فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
155

الصالحة، قالوا: و غزا مع معاوية، أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصارى و أبو الدرداء، و أبو ذر الغفاري، و عبادة بن الصامت، و فضالة بن عبيد الأنصارى و عمير بن سعد بن عبيد الأنصارى، و واثلة بن الأسقع الكناني و عبد اللّه بن بشر المازني، و شداد بن أوس بن ثابت، و هو ابن أخى حسان ابن ثابت، و المقداد، و كعب الحبر بن ماتع، و جبير بن نفير الحضرمي.

و حدثني هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان ابن عمرو: أن معاوية بن أبى سفيان غزا قبرس بنفسه و معه امرأته ففتحها اللّه فتحا عظيما و غنم المسلمين غنما حسنا، ثم لم يزل المسلمون يغزونهم حتى صالحهم معاوية فى أيامه صلحا دائما على سبعة آلاف دينار و على النصيحة للمسلمين و إنذارهم عدوهم من الروم هذا أو نحوه. قالوا: و كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك أجلى منهم خلقا إلى الشام لأمر اتهمهم به فأنكر الناس ذلك فزدهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك إلى بلدهم و كان حميد معيوف الهمداني غزاهم فى خلافة الرشيد لحدث أحدثوه فأسر منهم بشرا، ثم أنهم استقاموا للمسلمين فأمر الرشيد برد من أسر منهم فردوا.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي فى اسناده، قال: لم يزل أهل قبرس على صلح معاوية حتى ولى عبد الملك بن مروان فزاد عليهم ألف دينار فجرى ذلك إلى خلافة عمر بن عبد العزيز فحطها عنهم، ثم لما ولى هشام بن عبد الملك ردها فجرى ذلك إلى خلافة أبى جعفر المنصور، فقال: نحن أحق من أنصفهم و لم نتكثر بظلمهم فردهم إلى صلح معاوية.

و حدثني بعض أهل العلم من الشاميين و أبو عبيد القاسم بن سلام، قالوا:

أحدث أهل قبرس حدثا فى ولاية عبد الملك بن صالح بن على بن عبد اللّه ابن عباس الثغور فأراد نقض صلحهم و الفقهاء متوافرون: فكتب إلى الليث‏

156

ابن سعد، و مالك بن أنس، و سفيان بن عيينة، و موسى بن أعين، و إسماعيل بن عياش، و يحيى بن حمزة، و أبى إسحاق الفزاري، و مخلد بن الحسين فى أمرهم فأجابوه، و كان فيما كتب به الليث بن سعد: أن أهل قبرس قوم لم نزل نتهمهم بغش أهل الإسلام و مناصحة أعداء اللّه الروم، و قد قال اللّه تعالى‏ «وَ إِمََّا تَخََافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيََانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ََ سَوََاءٍ» و لم يقل لا تنبذ إليهم حتى تستيقن خيانتهم، و إنى أرى أن تنبذ إليهم و ينظروا سنة يأتمرون، فمن أحب منهم اللحاق ببلاد المسلمين على أن يكون ذمة يؤدى الخراج قبلت ذلك منه، و من أراد أن ينتحى إلى بلاد الروم فعل، و من أراد المقام بقبرس على الحرب أقام فكانوا عدوا يقاتلون و يغزون، فإن فى إنظار سنة قطعا لحجتهم و وفاء بعهدهم.

و كان فيما كتب به مالك بن أنس: أن أمان أهل قبرس كان قديما متظاهرا من الولاة لهم، و ذلك لأنهم رأوا أن إقرارهم على حالهم ذل و صغار لهم و قوة للمسلمين عليهم بما يأخذون من جزيتهم و يصيبون به من الفرصة فى عدوهم، و لم أجد أحدا من الولاة نقض صلحهم و لا أخرجناهم عن بلدهم، و أنا أرى: أن لا تعجل بنقض عهدهم و منابذتهم حتى تتجه الحجة عليهم، فإن اللّه يقول‏ «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى‏ََ مُدَّتِهِمْ» فإن هم‏لم يستقيموا بعد ذلك و يدعوا غشهم و رأيت أن العذر ثابت منهم أوقعت بهم، فكان ذلك بعد الأعذار فرزقت النصر، و كان بهم الذل و الخزي إن شاء اللّه تعالى.

و كتب سفيان بن عيينة: أنا لا نعلم النبي صلى اللّه عليه و سلم عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم غير أهل مكة فإنه من عليهم و كان نقضهم أنهم نصروا حلفاءهم على حلفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من خزاعة، و كان فيما أخذ على أهل نجران أن لا يأكلوا الربا فحكم فيهم عمر-رحمه اللّه-حين أكلوه باجلائهم فإجماع القوم أنه من نقض عهدا فلا ذمة له.

157

و كتب موسى بن أعين: قد كان يكون مثل هذا فيما خلا فيعمل الولاة فيه النظر، و لم أر أحدا ممن مضى نقض عهد أهل قبرس و لا غيرها و لعل عامتهم و جماعتهم لم يمالئوا على ما كان من خاصتهم، و أنا أرى الوفاء لهم و التمام على شرطهم و إن كان منهم الذي كان، و قد سمعت الأوزاعى يقول فى قوم صالحوا المسلمين ثم أخبروا المشركين بعورتهم‏و دلوهم عليها: إنهم إن كانوا ذمة فقد نقضوا عهدهم و خرجوا من ذمتهم، فإن شاء الوالي قتل و صلب، و إن كانوا صلحا لم يدخلوا فى ذمة المسلمين نبذ إليهم الوالي على سواء (أَنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخََائِنِينَ) .

و كتب إسماعيل بن عياش: أهل قبرس أذلاء مقهورون يغلبهم الروم على أنفسهم و نسائهم فقد يحق علينا أن نمنعهم و نحميهم.

و قد كتب حبيب بن مسلمة لأهل تفليس فى عهده أنه إن عرض للمسلمين شغل عنكم و قهركم عدوكم فإن ذلك غير ناقض عهدكم بعد أن تفوا للمسلمين و أنا أرى أن يقروا على عهدهم و ذمتهم، فإن الوليد بن يزيد قد كان أجلاهم إلى الشام فاستقطع ذلك المسلمون و استعظمه الفقهاء، فلما ولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك ردهم إلى قبرس فاستحسن المسلمون ذلك من فعله و رأوه عدلا.

و كتب يحيى بن حمزة: إن أمر قبرس كأمر عربسوس فإن فيها قدوة حسنة و سنة متبعة و كان من أمرها أن عمير بن سعد قال لعمر بن الخطاب و قدم عليه: إن بيننا و بين الروم مدينة يقال لها عربسوس، و أنهم يخبرون عدونا بعوراتنا و لا يظهرونا على عورات عدونا، فقال عمر: فإذا قدمت فخيرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، و مكان كل بقرة بقرتين، و مكان كل شي‏ء شيئين فإذا رضوا بذلك فأعطهم إياه و أجلهم و أخربها فإن أبوا فانبذ إليهم و أجلهم سنة ثم أخربها، فانتهى عمير إلى ذلك فأبوا فأجلهم سنة ثم أخربها، و كان لهم‏

158

عهد كعهد أهل قبرس و ترك أهل قبرس على صلحهم و الاستعانة بما يؤدون على أمور المسلمين أفضل، و كل أهل عهد لا يقاتل المسلمون من ورائهم و يجرون عليهم أحكامهم فى دارهم فليسوا بذمة و لكنهم أهل فدية يكف عنهم ما كفوا و يوفى لهم بعهدهم ما وفوا و رضوا و يقبل عفوهم ما أدوا.

و قد روى عن معاذ بن جبل: أنه كره أن يصالح أحد من العدو على شي‏ء معلوم إلا أن يكون المسلمون مضطرين‏إلى صلحهم لأنه لا يدرى لعل صلحهم نفع و عز للمسلمين.

و كتب أبو إسحاق الفزاري، و مخلد بن الحسين: إنا لم نر شيئا أشبه بأمر قبرس من أمر عربسوس و ما حكم به فيها عمر بن الخطاب فانه عرض عليهم ضعف ما لهم على أن يخرجوا منها أو نظرة سنة بعد نبذ عهدهم إليهم فأبوا الأولى فأنظروا ثم أخربت، و قد كان الأوزاعى يحدث: أن قبرس فتحت فتركوا على حالهم و صولحوا على أربعة عشر ألف دينار، سبعة آلاف للمسلمين، و سبعة آلاف للروم على أن لا يكتموا الروم أمر المسلمين، و كان يقول: ما وفى لنا أهل قبرس قط و إنا لنرى أنهم أهل عهد و أن صلحهم وقع على شي‏ء فيه شرط لهم و شرط عليهم و لا يستقيم نقضه الا بأمر يعرف فيه غدرهم و نكثهم.

أمر السّامِرَة) سامرّاء ( السامرة

حدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو: أن أبا عبيدة بن الجراح صالح السامرة بالأردن و فلسطين، و كانوا عيونا و أدلاء للمسلمين‏على جزية رؤوسهم و أطعمهم أرضهم فلما كان يزيد بن معاوية وضع الخراج على أرضهم.

159

و أخبرنى قوم من أهل المعرفة بأمر جندي الأردن و فلسطين: أن يزيد ابن معاوية وضع الخراج على أراضى السامرة بالأردن و جعل على رأس كل امرئ منهم دينارين و وضع الخراج أيضا على أرضهم بفلسطين و جعل على رأس كل امرئ منهم خمسة دنانير. و السامرة يهود و هم صنفان يقال لهم:

الدستان و صنف يقال لهم: الكوشان.

قالوا: و كان بفلسطين فى أول خلافة أمير المؤمنين الرشيد-رحمه اللّه-طاعون جارف ربما أتى على جميع أهل البيت فخربت أرضهم و تعطلت فوكل السلطان بها من عمرها و تألف الأكرة و المزارعين إليها فصارت ضياعا للخلافة و بها السامرة فلما كانت سنة ست و أربعين و مائتين رفع أهل قرية من تلك الضياع تدعى بيت ماما من كورة نابلس و هم سامرة يشكون ضعفهم و عجزهم عن أداء الخراج على خمسة دنانير فأمر المتوكل على اللّه بردهم الى ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير.

حدثني هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو و سعيد بن عبد العزيز: أن الروم صالحت معاويةعلى أن يؤدى إليهم مالا و ارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثم أن الروم غدرت فلم يستحل معاوية و المسلمون قتل من فى أيديهم من رهنهم و خلوا سبيلهم، و قالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر، قال هشام: و هو قول العلماء الأوزاعى و غيره.

أمر الجراجمة الجراجمة

حدثني مشايخ من أهل انطاكية: ان الجراجمة من مدينة على جبل اللكام عند معدن الزاج فيما بين بياس و بوقا، يقال لها الجرجومة و أن أمرهم كان فى أيام استيلاء الروم على الشام و انطاكية إلى بطريق انطاكية

160

و واليها، فلما قدم أبو عبيدة انطاكية و فتحها لزموا مدينتهم و هموا باللحاق بالروم إذ خافوا على أنفسهم، فلم ينتبه المسلمون لهم‏و لم ينبههم عليهم، ثم أن أهل انطاكية نقصوا و غدروا فوجه إليهم أبو عبيدة من فتحها ثانية و ولاها بعد فتحها حبيب بن مسلمة الفهري فغزا الجرجومة فلم يقاتله أهلها و لكنهم بدروا بطلب الأمان و الصلح فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين، و عيونا و مسالح فى جبل اللكام و أن لا يؤخذوا بالجزية و ان ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حربا فى مغازيهم و دخل من كان فى مدينتهم من تاجر و أجير و تابع من الأنباط و غيرهم و أهل القرى فى هذا الصلح فسموا الرواديف لأنهم تلوهم و ليسوا منهم، و يقال: أنهم جاءوا إلى عسكر المسلمين و هم أرداف لهم فسموا رواديف فكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة و يعرجون أخرى فيكاتبون الروم و يمالئونهم، فلما كانت أيام ابن الزبير و موت مروان بن الحكم و طلب عبد الملك الخلافة بعده لتوليته إياه عهده و استعداده للشخوص إلى العراق لمحاربة المصعب ابن الزبير خرجت خيل للروم إلى جبل اللكام، و عليها قائد من قوادهم ثم صارت إلى لبنان و قد ضوت إليها جماعة كثيرة من الجراجمة و أنباط و عبيد أباق من عبيد المسلمين فاضطر عبد الملك إلى أن صالحهم على ألف دينار فى كل جمعة، و صالح طاغية الروم على مال يؤديه إليه لشغله عن محاربته و تخوفه أن يخرج إلى الشام فيغلب عليه، و اقتدى فى صلحه بمعاوية حين شغل بحرب أهل العراق فإنه صالحهم على أن يؤدى إليهم مالا و ارتهن منهم رهناء (1) وضعهم ببعلبك و وافق ذلك أيضا طلب عمرو بن سعيد بن العاصي الخلافة و إغلاقه أبواب دمشق حين خرج عبد الملك عنها فازداد شغلا و ذلك فى سنة سبعين‏ (1) ثم أن عبد الملك وجه إلى الرومي سحيم بن المهاجر

____________

(1) من المعروف تاريخيا أن المنتصر فى الحروب قد يأخذ الرهائن ليأمن جانب المنكسر خشية أن ينقلب‏

161

فتلطف حتى دخل عليه متنكرا فأظهر الممالأة له و تقرب إليه بذم عبد الملك و شتمه و توهين أمره حتى أمنه و اغتر به ثم أنه انكفى عليه بقوم من موالي عبد الملك و جنده كان أعدهم لمواقعته و رتبهم بمكان عرفه فقتله و من كان معه من الروم و نادى فى سائر من ضوى إليه بالأمان فتفرق الجراجمة بقرى حمص و دمشق و رجع أكثرهم إلى مدينتهم باللكام و أتى الأنباط قراهم فرجع العبيد إلى مواليهم، و كان ميمون الجرجمانى عبدا روميا لبنى أم الحكم أخت معاوية بن أبى سفيان و هم ثقفيون، و إنما نسب إلى الجراجمة لاختلاطه بهم و خروجه بجبل لبنان معهم‏فبلغ عبد الملك عنه بأس و شجاعة فسأل مواليه أن يعتقوه ففعلوا و قوره على جماعة من الجند و صيره بأنطاكية فغزا مع مسلمة بن عبد الملك الطوانة و هو على ألف من أهل انطاكية فاستشهد بعد بلاء حسن و موقف مشهود فغم عبد الملك مصابه و أغزى الروم جيشا عظيما طلبا بثاره.

