظر المسترشد (283 و 574) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 251) و أمالي الصدوق (329) و بشارة المصطفى (83) و ينابيع المودّة (ج 2؛ 77) و جميع المصادر الآنفة في وصي موسى.

334

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 47، 48) عن المسعوديّ بسنده إلى أمّ هاني، قال لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ... إنّ اللّه جعل لكلّ نبي وصيّا، فشيث وصي آدم، و يوشع وصي موسى، و آصف وصي سليمان، و شمعون وصي عيسى، و عليّ وصيّي، و هو خير الأوصياء في الدنيا و الآخرة.

و في بشارة المصطفى (57، 58) بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): يا عليّ أنت خليفتي على أمّتي في حياتي و بعد موتي، و أنت منّي كشيث من آدم، و كسام من نوح، و كإسماعيل من إبراهيم، و كيوشع من موسى، و كشمعون من عيسى.

فعلى هذا لعلّ واري بن برملا كان وصيّا لعيسى بعد شمعون، كما أنّ يوشع كان وصي موسى بعد هارون.

و في تفسير القمّي (ج 2؛ 413، 414) في تفسير قوله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (1) قال: كان سببهم أنّ الذي هيّج الحبشة على غزوة اليمن ذو نواس، و هو آخر من ملك من حمير، تهوّد و اجتمعت معه حمير على اليهوديّة، و سمّى نفسه يوسف، و أقام على ذلك حينا من الدهر، ثمّ أخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النصرانيّة، و كانوا على دين عيسى و على حكم الإنجيل، و رأس ذلك الدين عبد اللّه بن بريا، فحمله أهل دينه على أن يسير إليهم و يحملهم على اليهوديّة و يدخلهم فيها، فسار حتّى قدم نجران، فجمع من كان بها على دين النصرانيّة، ثمّ عرض عليهم دين اليهوديّة و الدخول فيها، فأبوا عليه، فجادلهم و عرض عليهم و حرص الحرص كلّه، فأبوا عليه و امتنعوا من اليهوديّة و الدخول فيها، و اختاروا القتل، فخدّ لهم أخدودا جمع فيه الحطب و أشعل فيه النار، فمنهم من أحرق بالنار، و منهم من قتل بالسيف، و مثّل بهم كلّ مثلة ... فقال اللّه: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (2) .... و انظر مجمع البيان (ج 5؛ 466).

____________

(1). البروج: 4.

(2). البروج؛ 4 و 5

335

هذا كلّه بناء على ما في نسخنا، و في نسخة العلّامة المجلسي في البحار (ج 22؛ 482) ورد النص هكذا «و ضمانه على ما فيها على ما ضمن يوشع بن نون لموسى بن عمران، و على ما ضمن و أدّى وصي عيسى بن مريم» و على هذا فيكون المتبادر هو شمعون بن حمون الصفا، و يكون المراد واضحا جليّا.

و يؤيد هذا ما في ينابيع المودة (ج 1؛ 84) حيث قال: و في المناقب، عن مقاتل بن سليمان، عن جعفر الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ أنت مني بمنزلة شيث من آدم، و بمنزلة سام من نوح، و بمنزلة إسحاق، من إبراهيم- كما قال تعالى‏ وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ‏ (1)- و بمنزلة هارون من موسى، و بمنزلة شمعون من عيسى، و أنت وصيّي و وارثي ....

و ما في روضة الواعظين (101) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ أنت مني بمنزلة هبة اللّه من آدم، و بمنزلة سام من نوح، و بمنزلة إسحاق من ابراهيم، و بمنزلة هارون من موسى، و بمنزلة شمعون من عيسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي ....

و ما في كتاب اليقين (226) من قول جبرئيل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا محمّد، و نجا من تولّى شمعون الصّفا وصي عيسى بشمعون، و نجا شمعون بعيسى، و نجا عيسى باللّه .... و غيرها من الأحاديث المشبّهة وصاية علي بوصاية شمعون الصّفا.

على أنّ محمّدا أفضل النبيّين، و عليّا أفضل الوصيّين‏

ورد هذا الحديث بهذا اللفظ في كثير من المصادر، و ورد أيضا بلفظ «سيّد الأوصياء» و «خير الأوصياء» و «أكرم الأوصياء» أو ما يقاربها من العبارات في مصادر المسلمين شيعة و سنّة.

انظر اليقين (138، 179، 186، 197، 219، 227، 301، 353، 367) و أمالي المفيد

____________

(1). البقرة 88؛ 132

336

(77، 90، 105، 346) و أمالي الطوسي (199، 270، 283، 292، 442) و تفسير فرات (143، 586) و الكافي (ج 1؛ 450) و (ج 8؛ 49، 50) و أمالي الصدوق (19، 28، 31، 41، 328، 448، 510) و الاحتجاج (ج 1؛ 67) و بشارة المصطفى (12، 34) و الخصال (412، 572- 580، 607) و شرح النهج (ج 13؛ 210) و فرائد السمطين (ج 1؛ 134) و تحفة المحبّين بمناقب الخلفاء الراشدين (185/ مخطوط) و كفاية الطالب (211) و ميزان الاعتدال (ج 1؛ 46).

337

الطّرفة الرابعة عشر

روى هذه الطّرفة بزيادة في صدرها الكليني في الكافي (ج 1؛ 281، 283) بسنده إلى عيسى بن المستفاد/ كتاب الحجّة- باب «أن الأئمّة لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلّا بعهد من اللّه» الحديث الرابع، و نقلها عنه العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 479- 481) ثمّ أشار إلى أن السيّد ابن طاوس رواها في الطّرف مجملة؛ و ذلك لعدم نقله صدر الطّرفة.

