فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
105

قالوا: و ارتدت خولان باليمن‏فوجه أبو بكر إليهم يعلى بن منية و هي أمه و هي من بنى مازن بن منصور بن عكرمة بن حصفة بن قيس بن عيلان بن مضر و أبوه أمية بن أبى عبيدة من ولد مالك بن حنظلة بن مالك حليف بنى نوفل بن عبد مناف نظفر بهم و أصاب منهم غنيمة و سبابا، و يقال: لم يلق حربا فرجع القوم إلى الإسلام.

ردة بني وليعة و الأشعث بن قيس ابن معدى كرب بن معاوية الكندي‏

قالوا: ولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم زياد بن لبيد البياضي من الأنصار حضرموت، ثم ضم إليه كندة، و يقال، إن الذي ضم إليه كندة أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه، و كان زياد بن لبيد رجلا حازما صليبا فأخذ فى الصدقة من بعض كندة قلوصا فسأله الكندي ردها عليه و أخذ غيرها و كان قد و سمها بميسم الصدقة فأبى ذلك، و كلمه الأشعث بن قيس فيه فلم يجبه، و قال: لست براد شيئا قد وقع الميسم عليه فانتقضت عليه كندة كلها إلا السكون فإنهم كانوا معه فقال شاعرهم:

و نحن نصرنا الدين‏إذ ضل قومنا # شقاء، و شايعنا ابن أم زياد

و لم نبغ عن حق البياضي مزحلا # و كان تقى الرحمن أفضل زاد

و جمع له بنو عمرو بن معاوية بن الحارث الكندي فبيتهم فيمن معه من المسلمين فقتل منهم بشرا فيهم مخوس و مشرح و جمد و أبضعة بنو معدى كرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن حجر القرد «و القرد» الجواد فى كلامهم بن الحارث بن الولادة بن عمرو بن معاوية بن الحارث، و كانت لها ولاء الأخوة أودية يملكونها فسموا الملوك الأربعة، و كانوا و فدوا على النبي صلى اللّه عليه و سلم ثم ارتدوا، و قتلت أخت لهم يقال لها العمردة

106

و قاتلها يحسبها رجلا، ثم أن زيادا أقبل بالسبي و الأموال فمر على الأشعث ابن قيس و قومه فصرخ النساء و الصبيان و بكوا فحمى الأشعث أنفا و خرج فى جماعة من قومه فعرض لزياد و معه فأصيب ناس من المسلمين ثم هزموهم فاجتمعت عظماء كندة إلى الأشعث بن قيس، فلما رأى زياد ذلك كتب إلى أبى بكر يستمده.

و كتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبى أمية يأمره‏بإنجاده فلقيا الأشعث بن قيس فيمن معهما من المسلمين ففضا جمعه و أوقعا بأصحابه فقتلا منهم مقتلة عظيمة ثم انهم لجأوا إلى النجير-و هو حصن لهم-فحصرهم المسلمون حتى جهدوا فطلب الأشعث الأمان لعدة منهم و أخرج نفسه من العدة و ذلك أن الجفشيش الكندي و أسمه معدان بن الأسود بن معدى كرب أخذ بحقوه، و قال: اجعلنى من العدة فأدخله و أخرج نفسه و نزل إلى زياد بن لبيد و المهاجر فبعثا به إلى أبى بكر الصديق فمن عليه و زوجه أخته أم فروة بنت أبى قحافة فولدت له محمدا و اسحاق و قريبة و حبابة و جعدة، و بعضهم يقول: زوجه أخته قريبة، و لما تزوجها أتى السوق فلم يربها جزورا إلا كشف عرقوبيها و أعطى ثمنها و أطعمها الناس و أقام بالمدينة ثم سار إلى الشام و العراق غازيا، و مات بالكوفةو صلى عليه الحسن بن أبى طالب بعد صلحه معاوية، و كان الأشعث يكنى أبا محمد و يلقب عرف النار.

و قال بعض الرواة: ارتد بنو وليعة قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم فلما بلغت زياد بن لبيد وفاته صلى اللّه عليه و سلم دعا الناس إلى بيعة أبى بكر فبايعوه خلابنى وليعة فبيتهم و ارتد الأشعث و تحصن فى النجير فحاصره زياد بن لبيد و المهاجر اجتمعا عليه و أمدهما أبو بكر رضى اللّه عنه بعكرمة ابن أبى جهل بعد انصرافه من عمان فقدم عليهما و قد فتح النجير فسأل أبو بكر المسلمين أن يشركوه فى الغنيمة ففعلوا، قالوا: و كان بالنجيرة نسوة

107

شمتن بوفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فكتب أبو بكر رضى اللّه عنه فى قطع أيديهن و أرجلهن منهن الثبجاء الحضرمية، و هند بنت يامين اليهودية.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثني عبد الرزاق بن همام اليماني عن مشايخ حدثوه من أهل اليمن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ولى خالد بن سعيد بن العاصي صنعاء فأخرجه العنسي الكذاب عنها، و أنه ولى‏المهاجر بن أبى أمية على كندة و زياد بن لبيد الأنصارى على حضرموت و الصدف و هم ولد مالك بن مرتع بن معاوية بن كندة و انما سمى صدفا لأن مرتعا تزوج حضرمية و شرط لها أن تكون عنده فإذا ولدت ولدا لم يخرجها من دار قومها فولدت له مالكا فقضى الحاكم عليه بأن يخرجها إلى أهلها، فلما خرج مالك عنه معها قال: صدف عنى مالك فسمى الصدف، و قال عبد الرزاق فأخبرنى مشايخ من أهل اليمن، قالوا: كتب أبو بكر إلى زياد بن لبيد و المهاجر ابن أبى أمية المخزومي و هو يومئذ على كندة يأمرهما أن يجتمعا فتكون أيديهما يدا و أمرهما واحدا فيأخذ له البيعة و يقاتلا من امتنع من أداء الصدقة و أن يستعينا بالمؤمنين على الكافرين و بالمطيعين على العاصين و المخالفين فأخذا من رجل من كندة فى الصدقة بكرة من الإبل فسألهما أخذ غيرها فسامحه المهاجر و أبى زياد إلا أخذها و قال: ما كنت لأردها بعد أن وقع عليها ميسم الصدقة، فجمع بنو عمرو بن معاوية جمعا فقال زياد بن لبيد للمهاجر: قد ترى هذا الجمع و ليس الرأى أن نزول جميعا عن مكاننا و لكن انفصل عن العسكر فى جماعة فيكون ذلك أخفى للأمر و أستر ثم أبيت هؤلاء الكفرة، و كان زياد حازما صليبا فصار إلى بنى عمرو و ألفاهم فى الليل فبيتهم فأتى على أكثرهم و جعل بعضهم يقتل بعضا ثم اجتمع و المهاجر و معهما السبي و الأسارى فعرض لهما الأشعث بن قيس و وجوه كندة فقاتلاهم قتالا شديدا، ثم إن الكنديين‏

108

تحصنوا بالنجير فحاصراهم حتى جهدهم الحصار و أضربهم و نزل الأشعث على الحكم قالوا: و كانت حضرموت أتت كندة منجدة لها فواقعهم زياد و المهاجر فظفرا بهم و ارتدت خولان فوجه إليهم أبو بكر يعلى بن منية فقاتلهم حتى أذعنوا و أقروا بالصدقة، ثم أتى المهاجر كتاب أبى بكر بتوليته صنعاء و مخاليفها و جمع عمله لزياد إلى ما كان فى يده فكانت اليمن بين ثلاثة المهاجر، و زياد، و يعلى و ولى أبو سفيان بن حرب ما بين آخر حد الحجاز و آخر حد بحران.

و حدثني أبو التمار، قال: حدثني شريك قال أنبأنا ابراهيم بن مهاجر عن ابراهيم النخعي، قال: ارتد الأشعث بن قيس الكندي فى ناس من كندة فحوصرا فأخذ الأمان لسبعين منهم و لم يأخذه لنفسه فأتى به أبو بكر فقال:

أنا قاتلوك لأنه لا أمان لك إذ أخرجت نفسك من العدة، فقال: بل تمن على يا خليفة رسول اللّه و تزوجني فعل و زوجه أخته. و حدثني القاسم بن سلام أبو عبيد، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح كاتب الليث بن سعد عن علوان بن صالح عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف عن أبى بكر الصديق أنه قال: ثلاث تركتهن و ودت أنى لم أفعل، وددت أنى يوم أتيت بالأشعث بن قيس ضربت عنقه فإنه تخيل إلى أنه لا يرى شرا إلا سعى فيه و أعان عليه، و وددت أنى يوم أتيت بالفجاءة قتلته و لم أحرقه، و وددت أنى حيث وجهت خالدا إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق فأكون قد بسطت يميني و شمالي جميعا فى سبيل اللّه.

أخبرنى عبد اللّه بن صالح العجلى، عن يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن فراس أو بنان، عن الشعبي أن أبا بكر رد سبايا النجير بالفداء لكل رأس أربعمائة درهم، و ان الأشعث بن قيس استسلف من تجار المدينة فداءهم ففداهم ثم رده لهم، و قال الأشعث بن قيس يرثى بشير بن الأودح، و كان ممن‏

109

وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثم ارتد و يزيد بن أماناة و من قتل يوم النجير.

لعمري و ما عمرى على بهين # لقد كنت بالقتلى أحق ضنين

فلا غرو إلا يوم يقسم سبيهم # و ما الدهر عندي بعدهم بأمين

و كنت كذات البوّ ريعت فأقبلت # على بوها إذ طربت بحنين

عن ابن أماناة الكريم و بعده # بشير الندى فليجر دمع عيون‏

أمر الأسود العنسي و من ارتد معه باليمن‏

قالوا: كان الأسود بن كعب بن عوف العنسي قد تكهن و ادعى النبوة فاتبعه عنس، و اسم عنس زيد بن مالك بن ادد بن يشجب بن غريب بن زيد ابن كهلان بن سبا، و عنس أخو مراد بن مالك، و خالد بن مالك و سعد العشيرة ابن مالك، و اتبعه أيضا قوم من غير عنس، و سمى نفسه رحمان اليمن كما تسمى مسيلمة رحمان اليمامة، و كان له حمار معلم يقول له اسجد لربك فيسجد و يقول له ابرك فيبرك فسمى ذا الحمار، و قال بعضهم: هو ذو الخمار لأنه كان متخمرا معتما أبدا. و أخبرنى بعض أهل اليمن أنه كان أسود الوجه فسمى الأسود للونه و إن اسمه عهلة.

قالوا: فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جرير بن عبد اللّه البجلي فى السنة التي توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيها، و فيها كان إرسال جرير إلى الأسود يدعوه إلى الإسلام فلم يجبه، و بعض الرواة ينكر بعثة النبي صلى اللّه عليه و سلم جريرا إلى اليمن، قالوا، و أتى الأسود صنعاء فغلب عليها و أخرج خالد بن سعيد بن العاصي عنها، و يقال، أنه إنما أخرج المهاجرين أبى أمية و انحاز إلى ناحية زياد بن لبيد البياضي، و كان عنده حتى أتاه كتاب أبى بكر يأمره‏

110

بمعاوية زياد، فلما فرغ من أمرهما ولاه صنعاء و أعمالها، و كان الأسود متجبرا فاستذل الأبناء، و هم أولاد أهل فارس الذين وجههم. كسرى إلى اليمن مع ابن ذى يزن و عليهم و هرز و استخدمهم فأضر بهم، و تزوج المرزبانة امرأة باذام ملكهم و عامل أبرويز عليهم فوجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قيس بن هبيرة المكشوح المرادي لقتاله، و انما سمى المكشوح لأنه كوى على كشحه من داء كان به، و أمره باستمالة الأبناء و بعث معه فروة بن مسيك المرادي، فلما صار إلى اليمن بلغتهما وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأظهر قيس للأسود أنه على رأيه حتى خلى بينه و بين دخول صنعاء فدخلها فى جماعة من مذحج و همدان و غيرهم ثم استمال فيروز بن الديلمي أحد الأبناء، و كان فيروز قد أسلم ثم أتيا باذام رأس الأبناء، و يقال:

ان باذام قد كان مات و رأس الأبناء بعده خليفة له يسمى داذوية، و ذلك أثبت فأسلم داذويه و لقى قيس ثات بن ذى الحرة الحميري فاستماله و بث داذويه دعاته فى الأبناء فأسلموا، فتطابق هؤلاء جميعا على قتل الأسود و اغتياله و دسوا إلى المرزبانة امرأته من أعلمها الذي هم عليه و كانت شانئة له فدلتهم على جدول يدخل إليه منه فدخلوا سحرا و يقال: بل نقبوا جدار بيته بالخل نقبا ثم دخلوا عليه فى السحر و هو سكران نائم فذبحه قيس ذبحا فجعل يخور خوار الثور حتى أفزع ذلك حرسه، فقالوا: ما شأن رحمان اليمن فبدرت امرأته فقالت: إن الوحى ينزل عليه فسكنوا و أمسكوا و احتز قيس رأسه ثم علا سور المدينة حين أصبح فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر أشهد أن لا إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه و أن الأسود كذاب عدو اللّه، فاجتمع أصحاب الأسود فألقى إليهم رأسه فتفرقوا إلا قليلا، و خرج أصحاب قيس ففتحوا الباب و وضعوا فى بقية أصحاب العنسي السيف فلم ينجح إلا من أسلم منهم.