قالوا: و لما كانت سنة تسع و ثمانين اجتمع الجراجمة إلى مدينتهم و أتاهم قوم من الروم من قبل الاسكندرونة و روسس، فوجه الوليد بن عبد الملك إليهم مسلمة بن عبد الملك فأناخ عليهم فى خلق من الخلق فافتتحها على أن ينزلوا بحيث أحبوا من الشام و يجرى على كل امرئ منهم ثمانية دنانير و على عيلاتهم القوت من القمح و الزيت و هو مدان من قمح و قسطان من زيت، و على أن لا يكرهوا و لا أحد من أولادهم و نسائهم على ترك النصرانية، و على أن يلبسوا لباس المسلمين و لا يؤخذ منهم و لا من أولادهم و نسائهم جزية و على أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا اسلاب من يقتلونه مبارزة و على أن يؤخذ من تجاراتهم و أموال موسريهم ما يؤخذ من أموال

____________

قعليه، و ينقض تعهداته له. و هكذا فعل عبد الملك مقتديا بمعاوية بن أبي سفيان عند ما صالح أهل العراق.

162

المسلمين فأخرب مدينتهم و أنزلهم فأسكنهم جبل الحوار و سنح اللولون و عمق تيزين و صار بعضهم إلى حمص‏و نزل بطريق الجرجومة فى جماعة معه انطاكية ثم هرب الى بلاد الروم، و قد كان بعض العمال ألزم الجراجمة بأنطاكية جزية رؤسهم فرفعوا ذلك إلى الواثق بالله رحمه اللّه و هو خليفة فأمر بإسقاطها عنهم.

و حدثني بعض من أثق به من الكتاب: أن المتوكل على اللّه رحمه اللّه أمر بأخذ الجزية من هؤلاء الجراجمة و أن يجرى عليهم الأرزاق إذ كانوا ممن يستعان به فى المسالح و غير ذلك، و زعم أبو الخطاب الأزدى: أن أهل الجرجومة كانوا يغيرون فى أيام عبد الملك على قرى انطاكية و العمق و إذا غزت الصوائف قطعوا على المتخلف و اللاحق و من قدروا عليه ممن فى أواخر العسكر و غالوا فى المسلمين فأمر عبد الملك ففرض لقوم من أهل انطاكية و انباطها و جعلوا مسالح و أردفت بهم عساكر الصوائف ليؤذنوا الجراجمة عن أواخرها فسموا الرواديف، و أجرى على كل امرء منهم ثمانية دنانير:

و الخبر الأول أثبت.

و حدثني أبو حفص الشامي عن محمد بن راشد عن مكحول، قال: نقل معاوية فى سنة تسع و أربعين أو سنة خمسين إلى السواحل قوما من زط البصرة و السباتجة و أنزل بعضهم انطاكية، قال أبو حفص فبانطاكية محلة تعرف بالزط و ببوقا من عمل انطاكية قوم من أولادهم يعرفون بالزط.

و قد كان الوليد بن عبد الملك نقل إلى انطاكية قومامن الزط السند ممن حمله محمد بن القاسم إلى الحجاج فبعث بهم الحجاج إلى الشام.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: خرج بجبل لبنان قوم شكوا عامل خراج بعلبك، فوجه صالح بن على بن عبد اللّه بن عباس من قتل‏

163

مقاتلتهم و أقر من بقي منهم على دينهم و ردهم إلى قراهم و أجلى قوما من أهل لبنان. فحدثني القاسم بن سلام أن محمد بن كثير حدثه، أن الأوزاعى:

كتب إلى صالح رسالة طويلة حفظ منها، و قد كان من أجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئا لمن خرج على خروجه ممن قتلت بعضهم و رددت باقيهم الى قراهم ما قد علمت فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم و أموالهم، و حكم اللّه تعالى‏ (أَلاََّ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ) و هو أحق ما وقف عنده و اقتدى به، و أحق الوصايا أن تحفظ و ترعى‏

وصية رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فإنه قال: «من ظلم معاهدا و كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه»

ثم ذكر كلاما.

حدثني محمد بن سهم الأنطاكى، قال: حدثني معاوية بن عمرو عن أبى إسحاق الفزاري، قال: كانت بنو أمية تغزو الروم بأهل الشام و الجزيرة صائفة و شاتية مما يلي ثغور الشام و الجزيرة و تنيم للراكب الغزو و ترتب الحفظة فى السواحل و يكون الإغفال و التفريط خلال الحزر و التيقظ فلما ولى أبو جعفر المنصور تتبع حصون السواحل و مدنها فعمرها و حصنها و بنى ما احتاج إلى البناء منها و فعل مثل ذلك بمدن الثغور، ثم لما استخلف المهدى استتم ما كان بقي من المدن و الحصون و زاد فى شحنها، قال معاوية ابن عمرو: و قد رأينا من اجتهاد أمير المؤمنين هارون فى الغزو نفاذ بصيرته فى الجهاد أمرا عظيما أقام من الصناعة ما لم يقم قبله و قسم الأموال فى الثغور و السواحل و أشجى الروم و قمعهم و أمر المتوكل على اللّه بترتيب المراكب فى جميع السواحل و أن تشحن بالمقاتلة و ذلك فى سنة سبع و أربعين و مائتين‏.

164

فتح الثغور الشامية

حدثني مشايخ من أهل انطاكية و غيرهم، قالوا: ثغور المسلمين الشامية أيام عمر و عثمان رضى اللّه عنهماو ما بعد ذلك انطاكية و غيرها من المدن التي سماها الرشيد عواصم، فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوم اليوم ما وراء طرسوس، و كان فيما بين الاسكندرونة و طرسوس حصون و مسالح للروم كالحصون و المسالح التي يمر بها المسلمون اليوم فربما أخلاها أهلها و هربوا إلى بلاد الروم خوفا و ربما نقل إليها من مقاتلة الروم من تشحن به، و قد قيل: إن هرقل أدخل أهل هذه المدن معه عند انتقاله من انطاكية لئلا يسير المسلمون فى عمارة ما بين انطاكية و بلاد الروم و اللّه أعلم:

و حدثني ابن طسون‏ (1) البغراسى عن أشياخهم أنهم قالوا: الأمر المتعالم عندنا أن هرقل نقل أهل هذه الحصون معه و شعثها فكان المسلمون إذا غزوا لم يجدوا بها أحدا و ربما كمن عندها القوم من الروم فأصابوا غرة المتخلفين عن العسكر و المنقطعين عنها، فكان ولاة الشواتى و الصوائف إذا دخلوا بلاد الروم خلفوا بها جندا كثيفا إلى خروجهم‏ (1) .

و قد اختلفوا فى أول من قطع الدرب و هو درب بغراس، فقال بعضهم:

قطعه ميسرة بن مسروق العبسي وجهه أبو عبيدة بن الجراح فلقى جمعا للروم و معهم مستعربة من غسان و تنوخ و إياد يريدون اللحاق بهرقل فأوقع بهم و قتل منهم مقتلة عظيمة، ثم لحق به مالك الأشتر النخعي مددامن قبل أبى عبيدة و هو بأنطاكية، و قال بعضهم: أول من قطع الدرب عمر بن سعد الأنصارى حين توجه فى أمر جبلة بن الأيهم و قال أبو الخطاب الأزدى: بلغني أن أبا

____________

(1) أي ليمثلونهم أثناء غيابهم، و يحافظوا على السلطة، و الأمن في البلاد.

165

عبيدة نفسه غزا الصائفة فمر بالمصيصة و طرسوس و قد جلا أهلها و أهل الحصون التي تليها فأدرب فبلغ فى غزاته زندة، و قال غيره: إنما وجه ميسرة بن مسروق فبلغ زندة.

حدثني أبو صالح الفراء عن رجل من أهل دمشق يقال له عبد اللّه بن الوليد بن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسى فيما يحسب أبو صالح، قال: لما غزا معاوية غزوة عمورية فى سنة خمس و عشرين وجد الحصون فيما بين انطاكية و طرسوس خالية فوقف عندها جماعة من أهل الشام و الجزيرة و قنسرين حتى انصرف من غزاته، ثم أغزى بعد ذلك بسنة أو سنتين يزيد ابن الحر العبسي الصائفة و أمره ففعل مثل ذلك، و كانت الولاة تفعله، و قال هذا الرجل: و وجدت فى كتاب مغازي معاوية أنه غزا سنة إحدى و ثلاثين من ناحية المصيصة فبلغ درولية فلما خرج جعل لا يمر بحصن فيما بينه و بين انطاكية إلا هدمه.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي و غيره، قال، لما كانت سنة أربع و ثمانين غزا على الصائفة عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان فدخل من درب انطاكية و أنى المصيصة فبنى حصنها على أساسه القديم و وضع بها سكانا من الجند فيهم ثلاثمائة رجل انتخبهم من ذوى البأس و النجدة المعروفين‏و لم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك و بنى فيها مسجدا فوق تل الحصن ثم سار فى جيشه حتى غزا حصن سنان ففتحه و وجه يزيد بن حنين الطائي الأنطاكي فأغار ثم انصرف إليه، و قال أبو الخطاب الأزدي: كان أول من ابتنى حصن المصيصة فى الإسلام عبد الملك بن مروان على يد ابنه عبد اللّه بن عبد الملك فى سنة أربع و ثمانين على أساسها القديم فتم بناؤها و شحنها فى سنة خمس و ثمانين و كانت فى الحصن كنيسة جعلت هريا و كانت الطوالع من انطاكية تطلع عليها فى كل عام فتشتو بها ثم تنصرف و عدة من كان يطلع إليها ألف و خمسمائة إلى الألفين،

166

قال: و شخص عمر بن عبد العزيز حتى نزل هرى المصيصة و أراد هدمها و هدم الحصون بينها و بين انطاكية، و قال: اكره أن يحاصر الروم أهلها فاعلمه الناس أنها إنما عمرت ليدفع من بها من الروم عن انطاكية و أنه إن أخربها لم يكن للعدو ناحية دون انطاكية فأمسك و بنى لأهلها مسجدا جامعا من ناحية كفربيا و اتخذ فيه صهريجا و كان اسمه عليه مكتوبا، ثم أن المسجد خرب فى خلافة المعتصم بالله و هو يدعى مسجد الحصن، قال: ثم بنى هشام بن عبد الملك الربض ثم بنى مروان بن محمد الخصوص فى شرقى جيحان و بنى عليها حائطا و أقام عليه باب خشب و خندق خندقا فلما استخلف أبو العباس فرض بالمصيصة لأربعمائة رجل زيادة فى شحنتها و أقطعهم، ثم لما استخلف المنصور فرض بالمصيصة لأربعمائة رجل ثم لما دخلت سنة تسع و ثلاثين و مائة أمر بعمران مدينة المصيصة، و كان حائطها متشعثا من الزلازل و أهلها قليل فى داخل المدينة فبنى سور المدينة و أسكنها أهلها سنة أربعين و مائة و سماها المعمورة و بنى فيها مسجدا جامعا فى موضع هيكل كان بها و جعله مثل مسجد عمر مرات، ثم زاد فيه المأمون أيام ولاية عبد اللّه بن طاهر بن الحسين المغرب و فرض المنصور فيها لألف رجل، ثم نقل أهل الخصوص و هم فرس و صقالبة و أنباط نصارى، و كان مروان أسكنهم إياها و أعطاهم خططا فى المدينة عوضا عن منازلهم على ذرعها و نقض منازلهم و أعانهم على البناء و أقطع الفرض قطائع و مساكن، و لما استخلف المهدى فرض بالمصيصة لألفى رجل و لم يقطعهم لأنها قد كانت شحنت من الجند و المطوعة، و لم تزل الطوالع تأتيها من أنطاكية فى كل عام حتى وليها سالم البرلسى و فرض موضعه لخمسمائة مقاتل على خاصة عشرة دنانير عشرة دنانير فكثر من بها و قووا و ذلك فى خلافة المهدى.

و حدثني محمد بن سهم عن مشايخ الثغر، قالوا: ألحت الروم على أهل‏

167

المصيصة فى أول أيام الدولة المباركة حتى جلوا عنهافوجه صالح بن على جبريل بن يحيى البجلي إليها فعمرها و أسكنها الناس فى سنة أربعين و مائة و بنى الرشيد كفربيا و يقال بل كانت ابتدئت فى خلافة المهدى ثم غير الرشيد بناءها و حصنها بخندق ثم رفع إلى المأمون فى أمر غلة كانت على منازلها فابطلها و كانت منازلها كالخانات و أمر فجعل لها سور فرفع فلم يستتم حتى توفى فأمر المعتصم بالله بإتمامه و تشريفه، قالوا: و كان الذي حصن المثقب هشام بن عبد الملك على يد حسان بن ماهويه الأنطاكى، و وجد فى خندقه حين حضر ساق مفرط الطول فبعث به إلى هشام، و بنى هشام حصن قطر غاش على يدي عبد العزيز بن حيان الأنطاكى، و بنى هشام حصن مورة على يدي رجل من أهل انطاكية و كان سبب بنائه إياه أن الروم عرضوا لرسول له فى درب اللكام عند العقبة البيضاء و رتب فيه أربعين رجلا و جماعة من الجراجمة و أقام ببغراس مسلحة فى خمسين رجلا و ابنتى لها حصنا و بنى هشام حصن يوقا من عمل انطاكية ثم جدد و أصلح حديثا، و بنى محمد بن يوسف المروزي المعروف بأبى سعيد حصنا بساحل انطاكية بعد غارة الروم على ساحلها فى خلافه المعتصم بالله رحمه اللّه.

