فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
55

و يقال: إن عثمان أول من اتخذ للمسجد الأروقة، و اتخذها حين وسعه قالوا: و كان باب الكعبة على عهد ابراهيم عليه السلام و جرهم و العماليق بالأرض حتى بنته قريش، فقال أبو حذيفة ابن المغيرة يا قوم ارفعوا باب الكعبةحتى لا يدخل إلا بسلم فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فسقط فكان نكالا لمن وراءه، فعملت قريش بذلك.

قال: و لما تحصن عبد اللّه بن الزبير بن العوام فى المسجد الحرام و استعاذ به-و الحصين بن نمير السكوني إذ ذاك يقاتله فى أهل الشام-أخذ ذات يوم رجل من أصحابه نارا على ليفة فى رأس رمح، و كانت الريح عاصفا، فطارت شرارة فتعلقت بأستار الكعبة فأحرقتها، فتصدعت حيطانها و اسودت، و ذلك فى سنة أربع و ستين حتى إذا مات يزيد بن معاوية، و انصرف الحصين بن نمير إلى الشام أمر ابن الزبير بما فى المسجد من الحجارة التي رمى بها فأخرج، ثم هدم الكعبةو بناها على أساسها و أدخل الحجر فيها و جعل لها بابين موضوعين بالأرض شرقيا و غربيا يدخل من واحد و يخرج من الآخر، و كان قد وجد أساس الكعبة متصلا بالحجر، و إنما التمس إعادتها إلى بناء ابراهيم عليه السلام على ما كانت عائشة أم المؤمنين أخبرته عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، و جعل على بابها صفائح الذهب و جعل مفاتيحها من ذهب، فلما حاربه الحجاج بن يوسف من قبل عبد الملك ابن مروان و قتله كتب إليه عبد الملك يأمره‏ببناء الكعبة و المسجد الحرام، و قد كانت الحجارة حلحلت الكعبة فهدمها الحجاج و بناها فردها إلى بناء قريش و أخرج الحجر، فكان عبد الملك يقول بعد ذلك: وددت أنى كنت حملت ابن الزبير أمر الكعبة و بناءها ما تحمل.

قالوا: و كانت كسوة الكعبة فى الجاهلية الأنطاع و المغافر فكساها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الثياب اليمانية، ثم كساها عمر و عثمان رضى اللّه عنهما

56

القباطي، ثم كساها يزيد بن معاوية الديباج الخسروانى، و كساها ابن الزبير و الحجاج بعده الديباج، و كساها بنو أمية فى بعض أيامهم الحلل التي كان أهل نجران يؤدونها و أخذوهم بتجريدها و فوقها الديباج، ثم أن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد الحرام و حمل إليه عمد الحجارة و الرخام و الفيسفساء، قال الواقدي فلما كانت خلافة أمير المؤمنين المنصور رحمه اللّه زاد فى المسجد و بناه و ذلك فى سنة تسع و ثلاثين و مائة. و قال على بن محمد ابن عبد اللّه المدائني، ولى المهدى جعفر بن سليمان بن على بن عبد اللّه بن العباس مكة و المدينة و اليمامة فوسع مسجدى مكة و المدينة و بناهما، و قد جدد أمير المؤمنين المتوكل على اللّه جعفر بن أبى إسحاق المعتصم بالله ابن الرشيد هارون بن المهدى رضوان اللّه عليهم رخام الكعبة و أزرها بفضة، و ألبس سائر حيطانها و سقفها الذهب. و لم يفعل ذلك أحد قبله و كسا أساطينها الديباج.

ذكر مكّة المكرّمة، حفائر حفائر مكة

قالوا: كانت قريش قبل جمع قصى إياها و قبل دخولها مكة تشرب من حياض و مصانع على رؤوس الجبال، و من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج الحرم تدعى اليسيرة، و من بئر حفرها مرة بن كعب تدعى الروى، و هي مما يلي عرفة ثم حفر كلاب بن مرة خم و رم، و الجفر بظاهر مكة، ثم أن قصى بن كلاب حفر بئراسماها العجول و اتخذ سقاية، و فيها يقول بعد رجاز الحاج.

نروى على العجول ثم ننطلق # قبل صدور الحاج من كل أفق

ان قصيا قد و فى و قد صدق # بالشبع للناس ورى مغتبق‏

ثم إنه سقط فى العجول بعد ممات قصى رجل من بنى نصر بن معاوية

57

فعطلت، و حفر هاشم بن عبد مناف بذر، و هي عند الخندمة على فم شعب أبى طالب، و حفر هاشم أيضا سجلة فوهبها أسد بن هاشم لعدي بن نوفل بن عبد مناف بن المطعم، و يقال: بل ابتاعها منه، و يقال ان عبد المطلب وهبها له حين حفر زمزم و كثر الماء بمكة، فقالت خالدة بنت هاشم:

نحن و هبنا لعدي سجله # فى تربة ذات عذاة سهله

تروى الحجيج زعلة فزعلة

و قد دخلت سجلة فى المسجد، وحفر عبد شمس بن عبد مناف الطوى و هي بأعلى مكة، و حفر أيضا لنفسه الجفر، و حفر ميمون بن الحضرمي حليف بنى عبد شمس بن عبد مناف بئره و هي آخر بئر حفرت فى الجاهلية بمكة، و عندها قبر أمير المؤمنين المنصور رحمه اللّه، و اسم الحضرمي عبد اللّه ابن عماد، و احتفر عبد شمس أيضا بئرين و سماهما خم و رم، على ما سمى كلاب بن مرة بئريه، فأما خم فهي عند الردم، و أما رم فعند دار خديجة بنت خويلد، و قال عبد شمس:

حفرت خما و حفرت رما # حتى أرى المجد لنا قد تما

و قالت سبيعة بنت عبد شمس فى الطوى:

إن الطوى إذا شربتم ماءها # صوب الغمام عذوبة و صفاء

و حفرت بنو أسد بن عبد العزى بن قصى شفية بئر بنى أسد، و قال الحويرث بن أسد:

ماء شفية كماء المزن # و ليس ماؤها بطرق أجن‏

و حفر بنو عبد الدار بن قصى أم احراد، فقالت أميمة بنت عميلة بن السباق بن عبد الدار:

نحر حفرنا البحر أم احراد # ليست كبذر النذر و الجماد

58

فأجابتها صفية بنت عبد المطلب:

نحن حفرنا بذر تروى الـ # حجيج الأكبر من مقبل و مدبر

و أم أحراد بشر فيها الـ # جراد و الذر و قذر لا يذكر

و حفر بنو جمح السنبلة و هي بئر خلف بن وهب الجمحي فقال قائلهم:

نحن حفرنا للحجيج سنبله # صوب سحاب ذو الجلال أنزله‏

و حفر بنو سهم الغمر و هي بئر العاصي بن وائل فقال بعضهم:

نحن حفرنا الغمر للحجيج # تثج ماء أيما ثجيج‏

قال ابن الكلبي قالها ابن الربعي، و حفرت بنو عدى الحفير فقال شاعرهم:

نحن حفرنا بئرنا الحفيرا # بحرا يجيش ماؤه غزيرا

و حفرت بنو مخزوم السقيا بئر هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و حفرت بنو تيم الثريا، و هي بئر عبد اللّه بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، و حفرت بنو عامر بن لؤي النقع، قالوا و كانت لجبير بن مطعم بئر و هي بئر بنى نوفل فأدخلت حديثا فى دار القوارير التي بناها حماد البربري فى خلافة أمير المؤمنين هارون الرشيد، و كان عقيل بن أبى طالب حفر فى الجاهلية بئرا و هي فى دار ابن يوسف، فكانت للأسود ابن أبى البختري ابن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بئر على باب الأسود عند الحناطين فدخلت فى المسجد، بئر عكرمة، نسبت إلى عكرمة ابن خالد بن العاصي بن هاشم بن المغيرة، بئر عمرو، نسبت إلى عمرو بن عبد اللّه بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، و كذلك شعب عمرو الطلوب أسفل مكة كانت لعبد اللّه بن صفوان، بئر حويطب نسبت إلى حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس من بنى عامر بن لؤي، و هي بفناء داره ببطن الوادي، بئر أبى موسى كانت لأبى موسى الأشعرى بالمعلاة، بئر شوذب نسبت إلى شوذب مولى معاوية، و قد دخلت فى المسجد، و يقال: إن‏

59

شوذبا كان مولى طارق بن علقمة بن عريج بن جذيمة الكناني، و يقال كان مولى لنافع بن علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث بن خمل بن شق الكناني، خال مروان بن الحكم بن أبى العاصي بن أمية، و بئر بكار نسبت إلى رجل سكن مكة من أهل العراق، و هي بذي طوى، و بئر وردان نسبت إلى وردان مولى السائب بن أبى وداعة بن ضبيرة السهمي، و سقاية سراج بفخ، كانت لسراج مولى بنى هاشم، و بئر الأسود نسبت إلى الأسود بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و هي بقرب بئر خالصة مولاة أمير المؤمنين المهدى، و البرود بفخ لمخترش الكعبي من خزاعة، و قال ابن الكلبي صاحب دار ابن علقمة بمكة طارق بن علقمة بن عريج بن خزيمة الكناني، و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى، و عبد الملك بن قريب الأصمعى و غيرهما، بستان ابن عامر لعمر بن عبد اللّه بن معمر بن عثمان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي، و لكن الناس غلطوا فيها فقالوا بستان ابن عامر و بستان بنى عامر، و إنما هو بستان ابن معمر، و قوم يقولون نسب إلى ابن عامر الحضرمي، و آخرون يقولون نسب إلى ابن عامر ابن كريز و ذلك ظن و ترجيم.

حدثني مصعب بن عبد اللّه الزبير، قال كانت فى الجاهلية مكة تدعى صلاح، قال أبو سفيان بن حرب الحضرمي:

أبا مطر هلم إلى صلاح # لكفيك الندامى من قريش

و تنزل بلدة عزت قديما # و تأمن أن ينالك رب جيش‏

و حدثني العباس بن هشام الكلبي، قال كتب بعض الكنديين إلى أبى يسأله عن سجن ابن سباع بالمدينة إلى من نسب، و عن قصة دار الندوة و دار العجلة و دار القوارير بمكة، فكتب إليه: أما سجن ابن سباع فإنه كان دارا لعبد اللّه بن سباع بن عبد العزى بن نضلة بن عمرو بن غبشان‏

60

الخزاعي، و كان سباع يكنى أبا نيار، و كانت أمه قابلة بمكة فبارزه حمزة بن عبد المطلب يوم أحد فقال له هلم إلى يا ابن مقطعة البظور ثم قتله و أكب عليه ليأخذ درعه فزرقه و حشى و أم طريح بن إسماعيل الثقفي الشاعر بنت عبد اللّه بن سباع و هو حليف بنى زهرة.

و أما دار الندوة فبناها قصى بن كلاب. فكانوا يجتمعون إليه فتقضى فيها الأمور، ثم كانت قريش بعده تجتمع فيها فتتشاور فى حروبها و أمورها و تعقد الألوية و تزوج من أراد التزويج، و كانت أول دار بنيت بمكة من دور قريش ثم دار العجلة، و هي دار سعيد بن سعد بن سهم، و بنو سهم يدعون أنها بنيت قبل دار الندوة و ذلك باطل، فلم تزل دار الندوة لبنى عبد الدار ابن قصى حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى من معاوية بن أبى سفيان فجعلها دارا للامارة، و أما دار القوارير فكانت لعتبة بنت ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ثم صارت للعباس ابن عتبة بن أبى لهب بن عبد المطلب، و قد صارت بعد لأم جعفر زبيدة بنت أبى الفضل بن المنصور أمير المؤمنين، و استعمل فى بعض فرشها و حيطانها شي‏ء من قوارير فقيل دار القوارير و كان حماد البربري بناها فى خلافة الرشيد أمير المؤمنين رحمه اللّه، و قال هشام ابن محمد الكلبي، كان عمرو بن مضاض الجرهمي حارب رجلا من جرهم يقال له السميدع فخرج عمرو فى السلاح‏يتقعقع فسمى الموضع الذي خرج منه قعيقعان و خرج السميدع مقلدا خيله الأجراس فى أجيادها فسمى الموضع الذي خرج منه أجياد و قال ابن الكلبي. و يقال، إنه خرج بالجياد المسومة فسمى الموضع أجياد و عامة أهل مكة يقولون جياد الصغير و جياد الكبير.

حدثنا الوليد ابن صالح، عن محمد بن عمر الأسلمي، عن كثير بن عبد اللّه عن أبيه عن جده، قال قدمنا مع عمر بن الخطاب فى عمرته سنة سبع عشرة فكلمه‏

61

أهل المياه فى الطريق أن يبتنوا منازل فيما بين مكة و المدينة و لم تكن قبل ذلك فإذن لهم و اشترط عليهم ان ابن السبيل أحق بالماء و الظل.