111

و ذكر بعض الرواة أن الذي قتل الأسود العنسي فيروز بن الديلمي و أن قيسا أجهز عليه و احتز رأسه. و ذكر بعض أهل العلم إن قتل الأسود كان قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم بخمسة أيام‏

فقال فى مرضه. قد قتل اللّه الأسود العنسي قتله الرجل الصالح فيروز بن الديلمي،

و أن الفتح ورد على أبى بكر بعد ما استخلف بعشر ليال.

و أخبرنى بكر بن الهيثم. قال. حدثني ابن انس اليماني، عمن أخبره عن النعمان ابن برزج أحد الأبناء أن عامل النبي صلى اللّه عليه و سلم الذي أخرجه الأسود عن صنعاء أبان بن العاصي، و أن الذي قتل الأسود العنسي فيروز بن الديلمي و أن قيسا و فيروزا ادعيا قتله و هما بالمدينة فقال عمر. قتله هذا الأسد يعنى فيروز. قالوا: ثم ان قيسا اتهم بقتل داذويه و بلغ أبا بكر أنه على اجلاء الأبناء عن صنعاه فأغضبه ذلك، و كتب إلى المهاجر بن أبى أمية حين دخل صنعاء و هو عامله عليها يأمره بحمل قيس إلى ما قبله فلما قدم به عليه‏أحلفه خمسين يمينا عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه ما قتل داذويه فحلف فخلى سبيله و وجه إلى الشام مع من انتدب لغز الروم من المسلمين.

فتوح الشّأم الشام

قالوا: لما فرغ أبو بكر رضى اللّه عنه من أمر أهل الردة رأى توجيه الجيوش إلى الشام فكتب إلى أهل مكة، و الطائف، و اليمن، و جميع العرب بنجد و الحجاز يستنفرهم للجهاد و يرغبهم فيه و فى غنائم الروم، فسارع الناس إليه من بين محتسب و طامع و أتو المدينة من كل أوب فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال خالد ابن سعيد بن العاصي بن أمية، و شرحبيل بن حسنة حليف بنى جمح، و شرحبيل فيما ذكر الواقدي ابن عبد اللّه بن المطاع الكندي. و حسنة أمه و هي مولاة

112

معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. و قال الكلبي: هو شرحبيل ابن ربيعة بن المطاع من ولد صوفة و هم الغوث بن مر بن اد بن طابخة، و عمرو بن العاصي بن وائل السهمي، و كان عقده هذه الألوية يوم الخميس المستهل صفر سنة ثلاث عشرة و ذلك بعد مقام الجيوش معسكرين بالجرف المحرم كله، و أبو عبيدة بن الجراح يصلى بهم. و كان أبو بكر أراد أبا عبيدة أن يعقد له فاستعفاه من ذلك، و قد روى قوم أنه عقد له و ليس ذلك بثبت و لكن عمر ولاه الشام كله حين استخلف.

و ذكر أبو مخنف أن أبا بكر قال للأمراء: إن اجتمعتم على قتال فأميركم أبو عبيدة عامر بن عبد اللّه بن الجراح الفهري و إلا فيزيد بن أبى سفيان و ذكر أن عمرو بن العاصي إنما كان مددا للمسلمين و أميرا على من ضم إليه.

قال: و لما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد كره عمر ذلك فكلم أبا بكر فى عزله، و قال: أنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة و التعصب فعزله أبو بكر و وجه أبا أروى الدوسي لأخذ لوائه فلقيه بذي المروة فأخذ اللواء منه و ورد به على أبى بكر فدفعه أبو بكر رضى اللّه عنه إلى يزيد بن أبى سفيان فسار به و معاوية أخوه يحمله بين يديه، و يقال: بل سلم إليه اللواء بذي المروة فمضى على جيش خالد و سار خالد بن سعيد محتسبا فى جيش شرحبيل.

و أمر أبو بكر رضى اللّه عنه عمرو بن العاصي أن يسلك طريق أيلة عامدا لفلسطين، و أمر يزيد أن يسلك طريق تبوك، و كتب إلى شرحبيل أن يسلك أيضا طريق تبوك، و كان العقد لكل أمير فى بدء الأمر على ثلاثة آلاف رجل فلم يزل أبو بكر يتبعهم الأمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف و خمسمائة ثم تتام جمعهم بعد ذلك أربعة و عشرين ألفا. و روى عن الواقدي أن أبا بكر ولى عمرا فلسطين، و شرحبيل الأردن، و يزيد دمشق،

113

و قال إذا كان بكم قتال فأميركم الذي تكونون فى عمله. و روى أيضا أنه أمر عمرا مشافهة أن يصلى بالناس إذا اجتمعوا، و إذا تفرقوا صلى كل أمير بأصحابه و أمر الأمراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء يكون فيهم، قالوا: فلما صار عمرو بن العاصي إلى أول عمل فلسطين كتب إلى أبى بكر يعلمه كثرة عدد العدو و عدتهم و سعة أرضهم و نجدة مقاتلتهم، فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد بن المغيرة المخزومي و هو بالعراق يأمره بالمسير إلى الشام فيقال:

أنه جعله أميرا على الأمراء فى الحرب، و قال قوم: كان خالد أميرا على أصحابه الذين شخصوا معه، و كان المسلمون إذا اجتمعوا لحرب أمره الأمراء فيها لبأسه و كيده و يمن نقيبته. قالوا: فأول وقعة كانت بين المسلمين و عدوهم بقريةمن قرى غزة يقال لها داثن كانت بينهم و بين بطريق غزة فاقتتلوا فيها قتالا شديدا ثم ان اللّه تعالى أظهر أولياءه و هزم أعداءه و فض جمعهم و ذلك قبل قدوم خالد بن الوليد الشام، و توجه يزيد بن أبى سفيان فى طلب ذلك البطريق فبلغه أن بالعربة من أرض فلسطين جمعا للروم فوجه إليهم أبا أمامة الصدى بن عجلان الباهلي فأوقع بهم و قتل عظيمهم ثم انصرف.

و روى أبو مخنف فى يوم العربة أن ستة قواد من قواد الروم نزلوا العربة فى ثلاثة آلاف فسار إليهم ابو أمامة فى كثف من المسلمين فهزمهم و قتل أحد القواد ثم اتبعهم فصاروا إلى الدبية-و هي الدابية-فهزموهم و غنم المسلمون غنما حسنا.

و حدثني أبو حفص الشامي عن مشايخ من أهل الشام قالوا: كانت أول وقائع المسلمين وقعة العربة و لم يقاتلوا قبل ذلك مذ فصلوا من الحجاز، و لم يمروا بشي‏ء من الأرض فيما بين الحجاز و موضع‏هذه الوقعة إلا غلبوا عليه بغير حرب و صار فى أيديهم‏.

114

شخوص خالد بن الوليد إلى الشّأم الشام و ما فتح فى طريقه‏

قالوا: لما أتى خالد بن الوليد كتاب أبى بكر و هو بالحيرة خلف المثنى ابن حارثة الشيبانى على ناحية الكوفة، و سار فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة فى ثمانمائة، و يقال فى ستمائة، و يقال فى خمسمائة، فأتى عين التمر ففتحها عنوة، و يقال. إن كتاب أبى بكر وافاه و هو بعين التمر و قد فتحها، فسار خالد من عين التمر فأتى صندوداء و بها قوم من كندة و إباد و العجم، فقاتله أهلها و خلف بها سعد بن عمرو بن حرام الأنصاري فولده اليوم بها، و بلغ خالدا أن جمعا لبنى تغلب بن وائل بالمضيح و الحصيد مرتدين عليهم ربيعة بن بجير فأتاهم فقاتلوه فهزمهم و سبى و غنم و بعث بالسبي إلى أبى بكر، فكانت منهم أم حبيب الصهباء بنت حبيب بن بجير، و هي أم عمر بن على ابن أبى طالب، ثم أغار خالد على قراقر و هو ماء لكلب ثم فوز منه إلى سوى و هو ماء لكلب أيضا و معهم فيه قوم‏من بهراء فقتل حرقوص بن النعمان البهراني من قضاعة و اكتسح أموالهم و كان خالد لما ركب المفازة عمد إلى الرواحل فأرواها من الماء ثم قطع مشافرها و أجرها لئلا تجتر فتعطش ثم استكثر من الماء و حمله معه فنفد فى طريقه فجعل ينحر تلك الرواحل راحلة راحلة و يشرب و أصحابه الماء من أكراشها، و كان له دليل يقال له. رافع بن عمير الطائي ففيه يقول الشاعر.

للّه در نافع إنى أهتدى # فوز من قراقر إلى سوى

ماء إذا ما رامه الجيش انثنى # ما جازها قبلك من أنس يرى‏

و كان المسلمون لما انتهوا إلى سوى وجدوا حرقوصا و جماعة معه يشربون و يتغنون و حرقوص يقول:

ألا عللانى قبل جيش أبى بكر # لعل منايانا قريب و لا ندري‏

115

فلما قتله المسلمون جعل دمه يسيل فى الجفنة التي كان فيها شرابه و يقال إن رأسه سقط فيها أيضا. و قال بعض الرواة أن المغني بهذا البيت رجل ممن كان أغار خالد عليه من بنى تغلب مع ربيعة بن بجير.

و قال الواقدي: خرج خالد من سوى إلى الكواثل ثم أتى قرقيسيا فخرج إليه صاحبها فى خلق فتركه و انحاز إلى البر و مضى لوجهه و أتى خالد أركة-و هي أرك-فأغار على أهلها و حاصرهم ففتحها صلحا على شي‏ء أخذه منهم للمسلمين، و أتى دومة الجندل ففتحها، ثم أتى قصم فصالحه بنو مشجعة ابن التيم بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة و كتب لهم أمانا، ثم أتى تدمر فامتنع أهلها و تحصنوا ثم طلبوا الأمان فأمنهم على أن يكونوا ذمة و على أن قروا المسلمين و رضخوا لهم، ثم أتى القريتين فقاتله أهلها فظفر و غنم، ثم أتى حوارين من سنير فأغار على مواشى أهلها فقاتلوه و قد جاءهم مدد أهل بعلبك و أهل بصرى و هي مدينة حوران فظفر بهم فسبى و قتل، ثم أتى مرج راهط فأغار على غسان فى يوم فصحهم و هم نصارى فسبى و قتل، و وجه خالد بسر بن أبى أرطاة العامري من قريش و حبيب بن مسلمة الفهري إلى غوطة دمشق فأغارا على قرى من قراها، و صار خالد إلى الثنية التي تعرف بثنية العقاب بدمشق فوقف عليها ساعة ناشرا رايته و هي راية كانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سوداء فسميت ثنية العقاب يومئذ و العرب تسمى الراية عقابا، و قوم يقولون:

إنها سميت بعقاب من الطير كانت ساقطة عليها، و الخبر الأول أصح، و سمعت من يقول: كان هناك مثال عقاب من حجارة و ليس ذلك بشي‏ء، قالوا:

و نزل خالد بالباب الشرقي من دمشق، و يقال: بل نزل بباب الجابية فأخرج إليه اسقف دمشق نزلا و خدمة فقال. احفظ لى هذا العهد فوعده بذلك، ثم سار خالد حتى انتهى إلى المسلمين و هم بقناة بصرى‏

116

و يقال: أنه أتى الجابية و بها أبو عبيدة فى جماعة من المسلمين فالتقيا و مضيا جميعا إلى بصرى.

فتح بُصْرَى بصرى

قالوا: لما قدم خالد بن الوليد على المسلمين بصرى اجتمعوا عليها و أمروا خالدا فى حربها، ثم الصقوا بها و حاربوا بطريقها حتى ألجئوه و كماة أصحابه إليها و يقال: بل كان يزيد بن أبى سفيان المتقلد لأمر الحرب لأن ولايتها و إمرتها كانت إليه‏لأنها من دمشق ثم أن أهلها صالحوا على أن يؤمنوا على دمائهم و أموالهم و أولادهم على أن يؤدوا الجزية.

و ذكر بعض الرواة أن أهل بصرى صالحوا على أن يؤدوا عن كل حالم دينارا و جريب حنطة، و افتتح المسلمون جميع أرض كورة حوران و غلبوا عليها قال: و توجه أبو عبيدة بن الجراح فى جماعة من المسلمين كثيفة من أصحاب الأمراء ضموا إليه فأتى مآب من أرض البلقاء، و بها جمع العدو فافتتحها صلحا على مثل صلح بصرى، و قال بعضهم: أن فتح مآب قبل فتح بصرى، و قال بعضهم: أن أبا عبيدة فتح مآب و هو أمير على جميع الشام أيام عمر.

يوم أجنادين‏

ثم كانت وقعة أجنادين و شهدها من الروم زهاء مائة ألف سرب هرقل أكثرهم و تجمع باقوهم من النواحي، و هرقل يومئذ مقيم بحمص‏فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا، و أيلى خالد بن الوليد يومئذ بلاء حسنا، ثم أن اللّه هزم‏

117

أعداءه و مزقهم ممزق و قتل منهم خلق كثير، و استشهد يومئذ عبد اللّه ابن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، و عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية، و أخوه أبان بن سعيد و ذلك الثبت، و يقال: بل توفى أبان فى سنة تسع و عشرين و طليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصى بارزه علج فضربه ضربة أبانت يده اليمنى فسقط سيفه مع كفه، ثم غشيه الروم فقتلوه، و أمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كان يكنى أبا عدى، و سلمة بن هشام بن المغيرة و يقال: أنه قتل بمرج الصفر، و عكرمة ابن أبى جهل بن هشام المخزومي، و هبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي و يقال: بل قتل يوم مؤتة، و نعيم بن عبد اللّه النحام العدوى، و يقال. قتل يوم اليرموك، و هشام بن العاصي بن وائل السهمي، و يقال: قتل يوم اليرموك، و عمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي، و يقال: قتل يوم اليرموك و جندب بن عمرو الدوسي. و سعيد بن الحارث، و الحارث بن الحارث، و الحجاج بن الحارث بن قيس بن عدى السهمي، و قال هشام بن محمد الكلبي:

قتل النحل يوم مؤتة، و قتل سعيد بن الحارث بن قيس يوم اليرموك، و قتل تميم بن الحارث يوم أجنادين، و قتل عبيد اللّه بن عبد الأسد أخوه يوم اليرموك قال: و قتل الحارث بن هشام بن المغيرة يوم أجنادين.