حدثني داود بن عبد الحميد قاضى الرقة عن أبيه عن جده أن عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه أراد هدم المصيصة و نقل أهلها عنهالما كانوا يلقون من الروم فتوفى قبل ذلك.

و حدثني بعض أهل انطاكية و بغراس: أن مسلمة بن عبد الملك لما غزا عمورية حمل معه نساءه و حمل ناس ممن معه نساءهم و كانت بنو أمية تفعل ذلك ارادة الجد فى القتال للغيرة على الحرم فلما صار فى عقبة بغراس عند الطريق المستدقة التي تشرف على الوادي سقط محمل فيه امرأة إلى الحضيض‏

168

فأمر مسلمة أن تمشى سائر النساء فمشين فسميت تلك العقبة عقبة النساء، و قد كان المعتصم بالله رحمه اللّه بنى على حد تلك الطريق حائطا قصيرا من حجارة و قال أبو النعمان الأنطاكى: كان الطريق فيما بين انطاكية و المصيصة مسبعة يعترض للناس فيها الأسد، فلما كان الوليد بن عبد الملك شكا ذلك إليه فوجه أربعة آلاف جاموسة و جاموس فنفع اللّه بها، و كان محمد بن القاسم الثقفي عامل الحجاج على السند بعث منها بألوف جواميس فبعث الحجاج إلى الوليد منها بما بعث من الأربعة آلاف و القى باقيها فى آجام كسكر، و لما خلع يزيد بن المهلب فقتل و قبض يزيد بن عبد الملك أموال بنى المهلب أصاب لهم أربعة آلاف جاموسة كانت بكور دجلة و كسكر فوجه بها يزيد بن عبد الملك إلى المصيصة أيضا مع زطها فكان أصل الجواميس بالمصيصة ثمانية آلاف جاموسة و كان أهل انطاكية و قنسرين قد غلبوا على كثير منها و اختاروه لأنفسهم فى أيام فتنة مروان بن محمد بن مروان، فلما استخلف المنصور أمر بردها إلى المصيصة و أما جواميس انطاكية فكان أصلهاما قدم به الزط، معهم و كذلك جواميس بوقا، و قال أبو الخطاب بنى الجسر الذي على طريق أذنة من المصيصة و هو على تسعة أميال من المصيصة سنة خمس و عشرين و مائة و يدعى جسر الوليد و هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول، و قال أبو النعمان الأنطاكى و غيره: بنيت أذنة فى سنة إحدى و أربعين و مائة أو اثنتين و أربعين و مائة و الجنود من أهل خراسان معسكرون عليها مع مسلمة بن يحيى البجلي و من أهل الشام بن مالك بن أدهم الباهلي و وجههما صالح بن على.

قالوا: و لما كانت سنة خمس و ستين و مائة أغزى المهدى ابنه هارون الرشيد بلاد الروم فنزل على الخليج ثم خرج فرم المصيصة و مسجدها و زاد فى شحنتها و قوى أهلها و بنى القصر الذي عند جسر أذنة على سيحان، و قد كان‏

169

المنصور أغزى صالح بن على بلاد الروم فوجه هلال بن ضيغم فى جماعة من أهل دمشق و الأردن و غيرهم فبنى ذلك القصر و لم يكن بناؤه محكما فهدمه الرشيد و بناه ثم لما كانت سنة أربع و تسعين و مائة بنى أبو سليم فرج الخادم أذنة فاحكم بناءها و حصنها و ندب إليها رجالا من أهل خراسان و غيرهم على زيادة فى العطاء و ذلك بأمر محمد بن الرشيد فرم قصر سيحان و كان الرشيد توفى سنة ثلاث و تسعين و مائة و عامله على أعشار الثغور أبو سليم فأقره محمد و أبو سليم هذا هو صاحب الدار بأنطاكية.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: غزا الحسن بن قحطبة الطائي بلاد الروم سنة اثنتين و ستين و مائة فى أهل خراسان و أهل الموصل و الشام و أمداد اليمن و مطوعة العراق و الحجاز خرج مما يلي طرسوس فأخبر المهدى بما فى بنائها و تحصينها و شحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام و الكبت العدو و الوقم له فيما يحاول و يكيد. و كان الحسن قد أبلى فى تلك الغزاة بلاء حسنا و دوخ أرض الروم حتى سموه الشيتن، و كان معه فى غزاته مندل العنزي المحدث الكوفي و معتمر بن سليمان البصري.

و حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني سعد بن الحسن، قال لما خرج الحسن من بلاد الروم نزل مرج طرسوس فركب إلى مدينتها و هي خراب فنظر إليها و أطاف بها من جميع جهاتها و حزر عدة من يسكنها فوجدهم مائة ألف فلما قدم على المهدى وصف له أمرها و ما فى بنائها و شحنتها من غيظ العدو و كبته و عز الإسلام و أهله و أخبره فى الحدث أيضا بخبر رغبه فى بناء مدينتها فأمره ببناء طرسوس و أن يبدأ بمدينة الحدث فبنيت و أوصى المهدى ببناء طرسوس.

فلما كانت سنة إحدى و سبعين و مائة بلغ الرشيد أن الروم‏ائتمروا

170

بينهم بالخروج إلى طرسوس لتحصينها و ترتيب المقاتلة فيها فأغزى الصائفة فى سنة إحدى و سبعين و مائة هرثمة بن أعين و أمره بعمارة طرسوس و بنائها و تمصيرها ففعل و أجرى أمرها على يد فرج بن سليم الخادم بأمر الرشيد فوكل فرج ببنائها و توجه أبو سليم إلى مدينة السلام فأشخص الندبة الأولى من أهل خراسان و هم ثلاثة آلاف رجل فوردوا طرسوس ثم أشخص الندبة الثانية و هم ألفا رجل ألف من أهل المصيصة و ألف من أهل انطاكية على زيادة عشرة دنانير عشرة دنانير لكل رجل فى أصل عطائه فعسكروا مع الندبة الأولى بالمدائن على باب الجهاد فى مستهل المحرم سنة اثنتين و سبعين و مائة إلى أن استتم بناء طرسوس و تحصينها و بناء مسجدها و مسح فرج ما بين النهر إلى النهر فبلغ ذلك أربعة آلاف خطة كل خطة عشرون ذراعا فى مثلها و أقطع أهل طرسوس الخطط و سكنتها الندبتان فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين و سبعين و مائة.

قالوا: و كان عبد الملك بن صالح قد استعمل يزيد بن مخلد الفزاري على طرسوس فطرده بها من أهل خراسان و استوحشوا منه للهبيرية فاستخلف أبا الفوارس فأقره عبد الملك بن صالح و ذلك فى سنة ثلاث و سبعين و مائة.

قال محمد بن سعد حدثني الواقدي، قال: جلا أهل سيسية و لحقوا بأعلى الروم فى سنة أربع و تسعين و مائة أو ثلاث و تسعين و مائة و سيسية مدينة تل عين زربة و قد عمرت فى خلافة المتوكل على اللّه على يدي على بن يحيى الأرمنى‏ثم أخربتها الروم. قالوا: فكان الذي أحرق انطاكية المحترقة ببلاد الروم عباس بن الوليد بن عبد الملك.

قالوا: و تل جبير نسبت إلى رجل من فرس انطاكية كانت له عنده وقعة و هو من طرسوس على أقل من عشرة أميال، قالوا: و الحصن المعروف بذي الكلاع إنما هو الحصن ذو القلاع لأنه على ثلاث قلاع فحرف اسمه‏

171

و تفسير اسمه بالرومية الحصن الذي مع الكواكب، و قالوا: سميت كنيسة الصلح لأن الروم لما حملوا صلحهم إلى الرشيد نزلوها، و نسب مرج حسين إلى حسين بن مسلم الأنطاكي، و ذلك أنه كانت له به وقعة و نكاية فى العدو قالوا. و أغزى المهدى ابنه هارون الرشيد فى سنة ثلاث و ستين و مائة فحاصر أهل ضمالو و هي التي تدعوها العامة سمالو فسألوا الأمان لعشرة أهل أبيات فيهم القومس فأجابهم إلى ذلك، و كان فى شرطهم أن لا يفوق بينهم فانزلوا ببغداد على باب الشماسية فسموا موضعهم سمالو فهو معروف، و يقال بل نزلوا على حكم المهدى فاستحياهم و جمعهم بذلك الموضع و أمر أن يسمى سمالو و أمر الرشيد فنودي على من بقي فى الحصن فبيعوا و أخذ حبشي كان يشتم الرشيد و المسلمين فصلب على برج من أبراجه.

و حدثني أحمد بن الحارث الواسطي عن محمد بن سعد عن الواقدي، قال: لما كانت سنة ثمانين و مائة أمر الرشيد بابتناءمدينة عين زربة و تحصينها و ندب إليها ندبة من أهل خراسان و غيرهم فأقطعهم بها المنازل ثم لما كانت سنة ثلاث و ثمانين و مائة أمر ببناء الهارونية فبنيت و شحنت أيضا بالمقاتلة و من نزح إليها من المطوعة و نسبت إليه، و يقال إنه بناها فى خلافة المهدى ثم أنمت فى خلافته، قالوا: و كانت الكنيسة السوداء من حجارة سود بناها الروم على وجه الدهر، و لها حصن قديم أخرب فيما أخرب فأمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء و تحصينها و ندب إليها المقاتلة فى زيادة العطاء.

و أخبرنى بعض أهل الثغر عزون بن سعد: أن الروم أغارت عليها و القاسم بن الرشيد مقيم بدابق فاستاقوا مواشى أهلها و أسروا عدة منهم فنفر إليهم أهل المصيصة و مطوعتها فاستنقذوا جميع ما صار إليهم و قتلوا منهم بشرا و رجع الباقون منكوبين مفلولين، فوجه القاسم من حصن المدينة

172

و زمها و زاد فى شحنتها، و قد كان المعتصم بالله نقل إلى عين زربة و نواحيها بشرا من الزط الذين قد كانوا غلبوا على البطائح بين واسط و البصرة فانتفع أهلها بهم.

حدثني أبو صالح الأنطاكى، قال: كان أبو إسحاق الفزاري يكره شراء أرض بالثغر، و يقول غلب عليه قوم فى بدء الأمر و أجلوا الروم عنه فلم يقسموه و صار إلى غيرهم‏و قد دخلت فى هذا الأمر شبهة العاقل حقيق بتركها.

و كانت بالثغارات قد تحيفت ما يرتفع من أعشاره حتى قصرت عن نفقائه فأمر المتوكل فى سنة ثلاث و أربعين و مائتين بإبطال تلك الايغارات فأبطلت.

فتوح الجَزيرَة الجزيرة

حدثني داود بن عبد الحميد قاضى الرقة عن أبيه عن جده عن ميمون ابن مهران، قال: الجزيرة كلها فتوح عياص بن غنم بعد وفاة أبى عبيدة ولاه إياها عمر بن الخطاب و كان أبو عبيدة استخلفه على الشام فولى عمر ابن الخطاب يزيد بن أبى سفيان ثم معاوية من بعده الشام و أمر عياضا بغزو الجزيرة و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن عدة من الجزريين عن سليمان بن عطاء القرشي، قال: بعث أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فمات أبو عبيدة و هو بها فولاه عمر إياها بعد.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا النفيلى عبد اللّه بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عطاء، قال: لما فتح عياض بن غنم الرها و كان أبو عبيدة وجهه وقف على بابها على فرس له كميت فصالحوه‏على أن لهم هيكلهم و ما حوله و على أن لا يحدثوا كنيسة إلا ما كان لهم و على معونة المسلمين على عدوهم فإن تركوا شيئا

173

مما شرط عليهم فلا ذمة لهم و دخل أهل الجزيرة فيما دخل فيه أهل الرها.

و قال محمد بن سعد، قال الواقدي: أثبت ما سمعنا فى أمر عياض أن أبا عبيدة مات فى طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، و استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر بتوليته حمص و قنسرين و الجزيرة: فسار إلى الجزيرة يوم الخميس للنصف من شعبان سنة ثماني عشرة فى خمسة آلاف و على مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي و على ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي و على ميسرته صفوان بن المعطل السلمى، و كان خالد بن الوليد على ميسرته، و يقال: إن خالدا لم يسر تحت لواء أحد بعد أبى عبيدة و لزم حمص حتى توفى بها سنة إحدى و عشرين و أوصى إلى عمر: و بعضهم يزعم أنه مات بالمدينة و موته بحمص أثبت.

قالوا: فانتهت طليعة عياض إلى الرقة فأغاروا على حاضر كان حولها للعرب و على قوم من الفلاحين فأصابوا مغنما و هرب من نجا من أولئك فدخلوا مدينة الرقة، و أقبل عياض فى عسكرة حتى نزل باب الرها و هو أحد أبوابها فى تعبئة فرمى المسلمون ساعة حتى جرح بعضهم ثم أنه تأخر عنهم لئلا تبلغه حجارتهم و سهامهم و ركب فطاف حول المدينة و وضع على أبوابها روابط ثم رجع إلى عسكره‏و بث السرايا فجعلوا يأتون بالأسرى من القرى و بالأطعمة الكثيرة و كانت الزروع مستحصدة، فلما مضت خمسة أيام أو ستة و هم على ذلك أرسل بطريق المدينة إلى عياض يطلب الأمان فصالحه عياض على أن أمن جميع أهلها على أنفسهم و ذراريهم و أموالهم و مدينتهم، و قال عياض: الأرض لنا قد وطئناها و أحرزناها فأقرها فى أيديهم على الخراج و دفع منها ما لم يرده أهل الذمة فرفضوه إلى المسلمين على العشر و وضع الجزية على رقابهم فألزم كل رجل منهم دينارا فى كل سنة و أخرج النساء و الصبيان و وظف عليهم مع الدينار أقفزة من قمح و شيئا من‏

174

زيت و خل و عسل، فلما ولى معاوية جعل ذلك جزية عليهم ثم أنهم فتحوا أبواب المدينة و أقاموا للمسلمين سوقا على باب الرها فكتب لهم عياض.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عياض بن غنم أهل الرقة يوم دخلها أعطاهم أمانا لأنفسهم و أموالهم و كنائسهم لا تخرب و لا تسكن إذا أعطوا الجزية التي عليهم و لم يحدثوا مغيلة و على أن لا يحدثوا كنيسة و لا بيعة و لا يظهروا ناقوسا و لا باعوثا و لا صليباشهد اللّه‏ «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً» و ختم عياض بخاتمه.