أمر السيول بمكة

حدثنا العباس بن هشام عن أبيه هشام بن محمد عن ابن خربوز المكي و غيره، قالوا كانت السيول بمكة أربعة، منها سيل أم نهشل و كان فى زمن عمر ابن الخطاب أقبل السيل‏حتى دخل المسجد من أعلى مكة فعمل عمر الردمين جميعا إلا على بين دارببة، و هو عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف الذي ولى البصرة فى فتنة ابن الزبير اصطلح أهلها عليه، و دار أبان بن عثمان بن عفان، و الأسفل عند الحمارين، و هو الذي يعرف بردم آل أسيد فتراد السيل عن المسجد الحرام. قال و أم نهشل بنت عبيدة بن سعيد بن العاصي بن أمية ذهب بها السيل من أعلى مكة فنسب إليها، و منها سيل الجحاف و الجراف فى سنة ثمانين فى زمن عبد الملك ابن مروان صبح الحاج يوم اثنين فذهب بهم و بأمتعتهم و أحاط بالكعبة فقال الشاعر.

لم تر غسان كيوم الاثنين # أكثر محزونا و أبكى للعين

إذ ذهب السيل بأهل المصرين # و خرج المخبآت يسعين

شواردا فى الجبلين يرقين‏

فكتب عبد الملك إلى عبد اللّه بن سفيان المخزومي عامله على مكة، و يقال بل كان عامله يومئذ الحارث بن خالدالمخزومي الشاعر يأمره بعمل ضفائر الدور الشارعة على الوادي، و ضفائر المسجد، و عمل الردم على أفواه السكك لتحصن دور الناس، و بعث لعمل ذلك رجلا نصرانيا فاتخذ الضفائر و ردم الردم الذي يعرف بردم بنى قراد، و هو يعرف ببني جمح، و اتخذت ردوم بأسفل مكة

62

قال الشاعر.

سأملك عبرة و أفيض أخرى # إذا جاوزت ردم بنى قراد

و منها السيل الذي يدعى المخبل أصاب الناس فى أيامه مرض فى أجسادهم و خبل فى ألسنتهم فسمى المخبل، و منها سيل أتى بعد ذلك فى خلافة هشام ابن عبد الملك فى سنة عشرين و مائة يعرف بسيل أبى شاكر و هو مسلمة بن هشام و كان على الموسم ذلك العام فنسب إليه، قال و سيل وادي مكة يأتى من موضع يعرف بسدرة عتاب بن أسيد بن أبى العيص.

قال عباس بن هشام، و قد كان فى خلافة المأمون عبد اللّه بن الرشيد رحمه اللّه سيل عظيم بلغ ماؤه قريبا من الحجر، فحدثني العباس، قال:

حدثني أبى عن أبيه محمد بن السائب الكلبي، عن أبى صالح عن عكرمة، قال درس شي‏ءمن معالم الحرم على عهد معاوية بن أبى سفيان، فكتب إلى مروان ابن الحكم-و هو عامله على المدينة-يأمره إن كان كرز بن علقمة الخزاعي حيا أن يكلفه اقامة معالم الحرام لمعرفته بها، و كان معمرا فأقامها عليه فهي مواضع الأنصاب اليوم.

قال الكلبي، هذا كرز بن علقمة بن هلال بن جربية بن عبدنهم بن حليل ابن حبشية الخزاعي، و هو الذي قفا اثر النبي صلى اللّه عليه و سلم حين انتهى إلى الغاز الذي استخفى فيه و أبو بكر الصديق معه حين أراد الهجرة إلى المدينة فرأى عليه نسج العنكبوت و رأى دونه قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فعرفها، فقال، هذه قدم محمد صلى اللّه عليه و سلم و ههنا انقطع الأثر.

فتح الطّائف الطائف

قال لما هزمت هوازن يوم حنين و قتل دريد بن الصمة أتى فلهم أوطاس،

63

فبعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أبا عامر الأشعرى فقتل، فقام بأمر الناس أبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعرى، و أقبل المسلمون إلى أوطاس، فلما رأى ذلك مالك بن عوف بن سعد أحد بنى دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، و كان رئيس هوازن يومئذ، هرب إلى الطائف فوجد أهلها مستعدين للحصار، قد رموا حصنهم و جمعوا فيه الميرة، فأقام بها، و سار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالمسلمين حتى نزل الطائف فرمتهم ثقيف بالحجارة و النبل، و نصب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم منجنيقا على حصنهم، و كانت مع المسلمين دبابة من جلود البقر فألقت عليها ثقيف سكك الحديد المحماة فأحرقتها فأصيب من تحتها من المسلمين و كان حصار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الطائف خمس عشرة ليلة، و كان غزوه إياها فى شوال سنة ثمان قالوا: و نزل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم رقيق من رقيق أهل الطائف، منهم أبو بكر بن مسروح مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أسمه نفيع، و منهم الأزرق الذي نسبت الأزارقة إليه. كان عبدا روميا حدادا و هو أبو نافع بن الأزرق الخارجي فاعتقوا بترولهم، و يقال أن نافع بن الأزرق الخارجي من بنى حنيفة. و إن الأزرق الذي نزل من الطائف غيره. ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم انصرف إلى الجعرانة ليقسم سبى أهل حنين و غنائمهم فخافت ثقيف أن يعود إليهم فبعثوا إليه و فدهم فصالحهم على أن يسلموا و يقرهم على ما فى أيديهم من أموالهم و ركازهم. و اشترط عليهم أن لا يرابوا. و لا يشربوا الخمر. و كانوا أصحاب ربا و كتب لهم كتابا قال. و كانت الطائف تسمى وج فلما حصنت و بنى سورها سميت الطائف.

حدثني المدائني، عن أبى إسماعيل الطائفي، عن أبيه. عن أشياخ من أهل الطائف. قال كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن و يثرب‏

64

فأقاموا بها للتجارة فوضعت عليهم الجزية و من بعضهم ابتاع معاوية أمواله بالطائف. قالوا و كانت للعباس بن عبد المطلب رحمه اللّه أرض بالطائف.

و كان الزبيب يحمل منها فينبذ فى السقاية للحاج، و كانت لعامة قريش أموال بالطائف يأتونها من مكة فيصلحونها فلما فتحت مكة و أسلم أهلها طمعت ثقيف فيها حتى إذا فتحت الطائف أقرت فى أيدى المكيين، و صارت أرض الطائف مخلافا من مخاليف مكة. قالوا و فى يوم الطائف أصيبت عين أبى سفيان بن حرب.

حدثنا الوليد بن صالح. قال حدثنا الواقدي، عن محمد بن عبد اللّه، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عتاب بن أسيد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أمر أن تخرص أعناب ثقيف كخرص النخل ثم يأخذ زكاتهم زبيبا كما تؤدى زكاة النخل، قال الواقدي، قال أبو حنيفة لا يخرص و لكنه إذا وضع بالأرض أخذت الصدقة من قليله و كثيره، و قال يعقوب إذا وضع بالأرض فبلغت مكيلته خمسة أوسق ففيه الزكاة العشر أو نصف العشر.

و هو قول سفيان بن سعيد الثوري. و الوسق ستون صاعا. و قال مالك بن أنس. و ابن أبى ذئب: السنةأن تؤخذ منه الزكاة على الخرص كما يؤخذ التمر من النخل.

حدثنا شيبان بن أبى شيبة. قال حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا يحيى ابن سعيد. عن عمرو بن شعيب أن عاملا لعمر بن الخطاب رضى اللّه عنه على الطائف كتب إليه أن أصحاب العسل لا يرفعون إلينا ما كانوا يرفعون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هو من كل عشرة زقاق زق، فكتب إليه عمر إن فعلوا فأحموا لهم أوديتهم و إلا فلا تحموها. حدثنا عمرو بن محمد الناقد، قال حدثنا إسماعيل بن ابراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن جده، عن عمر أنه جعل فى العسل العشر.

حدثنا داود بن عبد الحميد قاضى الرقة عن مروان بن شجاع عن خصيف

65

عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله على مكة و الطائف: أن فى الخلايا صدقة فخذوها منها قال: و الخلايا الكواثر و قال الواقدي و روى عن ابن عمر أنه قال ليس فى الخلايا صدقة، و قال مالك و الثوري: لا زكاة فى العسل و إن كثر، و هو قول الشافعي، و قال أبو حنيفة فى قليل العسل و كثيره إذا كان فى أرض العشر، العشر، و إذا كان فى أرض الخراج فلا شي‏ء عليه، لأنه لا يجتمع الزكاة و الخراج على رجل، و قال الواقدي: أخبرنى القاسم بن معن، و يعقوب، عن أبى حنفية أنه قال فى العسل يكون فى أرض ذمي و هي من أرض العشر أنه لا عشر عليه فيه و على أرضه الخراج، و إذا كان فى أرض تغلبى أخذ منه الخمس، و قول زفر مثل قول أبى حنيفة، و قال أبو يوسف: إذا كان العسل فى أرض الخراج فلا شي‏ء فيه و إذا كان فى أرض العشر ففي كل عشرة أرطال رطل، و قال محمد بن الحسن ليس فيما دون خمسة أفراق صدقة، و هو قول ابن أبى ذئب.

و روى خالد بن عبد اللّه الطحان عن ابن أبى ليلى أنه قال إذا كان فى أرض الخراج أو العشر ففي كل عشرة أرطال رطل، و هو قول الحسن بن صالح ابن حي. و حدثني أبو عبيد، قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعى، عن الزهري، قال: فى كل عشرة زقاق زق، و حدثنا. الحسين بن على بن الأسود قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن حميد الرقاشي، عن جعفر بن نجيح المديني، عن بشر بن عاصم، و عثمان بن عبد اللّه بن أوس، أن سفيان بن عبد اللّه الثقفي كتب إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، و كان عاملا له على الطائف يذكر إن قبله حيطانا فيها كروم و فيها من الفرسك و الرمان، و ما هو أكثر غلة من الكروم أضافا و استأمره فى العشر، فقال فكتب إليه عمر: ليس عليها عشر.

قال يحيى بن آدم، و هو قول سفيان بن سعيد، سمعته يقول ليس فيما

66

أخرجت الأرض صدقة إلا أربعة أشياء الحنطة، و الشعير، و التمر و الزبيب إذا بلغ كل واحد من ذلك خمسة أوسق، قال و قال أبو حنيفة فيما أخرجت أرض العشر العشر و لو دستجة بقل، و هو قول زفر، و قال مالك، و ابن أبى ذئب و يعقوب. ليس فى القبول و ما أشبهها صدقة، و قالوا ليس فيما دون خمسة أوسق من الحنطة و الشعير، و الذرة، و السلت، و الزوان، و التمر و الزبيب، و الأرز، و السمسم، و الجلبان، و أنواع الحبوب التي تكال و تدخر مع العدس، و اللوبيا، و الحمص، و الماش، و الدخن، صدقة، فإذا بلغت خمسة أوسق ففيها صدقة، قال الواقدي، و هذا قول ربيعة بن أبى عبد الرحمن و قال الزهري. التوابل و القطاني كلها تزكى، و قال مالك. لا شي‏ء فى الكمثرى و الفرسك. و هو الخوخ. و لا فى الرمان و سائر أصناف الفواكه الرطبة من صدقة. و هو قول ابن أبى ليلى. قال أبو يوسف ليس الصدقة إلا فيما وقع عليه القفيز. و جرى عليه الكيل. و قال أبو الزناد. و ابن أبى ذئب. و ابن أبى سبرة لا شي‏ء فى الخضر و الفواكه من صدقة و لكن الصدقة فى أثمانها ساعة تباع و حدثني عباس بن هشام. عن أبيه عن جده أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم استعمل عثمان بن أبى العاصي الثقفي على الطائف.

فتح جُرَش تَبَالة تبالة و جرش

حدثني بكر بن القيثم، عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، قال:

أسلم أهل تبالة و جرش من غير قتال، فأمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على ما أسلموا عليه و جعل على كل حالم ممن بهما من أهل الكتاب دينارا.

و اشترط عليهم ضيافة المسلمين. و ولى أبا سفيان بن حرب جرش‏

67

غزوة الجَرْباء مقنا أَيْلَة تَبوك تبوك و أيلة و ذرح و مقنا و الجرباء

قالوا: لما توجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى تبوك من أرض الشام لغزو من انتهى إليه أن قد تجمع له من الروم و عاملة و لخم و جذام و غيرهم و ذلك فى سنة تسع من الهجرة لم يلق كيدا، فأقام بتبوك أيامافصالحه أهلها على الجزية و أتاه و هو بها يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه على أن جعل له على كل حالم بأرضه فى السنة دينارا فبلغ ذلك ثلاثمائة دينار، و اشترط عليهم قرى من مر بهم من المسلمين، و كتب لهم كتابا بأن يحفظوا و يمنعوا.

فحدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا الواقدي، عن خالد بن ربيعة، عن طلحة الأبلى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يزداد من أهل أيلة على ثلاثمائة دينار شيئا، و صالح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أهل اذرح على مائة دينار فى كل رجب، و صالح أهل الجرباء على الجزية و كتب لهم كتابا، و صالح أهل مقنا على ربع عروكهم و غزولهم و العروك خشب يصطاد عليه و ربع كراعهم و حلقتهم و على ربع ثمارهم، و كانوا يهودا و أخبرنى بعض أهل مصر أنه رأى كتابهم بعينه فى جلد أحمر دارس الخط فنسخه و أملى نسخته

بسم اللّه الرحمن الرحيم: من محمد رسول اللّه إلى بنى حبيبة، و أهل مقنا، سلم أنتم فإنه أنزل على انكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون و لكم ذمة اللّه و ذمة رسوله، و إن رسول اللّه قد غفر لكم ذنوبكم. و كل دم اتبعتم به لا شريك لكم فى قريتكم إلا رسول اللّه. أو رسول رسول اللّه. و انه لا ظلم عليه و لا عدوان. و ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏يجيركم مما يجير منه نفسه فإن لرسول اللّه بزتكم و رقيقكم و الكراع و الحلقة الا ما عفا عنه رسول اللّه، أو رسول رسول اللّه، و إن عليكم بعد ذلك ربع ما أخرجت نخيلكم‏

68

و ربع ما صادت عرككم، و ربع ما اغتزلت نساؤكم. و انكم قد ثريتم بعد ذلكم و رفعكم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن كل جزية و سخرة. فإن سمعتم و أطعتم فعلى رسول اللّه أن يكرم كريمكم و يعفو عن مسيئكم، و من ائتمر فى بنى حبيبة، و أهل مقنا من المسلمين خيرا فهو خير له. (1) و من أطلعهم بشر فهو شر له، و ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كتب على بن أبو طالب فى سنة تسع‏

فتح دُومَة الجَنْدَل دومة الجندل

قال. بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي ثم السكوني بدومة الجندل فأخذه أسيرا و قتل أخاه و سلبه قباء ديباج منسوجا بالذهب. قدم بأكيدر على النبي صلى اللّه عليه و سلم فأسلم و كتب له و لأهل دومة كتابا نسخته

هذا كتاب من محمد رسول اللّه لاكيدر. حين أجاب إلى الإسلام، و خلع‏

____________

(1) نشك بصحة الرواية القائلة أن هذه الرسائل بخط الإمام علي بن أبي طالب (ع) ، و نرجح أنها من «الإسرائيليات» التي غزت الكتب و التاريخ الإسلامي لتملأها سموما و مزاعم تحاول تزوير التاريخ و النيل من الإسلام و رجاله.

و حجتنا في ذلك أن هذه الرسائل لا يمكن أن تكون بخط الإمام علي بن أبي طالب (ع) نظرا لاختلاف أسلوبها عن أسلوب الإمام (ع) و هو الذي أوجد الكلام في علم النحو من جهة، و لكون الإمام علي بن أبي طالب (ع) لم يكن بصحبة الرسول صلى اللّه عليه و سلم إبان غزوة تبوك التي تمّ فيها صلح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأهل مقنا.

و لهذه الأسباب يمكننا أن نشك بصحة هذه الرسائل المنحولة و المدسوسة.

المحققون‏

69

الأنداد و الأصنام، و لأهل دومة أن لنا الضاحيةمن الضحل، و البور و المعامى. (1) و أغفال‏ (2) الأرض و الحلقة (3) و السلاح و الحافر (4) و الحصن، و لكم الضامنة (5)

من النخل، و المعين‏ (6) من المعمور، لا تعدل سارحتكم‏ (7) و لا تعد فاردتكم‏ (8) ، و لا يحظر عليكم النبات‏ (9) ، تقيمون الصلاة لوقتها، و تؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد اللّه و الميثاق، و لكم به الصدق و الوفاء، شهد اللّه و من حضر من المسلمين.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جده، قال: وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالد بن الوليد إلى أكيدر، فقدم به عليه فاسلم، فكتب له كتابا، فلما قبض النبي صلى اللّه عليه و سلم منع الصدقة و نقض العهد و خرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة، و ابتنى بها بناء سماه دومة بدومة الجندل، وأسلم حريث بن عبد الملك أخوه على ما فى يده، فسلم ذلك له، فقال سويد بن شبيب الكلبي:

لا يأمنن قوم عثار جدودهم # كما زال من خبت ظعائن اكدرا

قال: و تزوج يزيد بن معاوية ابنة حريث أخى أكيدر، قال العباس

____________

(1) المعالي: الأرض الغير معروفة.

(2) الاغفال: التي لا أثر فيها.

(3) الجلقة: الدروع.

(4) الحافر: الخيول.

(5) الضامنة: النخل.

(6) المعين: الماء.

(7) سارحتكم: ماشيتكم.

(8) فاردتكم: الزائدة على ما تجب فيه الزكاة.

(9) لا يحظر عليكم النبات: لا تمنعون من الزراعة.

70

و أخبرنى أبى عن عوانة بن الحكم أن أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد و هو بعين التمر يأمره أن يسير إلى أكيدر، فسار اليه فقتله، و فتح دومة، و كان قد خرج منها بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثم عاد إليها، فلما قتله خالد مضى إلى الشام، و قال الواقدي. لما شخص خالد من العراق يريد الشام مر بدومة الجندل ففتحها و أصاب سبايا، فكان فيمن سبا منها ليلى بنت الجودي الغساني و يقال أنها أصيبت فى حاضر من غسان أصابتها خيل له، و ابنة الجودي هي التي كان عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق هويها و قال فيها:

تذكرت ليلى و السماوة بيننا # و ما لابنة الجودي ليلى و ماليا

فصارت له فتزوجها و غلبت عليه‏حتى أعرض عمن سواها من نسائه ثم انها اشتكت شكوى شديدة فتغيرت فقلاها، فقيل له متعها وردها إلى أهلها ففعل، و قال الواقدي: كان النبي صلى اللّه عليه و سلم غزا دومة الجندل فى سنة خمس فلم يلق كيدا و وجه خالد بن الوليد إلى أكيدر فى شوال سنة تسع بعد إسلام خالد بن الوليد بعشرين شهرا، و سمعت بعض أهل الحيرة يذكر أن أكيدر و أخوته كانوا ينزلون دومة الحيرة، و كانوا يزورون أخوالهم من كلب فيتغربون عندهم، فإنهم لمعهم و قد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلا بعض حيطانها، و كانت مبنية بالجندل فأعادوا بناءها و غرسوا فيها الزيتون و غيره و سموها دومة الجندل، تفرقة بينها و بين دومة الحيرة.

و حدثني عمرو بن محمد الناقد، عن عبد اللّه بن وهب المصري، عن يونس الأيلي، عن الزهري، قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالد ابن الوليد ابن المغيرة إلى أهل دومة الجندل، و كانوا من عباد الكوفة فأسر أكيدر رأسهم فقاضاه على الجزية.

71

صلح تجران تجران

حدثني بكر بن الهيثمي، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح، عن الليث بن سعد عن يونس بن يزيد الابلى، عن الزهري، قال: أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم السيد و العاقب و فد أهل نجران اليمن فسألاه الصلح، فصالحهما عن أهل نجران على ألفى حلة فى صفر و ألف حلة فى رجب، ثمن كل حلة أوقية و الأوقية وزن أربعين درهما، فان أدوا حلة بما فوق الأوقية حسب لهم فضل ذلك، و أن أدوها بما دون الأوقية أخذ منهم النقصان، و على أن يأخذ منهم ما أعطوا من سلاح أو خيل أو ركاب أو عرض من العروض بقيمته قصاصا من الحلل، و على أن يضيفوا رسل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم شهرا فما دونه، و لا يحبسوهم فوق أن شهر، و على عليهم عارية ثلاثين درعا و ثلاثين فرسا، و ثلاثين بعيرا أن كان باليمن كيد، و أن ما هلك من تلك العارية فأرسل ضامنون له حتى يردوه، و جعل لهم ذمة اللّه و عهده، و أن لا يفتنوا عن دينهم و مراتبهم فيه و لا يحشروا و لا يعشروا و اشترط عليهم أن لا يأكلوا الربا و لا يتعاملوا به.

حدثني الحسين ابن الأسود: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال جاء راهبا نجران إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فعرض عليهما الإسلام، فقالا أنا قد أسلمنا قبلك، فقال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث، أكلكما الخنزير و عبادتكما الصليب، و قولكما اللّه ولد قالا فمن أبو عيسى، قال الحسن، و كان صلى اللّه عليه و سلم لا يعجل‏حتى يأمره ربه فأنزل اللّه تعالى‏ (ذََلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ اَلْآيََاتِ وَ اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ، إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) إلى قوله‏ (اَلْكََاذِبِينَ) فقرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عليهما ثم دعاهما إلى المباهلة و أخذ بيد فاطمة و الحسن و الحسين، فقال أحدهما لصاحبه‏

72

اصعد الجبل و لا تباهله فإنك إن باهلته بؤت باللعنة، قال فما ترى، قال:

أرى أن نعطيه الخراج و لا نباهله.

حدثني الحسين، قال. حدثني يحيى بن آدم، قال أخذت نسخة كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأهل نجران من كتاب رجل، عن الحسن بن صالح رحمه اللّه، و هي. بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب النبي رسول اللّه محمد لنجران إذ كان له عليهم حكمة فى كل ثمرة و صفراء و بيضاء و سوداء رقيق فأفضل عليهم و ترك ذلك الفى حلة حلل الأواقي، فى كل رجب ألف حلة، و فى كل صفر ألف حلة كل حلة أوقية، و ما زادت حلل الخراج‏أو نقصت عن الأواقى فبالحساب، و ما نقصوا من درع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بالحساب و على نحران مثواة رسلي شهرا فدونه، و لا يحبس رسلي فوق شهر و عليهم عارية ثلاثين درعا، و ثلاثين فرسا، و ثلاثين بعيرا، إذا كان كيد باليمن ذو مغدرة أى إذا كان كيد بغدر منهم، و ما هلك مما أعاروا رسلي من خيل أو ركاب فهم ضمن حتى يردوه إليهم، و لنجران و حاشيتها جوار اللّه و ذمة محمد النبي رسول اللّه على أنفسهم، و ملتهم، و أرضهم، و أموالهم. و غائبهم و شاهدهم و عيرهم و بعثهم. و أمثلتهم لا يغير ما كانوا عليه و لا يغير حق من حقوقهم. و أمثلتهم لا يفتن أسقف من أسقفيته. و لا راهب من رهبانيته. و لا واقه من وقاهيته على ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، و ليس عليهم رهق و لا دم جاهلية، و لا يحشرون و لا يعشرون و لا يطأ أرضهم جيش. من سأل منهم حقا فبينهم النصف. غير ظالمين و لا مظلومين بنجران. و من أكل منهم ربا من ذى قبل فذمتي منه بريئة. و لا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر و لهم على ما فى هذه الصحيفة جوار اللّه. و ذمة محمد النبي أبدا حتى يأتى أمر اللّه‏ما نصحوا و أصلحوا فيما عليهم غير مكلفين شيئا بظلم شهد أبو سفيان بن حرب و غيلان بن عمرو و مالك‏

73

ابن عوف من بنى نصر، و الأقرع بن حابس الحنظلي، و المغيرة و كتب.

و قال يحيى بن آدم، و قد رأيت كتابا فى أيدى النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة و فى أسفله، و كتب على بن أبى طالب، و لا أدرى ما أقول فيه، قالوا و لما استخلف أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه حملهم على ذلك فكتب لهم كتابا على نحو كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلما استخلف عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أصابوا الربا و كثر فخافهم على الإسلام فاجلاهم و كتب لهم.

«أما بعد» فمن وقعوا به من أهل الشام و العراق فليوسعهم من حرث الأرض، و ما اعتملوا من شي‏ء فهو لهم مكان أرضهم باليمن، فتفرقوا فنزل بعضهم الشام و نزل بعضهم النجرانية بناحية الكوفة، و بهم سميت و دخل يهود نجران مع النصارى فى الصلح، و كانوا كالأتباع لهم، فلما استخلف عثمان بن عفان كتب إلى الوليد بن عقبة بن أبى معيط و هو عامله على الكوفة.

«أما بعد» فإن العاقب، و الأسقف، و سراة نجران، أتونى بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أرونى شرط عمر، و قد سألت عثمان بن حنيف عن ذلك‏فأنبأنى أنه كان بحث عن أمرهم فوجده ضارا للدهاقين، لردعهم عن أرضهم، و إنى قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه اللّه، و عقبى لهم من أرضهم، و إنى أوصيك بهم، فإنهم قوم لهم ذمة، و سمعت بعض العلماء يذكر أن عمر كتب لهم.