قالوا: و لما انتهى خبر هذه الوقعة إلى هرقل نخب قلبه‏و سقط فى يده و ملئ رعبا فهرب من حمص إلى انطاكية، و قد ذكر بعضهم أن هربه من حمص إلى انطاكية كان عند قدوم المسلمين الشام، و كانت وقعة أجناين يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، و يقال:

لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، و يقال: لليلتين بقيتا منه.

قالوا: ثم جمعت الروم جمعا بالياقوصة-و الياقوصة واد فمه الفوارة- فلقيهم المسلمون هناك فكشفوهم و هزموهم و قتلوا كثيرا منهم و لحق‏

118

فلهم بمدن الشام و توفى أبو بكر رضى اللّه عنه فى جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة فأتى المسلمين نعيه و هم بالياقوصة.

يوم فحل من الأُرْدُن الأردن

قالوا: و كانت وقعة «فحل» من «الأردن» لليلتين بقيتا من ذى القعدة، بعد خلافة عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه بخمسة أشهر، و أمير الناس أبو عبيدة بن الجراح، و كان عمر قد كتب إليه بولايته الشام و أمره الأمراء مع عامر بن أبى وقاص أخى سعد بن أبى وقاص، و قوم يقولون، أن ولاية أبى عبيدة الشام أتته و الناس محاصرون دمشق فكتمها خالدا أيامالأن خالدا كان أمير الناس فى الحرب فقال له خالد، ما دعاك-رحمك اللّه-إلى ما فعلت قال: كرهت أن أكسرك و أوهن أمرك و أنت بازاء عدو.

و كان سبب هذه الوقعة أن هرقل لما صار إلى أنطاكية استنفر الروم و أهل الجزيرة و بعث عليهم رجلا من خاصته و ثقاته فى نفسه فلقوا المسلمين بفحل من الأردن فقاتلوهم أشد قتال و أبرحه حتى أظهرهم اللّه عليهم و قتل بطريقهم و زهاء عشرة آلاف معه، و تفرق الباقون فى مدن الشام و لحق بعضهم بهرقل و تحصن أهل «فحل» فحصرهم المسلمون حتى سألوا الأمان على أداء الجزية عن رؤسهم و الخراج عن أرضهم، فأمنوهم على أنفسهم و أموالهم و أن لا تهدم حيطانهم، و تولى عقد ذلك أبو عبيدة بن الجراح، و يقال: تولاه شرحبيل بن حسنة.

أمر الأُرْدُن الأردن

حدثني حفص بن عمر العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال: افتتح‏

119

شرحبيل بن حسنة «الأردن» عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه‏على انصاف منازلهم و كنائسهم. و حدثني أبو حفص الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن عدة منهم أبو بشر مؤذن مسجد دمشق أن المسلمين لما قدموا الشام كان كل أمير منهم يقصد لناحية ليغزوها و يبث غاراته فيها فكان عمرو بن العاصي يقصد لفلسطين، و كان شرحبيل يقصد الأردن، و كان يزيد بن أبى سفيان يقصد لأرض دمشق، و كانوا إذا اجتمع لهم العدو اجتمعوا عليه و إذا احتاج أحدهم إلى معاضدة صاحبه و انجاده سارع إلى ذلك، و كان أميرهم عند الاجتماع فى حربهم أول أيام أبى بكر رضى اللّه عنه عمرو بن العاصي حتى قدم خالد بن الوليد الشام فكان أمير المسلمين فى كل حرب، ثم ولى أبو عبيدة بن الجراح أمر الشام كله، و أمره الأمراء فى الحرب و السلم من قبل عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، و ذلك أنه لما استخلف كتب إلى خالد بعزله و ولى أبا عبيدة.

ففتح شرحبيل بن حسنة طبرية صلحا بعد حصار أيام على أن أمن أهلها على أنفسهم و أموالهم و أولادهم و كنائسهم و منازلهم إلا ما جلوا عنه و خلوه و استثنى لمسجد المسلمين موضعا ثم أنهم نقضوا فى خلافة عمر و اجتمع إليهم قوم من الروم و غيرهم، فأمر أبو عبيدة عمر بن العاصي‏بغزوهم فسار إليهم فى أربعة آلاف ففتحها على مثل صلح شرحبيل، و يقال: بل فتحها شرحبيل ثانية، و فتح شرحبيل جميع مدن الأردن و حصونها على هذا الصلح فتحا يسيرا بغير قتال ففتح بليسان، و فتح سوسية، و فتح أفيق، و جرش، و بيت رأس. و قدس و الجولان، و غلب على سواد الأردن و جميع أرضها.

قال أبو حفص، قال أبو محمد سعيد بن عبد العزيز، و بلغني أن الوضين ابن عطاء، قال، فتح شرحبيل عكا و صور، و صفورية، و قال أبو بشر المؤذن‏

120

أن أبا عبيدة وجه عمرو بن العاصي إلى سواحل الأردن فكثر به الروم و جاءهم المدد من ناحية هرقل و هو بالقسطنطينية، فكتب إلى أبى عبيدة يستمده فوجه أبو عبيدة يزيد بن أبى سفيان فسار يزيد و على مقدمته معاوية أخوه ففتح يزيد و عمرو سواحل الأردن، فكتب أبو عبيدة بفتحهما لها و كان لمعاوية فى ذلك بلاء حسن و أثر جميل.

و حدثني أبو اليسع الأنطاكى، عن أبيه عن مشايخ أهل أنطاكية و الأردن، قالوا: نقل معاوية قوما من فرس بلعبك، و حمص، و أنطاكية إلى سواحل الأردن، و صور، و عكا، و غيرها سنة اثنتين و أربعين و نقل من أساورة البصرة و الكوفة و فرس بعلبك و حمص إلى أنطاكية فى هذه السنة أو قبلها أو بعدها بسنة جماعة، فكان من قواد الفرس مسلم بن عبد اللّه جد عبد اللّه بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكى. و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، و أخبرنى هشام بن الليث الصوري، عن مشايخ من أهل الشام، قالوا: رم معاوية عكا عند ركوبه منها إلى قبرص: ورم صور ثم أن عبد الملك بن مروان جددهما و قد كانتا خربتا. و حدثني هشام بن الليث قال: حدثني أشياخنا، قالوا: نزلنا صور و السواحل و بها جند من العرب و حلق من الروم ثم نزع إلينا أهل بلدان شتى فنزلوها معنا و كذلك جميع سواحل الشام.

و حدثني محمد بن سهم الأنطاكى عن مشايخ أدركهم قالوا: لما كانت سنة تسع و أربعين خرجت الروم إلى السواحل و كانت الصناعة بمصر فقط فأمر معاوية بن أبى سفيان بجمع الصناع و النجارين فجمعوا و رتبهم فى السواحل و كانت الصناعة فى الأردن بعكا قال: فذكر أبو الخطاب الأزدى أنه كانت لرجل من ولد أبى معيط بعكا أرحاء و مستغلات فأراده هشام بن عبد الملك على‏

121

أن يبيعه إياها فأبى المعطى ذلك عليه فنقل هشام الصناعة إلى صور و اتخذ بصور فندقا و مستغلا.

و قال الواقدي: لم تزل المراكب بعكا حتى ولى بنو مروان فنقلوها إلى صور فهي بصور إلى اليوم و أمر أمير المؤمنين المتوكل على اللّه فى سنة سبع و أربعين و مائتين بترتيب المراكب بعكا و جميع السواحل و شحنها بالمقاتلة.

يوم مَرْج الصُّفَّر مرج الصفر

قالوا: ثم اجتمعت الروم جمعا عظيما و أمدهم هرقل بمدد فلقيهم المسلمون بمرج الصفر و هم متوجهون إلى دمشق و ذلك لهلال المحرم سنة أربع عشرة فاقتتلوا. قتالا شديدا حتى جرت الدماء فى الماء و طحنت بها الطاحونة و جرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف ثم ولى الكفرة منهزمين مفلولين لا يلوون على شي‏ء حتى أتوا دمشق و بيت المقدس و استشهد يومئذ خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية، و يكنى أبا سعيد، و كان قد أعرس فى الليلة التي كانت الواقعة فى صبيحتها بأم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي امرأة عكرمة ابن أبى جهل، فلما بلغها مصابه: انتزعت عمود الفسطاط فقاتلت به، فيقال: انها قتلت يومئذ سبعة نفر و أن بها لردع الخلوق.

و فى رواية أبى مخنف أن وقعة المرج بعد أجنادين بعشرين ليلة و أن فتح مدينة دمشق بعدها ثم بعد فتح مدينة دمشق وقعة فحل، و رواية الواقدي أثبت، و فى يوم المرج يقول خالد بن سعيد بن العاصي:

من فارس كره الطعان يعيرني # رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر

و قال عبد اللّه بن كامل بن حبيب بن عميرة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم:

شهدت قبائل مالك و تغيبت # عنى عميرة يوم مرج الصفر

122

يعنى مالك بن خفاف، و قال هشام بن محمد الكلبي: استشهد خالد بن سعيد يوم المرج و فى عنقه الصمصامة سيفه، و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم وجهه إلى اليمن عاملا فمر برهط عمرو بن معدى كرب الزبيدي من مذحج فأغار عليهم فسبى امرأة عمرو و عدة من قومه فعرض عليه عمرو أن يمن عليهم و يسلموا ففعل و فعلوا فوهب له عمرو سيفه الصمصامة و قال:

خليل لم أهبه من قلاه # و لكن المواهب للكرام

خليل لم أخنه و لم يخنى # كذلك ما خلالى أو ندامى

حبوت به كريما من قريش # فسر به و صين عن اللئام‏

قال: فأخذ معاوية السيف من عنق خالد يوم المرج حين استشهد فكان عنده، ثم نازعه فيه سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية فقضى له به عثمان فلم يزل عنده، فلما كان يوم الدار و ضرب مروان على قفاه و ضرب سعيد فسقط صريعا أخذ الصمصامة منه رجل من جهينة فكان عنده، ثم أنه دفعه إلى صيقل ليجلوه فأنكر الصيقل أن يكون للجهنى مثله فأتى به مروان ابن الحكم و هو والى المدينة فسأل الجهني عنه فحدثه حديثه، فقال: أما و اللّه لقد سلبت سيفي يوم الدار و سلب سعيد بن العاصي سيفه، فجاء سعيد فعرف السيف فأخذه و ختم عليه و بعث به إلى عمرو بن سعيد الأشدق و هو على مكة فهلك سعيد فبقى السيف عند عمرو بن سعيد، ثم أصيب عمرو بن سعيد بدمشق و انتهت متاعه فأخذ السيف محمد بن سعيد أخو عمرو لأبيه، ثم صار إلى يحيى ابن سعيد، ثم مات فصار إلى عنبسة بن سعيد بن العاصي، ثم إلى سعيد بن عمرو بن سعيد، ثم هلك فصار إلى محمد بن عبد اللّه بن سعيد و ولده ينزلون ببارق ثم صار إلى أبان بن يحيى بن سعيد فحلاه بحلية ذهب فكان عند أم ولد له، ثم أن أيوب بن أبى أيوب بن سعيد بن عمرو بن سعيد باعه من المهدى أمير المؤمنين بنيف و ثمانين ألفا فرد المهدى حيلته عليه، و لما صار

123

الصمصامة إلى موسى الهادي أمير المؤمنين أعجب به و أمر الشاعر-و هو أبو الهول-أن ينعته فقال:

حاز صمصامة الزبيدي عمرو # خير هذا الأنام موسى الأمين

سيف عمرو و كان فيما علمنا # خير ما أطبقت عليه الجفون

أخضر اللون بين حديه برد # من زعاف تميس فيه المنون

فإذا ما سللته بهر الشمـ # س ضياء فلم تكد تستبين

ما يبالى إذا الضريبة حانت # أشمال سطت به أم يمين‏

نعم مخراق ذى الحفيظة فى الهيجا يعصا به و نعم القرين ثم أن أمير المؤمنين الواثق بالله دعا له بصيقل و أمره أن يسقنه فلما فعل ذلك تغير.

فتح دِمَشْق مدينة دِمَشْق دمشق و أرضها

قالوا: لما فرغ المسلمون من قتال من اجتمع لهم بالمرج أقاموا خمس عشرة ليلة ثم رجعوا إلى مدينة دمشق لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع عشرة فأخذوا الغوطة و كنائسها عنوة و تحصن أهل المدينة و أغلقوا بابها فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي فى زهاء خمسة آلاف ضمهم إليه أبو عبيدة و قوم يقولون: أن خالدا كان أميرا و إنما أتاه عزله و هم محاصرون دمشق، سمى الدير الذي نزل عنده خالد دير خالد. و نزل عمرو بن العاصي على باب توما و نزل شرحبيل على باب الفراديس، و نزل أبو عبيدة على باب الجابية، و نزل يزيد بن أبى سفيان على الباب الصغير إلى الباب الذي يعرف بكيسان، و جعل أبو الدرداء عويمر بن عامر الخزرجي على مسلحة ببرزة، و كان الأسقف الذي أقام لخالد النزل فى بدأته ربما وقف على السور فدعا له خالد

124

فإذا أتى سلم عليه و حادثه، فقال له ذات يوم: يا أبا سليمان أن أمركم مقبل ولى عليك عده فصالحنى عن هذه المدينة فدعا خالد بدواة و قرطاس فكتب.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أعطاهم أمانا على أنفسهم و أموالهم و كنائسهم و سور مدينتهم لا يهدم و لا يسكن شي‏ء من دورهم، لهم بذلك عهد اللّه و ذمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء و المؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية.