و نقل المسعوديّ مضمونها في إثبات الوصيّة (104، 105) و رواها عن كتاب الطّرف العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 91) باختصار، و سيأتي في آخر هذه الطّرفة حديث هذه الصحيفة المختومة الّتي نزل بها جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

يا عليّ توفي فيها ... على الصبر منك و الكظم لغيظك على ذهاب حقّك‏

لقد أوصى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا بالصبر من بعده، و أخبره أنّ القوم سيتأمرون عليه، و أنّه لا بدّ له من الصبر، فأجاب عليّ (عليه السلام) النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالطاعة و التسليم و الصبر، و صرّح عليّ (عليه السلام) في مواطن كثيرة أنّه لا يجوز وصيّة رسول اللّه و لا ينقضها و لو خزموه بأنفه، و صرّح أيضا أنّه (عليه السلام) إنّما سكت عن قتال القوم التزاما بوصيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّه أمره بالصبر و كظم الغيظ؛ لأنّ الأمّة حديثة عهد بالإسلام، و أنّ القتال يؤدي بهم إلى الردّة عن الإسلام.

ففي مناقب ابن شهرآشوب (ج 3؛ 216)، عن الحارث بن حصين، قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

338

يا عليّ إنّك لاق بعدي كذا و كذا، فقال (عليه السلام): يا رسول اللّه إنّ السيف لذو شفرتين، و ما أنا بالقليل و لا الذليل، قال (صلّى اللّه عليه و آله): فاصبر يا عليّ، فقال عليّ (عليه السلام): أصبر يا رسول اللّه.

و في تفسير العيّاشي (ج 2؛ 105) في حديث زيد بن أرقم- بعد تآمر الثلاثة على صرف الخلافة عن عليّ (عليه السلام)، و استدعاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاهم، فأنكروا ما قالوا- قال زيد: و قال عليّ (عليه السلام) عند ذلك: ليقولوا ما شاءوا، و اللّه إنّ قلبي بين أضلاعي، و إنّ سيفي لفي عنقي، و لئن همّوا لأهمّنّ، فقال جبرئيل للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): قل له: اصبر للأمر الّذي هو كائن، فأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا بما أخبره به جبرئيل، فقال (عليه السلام): إذن أصبر للمقادير ....

و في التحصين (607) بسند إلى أمّ سلمة أنّها دخلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالت: فدخلت و عليّ (عليه السلام) جاث بين يديه، و هو يقول: فداك أبي و أمّي يا رسول اللّه، إذا كان لدى ولدى فما تأمرني؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): آمرك بالصبر.

و في الكافي (ج 8؛ 33) بسنده إلى الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال في خطبته الطالوتية في المدينة:

أما و البيت و المفضي إلى البيت- و في نسخة: و المزدلفة و الخفاف إلى التجمير- لو لا عهد عهده إليّ النبي الأمّي لأوردت المخالفين خليج المنيّة، و لأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، و عن قليل سيعلمون.

و في المسترشد (411) بسنده عن عليّ (عليه السلام)، أنّه قال: إنّ عندي من نبي اللّه العهد، و له الوصيّة، و ليس لي أن أخالفه، و لست أجاوز أمره و ما أخذه عليّ اللّه، لو خزموا أنفي لأقررت سمعا و طاعة للّه.

و في المسترشد (417) في الكتاب الّذي أخرجه عليّ (عليه السلام) للناس حينما سألوه عن أمره و أمر من تقدّمه و من قاتله (عليه السلام)، و فيه: و كان نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عهد إليّ فقال: يا بن أبي طالب لك ولاية أمّتي من بعدي، فإن ولّوك في عافية و اجتمعوا عليك بالرضا، فقم بأمرهم، و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه.

و في التهاب نيران الأحزان (94) قول عليّ (عليه السلام): أوصاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالحقّ، أنّ الحقّ لنا لا لغيرنا، و لكنّي أصبر حتّى آخذ بحقّي ... و صبرت على كظم الغيظ على شي‏ء أمرّ من العلقم.

339

و في كتاب سليم بن قيس (84) قول عليّ (عليه السلام) لعمر: و الّذي أكرم محمّدا بالنبوّة يا بن صهاك، لو لا كتاب من اللّه سبق، و عهد عهده إليّ رسول اللّه، لعلمت أنّك لا تدخل بيتي.

و انظر كتاب سليم (72، 87، 193، 251) و إرشاد القلوب (383، 391) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 272) و (ج 3؛ 216، 337) و الخصال (371، 462، 575) و كفاية الأثر (124) و اليقين (337) و بشارة المصطفى (58) و أمالي الطوسي (9) و كامل الزيارات (332- 335) و المسترشد (370، 371) و شرح النهج (ج 6؛ 18) و أمالي المفيد (224).

هذا، و قد دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ربّه دعوات في عليّ (عليه السلام) فأجيبت كلّها، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله): إلهي و سيدي فاجمع الأمّة عليه، فأبى سبحانه و قال: يا محمّد إنّه المبتلى و المبتلى به. انظر في ذلك اليقين (160، 426) و أمالي الطوسي (327، 344، 354) و كشف الغمّة (ج 1؛ 108) و بشارة المصطفى (65) و التحصين (543، 545، 615) و حلية الأولياء (ج 1؛ 66) و مناقب ابن المغازلي (47) و كفاية الطالب (73) و لسان الميزان (ج 6؛ 237).