و يقال: إن عياضا ألزم كل حالم من أهل الرقة أربعة دنانير و الثبت أن عمر كتب بعد إلى عمير بن سعد و هو واليه ان ألزم كل امرئ منهم أربعة دنانير كما ألزم أهل الذهب.

قالوا: ثم سار عياض إلى حران فنزل بأجدى و بعث مقدمته فأغلق أهل حران أبوابها دونهم ثم اتبعهم، فلما نزل بها بعث إليه الحرنانية من أهلها يعلمونه أن فى أيديهم طائفة من المدينة و يسئلونه أن يصير إلى الرها فما صالحوه عليه من شي‏ء قنعوا به و خلوا بينه و بين النصارى حتى يصيروا إليه و بلغ النصارى ذلك فأرسلوا إليه بالرضى بما عرض الحرنانية و بذلوا فأتى الرها و قد جمع له أهلها فرموا المسلمين ساعة، ثم خرجت مقاتلتهم فهزمهم المسلمون حتى ألجئوهم إلى المدينة فلم ينشبوا إن طلبوا الصلح و الأمان، فأجابهم عياض إليه و كتب لهم كتابا نسخته.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها إنكم إن فتحتم لى باب المدينة على أن تؤدوا إلى عن كل رجل دينارا و مدى قمح فأنتم آمنون عن أنفسكم و أموالكم و من تبعكم و عليكم إرشاد الضال و إصلاح الجسور و الطرق و نصيحة المسلمين‏ «شهد الله و كفى بالله شهيدا» . ـ

175

و حدثني داود بن عبد الحميد عن أبيه عن جده، إن كتاب عياض لأهل الرها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من عياض بن غنم و من معه من المسلمين لأهل الرها أنى أمنتهم على دمائهم و أموالهم و ذراريهم و نسائهم و مدينتهم و طواحينهم إذا أدوا الحق الذي عليهم، و لنا عليهم أن يصلحوا جسورنا و يهدوا ضالنا شهد اللّه و ملائكته و المسلمون.

قال: ثم أتى عياض حران و وجه صفوان بن المعطل و حبيب بن مسلمة الفهري إلى سميساط فصالح عياض أهل حران على مثل صلح الرها و فتحوا له أبوابها و ولاها رجلا، ثم سار إلى سميساط فوجد صفوان بن المعطل، و حبيب بن مسلمة مقيمين عليها و قد غلبا على قرى و حصون من قراها و حصونها فصالحه أهلها على مثل صلح أهل الرها، و كان عياض يغزو من الرها ثم يرجع إليها.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن معمر عن الزهري، قال: لم يبق بالجزيرة موضع قدم إلا فتح على عهد عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه على يد عياض بن غنم فتح حران، و الرها، و الرقة، و قرقيسيا، و نصيبين، و سنجار.

و حدثني محمد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن مسلمة عن فرات بن سلمان عن ثابت بن الحجاج، قال: فتح عياض الرقة و حران و الرها و نصيبين و ميافارقين و قرقيسيا و قرى الفرات و مدائنها صلحا و أرضها عنوة و حدثني محمد عن الواقدي عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعدأن عياضا افتتح الجزيرة و مدائنها صلحا و أرضها عنوة.

و قد روى: أن عياضا لما أتى حران من الرقة وجدها خالية قد انتقل أهلها إلى الرها فلما فتحت الرها صالحوه عن مدينتهم و هم بها و كان صلحهم مثل صلح الرها.

176

و حدثني أبو أيوب الرقى المؤدب، قال: حدثني الحجاج بن أبى منيع الرصافي عن أبيه عن جده، قال: فتح عياض الرقة ثم الرها ثم حران ثم سميساط على صلح واحد، ثم أتى سروج و راسكيفا و الأرض البيضاء فغلب على أرضها و صالح أهل حصونها على مثل صلح الرها. ثم أن سميساط كفروا فلما بلغه ذلك رجع إليهم فحاصرها حتى فتحها و بلغه أن أهل الرها قد نقضوا فلما أناخ عليهم فتحوا له أبواب مدينتهم فدخلها و خلف بها عامله فى جماعة ثم أتى قرايات الفرات و هي جسر منبج و ذواتها ففتحها على ذلك و أتى عين الوردة و هي رأس العين فامتنعت عليه فتركها و أتى تل موزن ففتحها على مثل صلح الرها و ذلك فى سنة تسع عشرة، و وجه عياض إلى قرقيسيا حبيب ابن مسلمة الفهري ففتحها صلحا على مثل صلح الرقة و فتح عياض آمد بغير قتال على مثل صلح الرها، و فتح ميافارقين على مثل ذلك و فتح حصن كفرتوثا، و فتح نصيبين بعد قتال على مثل صلح الرها، و فتح طور عبدين و حصن ماردين و دارا على مثل ذلك، و فتح قردى و بازبدى على مثل صلح نصيبين و أتاه بطريق الزوزان فصالحه عن أرضه على أتاوة و كل ذلك فى سنة تسع عشرة و أيام من المحرم سنة عشرين، ثم سار إلى أوزن ففتحها على مثل صلح نصيبين و دخل الدرب فبلغ بدليس و جازها إلى خلاط و صلح بطريقها و انتهى إلى العين الحامضة من أرمينية فلم يعدها ثم عاد فضمن صاحب بدليس خراج خلاط و جماجمها و ما على بطريقها، ثم أنه انصرف إلى الرقة و مضى إلى حمص و قد كان عمر ولاه إياها فمات سنة عشرين. و ولى عمر سعيد بن عامر بن حذيم فلم يلبث إلا قليلا حتى مات فولى عمر عمير بن سعد الأنصارى ففتح عين الوردة بعد قتال شديد.

و قال الواقدي: حدثني من سمع إسحاق بن أبى فروة يحدث عن أبى‏

177

وهب الجيشاني ديلم بن الموسع أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كتب إلى عياض يأمره أن يوجه عمير بن سعد إلى عين الوردة فوجهه إليها فقدم الطلائع أمامه فأصابوا قوما من الفلاحين و غنموا مواشى من مواشى العدو ثم أن أهل المدينة غلقوا أبوابها و نصبوا العرادات عليها فقتل من المسلمين بالحجارة و السهام بشر و اطلع عليهم بطريق من بطارقتها فشتمهم و قال:

لسنا كمن لقيتم ثم أنها فتحت بعد على صلح.

حدثني عمرو بن محمد عن الحجاج بن أبى منيع عن أبيه عن جده، قال:

امتنعت رأس العين على عياض بن غنم ففتحها عمير بن سعد و هو والى عمر على الجزيرة بعد أن قاتل‏أهلها المسلمين قتالا شديدا فدخلها المسلمون عنوة، ثم صالحوهم بعد ذلك على أن دفعت الأرض إليهم و وضعت الجزية على رؤسهم على كل رأس أربعة دنانير و لم تسب نساؤهم و لا أولادهم، و قال الحجاج: و قد سمعت مشايخ من أهل راس العين يذكرون أن عميرا لما دخلها قال لهم: لا بأس لا بأس إلى إلى فكان ذلك أمانا لهم، و زعم الهيثم بن عدى: أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه بعث أبا موسى الأشعرى إلى عين الوردة فغزاها بجند الجزيرة بعد وفاة عياض، و الثبت أن عميرا فتحها عنوة فلم تسب و جعل عليهم الخراج و الجزية و لم يقل هذا أحد غير الهيثم، و قال الحجاج بن أبى منيع: جلا خلق من أهل رأس العين و اعتمل المسلمون أراضيهم و ازدرعوها باقطاع.

و حدثني محمد بن المفضل الموصلي عن مشايخ من أهل سنجار، قالوا:

كانت سنجار فى أيدى الروم ثم ان كسرى المعروف بابرويز أراد قتل مائة رجل من الفرس كانوا حملوا إليه بسبب خلاف و معصية، فكلم فيهم فأمر أن يوجهوا إلى سنجار و هو يومئذ يعانى فتحها فمات منهم رجلان‏و وصل إليها

178

ثمانية و تسعون رجلا فصاروا مع المقاتلة الذين كانوا بازائها ففتحوها دونهم و أقاموا بها و تناسلوا، فلما انصرف عياض من خلاط و صار إلى الجزيرة بعث إلى سنجار ففتحها صلحا و أسكنها قوما من العرب، و قد قال بعض الرواة أن عياضا فتح حصنا من الموصل و ليس ذلك بثبت. قال ابن الكلبي:

عمير بن سعد عامل عمر هو عمير بن سعد بن شهيد بن عمرو أحد الأوس، و قال الواقدي: هو عمير بن سعد بن عبيد و قتل أبوه سعد يوم القادسية، و سعد هذا هو الذي يروى الكوفيون إنه أحد من جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال الواقدي: و قد روى قوم أن خالد بن الوليد ولى لعمر بعض الجزيرة فاطلى فى حمام بآمد أو غيرها بشي‏ء فيه خمر فعزله عمر: و ليس ذلك بثبت.

و حدثني عمرو الناقد، قال: حدثني الحجاج بن أبى منيع عن أبيه عن جده عن ميمون بن مهران، قال: أخذ الزيت و الخل و الطعام لمرفق المسلمين بالجزيرة مدة ثم خفف عنهم و اقتصر بهم على ثمانية و أربعين درهما و أربعة و عشرين و اثنى عشر نظرا من عمر للناس و كان على كل انسان مع جزيته مدا قمح و قسطان من زيت و قسطان من خل.

و حدثني عدة من أهل الرقة، قالوا: لما مات عياض و ولى الجزيرة سعيد ابن عامر بن حذيم بنى مسجد الرقة و مسجد الرها ثم توفى فبنى المساجد بديار مضر و ديار ربيعة عمير بن سعد، ثم لما ولى معاوية الشام و الجزيرة لعثمان بن عفان رضى اللّه عنه أمره أن ينزل العرب بمواضع نائية عن المدن و القرى و يأذن لهم فى اعتمال الأرضين التي لا حق فيها لأحد فانزل بنى تميم الرابية و أنزل المازحين و المديبر اخلاطا من قيس و أسد و غيرهم و فعل ذلك فى جميع نواحي ديار مضر و رتب ربيعة فى ديارها على ذلك، و ألزم المدن‏

179

و القرى و المسالح من يقوم بحفظها و يذب عنها من أهل العطاء ثم جعلهم مع عماله.

و حدثني أبو حفص الشامي عن حماد بن عمرو النصيبي قال: كتب عامل نصيبين إلى معاوية و هو عامل عثمان على الشام و الجزيرة يشكو إليه أن جماعة من المسلمين ممن معه أصيبوا بالعقارب فكتب إليه يأمره أن يوظف على أهل كل حيز من المدينة عدة من العقارب مسماة فى كل ليلة ففعل فكانوا يأتونه بها فيأمر بقتلها.

و حدثني أبو أيوب المؤدب الرقى عن أبى عبد اللّه القرقسانى عن أشياخه أن عمير بن سعد لما فتح رأس العين سلك الخابور و ما يليه حتى أتى قرقيسيا و قد نقض أهلها فصالحهم على مثل صلحهم الأول، ثم أتى حصون الفرات حصنا حصنا ففتحها على ما فتحت عليه قرقيسيا و لم يلق فى شي‏ء منها كثير قتال، و كان بعض أهلها ربما رموا بالحجارة، فلما فرغ من تلبس و عانات أتى النأوسة و آلوسة و هيت فوجد عمار بن ياسر و هو يومئذ عامل عمر بن الخطاب على الكوفةو قد بعث جيشا يستغزى ما فوق الأنبار عليه سعد بن عمرو بن حرام الأنصارى، و قد أتاه أهل هذه الحصون فطلبوا الأمان فأمنهم و استثنى على أهل هيت نصف كنيستهم فانصرف عمير إلى الرقة.

و حدثني بعض أهل العلم، قال: كان الذي توجه إلى هيت و الحصون التي بعدها من الكوفة مدرج بن عمرو السلمى حليف بنى عبد شمس و له صحبة فتولى فتحها و هو بنى الحديثة التي على الفرات و ولده بهيت و كان منهم رجل يكنى أبا هارون باقى الذكر هناك، و يقال: أن مدلاجا كان من قبل سعد بن عمرو بن حرام و اللّه أعلم.

قالوا: و كان موضع نهر سعيد بن عبد الملك بن مروان-و هو الذي‏

180

يقال له سعيد الخير و كان يظهر نسكا-غيضة ذات سباع فأقطعه إياها الوليد فحفر النهر و عمر ما هناك، و قال بعضهم: الذي أقطعه ذلك عمر بن عبد العزيز قالوا: و لم يكن للرافقة أثر قديم إنما بناها أمير المؤمنين المنصور رحمه اللّه سنة خمس و خمسين و مائة على بناء مدينته ببغداد، و رتب فيها جندا من أهل خراسان و جرت على يدي المهدى و هو ولى عهد، ثم أن الرشيد بنى قصورها فكان بين الرقة و الرافقة فضاء مزارع، فلما قدم على بن سليمان بن على واليا على الجزيرة نقل أسواق الرقة إلى تلك الأرض، فكان سوق الرقة الأعظم فيما مضى يعرف بسوق هشام العتيق، ثم لما قدم الرشيد الرقة استزاد فى تلك الأسواق‏فلم تزل تجتبى مع الصوافي، و أمار صافة هشام فإن هشام بن عبد الملك أحدثها و كان ينزل قبلها الزيتونة و حفر الهنى و المري، و استخرج الضيعة التي تعرف بالهنى و المري، و أحدث فيها واسط الرقة، ثم إن تلك الضيعة قبضت فى أول الدولة ثم صارت لأم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور فابتنت فيها القطيعة التي تنسب إليها و زادت فى عمارتها، و لم يكن للرحبة التي فى أسفل قرقيسيا أثر قديم إنما بناه و أحدثها مالك بن طوق بن عتاب التغلبي فى خلافة المأمون. و كانت أذرمة من ديار ربيعة قرية قديمة فأخذها الحسن بن عمرو بن الخطاب التغلبي من صاحبها و بنى بها قصرا و حصنها، و كانت كفرتوثا حصنا قديما فاتخذها ولد أبى رمثة منزلا فمدنوها و حصنوها.