«أما بعد» فمن وقعوا به من أهل الشام و العراق فليوسعهم من حرث الأرض، و سمعت بعضهم يقول من خريب الأرض،

و حدثني عبد الأعلى ابن حماد النرسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل ابن حكيم، عن عمر بن عبد العزيز أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال فى مرضه: لا يبقين دينان فى أرض العرب،

فلما استخلف عمر بن الخطاب‏

74

رضى اللّه عنه أجلى أهل نجران إلى النجرانية، و اشترى عقاراتهم و أموالهم.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، قال: سميت نجران اليمن بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. و حدثني الحسين بن الأسود، قال حدثنا وكيع بن الجراح، قال حدثنا الأعمش عن سالم بن أبى الجعد. قال: كان أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفا فتحاسدوا بينهم: فاتوا عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فقالوا: أجلنا، و كان عمر قد خافهم على المسلمين فاغتنمها فاجلاهم فندموا بعد ذلك و أتوه فقالوا: أقلنا فأبى ذلك،

فلما قام على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أتوه فقالوا: ننشدك خطك بيمينك و شفاعتك‏لنا عند نبيك إلا أقلتنا، فقال إن عمر كان رشيد الأمر، و أنا أكره خلافه.

و حدثني أبو مسعود الكوفي، قال حدثني محمد بن مروان، و الهيثم بن عدى، عن الكلبي، أن صاحب النجرانية بالكوفة كان يبعث رسله إلى جميع من بالشام و النواحي، من أهل نجران، فيجبونهم مالا يقسمه عليهم لإقامة الحلل، فلما ولى معاوية أو يزيد بن معاوية، شكوا إليه تفرقهم و موت من مات و إسلام من أسلم منهم و أحضروه كتاب عثمان بن عفان بما حطهم من الحلل و قالوا إنما ازددنا نقصانا و ضعفا، فوضع عنهم مائتي حلة يتمه أربعمائة حلة، فلما ولى الحجاج بن يوسف العراق، و خرج ابن الأشعث عليه اتهم الدهاقين بموالاته و اتهمهم معهم فردهم إلى ألف و ثمانمائة حلة و أخذهم بحلل وشى فلما ولى عمر بن عبد العزيز شكوا إليه فناءهم و نقصانهم و إلحاح الأعراب بالغارة عليهم و تحميلهم إياهم المؤمن المجحفة بهم و ظلم الحجاج إياهم، فأمر فأحصوا فوجدوا على العشر من عدتهم الأولى، فقال أرى هذا الصلح جزية على رؤسهم و ليس هو بصلح عن أرضهم و جزية الميت و المسلم ساقطة فألزمهم مائتي حلة قيمتها ثمانية ألف درهم، فلما ولى يوسف بن عمر العراق، فى أيام

75

الوليد بن يزيد ردهم إلى أمرهم الأول عصبية للحجاج، فلما استخلف أمير المؤمنين أبو العباس رحمه اللّه عمدوا إلى طريقه يوم ظهر بالكوفة فألقوا فيه الريحان و نثروا عليه و هو منصرف إلى منزله من المسجد، فأعجبه ذلك من فعلهم، ثم أنهم رفعوا إليه فى أمرهم و أعلموه قلتهم و ما كان من عمر بن عبد العزيز و يوسف بن عمر و قالوا: أن لنا نسبا فى أخوالك بنى الحارث بن كعب، و تكلم فيهم عبد اللّه بن الربيع الحارثي، و صدقهم الحجاج بن أرطاة فيما أدعوا، فردهم أبو العباس صلوات اللّه عليه إلى مائتي حلة قيمتها ثمانية ألف درهم.

قال أبو مسعود: فلما استخلف الرشيد هارون أمير المؤمنين، و شخص إلى الكوفة يريد الحج رفعوا إليه فى أمرهم، و شكوا تعنت العمال إياهم، فأمر فكتب لهم كتاب بالمائتى حلة قد رأيته، و أمر أن يعفوا من معاملة العمال و أن يكون مؤداهم بيت المال بالحضرة.

حدثنا عمرو الناقد، قال: أخبرنا عبد اللّه بن وهب المصري، عن يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب الزهري. قال: أنزلت فى كفار قريش و العرب «وَ قََاتِلُوهُمْ حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلََّهِ» و أنزلت فى أهل الكتاب (قََاتِلُوا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ لاََ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ. وَ لاََ يُحَرِّمُونَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ. وَ لاََ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ) إلى قوله‏ (صََاغِرُونَ) . فكان أول من أعطى الجزيةمن أهل الكتاب أهل نجران فيما علمنا. و كانوا نصارى. ثم أعطى أهل أيلة. و أذرح. و أهل أذرعات الجزية فى غزوة تبوك.

وفود أهل اليَمَن اليمن إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و إسلامهم‏

قالوا: لما بلغ أهل اليمن ظهور رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و علو حقه أتته وفودهم. فكتب لهم كتابا بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم،

76

و أرضيهم، و ركازهم، فأسلموا و وجه إليهم رسله و عماله، لتعريفهم شرائع الإسلام و سننه. و قبض صدقاتهم. و جز رءوس من أقام على النصرانية و اليهودية و المجوسية منهم.

حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، قال: حدثنا يزيد ابن ابراهيم التستري، عن الحسن، قال: كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى أهل اليمن، من صلى صلاتنا، و استقبل قبلتنا. و أكل ذبيحتنا. فذلكم المسلم له ذمة اللّه و ذمة رسوله صلى اللّه عليه و سلم، و من أبى فعليه الجزية

*و حدثني هدبة، قال: حدثنا يزيد بن ابراهيم، عن الحسن بمثله، قال الواقدي: وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خالد بن سعيد ابن العاص أميرا إلى صنعاء و أرضهاقال، و قال بعضهم: ولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المهاجرين أبى أمية ابن المغيرة المخزومي صنعاء فقبض و هو عليها، قال و قال آخرون إنما ولى المهاجر صنعاء أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه، و ولى خالد بن سعيد مخاليف أعلى اليمن.

و قال هشام بن الكلبي، و الهيثم بن عدى: ولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المهاجر كندة و الصدف. فلما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

كتب أبو بكر إلى زياد بن لبيد البياضي من الأنصار بولاية كندة و الصدف إلى ما كان يتولى من حضرموت. و ولى المهاجر صنعاء ثم كتب إليه بإنجاد زياد بن لبيد. و لم يعزله عن صنعاء.

و أجمعوا جميعا: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ولى زياد بن لبيد حضرموت. قالوا و ولى النبي صلى اللّه عليه و سلم أبا موسى الأشعرى زبيد.

و رمع و عدن و الساحل: و ولى معاذ بن جبل الجند و صير إليه القضاء و قبض جميع الصدقات باليمن: و ولى نجران عمرو بن حزم الأنصارى، و يقال:

إنه ولى أبا سفيان بن حرب نجران بعد عمرو بن حزم.

77

و أخبرنى عبد اللّه بن صالح المقرئ، قال: حدثني الثقة ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كتب إلى ذرعة بن ذى يزن.

«أما بعد» فإذا أتاكم رسولي معاذ بن جبل و أصحابه فاجمعوا ما عندكم من الصدقة و الجزية فأبلغوه ذلك، فإن أمير رسلي معاذ و هو من صالحي من قبلي، و أن مالك بن مرارة الرهاوي حدثني أنك‏قد استلمت أول حمير، و فارقت المشركين، فابشر بخير، و أنا آمركم يا معشر حمير ألا تخونوا، و لا تحادوا، فإن رسول اللّه مولى غنيكم و فقيركم، و أن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لآله، إنما هي زكاة تزكون بها: هي لفقراء المسلمين و المؤمنين، و أن مالكا قد بلغ الخبر و حفظ الغيب و أن معاذا من صالحي أهلى و ذوى دينهم، فآمركم به خيرا فإنه منظور إليه و السلام.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال حدثني يحيى بن آدم، قال: حدثنا يزيد بن عبد العزيز، عن عمرو بن عثمان بن موهب، قال: سمعت موسى بن طلحة يقول: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معاذ بن جبل على صدقات اليمن، و أمره أن يأخذ من النخل و الحنطة و الشعير و العنب أو قال الزبيب العشر و نصف العشر.

و حدثني الحسين، قال حدثني يحيى بن آدم، قال:

حدثنا زياد عن محمد بن إسحاق أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا بيان من اللّه و رسوله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) : عهد من محمد النبي رسول اللّه، لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه فى أمره كله، و ان يأخذ من المغانم خمس اللّه، و ما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل و سقت السماء و نصف‏

78

العشر مما سقى الغرب.

و

حدثني الحسين، قال: حدثني يحيى بن آدم، قال:

حدثنا زياد بن عبد اللّه البكائى، عن محمد بن إسحاق، قال: كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى ملوك حمير.

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول اللّه، إلى الحارث بن عبد كلال، و نعيم بن عبد كلال، و شرح بن كلال، و إلى النعمان قيل ذى رعين، و معافر و همدان، أما بعد فإن اللّه قد هداكم بهدايته، أن أصلحتم و أطعتم اللّه و رسوله و أقمتم الصلاة، و أتيتم الزكاة، و أعطيتم من المغانم خمس اللّه، و سهم النبي وصفيه و ما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين و سقت السماء و ما سقى بالغرب نصف العشر.

و قال هشام بن محمد الكلبي، كان كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى عريب، و الحارث ابني عبد كلال بن عريب بن ليشرح. و حدثنا يوسف ابن موسى القطان، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد قال: حدثنا منصور عن الحكم، قال: كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى معاذ بن جبل و هو باليمن أن فيما سقت السماء أو سقى غيلا العشر، و فيما سقى بالغرب و الدالية نصف العشر، و إن على كل حالم دينارا أو عدل ذلك من المعافر، و إن لا يفتن يهودي عن يهوديته، قالوا الغيل السيح: و الغرب الدلو يعنى ما سقى بالسواني، و الدوالي. و الدواليب، و الغرافات، و البعل السيح أيضا: و المعافر ثياب لهم.

حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن الأعمش، عن أبى وائل عن مسروق، قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معاذ إلى اليمن و أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا، و من كل أربعين مسنة، و من كل حالم دينارا أو عدل ذلك من المعافر.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثني شيبان البرجمي، عن عمرو، عن الحسن، قال: أخذ رسول اللّه صلى اللّه‏

79

عليه و سلم الجزية من مجوس هجر، و مجوس أهل اليمن، و فرض على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن من رجل أو امرأة دينارا أو قيمته من المعافر.

حدثنا عمرو الناقد، عن عبد اللّه بن وهب، عن مسلمة بن على، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فرض الجزية على كل محتلم‏من أهل اليمن دينارا.

حدثنا شيبان بن أبى شيبة الإبلى، قال: حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، قال: سمعت زكريا بن إسحاق يحدث عن يحيى بن صيفي، أو أبى معبد «عن ابن عباس، قال: لما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معاذ ابن جبل إلى اليمن قال: أما أنك تأتى قوما من أهل الكتاب، فقل لهم.

إن اللّه فرض عليكم فى اليوم و الليلة خمس صلوات، فإن أطاعوك فقل:

إن اللّه فرض عليكم فى السنة صوم شهر رمضان، فإن أطاعوك فقل:

إن اللّه فرض عليكم حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن أطاعوك فقل: إن اللّه قد فرض عليكم فى أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد فى فقرائكم، فإن أطاعوك فإياك و كرائم أموالهم. و إياك و دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها و بين اللّه حجاب و لا ستر» .

حدثنا شيبان، قال: حدثنا حماد بن مسلمة. قال: حدثنا الحجاج بن أرطاة. عن عثمان بن عبد اللّه. أن المغيرة بن عبد اللّه قال: قال الحجاج صدقوا كل خضراء. فقال أبو بردة بن أبى موسى: صدق. فقال موسى بن طلحة لأبى بردة: هذا الآن يزعم أن أباه كان من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم، بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معاذ بن جبل إلى اليمن فأمره أن يأخذ الصدقة من التمر و البر و الشعير و الزبيب. و حدثني عمرو الناقد. قال: حدثنا وكيع عن عمرو بن عثمان. عن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه. قال: قرأت كتاب معاذ بن جبل حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه‏

80

عليه و سلم إلى اليمن فكان فيه، أن تؤخذ الصدقة من الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و الذرة.

حدثنا على بن عبد اللّه المديني، قال: حدثنا سفيان بن عبينة عن ابن أبى نجيح، قال: سألت مجاهدا لم وضع عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن، فقال لليسار. حدثنا الحسين بن على بن الأسود، قال حدثنا وكيع عن سفيان عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس، قال: لما أتى معاذ اليمن أتى بأوقاص البقر، و العسل، فقال لم أومر فى هذا بشي‏ء.

و حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا عبد اللّه بن المبارك عن معمر عن يحيى بن قيس المازني عن رجل عن أبيض ابن حمال أنه استقطع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الملح الذي بما رب، فقال رجل إنه كالماء العد، فأبى أن يقطعه إياه. و حدثني القاسم بن سلام و غيره عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن يحيى بن قيس المازني عن أبيه عمن حدثه عن أبيض بن حمال بمثله. و حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال حدثنا شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أقطعه أرضا بحضرموت.