و سيأتي المزيد في الطّرفة السادسة و العشرين عند قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «فقد أجمع القوم على ظلمكم».

و غصب خمسك و أكل فيئك‏

أخبر النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا و أهل بيته بما سيحلّ بهم بعد وفاته، و كان ممّا أخبرهم أنّهم يغصبون حقّهم في الخمس الّذي نزل به كتاب اللّه في قوله: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ (1)، و قد تحقّق إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك، إذ غصب الشيخان هذا الحقّ من أهل البيت بشتّى الاختلافات و المعاذير.

ففي أمالي المفيد (224) بإسناده عن عليّ (عليه السلام)، أنّه قال: إنّ أوّل ما انتقصناه بعده [أي بعد حقّنا في الخلافة] إبطال حقّنا في الخمس ...

____________

(1). الأنفال؛ 41

340

و في تفسير العيّاشي (ج 2؛ 66) بسنده عن الباقر (عليه السلام)، قال: لنا حقّ في كتاب اللّه في الخمس، فلو محوه- فقالوا: ليس من اللّه- أ و لم يعملوا به، لكان سواء.

و في تفسير القمّي (ج 2؛ 308) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ‏ (1) في أمير المؤمنين‏ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (2) يعني في الخمس أن لا يردّوه في بني هاشم.

و قال دعبل بن عليّ الخزاعي في تائيّته العصماء الّتي أنشدها عند الإمام الرضا (عليه السلام):

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما * * * و أيديهم من فيئهم صفرات‏

قال ابن شهرآشوب في مناقبه (ج 4؛ 338) أنّه لمّا بلغ دعبل هذا القول، بكى الإمام الرضا (عليه السلام) و قال له: صدقت يا خزاعي. و انظر ديوان دعبل (123).

و في وسائل الشيعة (ج 9؛ 517/ الحديث 12615) عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: فرض اللّه في الخمس نصيبا لآل محمّد، فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم ... الحديث.

و فيه أيضا (ج 9؛ 549/ 12688) عن الصادق (عليه السلام) في حديث له مع نجبة، قال فيه: يا نجبة إنّ لنا الخمس في كتاب اللّه، و لنا الأنفال، و لنا صفو المال، و هما و اللّه أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب اللّه ....

و انظر وسائل الشيعة (ج 9؛ 512- 513/ الحديث 12606) و (ج 9؛ 530- 531/ الحديث 12643) (ج 9؛ 536/ الحديث 12661) و (ج 9؛ 546/ الحديث 12681) و مستدرك الوسائل (ج 7؛ 277) و مصباح الكفعمي (552/ دعاء صنمي قريش) و مرآة العقول (ج 1؛ 144) و تفسير العيّاشي (ج 1؛ 225) و كتاب سليم بن قيس (138) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 210) و أمالي الطوسي (9) و تفسير فرات (135، 323) و مجمع البيان (ج 2؛ 545) و الكشاف (ج 2؛ 222) و تفسير القرطبي (ج 8؛ 10)

____________

(1). محمّد؛ 26

(2). محمّد؛ 26

341

و تفسير الطبريّ (ج 10؛ 6) و فتح القدير (ج 2؛ 295) و الدّرّ المنثور (ج 3؛ 187) و سنن النسائي (ج 7؛ 121) و صحيح البخاري (ج 3؛ 36) و صحيح مسلم (ج 2؛ 72) و مسند أحمد (ج 1؛ 294) و شرح النهج (ج 16؛ 230- 231) و (ج 12؛ 83) و المصنف لابن أبي شيبة (ج 12؛ 471/ الحديث 15297) و (ج 5؛ 238/ الحديث 9408) و (ج 12؛ 472/ الحديث 15301) و السنن الكبرى (ج 6؛ 344) و مشكل الآثار (ج 2؛ 36) و الأموال (332). و انظر النصّ و الاجتهاد (111).

رضيت و إن انتهكت الحرم‏

إنّ انتهاك القوم حرمة عليّ (عليه السلام)، و حرمة الزهراء (عليها السلام)، و حرمة الدين، ثابت بالأدلّة القطعيّة، حتّى أنّ عليّا (عليه السلام) صرّح بظلامته في كثير من الموارد، و صرّح بلفظ استحلال حرمته أيضا في خطبه و كلماته، ففي مناقب ابن شهرآشوب (ج 2؛ 202) في خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال فيها: اللّهم إنّي استعديك على قريش، فخذ لي بحقّي؛ و لا تدع مظلمتي لها، و طالبهم يا ربّ بحقّي فإنّك الحكم العدل، فإنّ قريشا صغّرت قدري، و استحلّت المحارم منّي، و استخفّت بعرضي و عشيرتي ... إلى آخر الخطبة. و الخطبة في كتاب العدد القويّة (189- 190/ الحديث 19).

و نقلها العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 8؛ 169) نقلا عن كتاب العدد نقلا عن كتاب «الإرشاد لكيفيّة الطلب في أئمّة العباد» للصفار.

و انظر كلامه القريب من ذلك في نهج البلاغة (ج 2؛ 85/ الخطبة 172) و (ج 2؛ 202) و الإمامة و السياسة (ج 1؛ 176).

و سيأتي انتهاكهم حرمة عليّ (عليه السلام) في الطّرفة الثامنة و العشرين عند قوله: «و بعثوا إليك طاغيتهم يدعوك إلى البيعة، ثمّ لبّبت بثوبك، و تقاد كما يقاد الشارد من الإبل»، و في الطّرفة التاسعة عشر انتهاكهم حرمة الزهراء و الحسنين (عليهم السلام)، عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «و ويل لمن انتهك حرمتها»، و ما بعده من حرق الباب و ضربها و إسقاط جنينها و شجّ جنبيها.

