فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
205

ولى أمر عسكره عبد الملك بن مسلم العقيلي، فلما سلم العسكر أخذه رسول مسلمة فقيده و حمله إلى برذعة فحبس فى سجنها و انصرف الخزر فاتبعهم مسلمة و كتب بذلك إلى هشام فكتب إليه:

أ تتركهم بميمذ قد تراهم # و تطلبهم بمنقطع التراب‏

و أمر بإخراج الحرشي من السجن، قالوا: و صالح مسلمة أهل خيزان و أمر بحصنها فهدم و اتخذ لنفسه به ضياعا و هي اليوم تعرف بحوز خيزان و سالمه ملوك الجبال فصار إليه شروانشاه و ليرانشاه و طبرسرانشاه و فيلانشاه و خرشا خرشانشاه و صار إليه صاحب مسقط و صمد لمدينة الباب ففتحها و كان فى قلعتها ألف أهل بيت من الخزر فحاصرهم و رماهم بالحجارة ثم بحديد اتخذه على هيئة الحجارة فلم ينتفع بذلك، فعمد إليه العين التي كان أنوشروان أخرى منها الماء إلى صهريجهم فذبح البقر و الغنم و ألقى فيه الفرث و الحلتيت فلم يمكث ماؤهم إلا ليلة حتى دود و أنتن و فسد، فلما جن عليهم الليل هربوا و أخلوا القلعة و أسكن مسلمة بن عبد الملك مدينة الباب و الأبواب أربعة و عشرين ألفا من أهل الشام على العطاء فأهل الباب اليوم لا يدعون عاملا يدخل مدينتهم إلا و معه مال يفرقه بينهم، و بنى هريا للطعام و هريا للشعير و خزانة للسلاح و أمر بكبس الصهريج و رم المدينة و شرفها، و كان مروان بن محمد مع مسلمة و واقع معه الخزر فأبلى و قاتل قتالا شديدا، ثم ولى هشام بعد مسلمة سعيد الحرشي فأقام بالثغر سنتين ثم ولى الثغر مروان بن محمد فنزل كسال و هو بنى مدينتها و هي من برذعة على أربعين فرسخا و من تفليس على عشرين فرسخا ثم دخل أرض الخزر مما يلي باب اللان و أدخلهما أسيد بن زافر السلمى أبا يزيد و معه ملوك الجبال من ناحية الباب و الأبواب فأغار مروان على صقالبة كانوا بأرض الخزر فسبى منهم عشرين ألف أهل بيت فأسكنهم خاخيط ثم أنهم‏

206

قتلوا أميرهم و هربوا فلحقهم و قتلهم، قالوا: و لما بلغ عظيم الخزر كثرة من وطئ به مروان بلاده من الرجال و ما هم عليه فى عدتهم و قوتهم نخب ذلك قلبه و ملاه رعبا، فلما دنا منه أرسل إليه رسولا يدعوه إلى الإسلام أو الحرب فقال: قد قبلت الإسلام فأرسل إلى من يعرضه على ففعل فأظهر الإسلام و وادع مروان على أن أقره فى مملكته و سار مروان معه بخلق من الخزر فأنزلهم ما بين السمور و الشابران فى سهل أرض اللكز، ثم أن مروان دخل أرض السرير فأوقع بأهلها و فتح قلاعا فيها و دان له ملك السرير و أطاعه فصالحه على ألف رأس خمسمائة غلام و خمسمائة جارية سود الشعور و الحواجب و هدب الأشفار فى كل سنة و على مائة ألف مدى تصب فى اهراء الباب و أخذ منه الرهن و صالح مروان أهل تومان‏على مائة رأس خمسين جارية و خمسين غلاما خماسيين سود الشعور و الحواجب و هدب الأشفار و عشرين ألف مدى للاهراء فى كل سنة، ثم دخل أرض زريكران فصالحه ملكها على خمسين رأسا و عشرة آلاف مدى للاهراء فى كل سنة ثم أتى أرض حمزين فأبى حمزين أن يصالحه فافتتح حصنهم بعد أن حاصرهم فيه شهرا فأحرق و أخرب و كان صلحه إياه على خمسمائة رأس يؤدونها دفعة واحدة ثم لا يكون عليه سبيل و على أن يحمل ثلاثين ألف مدى إلى إهراء الباب فى كل سنة، ثم أتى سدان فافتتحها صلحا على مائة رأس يعطيه إياها صاحبها دفعة ثم لا يكون عليه سبيل فيما يستقبل و على أن يحمل فى كل سنة إلى اهراء الباب خمسة آلاف مدى، و وظف على أهل طبرسرانشاه عشرة آلاف مدى فى كل سنة تحمل إلى اهراء الباب، و لم يوظف على فيلانشاه شيئا، و ذلك لحسن غنائه و جميل بلائه و احماده أمره، ثم نزل مروان على قلعة اللكز و قد امتنع من أداء شي‏ء من الوظيفة و خرج يريد صاحب الخرز فقتله راع بسهم رماه به و هو لا يعرفه‏

207

فصالح أهل اللكز على عشرين ألف مدى تحمل إلى الإهراء، و ولى عليهم خشرما السلمى و سار مروان إلى قلعة صاحب شروان و هي تدعى خرش و هي على البحر فأذعن بالطاعة و الانحدار إلى السهل و ألزمهم عشرة آلاف مدى فى كل سنة و جعل على صاحب شروان أن يكون فى المقدمةإذا بدأ المسلمون بغزو الخزر و فى الساقة إذا رجعوا و على فيلانشاه أن يغزو معهم فقط و على طبرسرانشاه أن يكون فى الساقة إذا بدءوا و فى المقدمة إذا انصرفوا، و سار مروان إلى الدودنية فأوقع بهم، ثم جاءه قتل الوليد بن يزيد و خالف عليه ثابت بن نعيم الجذامي و أتى مسافر القصاب و هو ممن مكنه بالباب الضحاك الخارجي فوافقه على رأيه و ولاه أرمينية و أذربيجان، و أتى أردبيل مستخفيا فخرج معه قوم من الشراة منها و أتوا باجروان فوجدوا بها قوما يرون رأيهم فانضموا إليهم فأتوا ورثان فصحبهم من أهلها بشر كثير كانوا على مثل رأيهم و عبروا إلى البيلقان فصحبتهم منهم جماعة كثيرة كانوا على مثل رأيهم ثم نزل يونان، و ولى مروان بن محمد إسحاق بن مسلم أرمينية فلم يزل يقاتل مسافرا و كان فى قلعة الكلاب بالسيسجان.

ثم لما جاءت الدولة المباركة و ولى أبو جعفر المنصور الجزيرة و أرمينية فى خلافة السفاح أبى العباس رحمه اللّه وجه إلى مسافر و أصحابه قائدا من أهل خراسان فقاتلهم حتى ظفر بهم و قتل مسافرا، و كان أهل البيلقان متحصنين فى قلعة الكلاب و رئيسهم قدد بن أصفر البيلقانى فاستنزلوا بأمان.

و لما استخلف المنصور رحمه اللّه ولى يزيد بن أسيد السلمى أرمينية ففتح باب اللان‏و رتب فيه رابطة من أهل الديوان و دوخ الصنارية حتى أدوا الخراج فكتب إليه المنصور يأمره بمصاهرة ملك الخزر ففعل، و ولدت له ابنته منه ابنا فمات و مانت فى نفاسها و بعث يزيد إلى نفاطة أرض شروان‏

208

و ملاحاتها فجباها و وكل به و بنى يزيد مدينة أرجيل الصغرى و مدينة أرجيل الكبرى و أنزلهما أهل فلسطين.

حدثني محمد بن إسماعيل عن جماعة من مشايخ أهل برذعة، قالوا الشماخية التي فى عمل شروان نسبت إلى الشماخ بن شجاع فكان ملك شروان فى ولاية سعيد بن سالم الباهلي أرمينية.

و حدثني محمد بن إسماعيل عن المشيخة أن أهل أرمينية انتقضوا فى ولاية الحسن بن قحطبة الطائي بعد عزل بن أسيد و بكار بن مسلم العقيلي و كان رئيسهم موشائيل الأرمنى فبعث إليه المنصور رحمه اللّه الأمداد و عليهم عامر بن إسماعيل فواقع الحسن موشائيل فقتل و فضت جموعه و استقامت له الأمور، و هو الذي نسب إليه نهر الحسن بالبيلقان و الباغ الذي يعرف بباغ الحسن ببرذعة و الضياع المعروفة بالحسنية، و ولى بعد الحسن بن قحطبة عثمان بن عمارة بن خريم، ثم روح بن حاتم المهلبي، ثم خزيمة بن خازم، ثم يزيد بن مزيد الشيبانى، ثم عبيد اللّه بن المهدى، ثم الفضل بن يحيى، ثم سعيد بن سالم، ثم محمد بن يزيد بن مزيد، و كان خزيمة أشدهم ولاية و هو الذي سن المساحةبدبيل و النشوى و لم يكن قبل ذلك، و لم يزل بطارقة أرمينية مقيمين فى بلادهم يحمى كل واحد منهم ناحيته فإذا قدم الثغر عامل من عماله داروه فإن رأوا منه عفة و صرامة و كان فى قوة و عدة أدوا إليه الخراج و أذعنو له بالطاعة و إلا اغتمزوا فيه و استخفوا بأمره، و وليهم خالد ابن يزيد بن مزيد فى خلافة المأمون فقبل هداياهم و خلطهم بنفسه فأفسدهم ذلك من فعله و جرأهم على من بعده من عمال المأمون.

ثم ولى المعتصم بالله الحسن بن على الباذغيسى المعروف بالمأمونى الثغر فأهمل بطارقته و أحراره و لان لهم حتى ازدادوا فسادا على السلطان و كلبا على‏

209

من يليهم من الرعية، و غلب إسحاق بن إسماعيل بن شعيب مولى بنى أمية على جرزان، و وثب سهل بن سنباط البطريق على عامل حيدر بن كاوس الأفشين على أرمينية فقتل كاتبه و أفلت بحشاشة نفسه ثم ولى أرمينية عمال كانوا يقبلون من أهلها العفو و يرضون من خراجها بالميسور.

ثم ان أمير المؤمنين المتوكل على اللّه ولى يوسف بن محمد بن يوسف المروزي أرمينية لسنتين من خلافته، فلما صار بخلاط أخذ بطريقها بقراط ابن أشوط فحمله إلى سر من رأى‏فأوحش البطارقة و الأحرار و المتغلبة ذلك منه ثم أنه عمد عامل له يقال له العلاء بن أحمد إلى دير بالسيسجان يعرف بدير الأقداح لم تزل نصارى أرمينية تعظمه و تهدى إليه فأخذ منه جميع ما كان فيه و عسف أهله فأكبرت البطارقة ذلك و أعظمته و تكاتبت فيه و حض بعضها على بعض على الخلاف و النقض و دسوا إلى الخويثية و هم علوج يعرفون بالأرطان فى الوثوب بيوسف و حرضوهم عليه لما كان من حمله بقراط بطريقهم و وجه كل امرئ منهم و من المتغلبة خيلا و رجالا ليؤيدوهم على ذلك فوثبوا به بطرون، و قد فرق أصحابه فى القرى فقتلوه و احتووا على ما كان فى عسكره فولى أمير المؤمنين المتوكل على اللّه بغا الكبير أرمينية فلما صار إلى بدليس أخذ موسى بن زرارة، و كان ممن هوى قتل يوسف و أعان عليه غضبا لبقراط و حارب الخويثية فقتل منهم مقتلة عظيمة و سبى سبيا كثيرا، ثم حاصر أشوط بن حمزة بن جاجق بطريق البسفرجال و هو بالبلق فاستنزله من قلعته و حمله إلى سر من رأى و سار إلى جرزان فظفر بإسحاق بن إسماعيل فقتله صبرا و فتح جرزان و حمل من بأران و ظاهر أرمينية من بالسيسجان من أهل الخلاف و المعصية من النصارى و غيرهم حتى صلح ذلك الثغر صلاحالم يكن على مثله ثم قدم سر من رأى فى سنة إحدى و أربعين و مائتين‏.

210

فتوح مِصْر مصر و المَغْرِب المغرب

قالوا: و كان عمرو بن العاصي حاصر قيسارية بعد انصراف الناس من حرب اليرموك ثم استخلف عليها ابنه حين ولى يزيد بن أبى سفيان و مضى إلى مصر من تلقاء نفسه فى ثلاثة آلاف و خمسمائة، فغضب عمر لذلك و كتب إليه يوبخه و يعنفه على افتتانه عليه برأيه و أمره بالرجوع إلى موضعه إن وافاه كتابه دون مصر، فورد الكتاب عليه و هو بالعريش، و قيل أيضا: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاصي يأمره بالشخوص إلى مصر فوافاه كتابه و هو محاصر قيسارية و كان الذي أتاه شريك بن عبدة فأعطاه ألف دينار فأبى شريك قبولها فسأله أن يستر ذلك و لا يخبر به عمر.

قالوا: و كان مسير عمرو إلى مصر فى سنة تسع عشرة فنزل العريش ثم أتى الفرماء و بها قوم مستعدون للقتال فحاربهم فهزمهم و حوى عسكرهم و مضى قدما إلى الفسطاط فنزل جنان الريحان‏و قد خندق أهل الفسطاط، و كان اسم المدينة اليونة فسماها المسلمون فسطاطا لأنهم قالوا: هذا فسطاط القوم و مجمعهم، و قوم يقولون: إن عمرا ضرب بها فسطاطا فسميت بذلك.