ثم أن بعض أصحاب الأسقف أتى خالدا فى ليلة من الليالي فأعلمه أنها ليلة عيد لأهل المدينةو أنهم فى شغل و أن الباب الشرقي قد ردم بالحجارة و ترك و أشار عليه أن يلتمس سلما، فأتاه قوم من أهل الدير الذي عند عسكره بسلمين فرقى جماعة من المسلمين عليهما إلى أعلى السور و نزلوا إلى الباب و ليس عليه إلا رجل أو رجلان فتعاونوا عليه و فتحوه و ذلك عند طلوع الشمس، و قد كان أبو عبيدة بن الجراح عانى فتح باب الجابية و أصعد جماعة من المسلمين على حائطه فأنصب مقاتلة الروم إلى ناحيته فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا، ثم أنهم و لوا مدبرين، و فتح أبو عبيدة و المسلمون معه باب الجابية عنوة و دخلوا منه، فالتقى أبو عبيدة و خالد بن الوليد بالمقسلاط، و هو موضع النحاسين بدمشق، و هو البريص الذي ذكره حسان بن ثابت فى شعره حين يقول:

يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل‏

و قد روى أن الروم أخرجوا ميتا لهم من باب الجابية ليلا و قد أحاط بجنازته خلق من شجعانهم و كماتهم و أنصب سائرهم إلى الباب فوقفوا عليه ليمنعوا المسلمين من فتحه و دخوله إلى رجوع أصحابهم من دفن الميت و طمعوا فى غفلة المسلمين عنهم و أن المسلمين نذروا بهم فقاتلوهم على الباب أشد قتال

125

و أبرحه حتى فتحوه فى وقت طلوع الشمس. فلما رأى الأسقف أن أبا عبيدة قد قارب دخول المدينة بدر إلى خالد فصالحه و فتح له الباب الشرقي فدخل و الأسقف معه ناشرا كتابه الذي كتبه له، فقال بعض المسلمين: و اللّه ما خالد بأمير فكيف يجوز صلحه، فقال أبو عبيدة: أنه يجيز على المسلمين أدناهم، و أجاز صلحه و أمضاه‏و لم يلتفت إلى ما فتح عنوة فصارت دمشق صلحا كلها، و كتب أبو عبيدة بذلك إلى عمرو أنفذه، و فتحت أبواب المدينة فالتقى القوم جميعا و فى رواية أبى مخنف و غيره أن خالدا دخل دمشق بقتال، و أن أبا عبيدة دخلها بصلح فالتقيا بالزياتين و الخبر الأول أثبت.

و زعم الهيثم بن عدى أن أهل دمشق صولحوا على انصاف منازلهم و كنائسهم، و قال محمد بن سعد قال أبو عبد اللّه الواقدي: قرأت كتاب خالد ابن الوليد لأهل دمشق فلم أر فيه أنصاف المنازل و الكنائس، و قد روى ذلك و لا أدرى من أين جاء به من رواه، و لكن دمشق لما فتحت لحق بشر كثير من أهلها بهرقل و هو بأنطاكية فكثرت فضول منازلها فنزلها المسلمون، و قد روى قوم أن أبا عبيدة كان بالباب الشرقي و ان خالدا كان بباب الجابية و هذا غلط (1) .

____________

(1) يقول محمد بن عساكر قد اعتمد المؤلف على الرواية فى فتح دمشق من باب الجاببة عنوة بيد أبى عيدة رضى اللّه عنه و أكد ذلك بقوله هنا «و الخبر الأول أثبت» و هو على الحقيقة أضعف الروايات فى فتح دمشق، و الصحيح الثابت بالأخبار و الآثار أن خالدا رضى اللّه عنه دخلها من الباب الشرقي قسرا، و دخلها أبو عبيدة سلما من باب الجابية هذا من حيث صحة الأخبار، و أما من حيث دلالة الآثار فان جامع دمشق لم يكن بيد المسلمين منه قبل عمارته إلا الجانب الشرقي بحكم السيف و دليلنا أن المقصور التي تنسب إلى الصحابة و السبع القراء به أيضا و لم تزل الكنيسة من غربه إلى أن هدمها الوليد بن عبد الملك لما عزم على بنائه فى خلافته، و فى رواية المؤلف أولا

126

قال الواقدي: و كان فتح مدينة دمشق فى رجب سنة أربع عشرة و تاريخ كتاب خالد بصلحها فى شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة و ذلك أن خالدا كتب الكتاب بغير تاريخ فلما اجتمع المسلمون للنهوض إلى من تجمع لهم باليرموك أتى الأسقف خالدا فسأله أن يجدد له كتابا و يشهد عليه أبا عبيدة و المسلمين ففعل و أثبت فى الكتاب شهادة أبى عبيدة و يزيد بن أبى سفيان و شرحبيل بن حسنة و غيرهم فأرخه بالوقت الذي جدده.

و حدثني القاسم بن سلام، قال. حدثنا أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي‏قال. دخل يزيد دمشق من الباب الشرقي صلحا فالتقيا بالمقسلاط فأمضيت كلها على الصلح.

و حدثني القاسم، قال. حدثنا أبو مسهر عن يحيى بن حمزة عن أبى الملهب الصنعاني، عن أبى الأشعث الصنعاني أو أبى عثمان الصنعاني أن أبا عبيدة أقام بباب الجابية محاصرا لهم أربعة أشهر.

حدثني أبو عبيد، قال، حدثنا نعيم بن حماد عن ضمرة بن ربيعة عن رجاء ابن أبى سلمة، قال. خاصم حسان بن مالك عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيز فى كنيسة كان رجل من الأمراء اقطعه إياها، فقال عمران كانت من الخمس عشرة كنيسة التي فى عهدهم فلا سبيل لك عليها، قال ضمرة عن على بن أبى حملة خاصمنا عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيز فى كنيسة كان فلان قطعها لبنى نصر بدمشق. فأخرجنا عمر عنها وردها إلى النصارى، فلما ولى يزيد بن عبد الملك ردها إلى بنى نصر.

حدثني أبو عبيد، قال حدثنا هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن

____________

ق من أن خالدا أتى بسلمين من الدير المجاور لعسكره فرقى أصحابه فيهما إلى سور الباب الشرقي دليل يقوى ما ذكرناه ههنا و اللّه أعلم بالصواب.

127

الأوزاعى، أنه قال كانت الجزية بالشام فى بدء الأمر جريبا و دينارا على كل جمجمة، ثم وضعها عمر بن الخطاب على أهل الذهب أربعة دنانير، و على أهل الورق أربعين درهما، و جعلهم طبقات لغنى الغنى، و إقلال المقل، و توسط المتوسط قال هشام: و سمعت مشايخنا يذكرون أن اليهود كانوا كالذمة للنصارى يؤدون إليهم الخراج فدخلوا معهم فى الصلح.

و قد ذكر بعض الرواة: أن خالد بن الوليد صالح أهل دمشق فيما صالحهم عليه على أن ألزم كل رجل من الجزية دينارا و جريب حنطة و خلا و زيتا لقوت المسلمين.

حدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا عبد اللّه بن وهب المصري، عن عمر بن محمد عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يضربوا الجزية على كل من جرت عليه الموسى، و أن يجعلوها على أهل الورق على كل رجل أربعين درهما، و على أهل الذهب أربعة دنانير، و عليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة و الزيت مدان حنطة، و ثلاثة أقساط زيتا كل شهر لكل انسان بالشام و الجزيرة و جعل عليهم و دكا عسلا لا و أدرى كم هو، و جعل لكل انسان بمصر فى كل شهر أردبا و كسوة و ضيافة ثلاثة أيام.

و حدثنا عمرو بن حماد بن أبى حنيفة قال: حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن أسلم أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، و على أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين و ضيافة ثلاثة أيام.

و حدثني مصعب عن أبيه عن مالك عن نافع عن أسلم بمثله، قالوا: و لما ولى معاوية بن أبى سفيان أرادأن يزيد كنيسة يوحنا فى المسجد بدمشق فأبى النصارى ذلك فأمسك، ثم طلبها عبد الملك بن مروان فى أيامه للزيادة فى المسجد و بذل لهم مالا فأبوا أن يسلموها إليه، ثم إن الوليد بن عبد الملك جمعهم‏

128

فى أيامه و بذل لهم مالا عظيما على أن يعطوه إياها فأبوا، فقال: لئن لم تفعلوا لأهدمنها، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين إن من هدم كنيسة جن و أصابته عاهة فاحفظه قوله و دعا بمعول و جعل يهدم بعض حيطانها بيده و عليه قباء خز أصفر ثم جمع الفعلة و النقاضين فهدموها و أدخلها فى المسجد. فلما استخلف عمر ابن عبد العزيز شكا النصارى إليه ما فعل الوليد بهم فى كنيستهم، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاده فى المسجد عليهم فكره أهل دمشق ذلك و قالوا:

نهدم مسجدنا بعد أن أذنا فيه و صلينا و يرد بيعة، و فيهم يومئذ سليمان بن حبيب المحاربي و غيره من الفقهاء و أقبلوا على النصارى فسألوهم أن يعطوا جميع كنائس الغوطة التي أخذت عنوة و صارت فى أيدى المسلمين على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا و يمسكوا عن المطالبة بها فرضوا بذلك و أعجبهم، فكتب به إلى عمر فسره و أمضاه، و بمسجد دمشق فى الرواق القبلي مما يلي المئذنة كتاب فى رخامةبقرب السقف مما أمر ببنيانه أمير المؤمنين الوليد سنة ست و ثمانين، و سمعت هشام بن عمار يقول: لم يزل سور مدينة دمشق قائما حتى هدمه عبد اللّه بن على بن عبد اللّه بن العباس بعد انقضاء أمر مروان و بنى أمية.

و حدثني أبو حفص الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز عن مؤذن مسجد دمشق و غيره قالوا: اجتمع المسلمون عند قدوم خالد على بصرى ففتحوها صلحا و انبثوا فى أرض حوران جميعا فغلبوا عليها، و أتاهم صاحب أذرعات فطلب الصلح على مثل ما صولح عليه أهل بصرى على أن جميع أرض البثنية أرض خراج فأجابوهم إلى ذلك و مضى يزيد بن أبى سفيان حتى دخلها و عقد لأهلها و كان المسلمون يتصرفون بكورتى حوران و البثنية، ثم مضوا إلى فلسطين و الأردن و غزوا ما لم يكن فتح، و سار يزيد إلى عمان ففتحها فتحا يسيرا بصلح على مثل صلح بصرى و غلب على أرض البلقاء و ولى أبو عبيدة

129

و قد فتح هذا كله فكان أمير الناس حين فتحت دمشق إلا أن الصلح كان لخالد و أجاز صلحه، و توجه يزيد بن أبى سفيان فى ولاية أبى عبيدة ففتح عرندل صلحا و غلب على أرض الشراة و جبالها، قال: و قال سعيد بن عبد العزيز:

أخبرنى الوضين أن يزيد أتى بعد فتح مدينة دمشق صيدا و عرقة و جبيل و بيروت و هي سواحل، و على مقدمته أخوه معاوية ففتحها فتحا يسير و جلا كثيرا من أهلهاو تولى فتح عرقة معاوية نفسه فى ولاية يزيد، ثم أن الروم غلبوا على بعض هذه السواحل فى آخر خلافة عمر بن الخطاب أو أول خلافة عثمان بن عفان فقصد لهم معاوية حتى فتحها ثم رمها و شحنها بالمقاتلة و أعطاهم القطائع، قالوا: فلما استخلف عثمان و ولى معاوية الشام وجه معاوية سفيان بن مجيب الأزدى إلى طرابلس، و هي ثلاثة مدن مجتمعة فبنى فى مرج على أميال منها حصنا سمى حصن سفيان و قطع المادة عن أهلها من البحر و غيره و حاصرهم فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا فى أحد الحصون الثلاثة و كتبوا إلى ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى ما قبله فوجه إليهم بمراكب كثيرة فركبوها ليلا و هربوا، فلما أصبح سفيان، و كان يبيت كل ليلة فى حصنه و يحصن المسلمين فيه ثم يغدو على العدو وجد الحصن الذي كانوا فيه خاليا فدخله و كتب بالفتح إلى معاوية فأسكنه معاوية جماعة كبيرة من اليهود، و هو الذي فيه الميناء اليوم، ثم أن عبد الملك بناه بعد و حصنه، قالوا: و كان معاوية يوجه فى كل عام إلى طرابلس جماعة كثيفة من الجند يشحنها بهم و يوليها عاملا فإذا انغلق البحر قفل‏و بقي العامل فى جمعية منهم يسيرة فلم يزل الأمر فيها جاريا على ذلك حتى ولى عبد الملك فقدم فى أيامه بطريق من بطارقة الروم و معه بشر منهم كثير فسأل أن يعطى الأمان على أن يقيم بها و يؤدى الخراج فأجيب‏

130

إلى مسألته، فلم يلبث إلا سنتين أو أكثر منهما بأشهر حتى تحين قفول الجند عن المدينة ثم أغلق بابها و قتل عاملها و أسر من معه من الجند و عدة من اليهود و لحق و أصحابه بأرض الروم، فقدر المسلمون بعد ذلك عليه فى البحر و هو متوجه إلى ساحل للمسلمين فى مراكب كثيرة فقتلوه، و يقال:

بل أسروه و بعثوا به إلى عبد الملك فقتله و صلبه، و سمعت من يذكر أن عبد الملك بعث إليه من حصره بطرابلس ثم أخذه سلمان و حمله إليه فقتله و صلبه و هرب من أصحابه جماعة فلحقوا ببلاد الروم، و قال على بن محمد المدائني قال عتاب بن ابراهيم: فتح طرابلس سفيان بن مجيب ثم نقض أهلها أيام عبد الملك ففتحها الوليد بن عبد الملك فى زمانه.

