فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
255

منك أبدا، قال: و أنا و اللّه فلا شربتها أبد، و أبلى طليحة بن خويلد الأسدى يومئذ و ضرب الجالينوس ضربة قدت مغفره و لم تعمل فى رأسه، و قال قيس بن مكشوح: يا قوم إن منايا الكرام القتل فلا يكونن هؤلاء القلف أولى بالصبر و أسخى نفسا بالموت منكم، ثم قاتل قتالا شديدا و قتل اللّه رستم فوجد بدنه مملوءا ضربا و طعنا فلم يعلم من قاتله، و قد كان مشى إليه عمرو بن معدى كرب، و طليحة بن خويلد الأسدى، و قرط بن جماح العبدى و ضرار بن الأزور الأسدى، و كان الواقدي يقول: قتل ضرار يوم اليمامة و قد قيل أن زهير بن عبد شمس البجلي قتله و قيل أيضا أن قاتله عوام بن عبد شمس و قيل أن قاتله هلال بن علفة التيمي، فكان قتال القادسية يوم الخميس و الجمعة و ليلة السبت و هي ليلة الهرير، و إنما سميت ليلة صفين بها و يقال: أن قيس بن مكشوح لم يحضر القتال بالقادسية و لكنه قدمها و قد فرغ المسلمون من القتال.

و حدثني أحمد بن سلمان الباهلي عن السهمي عن أشياخه أن سلمان بن ربيعة غزا الشام مع أبى أمامة الصدى بن عجلان الباهلي فشهد مشاهد المسلمين هناك ثم خرج إلى العراق فيمن خرج من المددإلى القادسية متعجلا فشهد الوقعة و أقام بالكوفة و قتل ببلنجر.

و قال الواقدي فى إسناده. خد قوم من الأعاجم لرأيتهم و قالوا لا نبرح موضعنا حتى نموت فحمل عليهم سلمان بن ربيعة الباهلي فقتلهم و أخذ الراية، قالوا: و بعث سعد خالد بن عرفطة على خيل الطلب فجعلوا يقتلون من لحقوا حتى انتهوا إلى برس و نزل خالد على رجل له بسطام فأكرمه و بره و سمى نهر هناك نهر بسطام و اجتاز خالد بالصراة فلحق جالينوس فحمل عليه كثير بن شهاب الحارثي فطعنه و يقال قتله، و قال ابن الكلبي. قتله‏

256

زهرة بن حوية السعدي و ذلك أثبت، و هرب الفرس إلى المدائن و لحقوا بيزدجرد و كتب سعد إلى عمر بالفتح و بمصاب من أصيب.

و حدثني أبو رجاء الفارسي عن أبيه عن جده، قال: حضرت وقعة القادسية و أنا مجوسي، فلما رمتنا العرب بالنبل جعلنا نقول دوك دوك نعنى مغازل فما زالت بنا تلك المغازل حتى أزالت أمرنا، لقد كان الرجل منا يرمى عن القوس الناوكية فما يزيد سهما على أن يتعلق بثوب أحدهم، و لقد كانت النبلة من نبالهم تهتك الدرع الحصينة و الجوسن المضاعف مما علينا.

و قال هشام بن الكلبي: كان أول من قتل أعجميا يوم القادسية ربيعة بن عثمان بن ربيعة أحد بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور و قال طليحة فى يوم القادسية:

أنا ضربت الجالينوس ضربة # حين جياد الخيل وسط الكبة

و قال أبو محجن الثقفي حين رأى الحرب:

كفى حزنا أن تدعس الخيل بالفنا # و أترك قد شدوا على وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد و غلقت # مصاريع من دوني تصم المناديا

و قال زهير بن عبد شمس بن عوف البجلي:

أنا زهير و ابن عبد شمس # أرديت بالسيف عظيم الفرس

رستم ذا النخوة و الدمقس # أطعت ربى و شفيت نفسي‏

و قال الأشعث بن عبد الحجر بن سراقة الكلابي و شهد الحيرة و القادسية:

و ما عقرت بالسيلحين مطيتي # و بالقصر إلا خيفة أن أعيرا

فبئس امرؤ يبأى على برهطه # و قد ساد أشياخى معدا و حميرا

257

و قال بعض المسلمين يومئذ:

و قاتلت حتى أنزل اللّه نصره # و سعد بباب القادسية معصم

فرحنا و قد آمت نساء كثيرة # و نسوة سعد ليس منهن أيم‏

و قال قيس بن المكشوح و يقال أنها لغيره:

جلبت الخيل من صنعا تردى # بكل مدجج كالليث سام

إلى وادي القرى فديار كلب # إلى اليرموك فالبلد الشآمى

و جئنا القادسية بعد شهر # مسومة دوابرها دوامي

فناهضنا هنالك جمع كسرى # و أبناء المرازنة الكرام

فلما أن رأيت الخيل جالت # قصدت لموقف الملك الهمام

فاضرب رأسه فهوى صريعا # بسيف لا أقل و لا كهام

و قد أبلى الإله هناك خيرا # و فعل الخير عند اللّه نام‏

و قال عصام بن المقشعرى:

فلو شهدتنى بالقوادس أبصرت # جلاد امرئ ماض إذا القوم أحجموا

أضارب بالمخشوب حتى أفله # و اطعن بالرمح المتل و أقدم‏

و قال طليحة بن خويلد:

طرقت سليمى أرحل الركب # إنى اهتديت بسبسب سهب

إنى كلفت سلام بعدكم # بالغارة الشعواء و الحرب

لو كنت يوم القادسية إذ # نازلتهم بمهند عضب

أبصرت شداتى و منصرفي # و إقامتى للطعن و الضرب‏

و قال بشر بن ربيعة بن عمرو الخثعمي:

ألم خيال من أميمة موهنا # و قد جعلت أولى النجوم تغور

و نحن بصحراء العذيب و دارها # حجازية أن المحلى شطير

258

و لا غرو إلا جوبها البيد فى الدجى # و من دوننا و عن أشم وقور

تحن بباب القادسية ناقتي # و سعد بن وقاص على أمير

و سعد أمير شره دون خيره # طويل الشذمى كابى الزناد قصير

تذكر هداك اللّه وقع سيوفنا # بباب قديس و المكر عسير

عشية ود القوم لو أن بعضهم # يعار جناحي طائر فيطير

قال: و استشهد يومئذ سعد بن عبيد الأنصارى فاغتم عمر لمصابه و قال:

لقد كان قتله ينغص على هذا الفتح.

فتح المدَائِن المدائن

قالوا: مضى المسلمون بعد القادسية فلما جاوزوا دير كعب لقيهم النخيرخان إليها و بدأ فى جمع عظيم من أهل المدائن فاقتتلوا و عانق زهير بن سليم الأزدى النخيرخان فسقط إلى الأرض و أخذ زهير خنجرا كان فى وسط النخيرخان فشق بطنه فقتله، و سار سعد و المسلمون فنزلوا ساباط و اجتمعوا بمدينة بهر سير و هي المدينة التي فى شق الكوفة فأقاموا تسعة أشهر و يقال ثمانية عشر شهرا حتى أكلوا الرطب مرتين، و كان أهل تلك المدينة يقاتلونهم فإذا تحاجزوا دخلوها، فلما فتحها المسلمون أجمع يزدجرد بن شهريار ملك فارس على الهرب فدلى من أبيض المدائن فى زبيل فسماه النبط برزبيلا و مضى إلى حلوان معه وجوه أساورته و حمل معه بيت ماله و خف متاعه و خزانته و النساء و الذراري و كانت السنة التي هرب فيها سنة مجاعة و طاعون عم أهل فارس ثم عبر المسلمون خوضا ففتحوا المدينة الشرقية.