قالوا: و لم يلبث عمرو بن العاصي و هو محاصر أهل الفسطاط أن ورد عليه الزبير بن العوام بن خويلد فى عشرة آلاف، و يقال: فى اثنى عشر ألفا فيهم خارجة بن حذافة العدوى و عمير بن وهب الجمحي، و كان الزبير قد هم بالغزو و أراد إتيان انطاكية فقال له عمر: يا أبا عبد اللّه هل لك فى ولاية مصر، فقال: لا حاجة لى فيها و لكنى أخرج مجاهدا و للمسلمين معاونا فإن وجدت عمرا قد فتحها لم أعرض لعمله و قصدت إلى بعض السواحل فرابطت به و إن وجدته فى جهاد كنت معه فسار على ذلك.

211

قالوا: و كان الزبير يقاتل من وجه و عمرو بن العاصي من وجه، ثم أن الزبير أتى بسلم فصعد عليه حتى أوفى على الحصن و هو مجرد سيفه فكبر و كبر المسلمون و اتبعوه ففتح الحصن عنوة و استباح المسلمون ما فيه و أفر عمرو أهله على أنهم ذمة موضع عليهم الجزية فى رقابهم و الخراج فى أرضهم و كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فأجازه و اختط الزبير بمصر و ابنتى دارا معروفة، و إياها نزل عبد اللّه بن الزبير حين غزا إفريقية مع ابن أبى سرح و سلم الزبيرباق فى مصر.

و حدثنا عفان بن مسلم، قال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة أن الزبير بن العوام بعث إلى مصر فقيل له أن بها الطعن و الطاعون، فقال:

إنما جئنا للطعن و الطاعون، قال: فوضعوا السلاليم فصعدوا عليها.

و حدثني عمرو الناقد، قال: حدثني عبد اللّه بن وهب المصري عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب: أن عمرو بن العاصي دخل مصر و معه ثلاثة آلاف و خمسمائة، و كان عمر بن الخطاب قد أشفق لما أخبر به من أمرها فأرسل الزبير بن العوام فى اثنى عشر ألفا فشهد الزبير فتح مصر و اختط بها.

و حدثني عمرو الناقد، عن عبد اللّه بن وهب المصري عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد اللّه بن المغيرة بن أبى بردة عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: لما فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير فقال: أقسمها يا عمرو فأبى فقال الزبير: و اللّه لتقسمنها كما قسم رسول صلى اللّه عليه و سلم خيبر:

فكتب عمرو إلى عمر فى ذلك فكتب إليه عمر أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة، قال: و قال عبد اللّه بن وهب: و حدثني ابن لهيعة عن خالد بن ميمون عن عبد اللّه ابن المغيرة عن سفيان بن وهب بنحوه.

و حدثني القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة عن يزيد

212

ابن أبى حبيب أن عمرو بن العاصي دخل مصر فى ثلاثة آلاف و خمسمائة، و كان عمر قد أشفق من ذلك فأرسل الزبير بن العوام فى أثنى عشر ألفا فشهد معه فح مصر، قال: فاختط الزبير بمصر و الإسكندرية خطتين.

و حدثني إبراهيم بن مسلم الخوارزمي، عن عبد اللّه بن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى فراس عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قال: اشتبه على الناس أمر مصر، فقال قوم: فتحت عنوة، و قال آخرون:

فتحت صلحا، و الثلج فى أمرها أن أبى قدمها فقاتله أهل اليونة ففتحها قهرا و أدخلها المسلمين و كان الزبير أول من على حصنها، فقال صاحبها لأبى:

أنه قد بلغنا فعلكم بالشام و وضعكم الجزية على النصارى و اليهود و إقراركم الأرض فى أيدى أهلها يعمرونها و يؤدون خراجها فإن فعلتم بنا مثل ذلك كان أرد عليكم من قتلنا و سبينا و إجلائنا، قال: فاستشار أبى المسلمين فأشاروا عليه‏بأن يفعل ذلك إلا نفر منهم سألوا أن يقسم الأرض بينهم فوضع على كل حالم دينارين جزية إلا أن يكون فقيرا و ألزم كل ذى أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة و قسطى زيت و قسطى عسل و قسطى خل رزقا للمسلمين تجمع فى دار الرزق و تقسم فيهم، و أحصى المسلمون، فألزم جميع أهل مصر لكل رجل منهم جبة صوف و برنسا أو عمامة و سراويل و خفين فى كل عام أو عدل الجبة الصوف ثوبا قبطيا و كتب عليهم بذلك كتابا و شرط لهم إذا وفوا بذلك أن لا تباع نساؤهم و أبناؤهم و لا يسبوا و أن تقر أموالهم و كنوزهم فى أيديهم، فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر فأجازه و صارت الأرض أرض خراج إلا أنه لما وقع هذا الشرط و الكتاب ظن بعض الناس أنها فتحت صلحا، قال: و لما فرغ ملك اليونة من أمر نفسه و من معه فى مدينته صالح عن جميع أهل مصر على مثل صلح اليونة فرضوا به، و قالوا هؤلاء الممتنعون قد رضوا و قنعوا بهذافنحن به‏

213

أقنع لأننا فرش لا منعة لنا، و وضع الخراج على أرض مصر فجعل على كل جريب دينارا و ثلاثة أرادب طعاما و على رأس كل حالم دينارين و كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه.

و حدثني عمرو الناقد عن عبد اللّه بن وهب المصري عن الليث عن يزيد ابن أبى حبيب: أن المقوقس صالح عمرو بن العاصي على أن يسير من الروم من أرادو يقر من أراد الإقامة من الروم على أمر سماه، و أن يفرض على القبط دينارين فبلغ ذلك ملك الروم فتسخطه و بعث الجيوش، فأغلقوا باب الإسكندرية و آذنوا عمرا بالحرب فخرج إليه المقوقس، فقال: أسألك ثلاثا أن لا تبذل للروم مثل الذي بذلت لى فإنهم قد استغشونى و أن لا تنقض بالقبط فإن النقض لم يأت من قبلهم و إن مت فمر بدفنى فى كنيسة بالأسكندرية ذكرها، فقال عمرو: هذه أهونهن على و كانت قرى من مصر قاتلت فسبى منهم و القرى بلهيت و الخيس و سلطيس فوقع سباؤهم بالمدينة فردهم عمر بن الخطاب و صيرهم و جماعة القبط أهل ذمة و كان لهم عهد لم ينقضوه و كتب عمرو بفتح الإسكندرية إلى عمر.

«أما بعد» فإن اللّه‏فتح علينا الإسكندرية عنوة قسرا بغير عهد و لا عقد و هي كلها صلح فى قول يزيد بن أبى حبيب.

حدثني أبو أيوب الرقى عن عبد الغفار عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب قال: جبى عمرو خراج مصر و جزيتها ألفى ألف و جباها عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح أربعة آلاف ألف، فقال عثمان لعمرو: إن اللقاح بمصر بعدك قد درث ألبانها، قال: ذاك لأنكم أعجفتم أولادها.

قال: و كتب عمر بن الخطاب فى سنة إحدى و عشرين إلى عمرو بن العاصي يعلمه ما فيه أهل المدينة من الجهد و يأمره أن يحمل ما يقبض من الطعام‏

214

فى الخراج إلى المدينة فى البحر فكان ذلك يحمل و يحمل معه الزيت فإذا ورد الجار تولى قبضه سعد الجار، ثم جعل فى دار بالمدينة و قسم بين الناس بمكيال فانقطع ذلك فى الفتنة الأولى، ثم حمل فى أيام معاوية و يزيد ثم انقطع إلى زمن عبد الملك بن مروان ثم لم يزل يحمل إلى خلافة أبى جعفر و قبيلها.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثني أبو صالح عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب: أن أهل الجزية بمصر صولحوا فى خلافة عمر بعد الصلح الأول مكان الحنطة و الزيت و العسل و الخل على دينارين دينارين، فألزم كل رجل أربعة دنانير فرضوا بذلك و أحبوه.

و حدثني أبو أيوب الرقى، قال: حدثني عبد الغفار الحراني عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن الجيشاني، قال سمعت جماعة ممن شهد فتح مصر يخبرون أن عمرو بن العاصي لما فتح الفسطاط وجه عبد اللّه بن حذافة السهمي إلى عين شمس فغلب على أرضها و صالح أهل قراها على مثل حكم الفسطاط، و وجه خارجة بن حذافة العدوى إلى الفيوم و الأشمونين و أخميم و البشر و دات و قرى الصعيد ففعل مثل ذلك، و وجه عمير بن وهب الجمحي إلى تنيس و دمياط و تونة (1) و دميرة و شطا و دقهلة و بنا و بوصير ففعل مثل ذلك و وجه عقبة بن عامر الجهني، و يقال: وردان مولاه صاحب سوق وردان بمصر إلى سائر قرى أسفل الأرض ففعل مثل ذلك، فاستجمع عمرو بن العاصي فتح مصر فصارت أرضها أرض خراج.

و حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد الغفار الحراني عن ابن لهيعة عن ابراهيم بن محمد عن أيوب بن أبى العالية عن أبيه، قال: سمعت عمرو

____________

(1) قرية كانت قرب دمياط و بها ولد الحافظ المحدث عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه اللّه.

215

ابن العاصي يقول على المنبر: لقد قعدت مقعدي هذا و ما لأحد من قبط مصر على عهد و لا عقد إن شئت قتلت و إن شئت خمست و إن شئت بعت إلا أهل انطابلس فان لهم عهدا يوفى لهم به.

و حدثني القاسم بن سلام قال: حدثني به عبد اللّه بن صالح عن موسى بن على بن رباح اللخمي عن أبيه، قال: المغرب كله عنوة.

حدثنا أبو عبيد عن سعيد بن أبى مريم عن ابن لهيعة عن الصلت بن‏أبى عاصم كاتب حيان بن شريح أنه قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى حيان و كان عامله على مصر: أن مصر فتحت عنوة بغير عهد و لا عقد.

و حدثني أبو عبيد، قال حدثنا سعيد بن أبى مريم عن يحيى بن أيوب عن عبيد اللّه بن أبى جعفر، قال: كتب معاوية إلى وردان مولى عمرو أن زد على كل امرئ من القبط قيراطا، فكتب إليه كيف أزيد عليهم و فى عهدهم أن لا يزاد عليهم.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: أقمت بمصر سبع سنين و تزوجت بها فرأيت أهلها مجاهيد قد حمل عليهم فوق طاقتهم و إنما فتحها عمرو بصلح و عهد و شي‏ء مفروض عليهم.

و حدثني بكر بن الهيثم عن عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى علاقة عن عقبة بن عامر الجهني، قال: كان لأهل مصر عهد و عقد كتب لهم عمرو: أنهم آمنون على أموالهم و دمائهم و نسائهم و أولادهم لا يباع منهم أحد و فرض عليهم خراجا لا يزاد عليهم، و أن يدفع عنهم خوف عدوهم، قال عقبة: و أنا شاهد على ذلك.

و حدثني الحسين بن الأسود قال: حدثني يحيى بن آدم عن عبد اللّه بن‏

216

المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عمن سمع عبد اللّه بن المغيرة ابن أبى بردة، قال سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما افتتحنا مصر بلا عهد قام الزبير بن العوام فقال: يا عمرواقسمها بيننا، فقال عمرو: لا و اللّه لا أقسمها حتى أكتب إلى عمر، فكتب إلى عمر فكتب إليه فى جواب كتابه أن أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة، أو قال يغدو.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي محمد بن عمر عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده، قال: فتح عمرو بن العاصي مصر سنة عشرين و معه الزبير فلما فتحها صالحه أهل البلد على وظيفة وظفها عليهم و هي ديناران على كل رجل و أخرج النساء و الصبيان من ذلك، فبلغ خراج مصر فى ولايته ألفى ألف دينار فكان بعد ذلك يبلغ أربعة آلاف ألف دينار.

حدثني أبو عبيدة، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث عن يزيد ابن أبى حبيب: أن المقوقس صاحب مصر صالح عمرو بن العاصي على أن فرض على القبط دينارين دينارين، فبلغ ذلك هرقل صاحب الروم فسخط أشد السخط و بعث الجيوش إلى الاسكندرية و أغلقها ففتحها عمرو بن العاصي عنوة.

حدثني ابن القتات و هو أبو مسعود عن الهيثم عن المجالد عن الشعبي أن على بن الحسين أو الحسين نفسه كلم معاوية فى جزية أهل قرية أم ابراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بمصر فوضعها عنهم، و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يوصى بالقبط خيرا.

حدثني عمرو عن عبد اللّه بن وهب عن مالك و الليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال : إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فان لهم ذمة و رحما،

و قال الليث: كانت أم إسماعيل منهم. أبو الحسن المدائني عن عبد اللّه بن المبارك، قال: كان عمر بن الخطاب‏

217

يكتب أموال عماله إذا ولاهم ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك و ربما أخذه منهم، فكتب إلى عمرو بن العاصي أنه قد فشت لك فاشية من متاع و رقيق و آنية و حيوان لم يكن حين وليت مصر، فكتب إليه عمرو: أن أرضنا أرض مزدرع و متجر فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه لنقتنا، فكتب إليه: إنى قد خبرت من عمال السوء ما كفى و كتابك إلى كتاب من قد أقلقه الأخذ بالحق و قد سؤت بك ظنا و قد وجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك فأطلعه طلعه و أخرج إليه ما يطالبك بها و اعفه من الغلظة عليك فإنه برح الخفاء، فقاسمه ماله، المدائني عن عيسى بن يزيد، قال: لما قاسم محمد بن مسلمة عمرو بن العاصي. قال عمرو أن زمانا عاملنا فيه حنتمة هذه المعاملة لزمان سوء، لقد كان العاصي يلبس الخز بكفاف الديباج، فقال محمد: مه لو لا زمان ابن حنتمة هذا الذي تكرهه الفيت معتقلا عنزا بفناء بيتك يسرك غزرها و يسوءك بكاؤها، قال: أنشدك اللّه‏أن لا تخبر عمر بقولي فإن المجالس بالأمانة، فقال: لا أذكر شيئا مما جرى بيننا و عمر حي.