و حدثني أبو حفص الشامي عن سعيد عن الوضين، قال: كان يزيد بن أبى سفيان وجه معاوية إلى سواحل دمشق سوى طرابلس فإنه لم يكن يطمع فيها فكان يقيم على الحصن اليومين و الأيام اليسيرة فربما قوتل قتالا غير شديد و ربمارمى ففتحها، قال: و كان المسلمون كلما فتحوا مدينة ظاهرة أو عند ساحل رتبوا فيها قدر من يحتاج لها إليه من المسلمين فإن حدث فى شي‏ء منها حدث من قبل العدو سربوا إليها الأمداد، فلما استخلف عثمان بن عفان رضى عنه كتب إلى معاوية يأمره بتحصين السواحل و شحنتها و إقطاع من ينزله إياها القطائع ففعل.

و حدثني أبو حفص عن سعيد بن عبد العزيز، قال: أدركت الناس و هم يتحدثون أن معاوية كتب إلى عمر بن الخطاب بعد موت أخيه يزيد يصف له حال السواحل، فكتب إليه فى مرمة حصونها و ترتيب المقاتلة فيها و إقامة الحرس على مناظرها و اتخاذ المواقيد لها، و لم يأذن له فى غزو البحر و أن معاوية لم يزل بعثمان حتى أذن له فى الغزو بحرا و أمره أن يعد فى السواحل إذا غزا أو أغزى جيوشا سوى من فيها من الرتب و أن يقطع‏

131

الرتب أرضين و يعطيهم ما جلا عنه أهله من المنازل و يبنى المساجد و يكبر ما كان ابتنى منها قبل خلافته، قال الوضين: ثم أن الناس بعد انتقلوا إلى السواحل من كل ناحية.

حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جعفر بن‏كلاب الكلابي أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ولى علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر بن كلاب حوران و جعل ولايته من قبل معاوية فمات بها و له يقول الحطيئة العبسي و خرج إليه فكان موته قبل وصوله و بلغه أنه فى الطريق يريده فأوصى له بمثل سهم من سهام ولده:

فما كان بيني لو لقيتك سالما # و بين الغنى إلا ليال قلائل‏

و حدثني عدة من أهل العلم منهم جار لهشام بن عمار، أنه كانت لأبى سفيان بن حرب أيام تجارته إلى الشام فى الجاهلية ضيعة بالبقاء تدعى بقبش فصارت لمعاوية و ولده ثم قبضت فى أول الدولة و صارت لبعض ولد أمير المؤمنين المهدى رضى اللّه عنه ثم صارت لقوم من الزياتين يعرفون ببني نعيم من أهل الكوفة.

و حدثنا عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: وفد تميم بن أوس أحد بنى الدار بن هانئ بن حبيب من لحم و يكنى أبا رقية على النبي صلى اللّه عليه و سلم و معه أخوه نعيم بن أوس فأقطعهما رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حبرى و بيت عينون و مسجد ابراهيم عليه السلام فكتب بذلك كتابا، فلما افتتح الشام دفع ذلك إليهما فكان سليمان بن عبد الملك إذا مر بهذه القطعة لم يعرج، و قال: أخاف أن يصيبني دعوة النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و حدثني هشام بن عمار. أنه سمع المشايخ يذكرون أن عمر بن الخطاب عند مقدمه الجابية من أرض دمشق مر بقوم مجذمين من النصارى فأمر أن يعطوا من الصدقات و أن يجرى عليهم القوت، و قال هشام: سمت الوليد

132

ابن مسلم يذكر أن خالد بن الوليد شرط لأهل الدير الذي يعرف بدير خالد شرطا فى خراجهم بالتخفيف عنهم حين أعطوه سلما صعد عليه فأنفذه لهم أبو عبيدة، و لما فرغ أبو عبيدة من أمر مدينة دمشق سار إلى حمص فمر ببعلبك، فطلب أهلها الأمان و الصلح فصالحهم على أن أمنهم على أنفسهم و أموالهم و كنائسهم و كتب لهم.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب أمان لفلان بن فلان، و أهل بعلبك رومها و فرسها و عربها، على أنفسهم و أموالهم و كنائسهم و دورهم، داخل المدينة و خارجها و على أرحائهم، و للروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم و بين خمسة عشر ميلا، و لا ينزلوا قرية عامرة، فإذا مضى شهر ربيع و جمادى الأولى ساروا إلى حيث شاءوا، و من أسلم منهم فله ما لنا و عليه ما علينا، و لتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها، و على من أقام منهم الجزية و الخراج شهد اللّه و كفى بالله شهيدا.

أمر حِمْص حمص

حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبى مخنف: أن أبا عبيدة بن الجراح لما فرغ من دمشق، قدم أمامه خالد بن الوليد، و ملحان بن زياد الطائي، ثم اتبعهما فلما توافوا بحمص قاتلهم أهلها ثم لجأوا إلى المدينة و طلبوا الأمان و الصلح فصالحوه على مائة ألف و سبعين دينار، قال الواقدي و غيره: بينا المسلمون على أبواب مدينة دمشق إذ أقبلت خيل للعدو كثيفة فخرجت إليهم جماعة من المسلمين فلقوهم بين بيت لهيا و الثنية فولوا منهزمين نحو حمص على طريق قارا و اتبعوهم حتى وافوا حمص فألقوهم قد عدلوا عنها و رآهم الحمصيون و كانوا منخوبين لهرب هرقل عنهم و ما كان يبلغهم من قوة كيد المسلمين‏

133

و بأسهم و ظفرهم فأعطوا بأيديهم و هتفوا بطلب الأمان فأمنهم المسلمون و كفوا أيديهم عنهم فأخرجوا إليهم العلف و الطعام و أقاموا على الأرند «يريد الأرند» -و هو النهر الذي‏يأتى انطاكية ثم يصب فى البحر بساحلها- و كان على المسلمين السمط بن الأسود الكندي، فلما فرغ أبو عبيدة من أمر دمشق: استخلف عليها يزيد بن أبى سفيان ثم قدم حمص على طريق بلعبك فنزل بباب الرستن فصالحه أهل حمص على أن أمنهم على أنفسهم و أموالهم و سور مدينتهم و كنائسهم و ارحائهم و استثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد و اشترط الخراج على من أقام منهم.

و ذكر بعض الرواة أن السمط بن الأسود الكندي كان صالح أهل حمص، فلما قدم أبو عبيدة أمضى صلحه و أن السمط قسم حمص خططا بين المسلمين حتى نزلوها و أسكنهم فى كل مرفوض جلا أهله أو ساحة متروكة.

و حدثني أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما افتتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق استخلف يزيد بن أبى سفيان على دمشق، و عمرو بن العاصي على فلسطين، و شرحبيل على الأردن، و أتى حمص فصالح أهلها على نحو صلح بلعبك، ثم خلف بحمص عبادة بن الصامت الأنصارى، و مضى نحو حماة فتلقاه أهلها مذعنين فصالحهم على الجزية فى رؤسهم و الخراج فى أرضهم، فمضى نحو شيزر فخرجوا يكفرون و معهم المقطسون و رضوا بمثل ما رضى به أهل حماه و بلغت خيله الزراعة و القسطل.

و مر أبو عبيدة بمعرة حمص-و هي التي تنسب إلى النعمان بن بشير فخرجوا يقلسون بين يديه ثم‏أتى فامية ففعل أهلها مثل ذلك و أذعنوا بالجزية و الخراج و استتم أمر حمص فكانت حمص و قنسرين شيئا واحدا. و قد اختلفوا فى تسمية الأجناد، فقال بعضهم: سمى المسلمون فلسطين جندا لأنه‏

134

جمع كورا، و كذلك دمشق، و كذلك الأردن، و كذلك حمص مع قنسرين.

و قال بعضهم: سميت كل ناحية لها جند يقبضون اطماعهم بها جندا و ذكروا أن الجزيرة كانت إلى قنسرين فجندها عبد الملك بن مروان أى أفردها فصار جندها يأخذون اطماعهم بها من خراجها، و أن محمد بن مروان كان سأل عبد الملك تجنيدها ففعل، و لم تزل قنسرين و كورها مضمومة إلى حمص حتى كان يزيد بن معاوية فجعل قنسرين و أنطاكية و منبج و زواتها جندا.

فلما استخلف أمير المؤمنين الرشيد هارون بن المهدى أفرد قنسرين بكورها فصير ذلك جندا واحدا، و أفرد منبج، و دلوك، و رعبان و قورس و أنطاكية و تيزين، و سماها العواصم لأن المسلمين يعتمون بها فتعصمهم و تمنعهم إذا انصرفوا من غزوهم و خرجوا من الثغر و جعل مدينة العواصم منبج فسكنها عبد الملك بن صالح بن على فى سنة ثلاث و سبعين و مائة و بنى بها أبنية.

و حدثني أبو حفص الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز: و حدثني موسى ابن ابراهيم التنوخي عن أبيه عن مشايخ من أهل حمص، قال: استخلف أبو عبيدة عبادة بن الصامت الأنصارى على حمص، فأتى اللاذقية.

فقاتله أهلها فكان بها باب عظيم لا يفتحه إلا جماعة من الناس، فلما رأى صعوبة مرامها عسكر على بعد من المدينة ثم أمر أن تحفر حفائر كالأسراب يستتر الرجل و فرسه فى الواحدة منها، فاجتهد المسلمون فى حفرها حتى فرغوا منها، ثم أنهم أظهروا القفول إلى حمص، فلما جن عليهم الليل عادوا إلى معسكرهم و حفائرهم و أهل اللاذقية غارون يرون انهم قد انصرفوا عنهم، فلما أصبحوا فتحوا بابهم و أخرجوا سرحهم فلم يرعهم إلا تصبيح المسلمين إياهم و دخولهم من باب المدينة ففتحت عنوة، و دخل عبادة الحصن ثم علا حائطه فكبر عليه، و هرب قوم من نصارى اللاذقية إلى

135

اليسيد، ثم طلبوا الأمان على أن يتراجعوا إلى أرضهم فقوطعوا على خراج يؤدونه قلوا أو كثروا و تركت لهم كنيستهم، و بنى المسلمون باللاذقية مسجدا جامعا بأمر عبادة ثم أنه وسع بعد.

و كانت الروم أغارت فى البحر على ساحل اللاذقية فهدموا مدينتها و سبوا أهلها و ذلك فى خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة فأمر عمر ببنائها و تحصينها و وجه إلى الطاغيةفى فداء من أسر من المسلمين فلم يتم ذلك حتى توفى عمر فى سنة أحد و مائة فأتم المدينة و شحنها يزيد بن عبد الملك.

و حدثني رجل من أهل اللاذقية قال: لم يمت عمر بن عبد العزيز حتى حرز مدينة اللاذقية و فرغ منها، و الذي أحدث يزيد بن عبد الملك فيها مرمة و زيادة فى الشحنة، و حدثني أبو حفص الدمشقي، قال: حدثني سعيد بن عبد العزيز، و سعيد بن سليمان الحمصي، قالا: ورد عبادة و المسلمون السواحل ففتحوا مدينة تعرف ببلدة على فرسخين من جبلة عنوة، ثم إنها خربت و جلا عنها أهلها فأنشأ معاوية بن أبى سفيان جبلة و كانت حصنا للروم جلوا عنه عند فتح المسلمين حمص و شحنها. و حدثني سفيان بن محمد البهراني عن أشياخه قالوا: بنى معاوية لجبلة حصنا خارجا من الحصن الرومي القديم و كان سكان الحصن الرومي‏رهبانا و قوما يتعبدون فى دينهم. و حدثني سفيان ابن محمد، قال حدثني أبى و أشياخنا، قالوا: فتح عبادة المسلمون معه أنطرطوس: و كان حصنا ثم جلا عنه أهله فبنى معاوية أنطرطوس و مصرها و أقطع بها القطائع، و كذلك فعل بمرقية و بلنياس.

و حدثني أبو حفص الدمشقي، عن أشياخه قالوا: افتتح أبو عبيدة اللاذقية و جبلة و أنطرطوس على يدي عبادة بن الصامت، و كان يوكل بها حفظة إلى انغلاق البحر، فلما كانت شحنة معاوية السواحل و تحصينه إياها شحنها و حصنها

136

و أمضى أمرها على ما أمضى عليه أمر السواحل. و حدثني شيخ من أهل حمص قال: بقرب سلمية مدينة تدعى المؤتفكة و انقلبت بأهلها فلم يسلم منهم إلا مائة نفس فبنوا مائة منزل و سكنوها فسميت حوزتهم التي بنوا فيها سلم مائة، ثم حرف الناس اسمها فقالوا سليمة، ثم أن صالح بن على بن عبد اللّه بن عباس اتخذها و بنى و ولده فيها و مصروها و نزلها قوم من ولده. و قال ابن سهم الأنطاكى: سلمية اسم رومي قديم. و حدثني محمد بن مصفى الحمصي، قال:

هدم مروان بن محمد سور حمص، و ذلك أنهم كانوا خالفوا عليه فلما مر بأهلها هاربا من أهل خراسان اقتطعوا بعض ثقله و ماله و خزائن سلاحه.