حدثني معافى بن طاوس عن أبيه، قال: سألت المشايخ عن أعشار بلد و ديار ربيعة و البرية، فقال: هي أعشار ما أسلمت عليه العرب أو عمرته من لموات الذي ليس فى يد أحد أو رفضه النصارى فمات و غلب عليها الدغل فأقطعه العرب.

حدثني أبو عفان الرقى عن مشايخ من كتاب الرقة و غيرهم، قالوا: كانت‏

181

عين الرومية و ماؤها للوليد بن عقبة بن أبى معيطفأعطاها أبا زبيد الطائي ثم صارت لأبى العباس أمير المؤمنين فأقطعها ميمون بن حمزة مولى على بن عبد اللّه بن عباس ثم ابتاعها الرشيد من ورثته و هي من أرض الرقة، قالوا:

و كان بن هبيرة أقطع غابة ابن هبيرة فقبضت و أقطعها بشر بن ميمون صاحب الطاقات ببغداد بناحية باب الشام ثم ابتاعها الرشيد و هي من أرض سروج، و كان هشام أقطع عائشة ابنته قطيعة برأسكيفا تعرف بها فقبضت و كانت لعبد الملك و هشام قرية تدعى سلعوس و نصف قرية تدعى كفر جدا من الرها و كانت بحران للغمر بن يزيد تل عفراء و أرض تل مذابا (كذا) و أرض المصلى و صوافي فى ربض حران أو مستغلاتها، و كان مرج عبد الواحد حمى المسلمون قبل أن تبنى الحدث و زبطرة فلما بنيتا استغنى بهما فعمر، فضمه الحسين الخادم إلى الأحواز فى خلافة الرشيد ثم توثب الناس على مزارعه حتى قدم عبد اللّه بن طاهر الشام فرده إلى الضياع، و قال أبو أيوب الرقى: سمعت أن عبد الواحد الذي نسب المرج إليه عبد الواحد بن الحارث ابن الحكم بن أبى العاصي و هو ابن عم عبد الملك كان المرج له فجعله حمى للمسلمين و هو الذي مدحه القطامي فقال:

أهل المدينة لا يحزنك شأنهم # إذا تخطأ عبد الواحد الأجل‏

أمر نصارى بن تغلب بن وائل‏

حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن السفاح الشيبانى، أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بنى تغلب فانطلقوا هاربين و لحقت طائفة منهم ببعد من الأرض، فقال النعمان ابن زرعة أو زرعة بن النعمان: أنشدك اللّه فى بنى تغلب فإنهم قوم من العرب‏

182

نائفون من الجزية و هم قوم شديدة نكايتهم فلا يغن عدوك عليك بهم فأرسل عمر فى طلبهم فردهم و أضعف عليهم الصدقة.

حدثنا شيبان، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: حدثنا ليث عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لا تؤكل ذبائح نصارى بنى تغلب و لا تنكح نساؤهم: ليسوا منا و لا من أهل الكتاب.

حدثنا عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة بن الحكم و أبى مخنف، قالا:

كتب عمير بن سعد إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه يعلمه أنه أتى شق الفرات الشامي ففتح عانات و سائر حصون الفرات و أنه أراد من هناك من بنى تغلب على الإسلام فأبوه و هموا باللحاق بأرض الروم و قبلهم ما أراد من فى الشق الشرقي على ذلك فامتنعوا منه و سألوه أن يأذن لهم فى الجلاءو استطلع رأيه فيهم فكتب إليه عمر رضى اللّه عنه يأمره أن يضعف عليهم الصدقة التي تؤخذ من المسلمين فى كل سائمة و أرض و إن أبوا ذلك حاربهم حتى يبيدهم أو يسلموا فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة، و قالوا: أما إذ لم تكن جزية كجزية الاعلاج فإنا نرضى و نحفظ ديننا.

حدثني عمرو الناقد، قال: حدثني أبو معاوية عن الشيبان عن السفاح عن داود بن كردوس، قال: صالح عمر بن الخطاب بنى تغلب بعد ما قطعوا الفرات و أرادوا اللحاق بأرض الروم على أن لا يصبغوا صبيا و لا يكرهوه على دينهم و على أن عليهم الصدقة مضعفة، قال: و كان داود بن كردوس يقول: ليست لهم ذمة لأنهم قد صبغوا فى دينهم يعنى المعمودية فحدثني الحسين بن الأسود قال: حدثنا يحيى بن آدم عن ابن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلى عن الزهري، قال: ليس فى مواشى أهل الكتاب صدقة إلا نصارى بنى تغلب أو قال نصارى العرب الذين عامة أموالهم المواشي فإن عليهم ضعف ما على المسلمين.

183

حدثنا سعيد بن سليمان سعدويه: حدثنا هشيم عن مغيرة عن السفاح ابن المثنى عن زرعة بن النعمان أنه كان كلم عمر فى نصارى بنى تغلب و قال قوم عرب نائفون من الجزية و إنما هم أصحاب حروث و مواش و كان عمر قد هم أن يأخذ الجزية منهم‏فتفرقوا فى البلاد فصالحهم على أن أضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين من صدقاتهم فى الأرض و الماشية، و اشترط عليهم أن لا ينصروا أولادهم،

قال مغيرة: فكان على عليه السلام يقول: لئن تفرغت لبنى تغلب ليكونن لى فيهم رأى لأقتلن مقاتلهم و لأسبين ذريتهم فقد نقضوا العهد و برئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم.

و حدثني أبو نصر التمار، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه عن ابراهيم بن مهاجر عن زياد بن حدير الأسدى، قال: بعثني عمر إلى نصارى بنى تغلب آخذ منهم نصف عشر أموالهم و نهاني أن أعشر مسلما أو ذميا يؤدى الخراج.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبى سبرة عن عبد الملك بن نوفل عن محمد بن ابراهيم بن الحارث: أن عثمان أمر أن لا يقبل من بنى تغلب فى الجزية إلا الذهب و الفضة فجاءه الثبت أن عمر أخذ منهم ضعف الصدقة فرجع عن ذلك، قال الواقدي، و قال سفيان الثوري، و الأوزاعى، و مالك بن أنس، و ابن أبى ليلى، و ابن أبى ذئب، و أبو حنيفة، و أبو يوسف يؤخذ من التغلبي ضعف ما يؤخذ من المسلم فى أرضه و ماشيته و ماله، فأما الصبى و المعتوه منهم فإن أهل العراق يرون أن يؤخذ ضعف الصدقة من أرضه و لا يأخذون من ماشيته شيئا، و قال أهل الحجاز يؤخذ ذلك من ماشيته و أرضه، و قالوا جميعا: أن سبيل ما يؤخذ من أموال بنى تغلب سبيل مال الخراج لأنه بدل من الجزية.

غزو الثغور الجزرية

قالوا: لما استخلف عثمان بن عفان رضى اللّه عنه كتب إلى معاوية بولايته‏

184

الشام و ولى عمير بن سعد الأنصارى الجزيرة ثم عزله و جمع لمعاوية الشام و الجزيرة و ثغورهما و أمره يغزو شمشاط و هي أرمينية الرابعة أن يغزيها فوجه إليها حبيب بن مسلمة الفهري و صفوان بن معطل السلمى: ففتحاها بعد أيام من نزولهما عليها على مثل صلح الرها و أقام صفوان بها، و بها توفى فى آخر خلافة معاوية و يقال بل غزاها معاوية نفسه و هذان معه فولاها صفوان فاوطنها و توفى بها قالوا: و قد كان قسطنطين الطاغة أناخ عليها بعد نزوله فى ملطية فى سنة ثلاث و ثلاثين و مائة فلم يمكنه فيها شي‏ء فأغار على ما حولها ثم انصرف و لم تزل شمشاط خراجية حتى صيرها المتوكل على اللّه رحمه اللّه عشرية أسوة غيرها من الثغور، و قالوا: أغزى حبيب بن مسلمة حصن كمخ بعد فتح شمشاط فلم يقدر عليه و غزاه صفوان فلم يمكنه فتحه ثم غزاه فى سنة تسع و خمسين و هي السنة التي مات فيها و معه عمير بن الحباب السلمى فعلا عمير سوره‏و لم يزل يجالد عليه وحده حتى كشف الروم و صعد المسلمون ففتحه لعمير بن الحباب و بذلك كان يفخر و يفخر له، ثم أن الروم غلبوا عليه ففتحه مسلمة بن عبد الملك و لم يزل يفتح و تغلب الروم عليه فلما كانت سنة تسع و أربعين و مائة شخص المنصور عن بغداد حتى نزل حديثه الموصل، ثم أغزى منها الحسن بن قحطبة و بعده محمد بن الأشعث و جعل عليهما العباس بن محمد و أمره أن يغزو بهم كمخ فمات محمد بن الأشعث بآمد و سار العباس و الحسن حتى صار إلى ملطية فحملا منها الميرة ثم أناخ على كمخ، و أمر العباس بنصب المناجنيق عليه فجعلوا على حصنهم خشب العرعر لئلا يضربه حجارة المنجنيق، و رموا المسلمين فقتلوا منهم بالحجارة مائتي رجل فاتخذ المسلمون الدبابات و قاتلوا قتالا شديدا حتى فتحوه، و كان مع العباس ابن محمد بن على فى غزاته هذه مطر الوراق، ثم أن الروم أغلقوا كمخ فلما كانت سنة سبع و سبعين و مائة غزا محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبى

185

عمرة الأنصارى و هو عامل عبد الملك بن صالح على شمشاط ففتحه و دخله لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة فلم يزل مفتوحا حتى كان هيج محمد بن الرشيد فهرب أهله و غلبت عليه الروم، و يقال أن عبد اللّه بن الأقطع دفعه إليهم و تخلص ابنه و كان أسيرا عندهم، ثم أن عبد اللّه بن طاهر فتحه فى خلافة المأمون فكان فى أيدى المسلمين حتى لطف قوم من نصارى شمشاط و قاليقلا و بقراط بن أشوط بطريق خلاطفى دفعه إلى الروم و التقرب إليهم بذلك بسبب ضياع لهم فى عمل شمشاط.

فتح مَلَطْيَة ملطية

و قالوا: وجه عياض بن غنم حبيب بن مسلمة الفهري من شمشاط إلى ملطية ففتحها ثم أغلقت، فلما ولى معاوية الشام و الجزيرة وجه إليها حبيب ابن مسلمة ففتحها عنوة و رتب فيها رابطة من المسلمين مع عاملها و قدمها معاوية و هو يريد دخول الروم فشحنها بجماعة من أهل الشام و الجزبرة و غيرهما فكانت طريق الصوائف، ثم أن أهلها انتقلوا عنها فى أيام عبد اللّه ابن الزبير و خرجت الروم فشعثتها ثم تركها فنزلها قوم من النصارى من الأرمن و النبط.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي فى اسناده، : قال كان المسلمون نزلوا طرندة بعد أن غزاها عبد اللّه بن عبد الملك سنة ثلاث و ثمانين و بنوا بها مساكن و هي من ملطية على ثلاث مراحل واغلة فى بلاد الروم و ملطية يومئذ خراب ليس بها إلا ناس من أهل الذمة من الأرمن و غيرهم فكانت تأتيهم طالعة من جند الجزيرة فى الصيف فيقومون بها إلى أن ينزل الشتاء و تسقط الثلوج فإذا كان ذلك قفلوا، فلما ولى عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه‏

186

رحل أهل طرندة عنها و هم كارهون، و ذلك‏لاشفافه عليهم من العدو و احتملوا فلم يدعوا لهم شيئا حتى كسروا خوابى الخل و الزيت، ثم أنزلهم مطلية و أخرب طرندة و ولى مطلية جعونة بن الحارث أحد بنى عامر بن صعصعة.

قالوا: و خرج عشرون ألفا من الروم فى سنة ثلاث و عشرين و مائة فنزلوا على ملطية فأغلق أهلها أبوابها و ظهر النساء على السور عليهن العمائم فقاتلن، و خرج رسول لأهل ملطية مستغيثا فركب البريد و سار حتى لحق بهشام بن عبد الملك و هو بالرصافة فندب هشام الناس إلى ملطية ثم أتاه الخبر بأن الروم قد رحلت عنها فدعا الرسول فأخبره و بعث معه خيلا ليرابط بها و غزا هشام نفسه، ثم نزل ملطية و عسكر عليها حتى بنيت فكان ممره بالرقة دخلها متقلدا سيفا و لم يتقلده قبل ذلك فى أيامه.