و حدثني على بن محمد بن عبد اللّه بن أبى سيف، مولى قريش، عن مسلمة ابن محارب، قال: لما ولى محمد بن يوسف أخو الحجاج بن يوسف اليمن، أساء السيرة، و ظلم الرعية، و أخذ أراضى الناس بغير حقها، فكان مما اغتصبه الحرجة، قال: و ضرب على أهل اليمن خراجا جعله وظيفة عليهم، فلما ولى عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله يأمره بالغاء تلك الوظيفة و الاقتصار على العشر، و قال: و اللّه لأن لا تأتينى من اليمين حفنة كتم أحب إلى من اقرار هذه الوظيفة، فلما ولى يزيد بن عبد الملك أمر بردها.

81

حدثني الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي عن أبى عبد الرحمن هشام بن يوسف قاضى صنعاء، أن أهل خفاش أخرجوا كتابا من أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه فى قطعة أديم يأمرهم فيه أن يؤدوا صدقة الورس، و قال مالك، و ابن أبى ذئب، و جميع أهل الحجاز من الفقهاء، و سفيان الثوري، و أبو يوسف: لا زكاة فى الورس، و الوسمة، و القرط، و الكتم، و الحناء، و الورد، و قال أبو حنيفة: فى قليل ذلك و كثيره الزكاة، و قال مالك فى الزعفران. إذا بلغ ثمنه مائتي درهم و بيع خمسة دراهم، و هو قول أبى الزناد، و روى عنه أيضا أنه قال: لا شي‏ء فى الزعفران، و قال أبو حنيفة و زفر فى قليله و كثيره الزكاة، و قال أبو يوسف و محمد بن الحسن.

إذا بلغ ثمنه أدنى ثمن خمسة أوسق تمر أو حنطة أو شعير أو ذرة أو صنف من أصناف الحبوب ففيه الصدقة، و قال ابن أبى ليلى ليس فى الخضر شي‏ء، و هو قول الشعبي، و قال عطاء، و ابراهيم النخعي: فيما أخرجت أرض العشر من قليل و كثير العشر أو نصف العشر.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن سعيد بن سالم، عن الصلت بن دينار، عن ابن أبى رجاء العطاردي، قال: كان ابن عباس بالبصرة يأخذ صدقاتنا حتى دساتج الكراث. و حدثنا الحسين، قال:

حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا ابن المبارك. عن معمر، عن طاوس، و عكرمة أنهما قالا: ليس فى الورس و العطب-و هو القطن-زكاة، و قال أبو حنيفة و بشر فى الذمة يملكون الأرضين من الأراضى العشر مثل اليمن التي أسلم عليها أهلها و البصرة التي أحياها المسلمون و ما أقطعته الخلفاء من القطائع التي لا حق فيها لمسلم و لا معاهد أنهم يلزمون الجزية فى رقابهم، و يوضع الخراج على أرضهم بقدر احتمالها، و يكون مجرى ما يجتبى منهم مجرى مال الخراج، فإن أسلم منهم مسلم وضعت عنه الجزية، و الزم الخراج فى أرضه أبدا على قياس السواد، و هو قول ابن ابى ليلى.

82

و قال ابن شبرمة، و أبو يوسف: توضع عليهم الجزية فى رقابهم و عليهم الضعف مما على المسلمين فى أرضهم. و هو الخمس أو العشر، و قاسا ذلك على أمر نصارى بنى تغلب، و قال أبو يوسف: ما أخذ منهم فسبيله الخراج، فان أسلم الذمي أو خرجت أرضه إلى مسلم صارت عشرية، و قد روى ذلك عن عطاء، و الحسن، و قال ابن أبى ذئب، و ابن أبى سبرة، و شريك بن عبد اللّه النخعي، و الشافعي: عليهم الجزية فى رقابهم و لا خراج و لا عشر فى أرضهم، لأنهم ليسوا ممن تجب عليه الزكاة و ليست أرضهم بأرض خراج، و هو قول الحسن بن صالح بن حي الهمدانى، و قال سفيان الثوري، و محمد بن الحسن: عليهم العشر غير مضعف، لأن الحكم حكم الأرض و لا ينظر إلى مالكها.

و قال الأوزاعى، و شريك بن عبد اللّه، إن كانوا ذمة مثل يهود اليمن التي أسلم أهلها و هم بها: لم تؤخذ منهم شيئا غير الجزية و لا تدع الذمي يبتاع أرضا من أراضى العشر و لا يدخل فيها-يعنى يملكها به-و قال الواقدي:

سألت مالكا عن اليهودي من يهود الحجاز يبتاع أرضا بالجرف فيزرعها، قال: يؤخذ منه العشر، قلت أو لست تزعم إنه لا عشر على أرض ذمي إذا ملك أرض عشر، فقال: ذاك إذا أقاموا ببلادهم فأما إذا خرجوا من بلادهم فإنها تجارة، و قال أبو الزناد، و مالك بن أنس، و ابن أبى ذئب، و الثوري، و أبو حنيفة و يعقوب، فى التغلبي يزرع أرضا من أرض العشر إنه يؤخذ منه ضعف العشر و إذا اكترى رجل مزرعة عشرية فإن مالكا. و الثوري و ابن أبى ذئب، و يعقوب، قالوا: العشر على صاحب الزرع، و قال أبو حنيفة: هو على رب الأرض، و هو قول زفر، و قال أبو حنيفة إذا لم يؤد رجل عشر أرضه سنتين فإن السلطان يأخذ منه العشر لما يستأنف، و كذلك أرض الخراج، و قال أبو شمر: يأخذ ذلك منه لما مضى لأنه حق وجب فى ماله‏.

83

فتح عُمَان عمان

قالوا: كان الأغلبين على عمان الأزد و كان بها من غيرهم بشر كثير فى البوادي فلما كانت سنة ثمان بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أبا زيد الأنصارى أحد الخزرج، و هو أحد من جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و اسمه فيما ذكر الكلبي: قيس بن سكن بن زيد بن حرام، و قال بعض البصريين اسمه عمرو بن أخطب، جد عروة بن ثابت بن عمرو ابن أخطب، و قال سعيد بن أوس الأنصارى: اسمه ثابت بن زيد، و بعث عمرو بن العاصي السهمي إلى عبيد، و جيفر ابني الجلندى بكتاب منه يدعوهما فيه إلى الإسلام، و قال: إن أجاب القوم إلى شهادة الحق، و أطاعوا اللّه و رسوله فعمرو الأمير و أبو زيد على الصلاة، و أخذ الإسلام على الناس و تعليمهم القرآن و السنن، فلما قدم أبو زيد، و عمرو عمان و جدا عبيدا، و جيفرا بصحار على ساحل البحر، فأوصلا كتاب النبي صلى اللّه عليه و سلم إليهما فأسلما و دعوا العرب هناك إلى الإسلام فأجابوا إليه و رغبوا فيه، فلم يزل عمرو و أبو زيد بعمان حتى قبض النبي صلى اللّه عليه و سلم، و يقال: إن أبا زيد قدم المدينة قبل ذلك.

قالوا: و لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ارتدت الأزد و عليها لقيط بن مالك ذو التاج و انحازت إلى دبا و بعضهم يقول دما فى دبا فوجه أبو بكر رضى اللّه عنه إليهم حذيفة بن محصن البارقي من الأزد، و عكرمة ابن أبى جهل ابن هشام المخزومي، فواقعا لقيطا و من معه فقتلاه و سبيا من أهل دبا سبيا بعثا به إلى أبى بكر رحمه اللّه، ثم أن الأزد راجعت الإسلام و ارتدت طوائف من أهل عمان و لحقوا بالشحر فسار إليهم عكرمة فظفر بهم و أصاب منهم مغنما و قتل بشرا، و جمع قوم من مهرة بن حيدان بن‏

84

عمرو بن الحاف بن قضاعة جمعا فأتاهم عكرمة فلم يقاتلوه و أدوا الصدقة، و ولى أبو بكر رضى اللّه عنه حذيفة بن محصن عمان، فمات أبو بكر و هو عليها، و صرف عكرمة و وجه إلى اليمن.

و لم تزل عمان مستقيمة الأمر يؤدى أهلها صدقات أموالها، و يؤخذ ممن بها من الذمة جزية رؤسهم حتى كانت خلافة الرشيد صلوات اللّه عليه فولاها عيسى بن جعفر بن سليمان بن على بن عبد اللّه بن العباس، فخرج إليها بأهل البصرة فجعلوا يفجرون بالنساء و يسلبونهم و يظهرون المعازف فبلغ ذلك أهل عمان و جلهم شراة، فحاربوه و منعوه من دخولها، ثم قدروا عليه فقتلوه و صلبوه و امتنعوا على السلطان فلم يعطوه طاعة، و ولوا أمرهم رجلا منهم، و قد قال قوم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان وجه أبا زيد بكتابه إلى عبيد، و جيفر ابني الجلندى الأزديين فى سنة ست و وجه عمرا فى سنة ثمان بعد إسلامه بقليل، و كان إسلامه، و إسلام خالد بن الوليد، و عثمان بن طلحة العبدى فى صفر سنة ثمان أقبل من الحبشة حتى أتى إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم‏و

أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لأبى زيد: خذ الصدقة من المسلمين و الجزية من المجوس‏

حدثني أبو الحسن المدائني عن المبارك بن فضالة، قال: كتب عمر ابن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة الفزاري عامله على البصرة.

«أما بعد» فإنى كنت كتبت إلى عمرو بن عبد اللّه أن يقسم ما وجد بعمان من عشور التمر و الحب فى فقراء أهلها، و من سقط إليها من أهل البادية، و من إضافته إليها الحاجة و المسكنة و انقطاع السبيل، فكتب إلى أنه سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام و التمر فذكر أنه قد باعه و حمل إليك ثمنه، فأردد إلى عمرو ما كان حمل إليك عاملك على عمان من ثمن التمر و الحب ليضعه فى المواضع التي أمرته بها و يصرفه فيها إن شاء اللّه و السلام‏. ـ

85

غزوة البَحْرين < جزيرة أُوال البحرين

قالوا: و كانت أرض البحرين من مملكة الفرس، و كان بها خلق كثير من العرب من عبد القيس، و بكر بن وائل و تميم مقيمين فى باديتها و كان على العرب بها من قبل الفرس على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المنذر بن ساوى أحد بنى عبد اللّه بن زيد بن عبد اللّه بن دارم بن مالك بن حنظلة، و عبد اللّه بن زيد هذا هو الأسبذى نسب إلى قرية بهجر يقال لها الأسبذ، و يقال: أنه نسب إلى الأسبذيين و هم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين فلما كانت سنة ثمان وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم العلاء بن عبد اللّه بن عماد الحضرمي حليف بنى عبد الشمس إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية، و كتب معه إلى المنذر بن ساوى و إلى سيبخت مرزبان هجر يدعوهما إلى الإسلام أو الجزية فأسلما و أسلم معهما جميع العرب هناك و بعض العجم. فأما أهل الأرض من المجوس و اليهود و النصارى فإنهم صالحوا العلاء و كتب بينه و بينهم كتابا نسخته.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما صالح عليه العلاء بن الحضرمي أهل البحرين صالحهم على أن يكفونا العمل و يقاسمونا التمر، فمن لم يف فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين. و أما جزية الرءوس فإنه أخذ لها من كل حالم دينارا. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال: كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى البحرين.

«أما بعد» فإنكم إذا أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و نصحتم للّه و رسوله و آتيتم عشر النخل و نصف عشر الحب و لم تمجسوا أولادكم فلكم ما أسلمتم عليه غير أن بيت النار للّه و رسوله، و أن أبيتم فعليكم الجزية.

86

فكره المجوس و اليهود الإسلام و أحبوا أداء الجزية، فقال منافقو العرب: زعم محمد إنه لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب و قد قبلها من مجوس هجر و هم غير أهل كتاب فنزلت‏ (يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاََ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ) ، و قد قيل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم وجه العلاء حين وجه رسله إلى الملوك فى سنة ست.

و حدثني محمد بن مصفى الحمصي، قال: حدثنا محمد بن المبارك، قال: حدثنا عتاب بن زياد قال: حدثني محمد بن ميمون عن مغيرة الأزدى عن محمد بن زيد بن‏حيان الأعرج عن العلاء بن الحضرمي، قال: بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى البحرين-أو قال هجر-و كنت آتى الحائط بين الأخوة قد أسلم بعضهم فأخذ من المسلم العشر و من المشرك الخراج.

و حدثنا القاسم ابن سلام، قال: حدثنا عثمان ابن صالح عن عبد اللّه بن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كتب إلى أهل هجر.

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى أهل هجر سلم أنتم فإنى أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد فإنى أوصيكم بالله و بأنفسكم ألا تضلوا بعد إذا هديتم و لا تنووا بعد إذ رشدتم، أما بعد فإنه قد أتانى الذي صنعتم و أنه من يحسن منكم لا يحمل عليه ذنب المسي‏ء، فإذا جاءكم أمرائى فأطيعوهم و انصروهم و أعينوهم على أمر اللّه و فى سبيله، فإنه من يعمل منكم عملا صالحا فلن يضل له عند اللّه و عندي، و أما بعد فقد جاءني وفدكم فلم آت إليهم إلا ما سرهم و إنى لو جهدت حقي فيكم كله أخرجتكم من هجر فشفعت غائبكم و أفصلت على شاهدكم «ف اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ» .

حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن شيبان النحوي‏عن قتادة، قال: لم يكن بالبحرين فى أيام رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏

87

قتال، و لكن بعضهم أسلم و بعضهم صالح العلاء على انصاف الحب و التمر، و حدثني الحسين، قال: حدثني يحيى بن آدم، قال: حدثنا الحسن بن صالح عن أشعث عن الزهري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أخذ الجزية من مجوس هجر. و حدثني الحسين، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا قيس بن الربيع عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد، قال: كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام، فان أسلموا فلهم مالنا و عليهم ما علينا، و من أبى فعليه الجزية فى غير أكل لذبائحهم و لا نكاح لنسائهم.

و حدثني الحسين، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن ابن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلى عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الجزية من مجوس هجر، و أخذها عمر من مجوس فارس، و أخذها عثمان من بربر. و حدثنا الحسين، قال: حدثنا عبد اللّه بن إدريس عن مالك بن أنس عن الزهري بمثله.

و حدثنا عمرو الناقد، قال: أخبرنا عبد اللّه بن وهب عن يحيى بن عبد اللّه ابن سالم بن عبد اللّه بن عمر عن موسى بن عقبة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كتب إلى منذر بن ساوى.

من محمد النبي إلى منذر بن ساوى سلم أنت فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني و سمعت ما فيه، فمن صلى صلاتنا و استقبل قبلتنا، و أكل ذبيحتنا فذلك المسلم، و من أبى ذلك فعليه الجزية.

و حدثني عباس بن هشام الكلبي‏عن أبيه عن جده عن أبى صالح عن ابن عباس قال: كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى المنذر بن ساوى فأسلم و دعا أهل هجر فكانوا بين راض و كاره، أما العرب فأسلموا، و أما المجوس و اليهود فرضوا بالجزية فأخذت منهم.

88

و حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد بن هلال قال: بعث العلاء بن الحضرمي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مالا من البحرين يكون ثمانين ألفا أتاه أكثر منه قبله و لا بعده فأعطى منه العباس عمه.

حدثني هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد اللّه، قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى وضائع كسرى بهجر فلم يسلموا فوضع عليهم الجزية دينارا على كل رجل منهم. قالوا: و عزل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم العلاء ثم ولى البحرين أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية، و قوم يقولون: إن العلاء كان على ناحية من البحرين منها القطيف و إن أبان كان على ناحية أخرى فيها الخط: و الأول أثبت.

قالوا: و لما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خرج أبان من البحرين فأتى المدينة، فسأل أهل البحرين أبا بكر رضى اللّه عنه أن يرد العلاء عليهم ففعل، فيقال: إن العلاء لم يزل واليا حتى توفى بها سنة عشرين، فولى عمر مكانه أبا هريرة الدوسي، و يقال أيضا: إن عمر رضى اللّه عنه ولى أبا هريرة قبل موت العلاء فأتى العلاء توج من أرض فارس و عزم على المقام بها، قال:

ثم رجع إلى البحرين فمات هناك و كان أبو هريرة يقول: دفنا العلاء ثم احتجنا إلى رفع لبنة فرفعناها فلم نجده فى اللحد.

و قال أبو مخنف: كتب عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه إلى العلاء بن الحضرمي و هو عامله على البحرين يأمره بالقدوم عليه، و ولى عثمان بن أبى العاصي الثقفي البحرين و عمان فلما قدم العلاء المدينة ولاه البصرة مكان عتبة بن غزوان، فلم يصل إليها حتى مات و ذلك فى سنة أربعة عشر أو فى أول سنة خمسة عشر ثم أن عمر ولى قدامة بن مظعون الجمحي جباية البحرين، و ولى أبا هريرة

89

الأحداث و الصلاة، ثم عزل قدامة وحده على شرب الخمر، و ولى أبا هريرة الصلاة و الاحداث، ثم عزله و قاسمه ماله، ثم ولى عثمان بن أبى العاصي البحرين و عمان.

حدثني العمرى عن الهيثم، قال: كان قدامة بن مظعون على الجباية و الاحداث، و أبو هريرة على الصلاة و القضاء، فشهد على قدامة بما شهد به ثم ولاه عمر البحرين بعد قدامة ثم عزله و قاسمه و أمره بالرجوع فأبى‏فولاها عثمان بن أبى العاص فمات عمر و هو و اليه عليها، و كان خليفته على عمان و البحرين و هو بفارس أخوه مغيرة بن أبى العاصي، و يقال: حفص بن أبى العاصي حدثنا شيبان بن فروخ، قال حدثنا أبو هلال الراسبي، قال: حدثنا محمد بن سيرين عن أبى هريرة، قال استعملني عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه على البحرين فاجتمعت لى اثنا عشر ألفا فلما قدمت على عمر قال لى يا عدو اللّه و عدو المسلمين-أو قال و عدو كتابه-سرقت مال اللّه، قال: قلت لست بعدو للّه و لا للمسلمين-أو قال لكتابه-و لكنى عدو من عاداهما و لكن خيلا تناتجت و سهامها اجتمعت، قال فأخذ منى اثنا عشر ألفا فلما صليت الغداة قلت. اللهم اغفر لعمر، قال. فكان يأخذ منهم و يعطيهم أفضل من ذلك حتى إذا كان بعد ذلك، قال: ألا تعمل يا أبا هريرة، قلت. لا قال و لم قد عمل من هو خير منك يوسف‏ «قََالَ اِجْعَلْنِي عَلى‏ََ خَزََائِنِ اَلْأَرْضِ» فقلت يوسف نبى ابن نبى و أنا أبو هريرة بن أمية و أخاف منكم ثلاثا و اثنتين، قال فهلا قلت خمسا، قلت. أخشى أن تضربوا ظهري و تشتموا عرضي و تأخذوا مالي و أكره أن أقول بغير حلم و أحكم بغير علم.

حدثنا القاسم بن سلام و روح بن عبد المؤمن، قال حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن يزيد بن ابراهيم التستري عن ابن سيرين‏عن أبى هريرة أنه لما قدم من البحرين، قال له عمر يا عدو اللّه و عدو كتابه أ سرقت مال اللّه.

90

قال لست عدو اللّه و لا عدو كتابه و لكنى عدو من عاداهما و لم أسرق مال اللّه قال فمن أين اجتمعت لك عشرة ألف درهم. قال خيل تناسلت و عطاء تلاحق و سهام اجتمعت فقبضها منه و ذكر من باقى الحديث نحو الذي روى أبو هلال.

قالوا. و لما مات المنذر بن ساوى بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم بقليل ارتد من البحرين من ولد قيس بن ثعلبة بن عكابة مع الحطم و هو شريح بن ضبيعة بن عمر بن مرثد أحد بنى قيس بن ثعلبة و انما سمى الحطم بقوله:

قد لفها الليل بسواق حطم‏

و ارتد سائر من بالبحرين من ربيعة خلا الجارودي و هو بشر بن عمرو العبدى و من تابعه من قومه. و أمروا عليهم ابنا للنعمان بن المنذر يقال له المنذر فصار الحطم حتى لحق بربيعة فانضم إليها بمعن معه. و بلغ العلاء بن الحضرمي الخبر فسار بالمسلمين حتى نزل جواثا. و هو حصن البحرين فدلفت إليه ربيعة فخرج إليها بمن معه من العرب و العجم فقاتلها قتالا شديدا. ثم إن المسلمين لجأوا إلى الحصن فحصرهم فيه عدوهم. ففي ذلك يقول عبد اللّه ابن حذف الكلابي؟

ألا أبلغ أبا بكر ألوكا # و فتيان المدينة أجمعينا

فهل لك فى شباب منك أمسوا # أسارى فى جواثا محصرينا

ثم إن العلاء خرج بالمسلمين ذات ليلة فبيت ربيعة فقاتلوا قتالا شديدا و قتل الحطم. و قال غير هشام بن الكلبي: أتى الحطم ربيعة و هو بجواثا و قد كفر أهلها جميعا و أمروا عليهم المنذر بن النعمان فأقام معهم فحصرهم العلاء حتى فتح جواثا و فض ذلك الجمع و قتل الحطم: و الخبر الأول أثبت. و فى قتل الحطم يقول مالك بن ثعلبة العبدري

تركنا شريحا قد علته بصيرة # كحاشية البرد اليماني المحبر

91

«البصيرة من الدم ما وقع فى الأرض»

و نحن فجعنا أم غضبان بابنها # و نحن كسرنا الرمح فى عين حبتر

و نحن تركنا مسمعا متجدلا # رهينة ضبع تعتريه و أنسر

قالوا: و كان المنذر بن النعمان يسمى الغرورفلما ظهر المسلمون، قال:

لست بالغرور و لكنى المغرور و لحق هو و فل ربيعة بالخط فأتاها العلاء ففتحها و قتل المنذر و من معه، و يقال: إن المنذر نجا فدخل إلى المشقر و أرسل الماء حوله فلم يوصل إليه حتى صالح الغرور على أن يخلى المدينة فخلاها و لحق بمسيلمة فقتل معه، و قال قوم: قتل المنذر يوم جواثا، و قوم يقولون: أنه استأمن ثم هرب فلحق فقتل، و كان العلاء كتب إلى أبى بكر يستمده فكتب إلى خالد بن الوليد يأمره بالنهوض إليه من اليمامة و انجاده مقدم عليه و قد قتل الحطم فحصر معه الخط، ثم أتاه كتاب أبى بكر بالشخوص إلى العراق فشخص إليه من البحرين و ذلك فى سنة اثنى عشر، و قال الواقدي يقول أصحابنا: إن خالدا قدم المدينة ثم توجه منها إلى العراق.

و استشهد بحواثا عبد اللّه بن سهيل بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤي و يكنى أبا سهيل و أمه فأخته بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف، و كان عبد اللّه أقبل مع المشركين يوم بدر ثم إلى المسلمين مسلما و شهد بدرا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، فلما بلغ أباه سهيل بن عمرو خبره، قال: عند اللّه أحتسبه، و لقيه أبو بكر و كان بمكة حاجا فعزاه به،

فقال سهيل: أنه بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: يشفع الشهيد فى سبعين من أهله‏

و أنى لأرجو أن لا يبدأ ابني بأحد قبلي، و كان يوم استشهد ابن ثمان و ثلاثين سنة.

و استشهد عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبى يوم جواثا، و قال غير الواقدي.

استشهد يوم اليمامة، قالوا: و تحصن المكعبر الفارسي صاحب كسرى الذي‏

92

كان وجهه لقتل بنى تميم حين عرضوا لعيره و اسمه فيروز بن جشيش بالزارة و انضم إليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف و امتنعوا من أداء الجزية فأقام العلاء على الزارة فلم يفتحها فى خلافة أبى بكر و فتحها فى أول خلافة عمر، و فتح العلاء السابون و دارين فى خلافة عمر عنوة و هناك موضع يعرف بخندق العلاء.

و قال معمر بن المثنى. غزا العلاء بعبد القيسر قرى من السابون فى خلافة عمر بن الخطاب ففتحها، ثم غزا مدينة الغابة فقتل من بها من العجم، ثم أتى الزارة و بها المكعبرفحصره، ثم أن مرزبان الزارة دعا إلى البراز فبارزه البراء بن مالك فقتله و أخذ سلبه فبلغ أربعين ألفا، ثم خرج رجل من الزارة مستأمنا على أن يدل على شرب القوم فدله على العين الخارجة من الزارة فسدها العلاء فلما رأوا ذلك صالحوه على أن له ثلث المدينة و ثلث ما فيها من ذهب و فضة و على أن يأخذ النصف مما كان لهم خارجها، و أتى الأخنس العامري العلاء، فقال له. إنهم لم يصالحوك على ذراريهم و هم بدارين و دله كراز النكرى على المخاضة إليهم فتقحم العلاء فى جماعة من المسلمين البحر فلم يشعر أهل دارين إلا بالتكبير فخرجوا فقاتلوهم من ثلاثة أوجه فقتلوا مقاتلهم و حووا الذراري و السبي، و لما رأى المكعبر ذلك أسلم و قال كراز.

هاب العلاء حياض البحر مقتحما # فخضت قدما إلى كفار دارينا

حدثنا خلف البزار و عفان، قالا. حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون و يونس، عن محمد بن سيرين، قال بارز البراء بن مالك مرزبان‏الزارة فطعنه فوق صلبه و صرعه ثم نزل فقطع يديه و أخذ سواريه و يلمقا كان عليه و منطقة فخمسه عمر لكثرته، و كان أول سلب خمس فى الإسلام‏.