342

و عطّلت السنن‏

إنّ تلاعب الثلاثة- و من بعدهم معاوية- بالأحكام ممّا لا ينكره ذو عقل، و لا يجحده إلّا مكابر، و قد ألّفت الكتب في ذلك، و مخالفاتهم لسنّة رسول اللّه مبثوثة في كتب المسلمين، و في أغلب أبواب الفقه، بل في أمّهات أبوابه و أساسيّات مسائله، و ذلك جهلا منهم بالأحكام و عداوة للّه و لرسوله، و لذلك كان أئمّة أهل البيت يؤكّدون هذه الحقيقة و يصدعون بها و يبيّنونها للمسلمين.

ففي الكافي (ج 8؛ 32) قول عليّ (عليه السلام) في الخطبة الطالوتيّة: و لكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، و سدّت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، و اختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين اللّه بغير علم، و اتّبعتم الغواة فأغوتكم، و تركتم الأئمّة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم ...

و في تفسير العيّاشي (ج 1؛ 16) عن الصادق (عليه السلام)، قال: لا يرفع الأمر و الخلافة إلى آل أبي بكر أبدا، و لا إلى آل عمر، و لا إلى آل بني أميّة، و لا في ولد طلحة و الزبير أبدا، و ذلك أنّهم بتروا القرآن و أبطلوا السنن، و عطّلوا الأحكام.

و في الكافي (ج 8؛ 58) بسنده عن سليم بن قيس الهلالي، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ صلّى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال: ... إنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، و يهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها و يتّخذونها سنّة، فإذا غيّر منها شي‏ء قيل: قد غيّرت السنّة ... ثمّ أقبل بوجهه و حوله ناس من أهل بيته و خاصّته و شيعته، فقال:

قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنته، و لو حملت الناس على تركها- و حوّلتها إلى مواضعها، و إلى ما كانت في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي، الّذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (عليه السلام) فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)،

343

و رددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام)، و رددت صاع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان، و أمضيت قطائع أقطعها رسول اللّه لأقوام لم تمض لهم و لم تنفذ ... و رددت ما قسم من أرض خيبر، و محوت دواوين العطايا، و أعطيت كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطي بالسويّة و لم أجعلها دولة بين الأغنياء، و ألقيت المساحة، و سوّيت بين المناكح، و أنفذت خمس الرسول كما أنزل اللّه عزّ و جلّ و فرضه، و رددت مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ما كان عليه، و سددت ما فتح فيه من الأبواب، و فتحت ما سدّ منه، و حرّمت المسح على الخفّين، و حددت على النبيذ، و أمرت بإحلال المتعتين، و أمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، و أخرجت من أدخل مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مسجده ممّن كان رسول اللّه أخرجه، و أدخلت من أخرج بعد رسول اللّه ممّن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أدخله، و حملت الناس على حكم القرآن، و على الطلاق على السنّة، و أخذت الصدقات على أصنافها و حدودها، و رددت الوضوء و الغسل و الصلاة إلى مواقيتها و شرائعها و مواضعها ... إذا لتفرّقوا عنّي ... ما لقيت من هذه الأمّة، من الفرقة و طاعة أئمّة الضلالة و الدعاة إلى النار ....

و في مصباح الكفعمي (552، 553) المروي عن ابن عبّاس أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقنت به، فيه قوله (عليه السلام): اللّهم العن صنمي قريش و جبتيها و طاغوتيها و أفّاكيها و ابنتيهما، الّذين خالفا أمرك ... و حرّفا كتابك ... و عطّلا أحكامك، و أبطلا فرائضك ... اللّهم العنهم بعدد كلّ منكر أتوه، و حقّ أخفوه ... و فرض غيّروه، و أثر أنكروه ... و خبر بدّلوه، و كفر نصبوه، و إرث غصبوه، و في‏ء اقتطعوه، و سحت أكلوه، و خمس استحلّوه ... و حلال حرّموه و حرام أحلّوه ... اللّهم العنهم بكلّ آية حرّفوها، و فريضة تركوها، و سنّة غيّروها، و رسوم منعوها، و أحكام عطّلوها ...

و انظر الأحكام الّتي بدّلوها و السنن الّتي عطّلوها في بحار الأنوار (ج 8؛ الباب 22/ 23- 25) في تفصيل مطاعن الأوّل و الثاني و الثالث على التوالي، و دلائل الصدق (ج 3؛ 5- 105) في مطاعن الأوّل، (107- 237) في مطاعن الثاني، (241- 341) في مطاعن الثالث،

344

و الغدير (ج 7؛ 95- 181) فيما يتعلّق بالأوّل، (ج 6؛ 83- 333) في مطاعن الثاني بعنوان «نوادر الأثر في علم عمر»، (ج 8؛ 97- 323) فيما يتعلّق بعثمان، النصّ و الاجتهاد في ابتداعاتهم جميعا، و الطرائف (399- 498) في مطاعنهم جميعا.

و مزّق الكتاب‏

روى الشيخ الصدوق في الخصال (175) بسنده عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنّه قال: يجي‏ء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى اللّه: المصحف و المسجد و العترة، يقول المصحف: يا ربّ حرّقوني و مزّقوني ... و انظر بحار الأنوار (ج 2؛ 86) عن المستدرك المخطوط لابن البطريق، و في بصائر الدرجات (433، 434) بلفظ (حرّفوا) بدلا عن (حرّقوا).