و حدثني عمرو الناقد عن عبد اللّه بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد اللّه ابن هبيرة أن مصر فتحت عنوة.

و حدثني عمرو عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن أنعم عن أبيه عن جده و كان ممن شهد فتح مصر، قال: فتحت مصر عنوة بغير عهد و لا عقد.

فتح إسكَنْدَرِيَّة الاسكندرية

قالوا: لما افتتح عمرو بن العاصي مصر أقام بها ثم كتب إلى عمر بن الخطاب يستأمره فى الزحف إلى الاسكندرية، فكتب إليه يأمره بذلك فسار إليها فى سنة إحدى و عشرين و استخلف على مصر خارجة بن حذافة بن غانم بن‏

218

عامر بن عبد اللّه بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤي بن غالب، و كان من دون الاسكندرية من الروم و القبط قد تجمعوا له، و قالوا: نغزوه بالفسطاط قبل أن يبلغنا و يروم الاسكندرية فلقيهم بالكريون فهزمهم و قتل منهم مقتلة عظيمة، و كان فيهم من أهل سخا و بلهبت و الخيس و سلطيس و غيرهم قوم رفدوهم و أعانوهم، ثم سار عمرو حتى انتهى إلى الاسكندرية فوجد أهلها معدين لقتاله إلا أن القبط فى ذلك يحبون الموادعة، فأرسل إليه المقوقس يسأله الصلح و المهادنة إلى مدة فأبى عمرو ذلك، فأمر المقوقس النساءأن يقمن على سور المدينة مقبلات بوجوههن إلى داخله، و أقام الرجال فى السلاح مقبلين بوجوههم إلى المسلمين ليرهبهم بذلك، فأرسل إليه عمرو إنا قد رأينا ما صنعت و ما بالكثرة غلبنا من غلبنا فقد لقينا هرقل ملككم فكان من أمره ما كان، فقال المقوقس لأصحابه: قد صدق هؤلاء القوم أخرجوا ملكنا من دار مملكته حتى أدخلوه القسطنطينية فنحن أولى بالإذعان، فأغلظوا له القول و أبوا إلا المحاربة، فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا و حصروهم ثلاثة أشهر، ثم أن عمرا فتحها بالسيف و غنم ما فيها و استبقى أهلها و لم يقتل و لم يسب و جعلهم ذمة كاهل اليونة، فكتب إلى عمر بالفتح مع معاوية بن خديج الكندي ثم السكوني و بعث إليه معه بالخمس.

و يقال: أن المقوقس صالح عمرا على ثلاثة عشر ألف دينار على أن يخرج من الاسكندرية من أراد الخروج و يقيم بها من أحب المقام و على أن يفرض على كل حالم من القبط دينارين فكتب لهم بذلك كتابا، ثم أن عمرو بن العاصي استخلف على الاسكندرية عبد اللّه بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي فى رابطة من المسلمين و انصرف إلى الفسطاط، و كتب الروم إلى قسطنطين بن هرقل، و هو كان‏

219

الملك يومئذ يخبرونه بقلة من عندهم من المسلمين و بما هم فيه من الذلة و أداء الجزية فبعث رجلا من أصحابه يقال له منويل فى ثلاثمائة مركب مشحونة بالمقاتلة فدخل الاسكندرية و قتل من بها من روابطالمسلمين إلا من لطف للهرب فنجا و ذلك فى سنة خمس و عشرين و بلغ عمرا الخبر فسار إليهم فى خمسة عشر ألفا فوجد مقاتلتهم قد خرجوا يعيثون فيما يلي الاسكندرية من قرى مصر فلقيهم المسلمون فرشقوهم بالنشاب ساعة و المسلمون متترسون ثم صدقوهم الحملة فالتحمت بينهم الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن أولئك الكفرة ولوا منهزمين فلم يكن لهم ناهية و لا عرجة دون الاسكندرية فتحصنوا بها و نصبوا العرادات فقاتلهم عمرو عليها أشد قتال و نصب المجانيق فأخذت جدرها و ألح بالحرب حتى دخلها بالسيف عنوة فقتل المقاتلة و سبى الذرية و هرب بعض رومها إلى الروم و قتل عدو اللّه منويل و هدم عمروا و المسلمون جدار الاسكندرية و كان عمرو نذر لئن فتحها ليفعلن ذلك.

و قال بعض الرواة أن هذه الغزاة كانت فى سنة ثلاث و عشرين، و روى بعضهم أنهم نقضوا فى سنة ثلاث و عشرين و سنة خمس و عشرين و اللّه أعلم قالوا: و وضع عمرو على أرض الاسكندرية الخراج و على أهلها الجزية، و روى أن المقوقس اعتزل أهل الاسكندرية حين نقضوا فأقره عمرو و من معه على أمرهم الأول، و روى أيضا أنه قد كان مات قبل هذه الغزاة.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبى فروة عن حيان بن شريح عن عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه أنه قال: لم نفتح قرية من المغرب على صلح إلاثلاثا الاسكندرية و كفرطيس، و سلطيس، فكان عمر يقول من أسلم من أهل هذه المواضع خلى سبيله و سبيل ماله.

حدثني عمرو الناقد، قال حدثنا ابن وهب المصري عن ابن لهيعة عن‏

220

يزيد بن أبى حبيب أنه قال افتتح عمرو بن العاصي الاسكندرية فسكنها المسلمون فى رباطهم ثم قفلوا ثم غزوا و ابتدروا إلى المنازل فكان الرجل يأتى المنزل الذي كان ينزله فيجد صاحبه قد نزله و بدر إليه، فقال عمرو:

إنى أخاف أن تخرب المنازل إذا كنتم تتعاودونها.

فلما غزا فصاروا عند الكريون قال لهم سيروا على بركة اللّه فمن ركز منكم رمحا فى دار فهي له و لبنى أبيه، فكان الرجل يدخل الدار فيركز رمحه فى بعض بيوتها و يأتى الآخر فيركز رمحه كذلك أيضا فكانت الدار بين النفسين و الثلاثة فكانوا يسكنونها فإذا قفلوا سكنها الروم، فكان يزيد بن أبى حبيب يقول: لا يحل لأحد شي‏ء من كرائها و لا تباع و لا تورث إنما كانت لهم سكنى أيام رباطهم، فلما كان قتالها الآخر و قدمها منويل الرومي الخصى أغلقها أهلها ففتحها عمرو و أخرب سورها، قالوا و لما ولى عمرو وردان مولاه الاسكندرية و رجع الفسطاط فلم يلبث إلا قليلا حتى أتاه عزله فولى عثمان بعده عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح بن الحارث‏أحد بنى عامر ابن لؤي، مكان أخا عثمان من الرضاعة و كانت ولايته فى سنة خمس و عشرين و يقال: أن عبد اللّه بن سعد كان على خراج مصر من قبل عثمان فجرى بينه و بين عمرو كلام فكتب عبد اللّه يشكو عمرا فعزله عثمان و جمع العملين لعبد اللّه بن سعد و كتب إليه يعلمه أن الاسكندرية فتحت مرة عنوة و انتقضت مرتين و يأمره أن يلزمها رابطة لا تفارقها و أن يدر عليهم الأرزاق و يعقب بينهم فى كل ستة أشهر.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي أن ابن هرمز الأعرج القارئ كان يقول: خير سواحلكم رباطا الاسكندرية فخرج إليها من المدينة مرابطا فمات بها سنة سبع عشرة و مائة.

221

و حدثني بكر بن الهيثم عن عبد اللّه بن صالح عن موسى بن على عن أبيه، قال: كانت جزية الاسكندرية ثمانية عشر ألف دينار، فلما كانت ولاية هشام بن عبد الملك بلغت ستة و ثلاثين ألف دينار.

حدثني عمرو عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عثمان عزل عمرو بن العاصي عن مصر و جعل عليها عبد اللّه بن سعد، فلما نزلت الروم الاسكندرية سأل أهل مصر عثمان أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم لأن له معرفة بالحرب و هيبة فى أنفس العدو ففعل حتى هزمهم فأراد عثمان أن يجعل عمرا على الحرب و عبد اللّه على الخراج فأبى ذلك عمرو و قال: أناكماسك قرني البقرة و الأمير يحلبها فولى عثمان بن سعد مصر، ثم أقامت الحبش من البيما بعد فتح مصر يقاتلون سبع سنين ما يقدر عليهم لما يفجرون من المياه فى الغياض، قال عبد اللّه بن وهب: و أخبرنى الليث بن سعد عن موسى بن على عن أبيه أن عمرا فتح الاسكندرية الفتح الآخر عنوة فى خلافة عثمان بعد وفاة عمر رحمه اللّه.

فتح بَرْقَة برقة و زَوِيلَة زويلة

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبى عون عن عبد اللّه ابن هبيرة، قال: لما فتح عمرو بن العاصي الاسكندرية سار فى جنده يريد المغرب حتى قدم برقة و هي مدينة انطابلس فصالح أهلها على الجزية و هي ثلاثة عشر ألف دينار يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه.

حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن سهيل بن عقيل عن عبد اللّه بن هبيرة، قال صالح عمرو بن العاصي: أهل انطابلس‏

222

و مدينتها برقة و هي بين مصر و إفريقية بعد أن حاصرهم و قاتلهم على الجزية على أن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا فى جزيتهم و كتب لهم بذلك كتابا.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن مسلمة بن سعيد عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبى فروة، قال: كان أهل برقة يبعثون بخراجهم إلى والى مصر من غير أن يأتيهم حاث أو مستحث‏فكانوا أخصب قوم بالمغرب و لم يدخلها فتنة، قال الواقدي: و كان عبد اللّه بن عمرو بن العاصي يقول: لو لا مالي بالحجاز لنزلت برقة فما أعلم منزلا أسلم و لا أعزل منها.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح، قال: كتب عمرو بن العاصي إلى عمر بن الخطاب يعلمه أنه قد ولى عقبة بن نافع الفهري المغرب فبلغ زويلة و أن من بين زويلة و برقة سلم كلهم حسنة طاعتهم قد أدى مسلمهم الصدقة، و أفر معاهدهم بالجزية، و أنه قد وضع على أهل زويلة و من بينه و بينها ما رأى أنهم يطيقونه، و أمر عماله جميعا أن يأخذوا الصدقة من الأغنياء فيردوها فى الفقراء، و يأخذوا الجزية من الذمة فتحمل إليه بمصر، و أن يؤخذ من أرض المسلمين العشر و نصف العشر و من أهل الصلح صلحهم.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: سألت عبد اللّه بن صالح عن البربر، فقال: هم يزعمون أنهم ولد بر بن قيس و ما جعل اللّه لقيس ولدا يقال له بر، و إنما هم من الجبارين الذين قاتلهم داود عليه السلام و كانت منازلهم على أيادى الدهر فلسطين‏و هم أهل عمود فأتوا المغرب فتناسلوا به.

حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب أن عمرو بن العاصي، كتب فى شرطه على أهل لواتة

223

من البربر من أهل برقة أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم و نساءكم فيما عليكم من الجزية قال الليث: فلو كانوا عبيداما حل ذلك منهم.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب فى اللواتيات: أن من كانت عنده لواتية فليخطبها إلى أبيها أو فليرددها إلى أهلها، قال: و لواتة قربة من البربر كان لهم عهد.

فتح أَطْرَابُلُس) طَرَابُلُس ( أطرابلس

حدثني بكر بن الهيثم عن عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن على ابن طلحة، قال: سار عمرو بن العاصي حتى نزل أطرابلس فى سنة اثنتين و عشرين فقوتل، ثم افتتحها عنوة و أصاب بها أحمال بزيون كثيرة مع تجار من تجارها فباعه و قسم ثمنه بين المسلمين و كتب إلى عمر بن الخطاب «أنا قد بلغنا أطرابلس و بينها و بين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا فى غزوها فعل، فكتب إليه ينهاه عنها و يقول: ما هي بإفريقية و لكنها مفرقة غادرة مغدور بها، و ذلك أن أهلها كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئا فكانوا يغدرون به كثيرا و كان ملك الأندلس صالحهم ثم غدر بهم و كان خبرهم قد بلغ عمر.

حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا عبد اللّه بن وهب عن الليث بن سعد، قال: حدثني مشيختنا أن أطرابلس‏فتحت بعهد من عمرو بن العاصي.