و كانت مدينة حمص مفروشة بالصخر، فلما كانت أيام أحمد بن محمد بن أبى إسحاق المعتصم بالله شغبوا على عاملهم الفضل بن قارن الطبري أخى مايزديار بن قارن فأمر بقلع ذلك الفرش فقلع ثم أنهم أظهروا المعصية و أعادوا ذلك الفرش و حاربوا الفضل بن قارن حتى قدروا عليه و نهبوا ماله و نساءه و أخذوه فقتلوه و صلبوه فوجه أحمد بن محمد إليهم موسى بن بغا الكبير مولى أمير المؤمنين المعتصم بالله فحاربوه و فيهم خلق من نصارى المدينة و يهودها فقتل منهم مقتلة عظيمة و هزم باقيهم حتى ألحقهم بالمدينة و دخلها عنوة و ذلك فى سنة خمسين و مائتين و بحمص هرى يرده قمح و زيت من السواحل و غيرها مما قوطع أهله عليه، و أسجلت لهم السجلات بمقاطعتهم.

يوم اليَرْمُوك اليرموك

قالوا: جمع هرقل جموعا كثيرة من الروم و أهل الشام و أهل الجزيرة و أرمينية تكون زهاء مائتي ألف و ولى عليهم رجلا من خاصته، و بعث على مقدمته جبلة بن الأيهم الغساني‏فى مستعربة الشام من لخم و جذام و غيرهم، و عزم على محاربة المسلمين فإن ظهروا و إلا دخل بلاد الروم، فأقام‏

137

بالقسطنطينية و اجتمع المسلمون فرجعوا إليهم فاقتتلوا على اليرموك أشد قتالا و أبرحه و اليرموك نهر-و كان المسلمون يومئذ أربعة و عشرين ألفا و تسلسلت الروم و أتباعهم يومئذ لئلا يطعموا أنفسهم فى الهرب، فقتل اللّه منهم زهاء سبعين ألفا و هرب فلهم فلحقوا بفلسطين و أنطاكية و حلب و الجزيرة و أرمينية. و قاتل يوم اليرموك نساء من نساء المسلمين قتالا شديدا، و جعلت هند بنت عتبة أم معاوية بن أبى سفيان تقول: عضدوا الغلفان بسيوفكم.

و كان زوجها أبو سفيان خرج إلى الشام تطوعا و أحب مع ذلك أن يرى ولده و حملها معه، ثم أنه قدم المدينة فمات بها سنة إحدى و ثلاثين و هو ابن ثمان و ثمانين سنة، و يقال: إنه مات بالشام فلما أتى أم حبيبة بنته نعيه‏دعت فى اليوم الثالث بصفرة فمسحت بها ذراعيها و عارضتها، و قالت: لقد كنت عن هذا غنية لو لا

أنى سمعت النبي صلى اللّه عليه و سلم يقول «لاتحد امرأة على ميت سوى زوجها أكثر من ثلاث»

و يقال: إنها فعلت هذا الفعل حين أتاها نعى أخيها يزيد و اللّه أعلم.

و كان أبو سفيان بن حرب أحد العوران ذهبت عينه يوم الطائف، قالوا: و ذهبت يوم اليرموك عين الأشعث بن قيس، و عين هاشم بن عتبة ابن أبى وقاص الزهري، و هو المرقال: و عين قيس بن مكشوح. و استشهد عامر بن أبى وقاص الزهري، و هو الذي كان قدم الشام بكتاب عمر بن الخطاب إلى أبى عبيدة بولايته الشام، و يقال: بل مات فى الطاعون، و قال بعض الرواة استشهد يوم أجنادين و ليس ذلك بثبت.

قال: و عقد أبو عبيدة لحبيب بن مسلمة الفهري على خيل الطلب فجعل يقتل من أدرك، و انحاز جبلة بن الأيهم إلى الأنصار فقال: أنتم إخوتنا

138

و بنو أبينا و أظهر الإسلام، فلما قدم عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه الشام سنة سبع عشرة لاحى جلة رجلا من مزينة فلطم عينه فأمره عمر بالاقتصاص منه، فقال: أو عينه مثل عيني و اللّه‏لا أقيم ببلد على به سلطان، فدخل بلاد الروم مرتدا، و كان جبلة ملك غسان بعد الحارث بن أبى شمر، و روى أيضا أن جبلة أتى عمر بن الخطاب و هو على نصرانيته فعرض عمر عليه الإسلام و أداء الصدقة فأبى ذلك و قال: أقيم على ديني و أؤدى الصدقة.

فقال عمر: إن أقمت على دينك فأد الجزية فانف منها، فقال عمر:

ما عندنا لك إلا واحدة من ثلاث، أما الإسلام، و أما أداء الجزية، و أما الذهاب إلى حيث شئت: فدخل بلاد الروم فى ثلاثين ألفا، فلما بلغ ذلك عمر ندم و عاتبه عبادة بن الصامت فقال لو قبلت منه الصدقة ثم تألفته لأسلم، و أن عمر رضى اللّه عنه وجه فى سنة إحدى و عشرين عمير بن سعد الأنصارى إلى بلاد الروم فى جيش عظيم و ولاه الصائفة-و هي أول صائفة كانت- و أمره أن يتلطف لجبلة بن الأيهم و يستعطفه بالقرابة بينهما و يدعوه إلى الرجوع إلى بلاد الإسلام على أن يؤدى ما كان بذل من الصدقة و يقيم على دينه، فسار عمير حتى دخل بلاد الروم و عرض على جبلة ما أمره عمر بعرضه عليه فأبى إلا المقام فى بلاد الروم، و انتهى عمير إلى موضع يعرف بالحمار، و هو واد فأوقع بأهله، و أخربه فقيل أخرب من جوف حمار.

قالوا: و لما بلغ هرقل خبر أهل اليرموك و إيقاع المسلمين بجنده هرب من انطاكية إلى قسطنطينية، فلما جاوز الدرب قال: عليك يا سورية السلام و نعم البلد هذا للعدو يعنى أرض الشام لكثرة مراعيها. و كانت وقعة اليرموك فى رجب سنة خمس عشرة. قال هشام بن الكلبي: شهد اليرموك حباس بن قيس القشيري فقتل من العلوج خلقا و قطعت رجله و هو لا يشعر، ثم جعل ينشدها

139

فقال سوار بن أوفى:

و منا ابن عتاب و ناشد رجله # و منا الذي أدى إلى الحي حاجبا

يعنى ذا الرقيبة. و حدثني أبو حفص الدمشقي قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: بلغني أنه‏لما جمع هرقل للمسلمين الجموع و بلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج و قالوا: قد شغلنا عن نصرتكم و الدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم و عدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم و الغشم و لندفعن جند هرقل عن المدينة مع عملكم و نهض اليهود فقالوا. و التوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب و نجهد، فأغلقوا الأبواب و حرسوها و كذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى و اليهود، و قالوا: إن ظهر الروم و أتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه و إلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد، فلما هزم اللّه الكفرة و أظهر المسلمين فتحوا مدنهم و أخرجوا المقلسين فلعبوا و أدوا الخراج، و سار أبو عبيدة إلى جند قنسرين و أنطاكية ففتحها.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، قال. أبلى السمط ابن الأسود الكندي بالشام و بحمص خاصة و فى يوم اليرموك و هو الذي قسم منازل حمص بين أهلها، و كان ابنه شرحبيل بن السمط بالكوفة مقاوما للأشعث بن قيس الكندي فى الرياسة فوفد السمط إلى عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين إنك لا تفرق بين السبي، و قد فرقت بيني و بين ولدي فحوله إلى الشام أو حولنى إلى الكوفة فقال: بل أحوله إلى الشام‏فنزل حمص مع أبيه‏.

140

أمر فِلَسْطِين فلسطين

حدثني أبو حفص الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز عن أشياخه، و عن بقية بن الوليد عن مشايخ من أهل العلم، قالوا: كانت أول وقعة واقعها المسلمون الروم فى خلافة أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه أرض فلسطين، و على الناس عمرو بن العاصي، ثم أن عمروا بن العاصي فتح غزة فى خلافه أبى بكر رضى اللّه عنه، ثم فتح بعد ذلك سبسطية و نابلس على أن أعطاهم الأمان على أنفسهم و أموالهم و منازلهم و على أن الجزية على رقابهم و الخراج على أرضهم، ثم فتح مدينة لد و ارضها ثم فتح يبنى و عمواس و يبت جبرين و اتخذ بها ضيعة تدعى عجلان باسم مولى له، و فتح يافا و يقال.

فتحها معاوية، و فتح عمرو رفح على مثل ذلك. و قدم عليه أبو عبيدة بعد ان فتح قنسرين و نواحيها و ذلك فى سنة ست عشرة و هو محاصر إيلياء، و إيلياء مدينة بيت المقدس، فيقال: إنه وجهه إلى انطاكية من إيلياء و قد غدر أهلها ففتحها، ثم عاد فأقام يومين أو ثلاثة ثم طلب أهل إيلياء من أبى عبيدة الأمان و الصلح على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام من أداء الجزية و الخراج و الدخول فيما دخل فيه نظراؤهم‏على ان يكون المتولى للعقد لهم عمر بن الخطاب نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق ثم صار إلى إيلياء فأنفذ صلح أهلها و كتب لهم به، و كان فتح إيلياء فى سنة سبع عشرة.

و قد روى فى فتح إيليا وجه آخر. حدثني القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن ابى حبيب ان عمر بن الخطاب بعث خالد بن ثابت الفهمي إلى بيت المقدس فى جيش و هو يومئذ بالجابية فقاتلهم فأعطوه على ما أحاط به حصنهم شيئا يؤدونه و يكون للمسلمين‏

141

ما كان خارجا فقدم عمر فأجاز ذلك ثم رجع إلى المدينة. و حدثني هشام بن عمار، عن الوليد عن الأوزاعى: أن أبا عبيدة فتح قنسرين و كورها سنة ست عشرة ثم أتى فلسطين فنزل إيليا فسألوه أن يصالحهم فصالحهم فى سنة سبع عشرة على أن يقدم عمر رحمه اللّه فينفذ ذلك و يكتب لهم به.

حدثني هشام بن عمار، قال: حدثني الوليد بن مسلم عن تميم بن عطية عن عبد اللّه بن قيس، قال: كنت فيمن يلقى عمر مع أبى عبيدة مقدمه الشام فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف و الريحان، فقال عمر: مه امنعوهم فقال أبو عبيد: يا أمير المؤمنين هذه سنتهم-أو كلمة نحوها-و إنك إن منعتهم منها يروا أن فى نفسك نقضا لعهدهم فقال دعوهم.

قال: فكان طاعون عمواس سنة ثمان عشرةفتوفى فيه خلق من المسلمين منهم أبو عبيدة بن الجراح مات و له ثمان و خمسين سنة، و هو أمير و معاذ ابن جبل أحد بنى سلمة من الخزرج، و يكنى أبا عبد الرحمن توفى بناحية الأقحوانة من الأردن و له ثمان و ثلاثين سنة، و كان أبو عبيدة لما احتضر استخلفه، و يقال استخلف عياض بن غنم الفهري، و يقال: بل استخلف عمرو بن العاصي فاستخلف عمرو ابنه و مضى إلى مصر و الفضل بن العباس ابن عبد المطلب و يكنى أبا محمد، و قوم يقولون أنه استشهد باجنادين و الثبت أنه توفى فى طاعون عمواس، و شرحبيل بن حسنة و يكنى أبا عبد اللّه مات و هو ابن تسع و ستين سنة، و سهيل بن عمرو أحد بنى عامر بن لؤي و يكنى أبا يزيد، و الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، و قيل: أنه استشهد يوم اجنادين.

قالوا: و لما أتت عمر بن الخطاب وفاة أبى عبيدة كتب إلى يزيد بن أبى سفيان بولاية الشام مكانه و أمره أن يغزو قيسارية. و قال قوم: إن عمر إنما ولى يزيد الأردن و فلسطين، و أنه ولى دمشق أبا الدرداء، و ولى حمص عبادة

142

ابن الصامت و حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني الواقدي، قال: اختلف علينا فى أمر قيسارية (1) فقال قائلون: فتحها معاوية، و قال آخرون: بل فتحها عياض بن غنم بعد وفاة أبى عبيدة و هو خليفته، و قال قائلون: بل فتحها عمرو بن العاصي. و قال قائلون: خرج عمرو بن العاصي إلى مصر و خلف ابنه عبد اللّه فكان الثبت من ذلك، و الذي اجتمع عليه العلماء: أن أول الناس الذي حاصرها عمرو بن العاصي نزل عليها فى جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة فكان يقيم عليها ما أقام، فإذا كان للمسلمين اجتماع فى أمر عدوهم سار إليهم فشهد أجنادين و فحل و المرج و دمشق و اليرموك ثم رجع إلى فلسطين فحاصرها بعد إيلياء ثم خرج إلى مصر من قيسارية، و ولى يزيد ابن أبى سفيان بعد أبى عبيدة فوكل أخاه معاوية بمحاصرتها و توجه إلى دمشق مطعونا فمات بها.