و في مقتل الحسين للخوارزمي (ج 2؛ 85) بسنده عن جابر الأنصاريّ، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يجي‏ء يوم القيامة ثلاثة: المصحف و المسجد و العترة، فيقول المصحف:

حرقوني و مزّقوني ... و نقله الإمام المظفر في دلائل الصدق (ج 3؛ 405) عن كنز العمال (ج 6؛ 46) عن الديلمي عن جابر أيضا، و عن أحمد و الطبراني و سعيد بن منصور، عن أبي أمامة، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و في حديث أصحاب الرايات الخمس التي ترد يوم القيامة، أنّهم يسألون عن الكتاب و العترة، فيقول أصحاب أربع رايات منها: أمّا الأكبر فكذّبناه و مزّقناه ... كما في اليقين (275، 276) و الخصال (459) و تفسير القمّي (ج 1؛ 109). و ستأتي تخريجات هذا الخبر و متنه في الطّرفة الثانية و الثلاثين عند قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «ابيضّت وجوه و اسودّت وجوه، و سعد أقوام و شقي آخرون»، و فيها التصريح بأنّ الثلاثة هم أصحاب الرايات الثلاثة الأول، و هم القائلون هذا القول، فلاحظه.

و قد ثبت أنّ عثمان بن عفان هو الّذي أحرق المصاحف و استهان بها، و كان ذلك ممّا نقمه عليه المسلمون، حتّى كسر عثمان أضلاع ابن مسعود لمعارضته حرق المصاحف.

ففي تقريب المعارف (296) عن زيد بن أرقم أنّه سئل: بأي شي‏ء كفّرتم عثمان؟ فقال:

345

كفّرناه بثلاث: مزّق كتاب اللّه و نبذه في الحشوش ... الخ.

و في إرشاد القلوب (341) قول حذيفة بن اليمان: و أمّا كتاب اللّه فمزّقوه كلّ ممزّق ....

و في المسترشد (426) في كتاب عليّ الّذي أخرجه للناس، قال في شأن عثمان: و أنحى على كتاب اللّه يحرّقه و يحرّفه ...

و في كتاب سليم بن قيس (122) و في الاحتجاج (ج 1؛ 153) قول طلحة: و قد عهد عثمان حين أخذ ما ألّف عمر، فجمع له الكتّاب، و حمل الناس على قراءة واحدة، فمزّق مصحف أبي بن كعب و ابن مسعود و أحرقهما بالنار ....

و انظر في حرق المصاحف و تمزيقها تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 157) و تاريخ المدينة المنوّرة (ج 3؛ 991)، عن أنس و بكير، و صحيح البخاريّ (ج 6؛ 96) و كنز العمال (ج 2؛ 581) بسند عن الزهريّ، عن أنس، و فيه لفظ «و أمر بسوى ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق»، ثمّ كتب «ابن سعد خ ت ن، و ابن أبي داود و ابن الأنباريّ معا «في المصاحف» حب، ق» انتهى.

و في تاريخ الطبريّ (ج 7؛ 160) ذكر تسمية الناس لعثمان من بعد «شقّاق المصاحف»، و كان كلّ ذلك بسبب غصب الخلافة من آل محمّد، و تسلّط من لا علم له بالدين على أمور المسلمين بالقهر و المؤامرات، فصاروا يهتكون حرمات اللّه دون رادع و لا وازع، حتّى آل الأمر إلى أن يستفتح الوليد بن يزيد- خليفة المسلمين!!- بكتاب اللّه، فإذا هو بقوله تعالى: وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (1)، فنصب القرآن غرضا و مزّقه بالسهام، و أنشد يقول:

تهدّد كلّ جبار عنيد * * * فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * * * فقل يا ربّ مزّقني الوليد

انظر تمزيق الوليد للمصحف في مروج الذهب (ج 3؛ 228، 229) و الفتوح (ج 4؛ 333)

____________

(1). إبراهيم؛ 15

346

و الكامل في التاريخ (ج 5؛ 290) و الأغاني (ج 7؛ 49) و البدء و التاريخ (ج 6؛ 53).

و هدّمت الكعبة

في بصائر الدرجات (433، 434) بسنده عن جابر، عن الباقر (عليه السلام)، قال: دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أصحابه بمنى فقال: ... يا أيّها الناس، إنّي تارك فيكم حرمات اللّه، و عترتي، و الكعبة البيت الحرام، ثمّ قال أبو جعفر: أمّا كتاب اللّه فحرّفوا، و أمّا الكعبة فهدموا ...

و يدلّ عليه ما مرّ من حديث المصحف و المسجد و العترة، لأنّ المراد من المسجد، مسجد بيت اللّه الحرام، حيث يقول المسجد: يا ربّ خرّبوني و عطّلوني و ضيّعوني، و هو أشرف المساجد و أوّلها.

و على كلّ حال، فقد أحرقت الكعبة و هدمت مرتين، الأولى على يد الحصين بن نمير، و الثانية على يد الحجّاج لعنهما اللّه، و كانت المرّتان بسبب اعتصام عبد اللّه بن الزبير و مقاتلته في الكعبة:

أمّا الأولى: فقد أحرق الحصين بن نمير الكعبة المشرّفة و هدمها في أواخر أيّام يزيد لعنه اللّه، و بأمر منه، و ذلك بعد وقعة الحرّة و انتهاك حرمة المدينة.