فتح افريقيّه) آفريقا ( إفريقية

قالوا: لما ولى عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح مصر و المغرب بعث المسلمين فى جرائد خيل فأصابوا من أطراف إفريقية و غنموا، و كان عثمان‏

224

ابن عفان رضى اللّه عنه متوقفا عن غزوها ثم إنه عزم على ذلك بعد أن استشار فيه، و كتب إلى عبد اللّه فى سنة سبع و عشرين و يقال: فى سنة ثمان و عشرين و يقال فى سنة تسع و عشرين يأمره بغزوها و أمده بجيش عظيم فيه معبد بن العباس بن عبد المطلب، و مروان بن الحكم بن أبى العاصي بن أمية، و الحارث بن الحكم أخوه، و عبد اللّه بن الزبير بن العوام، و المسور ابن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، و عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، و عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و عاصم ابن عمر، و عبيد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن أبى بكر، و عبد اللّه بن عمرو بن العاصي، و بسر بن أبى أرطاة بن عويمر العامري، و أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر و بها توفى فقام بأمره ابن الزبير حتى واراه فى لحده، و خرج فى هذه الغزاة ممن حول المدينة من العرب خلق كثير.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى آل الزبير عن عبد اللّه بن الزبير، قال: اغزانا عثمان بن عفان إفريقية و كان بها بطريق سلطانه من أطرابلس إلى طنجة، فسار عبد اللّه بن سعد ابن أبى سرح حتى حل بعقوبةفقاتله أياما فقتله اللّه، و كنت أنا الذي قتلته، و هرب جيشه فتمزقوا، و بث ابن أبى سرح السرايا ففرقها فى البلاد فأصابوا غنائم كثيرة و استاقوا من المواشي ما قدروا عليه، فلما رأى ذلك عظماء إفريقية اجتمعوا فطلبوا إلى عبد اللّه بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم و يخرج من بلادهم فقبل ذلك.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد الليثي عن ابن كعب أن عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح صالح بطريق إفريقية على ألفى

225

ألف دينار و خمسمائة ألف. و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن ضمرة المازني عن أبيه، قال: لما صالح عبد اللّه بن سعد بطريق إفريقية رجع إلى مصر و لم يول على إفريقية أحدا، و لم يكن لها يومئذ قيروان و لا مصر جامع.

قال: فلما قتل عثمان و ولى أمر مصر محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة لم يوجه إليها أحدا فلما ولى معاوية بن أبى سفيان ولى معاوية بن حديج السكوني مصر فبعث فى سنة خمسين عقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط الفهري فغزاها و اختطها، قالوا: و وجه عقبة بسر بن أبى أرطاة إلى قلعة من القيروان فافتتحها و قتل و سبى، و هي اليوم تعرف بقلعة بسر، و هي بالقرب من مدينة تدعى مجانة عند معدن الفضة (1) .

و قد سمعت من يذكر أن موسى بن نصير وجه بسرا، و بسر ابن اثنتين و ثمانين سنة إلى هذه القلعة فافتتحها، و كان مولد بسر قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم بسنتين، و غير الواقدي يزعم أنه قد روى عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و اللّه أعلم.

و قال الواقدي. و لم يزل عبد اللّه بن سعد واليا حتى غلب محمد بن أبى حذيفة على مصر، و هو كان أنغلها على عثمان ثم أن عليا رضى اللّه عنه ولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصارى مصر، ثم عزله و استعمل عليها محمد بن أبى بكر الصديق ثم عزله و ولى مالكا الأشتر فاعتل بالقلزم ثم ولى محمد بن أبى بكر ثانية ورده عليها فقتله معاوية بن حديج‏و أحرقه فى جوف حمار، و كان الوالي عمرو بن العاصي من قبل معاوية بن أبى سفيان فمات

____________

(1) يقال بأن عقبة بسر بن أبي أرطأة عند ما احتل مجانة قد خرب معالمها و قتل معظم سكانها و نهب أموالهم، و أخذ أطفالهم و بناتهم.

226

عمرو بمصر يوم الفطر سنة اثنتين و أربعين و يقال سنة ثلاث و أربعين و ولى عبد اللّه بن عمرو ابنه بعده ثم عزله معاوية بن حديج فأقام بها أربع سنين ثم غزا فغنم ثم قدم مصر فوجه عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري، و يقال:

بل ولاه معاوية المغرب فغزا إفريقية فى عشرة آلاف من المسلمين فافتتح إفريقية و اختط قيروانها، و كان موضع غيضة ذات طرفاء و شجر لا يرام من السباع و الحيات و العقارب القتالة و كان ابن نافع رجلا صالحا مستجاب الدعوة فدعا ربه فاذهب ذلك كله حتى إن كانت السباع لتحمل أولادها هاربة بها.

و قال الواقدي: قلت لموسى بن على رأيت بناء إفريقية المتصل المجتمع الذي نراه اليوم من بناه فقال: أول من بناها عقبة بن نافع الفهري اختطها ثم بنى و بنى الناس معه الدور و المساكن و بنى المسجد الجامع بها.

قال: و بإفريقية استشهد معبد بن العباس رحمه اللّه فى غزاة ابن أبى سرح فى خلافة عثمان، و يقال: بل مات فى أيام القتال، و استشهاده أثبت.

و قال الواقدي و غيره: عزل معاوية بن أبى سفيان معاوية بن حذيج و ولى مصر و المغرب مسلمة بن مخلد الأنصارى، فولى المغرب أبا المهاجر مولاه فلما ولى يزيد بن معاوية رد عقبة بن نافع على عمله فغزا السوس الأدنى و هو خلف طنجةو جول فيما هناك لا يعرض له أحد و لا يقاتله فانصرف و مات يزيد بن معاوية و بويع لابنه معاوية بن يزيد و هو أبو ليلى فنادى: الصلاة جامعة، ثم تبرأ من الخلافة و جلس فى بيته و مات بعد شهرين، ثم كانت ولاية مروان بن الحكم و فتنة بن الزبير (1) ثم ولى عبد الملك بن مروان فاستقام له

____________

(1) ولي عبد اللّه بن الزبير مصر و هو عبد الرحمن بن عقبة الفهري فأخرج عن مصر، و يقال:

قتل بها فولى مروان عقبة بن نافع.

227

الناس فاستعمل أخاه عبد العزيز على مصر فولى إفريقية زهير بن قيس البلوى ففتح تونس، ثم انصرف إلى برقة فبلغه أن جماعة من الروم خرجوا من مراكب لهم فعاثوا فتوجهوا إليهم فى جريدة خيل فلقيهم فاستشهد و من معه فقبره هناك و قبورهم تدعى قبور الشهداء. ثم ولى حسان بن النعمان الغساني فغزا ملكة البربر الكاهنة فهزمته فأتى قصورا فى حيز برقة فنزلها و هي قصور يضمها قصر سقوفه أزاج فسميت قصور حسان، ثم أن حسان غزاها ثانية فقتلها و سبى سبيا من البربر، و بعث به إلى عبد العزيز فكان أبو محجن نصيب الشاعر يقول: لقد حضرت عند عبد العزيز سبيا من البربر ما رأيت قط وجوها أحسن من وجوههم.

قال ابن الكلبي: ولى هشام كلثوم بن عياض بن وحوح القشيري إفريقية فانتقض أهلها عليه فقتل بها، و قال ابن الكلبي: كان أفريقيس بن قيس بن صيفي الحميري غلب على إفريقية فى الجاهلية فسميت به و هو الذي قتل جرجير ملكها فقال للبرابرة: ما أكثر بربرة هؤلاء فسموا البرابرة.

و حدثني جماعة من أهل إفريقية عن أشياخهم أن عقبة بن نافع الفهري لما أراد تمصير القيروان فكر فى موضع المسجد منه فأرى فى منامه كأن رجلا أذن فى الموضع الذي جعل فيه مئذنته، فلما أصبح بنى المنابر فى موقف الرجل ثم بنى المسجد.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: ولى محمد بن الأشعث الخزاعي إفريقية من قبل أبى العباس أمير المؤمنين فرم مدينة القيروان و مسجدها ثم عزله المنصور و ولى عمر بن حفص هزار مردد مكانه‏.

228

فتح طَنْجَة طنجة

قال الواقدي: وجه عبد العزيز بن مروان موسى بن نصير مولى بنى أمية و أصله من عين التمر، و يقال: بل هو من أراشة من بلى و يقال هو من لخم واليا على إفريقية، و يقال: بل وليها فى زمن الوليد بن عبد الملك سنة تسع و ثمانين ففتح طنجة و نزلها، و هو أول من نزلها و اختط فيها للمسلمين و انتهت خيله إلى السوس الأدنى و بينه و بين السوس الأقصى نيف و عشرون يوما فوطئهم و سبى منهم و أدوا إليه الطاعة و قبض عامله منهم الصدقة ثم ولاها طارق بن زياد مولاه و انصرف إلى قيروان إفريقية.

فتح الأَنْدُلُس الأندلس

قال الواقدي: غزا طارق بن زياد عامل موسى بن نصير الأندلس و هو أول من غزاها و ذلك فى سنة اثنتين و تسعين فلقيه أليان و هو وال على مجاز الأندلس فآمنه طارق على أن حمله و أصحابه إلى الأندلس فى السفن، فلما صار إليها حاربه أهلها ففتحها و ذلك فى سنة اثنتين و تسعين، و كان ملكها فيما يزعمون من الأشبان و أصلهم من أصبهان، ثم أن موسى بن نصير كتب إلى طارق كتابا غليظا لتغريره بالمسلمين و افتتانه عليه بالرأى فى غزوه و أمر أن لا يجاوز قرطبة و سار موسى إلى قرطبة من الأندلس فترضاه طارق فرضي عنه فافتتح طارق مدينة طليطلة و هي مدينة مملكة الأندلس و هي مما يلي فرنجة و أصاب بها مائدة عظيمة أهداها موسى بن نصير إلى الوليد بن عبد الملك بدمشق حين قفل سنة ست و تسعين و الوليد مريض، فلما ولى سليمان بن عبد الملك أخذ موسى بن نصير بمائة ألف دينار فكلمه فيه يزيد بن المهلب فأمسك عنه، ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه ولى المغرب إسماعيل بن عبد اللّه‏

229

بن أبى المهاجر مولى بنى مخزوم، فسار أحسن سيره و دعى البربر إلى الإسلام و كتب إليهم عمر بن عبد العزيز كتبا يدعوهم بعد إلى ذلك فقرأها إسماعيل عليهم فى النواحي فغلب الإسلام على المغرب.

قالوا: و لما ولى يزيد بن عبد الملك ولى يزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج ابن يوسف إفريقية و المغرب، فقدم إفريقية فى سنة اثنتين و مائة و كان حرسه البربر فوسم كل امرئ منهم على يده حرسى، فأنكروا ذلك و ملوا سيرته فدب بعضهم إلى بعض و تضافروا على قتله فخرج ذات عشية لصلاة المعرب فقتلوه فى مصلاه فولى يزيد بشر بن صفوان الكلبي فضرب عنق عبد اللّه بن موسى بن نصير بيزيد، و ذلك أنه اتهم بقتله و تأليب الناس عليه، ثم ولى هشام بن عبد الملك بشر بن صفوان أيضا فتوفى بالقيروان سنة تسع و مائة فولى مكانه عبيدة بن عبد الرحمن القيسي، ثم استعمل بعده عبد اللّه بن الحبحاب مولى بنى سلول فأغزى عبد الرحمن بن حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري السوس و أرض السودان فظفر ظفرالم ير أحد مثله قط، و أصاب جاريتين من نساء ما هناك ليس للمرأة منهن إلا ثدي واحد و هم يسمون تراجان ثم ولى بعد ابن الحبحاب كلثوم بن عياض القشيري فقدم إفريقية فى سنة ثلاث و عشرين فقتل، ثم ولى بعده حنظلة بن صفوان الكلبي أخا بشر بن صفوان فقاتل الخوارج و توفى هناك و هو وال، و قام الوليد بن يزيد بن عبد الملك فخالف عليه عبد الرحمن بن حبيب الفهري و كان محببا فى ذلك الثغر لما كان من آثار جده عقبه بن نافع فيه فغلب عليه و انصرف عنه حنظلة فبقى عبد الرحمن عليه، و ولى يزيد بن الوليد الخلافة فلم يبعث إلى المغرب عاملا و قام مروان بن محمد فكاتبه عبد الرحمن بن حبيب و أظهر له الطاعة و بعث إليه بالهدايا، و كان كاتبه خالد بن ربيعة الإفريقي. و كان بينه و بين عبد الحميد بن يحيى مودة و مكاتبة فأقر مروان‏

230

عبد الرحمن على الثغر ثم ولى بعده الياس بن حبيب ثم حبيب بن عبد الرحمن ثم غلب البربر و الإباضية من الخوارج، ثم دخل محمد بن الأشعث الخزاعي إفريقية واليا عليها فى آخر خلافة أبى العباس فى سبعين ألفا و يقال فى أربعين ألفا فوليها أربع سنين فرم مدينة القيروان، ثم وثب عليه جند البلد و غيرهم، و سمعت من تحدث أن أهل البلد و الجند المقيمين فيه وثبوا به فمكث يقاتلهم أربعين يوما و هو فى قصره حتى اجتمع إليه أهل الطاعة ممن كان شخص معه من أهل خراسان و غيرهم و ظفر بمن حاربه و عرضهم على الأسماء، فمن كان اسمه معاوية أو سفيان أو مروان أو اسما موافقا لأسماء بنى أمية قتله، و من كان اسمه خلاف ذلك استبقاه فعزله المنصور. و ولى عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبى صفرة العتكي، و هو الذي سمى هزار مرد، و كان المنصور به معجبا فدخل إفريقية و غزا منها حتى بلغ أقصى بلاد البربر و ابتنى هناك مدينة سماها العباسية، ثم أن أبا حاتم السدراتى الإباضي من أهل سدراتة و هو مولى لكندة قاتله فاستشهد و جماعة من أهل بيته و انتقض الثغر و هدمت تلك المدينة التي ابتناها، و ولى بعد هزار مرد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فخرج فى خمسين ألفا، و شيعه أبو جعفر المنصور إلى بيت المقدس و أنفق عليه مالا عظيما فسار يزيد حتى لقى أبا حاتم باطرابلس فقتله و دخل إفريقية فاستقامت له، ثم ولى بعد يزيد بن حاتم روح بن حاتم ثم الفضل بن روح فوثب الجند عليه فذبحوه.