قال الواقدي: لما كانت سنة ثلاث و ثلاثين و مائة أقبل قسطنطين الطاغية عامدا لملطية و كمخ يومئذ فى أيدى المسلمين و عليها رجل من بنى سليم فبعث أهل كمخ الصريخ إلى أهل ملطية فخرج إلى الروم منهم ثمانمائة فارس فواقعهم خيل الروم فهزمتهم و مال الرومي فأناخ على ملطية فحصر من فيها و الجزيرة يومئذ مفتونة و عاملها موسى بن كعب بحران فوجهوا رسولا لهم إليه فلم يمكنه إغاثتهم و بلغ ذلك قسطنطين‏فقال لهم: يا أهل ملطية إنى لم آتيكم إلا على علم بأمركم و تشاغل سلطانكم عنكم انزلوا على الأمان و اخلوا المدينة و اخربها و أمضى عنكم فأبوا عليه فوضع عليها المجانيق فلما جهدهم البلاء و اشتد عليهم الحصار سألوه أن يوثق لهم ففعل، ثم استعدوا للرحلة و حملوا ما استدق لهم و ألقوا كثيرا مما ثقل عليهم فى الآبار و المخابي ثم خرجوا و أقام لهم الروم صفين من باب المدينة إلى منقطع آخرهم مخترطى السيوف ظرف سيف كل واحد منهم مع طرف سيف الذي يقابله حتى كأنها عقد قنطرة

187

ثم شيعوهم حتى بلغوا مأمنهم و توجهوا نحو الجزيرة فتفرقوا فيها، و هدم الروم ملطية فلم يبقوا منها إلا هريا فإنهم شعثوا منه شيئا يسيرا و هدموا حصن قلوذية، فلما كانت سنة تسع و ثلاثين و مائة كتب المنصور إلى صالح ابن على يأمره ببناء ملطية و تحصينها، ثم رأى أن يوجه عبد الوهاب بن إبراهيم الامام واليا على الجزيرة و ثغورها، فتوجه فى سنة أربعين و مائة و معه الحسن بن قحطبة فى جنود أهل خراسان فقطع البعوث على أهل الشام و الجزيرة فتوافى معه سبعون ألفا فعسكر على ملطية و قد جمع الفعلة من كل بلد فأخذ فى بنائها و كان الحسن بن قحطبة ربما جمل الحجر حتى يناوله البناء و جعل يغدى الناس و يعشيهم من ماله مبرزا مطابخه‏فغاظ ذلك عبد الوهاب فكتب إلى أبى جعفر يعلمه أنه يطعم الناس و أن الحسن يطعم أضعاف ذلك التماسا لأن يطوله و يفسد ما يصنع و يهجنه بالإسراف و الرياء و أن له منادين ينادون الناس إلى طعامه، فكتب إليه أبو جعفر يا صبي يطعم الحسن من ماله و تطعم من مالي ما أتيت إلا من صغر خطرك و قلة همتك و سفه رأيك، و كتب إلى الحسن أن أطعم و لا تتخذ مناديا فكان الحسن يقول من سبق إلى شرفة فله كذا فجد الناس فى العمل حتى فرغوا من بناء ملطية و مسجدها فى ستة أشهر، و بنى للجند الذين أسكنوها لكل عرافة بيتان سفليان و عليتان فوقهما و إصطبل، و العرافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلا و بنى لها مسلحة على ثلاثين ميلا منها، و مسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع فى الفرات و أسكن المنصور ملطية أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة لأنها من ثغورهم على زيادة عشرة دنانير فى عطاء كل رجل و معونة مائة دينار سوى الجعل الذي يتجاعله القبائل بينها و وضع فيها شحنتها من السلاح‏و أقطع الجند المزارع، و بنى حصن قلوذية و أقبل قسطنطين الطاغية فى أكثر من مائة ألف فنزل جيحان فبلغه كثرة العرب‏

188

فأحجم عنها، و سمعت من يذكر أنه كان مع عبد الوهاب فى هذه الغزاة نصر ابن مالك الخزاعي و نصر بن سعد الكاتب مولى الأنصار فقال الشاعر:

تكنفك النصران نصر بن مالك # و نصر بن سعد عز نصرك من نصر

و فى سنة إحدى و أربعين و مائة أغزى محمد بن إبراهيم ملطية فى جند من أهل خراسان و على شرطته المسيب بن زهير فرابط بها لئلا يطمع فيها العدو فتراجع إليها من كان باقيا من أهلها، و كانت الروم عرضت لملطية فى خلافة الرشيد فلم تقدر عليها و غزاهم الرشيد رحمه اللّه فأشجاهم و قمعهم.

و قالوا: وجه أبو عبيدة بن الجراح و هو بمنبج خالد بن الوليد إلى ناحية مرعش ففتح حصنها على أن جلا أهله ثم أخربه، و كان سفيان بن عوف الغامدى لما غزا الروم فى سنة ثلاثين رحل من قبل مرعش فساح فى بلاد الروم و كان معاوية بنى مدينة مرعش و أسكنها جندا فلما كان موت يزيد بن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا عنها و صالح عبد الملك الروم بعد موت أبيه مروان بن الحكم و طلبه الخلافة على شي‏ء كان يؤديه إليهم، فلما كانت سنة أربع و سبعين‏غزا محمد بن مروان الروم و انتقض الصلح، و لما كانت سنة خمس و سبعين غزا الصائفة أيضا محمد بن مروان و خرجت الروم فى جمادى الأولى من مرعش إلى الأعماق فزحف إليهم المسلمون و عليهم أبان بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط و معه دينار بن دينار مولى عبد الملك بن مروان، و كان على قنسرين و كورها فالتقوا بعمق مرعش فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت الروم و اتبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون، و كان دينار لقى فى هذا العام جماعة من الروم بجسر يغرا، و هو من شمشاط على نحو من عشرة أميال فظفر بهم، ثم أن العباس بن الوليد بن عبد الملك صار إلى مرعش فعمرها و حصنها و نقل الناس إليها و بنى لها

189

مسجدا جامعا كان يقطع فى كل عام على أهل قنسرين بعثا إليها، فلما كانت أيام مروان بن محمد و شغل بمحاربة أهل حمص خرجت الروم و حصرت مدينة مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء فخرجوا نحو الجزيرة و جند قنسرين بعيالاتهم ثم أخربوها و كان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، و كان الطاغية يومئذ قسطنطين بن اليون، ثم لما فرغ مروان من أمر حمص و هدم سورها بعث جيشا لبناء مرعش فبنيت و مدنت‏فخرجت الروم فى قتلته فأخربتها فبناها صالح بن على فى خلافه أبى جعفر المنصور و حصنها و ندب الناس إليها على زيادة العطاء و استخلف المهدى فزاد فى شحنتها و قوى أهلها.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: خرج ميخائيل من درب الحدث فى ثمانين ألفا فأتى عمق مرعش فقتل و أحرق و سبى من المسلمين خلقا و صار إلى باب مدينة مرعش و بها عيسى بن على، و كان قد غزا فى تلك السنة فخرج إليه موالي عيسى و أهل المدينة و مقاتلتهم فرشقوه بالنبل و السهام فاستطرد لهم حتى إذا نحاهم عن المدينة كر عليهم فقتل من موالي عيسى ثمانية نفر و اعتصم الباقون بالمدينة فأغلقوها فحاصرهم بها ثم انصرف حتى نزل جيحان، و بلغ الخبر ثمامة بن الوليد العبسي و هو بدابق، و كان قد ولى الصائفة سنة إحدى و ستين و مائة فتوجه إليه خيلا كثيفة فأصيبوا إلا من نجا منهم فاحفظ ذلك المهدى و احتفل لاغزاء الحسن بن قحطبة فى العام المقبل و هو سنة اثنتين و ستين و مائة. قالوا: و كان حصن الحدث مما فتح أيام عمر فتحه حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم و كان معاوية يتعهده بعد ذلك، و كان بنو أمية يسمون درب الحدث السلامة للطيرةلأن المسلمين كانوا أصيبوا به فكان ذلك الحدث فيما يقول بعض الناس، و قال قوم: لقى المسلمين غلام حدث على الدرب فقاتلهم فى أصحابه فقيل درب‏

190

الحدث، و لما كان زمن فتنة مروان بن محمد خرجت الروم فهدمت مدينة الحدث و أجلت عنها أهلها كما فعلت بملطية، ثم لما كانت سنة إحدى و ستين و مائة خرج ميخائيل إلى عمق مرعش و وجه المهدى الحسن بن قحطبة ساح فى بلاد الروم فتقلت وطأته على أهلها حتى صوروه فى كنائسهم، و كان دخوله من درب الحدث فنظر إلى موضع مدينتها فأخبر أن ميخائيل خرج منه فارتاد الحسن موضع مدينته هناك فلما انصرف كلم المهدى فى بنائها و بناء طرسوس فأمر بتقديم بناء مدينة الحدث، و كان فى غزاة الحسن هذه مندل العنزي المحدث الكوفي و معتمر بن سليمان البصري فأنشأها على بن سليمان ابن على و هو على الجزيرة و قنسرين‏و سميت المحمدية، و توفى المهدى مع فراغهم من بنائها فهي المهدية و المحمدية، و كان بناؤها باللبن، و كانت وفاته سنة تسع و ستين و مائة و استخلف موسى الهادي ابنه فعزل على بن سليمان و ولى الجزيرة و قنسرين محمد بن ابراهيم بن محمد بن على، و قد كان على بن سليمان فرغ من بناء مدينة الحدث و فرض محمد لها فرضا من أهل الشام و الجزيرة و خراسان فى أربعين دينارا من العطاء و أقطعهم المساكن و أعطى كل امرئ ثلاثمائة درهم، و كان الفراغ منها فى سنة تسع و ستين و مائة، و قال ابو الخطاب: فرض على بن سليمان بمدينة الحدث لأربعة آلاف فأسكنهم إياها و نقل إليها من ملطية و شمشاط و سميساط كيسوم و دلوك و رعبان ألفى رجل.

قال الواقدي: و لما بنيت مدينة الحدث هجم الشتاء و الثلوج و كثرت الأمطار، و لم يكن بناؤها بمستوثق منه و لا محتاط فيه فتثلمت المدينة و تشعثت و نزل بها الروم فتفرق عنها من كان فيها من جندها و غيرهم، و بلغ الخبر موسى فقطع بعثا مع المسيب بن زهير و بعثا مع روح بن حاتم و بعثا مع حمزة بن‏

191

مالك فمات قبل أن ينفذوا. ثم ولى الرشيد الخلافة فأمر ببنائها و تحصينها و شحنتها و إقطاع مقاتلتها المساكن و القطائع.

و قال غير الواقدي: أناخ بطريق من عظماء بطارقة الروم فى جمع كثيف على مدينة الحدث حين بنيت و كان بناؤها بلبن قد حمل بعضه على بعض و أضرت به الثلوج‏و هرب عاملها و من فيها و دخلها العدو فحرق مسجدها و أخربها و احتمل أمتعة أهلها فبناها الرشيد حين استخلف.

و حدثني بعض أهل منبج، قال: إن الرشيد كتب إلى محمد بن إبراهيم بإقراره على عمله فجرى أمر مدينة الحدث و عمارتها من قبل الرشيد على يده ثم عزله.

قالوا: و كان مالك بن عبد اللّه الخثعمي الذي يقال له مالك الصوائف و هو من أهل فلسطين غزا بلاد الروم سنة ست و أربعين و غنم غنائم كثيرة، ثم قفل: فلما كان من درب الحديث على خمسة عشر ميلا بموضع يدعى الرهوة أقام فيها ثلاثا فباع الغنائم و قسم سهام الغنيمة فسميت تلك الرهوة رهوة مالك.

قالوا: و كان مرج عبد الواحد حمى لخيل المسلمين فلما بنى الحدث و زبطرة استغنى عنه فازدرع، قالوا: و كانت زبطرة حصنا قديما روميا ففتح مع حصن الحدث القديم فتحه حبيب بن مسلمة الفهري، و كان قائما إلى أن أخربته الروم فى أيام الوليد بن يزيد فبنى بناء غير محكم فأناخت الروم عليه فى أيام فتنة مروان بن محمد فهدمته فبناه المنصور، ثم خرجت إليه فشعثته فبناه الرشيد على يدي محمد بن ابراهيم و شحنه، فلما كانت خلافة المأمون: طرقه الروم فشعثوه و أغاروا على سرح أهله‏فاستاقوا لهم مواشى فأمر المأمون بمرمته و تحصينه، و قدم وفد طاغية الروم فى سنة عشر و مائتين يسأل الصلح فلم يجبه إليه و كتب إلى عمال الثغور فساحوا فى بلاد الروم فأكثروا فيها

192

القتل و دوخوها و ظفروا ظفرا حسنا إلا أن يقظان بن عبد الأعلى بن أحمد بن يزيد بن أسيد السلمى أصيب، ثم خرجت الروم إلى زبطرة فى خلافة المعتصم بالله أبى إسحاق بن الرشيد فقتلوا الرجال و سبوا النساء و أخربوها فأحفظه ذلك و أغضبه، فغزاهم حتى بلغ عمورية و قد أخرب قبلها حصونا فأناخ عليتها حتى فتحها فقتل المقاتلة و سبى النساء و الذرية ثم أخربها و أمر ببناء زبطرة و حصنها و شحنها فرامها الروم بعد ذلك فلم يقدروا عليها.

و حدثني أبو عمرو الباهلي و غيره، قالوا: نسب حصن منصور إلى منصور بن جعونة بن الحارث العامري من قيس، و ذلك أنه تولى بناءه و مرمته، و كان مقيما به أيام مروان ليرد العدو و معه جند كثيف من أهل الشام و الجزيرة و كان منصور هذا على أهل الرها حين امتنعوا فى أول الدولة فحصرهم المنصورو هو عامل أبى العباس على الجزيرة و أرمينية، فلما فتحها هرب منصور ثم أو من فظهر، فلما خلع عبد اللّه بن على أبا جعفر المنصور ولاه شرطته فلما هرب عبد اللّه إلى البصرة استخفى فدل عليه فى سنة إحدى و أربعين و مائة فأتى المنصور به فقتله بالرقة منصرفه من بيت المقدس، و قوم يقولون: أنه أو من بعد هرب ابن على فظهر، ثم وجدت له كتب إلى الروم بغش الإسلام فلما قدم المنصور الرقة من بيت المقدس سنة إحدى و أربعين و مائة وجه من أتاه به فضرب عنقه بالرقة ثم انصرف إلى الهاشمية بالكوفة.

و كان الرشيد بنى حصن منصور و شحنه فى خلافة المهدى.