قال الطبريّ في تاريخه (ج 7؛ 14) في أحداث سنة 64: قذفوا البيت بالمجانيق و حرقوه بالنار، و أخذوا يرتجزون و يقولون:

خطارة مثل الفنيق المزبد * * * نرمي بها أعواد هذا المسجد

و قال المسعوديّ في مروج الذهب (ج 3؛ 81): و نصب الحصين فيمن معه من أهل الشام المجانيق و العرّادات على مكّة و المسجد، من الجبال و الفجاج ... فتواردت أحجار المجانيق و العرّادات على البيت، و رمي مع الأحجار بالنار و النفط و مشاقات الكتّان و غير ذلك من المحرقات، و انهدمت الكعبة و احترقت البنيّة.

و قال ابن أعثم الكوفيّ في الفتوح (ج 3؛ 185- 186): و الحصين بن نمير قد أمر بالمجانيق فنصبت، فجعل يرمي أهل مكّة رميا متداركا، لا يفتر من الرمي، فجعل رجل من‏

347

أهل مكة يقول في ذلك:

ابن نمير بئس ما تولّى‏ * * * قد أحرق المقام و المصلّى‏

و بيت ذي العرش العليّ الأعلى‏ * * * قبلة من حجّ له و صلّى‏

و قال ابن قتيبة في الإمامة و السياسة (ج 2؛ 16، 17): و نصب [الحصين‏] عليها العرّادات و المجانيق، و فرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كلّ يوم، يرمونها بها ... و كانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته مع الحريق الّذي أصابه.

و انظر في ذلك الكامل في التاريخ (ج 4؛ 124) و تاريخ اليعقوبي (ج 2؛ 251) و الأخبار الطوال (267، 268) و البدء و التاريخ (ج 6؛ 15).

و أمّا المرّة الثانية: فقد أحرق الحجّاج الكعبة المشرّفة في محاصرته لعبد اللّه بن الزبير في سنة 73 ه، حيث طال الحصار ستّة أشهر و سبع عشرة ليلة كما نصّ عليه الطبريّ في تاريخه (ج 7؛ 202) و كانت مكّة و البيت الحرام بيده من سنة 64 ه حتّى سنة 73 ه، و كان هو يقيم الحجّ للناس، و كان يأخذ البيعة لنفسه من الحجّاج، فمنع عبد الملك بن مروان أهل الشام من الحجّ و بنى الصخرة في بيت المقدس، فكان الناس يحضرونها يوم عرفة و يقفون عندها. انظر في ذلك وفيات الأعيان (ج 3؛ 71- 72) في ترجمة عبد اللّه بن الزبير، و هل بعد هذا التلاعب في الدين من تلاعب؟!

و على أيّ حال، فإنّ الكعبة المشرّفة أحرقت مرّة ثانية، و كان الحجّاج يرمي الكعبة بنفسه، قال ابن الأثير في الكامل (ج 4؛ 351) في أحداث سنة 73:

و أوّل ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة رعدت السماء و برقت، و علا صوت الرعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام و أمسكوا أيديهم، فأخذ الحجّاج حجر المنجنيق بيده، فوضعه فيه و رمى به معهم.

و قال اليعقوبي في تاريخه (ج 2؛ 66): و قدم الحجّاج فقاتلهم قتالا شديدا، و تحصّن [ابن الزبير] بالبيت، فوضع عليه المجانيق، فلم يزل يرميه بالمنجنيق حتّى هدم البيت.

و قال ابن أعثم الكوفي في الفتوح (ج 3؛ 386): و جعلوا يرمون البيت الحرام بالحجارة،

348

و هم يرتجزون بالأشعار ... فلم يزل الحجّاج و أصحابه يرمون بيت اللّه الحرام بالحجارة حتّى انصدع الحائط الّذي على بئر زمزم عن آخره، و انتقضت الكعبة من جوانبها، قال: ثمّ أمرهم الحجّاج فرموا بكيزان النفط و النار، حتّى احترقت الستارات كلّها فصارت رمادا، و الحجّاج واقف ينظر في ذلك كيف تحترق الستارات، و هو يرتجز و يقول:

أ ما تراها صاعدا غبارها * * * و اللّه فيما يزعمون جارها

فقد وهت و صدعت أحجارها * * * و نفرت منها معا أطيارها

و حان من كعبته دمارها * * * و حرقت منها معا أستارها

لمّا علاها نفطها و نارها

و انظر في ذلك الإمامة و السياسة (ج 2؛ 38) و الأخبار الطوال (314) و تاريخ الطبريّ (ج 7؛ 202) و مروج الذهب (ج 3؛ 120) و الخرائج و الجرائح (241).

و خضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط

هذا الإخبار من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) بشهادته و قاتله، يعدّ من دلائل و علامات نبوّة نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد اتّفق على نقل هذا الإخبار جميع المسلمين في كتبهم و مصادرهم الروائيّة، و اتّفقوا على أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: ما ينتظر أشقاها، عهد إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لتخضبنّ هذه من هذا. رواه ابن المغازلي في مناقبه (205).

و في كتاب سليم بن قيس (94) قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): تقتل شهيدا، تخضب لحيتك من دم رأسك.

و في أمالي الصدوق (99) بسنده، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أمّا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فيضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته.

و في كشف الغمّة (ج 1؛ 427) عن عليّ (عليه السلام)، قال: إنّي سمعت رسول اللّه الصادق المصدّق (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنّك ستضرب ضربة هاهنا- و أشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتّى تخضب‏

349

لحيتك، و يكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود.