و حدثني أحمد بن ناقد مولى بنى الأغلب، قال: كان الأغلب بن سالم التميمي من أهل مرو الروز فيمن قدم مع المسودة من خراسان فولاه موسى الهادي المغرب فجمع له حريش، و هو رجل كان من جند الثغر من تونس جمعا، و سار إليه و هو بقيروان إفريقية فحصره، ثم أن الأغلب خرج إليه‏

231

فقاتله فأصابه فى المعركة سهم‏فسقط ميتا و أصحابه لا يعلمون بمصابه و لم يعلم به أصحاب حريش، ثم أن حريشا انهزم و جيشه فاتبعهم أصحاب الأغلب ثلاثة أيام فقتلوهم و قتلوا حريشا بموضع يعرف بسوق الأجد فسمى الأغلب الشهيد، قال: و كان ابراهيم بن الأغلب من وجوه جند مصر فوثب و اثنا عشر رجلا معه فأخذوا من بيت المال مقدار أرزاقهم لم يزدادوا على ذلك شيا و هربوا فلحقوا بموضع يقال له الزاب، و هو من القيروان على مسيرة أكثر من عشرة أيام، و عامل الثغر يومئذ من قبل الرشيد هارون هرثمة ابن أعين و اعتقد ابراهيم بن الأغلب على من كان من تلك الناحية من الجند و غيرهم الرياسة و أقبل يهدى إلى هرثمة و يلاطفه و يكتب إليه يعلمه أنه لم يخرج يدا من طاعة و لا اشتمل على معصية و أنه إنما دعاه إلى ما كان منه الإحواج و الضرورة فولاه هرثمة ناحيته و استكفاه أمرها، فلما صرف هرثمة من الثغر وليه بعده ابن العكي فساء أثره فيه حتى انتقض عليه فاستشار الرشيد هرثمة فى رجل يوليه إياه و يقلده أمره فأشار عليه باستصلاح ابراهيم و اصطناعه و توليته الثغر فكتب إليه الرشيد يعلمه أنه قد صفح له عن جرمه و أقاله هفوته و رأى توليته بلاد المغرب اصطناعا له ليستقبل به الإحسان و يستقبل به النصيحة، فولى ابراهيم ذلك الثغر و قام به و ضبطه، ثم أن رجلا من جند البلد يقال له عمران بن مجالد خالف و نقض فانضم إليه جند الثغر و طلبوا أرزاقهم و حاصروا ابراهيم بالقيروان‏فلم يلبثوا إن أتاهم العراض و المعطون و معهم مال من خراج مصر فلما أعطوا تفرقوا فابتنى ابراهيم القصر الأبيض الذي فى قبلة القيروان على ميلين منها و خط للناس حوله فابتنوا و مصر ما هناك و بنى مسجدا جامعا بالجص و الآجر و عمد الرخام و سقفه بالأردن و جعله مائتي ذراع فى نحو مائتي ذراع و ابتاع عبيدا أعتقهم فبلغوا خمسة آلاف و أسكنهم حوله و سمى تلك المدينة العباسية و هي اليوم آهلة عامرة.

232

و كان محمد بن الأغلب بن ابراهيم بن الأغلب أحدث فى سنة تسع و ثلاثين و مائتان مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية أيضا فأخربها أفلح بن عبد الوهاب الإباضي، و كتب إلى الأموى صاحب الأندلس يعلمه ذلك تقربا إليه به فبعت إليه الأموى مائة ألف درهم.

و بالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة و بينها و بين برقة مسيرة خمسة عشر يوما أو أقل من ذلك قليلا أو أكثر قليلا و بها مدينة على شاطئ البحر تدعى بارة، و كان أهلها نصارى و ليسوا بروم غزاها حبلة مولى الأغلب فلم يقدر عليها، ثم غزاها خلفون البربري، و يقال: أنه مولى لربيعة ففتحها فى أول خلافة المتوكل على اللّه، و قام بعده رجل يقال له المرج بن سلام ففتح أربعة و عشرين حصنا و استولى عليها و كتب إلى صاحب البريد بمصر يعلمه خبره و أنه لا يرى لنفسه و من معه من المسلمين صلاة إلا بأن يعقد له الامام على ناحيته و يوليه إياهاليخرج من حد المتغلبين، و بنى مسجدا جامعا، ثم أن أصحابه شغبوا عليه فقتلوه، و قام بعده سوران فوجه رسوله إلى أمير المؤمنين المتوكل على اللّه يسأله عقدا و كتاب ولاية، فتوفى قبل أن ينصرف رسوله إليه و توفى المنتصر بالله.

و كانت خلافته ستة أشهر، و قام المستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم بالله فأمر عامله على المغرب و هو أو تامش مولى أمير المؤمنين بأن يعقد له على ناحيته فلم يشخص رسوله من سر من رأى حتى قتل أو تامش و ولى الناحية و صيف مولى أمير المؤمنين فعقد له و أنفذه‏.

233

فتح جزائر في البحر

قالوا: غزا معاوية بن حديج الكندي أيام معاوية بن أبى سفيان سقلية و كان أول من غزاها و لم تزل تغزى بعد ذلك، و قد فتح آل الأغلب بن سالم الإفريقي منها نيفا و عشرين مدينة و هي فى أيدى المسلمين، و فتح احمد بن محمد بن الأغلب منها فى خلافة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه قصريانه و حصن غليانة، و قال الواقدي: سبى عبد اللّه بن قيس بن مخلد الدزقى سقلية فأصاب أصنام ذهب و فضة مكالمة بالجوهر فبعث بها إلى معاوية فوجه بها معاوية إلى البصرة لتحمل إلى الهند فتباع هناك ليثمن بها، قالوا: و كان معاوية بن أبى سفيان يغزى برا و بحرافبعث جنادة بن أبى أمية الأزدى إلى رودس و جنادة أحد من روى عنه الحديث و لقى أبا بكر و عمرو معاذ بن جبل و مات فى سنة ثمانين ففتحها عنوة، و كانت غيضة فى البحر و أمره معاوية فأنزلها قوما من المسلمين و كان ذلك فى سنة اثنتين و خمسين، قالوا:

و رودس من أخصب الجزائر و هي نحو ستين ميلا فيها الزيتون و الكروم و الثمار و المياه العذبة.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي و غيره، قالوا: أقام المسلمون برودس سبع سنين فى حصن اتخذ لهم، فلما مات معاوية كتب يزيد إلى جنادة يأمره بهدم الحصن و القفل، و كان معاوية يعاقب بين الناس فيها و كان مجاهد بن جبر مقيما بها يقرئ الناس القرآن، و فتح جنادة بن أبى أمية فى سنة أربع و خمسين أرواد و أسكنها معاوية المسلمين، و كان ممن فتحها مجاهد و تبيع بن امرأة كعب الأحبار و بها أقرأ مجاهد تبيعا القرآن، و يقال: أنه أقرأه القرآن برودس و أرواد جزيرة بالقرب من القسطنطينية، و غزا جنادة اقريطش، فلما كان زمن الوليد فتح بعضها ثم أغلق و غزاها حميد بن معيوق الهمداني فى خلافة

234

الرشيد ففتح بعضها، ثم غزاها فى خلافة المأمون أبو حفص عمر بن عيسى الأندلسى المعروف بالأقريطشى و افتتح منها حصنا واحدا و نزله، ثم لم يزل يفتح شيئا بعد شي‏ء حتى لم يبق فيها من الروم أحد و أخرب حصونهم.

صلح التوبة

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني محمد بن عمر الواقدي عن الوليد بن كثير عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير، قال: لما فتح المسلمون مصر بعث عمرو بن العاصي إلى القرى التي حولها الخيل ليطأهم فبعث عقبة بن نافع الفهري، و كان نافع أخا العاصي لأمه فدخلت خيولهم أرض النوبة كما تدخل صوائف الروم فلقى المسلمون بالنوبة قتالا شديدا لقد لاقوهم فرشقوهم بالنبل حتى جرح عامتهم فانصرفوا بجراحات كثيرة و حدق مفقوءة فسموا رماة الحدق فلم يزالوا على ذلك حتى ولى مصر عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح فسألوه الصلح و الموادعة فأجابهم إلى ذلك على غير جزية لكن على هدية ثلاثمائة رأس فى كل سنة و على أن يهدى المسلمون إليهم طعاما بقدر ذلك.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني الواقدي، قال: حدثنا ابراهيم بن جعفر عن عمرو بن الحارث عن أبى قبيل حيي بن هاني المعافري عن شيخ من حمير، قال: شهدت النوبة مرتين فى ولاية عمر بن الخطاب فلم أر قوما أحد فى حرب منهم لقد رأيت أحدهم يقول: للمسلم: اين تحب أن أضع سهمي منك فربما عبث الفتى منا فقال فى مكان كذا فلا يخطئه كانوا يكثرون الرمى بالنبل‏فما يكاد يرى من نبلهم فى الأرض شي‏ء فخرجوا إلينا ذات يوم فصافونا و نحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف فما قدرنا على معالجتهم رمونا حتى ذهبت الأعين فعدت مائة و خمسين عينا مفقودة، فقلنا: مالها ولاء خير من

235

الصلح إن سلبهم لقليل و إن نكايتهم لشديدة، فلم يصالحهم عمرو و لم يزل يكالبهم حتى نزع و ولى عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح فصالحهم، قال الواقدي:

و بالنوبة ذهبت عين معاوية بن حديج الكندي و كان أعور.

حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال. حدثنا عبد اللّه بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، قال: ليس بيننا و بين الأساود عهد و لا ميثاق إنما هي هدنة بينا و بينهم على إن نعطيهم شيئا من قمح و عدس و يعطونا رقيقا فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم.

حدثنا أبو عبيد عن عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد، قال: إنما الصلح بيننا و بين النوبة على أن لا نقاتلهم و لا يقاتلونا و أن يعطونا رقيقا و نعطيهم بقدر ذلك طعاما فإن باعوا نساءهم و أبناءهم لم أر بذلك بأسا أن يشترى، و من رواية أبى البحتري و غيره أن عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح صالح أهل النوبة على أن يهدوا فى السنة أربعمائة رأس يخرجوا بها يأخذون بها طعاما.

و كان المهدى أمير المؤمنين أمر بالزام النوبة فى كل سنة ثلاثمائة رأس و ستين رأسا و زرافة على أن يعطوا قمحا و خل خمر و ثيابا و فرشا أو قيمته، و قد ادعوا حديثا أنه ليس يجب عليهم البقط لكل سنة و انهم كانوا طولبوا بذلك فى خلافة المهدى فرفعوا إليه أن هذا البقط مما يأخذون من رقيق أعدائهم فإذا لم يجدوا منه شيئا عادوا على أولادهم فأعطوا منهم فيه بهذه العدة فأمر بأن يحملوا فى ذلك على أن يؤخذ منهم لكل ثلاث سنين بقط سنة و لم يوجد لهذه الدعوى ثبت فى دواوين الحضرة و وجد فى الديوان بمصر، و كان المتوكل على اللّه أمر بتوجيه رجل يقال له محمد بن عبد اللّه و يعرف بالقمى إلى المعدن بمصر واليا عليه و ولاه القلزم، و طريق الحجاز، و بذرقة حاج مصر، فلما وافى المعدن حمل الميرة من القلزم إلى بلاد البجة. و وافى ساحلا يعرف بعيذاب‏

236

فوافته المراكب هناك فاستعان بتلك الميرة و تقوتها و من معه حتى وصل إلى قلعة ملك البجة فناهضه و كان فى عدة يسيرة، فخرج إليه البجوى فى الدهم على إبل محزمة فعمد القمي إلى الأجراس فقلدها الخيل، فلما سمعت الإبل أصواتها تقطعت بالبجويين فى الأودية و الجبال و قتل صاحب البجة، ثم قام من بعده ابن أخته و كان أبوه أحد ملوك البجويين و طلب الهدنة فأبى المتوكل على اللّه ذلك إلا أن يطأ بساطه فقدم سر من رأى فصولح فى سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة على أداء الاتاوة و البقط ورد مع القمي فأهل البجة على الهدنة يؤدون و لا يمنعون المسلمين من العمل فى معدن الذهب و كان ذلك فى الشرط على صاحبهم‏ (1)

____________

(1) في صفحات التاريخ رواية تفيد بأن البجاة غاروا على أرض مصر بعد أن رفضوا تقديم الجزية المفروضة عليهم من الذهب الخالص، و أبدوا عن عدم استعدادهم لنقل هذا الذهب إلى مصر.