نقل ديوان الرومية

قالوا: و لم يزل ديوان الشام بالرومية حتى ولى عبد الملك بن مروان، فلما كانت سنة إحدى و ثمانين أمر بنقله و ذلك أن رجلا من كتاب الروم احتج أن‏

193

يكتب شيئا فلم يجد ماء فبال فى الدواة، فبلغ ذلك عبد الملك فأدبه، و أمر سليمان بن سعد بنقل الديوان فسأله‏أن يعينه بخراج الأردن سنة ففعل ذلك، و ولاه الأردن فلم تنقض السنة حتى فرغ من نقله و أتى به عبد الملك فدعا بسرجون كاتبه فعرض ذلك عليه فغمه و خرج من عنده كثيبا فلقيه قوم من كتاب الروم، فقال: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها اللّه عنكم، قال: و كانت وظيفة الأردن التي قطعها معونة مائة ألف و ثمانين ألف دينار و وظيفة فلسطين ثلاثمائة ألف خمسين ألف دينار و وظيفه دمشق أربعمائة ألف دينار و وظيفة حمص مع قنسرين و الكور التي تدعى اليوم العواصم ثمانمائة ألف دينار، و يقال: سبعمائة ألف دينار.

فتوح إِرْمِينِيَة أرمينية

حدثني محمد بن إسماعيل من ساكني برذعة و غيره عن أبى براء عنبسة ابن بحر الأرمنى، و حدثني محمد بن بشر القالي عن أشياخه، و برمك بن عبد اللّه الديلي، و محمد بن المخيس الخلاطى و غيرهم عن قوم من أهل العلم بأمور أرمينية، سقت حديثهم و رددت من بعضه على بعض، قالوا: كانت شمشاط و قاليقلا و خلاط و أرجيش و باجنيس تدعى أرمينية الرابعة: و كانت كورة البسفرجان و دبيل و سراج طير و بغروند تدعى أرمينية الثالثة و كانت جرزان تدعى ارمينية الثانية، و كانت السيسجان و أران تدعى أرمينية الأولى و يقال كانت شمشاط وحدها أرمينية الرابعة، و كانت قاليقلا و خلاط و أرجيش و باجنيس تدعى أرمينية الثالثة، و سراج طير و بغروند و دبيل‏و البسفرجان تدعى أرمينية الثانية، و سيسجان و أراد و تفليس تدعى أرمينية الأولى و كانت جرزان و أران فى أيدى الخزر و سابر أرمينية فى أيدى الروم يتولاها صاحب‏

194

أرمنياقس، و كانت الخزر تخرج فتغير و ربما بلغت الدينور فوجه قباذ بن فيروز الملك قائد من عظماء قواده فى اثنى عشر ألفا فوطئ بلاد أران و فتح ما بين النهر الذي يعرف بالرس إلى شروان، ثم أن قباذ لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان، و مدينة برذنة، و هي مدينة الثغر كله، و مدينة قبله، و هي الخزر ثم بنى سد اللبن فيما بين أرض شروان و باب اللان، و بنى على سد اللبن ثلاثمائة و ستين مدينة خربت بعد بناء الباب و الأبواب، ثم أن ملك بعد قباذ ابنه أنوشروان كسرى بن قباذ فبنى مدينة الشابران و مدينة مسقط، ثم بنى مدينة الباب و الأبواب، و إنما سميت أبوابا لأنها بنيت على طريق فى الجبل و أسكن ما بنى من هذه المواضع قوما سماهم السياسيجين، و بنى بأرض أران أبواب شكن و القميبران و أبواب الدودانية، و هم أمة يزعمون أنهم من بنى دودان بن أسد بن خزيمة و بنى الدرذوقية و هي اثنا عشر بابا كل باب منها قصر من حجارة و بنى بأرض جرزان مدينة، يقال لها. سغدبيل‏و أنزلها قوما من السغد و أبناء فارس و جعلها مسلحة، و بنى مما يلي الروم فى بلاد جرزان قصرا يقال له باب فيروز قباذ، و قصرا يقال له. باب لاذقة، و قصرا يقال له، باب بارقة و هو على بحر طرابزندة، و بنى باب اللان، و باب سمسخى، و بنى قلعة الجردمان و قلعة سمشلدى، و فتح أنوشروان جميع ما كان فى أيدى الروم من أرمينية و عمر مدينة دبيل و حصنها، و بنى مدينة النشوى و هي مدينة كورة البسفرجان، و بنى حصن و يص، و قلاعا بأرض السيسجان، منها قلعة الكلاب، و ساهيونس و أسكن هذه الحصون و القلاع ذوى البأس و النجدة من سياسجية، ثم أن أنوشروان كتب إلى ملك الترك يسأله الموادعة و الصلح و أن يكون أمرهما واحدا و خطب إليه ابنته ليؤنسه بذلك و أظهر له الرغبة فى صهره و بعث إليه بأمة كانت تبنتها امرأة من نسائه و ذكر أنها ابنته، فهدى التركي ابنته إليه، ثم قدم عليه فالتقيا بالبرشلية

195

و تنادما أياما و أنس كل واحد منهما بصاحبه و أظهر بره، و أمر أنوشروان جماعة من خاصته و ثقاته أن يبيتوا طرفا من عسكر التركي و يحرقوا فيه ففعلوا فلما أصبح شكا ذلك إلى أنوشروان فأنكر أن يكون أمر به أو علم أن أحدا من أصحابه فعله، و لما مضت لذلك ليالي‏أمر أولئك القوم بمعاودة مثل الذي كان منهم ففعلوا فضج التركي من فعلهم حتى رفق به أنوشروان و اعتذر إليه فسكن ثم أن أنوشروان أمر فألقيت النار فى ناحية من عسكره لم يكن بها إلا أكواخ قد اتخذت من حشيش و عيدان فلما أصبح ضج أنوشروان إلى التركي، و قال: كاد أصحابك يذهبون بعسكرى و قد كافأتنى بالظنة فحلف أنه لم يعلم بشي‏ء مما كان سببا فقال أنوشروان: يا أخى جندنا و جندك قد كرهوا صلحنا لانقطاع ما انقطع عنهم من النيل فى الغارات و الحروب التي كانت تكون بيننا و لا أمن أن يحدثوا أحداثا يفسد قلوبنا بعد تصافينا و تخالصنا حتى نعود إلى العداوة بعد الصهر و المودة، و الرأى أن تأذن لى فى بناء حائط يكون بيني و بينك و نجعل عليه بابا فلا يدخل إليك من عندنا و إلينا من عندك إلا من أردت و أردنا، فأجابه إلى ذلك فانصرف إلى بلاده و أقام أنوشروان لبناء الحائط فبناه و جعله من قبل البحر بالصخر و الرصاص و جعل عرضه ثلاثمائة ذراع و ألحقه برءوس الجبال و أمر أن تحمل الحجارة فى السفن و تغريقها فى البحر حتى إذا ظهرت على وجه الماء بنى عليها فقاد الحائط فى البحر ثلاثة أميال، فلما فرغ من بنائه علق على المدخل منه أبواب حديد و وكل به مائة فارس يحرسونه بعد أن كان موضعه يحتاج إلى خمسين ألفا من الجند، و جعل عليه دبابة فقيل لخاقان بعد ذلك انه خدعك و زوجك غير ابنته و تحصن منك فلم يقدر على حيلة.

و ملك أنوشروان ملوكا رتبهم و جعل لكل امرئ منهم شاهية ناحية فمنهم خاقان الجبل، و هو صاحب السرير و يدعى وهرارزانشاه، و منهم ملك‏

196

فيلان و هو فيلان شاة، و منهم طبرسرانشاه و ملك اللكز و يدعى جرششانشاه و ملك مسقط و قد بطلت مملكته، و ملك ليران و يدعى ليرانشاه، و ملك شروان و يدعى شروانشاه، و ملك صاحب بخ على بخ و صاحب زريكران عليها و أقر ملوك جبل القبق على ممالكهم و صالحهم على الاوتاوة فلم تزل أرمينية فى أيدى الفرس حتى ظهر الإسلام فرفض كثير من السياسيجين حصونهم و مدائنهم حتى خربت و غلب الخزر و الروم على ما كان فى أيديهم بديا.

قالوا: و قد كانت أمور الروم تستب فى بعض الأزمنة و صاروا كملوك الطوائف فملك أرمنياقس رجل منهم، ثم مات فملكتها بعده امرأته و كانت تسمى قالى فبنت مدينة قاليقلا و سمتها قاليقاله، و معنى ذلك احسان قالى، قال:

و صورت على باب من أبوابها فأعربت العرب قاليقاله فقالوا قاليقلا.

قالوا: و لما استخلف عثمان بن عفان كتب إلى معاوية و هو عامله على الشام و الجزيرة و ثغورها يأمره أن يوجه حبيب بن مسلمة الفهري إلى أرمينية و كان حبيب ذا أثر جميل فى فتوح الشام و غزو الروم. قد علم ذلك منه عمر ثم عثمان رضى اللّه عنهما ثم من بعده.

و يقال: بل كتب عثمان إلى حبيب يأمره بغزو أرمينية و ذلك أثبت، فنهض إليها فى ستة آلاف و يقال فى ثمانية آلاف من أهل الشام و الجزيرة فأت‏ى قاليقلا فأناخ عليها و خرج إليه أهلها فقاتلهم ثم ألجأهم إلى المدينة فطلبوا الأمان على الجلاء و الجزية فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم، و أقام حبيب بها فيمن معه أشهرا، ثم بلغه أن بطريق أرمنياقس قد جمع للمسلين جمعا عظيما و انضمت إليه أمداد أهل اللان و أفخاز و سمندر من الخزر فكتب إلى عثمان يسأله المدد فكتب إلى معاوية يسأله أن يشخص إليه من أهل الشام و الجزيرة قوما ممن يرغب فى الجهاد و الغنيمة فبعث إليه‏

197

معاوية ألفى رجل أسكنهم قاليقلا و أقطعهم بها القطائع و جعلهم مرابطة بها و لما ورد على عثمان كتاب حبيب كتب إلى سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية و هو عامله على الكوفة يأمره بإمداده بجيش عليه سلمان بن ربيعة الباهلي و هو سلمان الخيل، و كان خيرا فاضلا غزاء فسار سلمان الخيل إليه فى ستة آلاف رجل من أهل الكوفة، و قد أقبلت الروم و من معها فنزلوا على الفرات، و قد أبطأ على حبيب المدد فبيتهم المسلمون فاجتاحوهم و قتلوا عظيمهم و قالت أم عبد اللّه بنت يزيد الكلبية امرأة حبيب ليلتئذ له أين موعدك، قال: سرادق الطاغية أو الجنة، فلما انتهى إلى السرادق وجدها عنده‏قالوا: ثم أن سلمان ورد و قد فرغ المسلمون من عدوهم فطلب أهل الكوفة إليهم أن يشركوهم فى الغنيمة فلم يفعلوا حتى تغالظ حبيب و سلمان فى القول و توعد بعض المسلمين سلمان بالقتل قال الشاعر:

ان تقتلوا سلمان نقتل حبيبكم # و إن ترحلوا نحو ابن عفان ترحل‏

و كتب إلى عثمان بذلك فكتب: أن الغنيمة باردة لأهل الشام، و كتب إلى سلمان يأمره بغزو أران، و قد روى بعضهم: أن سلمان بن ربيعة توجه إلى أرمينية فى خلافة عثمان فسبى و غنم و انصرف إلى الوليد بن عقبة و هو بحديثة الموصل سنة خمس و عشرين فأتاه كتاب عثمان يعلمه أن معاوية كتب يذكر أن الروم قد أجلبوا على المسلمين بجموع عظيمة يسأل المدد و يأمره أن يبعث إليه ثمانية آلاف رجل فوجه بهم و عليهم سلمان بن ربيعة الباهلي و وجه معاوية حبيب بن مسلمة الفهري معه فى مثل تلك العدة فافتتحا حصونا و أصابا سبيا و تنازعا الامارة و هم أهل الشام بسلمان فقال الشاعر:

إن تقتلوا «البيت» .

و الخبر الأول أثبت. حدثني به عدة من مشايخ أهل قاليقلا و كتب إلى به العطاف بن سفيان أبو الأصبغ قاضيها.

198

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: حاصر حبيب بن مسلمة أهل دبيل فأقام عليها فلقيه الموريان الرومي فبيته و قتله و غنم ما كان فى عسكره، ثم قدم سلمان عليه، و الثبت عندهم أنه لقيه بقاليقلا.

و حدثني محمد بن بشر و ابن ورز القاليانى عن مشايخ أهل قاليقلا قالوا: لم تزل مدينة قاليقلا مذ فتحت ممتنعة بمن فيها من أهلها حتى خرج الطاغية فى سنة ثلاث و ثلاثين و مائة فحصر أهل ملطية و هدم حائطها و أجلى من بها من المسلمين إلى الجزيرة ثم نزل مرج الحصى فوجه كوسان الأرمنى حتى أناخ على قاليقلا فحصرها و أهلها يومئذ قليل و عاملها أبو كريمة فنقب إخوان من الأرمن من أهل مدينة قاليقلا ردما كان فى سورها و خرجا إلى كوسان فأدخلاه المدينة فغلب عليها فقتل و سبى و هدمها و ساق ما حوى إلى الطاغية و فرق السبي على أصحابه.

و قال الواقدي: لما كانت سنة تسع و ثلاثين و مائة فادى المنصور بمن كان حيا من أسارى أهل قاليقلا و بنى قاليقلا و عمرها ورد من فادى به إليها و ندب إليها جندا من أهل الجزيرة و غيرهم، و قد كان طاغية الروم خرج إلى قاليقلا فى خلافة المعتصم بالله فرمى سورها حتى كاد يسقط فأنفق المعتصم عليها خمسمائة ألف درهم‏حتى حصنت.