و انظر في ذلك روضة الواعظين (288) و الخرائج و الجرائح (115، 176) و أمالي الطوسي (66) و الخصال (300، 377) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 272) و (ج 2؛ 118) و إرشاد المفيد (168) و إرشاد القلوب (358) و بشارة المصطفى (198) و مقاتل الطالبيين (31) و شرح النهج (ج 4؛ 369) و أسد الغابة (ج 4؛ 34- 35) و تذكرة الخواص (172- 175) و مناقب الخوارزمي (275) و مسند أحمد (ج 4؛ 263) و مستدرك الحاكم (ج 3؛ 113، 140) و خصائص النسائي (129- 130) و نزل الأبرار (61- 62) و كفاية الطالب (463) و كنز العمال (ج 11؛ 617) و تاريخ دمشق (ج 3؛ 270/ الحديث 1348) و (279 الحديث 1365) و (285/ الحديث 1375) و (293/ الحديث 1391) و مجمع الزوائد (ج 9؛ 136، 137، 138) و أنساب الأشراف (ج 2؛ 499/ الحديث 544) و نظم درر السمطين (136) و جواهر المطالب (ج 2؛ 87).

و قد علم من التاريخ ضرورة، أنّ عليّا استشهد على يد أشقى البريّة عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، و ذكرت كلّ التواريخ قول عليّ (عليه السلام): «فزت و ربّ الكعبة»، فمضى صابرا محتسبا حتّى لقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فختمت الوصيّة بخواتيم من ذهب لم تمسّه النار و دفعت إلى عليّ (عليه السلام)

ذكر الكليني في الكافي (ج 1؛ 279- 284) أربعة أحاديث حول هذه الوصيّة المختومة الّتي نزل بها جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، في باب «أنّ الأئمّة لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلّا بعهد من اللّه و أمر منه لا يتجاوزونه»، الأولى: بسنده عن معاذ بن كثير، عن الصادق (عليه السلام)، و الثانية: عن محمّد بن أحمد بن عبيد اللّه العمريّ، عن أبيه، عن جدّه، عن الصادق (عليه السلام)، و الثالثة: عن ضريس الكناسي، عن الباقر (عليه السلام)، و الرابعة: عن عيسى بن المستفاد، عن الكاظم (عليه السلام)، و هي الطّرفة المذكورة في متن الطّرف. و إليك نصّ الرواية الثانية:

أحمد بن محمّد و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد، عن‏

350

أبي الحسن الكناني، عن جعفر بن نجيح الكنديّ، عن محمّد بن أحمد بن عبيد اللّه العمريّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل على نبيّه كتابا قبل وفاته، فقال: يا محمّد هذه وصيّتك إلى النّجبة من أهلك، قال: و ما النّجبة يا جبرئيل؟ فقال: عليّ بن أبي طالب و ولده، و كان على الكتاب خواتيم من ذهب، فدفعه النبي إلى أمير المؤمنين، و أمره أن يفكّ خاتما منه و يعمل بما فيه، ففكّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خاتما و عمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام)، ففكّ خاتما و عمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى الحسين (عليه السلام)، ففكّ خاتما فوجد فيه أن «أخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلّا معك، و اشر نفسك للّه عزّ و جلّ» ففعل، ثمّ دفعه إلى عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، ففكّ خاتما فوجد فيه أن «أطرق و اصمت و الزم منزلك و اعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين» ففعل، ثمّ دفعه إلى ابنه محمّد بن عليّ (عليهما السلام)، ففكّ خاتما فوجد فيه «حدّث الناس و أفتهم و لا تخافنّ إلّا اللّه عزّ و جلّ، فإنّه لا سبيل لأحد عليك» ففعل، ثمّ دفعه إلى ابنه جعفر (عليه السلام)، ففكّ خاتما فوجد فيه «حدّث الناس و أفتهم و انشر علوم أهل بيتك، و صدّق آباءك الصالحين، و لا تخافنّ إلّا اللّه عزّ و جلّ و أنت في حرز و أمان» ففعل، ثمّ دفعه إلى ابنه موسى (عليه السلام)، و كذلك يدفعه موسى إلى الّذي بعده، ثمّ كذلك إلى قيام المهديّ صلّى اللّه عليه.

و في الحديث الأوّل قال الصادق (عليه السلام): إنّ الوصيّة نزلت من السماء على محمّد كتابا، لم ينزل على محمّد كتاب مختوم إلّا الوصيّة، فقال جبرئيل: يا محمّد، هذه وصيّتك في أمّتك عند أهل بيتك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أيّ أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب اللّه منهم و ذريّته، ليرثك علم النبوّة كما ورثه إبراهيم، و ميراثه لعليّ و ذريتك من صلبه، قال: و كان عليها خواتيم ....

و انظر حديث هذه الصحيفة المختومة الّتي نزل بها جبرئيل في أمالي الصدوق (328) و مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 298، 299) عن الصادق (عليه السلام)، ثمّ قال: «و قد روى نحو هذا الخبر أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمّد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)»، و بصائر الدرجات (166/ الحديث 24 من الباب 12

351

من الجزء الثالث) و (170/ الحديث 17 من الباب 13 من الجزء الثالث) و إكمال الدين (231، 232/ الحديث 35 من الباب 22) و (669- 670/ الحديث 15 من الباب 58) و الإمامة و التبصرة (38- 39) و أشار إليه في الصفحة 12 أيضا، و علل الشرائع (171/ الحديث الأوّل من الباب 135) و الغيبة للنعماني (24) و أمالي الطوسي (441/ الحديث 990).