و قال غير الواقدي: ولى عمر يزيد بن أبى سفيان فلسطين مع ما ولاه من أجناد الشام و كتب إليه يأمره بغزو قيسارية، و قد كانت حوصرت قبل ذلك فنهض إليها فى سبعة عشر ألفا فقاتله أهلها ثم حصرهم و مرض فى آخر سنة ثماني عشرة فمضى إلى دمشق و استخلف على قيسارية أخاه معاوية ابن سفيان ففتحها و كتب إليه بفتحها فكتب به يزيد إلى عمر. و لما توفى يزيد بن أبى سفيان كتب عمر إلى معاوية بتوليته ما كان يتولاه فشكر أبو سفيان ذلك له و قال: وصلتك يا أمير المؤمنين رحم.

و حدثني هشام بن عمار، قال: حدثني الوليد بن مسلم عن تميم بن عطية قال: ولى عمر معاوية بن أبى سفيان الشام بعد يزيد، و ولى معه رجلين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الصلاة و القضاء: فولى أبا الدرداء قضاء دمشق و الأردن و صلاتهما. و ولى عبادة قضاء حمص و قنسرين و صلاتهما

____________

(1) تقع مدينة قيسارية بين عكا و يافا على ساحل البحر.

143

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي فى اسناده قال: لما ولى عمر بن الخطاب معاوية الشام حاصر قيسارية حتى فتحها، و قد كانت حوصرت نحوا من سبع سنين و كان فتحها فى شوال سنة تسع عشرة. و حدثني محمد بن سعد عن محمد ابن عمر عن عبد اللّه بن عامر فى اسناده قال: حاصر معاوية قيسارية حتى يئس من فتحها، و كان عمرو بن العاصي و ابنه حاصراها ففتحها معاوية قسرا فوجد بها من المرتزفة سبعمائة ألف، و من السامرة ثلاثين ألفا، و من اليهود مائتي ألف، و وجد بها ثلاثمائة سوق قائمة كلها، و كان يحرسها فى كل ليلة على سورها مائة ألف.

و كان سبب فتحها إن يهوديا يقال له يوسف أتى المسلمين ليلا فدلهم على طريق فى سرب فيه الماء إلى حقو الرجل على أن أمنوه و أهله و أنفذ معاوية ذلك‏و دخلها المسلمون فى الليل و كبروا فيها فأراد الروم أن يهربوا من السرب فوجدوا المسلمين عليه، و فتح المسلمون الباب فدخل معاوية و من معه و كان بها خلق من العرب، و كانت فيهم شقراء التي يقول فيها حسان بن ثابت:

تقول شقراء لو صحوت عن الخمر # لأصبحت مثرى العدد

و يقال: أن اسمها شعثاء. و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي فى اسناده أن سبى قيسارية بلغوا أربعة آلاف رأس، فلما بعث به معاوية إلى عمر بن الخطاب أمر بهم فأنزلوا الجرف ثم قسمهم على يتامى الأنصار و جعل بعضهم فى الكتاب و الأعمال للمسلمين، و كان أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه أخدم بنات أبى أمامة أسعد بن زرارة خادمين من سبى عين التمر فماتا فأعطاهن عمر مكانهما من سبى قيسارية.

قالوا: و وجه معاوية بالفتح مع رجلين من جذام ثم خاف ضعفهما

144

عن المسير فوجه رجلا من خثعم، فكان الخثعمي يجهد نفسه فى السير و السرى و هو يقول:

أرق عيني أخو جذام # أخى جشم و أخو حرام

كيف أنام و هما أمامى # إذ يرحلان و الهجير طام‏

فسبقهما و دخل على عمر فكبر عمر. و حدثني هشام بن عمار فى إسناد له لم أحفظه أن قيسارية فتحت قسرا فى سنة تسع عشرة فلما بلغ عمر فتحها نادى أن قيسارية فتحت قسرا و كبر و كبر المسلمون، و كانت حوصرت سبع سنين و فتحها معاوية.

قالوا: و كان موت يزيد بن أبى سفيان فى آخر سنة ثمان عشرة بدمشق فمن قال: أن معاوية فتح قيسارية فى حياة أخيه قال: إنما فتحت فى آخر سنة ثمان عشرة و من قال: أنه فتحها فى ولايته الشام قال. فتحت فى سنة تسع عشرة و ذلك الثبت. و قال بعض الرواة أنها فتحت فى أول سنة عشرين.

قالوا. و كتب عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه إلى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين ففتح عسقلان صلحا بعد كيد. و يقال. إن عمر بن العاصي كان فتحها ثم نقض أهلها و أمدهم الروم ففتحها معاوية و أسكنها الروابط وكل بها الحفظة.

و حدثني بكر بن الهيثم قال: سمعت محمد بن يوسف الفريابي يحدث عن مشايخ من أهل عسقلان أن الروم أخربت عسقلان و أجلت أهلها عنها فى أيام من الزبير، فلما ولى عبد الملك بن مروان بناها و حصنها ورم أيضا قيسارية. و حدثني محمد بن مصفى، قال حدثني أبو سليمان الرملي عن أبيه أن الروم خرجت فى أيام ابن الزبير إلى قيسارية فشعثتها و هدمت مسجدها، فلما استقام لعبد الملك بن مروان الأمر رم قيسارية و أعاد مسجدها و أشحنها

145

بالرجال و بنى صور و عكا الخارجة، و كانت سبيلهما مثل سبيل قيسارية.

و حدثني جماعة من أهل العلم بأمر الشام، قالوا: ولى الوليد بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك جند فلسطين فنزل لد، ثم أحدث مدينة الرملة و مصرها و كان أول ما بنى منها قصره و الدار التي تعرف بدار الصباغين، و جعل فى الدار صهريجا متوسطا لهائم اختط للمسجد خطة و بناه، فولى الخلافة قبل استتمامه ثم بنى فيه بعد فى خلافته، ثم أتمه عمر بن عبد العزيز و نقص من الخطة، و قال:

أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت بهم عليه.

و لما بنى سليمان لنفسه أذن للناس فى البناء فبنوا، و احتفر لأهل الرملة قناتهم التي تدعى بردة و احتفر آبارا و ولى النفقة على بنائها بالرملة و مسجد الجماعة كاتبا له نصرانيا من أهل لد يقال له البطريق بن النكا، و لم تكن مدينة الرملة قبل سليمان، و كان موضعها رملة.

قالوا: و قد صارت دار الصباغين لورثة صالح بن على بن عبد اللّه بن العباس لأنها قبضت مع أموال بنى أمية قالوا: و كان بنو أمية ينفقون على آبار الرملة و قناتها بعد سليمان بن عبد الملك فلما استخلف بنو العباس أنفقوا عليها، و كان الأمر فى تلك النفقة يخرج فى كل سنة من خليفة بعد خليفة، فلما استخلف أمير المؤمنين أبو إسحاق المعتصم بالله اسجل بتلك النفقة سجلا فانقطع الاستثمار و صارت جارية يحتسب بها العمال فيحسب لهم قالوا:

و بفلسطين فروز بسجلات من الخلفاء مفردة من خراج العامة، و بها التخفيف و الردود، و ذاك إن ضباعا رفضت فى خلافة الرشيد و تركها أهلها فوجه أمير المؤمنين الرشيد هرثمة بن أعين لعمارتها، فدعا قوما من مزارعيها و أكرتها إلى الرجوع إليها على أن يخفف عنهم من خراجهم و لين معاملتهم فرجعوا، فأولئك‏

146

أصحاب التخافيف، و جاء قوم منهم بعد فردت عليهم أرضهم على مثل ما كانوا عليه فهم أصحاب الردود.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: لقيت رجلا من العرب بعسقلان فأخبرنى أن جده ممن أسكنه إياها عبد الملك و أقطعه بها قطيعة مع من أقطع من المرابطة قال، و أرانى أرضا فقال: هذه من قطائع عثمان بن عفان. قال بكر: و سمعت محمد بن يوسف الفريابي يقول بعسقلان ههنا قطائع أقطعت بأمر عمر و عثمان لو دخل فيها رجل لم أجد بذلك بأسا.

أمر جند قنسرين و المدن التي تدعى العواصم‏

قالوا: سار أبو عبيدة بن الجراح بعد فراغه من أرض اليرموك إلى حمص فاستقراها، ثم أتى قنسرين و على مقدمته خالد بن الوليد فقاتله أهل مدينة قنسرين، ثم لجأوا إلى حصنهم و طلبوا الصلح فصالحهم أبو عبيدة على مثل صلح حمص و غلب المسلمون على أرضها و قراها، و كان حاضر قنسرين‏لتنوخ مذ أول ما تنخوا بالشام نزلوه و هم فى خيم الشعر، ثم ابتنوا به المنازل: فدعاهم أبو عبيدة إلى الإسلام فأسلم بعضهم و أقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان ابن عمران ابن الحاف بن قضاعة، فحدثني بعض ولد يزيد بن حنين الطائي الأنطاكى عن أشياخهم: ان جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا فى خلافة أمير المؤمنين المهدى فكتب على أيديهم بالحضرة قنسرين، ثم سار أبو عبيدة يريد حلب فبلغه أن أهل قنسرين قد نقضوا و غدروا فوجه إليهم السمط بن الأسود الكندي فحصرهم ثم فتحها.

حدثني هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن أبى عبد العزيز عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم، قال: رابطنا مدينة قنسرين مع‏

147

السمط-أو قال شرحبيل بن السمط-فلما فتحها أصاب فيها بقرا و غنما، فقسم فينا طائفة و جعل بقيتها فى المغنم، و كان حاضر طي‏ء قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزلوا الجبلين من نزل منهم و تفرق باقوهم فى البلاد، فلما ورد أبو عبيده عليهم‏أسلم بعضهم و صالح كثير منهم على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذ عن جماعتهم، و كان بقرب مدينة حلب حاضر تدعى حاضر حلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ و غيرهم فصالحهم أبو عبيدة على الجزية، ثم أنهم أسلموا بعد ذلك فكانوا مقيمين و أعقابهم به إلى بعيد وفاة أمير المؤمنين الرشيد، ثم إن أهل ذلك الحاضر حاربوا أهل مدينة حلب و أرادوا إخراجهم عنها، فكتب الهاشميون من أهلها إلى جميع من حولهم من قبائل العرب يستنجدونهم فكان أسبقهم إلى انجادهم و إغاثتهم العباس ابن زفر بن عاصم الهلالي بالخؤولة، لأن أم عبد اللّه ابن العباس لبابة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهزم هلالية، فلم يكن لأهل ذلك الحاضر به و بمعن معه طافة فأجلوهم عن حاضرهم و أخربوه، و ذلك فى أيام فتنة محمد بن الرشيد، فانتقلوا إلى قنسرين فتلقاهم أهلها بالأطعمة و الكسى فلما دخلوها أرادوا التغلب عليها فأخرجوهم عنها فتفرقوا فى البلاد، فمنهم قوم بتكريت قد رأيتهم و منهم قوم بأرمينية و فى بلدان كثيرة متباينة.

و أخبرنى أمير المؤمنين المتوكل رحمه اللّه قال: سمعت شيخا من مشايخ بنى صالح بن على بن عبد اللّه بن عباس يحدث أمير المؤمنين المعتصم بالله رحمه اللّه سنة غزا عمورية، قال لما ورد العباس بن زفر الهلالي حلب لاغاثة الهاشمين ناداه نسوة منهم: يا خال نحن بالله ثم بك، فقال: لا خوف عليكم إن شاء اللّه‏خذلنى اللّه إن خذلتكم، قال: و كان حيار بنى القعقاع بلدا معروفا قبل الإسلام، و به كان مقيل المنذر بن ماء السماء اللخمي ملك الحيرة فنزله‏

148

بنو القعقاع بن خليد بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض أوطنوه لنسب إليهم.

و كان عبد الملك بن مروان أقطع القعقاع به قطيعة و أقطع عمه العباس ابن جزء بن الحارث قطائع أوغرها له إلى اليمن فأوغرت بعده، و كانت أو أكثرها موانا، و كانت ولادة بنت العباس بن جزء عند عبد الملك فولدت له الوليد و سليمان. قالوا و رحل أبو عبيدة إلى حلب و على مقدمته عياض ابن غنم الفهري، و كان أبوه يسمى عبد غنم، فلما أسلم عياض كره أن يقال عبد غنم فقال: أنا عياض بن غنم فوجد أهلها قد تحصنوا فنزل عليها فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح و الأمان على أنفسهم و أموالهم و سور مدينتهم و كنائسهم و منازلهم و الحصن الذي بها فأعطوا ذلك فاستثنى عليهم موضع المسجد، و كان الذي صالحهم عليه عياض فأنفذ أبو عبيدة صلحه، و زعم بعض الرواة أنهم صالحوا على حقن دمائهم‏و أن يقاسموا أنصاف منازلهم و كنائسهم، و قال بعضهم: أن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا و ذلك أن أهلها انتقلوا إلى انطاكية و أنهم إنما صالحوه عن مدينتهم و هم بأنطاكية راسلوه فى ذلك فلما تم صلحهم رجعوا إلى حلب، قالوا: و سار أبو عبيدة من حلب إلى انطاكية و قد تحصن بها خلق من أهل جند قنسرين فلما صار بمهروية و هي على قريب فرسخين من مدينة انطاكية لقيه جمع للعدو ففضهم و ألجأهم إلى المدينة و حاصر أهلها من جميع أبوابها، و كان معظم الجيش على باب فارس و الباب الذي يدعى باب البحر، ثم أنهم صالحوه على الجزية و الجلاء فجلا بعضهم و أقام بعضهم فأمنهم و وضع على كل حالم منهم دينارا و جريبا ثم نقضوا العهد فوجه إليهم أبو عبيدة عياض بن غنم و حبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول، و يقال: بل نقضوا بعد رجوعه إلى فلسطين فوجه عمرو بن‏

149

العاصي من إيليا ففتحها ثم رجع فمكث يسيرا حتى طلب أهل إيليا الأمان و الصلح و اللّه أعلم.