93

دعوة النبي صلى اللّه عليه و سلم أهل اليمامة اليمامة إلى الإسلام‏

قالوا: و كانت اليمامة تدعى جو فصلبت امرأة من جديس يقال لها اليمامة بنت مر على بابها فسميت باسمها و اللّه أعلم، و قالوا. و لما كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى ملوك الآفاق فى أول سنة سبع و يقال فى سنة ست كتب إلى هوزة بن على الحنفي و أهل اليمامة يدعوهم إلى الإسلام و أنفذ كتابه بذلك مع سليط بن قيس بن عمرو الأنصارى ثم الخزرجي فبعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و فدهم و كان فى الوفد مجاعة بن مرارة فأقطعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أرضا مواتا سأله إياها و كان فيها أيضا الرجال بن عنفوة فاسلم و قرأ سورة البقرة و سورا من القرآن ألا أنه ارتد بعد، و كان فيهم مسيلمة الكذاب ثمامة بن كبير بن حبيب،

فقال مسيلمة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. أن شئت خلينا لك الأمر و بايعناك على أنه لنا بعدك، فقال له رسول صلى اللّه عليه و سلم. لا و لا نعمة عين و لكن اللّه قاتلك.

و كان هوزة بن على الحنفي قد كتب إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم يسأله أن يجعل الأمر له من بعده‏على أن يسلم و يصير إليه فينصره، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. لا و لا كرامة اللهم اكفنيه فمات بعد قليل، فلما انصرف وفد بنى حنيفة إلى اليمامة أدعى مسيلمة الكذاب النبوة و شهد له الرجال بن عنفوة بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أشركه فى الأمر معه فاتبعه بنو حيفة و غيرهم ممن باليمامة و كتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مع عبادة بن الحارث أحد بنى عامر بن حنيفة و هو ابن النواحة الذي قتله عبد اللّه بن مسعود بالكوفة و بلغه أنه و جماعة معه يؤمنون بكذب مسيلمة، من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه، أما بعد فإن لنا نصف الأرض و لقريش نصفها و لكن قريشا لا ينصفون و السلام عليك، و كتب‏

94

عمرو بن الجارود الحنفي فكتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. من محمد النبي إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين و السلام على من اتبع الهدى،

و كتب أبى بن كعب.

فلما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و استخلف أبو بكر فأوقع بأهل الردة من أهل نجد و ما والاه فى أشهر يسيرة بعث خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي إلى اليمامة و أمره بمحاربة الكذاب مسيلمة فلما شارفها ظفر بقوم من بنى حنيفة فيهم مجاعة بن مرارة بن سلمى فقتلهم و استبقى مجاعة و حمله معه موثقا، و عسكر خالد على ميل من اليمامةفخرج إليه بنو حنيفة و فيهم الرجال و محكم بن الطفيل بن سبيع الذي يقال له محكم اليمامة فرأى خالد البارقة فيهم، فقال، يا معشر المسلمين قد كفاكم اللّه مؤنة عدوكم ألا ترونهم و قد شهر بعضهم السيوف على بعض و أحسبهم قد اختلفوا و وقع بأسهم بينهم، فقال مجاعة و هو فى حديدة. كلا و لكنها الهندوانية خشوا تحطمها فابرزوها للشمس لتلين متونها ثم التقى الناس فكان أو من لقيهم الرجال بن عنفوة فقتله اللّه، و استشهد وجوه الناس و قراء القرآن، ثم أن المسلمين فاءوا و ثابوا فأنزل اللّه عليهم نصره و هزم أهل اليمامة فأتبعوهم يقتلونهم قتلا ذريعا، و رمى عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق أخو عائشة لأبيها محكما بسهم فقتله و ألجئوا و الكفرة إلى الحديقة فسميت يومئذ حديقة الموت، و قتل اللّه مسيلمة فى الحديقة، فبنو عامر بن لؤي بن غالب يقولون قتله خداش بن بشير بن الأصم أحمد بنى معيص بن عامر بن لؤي، و بعض الأنصار يقولون. قتله عبد اللّه بن زيد بن ثعلبة أحد بنى الحارث بن الخزرج و هو الذي أرى الأذان، و بعضهم‏يقول. قتله أبو دجانة سماك بن خرشة ثم استشهد، و قال بعضهم. بل قتله عبد اللّه بن زيد بن عاصم أخو حبيب

95

ابن زيد من بنى مبذول من بنى النجار، و قد كان مسيلمة قطع يدي حبيب و رجليه، و كان وحشى بن حرب الحبشي قاتل حمزة رضى اللّه عنه يدعى قتله و يقول: قتلت خير الناس و شر الناس، و قال قوم: أن هؤلاء جميعا شركوا فى قتله و كان معاوية بن أبى سفيان يدعى أنه قتله و يدعى ذلك له بنو أمية.

حدثني أبو حفص الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن خالد بن دهقان عن رجل حضر عبد الملك بن مروان سأل رجلا من بنى حنيفة ممن شهد وقعة اليمامة عن قاتل مسيلمة فقال: قتله رجل من صفته كذا و كذا، فقال عبد الملك: قضيت و اللّه لمعاوية بقتله، قال: و جعل الكذاب يقول حين أخذ منه بالمخنق يا بنى حنيفة: قاتلوا عن أحسابكم فلم يزل يعيدها حتى قتله اللّه.

و حدثني عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن هشام عن عروة عن أبيه، قال: كفرت العرب فبعث أبو بكر خالد بن الوليد فلقيهم ثم قال و اللّه لا أنتهي حتى اناطح مسيلمةفقالت الأنصار: هذا رأى تفردت به لم يأمرك به أبو بكر ارجع إلى المدينة حتى نريح كراعنا، فقال:

و اللّه لا أنتهي حتى أناطحه فرجعت عنه الأنصار، ثم قالوا. إذا صنعنا لئن ظهر أصحابنا لقد خسسنا و لئن هربوا لقد خذلناهم، فرجعوا و مضوا معه فالتقى المسلمون و المشركون، فولى المسلمون مدبرين حتى بلغوا الرحال، فقام السائب بن العوام، فقال: أيها الناس قد بلغتم الرحال فليس لامرئ مفر بعد رحله فهزم اللّه المشركين و قتل مسيلمة، و كان شعارهم يومئذ يا أصحاب سورة البقرة. و حدثني بعض أهل اليمامة أن رجلا كان مجاورا فى بنى حنيفة فلما قتل محكم أنشأ يقول:

فإن أنج منها أنج منها عظيمة # و إلا فإنى شارب كأس محكم‏

قالوا: و كانت الحرب قد نهكت المسلمين و بلغت منهم، فقال مجاعة لخالد أن أكثر أهل اليمامة لم يخرجوا لقتالكم و إنما قتلتم منهم القليل و قد بلغوا

96

منكم ما أرى و أنا مصالحك عنهم فصالحه على نصف السبي و نصف الصفراء و البيضاء و الحلقة و الكراع، ثم أن خالدا توثق منه و بعثه إليهم فلما دخل اليمامة أمر الصبيان و النساءو من باليمامة من المشايخ أن يلبسوا السلاح و يقوموا على الحصون ففعلوا ذلك، فلم يشك خالد و المسلمون حين نظروا إليهم أنهم مقاتلة، فقالوا: لقد صدقنا مجاعة ثم أن مجاعة خرج حتى أتى عسكر المسلمين فقال: أن القوم لم يقبلوا مصالحتك عليه عنهم و استعدوا لحربك و هذه حصون العرض مملوءة رجالا و لم أزل بهم حتى رضوا بأن يصالحوا على ربع السبي و نصف الصفراء و البيضاء و الحلقة و الكراع فاستقر الصلح على ذلك و رضى خالد به و أمضاه و أدخل مجاعة خالدا اليمامة، فلما رأى من بقي بها قال خدعتني يا مجاع و أسلم أهل اليمامة فأخذت منهم الصدقة، و أتى خالدا كتاب أبى بكر رضى اللّه عنه بإنجاد العلاء بن الحضرمي، فسار إلى البحرين و استخلف على اليمامة سمرة ابن عمرو العنبري، و كان فتح اليمامة سنة اثنى عشرة.

حدثني أبو رياح اليمامي، قال. حدثني أشياخ من أهل اليمامة أن مسيلمة الكذاب كان قصيرا شديد الصفرة أخنس الأنف أفطس، يكنى أبا ثمامة و قال غيره: كان يكنى أبا ثمالة و كان له مؤذن يسمى حجيرا فكان إذا أذن يقول أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول اللّه، فقال، أفصح حجير فمضت مثلا، و كان ممن استشهد باليمامة أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس و اسمه هشيم و يقال مهشم، و سالم مولى أبى حذيفة و يكنى أبا عبد اللّه و هو مولى ثبيتة بنت يعار الأنصارية، و بعض الرواةيقول نبيثة و هي امرأة، و خالد بن أسيد ابن أبى العيص بن أمية، و عبد اللّه و هو الحكم بن سعيد بن العاصي بن أمية و يقال. أنه قتل يوم موته، و شجاع بن وهب الأسدى حليف بنى أمية، يكنى أبا وهب، و الطفيل بن عمرو الدوسي من الأزد، و يزيد بن رقيش الأسدى‏

97

حليف بنى أمية، و مخرمة بن شريح الحضرمي حليف بنى أمية، و السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام، و الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي، و السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي، و زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر ابن الخطاب يقال قتله أبو مريم الحنفي و اسمه صبيح بن محرش، و قال ابن الكلبي قتله لبيد بن برغث العجلى فقدم بعد ذلك على عمر رضى اللّه عنه فقال: أنت الجوالق «و اللبيد» : هو الجوالق، و كان زيد يكنى أبا عبد الرحمن و كان أسن من عمر.

و قال بعضهم اسم أبى مريم إياس بن صبيح و هو أول من قضى بالبصرة زمن عمر و توفى بسنبيل من الأهواز و أبو قيس بن الحارث بن عدى بن سهم، و عبد اللّه بن الحارث بن قيس، و سليط بن عمرو أخو سهيل بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤي، و إياس بن البكير الكناني، و من الأنصار عباد بن الحارث بن عدى أحد بنى جحجبى من الأوس، و عباد بن بشر بن وقش الأشهلى من الأوس و بكنى أبا الربيع و يقال أنه كان يكنى أبا بشر، و مالك بن أوس بن عتيك الأشهلى، و أبو عقيل بن عبد اللّه بن ثعلبة بن بيحان البلوى حليف بنى جحجبى كان اسمه عبد العزى فسماه النبي صلى اللّه عليه و سلم عبد الرحمن عدو الأوثان و سراقة بن كعب بن عبد العزى النجاري من الخزرج، و عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري، و يقال أنه مات زمن معاوية، و حبيب بن عمرو بن محصن النجاري، و معن بن عدى بن الجد بن العجلان البلوى من قضاعة حليف الأنصار، و ثابت بن قيس بن شماس بن أبى زهير خطيب النبي صلى اللّه عليه و سلم أحد بنى الحارث بن الخزرج و يكنى أبا محمد و كان على الأنصار يومئذ و أبو حنة بن غزية بن عمرو احد بنى مازن بن النجار و العاصي بن ثعلبة الدروسى من الأزد حليف الأنصار، و أبو دجانة سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان الساعدي من‏

98

الخزرج، و أبو أسيد مالك بن ربيعة الساعدي، و يقال أنه مات سنة ستين بالمدينة، و عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبى بن مالك و كان اسمه الحباب فسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم باسم أبيه، و كان أبوه منافقا: و هو الذي يقال له ابن أبى بن سلول، و سلول أم أبى و هي خزاعية نسب إليها، و أبوه مالك بن الحارث أحد بنى الخزرج، و يقال أنه استشهد يوم جواثا من البحرين، و عقبة بن عامر نابي من بنى سلمة من الخزرج، و الحارث بن كعب بن عمرو أحد بنى النجار.

و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعث حبيب بن زيد بن عاصم أحد بنى مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، و عبد اللّه بن وهب الأسلمى إلى مسيلمة فلم يعرض لعبد اللّه و قطع يدي حبيب و رجليه، و أم حبيب نسيبة بنت كعب.

و قال الواقدي: إنما أقبل مع عمرو بن العاصي من عمان فكفتهما مسيلمة فنجا عمرو و من معه غير هذين فأخذا و قاتلت نسيبة يوم اليمامة فانصرفت و بها جراحات و هي أم حبيب، و عبد اللّه البنى زيد، و قد قاتلت يوم أحد أيضا و هي إحدى المرأتين المبايعتين يوم العقبة، و استشد يوم اليمامة عائذ بن ما عص الزرقي من الخزرج، و يزيد بن‏ثابت الخزرجي أخو زيد بن ثابت صاحب الفرائض، و قد اختلفوا فى عدة من استشهد باليمامة فأقل ما ذكروا من مبلغها سبعمائة، و أكثر ذلك ألف و سبعمائة، و قال بعضهم: إن عدتهم ألف و مائتان.

و حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا الحارث بن مرة الحنفي عن هشام بن إسماعيل. أن مجاعة اليمامي أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأقطعه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و كتب له كتابا.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب كتبه محمد رسول اللّه لمجاعة بن مرارة بن سلمى انى اقطعتك الغورة و غرابة و الحبل فمن حاجك فإلى «الغورة»

99

قرية الغرابات تلت قارات،

قال: ثم وفد بعد ما قبض النبي صلى اللّه عليه و سلم على أبى بكر فأقطعه الخضرمة، ثم قدم على عمر فأقطعه الرياء، ثم قدم على عثمان فأقطعه قطيعة، قال الحارث: لا أحفظ اسمها.

و حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو أيوب الدمشقي عن سعدان ابن يحيى عن صدقه بن أبى عمران عن أبى إسحاق الهمداني «عن عدى بن حاتم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أقطع فرات بن حيان العجلى أرضا باليمامة» حدثني محمد بن ثمال اليمامي عن أشياخهم، قال: سميت الحديقة حديقة الموت لكثرة من قتل بها، قال: و قد بنى إسحاق بن‏أبى خميصة مولى قيس فيها أيام المأمون مسجدا جامعا، و كانت الحديقة تسمى أباض، و قال محمد بن ثمال: قصر الورد نسب إلى الورد بن السمين بن عبيد الحنفي، و قال غيره سمى الحصن معتقا لحصانته يريدون أن من لجأ إليه عتق من عدوه، و قال الريا عين منها شرب الصعفوقة و هي ضيعة نسبت إلى وكيل كان عليها يقال له صعفوق و شرب الخييبة و الخضرمة منها.

خبر ردة العرب في خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏

قالوا: لما استخلف أبو بكر رحمه اللّه ارتدت طوائف من العرب و منعت الصدقة، و قال قوم منهم: نقيم الصلاة و لا نؤدي الزكاة، فقال أبو بكر رضى اللّه عنه: لو منعونى عقالا لقاتلتهم، و بعض الرواة يقول: لو منعونى عناقا. «و العقال» صدقة السنة. و حدثني عبد اللّه بن صالح العجلى عن يحيى بن آدم عن عوانة ابن الحكم عن جرير بن يزيد عن الشعبي، قال: قال عبد اللّه ابن مسعود: لقد قمنا بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مقاماكدنا نهلل‏

100

فيه لو لا إن اللّه من علينا بأبى بكر اجتمع رأينا جميعا عن أن لا نقاتل على بنت مخاض و ابن لبون و ان نأكل قرى عربية و نعبد اللّه حتى يأتينا اليقين، و عزم اللّه لأبى بكر رضى اللّه عنه على قتالهم فو اللّه ما رضى منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية: فأما الخطة المخزية فإن أقروا بأن من قتل منهم فى النار و إن ما أخذوا من أموالنا مردود علينا، و أما الحرب المجلية فإن يخرجوا من ديارهم.

حدثنا ابراهيم بن محمد عن عرعرة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال: أخبرنا سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، قال:

قدم وفد بزاخة على أبى بكر فخيرهم بين الحرب المجلية و السلم المخزية، فقالوا قد عرفنا الحرب المجلية فما السلم المخزية، قال: أن ننزع منكم الحلقة و الكراع و نغنم ما أصبنا منكم و تردوا إلينا ما أصبتم منا و تدوا قتلانا و يكون قتلاكم فى النار.

حدثنا شجاع بن مخلد الفلاس، قال. حدثنا بشر بن المفضل مولى بنى رقاش قال. حدثنا عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبى سلمة الماجشوش عن عبد الواحد عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عمته عائشة أم المؤمنين رضى اللّه عنها أنها قالت. توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فنزل بأبى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها اشرأب النفاق بالمدينة و ارتدت العرب فو اللّه ما اختلفوا فى واحدة الإطارأبى بحظها و غنائها عن الإسلام، قالوا. فخرج أبو بكر رضى اللّه عنه إلى القصة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردة و معه المسلمون فصار إليهم خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري و منظور بن زبان ابن سيار الفزاري أحد بنى العشراء فى غطفان فقاتلوهم قتالا شديدا فانهزم المشركون و اتبعهم طلحة بن عبيد اللّه التيمي فلحقهم بأسفل ثنايا عوسجة فقتل منهم رجلا وفاته الباقون فأعجزوه هربا فجعل خارجة بن حصن يقول: ويل‏

101

للعرب من ابن أبى قحافة، ثم عقد أبو بكر و هو بالقصة لخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي على الناس، و جعل على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس الأنصارى، و هو أحد من استشهد يوم اليمامة إلا أنه كان من تحت يد خالد و أمر خالدا أن يصمد لطليحة بن خويلد الأسدى، و كان قد أدعى النبوة و هو يومئذ ببزاخة و بزاخة ماء لبنى أسد بن خزيمة فسار إليه خالد، و قدم أمامه عكاشة بن محصن الأسدى حليف بنى عبد شمس، و ثابت بن أقرم البلوى حليف الأنصار فلقيهما حبال بن خويلد فقتلاه، و خرج طليحة و سلمة أخوه و قد بلغهما الخبر فلقيا عكاشة و ثابتا فقتلاهما فقال طليحة:

ذكرت أخى لما عرفت وجوههم # و أيقنت أنى ثائر بحبال

عشية غادرت ابن أقرم ثاويا # و عكاشة الغنمي عند مجال‏

ثم التقى المسلمون و عدوهم و اقتتلوا قتالا شديدا، و كان عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر مع طلحة فى سبعمائة من بنى فزارة، فلما رأى سيوف المسلمين قد استحملت المشركين أتاه فقال له: أما ترى ما يصنع جيش أبى الفصيل فهل جاءك جبريل بشي‏ء قال: نعم جاءني فقال: إن لك رحا كرحاه و يوما لا تنساه، فقال عيينة: أرى و اللّه أن لك يوما لا تنساه يا بنى فزارة هذا كذاب و ولى عن عسكره، من‏فانهزم الناس و ظهر المسلمون و أسر عيينة بن حصن فقدم به المدينة فحقن أبو بكر دمه و خلى سبيله، و هرب طليحة بن خويلد فدخل خباء له فاغتسل و خرج فركب فرسه و أهل بعمرة ثم مضى إلى مكة ثم أتى المدينة مسلما، و قيل بل أتى الشام فأخذه المسلمون ممن كان غازيا، و بعثوا به إلى أبى بكر بالمدينة فأسلم و ابلى بعد فى فتح العراق و نهاوند، و قال له عمر: أقتلت العبد الصالح عكاشة بن محصن، فقال: أن عكاشة بن محصن سعد بى و شقيت به و أنا أستغفر اللّه.

102

و أخبرنى داود بن حبال الأسدى عن أشياخ من قومه: أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال لطليحة: أنت الكذاب على اللّه حين زعمت أنه أنزل عليك إن اللّه لا يصنع بتعفير وجوهكم و قبح أدباركم شيئا فاذكروا اللّه أعفة قياما فإن الرغوة فوق الصريح، فقال يا أمير المؤمنين: ذلك من فتن الكفر الذي هدمه الإسلام كله، فلا تعنيف على ببعضه فأسكت عمر، قالوا: و أتى خالد بن الوليد رمان و أبانين و هناك فل بزاخة فلم يقاتلوه و بايعوه لأبى بكر، و بعث خالد بن الوليد هشام بن العاصي بن وائل السهمي و أخا عمرو بن العاصي، و كان قديم الإسلام و هو من مهاجرة الحبشة إلى بنى عامر بن صعصعة فلم يقاتلوه و أظهروا الإسلام و الأذان فانصرف عنهم، و كان قرة بن هبيرة القشيري امتنع من أداء الصدقة و أمد طليحة فأخذه هشام بن العاصي و أتى به خالدا فحمله إلى أبى بكر، فقال: و اللّه ما كفرت مذ آمنت و لقد مربى عمرو بن العاصي منصرفا من عمان فأكرمته و بررته فسأل أبو بكر عمرا رضى اللّه عنهما عن ذلك فصدقه فحقن أبو بكر دمه، و يقال: أن خالدا كان سار إلى بلاد بنى عامر فأخذ قرة و بعث به إلى أبى بكر.

قال: ثم سار خالد بن الوليد إلى الغمر و هناك جماعة من بنى أسد و غطفان و غيرهم و عليهم خارجة بن حصن بن حذيفة، و يقال انهم كانوا متسايدين قد جعل كل قوم عليهم رئيسا منهم قالوا خالدا و المسلمين فقتلوا منهم جماعة و انهزم الباقون، و فى يوم الغمر يقول الحطيئة العبسي:

ألا كل أرماح قصار أذلة # فداء لارماح الفوارس بالغمر

ثم أتى خالد جو قراقر، و يقال أتى النقرة و كان هناك جمع لبنى سليم عليهم أبو شجرة عمرو بن عبد العزى السلمى و أمه الخنساء فقاتلوه فاستشهد رجل من المسلمين ثم فض اللّه جمع المشركين، و جعل خالد يومئذ يحرق‏

103

المرتدين فقيل لأبى بكر فى ذلك فقال لا أشيم سيفا سله اللّه على الكفار، و أسلم أبو شجرة فقدم على عمر و هو يعطى المساكين فاستعطاه فقال له أ لست القائل:

و رويت رمحي من كتيبة خالد # و إنى لأرجو بعدها أن أعمرا

و علاه بالدرة فقال: قد محا الإسلام ذلك يا أمير المؤمنين قالوا: و أتى الفجاءة و هو بجير بن إياس بن عبد اللّه السلمى أبا بكر فقال: احملنى و قوني أقاتل المرتدين فحمله و أعطاه سلاحا. فخرج يعترض الناس فيقتل المسلمين و المرتدين. و جمع جمعا. فكتب أبو بكر إلى طريفة بن حاجزة أخى معن بن حاجزة يأمره بقتاله فقاتله و أسره ابن حاجزة فبعث به إلى أبى بكر فأمر أبو بكر بإحراقه فى ناحية المصلى. و يقال: إن أبا بكر كتب إلى معن فى أمر الفجاءة فوجه معن إليه‏طريفة أخاه فأسره، ثم سار خالد إلى سن بالبطاح و البعوضة من بنى تميم فقاتلوه ففض جمعهم و قتل مالك بن نويرة أخا متمم بن نويرة و كان مالك عاملا للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم على صدقات بنى حنظلة، فلما قبض صلى اللّه عليه و سلم خلى ما كان فى يده من الفرائض و قال: شأنكم بأموالكم يا بنى حنظلة و قد قيل: إن خالدا لم يلق بالبطاح و البعوضة أحدا و لكنه بث السرايا فى بنى تميم و كان منها سرية عليها ضرار ابن الأزور الأسدى فلقى ضرار مالكا فاقتتلوا و أسره و جماعة معه فأتى بهم خالدا فأمر بهم فضربت أعناقهم و تولى ضرار ضرب عنق مالك.

و يقال: إن مالكا قال لخالد: إنى و اللّه ما ارتددت و شهد أبو قتادة الأنصارى أن بنى حنظلة وضعوا السلاح و أذنوا فقال عمر بن الخطاب لأبى بكر رضى اللّه عنهما: بعثت رجلا يقتل المسلمين و يعذب بالنار.

و قد روى أن متمم بن نويرة دخل على عمر بن الخطاب فقال له: ما بلغ من‏

104

وجدك على أخيك مالك قال: بكيته حولا حتى أسعدت عيني الذاهبة عيني الصحيحة و ما رأيت نارا إلا كدت انقطع لها أسفا عليه لأنه كان يوقد ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضيف فلا يعرف مكانه. قال: فصفه لى قال كان يركب الفرس الجرور و يقود الجمل الثفال و هو بين المزادتين النضوحين فى الليلة القرة و عليه شملة فلوت معتقلا رمحا خطلا فيسرى ليلته ثم يصبح و كان وجهه فلقة قمر، قال فأنشدنى بعض ما قلت فيه فأنشده مرثيته التي يقول فيها:

و كنا كندمانى جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا

فقال عمر: لو كنت أحسن قول الشعر لرثيت أخى زيدا، فقال متمم:

و لا سواء يا أمير المؤمنين: لو كان أخى صرع مصرع أخيك ما بكيته فقال عمر ما عزانى أحد بأحسن مما عزيتنى.

قالوا: و تنبأت أم صادر سجاح بنت أوس بن أسامة بن العنبر بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، و يقال: هي سجاح بنت الحارث ابن عقفان بن سويد بن خالد بن أسامة و تكهنت فأتبعها قوم من بنى تميم و قوم من أخوالها بنى تغلب ثم انها سجعت ذات يوم فقالت: إن رب السحاب، يأمركم أن تغزوا الرباب، فغزتهم فهزموها و لم يقاتلها أحد غيرهم فأتت مسيلمة الكذاب و هو بحجر فتزوجته و جعلت دينها و دينه واحدا، فلما قتل صارت إلى أخوالها فماتت عندهم، و قال ابن الكلبي: أسلمت سجاح و هاجرت إلى البصرة و حسن إسلامها، و قال عبد الأعلى بن حماد النرسي، سمعت مشايخ من البصريين إن سمرة بن جندب الفزاري صلى عليها و هو يلي البصرة من قبل معاوية قبل قدوم عبيد اللّه بن زياد من خراسان و ولايته البصرة، و قال ابن الكلبي كان مؤذن سجاح الجنبة بن طارق بن عمرو بن حوط الرياحي، و قوم يقولون: إن شبث بن ربعي الرياحي كان يؤذن لها. ـ