و انظر روايات هذه الصحيفة السماويّة المباركة في بحار الأنوار (ج 26؛ 18/ الباب الأوّل «ما عندهم من الكتب» و (ج 36؛ 192- 226/ الباب 40).

352

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

353

الطّرفة الخامسة عشر

روى هذه الطّرفة الشريف الرضي في كتاب خصائص الأئمّة (72) و رواها العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 482- 483) عن كتاب الطّرف، عن خصائص الأئمّة، و هي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 91، 92)، حيث نقلها العلّامة البياضي باختصار.

و هذه الطّرفة موضوعها متعلّق بما سبقها من حديث الصحيفة المختومة، و أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها لعليّ (عليه السلام)، و أمره و ولده أن يعملوا بما فيها، فعملوا طبق ما في هذه الوصيّة، و لم يجاوزوا ما فيها، فوردوا على رسول اللّه لا مقصّرين و لا مفرّطين. و المطالب الفرعيّة الموجودة في الطّرفة كلّها مرّ بعضها، و سيأتي بعضها الآخر.

354

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

355

الطّرفة السادسة عشر

روى هذه الطّرفة الشريف الرضي في كتاب خصائص الأئمّة (72- 73) و رواها العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 22؛ 483- 484) عن كتاب الطّرف، و عن خصائص الأئمّة، و نقلها العلّامة البياضي في الصراط المستقيم (ج 2؛ 92) باختصار.

اتّفقت الكلمة على أنّ عليّا (عليه السلام) و أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا عند رسول اللّه قبل موته، و أنّهم هم الّذين قاموا بأمره، و تظافرت الروايات من طرق الفريقين أنّ النبي مات و رأسه في حجر عليّ، أو أنّ عليّا كان مسنّده، و لم يزعم أحد غير ذلك إلّا عائشة، فقد ادّعت لوحدها ذلك، و لم يقرّها عليه المسلمون، بل كان عليّ (عليه السلام) هو القائم بشأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد دعاه رسول اللّه في مرضه و أسرّ له جميع الأسرار، و أخبره بكلّ ما يجري من بعده (صلّى اللّه عليه و آله).

ففي الخصال (642) بسنده عن أمّ سلمة، قالت: قال رسول اللّه في مرضه الّذي توفّي فيه: ادعوا لي خليلي، فأرسلت عائشة إلى أبيها، فلمّا جاء غطّى رسول اللّه وجهه، و قال:

ادعوا لي خليلي، فرجع أبو بكر، و بعثت حفصة إلى أبيها، فلمّا جاء غطّى رسول اللّه وجهه، و قال: ادعوا لي خليلي، فرجع عمر، و أرسلت فاطمة (عليها السلام) إلى عليّ (عليه السلام)، فلمّا جاء قام رسول اللّه فدخل، ثمّ جلّل عليّا بثوبه، قال عليّ: فحدّثني بألف حديث، يفتح كلّ حديث ألف حديث، حتّى عرقت و عرق رسول اللّه، فسال عليّ عرقه و سال عليه عرقي.

و فيه أيضا (643) عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) علّمني ألف باب من الحلال و الحرام، و ممّا كان إلى يوم القيامة، كلّ باب منها

356

يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب.

و في بصائر الدرجات (324) بسنده عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعائشة و حفصة في مرضه الّذي توفي فيه: ادعيا لي خليلي، فأرسلتا إلى أبويهما، فلمّا نظر إليهما أعرض عنهما، ثم قال: ادعيا لي خليلي، فأرسلتا إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمّا نظر إليه أكب عليه يحدّثه، فلمّا خرج لقياه، فقالا له: ما حدّثك خليلك؟ فقال: حدّثني خليلي ألف باب، ففتح لي كلّ باب ألف باب.

و فيه أيضا (325) بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: إنّ رسول اللّه علّمني ألف باب من الحلال و الحرام، و ممّا كان و ما هو كائن و ممّا يكون إلى يوم القيامة، كلّ يوم يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمت المنايا و الوصايا و فصل الخطاب.

فدعوة المرأتين أبويهما، و سؤال أبويهما عليّا عمّا حدّثه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و قول عليّ: أنّه علّمه ما كان و ما هو كائن و ما سيكون، يدلّ على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبر عليّا (عليه السلام) بما سيصنعه القوم، و ما سيكون من بعده، و قد كان عليّ (عليه السلام) يصرّح بأنّه سكت لعهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يأمره فيه بالسكوت.

و في مناقب ابن شهرآشوب (ج 1؛ 236) قال: الطبريّ في الولاية، و الدار قطني في الصحيح، و السمعاني في الفضائل، و جماعة من رجال الشيعة، عن الحسين بن عليّ ابن الحسن، و عبد اللّه بن عبّاس، و أبي سعيد الخدريّ، و عبد اللّه بن الحارث، و اللّفظ الصحيح أنّ عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في بيتها لمّا حضره الموت: ادعوا لي حبيبي، فدعوت له أبا بكر، فنظر إليه ثمّ وضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي، فدعوا له عمر، فلمّا نظر إليه، قال: ادعوا لي حبيبي، فقلت: ويلكم، ادعوا له عليّ بن أبي طالب، فو اللّه ما يريد غيره، فلمّا رآه أفرج الثوب الّذي كان عليه، ثمّ أدخله فيه و لم يزل يحتضنه، حتّى قبض و يده عليه.

و في فضائل ابن شاذان (141- 142) بسنده يرفعه إلى سليم بن قيس، أنّه قال: لمّا