و عند ما هاجموا العمال الذين يستخدمهم والي مصر في تعدين الذهب، هرب هؤلاء خوفا من القتل، فكتب والي مصر يعرض الأمر على الخليفة العباسي، الذي علم أن أهل تلك المنطقة ليسوا سوى أهل بادية و أصحاب إبل و ماشية، و إن الوصول إلى بلادهم صعب لصعوبة مسالكها، و لكثرة مفاوزها، و وعورة أرضها، و بينها و بين بلاد الإسلام مسيرة شهر في أرض قفراء خالية من الماء، و على الجيوش التي ترغب في دخولها التزود بالغذاء الذي يكفيها مدة شهر متى تخرج منها، فإن جاوز تلك المدة هلكت و فتك بمجموعها البجاة باليد، فأمسك المتوكل عنهم فطمعوا و زاد شرهم حتى ارتعدت فرائص أهل مصر منهم، فبعث والي مصر جيشا لمحاربتهم، فلما وصل الجيش إلى عنبسة زود بما يلزمه من الغذاء، فواصل السير إلى أرض البجة و تبعه عمال المعادن و بعض المتطوعة، بين فارس و راجل قيل أنهم بلغوا العشرين ألفا، و وجه إلى القلزم فحمل له في البحر سبع مراكب عامرة بالمواد التموينية، و أمر أصحابه أن يوافوه بها إلى ساحل البحر مما يلي بلاد البجة. و لما وصل الجيش إلى منطقة مناجم الذهب و حاول مهاجمة الحصون و القلاع خرج إليه ملك تلك البلاد علي بابا في جيش كبير يفوق عدد الجيش المصري بكثير، و هم على إبل سريعة،

237

أمر القراطيس القراطيس

قالوا: كانت القراطيس تدخل بلاد الروم من أرض مصر و يأتى العرب من قبل الروم الدنانير. فكان عبد الملك بن مروان أول من أحدث الكتاب الذي يكتب فى رؤس الطوامير من‏ قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ و غيرها من ذكر اللّه فكتب إليه ملك الروم أنكم أحدثتم فى قراطيسكم كتابا نكرهه فإن تركتموه و إلا أتاكم فى الدنانير من ذكر نبيكم ما تكرهونه. قال: فكبر ذلك فى صدر عبد الملك فكره إن يدع سنة حسنة سنها، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له: يا أبا هاشم إحدى بنات طبق‏و أخبره الخبر، فقال: افرخ روعك يا أمير المؤمنين حرم دنانيرهم فلا يتعامل بها و أضرب للناس سككا، و لا

____________

قفوقعت بينهم معارك طاحنة استمرت عدة أيام، حتى وصلت المراكب التي فيها الأقوات في البحر فوزعها القمي قائد الجيش المصري على الجميع، و لما شعر علي بابا بأن المصريين قد اشتد ساعدهم بالأقوات شنّ هجوما قويا عليهم، و لكن القمي جمع صفوفه و خاض معركة طاحنة أفضت عن انكسار البجة و تبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون حتى أدركهم الليل فرجعوا إلى معسكرهم، و لما شعر علي بابا بضراوة المعارك طلب الأمان، فآمنه القمي على أن يدفع الجزية و الخراج. فحمل علي بابا ما عليه من ضرائب للمدة التي منعها و هي أربع سنين. ثم غادر القمي البلاد و معه علي بابا و قد استخلف ابنه فلما دخل على المتوكل خلع عليه و على أصحابه الديباج و ولى المتوكل سعد الخادم البجة و طريق ما بين مصر و مكة.

238

تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا فى الطوامير، فقال عبد الملك: فرجتها عنى فرج اللّه عنك و ضرب الدنانير. قال عوانة بن الحكم و كانت الأقباط تذكر المسيح فى رؤس الطوامير و تنسبه إلى الربوبية تعالى اللّه علوا كبيرا، و تجعل الصليب مكان بسم اللّه الرحمن الرحيم فلذلك كره ملك الروم ما كره و اشتد عليه تغير عبد الملك ما غيره، و قال المدائني، قال مسلمة بن محارب: أشار خالد بن يزيد على عبد الملك بتحريم دنانيرهم و منع من التعامل بها و أن يدخل بلاد الروم شي‏ء من القراطيس فمكث حينا لا يحمل إليهم.

فتوح سواد العِراق العراق (خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه)

قالوا: و كان المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم الشيبانى يغير على السواد فى رجال‏من قومه فبلغ أبا بكر الصديق رضى اللّه عنه خبره فسأل عنه، فقال له قيس بن عاصم بن سنان المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر، و لا مجهول النسب، و لا ذليل العماد: هذا المثنى بن حارثة الشيبانى، ثم أن المثنى قدم على أبى بكر، فقال له يا خليفة رسول اللّه استعملني على من أسلم من قومي أقاتل هذه الأعاجم من أهل فارس، فكتب له أبو بكر فى ذلك عهدا، فسار حتى نزل خفان و دعا قومه إلى الإسلام فأسلموا، ثم أن أبا بكر رضى اللّه عنه كتب إلى خالد بن الوليد المخزومي يأمره بالمسير إلى العراق، و يقال: بل وجهه من المدينة، و كتب أبو بكر إلى المثنى بن حارثة يأمره بالسمع و الطاعة له و تلقيه، و كان مذعور بن عدى العجلى قد كتب إلى أبى بكر يعلمه حاله و حال قومه و يسأله توليته قتال الفرس، فكتب إليه يأمره بأن ينضم إلى خالد فيقيم معه إذا أقام و يشخص إذا شخص، فلما نزل خالد النباج لقيه المثنى بن حارثة بها

239

و أقبل خالد حتى أتى البصرة و بها سويد بن قطبة الذهلي، و قال غير أبى مخنف كان بها قطبة بن قتادة الذهلي، من بكر بن وائل‏و معه جماعة من قومه و هو يريد أن يفعل بالبصرة مثل فعل المثنى بالكوفة، و لم تكن الكوفة يومئذ إنما كانت الحيرة، فقال سويد لخالد: إن أهل الابلة قد جمعوا لى و لا أحسبهم امتنوا منى إلا لمكانك، قال له خالد فالرأى إن أخرج من البصرة نهارا ثم أعود ليلا فأدخل عسكرك بأصحابى فإن صبحوك حاربناهم ففعل خالد ذلك و توجه نحو الحيرة، فلما جن عليه الليل انكفأ راجعا حتى صار إلى عسكر سويد فدخله بأصحابه و أصبح الأبليون و قد بلغهم انصراف خالد عن البصرة فأقبلوا نحو سويد، فلما رأوا كثرة من فى عسكره سقط فى أيديهم و انكسروا، فقال خالد: احملوا عليهم فإنى أرى هيئة قوم قد ألقى اللّه فى قلوبهم الرعب، فحملوا عليهم فهزموهم و قتل اللّه منهم بشرا، و غرق طائفة فى دجلة البصرة، ثم مر خالد بالخريبة ففتحها و سبى من فيها، و استخلف بها فيما ذكر الكلبي شريح بن عامر بن قين من بنى سعد بن بكر بن هوازن، و كانت مسلحة للعجم، و يقال أيضا: أنه أتى النهر الذي يعرف بنهر المرأة فصالح أهله، و أنه قاتل جمعا بالمذار، ثم سار يريد الحيرة و خلف سويد بن قطبة على ناحيته، و قال له: قد عركنا هذه الأعاجم بناحيتك عركة أذاتهم لك.

و قد روى أن خالدا لما كان بناحية اليمامة كتب إلى أبى بكر يستمده فأمده بجرير بن‏عبد اللّه البجلي فلقيه جرير منصرفا من اليمامة فكان معه و واقع صاحب المذار بأمره و اللّه أعلم.

و قال الواقدي: و الذي عليه أصحابنا من أهل الحجاز أن خالدا قدم المدينة من اليمامة ثم خرج منها إلى العراق على فيد و الثعلبية ثم أتى الحيرة.

240

قالوا: و مر خالد بن الوليد بزندورد من كسكر فافتتحها و افتتح درتا و ذواتها بأمان بعد أن كانت من أهل زندورد مراماة للمسلمين ساعة، و أتى هرمزجرد فآمن أهلها أيضا و فتحها، و أتى أليس فخرج إليه جابان عظيم العجم فقدم إليه المثنى بن حارثة الشيبانى فلقيه بنهر الدم، و صالح خالد أهل أليس على أن يكونوا عيونا للمسلمين على الفرس و أدلاء و أعوانا.

و أقبل خالد إلى مجتمع الأنهار فلقيه أراذبه صاحب مسالح كسرى فيما بينه و بين العرب فقاتله المسلمون و هزموه، ثم نزل خالد خفان، و يقال: بل سار قاصدا إلى الحيرة فخرج إليه عبد المسيح بن عمر بن قيس بن حيان ابن بقيلة، و اسم بقيلة الحارث و هو من الأزد، و هانئ بن قبيصة بن مسعود الشيباني و إياس بن قبيصة الطائي، و يقال فروة بن إياس، و كان إياس عامل كسرى أبرويز على الحيرة بعد النعمان بن المنذر فصالحوه على مائة ألف درهم، و يقال على ثمانين ألف درهم فى كل عام، و على أن يكونوا عيونا للمسلمين على أهل فارس، و أن لا يهدم لهم بيعة و لا قصرا، و روى أبو مخنف عن أبى المثنى الوليد بن القطامي و هو الشرقي بن القطامي الكلبي:

أن عبد المسيح استقبل خالداو كان كبير السن، فقال له خالد: من أين أقصى أثرك يا شيخ، فقال: من ظهر أبى، قال: فمن أين خرجت، قال:

من بطن أمى، قال: ويحك فى أى شي‏ء أنت، قال: فى ثيابي، قال: ويحك على أى شي‏ء أنت، قال: على الأرض، قال: أ تعقل قال: نعم و أقيد، قال: ويحك إنما أكلمك بكلام الناس، قال: و أنا إنما أجيبك جواب الناس، قال أسلم أنت أم حرب؟قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون، قال: بنيناها للسفيه حتى يجي‏ء الحليم، ثم تذاكرا الصلح فاصطلحا على مائة ألف يؤدونها فى كل سنة فكان الذي أخذ منهم أول مال حمل إلى المدينة من‏

241

العراق، و اشترط عليهم أن لا يبغوا المسلمين غائلة، و أن يكونوا عيونا على أهل فارس و ذلك فى سنة اثنتي عشرة.

و حدثني الحسين بن الأسود عن يحيى بن آدم، قال: سمعت ان أهل الحيرة كانوا ستة آلاف رجل فألزم كل رجل منهم أربعة عشر در هما وزن خمسة فبلغ ذلك أربعة و ثمانين ألفا وزن خمسة تكون ستين وزن سبعة، و كتب لهم بذلك كتابا قد قرأته، و روى عن يزيد بن نبيشة العامري أنه قال: قدمنا العراق مع خالد بن الوليد فانتهينا إلى مسلحة العذيب، ثم أتينا الحيرة و قد تحصن أهلها فى القصر الأبيض و قصر ابن بقيلة قصر العدسيين فأجلنا الخيل فى عرصاتهم ثم صالحونا، قال ابن الكلبي: العدسيون من كلب نسبوا إلى أمهم و هي كلبية أيضا.

و حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن مجالد عن أبيه عن الشعبي أن خريم ابن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم: إن فتح اللّه عليك الحيرة فأعطنى ابنة بقيلة، فلما أراد خالد صلح أهل الحيرة، قال له خريم. إن النبي صلى اللّه عليه و سلم جعل لى بنتي بقيلة فلا تدخلها فى صلحك و شهد له بشير بن سعد، و محمد بن مسلمة الأنصاريان فاستثناها فى الصلح و دفعها إلى خريم فاشتريت منه بألف درهم، و كانت عجوزا قد حالت عن عهده فقيل له ويحك لقد أرخصتها كان أهلها يدفعون إليك أضعاف ما سألت بها فقال. ما كنت أظن عددا يكون أكثر من عشر مائة، و قد جاء فى الحديث أن الذي سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم بنت بقيلة رجل من ربيعة، و الأول أثبت، قالوا: و بعث خالد بن الوليد بشير بن سعد أبا النعمان بن بشير الأنصارى إلى بانقيا فلقيته خيل الأعاجم عليها فرخبنداذ فرشقوا من معه بالسهام و حمل عليهم فهزمهم و قتل فرخبنداذ،

242

ثم انصرف و به جراحة انتقضت به و هو بعين التمرفمات منها، و يقال: إن خالدا لقى فرخبنداذ بنفسه و بشير معه ثم بعث خالد جرير بن عبد اللّه البجلي إلى أهل بانقيا فخرج إليه بصهرى بن صلوبا فاعتذر إليه من القتال و عرض الصلح فصالحه جرير على ألف درهم و طيلسان، و يقال: أن ابن صلوبا أتى خالدا فاعتذر إليه و صالحه هذا الصلح، فلما قتل مهران و مضى يوم النخيلة أتاهم جرير فقبض منهم و من أهل الحيرة صلحهم و كتب لهم كتابا بقبض ذلك، و قوم ينكرون أن يكون جرير بن عبد اللّه قدم العراق إلا فى خلافة عمر بن الخطاب، و كان أبو مخنف و الواقدي يقولان: قدمها مرتين. قالوا:

و كتب خالد لبصبهرى بن صلوبا كتابا و وجه إلى أبى بكر بالطيلسان مع مال الحيرة و بالألف درهم فوهب الطيلسان للحسين بن على رضى اللّه عنهما.

و حدثني أبو نصر التمار، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه النخعي عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: ليس لأهل السواد عهد إلا الحيرة و أليس و بانقيا.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن المفضل بن المهلهل عن منصور عن عبيد اللّه بن الحسن أو أبى الحسن عن ابن مغفل، قال: لا يصلح بيع أرض دون الجبل إلا أرض بنى صلوبا و أرض الحيرة.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن الأسود بن قيس عن أبيه، قال انتهينا إلى الحيرة فصالحناهم على كذا و كذا و رحل، قال. فقلت و ما صنعتم بالرحل، قال لم يكن لصاحب منا رحل فأعطيناه إياه.

و حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا ابن أبى مريم عن السرى بن يحيى عن حميد بن هلال أن خالدا لما نزل الحيرة صالح أهلها و لم يقاتلوا، و قال ضرار

243

ابن الأزور الأسدى:

أرقت ببانقيا و من يلق مثل ما # لقيت ببانقيا من الجرح يأرق‏

و قال الواقدي. المجتمع عليه عند أصحابنا أن ضرارا قتل باليمامة، قالوا.

و أبى خالد الفلاليج منصرفة من بانقيا و بها جمع للعجم فتفرقوا و لم يلق كيدا فرجع إلى الحيرة فبلغه أن جابان فى جمع عظيم بتستر فوجه إليه المثنى بن حارثة الشيبانى و حنظلة بن الربيع بن رباح الأسيدى من بنى تميم، و هو الذي يقال له حنظلة الكاتب، فلما انتهيا إليه هرب و سار خالد إلى الأنبار فتحصن أهلها، ثم أتاه من دله على سوق بغداد و هو السوق العتيق الذي كان عند قرن الصراة فبعث خالد المثنى بن حارثة فأغار عليه فملأ المسلمون أيديهم من الصفراء و البيضاء و ما خف محمله من المتاع ثم باتوا بالسيلحين و أتوا الأنبار و خالد بها فحصروا أهلها و حرقوا فى نواحيها، و إنما سميت الأنبار لأن إهراء العجم كانت بها، و كان أصحاب النعمان و صنائعه يعطون أرزاقهم منها، فلما رأى أهل الأنبار ما نزل بهم‏صالحوا خالد على شي‏ء رضى به فأقرهم، و يقال أن خالدا قدم المثنى إلى بغداد ثم سار بعده فتولى الغارة عليها ثم رجع إلى الأنبار، و ليس ذلك بثبت.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثني يحيى بن آدم قال: حدثنا الحسن بن صالح عن جابر عن الشعبي أنه قال: لأهل الأنبار عهد و عقد.

و حدثني مشايخ من أهل الأنبار أنهم صالحوا فى خلافة عمر رحمه اللّه على طسوجهم على أربعمائة ألف درهم و ألف عباءة قطوانية فى كل سنة و تولى الصلح جرير بن عبد اللّه البجلي، و يقال: صالحهم على ثمانين ألفا و اللّه أعلم.

قالوا: و فتح جرير بوازيج الأنبار و بها قوم من مواليه، قالوا: و أتى خالد بن الوليد رجل دله على سوق يجتمع فيها كلب و بكر بن وائل و طوائف‏

244

من قضاعة فوق الأنبار، فوجه إليها المثنى بن حارثة فأغار عليها فأصاب ما فيها و قتل و سبى، ثم أتى خالد عين التمر فألصق بحصنها و كانت فيه مسلحة للأعاجم عظيمة فخرج أهل الحصن فقاتلوا، ثم لزموا حصنهم فحاصرهم خالد و المسلمون حتى سألوا الأمان فأبى أن يؤمنهم و افتتح الحصن عنوة و قتل و سبى، و وجد فى كنيسة هناك جماعة سباهم فكان من ذلك السبي حمران بن أبان ابن خالد التمري، و قوم يقولون: كان اسم أبيه أبان و حمران مولى عثمان، و كان للمسيب بن نجبة الفزاري فاشتراه منه فأعتقه، ثم‏وجهه إلى الكوفة للمسألة عن عامله فكذبه فأخرجه من جواره فنزل البصرة، و سيرين أبو محمد بن سيرين و أخوته، و هم يحيى بن سيرين، و أنس بن سيرين، و معبد بن سيرين و هو أكبر أخوته، و هم موالي أنس بن مالك الأنصارى، و كان من ذلك السبي أيضا أبو عمرة جد عبد الأعلى الشاعر، و يسار جد محمد بن إسحاق صاحب السيرة، و هو مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، و كان منهم مرة أبو عبيد جد محمد بن زيد بن عبيد ابن مرة، و نفيس بن محمد بن زيد بن عبيد بن مرة صاحب القصر عند الحرة ابن محمد هذا و بنوه و يقولون عبيد بن مرة بن المعلى الأنصارى ثم الزرقي، و نصير أبو موسى بن نصير صاحب المغرب، و هو مولى لبنى أمية و له بالثغور موال من أولاد من أعتق يقولون ذلك.

و قال ابن الكلبي: كان أبو فروة عبد الرحمن بن الأسود، و نصير أبو موسى ابن نصير عربيين من أراشة من يلي: سبيا أيام أبى بكر رحمه اللّه من جبل الجليل بالشام، و كان اسم نصير نصرا فصغر و أعتقه بعض بنى أمية فرجع إلى الشام و ولد له موسى بقرية يقال لها كفر مرى و كان أعرج، و قال الكلبي: و قد قيل أنهما أخوان من سبى عين التمر و أن ولاءهما لبنى ضبة. ـ

245

و قال على بن محمد المدائني يقال: أن أبا فروة و نصيرا كانا من سبى عين التمر فابتاع ناعم الأسدى أبا فروة ثم ابتاعه منه عثمان و جعله يحفر القبور فلما وثب الناس به كان معهم عليه، فقال له: رد المدالم فقال له: أنت أولها ابتعتك من مال الصدقة لتحفر القبور فتركت ذلك، و كان ابنه عبد اللّه ابن أبى فروة من سراة الموالي، و الربيع صاحب المنصور الربيع بن يونس ابن محمد بن أبى فروة، و إنما لقب أبا فروة لفروة كانت عليه حين سبى.

و قد قيل: أن خالدا صالح أهل حصن عين التمر و أن هذا السبي وجد فى كنيسة ببعض الطسوج، و قيل: أن سيرين من أهل جرجرايا، و أنه كان زائرا لقرابة له فأخذ فى الكنيسة معهم.

حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثني يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن أشعب عن الشعبي قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة و أهل عين التمر، و كتب بذلك إلى أبى بكر فأجازه، قال يحيى: فقلت للحسن ابن صالح. أ فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة إنما هو شي‏ء عليهم و ليس على أراضيهم شي‏ء فقال نعم.

قالوا: و كان هلال بن عقه بن قيس بن البشر النمري على النمر بن قاسط بعين التمر فجمع لخالد و قاتله فظفر به فقتله و صلبه، و قال ابن الكلبي كان على التمر يومئذ عقه بن قيس بن البشر بنفسه.

قالوا. و انتقض ببشير بن سعد الأنصارى جرحه فمات فدفن بعين التمر و دفن إلى جنبة عمير بن رئاب بن مهشم بن سعيد بن سهم بن عمرو.

و كان أصابه سهم بعين التمر فاستشهد.

و وجه خالد بن الوليد و هو بعين التمر النسير بن ديسم بن ثور إلى ماء لبنى تغلب فطرقهم ليلا فقتل و أسر، فسأله رجل من الأسرى أن يطلقه على‏

246

أن يدله على حي من ربيعةففعل فأتى النسير ذلك الحي فبيتهم فغنم و سبى و مضى إلى ناحية تكريت فى البر فغنم المسلمون.

و حدثني أبو مسعود الكوفي عن محمد بن مروان أن النسير أتى عكبراء فأمن أهلها و أخرجوا لمن معه طعاما و علفا ثم مر بالبردان فأقبل أهلها يعدون من بين أيدى المسلمين، فقال لهم: لا بأس فكان ذلك أمانا، قال: ثم أتى المخرم، قال أبو مسعود: و لم يكن يدعى يومئذ مخرما إنما نزله بعض ولد مخرم بن حزن زياد بن أنس بن الديان الحارثي فسمى به فيما ذكر هشام بن محمد الكلبي، ثم عبر المسلمون جسرا كان معقودا عند قصر سابور الذي يعرف اليوم بقصر عيسى بن على فخرج إليه خرزاد بن ماهبنداذ و كان موكلا به، فقابلوه و هزموه ثم لجوا فأتوا عين التمر، و قال الواقدي. وجه المثنى بن حارثة النسير و حذيفة بن محصن بعد يوم الجسر و بعد انحيازه بالمسلمين إلى خفان و ذلك فى خلافة عمر بن الخطاب فى خيل، فأوقعا بقوم من بنى تغلب و عبر إلى تكريت فأصاب نعما و شاء، و قال عتاب بن إبراهيم فيما ذكر لى عنه أبو مسعود أن النسير و حذيفة آمنا أهل تكريت و كتبا لهم كتابا أنفذه له عتبة بن فرقد السلمى حين فتح الطيرهان، و الموصل، و ذكر أيضا أن النسير توجه من قبل خالد بن الوليد فأغار على قرى بمسكن و قطربل فغنم منها غنيمة حسنة، قالوا: ثم سار خالد من عين التمر إلى الشام، و قال للمثنى بن حارثة ارجع رحمك اللّه إلى سلطانك فغير مقصر و لا و أن و قال الشاعر:

صبحنا بالكتائب حي بكر # و حيا من قضاعة غير ميل

أبحنا دارهم و الخيل تردى # بكل سميدع سامى التليل‏

يعنى من كان فى السوق الذي فوق الأنبار، و قال آخر:

و للمثنى بالعال معركة # شاهدها من قبيلة بشر

247

يعنى بالعال الأنبار و قطربل و مسكن و بادوريا، فأراد سوق بغداد:

كتيبة أفزعت بوقعتها # كسرى و كاد الأيوان ينفطر

و شجع المسلمون إذ حذروا # و فى صروف التجارب العبر

سهل نهج السبيل فاقتفروا # آثاره و الأمور تقتفر

و قال بعضهم حين لقوا خرزاد:

و آل منا الفارسي الحذره # حين لقيناه دوينا المنظره

بكل قباء لحوق مضمرة # بمثلها يهزم جمع الكفره‏

يعنى بالمنظرة تل عقرقوف، و كان شخوص خالد إلى الشام فى شهر ربيع الآخر، و يقال: فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة، و قال قوم أن خالدا أتى دومة من عين التمر ففتحها ثم أقبل إلى الحيرة فمنها مضى إلى الشام و أصح ذلك مضيه من عين التمر.

خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏

قالوا: لما استخلف عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه وجه أبا عبيد بن عمرو ابن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، و هو أبو المختار بن أبى عبيد، إلى العراق فى ألف، و كتب إلى المثنى بن حارثة يأمره بتلقيه و السمع و الطاعة له، و بعث مع أبى عبيد سليط بن عمرو الأنصارى و قال له: لو لا عجلة فيك لوليتك و لكن الحرب زبون لا يصلح لها إلا الرجل المكيث، فأقبل أبو عبيد لا يمر بقوم من العرب إلا رغبهم فى الجهاد و الغنيمة فصحبه خلق، فلما صار بالعذيب بلغه أن جابان الأعجمى يتستر فى جمع كثير فلقيه فهزم جمعه و أسر منهم، ثم أتى درنى و بها جمع للعجم فهزمهم إلى كسكر و سار الى الجالينوس و هو ببار و سما فصالحه بن الأنذر زعز عن كل رأس على‏

248

أربعة دراهم على أن ينصرف، و وجه أبو عبيد المثنى إلى زندورد فوجدهم قد نقضوا فحاربهم فظفر و سبى، و وجه عروة بن زيد بن الخيل الطائي إلى الزوابي فصالح دهقانها على مثل صلح باروسما.

يوم قُسّ النَّاطِف قس الناطف و هو يوم الجسر

قالوا: بعث الفرس إلى العرب حين بلغها اجتماعها ذا الحاجب مردانشاه و كان أنوشروان لقبه بهمن لتبركه به و سمى ذا الحاجب لأنه كان يصعب حاجبيه ليرفعهما عن عينه كبرا، و يقال: أن اسمه رستم، فأمر أبو عبيد بالجسر فعقد و أعانه على عقده عهده أهل بانقيا، و يقال: أن ذلك الجسر كان قديما لأهل الحيرة يعبرون عليه إلى ضياعهم فأصلحه أبو عبيد، و ذلك أنه كان معتلا مقطوعا ثم عبر أبو عبيد و المسلمون من المروحة على الجسر فلقوا ذا الحاجب و هو فى أربعة آلاف مدجج و معه فيل، و يقال: عدة فيلة و اقتتلوا قتالا شديدا و كثرت الجراحات و فشت فى المسلمين، فقال سليط بن قيس: يا أبا عبيد قد كنت نهيتك عن قطع هذا الجسر إليهم، و أشرت عليك بالانحياز إلى بعض النواحي و الكتاب إلى أمير المؤمنين بالاستمداد فأبيت، و قاتل سليط حتى قتل، و سأل أبو عبيد: أين مقتل هذه الدابة فقيل خرطومه فحمل فضرب خرطوم الفيل، و حمل عليه أبو محجن بن حبيب الثقفي فضرب رجله فعلقها، و حمل المشركون فقتل أبو عبيد رحمه اللّه، و يقال: أن الفيل برك عليه فمات تحته فأخذ اللواء أخوه الحكم فقتل فأخذ ابنه حبر فقتل ثم أن المثنى بن حارثة أخذه ساعة و انصرف بالناس و بعضهم‏على حامية بعض، و قاتل عروة بن زيد الخيل يومئذ قتالا شديدا عدل بقتال جماعة، و قاتل أبو زبيد الطائي الشاعر حمية للمسلمين بالغربية، و كان أتى الحيرة فى بعض أموره و كان نصرانيا، و أتى‏

249

المثنى أليس، فنزلها و كتب إلى عمر بن الخطاب بالخبر مع عروة بن زيد و كان ممن قتل يوم الجسر فيما ذكر أبو مخنف أبو زيد الأنصارى أحد من جمع القرآن على عهد النبي صلى اللّه عليه و سلم، قالوا: و كانت وقعة الجسر يوم السبت فى آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة و قال أبو محجن بن حبيب:

أنى تسدت نحونا أم يوسف # و من دون مسراها فياف مجاهل

إلى فتية بالطف نيل سراتهم # و غودر أفراس لهم و رواحل

مرت على الأنصار وسط رحالهم # فقلت لهم هل منكم اليوم قافل‏

حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا محمد بن كثير عن زائد عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم، قال: عبر أبو عبيد بانقيافى ناس من أصحابه فقطع المشركون الجسر فأصيب ناس من أصحابه، قال إسماعيل، و قال أبو عمرو الشيبانى: كان يوم مهران فى أول السنة و القادسية فى آخرها.