قالوا: و لما فتح حبيب مدينة قاليقلا سار حتى نزل مربالا فأناه بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم، و كان عياض قد أمنه على نفسه و ماله و بلاده و قاطعه على أتاوة فأنفذه حبيب له ثم نزل منزلا بين الهرك و دشت الورك فأتاه بطريق خلاط بما عليه من المال و أهدى له هدية لم يقبلها منه و نزل‏

199

خلاط ثم سار منها إلى الصسابه فلقيه بها صاحب مكس، و هي ناحية من نواحي البسرجان فقاطعه على بلاده و وجه معه رجلا و كتب له كتاب صلح و أمان و وجه إلى قرى أرجيش و باجنيس من غلب عليها و جبى جزية رؤس أهلها و أتاه وجوههم فقاطعهم على خراجها، فأما بحيرة الطريخ فلم يعرض لها و لم تزل مباحة حتى ولى محمد بن مروان بن الحكم الجزيرة و أرمينية فحوى صيدها و باعه فكان يستغلها، ثم صارت لمروان بن محمد فقبضت عنه، قال:

ثم سار حبيب و أتى ازدساط و هي قرية القرمزو أجاز نهر الأكراد و نزل مرج دبيل فسرب الخيول إليها، ثم زحف حتى نزل على بابها فتصحن أهلها و رموه فوضع عليها منجنيقا و رماهم حتى‏ (1) طلبوا الأمان و الصلح فأعطاهم إياه و جالت خيوله فنزلت جرنى و بلغت أشوش و ذات اللجم و الجبل كونتة (؟) و وادي الأحرار و غلبت على جميع قرى دبيل و وجه إلى سراج طير و بغروند فأتاه بطريقه فصالحه عنها على أتاوة يؤديها و على مناصحة المسلمين و قراهم و معاونتهم على أعدائهم و كان كتاب صلح دبيل.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لنصارى أهل دبيل و مجوسها و يهودها شاهدهم و غائبهم: إنى أمنتكم على أنفسكم و أموالكم و كنائسكم و بيعكم و سور مدينتكم فأنتم آمنون و علينا الوفاء لكم بالعهد ما وفيتم و أديتم الجزية و الخراج شهد اللّه‏ «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً» * و ختم حبيب بن مسلمة.

ثم أتى حبيب النشوى ففتحها على مثل صلح دبيل و قدم عليه بطريق البسفرجان فصالحه عن جميع بلاده و أرضى هصابنه (كذا) و أفارستة (كذا) على خرج يؤديه فى كل سنة، ثم أتى السيسجان فحاربهم أهلهافهزمهم و غلب على

____________

(1) المنجنيق مخصص لقذف الحجارة و المواد المحرقة أثناء الحروب.

200

ويص و صالح أهل القلاع بالسيسجان على خرج يؤدونه ثم سار إلى جرزان.

حدثني مشايخ من أهل دبيل منهم برمك بن عبد اللّه، قالوا، سار حبيب ابن مسلمة بمن معه يريد جرزان فلما انتهوا إلى ذات اللجم سرحوا بعض دوابهم و جمعوا لجمها فخرج عليهم قوم من العلوج فأعجلوهم عن الألجام فقاتلوهم فكشفوهم العلوج و أخذا تلك اللجم و ما قدروا عليه من الدواب ثم انهم كروا عليهم فقتلوهم و ارتجعوا ما أخذوا منهم فسمى الموضع ذات اللجم، قالوا: و أتى حبيبا رسول بطريق جرزان و أهلها و هو يريدها فأدى إليه رسالتهم و سأله كتاب صلح و أمان لهم فكتب حبيب إليهم.

«أما بعد» فإن نقلي رسولكهم قدم على و على الذين معى من المؤمنين فذكر عنكم أنا أمة أكرمنا اللّه و فضلنا، و كذلك فعل اللّه و له الحمد كثيرا، صلى اللّه على محمد نبيه و خيرته من خلقه و عليه السلام، و ذكرتم أنكم أحببتم سلمنا و قد قومت هديتكم و حسبتها من جزيتكم و كتب لكم أمانا و اشترطت فيه شرطا فإن قبلتموه و وفيتم به و إلا فأذنوا بحرب من اللّه و رسوله و السلام على من اتبع الهدى.

ثم ورد تفليس و كتب لأهلها صلحا.

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من حبيب بن مسلمةلأهل طفليس من منجليس من جرزان القرمز بالأمان على أنفسهم و بيعهم و صوامعهم و صلواتهم و دينهم على إقرار بالصغار و الجزية على كل أهل بيت دينار و ليس لكم أن تجمعوا بين أهل البيوتات تخفيفا للجزية و لا لنا أن نفرق بينهم استكثارا منها و لنا نصيحتكم و ضلعكم على أعداء اللّه و رسوله صلى اللّه عليه و سلم ما استطعتم و قرى المسلم المحتاج ليلة بالمعروف من حلال طعام أهل‏

201

الكتاب لنا و ان انقطع برجل من المسلمين عندكم فعليكم أداؤه إلى أدنى فئة من المؤمنين إلا أن يحال دونهم و إن أنبتم و أقمتم الصلاة فإخواننا فى الدين و إلا فالجزية عليكم، و إن عرض للمسلمين شغل عنكم فقهركم عدوكم فغير مأخوذين بذلك و لا هو ناقض عهدكم، هذا لكم و هذا عليكم شهد اللّه و ملائكته‏ وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً .

و كتب الجراح بن عبد اللّه الحكمي لأهل تفليس كتابا نسخته بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الجراح بن عبد اللّه‏لأهل تفليس من رستاق منجليس من كورة جرزان أنه أتونى بكتاب أمان لهم من حبيب بن مسلمة على الإقرار بصغار الجزية و أنه صالحهم على أرضين لهم و كروم و أرحاء يقال لها وارى، و سابينا من رستاق منجليس و عن طعام و ديدونا من رستاق قحويط من جرزان على أن يؤدوا عن هذه الأرحاء و الكروم فى كل سنة مائة درهم بلا ثانية فأنفذت لهم أمانهم و صلحهم و أمرت الإيراد عليهم فمن قرئ عليه كتابي فلا يتعد ذلك فيهم إن شاء اللّه و كتب، قالوا: و فتح حبيب حوارح و كسفربيس و كسال و خنان و سمسخى و الجردمان و كستسجى و شوشت و بازليت صلحا على حقن دماء أهلها و اقرار مصلياتهم و حيطانهم و على أن يؤدوا أتاوة عن أرضهم و رؤسهم و صالح أهل قلرجيت و أهل ثرياليت و خاخيط و خوخيط و أرطهال و باب اللال و صالح الصنارية و الدودانية على اتاوة، قالوا و سار سلمان بن ربيعة الباهلي حين أمره عثمان بالمسير إلى أران ففتح مدينة البيلقان صلحا على أن أمنهم على دمائهم و أموالهم و حيطان مدينتهم و اشترط عليهم أداء الجزية و الخراج ثم أتى سلمان برذعة فعسكر على الثرثور و هو نهر منهاعلى أقل من فرسخ فأغلق أهلها دونه أبوابهم فعاناها أياما و شن الغارات فى قراها، و كانت زروعها مستحصدة

202

فصالحوه على مثل صلح البيلقان و فتحوا له أبوابها فدخلها و أقام بها و وجه خيله ففتحت شفشين و المسفوان و أود و المصريان و الهرحليان و تبار و هي رساتيق و فتح غيرها من أران، و دعا أكراد البلاسجان إلى الإسلام فقاتلوه فظفر بهم فأقر بعضهم بالجزية و أدى بعض الصدقة و هم قليل.

و حدثني جماعة من أهل برذعة، قالوا: كانت شمكور مدينة قديمة فوجه سلمان بن ربيعة الباهلي من فتحها فلم تزل مسكونة معمورة حتى أخربها الساوردية و هم قوم تجمعوا فى أيام انصرف يزيد بن أسيد عن أرمينية فغلظ أمرهم و كثرت نوائبهم ثم أن بغا مولى المعتصم بالله رحمه اللّه عمرها فى سنة أربعين و مائتين و هو والى أرمينية و أذربيجان و شمشاط و أسكنها قوما خرجوا إليه من الخزر مستأمنين لرغبتهم فى الإسلام و نقل إليها التجار من برذعة و سماها المتوكلية، قالوا: و سار سلمان إلى مجمع الرس و الكر خلف برديج فعبر الكر ففتح قبلة و صالحه صاحب شكن و القميبران على أتاوة و صالحه أهل خيزان و ملك شروان و سائر ملوك الجبال و أهل مسقط و الشابران و مدينة الباب ثم أغلقت بعده و لقيه خاقان فى خيوله خلف نهر البلنجرفقتل رحمه اللّه فى أربعة آلاف من المسلمين فكان يسمع فى مأزقهم التكبير، و كان سلمان بن ربيعة أول من استقضى بالكوفة أقام أربعين يوما لا يأتيه خصم، و قد روى عن عمر بن الخطاب، و فى سلمان و قتيبة بن مسلم يقول ابن جمانة الباهلي:

و إن لنا قبرين قبر بلنجر # و قبر بصين استان يا لك من قبر

فذاك الذي بالصين عمت فتوحه # و هذا الذي يسقى به سبل القطر

و كان مع سلمان ببلنجر قرظة بن كعب الأنصارى و هو جاء بنعيه إلى عثمان، قالوا: و لما فتح حبيب ما فتح من أرض أرمينية كتب به إلى عثمان بن عفان فوفاه كتابه و قد نعى إليه سلمان فهم أن يوليه جميع أمينية، ثم رأى أن‏

203

يجعله غازيا بثغور الشام و الجزيرة لغنائه فيما كان ينهض له من ذلك فولى ثغر أرمينية حذيفة بن اليمان العبسي فشخص إلى برذعة و وجه عماله على ما بينها و بين قاليقلا و إلى خيزان فورد عليه كتاب عثمان يأمره بالانصراف و تخليف صلة بن زفر العبسي، و كان معه فخلفه و سار حبيب راجعا إلى الشام و كان يغزو الروم و نزل حمص فنقله معاوية إلى دمشق فتوفى بها سنة اثنتين و أربعين و هو ابن خمس و ثلاثين سنة، و كان معاوية وجه حبيبا فى جيش لنصرة عثمان حين حوصر، فلما انتهى إلى وادي القرى بلغه مقتل عثمان فرجع، قالوا: و ولى عثمان المغيرة بن شعبة أذربيجان و أرمينية، ثم عزله و ولى القاسم بن ربيعة ابن أمية بن أبى الصلت الثقفي أرمينية و يقال: ولاها عمرو بن معاوية بن المنتفق العقيلي، و بعضهم يقول وليها رجل من بنى كلاب بعد المغيرة خمس عشرة سنة ثم وليها العقبلى و ولى الأشعث بن قيس لعلى بن أبى طالب رضى اللّه عنه أرمينية و أذربيجان ثم وليها عبد اللّه بن حاتم بن النعمان بن عمرو الباهلي من قبل معاوية فمات بها فوليها عبد العزيز بن حاتم بن النعمان أخوه فبنى مدينة دبيل و حصنها و كبر مسجدها و بنى مدينة النشوى و رم مدينة برذعة و يقال: أنه جدد بناءها و أحكم حفر الفارقين حولها و جدد بناء مدينة البيلقان، و كانت هذه المدن متشعثة مستهدمة، و يقال أن الذي جدد بناء برذعة محمد بن مروان فى أيام عبد الملك بن مروان، و قال الواقدي: بنى عبد الملك مدينة برذعة على يد حاتم بن النعمان الباهلي أو ابنه، و قد كان عبد الملك‏ولى عثمان بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط، أرمينية، قالوا: و لما كانت فتنة ابن الزبير انتقضت أرمينية و خالف أحرارها و أتباعهم فلما ولى محمد بن مروان من قبل أخيه عبد الملك أرمينية حاربهم فظفر بهم فقتل و سبى و غلب على البلاد، ثم وعد من بقي منهم أن يعرض لهم فى الشرف فاجتمعوا لذلك فى كنائس من عمل خلاط فأغلقها عليهم‏

204

و وكل بأبوابها ثم خوفهم، و فى تلك الغزاة سبيت أم يزيد بن أسيد من السيسجان و كانت بنت بطريقها، قالوا: و ولى سليمان بن عبد الملك أرمينية عدى بن عدى بن عميرة الكندي، و كان عدى بن عميرة ممن نزل الرقة مفارقا لعلى بن أبى طالب ثم ولاه إياها عمر بن عبد العزيز و هو صاحب نهر عدى بالبيلقان، و روى بعضهم أن عامل عمر كان حاتم بن النعمان، و ليس ذلك بثبت، ثم ولى يزيد بن عبد الملك معلق بن صفار البهراني ثم عزله و ولى الحارث بن عمرو الطائي فغزا أهل اللكز ففتح رستاق حسمدان، و ولى الجراح بن عبد اللّه الحكمي من مذحج أرمينية فنزل برذعة فرفع إليه اختلاف مكاييلها و موازينها فأقامها على العدل و الوفاء و اتخذ مكيالا يدعى الجراحي فأهلها يتعاملون به إلى اليوم، ثم أنه عبر الكرو سار حتى قطع النهر المعروف بالسمور و صار إلى الخزر فقتل منهم مقتلة عظيمة و قاتل أهل بلاد حمزين، ثم صالحهم على أن نقلهم إلى رستاق خيزان و جعل لهم قريتين منه و أوقع بأهل غوميك و سبى منهم، ثم قفل فنزل شكى و شتا جنده ببرذعة و البيلقان و جاشت الخزر و عبرت الرس فحاربهم فى صحراء ورثان، ثم انحازوا إلى ناحية أردبيل فواقعهم على أربعة فراسخ مما يلي أرمينية فاقتلوا ثلاثة أيام فاستشهد و من معه فسمى ذلك النهر نهر الجراح و نسب جسر عليه إلى الجراح أيضا، ثم أن هشام بن عبد الملك ولى مسلمة بن عبد الملك أرمينية و وجه على مقدمته سعيد بن عمروا بن أسود الحرشي و معه إسحاق بن مسلم العقيلي و أخوته و جعونة بن الحارث بن خالد أحد بنى عامر بن ربيعة بن صعصعة و ذفافة و خالد أبنا عمير بن الحباب السلمى و الفرات بن سلمان الباهلي و الوليد بن القعقاع العبسي فواقع الخزر و قد حاصروا ورثان فكشفهم عنها و هزمهم فأتوا ميمذ من عمل أذربيجان، فلما تهيأ لقتالهم أتاه كتاب مسلمة بن عبد الملك يلومه على قتاله الخزر قبل قدومه و يعلمه أن قد