حدثني عفان بن مسلم، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، قال:

أخبرنا أبو وائل، قال: لما انهزم الأعاجم من القادسية اتبعناهم فاجتمعوا بكوثى‏

259

فاتبعناهم ثم انتهينا إلى دجلة، فقال المسلمون: ما تنتظرون بهذه النطفة أن نخوضها فخضناها فهزمناهم.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبى سبرة عن ابن عجلان عن أبان بن صالح، قال: لما انهزمت الفرس من القادسية قدم فلهم المدائن فانتهى المسلمون إلى دجلة و هي تطفح بماء لم ير مثله قط و إذا الفرس قد رفعوا السفن و المعابر إلى الجيزة الشرقية و حرقوا الجسر فاغتم سعد و المسلمون إذ لم يجدوا إلى العبور سبيلا. فانتدب رجل من المسلمين فسبح فرسه و عبر فسبح المسلمون، ثم أمروا أصحاب السفن فعبروا الأثقال. فقالت الفرس: و اللّه ما تقاتلون إلا جنا فانهزموا.

حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة بن الحكم و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: حدثني أبو عمرو بن العلاء، قالا: وجه سعد بن أبى وقاص خالد بن عرفطة على مقدمته فلم يرد سعد حتى فتح خالد ساباط، ثم قدم فأقام على الرومية حتى صالح أهلها على أن يجلو من أحب منهم و يقيم من أقام على الطاعة و المناصحة و أداء الخراج و دلاله المسلمين و لا ينطووا لهم على غش و لم يجد معابر فدل على مخاضة عند قرية الصيادين فأخاضوها الحيل فجعل الفرس يرمونهم فسلموا غير رجل من طي‏ء يقال له سليل بن يزيد بن مالك السنبسي لم يصب يومئذ غيره.

حدثنا عبد اللّه بن صالح، قال: حدثني من أثق به عن المجالد بن سعيد عن الشعبي إنه قال: أخذ المسلمون يوم المدائن جواري من جواري كسرى جي‏ء بهن من الآفاق فكن تصنعن له فكانت أمى إحداهن، قال: و جعل المسلمون يأخذون الكافور يومئذ فيلقونه فى قدورهم و يظنونه ملحا، قال الواقدي: كان فراغ سعد من المدائن و جلولاء فى سنة ست عشرة.

260

يوم جلولاء الوقيعة جلولاء الوقيعة

قالوا: مكث المسلمون بالمدائن أياما، ثم بلغهم أن يزدجرد قد جمع جمعا عظيما و وجهه إليهم و أن الجمع بجلولاء، فسرح سعد بن أبى وقاص هاشم بن عتبة بن أبى وقاص إليهم فى اثنى عشر ألفا، فوجدوا الأعاجم قد تحصنوا و خندقوا و جعلوا عيالهم و ثقلهم بخانقين و تعاهدوا أن لا يفروا و جعلت الأمداد تقدم عليهم من حلوان و الجبال، فقال المسلمون: ينبغي أن نعالجهم قبل أن تكثر أمدادهم فلقوهم‏و حجر بن عدى الكندي على الميمنة، و عمر بن معدى كرب على الخيل، و طليحة بن خويلد على الرجال، و على الأعاجم يومئذ خرزاذ أخو رستم فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتلوا مثله رميا بالنبل و طعنا بالرماح حتى تقصفت و تجالدوا بالسيوف حتى انثنت، ثم أن المسلمين حملوا حملة واحدة قلعوا بها الأعاجم عن موقفهم و هزموهم فولوا هاربين و ركب المسلمون أكتافهم يقتلونهم قتلا ذريعا حتى حال الظلام بينهم ثم انصرفوا إلى معسكرهم، و جعل هاشم بن عتبة جرير بن عبد اللّه بجلولاء فى خيل كثيفة ليكون بين المسلمين و بين عدوهم، فارتحل يزدجرد من حلوان، و أقبل المسلمون يغيرون فى نواحي السواد من جانب دجلة الشرقي فأتوا مهروذ فصالح دهقانها هاشما على جريب من دراهم على أن لا يقتل أحدا منهم و قتل دهقان الدسكرة و ذلك أنه اتهمه بغش المسلمين و أتى البندبجين فطلب أهله الأمان على أداء الجزية و الخراج فأمنهم، و أتى جرير بن عبد اللّه خانقين و بها بقية من الأعاجم فقتلهم و لم يبق من سواد دجلة ناحية إلا غلب عليها المسلمون و صارت فى أيديهم، و قال هشام بن الكلبي: كان على الناس يوم جلولاء من قبل سعد عمرو بن عتبة ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة و أمه عاتكة بنت أبى وقاص،