يوم مِهران مهران و هو يوم النخيلة

قال: أبو مخنف و غيره، مكث عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه سنة لا يذكر العراق لمصاب أبى عبيد و سليط، و كان المثنى بن حارثة مقيما بناحية أليس يدعو العرب إلى الجهاد، ثم أن عمر رضى اللّه عنه ندب الناس إلى العراق فجعلوا يتحامونه و يتثاقلون عنه حتى هم أن يغزو بنفسه، و قدم عليه خلق من الأزد يريدون غزو الشام فدعاهم إلى العراق و رغبهم فى غنائم آل كسرى فردوا الاختيار إليه فأمرهم بالشخوص، و قدم جرير بن عبد اللّه من السراة فى بجيلة فسأل أن يأتى العراق على أن يعطى و قومه ربع ما غلبوا عليه فأجابه عمر إلى ذلك فسار نحو العراق. و قوم يزعمون أنه مر على طريق البصرة و واقع‏

250

مرزبان المذار فهزمه، و آخرون يزعمون أنه واقع المرزبان و هو مع خالد بن الوليد، و قوم يقولون أنه سلك الطريق على فيد و الثعلبة إلى العذيب.

حدثني عفان بن مسلم قال حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا داود بن أبى هند، قال أخبرنى الشعبي أن عمر وجه جرير بن عبد اللّه إلى الكوفة بعد قتل أبى عبيد أول من وجه قال هل لك فى العراق و انفلك الثلث بعد الخمس؟ قال نعم، قالوا و اجتمع المسلمون بدير هند فى سنة أربع عشرة و قد هلك شيرويه و ملكت بوران بنت كسرى إلى أن يبلغ يزدجرد بن شهريارفبعث إليهم مهران بن مهر بنداذ الهمذاني فى اثنى عشر ألفا فأمهل المسلمون له حتى عبر الجسر و صار مما يلي دير الأعور، و روى سيف أن مهران صار عند عبور الجسر إلى موضع يقال له البويب و هذا الموضع الذي قتل به، و يقال أن جنبتي البويب أفعمت عظاما حتى استوى و عفا عليها التراب زمان الفتنة و أنه بإيثار هناك و ذلك ما بين السكون و بنى سليم فكان مغيضا للفرات زمن الأكاسرة يصب فى الجوف، و عسكر المسلمين بالنخيلة.

و كان على الناس فيما تزعم بجيلة جرير بن عبد اللّه، و فيما تقول ربيعة المثنى بن حارثة، و قد قيل: أنهم كانوا متسايدين على كل قوم رئيسهم فالتقى المسلمون و عدوهم فأبلى شرحبيل بن السمط الكندي يومئذ بلاء حسنا، و قتل مسعود بن حارثة أخو المثنى بن حارثة، فقال المثنى: يا معشر المسلمين لا يرعكم مصرع أخى فإن مصارع خياركم هكذا، فحملوا حملة رجل واحد محققين صابرين حتى قتل اللّه مهران و هزم الكفرة فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فقتل من نجا منهم، و ضارب قرط بن جماح العبدى يومئذ حتى انثنى سيفه و جاء الليل فتناموا إلى عسكرهم و ذلك فى سنة أربع عشرة فتولى قتل مهران جرير بن عبد اللّه، و المنذر بن حسان بن ضرار الضبي، فقال: هذا أنا قتلته، و قال هذا أنا قتلته و تنازعا نزاعا شديدا

251

فأخذ المنذر منطقته و أخذ جرير سائر سلبه، و يقال: أن الحصن بن معبد ابن زرارة بن عدس التميمي كان ممن قتله.

ثم لم يزل المسلمون يشنون الغارات و يتابعونها فيما بين الحيرة و كسكر و فيما بين كسكر و سورا و بربيسما و صراة جاماسب و ما بين الفلوجتين و النهرين و عين التمر، و أتوا حصن مليقيا و كان منظرة ففتحوه و أجلوا العجم عن مناظر كانت بالطف و كانوا منخوبين قد وهن سلطانهم و ضعف أمرهم و عبر بعض المسلمين نهر سورا فأتوا كوثى، و نهر الملك، و بادوريا، و بلغ بعضهم كلواذى، و كانوا يعيشون بما ينالون من الغارات، و يقال: أن ما بين مهران و القادسية ثمانية عشر شهرا.

يوم القادِسِيَّة القادسية

قالوا: كتب المسلمون إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه يعلمونه كثرة من تجمع لهم من أهل فارس و يسألونه المدد، فأراد أن يغزو بنفسه و عسكر لذلك، فأشار عليه العباس بن عبد المطلب، و جماعة من مشايخ أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالمقام و توجيه الجيوش و البعوث ففعل ذلك، و أشار عليه على بن أبى طالب بالمسير، فقال له: انى قد عزمت على المقام و عرض على على رضى اللّه عنه الشخوص فأباه‏فأراد عمر توجيه سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل العدوى، ثم بدا له فوجه سعد بن أبى وقاص، و اسم أبى وقاص مالك ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، و قال: أنه رجل شجاع رام و يقال: ان سعيد بن زيد بن عمرو كان يومئذ بالشام غازيا، قالوا: و سار إلى العراق فأقام بالثعلبية ثلاثة أشهر حتى تلاحق به الناس، ثم قدم العزيب فى سنة خمس عشرة، و كان المثنى بن حارثة مريضا فأشار عليه بأن يحارب العدو

252

بين القادسية و العذيب ثم اشتد وجعه فحمل إلى قومه فمات فيهم، و تزوج سعد امرأته.

قال الواقدي: توفى المثنى قبل نزول رستم القادسية، قالوا: و أقبل رستم و هو من أهل الري، و يقال بل هو من أهل همذان فنزل برس، ثم سار فأقام بين الحيرة و السيلحين أربعة أشهر لا يقدم على المسلمين و لا يقاتلهم و المسلمون معسكرون بين العذيب و القادسية، و قدم رستم ذا الحاجب فكان معسكرا بطيزناباذ، و كان المشركون زهاء مائة ألف و عشرين ألفا و معهم ثلاثون فيلا و روايتهم العظمى التي تدعى درفش كابيان، و كان جمع المسلمون ما بين تسعة آلاف إلى عشرة آلاف فإذا احتاجوا إلى العلف و الطعام أخرجوا خيولا فى البر فأغارت على أسفل الفرات، و كان عمر يبعث إليهم من المدينة الغنم و الجزر، قالوا: و كانت البصرة قد مصرت فيما بين يوم النخيلة و يوم القادسية مصرها عتبة بن غزوان، ثم استأذن للحج و خلف المغيرة بن شعبة فكتب عمر بعهده فلم يلبث‏أن قرف بما قرف به فولى أبا موسى البصرة و أشخص المغيرة إلى المدينة، ثم أن عمر رده و من شهد عليه إلى البصرة، فلما حضر يوم القادسية كتب عمر إلى أبى موسى يأمره بإمداد سعد فأمده بالغيرة فى ثمانمائة و يقال فى أربعمائة فشهدها ثم شخص إلى المدينة فكتب عمر إلى أبى عبيدة بن الجراح فأمد سعدا بقيس ابن هبيرة بن المكشوح المرادي، فيقال: أنه شهد القادسية، و يقال: بل قدم على المسلمين و قد فرغ من حربها و كان قيس فى سبعمائة.

و كان يوم القادسية فى آخر سنة ست عشرة، و قد قبل أن الذي أمدى سعدا بالمغيرة عتبة بن غزوان و أن المغيرة إنما ولى البصرة بعد قدومه من القادسية و أن عمر لم يخرجه من المدينة حين أشخصه إليها لما قرف به إلا واليا على الكوفة.

253

و حدثني العباس بن الوليد النرسى، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد عن مجلد عن الشعبي، قال: كتب عمر إلى أبى عبيدة ابعث قيس بن مكشوح إلى القادسية فيمن انتدب معه فانتدب معه خلق فقدم متعجلا فى سبعمائة، و قد فتح على سعد فسألوه الغنيمة فكتب إلى عمر فى ذلك فكتب إليه عمر إن كان قيس قدم قبل دفن القتلى فاقسم له نصيبه، قالوا: و أرسل رستم إلى سعد يسأله‏توجيه بعض أصحابه إليه فوجه المغيرة بن شعبة فقصد قصد سريره ليجلس معه و عليه فمنعته الأساورة من ذلك، و كلمه رستم بكلام كثير، ثم قال له: قد علمت أنه لم يحملكم على ما أنتم فيه إلا ضيق المعاش و شدة الجهد و نحن نعطيكم ما تتشبعون به و نصرفكم ببعض ما تحبون، فقال المغيرة. إن اللّه بعث إلينا نبيه صلى اللّه عليه و سلم فسعدنا بإجابته و اتباعه، و أمرنا بجهاد من خالف ديننا (حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صََاغِرُونَ) ، و نحن ندعوك إلى عبادة اللّه وحده، و الإيمان بنبيه صلى اللّه عليه و سلم فإن فعلت و إلا فالسيف بيننا و بينكم، فنحر رستم غضبا، ثم قال. و الشمس و القمر لا يرتفع الضحى غدا حتى نقتلكم أجمعين، فقال المغيرة: لا حول و لا قوة إلا بالله و انصرف عنه، و كان على فرس له مهزول و عليه سيف معلوب ملفوف عليه الخرق.

و كتب عمر إلى سعد يأمره بأن يبعث إلى عظيم الفرس قوما يدعونه إلى الإسلام، فوجه عمرو بن معدى كرب الزبيدي، و الأشعث بن قيس الكندي فى جماعة فمروا برستم فأتى بهم، فقال. أين تريدون، قالوا صاحبكم فجرى بينهم كلام كثير حتى قالوا إن نبيناقد وعدنا أن نغلب على أرضكم فدعا بزبيل من تراب، فقال: هذا لكم من أرضنا، فقام عمرو ابن معدى كرب مبادرا فبسط رداءه و أخذ من ذلك التراب فيه و انصرف،

254

فقيل له ما دعاك إلى ما صنعت قال تفاءلت بأن أرضهم تصير إلينا و نغلب عليها، ثم أتوا الملك و دعوه إلى الإسلام فغضب و أمرهم بالانصراف، و قال: لو لا أنكم رسل لقتلتكم، و كتب إلى رستم يعنفه على إنفاذهم إليه.

ثم أن علافة المسلمين و عليها زهرة بن حوية بن عبد اللّه بن قتادة التميمي ثم السعدي، و يقال: كان عليها قتادة بن حوية لقيت خيلا للأعاجم فكان ذلك سبب الوقعة أغاثت الأعاجم خيلها و أغاث المسلمون علافتهم فالتحمت الحرب بينهم و ذلك بعد الظهر، و حمل عمرو بن معدى كرب الزبيدي فاعتنق عظيما من الفرس فوضعه بين يديه فى السرج، و قال: أنا أبو ثور افعلوا كذا ثم حطم فيلا من الفيلة، و قال الزموا سيوفكم خراطيمها فإن مقتل الفيل خرطومه، و كان سعد قد استخلف على العسكر و الناس خالد بن عرفطة العذرى حليف بنى زهرة لعلة وجدها، و كان مقيما فى قصر العذيب فجعلت امرأته و هي سلمى بنت حفصة من بنى تيم اللّه بن ثعلبة امرة المثنى بن حارثة تقول: وا مثنياه و لا مثنى للخيل فلطمها، فقالت يا سعد: أ غيرة و جبنا، و كان أبو محجن الثقفي بباضع غربه إليها عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لشربه الخمر فتخلص حتى لحق بسعد و لم يكن فيمن شخص معه فيما ذكر الواقدي و شرب الخمر فى عسكر سعد فضربه و حبسه فى قصر العذيب فسأل زبراء أم ولد سعد أن تطلقه ليقاتل ثم يعود إلى حديده فأحلفته بالله ليفعلن إن أطلقته، فركب فرس سعد و حمل على الأعاجم فخرق صفهم و حطم الفيل الأبيض بسيفه و سعد يراه، فقال: أما الفرس ففرسى: و أما الحملة فحملة أبى محجن، ثم أنه رجع إلى حديده، و يقال: ان سلمى بنت حفصة أعطته الفرس. و الأول أصح و أثبت.

فلما انقضى أمر رستم، قال له سعد: و اللّه‏لأضربتك فى الخمر بعد ما رأيت