و حدثني محمد بن سهم الأنطاكى، عن أبى صالح الفراء قال، قال مخلد بن الحسين سمعت مشايخ الثغر يقولون: كانت انطاكية عظيمة الذكر و الأمر عند عمر و عثمان فلما فتحت: كتب عمر إلى أبى عبيدة أن رتب بأنطاكية جماعة من المسلمين أهل نيات‏و حسبة و أجعلهم بها مرابطة و لا تحبس عنهم العطاء، ثم لما ولى معاوية كتب إليه بمثل ذلك ثم أن عثمان كتب إليه يأمره أن يلزمها قوما و أن يقطع قطائع ففعل، قال ابن سهم: و كنت واقفا على جسر انطاكية على الأرنط فسمعت شيخا مسنا من أهل انطاكية و أنا يومئذ غلام يقول: هذه الأرض قطيعة من عثمان لقوم كانوا فى بعث أبى عبيدة أقطعهم إياها أيام ولاية عثمان معاوية الشام، قالوا: و نقل معاوية ابن أبى سفيان إلى انطاكية فى سنة اثنتين و أربعين جماعة من الفرس و أهل بعلبك و حمص و من المصرين فكان منهم مسلم بن عبد اللّه جد عبد اللّه بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكي و كان مسلم قتل على باب من أبواب انطاكية يعرف اليوم بباب مسلم، و ذلك أن الروم خرجت من الساحل فأناخت على انطاكية فكان مسلم على السور فرماه علج بحجر فقتله.

و حدثني جماعة من مشايخ أهل انطاكية منهم ابن برد الفقيه. أن الوليد ابن عبد الملك‏أقطع جندا بأنطاكية أرض سلوقية عند الساحل و صير الفلثر و هو الجريب-بدينار و مدى قمح فعمروها، و جرى ذلك لهم و بنى حصن سلوقية، قالوا: و كانت أرض بغرلمس لمسلمة بن عبد الملك فوقفها فى سبيل البر، و كانت عين السلور و بحيرتها له ايضا، و كانت الاسكندرية له ثم صارت لرجاء مولى المهدى اقطاعا يورثه منصور و إبراهيم ابنا المهدى، ثم صارت لإبراهيم ابن سعيد الجوهري، ثم لأحمد بن أبى داود الإيادي ابتياعا، ثم‏

150

انتقل مليكها إلى أمير المؤمنين المتوكل على اللّه رحمه اللّه فحدثني ابن برد الأنطاكى و غيره قالوا: أقطع مسلمة بن عبد الملك قوما من ربيعة قطائع فقبضت و صارت بعد للمأمون و جرى أمرها على يد صالح الخازن صاحب الدار بأنطاكية، قالوا: و بلغ أبا عبيدة أن جمعا للروم بين معرة مصرين و حلب فلقيهم و قتل عدة بطارقة و فض ذلك الجيش و سبى و غنم و فتح معرة مصرين على مثل صلح حلب و جالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة و سرمين و مرتحوان و تيزين و صالحوا أهل دير طايا و دير الفسيلة على أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين، و أتاه نصارى خناصرة فصالحهم و فتح أبو عبيدة جميع أرض قنسرين و انطاكية.

حدثني العباس بن هشام عن أبيه، قال: خناصرة نسبت إلى خناصر بن عمرو بن الحارث الكلبي: ثم الكناني، و كان صاحبها و بطنان حبيب نسب إلى حبيب بن مسلمة الفهري، و ذلك أن أبا عبيدة أو عياض بن غنم وجهه من حلب ففتح حصنا بها فنسب إليه، قالوا: و سار أبو عبيدة يريد قورس و قدم أمامه عياضا فتلقاه راهب من رهبانها يسأل الصلح عن أهلها، فبعث به إلى أبى عبيدة و هو بين جبرين و تل أعزاز فصالحه ثم أتى قورس فعقد لأهلها عهدا و أعطاهم مثل الذي أعطى انطاكية و كتب للراهب كتابا فى قرية له تدعى شرقينا و بث خيله فغلب على جميع أرض قورس إلى آخر حد نقابلس، قالوا: و كانت قورس كالمسلحةلانطاكية يأتيها فى كل عام طالعة من جند انطاكية و مقاتلتها ثم حول إليها ربع من أرباع انطاكية و قطعت الطوالع عنها و يقال: أن سليمان بن ربيعة الباهلي كان فى جيش أبى عبيدة مع أبى أمامة الصدى بن عجلان صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فنزل حصنا بقورس فنسب إليه و هو يعرف بحصن سلمان، ثم قفل من الشام فيمن أمد به سعد بن أبى وقاص و هو بالعراق، و قيل: سلمان بن ربيعة كان غزا

151

الروم بعد فتح العراق و قبل شخوصه إلى أرمينية فعسكر عند هذا الحصن و قد خرج من ناحية مرعش فنسب إليه، و سلمان و زياد من الصقالبة الذين رتبهم مروان بن محمد فى الثغور، و سمعت من يذحر أن سلمان هذا رجل من الصقالبة نسب إليه الحصن و اللّه أعلم.

قالوا: و أتى أبو عبيدة حلب الساجور و قدم عياضا إلى منبج ثم لحقه و قد صالح أهلها على مثل صلح أنطاكية فأنفذ أبو عبيدة ذلك و بعث عياض ابن غنم إلى ناحية دلوك و رعبان فصالحه أهلها على مثل صلح منبج و اشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم و يكاتبوا بها المسلمين و ولى أبو عبيدة كل كورة فتحها عاملا و ضم إليه جماعة من المسلمين و شحن النواحي المخوفة، قالوا: ثم سار أبو عبيدة حتى نزل عراجين و قدم مقدمته إلى بالس، و بعث جيشا عليه حبيب بن مسلمةإلى قاصرين و كانت بالس و قاصرين لأخوين من أشراف الروم أقطعا القرى التي بالقرب منهما و جعلا حافظين لما بينهما من مدن الروم بالشام، فلما نزل المسلمون بها صالحهم أهلها على الجزية و الجلاء فجلا أكثرهم إلى بلاد الروم و أرض الجزيرة و قرية جسر منبح، و لم يكن الجسر يومئذ إنما اتخذ فى خلافة عثمان بن عفان رضى اللّه عنه للصوائف، و يقال: بل كان له رسم قديم قالوا: و رتب أبو عبيدة ببالس جماعة من المقاتلة و أسكنها قوما من العرب الذين كانوا بالشام فأسلموا بعد قدوم المسلمين الشام و قوما لم يكونوا من البعوث نزعوا من البوادي من قيس و أسكن قاصرين قوما ثم رفضوها أو أعقابهم و بلع أبو عبيدة الفرات ثم رجع إلى فلسطين و كانت بالس و القرى المنسوبة إليها فى حدها الأعلى و الأوسط و الأسفل اعذاء عشرية.

فلما كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان: توجه غازيا للووم من نحو الثعور الجزرية عسكر ببالس فأتاه أهلها و أهله بوبلس و قاصرين و عابدين‏

152

و صفين، و هي قرى منسوبة إليها فأتاه أهل الحد الأعلى فسألوه جميعا أن يحفر لهم نهرا من الفرات يسقى أرضهم على أن يجعلوا له الثلث من غلاتهم بعد عشر السلطان الذي كان يأخذه ففعل فحفر النهر المعروف بنهر مسلمة و وفوا له بالشرط و رم سور المدينة و أحكمه.

و يقال: بل كان ابتداء الغرض من مسلمة و أنه دعاهم إلى هذه المعاملة فلما مات مسلمة صارت بالس و قراها لورثته فلم تزل فى أيديهم إلى أن جاءت الدولة المباركة و قبض عبد اللّه بن على أموال بنى أمية فدخلت فيها فأقطعها أمير المؤمنين أبو العباس سليمان بن على بن عبد اللّه بن العباس فصارت لابنه محمد بن سليمان، و كان جعفر بن سليمان أخوه يسعى به إلى أمير المؤمنين الرشيد رحمه اللّه و يكتب إليه فيعلمه أنه لا مال له و لا ضيعة إلا و قد اجتاز أضعاف قيمته و أنفقه فيما يرشح له نفسه و على من اتخذ من الخول و أن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين، و كان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفى محمد بن سليمان أخرجت كتبه إلى جعفر و احتج عليه بها و لم يكن لمحمد أخ لأبيه و أمه غيره فأقر بها و صارت أمواله للرشيد فأقطع بالس و قراها المأمون رحمه اللّه فصارت لولده من بعده.

حدثني هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن تميم بن عطية عن عبد اللّه بن قيس الهمداني، قال: قدم عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه الجابية فأراد قسمة الأرض بين المسلمين لأنها فتحت عنوة، فقال معاذ بن جبل:

و اللّه لأن قسمتها ليكونن ما نكره و يصير الشي‏ء الكثير فى أيدى القوم ثم يبيدون‏فيبقى ذلك لواحد ثم يأتى من بعدهم قوم يسدون الإسلام مسدا فلا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم و آخرهم فصار إلى قول معاذ.

حدثني الحسين بن على بن الأسود العجلى، عن يحيى بن آدم عن مشايخ‏

153

من الجزريين عن سليمان بن عطاء عن سلمة الجهني عن عمه أن صاحب بصرى ذكر أنه كان صالح المسلمين على طعام و زيت و خل فسأل عمر أن يكتب له بذلك و كذبه أبو عبيدة، و قال إنما صالحناه على شي‏ء يتبع به المسلمون لمشتاهم ففرض عليهم الجزية على الطبقات و الخراج على الأرض.

و حدثني الحسين قال: حدثنا محمد بن الأحدب، قال: أخبرنا عبد اللّه ابن عمر عن نافع عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى أمراء الجزية أن لا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى و جعلها على أهل الذهب أربعة دنانير و جعل عليهم لأرزاق المسلمين من الحنطة لكل رجل مدين و من الزيت ثلاثة أقساط بالشام و الجزيرة مع إضافة من نزل بهم ثلاثا. و حدثني أبو حفص الشامي، عن محمد بن راشد عن مكحول، قال: كل عشري بالشام فهو مما جلا عنه أهله فأقطعه المسلمون فأحيوه و كان مواتا لا حق فيه لأحد فأحيوه بإذن الولاة.

أمر قبرص < قُبْرُس قبرص

قالوا الواقدي و غيره: غزا معاوية بن أبى سفيان فى البحر غزوة قبرس الأولى، و لم يركب المسلمون بحر الروم قبلها و كان معاوية استأذن عمر فى غزو البحر فلم يأذن له، فلما ولى عثمان بن عفان كتب إليه يستأذنه فى غزوة قبرس و يعلمه قربها و سهولة الأمر فيها، فكتب إليه أن قد شهدت مارد عليك عمر-رحمه اللّه-حين استأمرته فى غزو البحر. فلما دخلت سنة سبع و عشرين كتب إليه يهون عليه ركوب البحر إلى قبرس، فكتب إليه عثمان، فإن ركبت البحر و معك امرأتك فأركبه مأذونا لك و إلا فلا، فركب البحر من عكا و معه مراكب كثيرة و حمل امرأته فاختة بنت قرظة بن عبد

154

عمرو بن نوفل بن عبد مناف ابن قصى و حمل عبادة بن الصامت امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية و ذلك فى سنة ثمان و عشرين بعد انحسار الشتاء و يقال فى سنة تسع و عشرين فلما صار المسلمون إلى قبرس فأرقوا إلى ساحلها- و هي جزيرة فى البحر يكون فيما يقال ثمانين فرسخا فى مثلها-بعث إليهم أركونها يطلب الصلح و قد أذعن أهلها به‏فصالحهم على سبعة آلاف و مائتي دينار يؤدونها فى كل عام، و صالحهم الروم على مثل ذلك فهم يؤدون خراجين و اشترطوا أن لا يمنعهم المسلمون أداء الصلح إلى الروم و اشترط عليهم المسلمون أن لا يقاتلوا عنهم من أرادهم من ورائهم و أن يؤذنوا المسلمين بسير عدوهم من الروم، فكان المسلمون إذا ركبوا البحر لم يعرضوا لهم و لم ينصرهم أهل قبرس و لم ينصروا عليهم.

فلما كان سنة اثنتين و ثلاثين أعانوا الروم على الغزاة فى البحر بمراكب أعطوهم إياها فغزاهم معاوية سنة ثلاث و ثلاثين فى خمسمائة مركب ففتح قبرس عنوة فقتل و سبى، ثم أقرهم على صلحهم و بعث إليها باثنى عشر ألفا كلهم أهل ديوان فبنوا بها المساجد، و نقل إليها جماعة من بعلبك و بنى بها مدينة و أقاموا يعطون الأعطية إلى أن توفى معاوية و ولى بعده ابنه يزيد فاقفل ذلك البعث و أمر بهدم المدينة و بعض الرواة يزعم أن غزوة معاوية الثانية قبرس فى سنة خمس و ثلاثين.

و حدثني محمد بن مصفى الحمصي عن الوليد، قال: بلغنا أن يزيد بن معاوية رشا مالا عظيما ذا قدر حتى أقفل جند قبرس، فلما قفلواهدم أهل قبرس مدينتهم و مساجدهم. و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد السلام بن موسى عن أبيه، قال: لما غزيت قبرس الغزوة الأولى ركبت أم حرام بنت ملحان مع زوجها عبادة بن الصامت فلما انتهوا إلى قبرس خرجت من المركب و قدمت إليها دابة لتركبها فعثرت بها فقتلتها فقبرها بقبرس يدعى قبر المرأة