261

قالوا: و انصرف سعد بعد جلولاء إلى المدائن فصير بها جمعا، ثم مضى إلى ناحية الحيرة و كانت وقعة جلولاء فى آخر سنة ست عشرة، قالوا: فأسلم جميل بن بصيهرى دهقان الفلاليج و النهرين و بسطام بن نرسى دهقان بابل و خطرنية و الرفيل دهقان العال و فيروز دهقان نهر الملك و كوثى و غيرهم من الدهاقين، فلم يعرض لهم عمر بن الخطاب و لم يخرج الأرض من أيديهم.

و أزال الجزية عن رقابهم.

و حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه، قال: وجه سعد بن أبى وقاص هاشم بن عتبة بن أبى وقاص و معه الأشعث بن قيس الكندي فمر بالراذانات و أتى دقوقا و خانيجار فغلب على ما هناك و فتح جميع كورة بأجرمى و نفذ إلى نحو سن بارما و بوازيج الملك إلى حد شهر زور.

حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثني يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبى وقاص حين فتح السواد: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم ما أفاء اللّه عليهم، فإذا أتاك كتابي فانظر ما أجلب عليه أهل العسكر بخيلهم و ركابهم من مال أو كراع فأقسمه بينهم بعد الخمس و اترك الأرض و الأنهار لعمالها ليكون ذلك فى إعطيات المسلمين فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن يبقى بعدهم شي‏ء.

و حدثني الحسين، قال: حدثنا وكيع عن فضيل بن غزوان عن عبد اللّه ابن حازم، قال: سألت مجاهدا عن أرض السواد، فقال: لا نشتري و لا تباع، قال: نقول لأنها فتحت عنوة و لم تقسم فهي لجميع المسلمين.

و حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبى سيرة عن صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار، قال: أقر عمر بن الخطاب السواد لمن فى أصلاب‏

262

الرجال و أرحام النساء و جعلهم ذمة تؤخذ منهم الجزية و من أرضهم الخراج و هم ذمة لأرق عليهم، قال سليمان: و كان الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل أهل السواد فيئا فأخبرته بما كان من عمر فى ذلك فورعه اللّه عنهم.

حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب: أن عمر بن الخطاب أراد قسمة السواد بين المسلمين فأمر يحصلوا فوجد الرجل منهم نصيبه ثلاثة من الفلاحين فشاور أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى ذلك،

فقال على: دعهم يكونوا مادة للسلمين،

فبعث عثمان بن حنيف الأنصارى فوضع عليه ثمانية و أربعين و أربعة و عشرين و اثنى عشر.

حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا شريك عن الأجلح عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة بن يزيد عن على، قال : لو لا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم.

حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: ليس لأهل السواد عهد و إنما نزلوا على الحكم.

حدثنا الحسين، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثني صلب الزبيدي عن محمد بن قيس الأسدى عن الشعبي أنه سئل عن أهل السواد ألهم عهد، فقال: لم يكن لهم عهد فلما رضى منهم بالخراج صار لهم عهد.

حدثنا الحسين عن يحيى بن آدم عن شريك عن جابر عن عامر أنه قال:

ليس لأهل السواد عهد.

حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا ابن وهب المصري، قال: حدثنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: كان للمهاجرين مجلس فى المسجد فكان عمر يجلس معهم فيه و يحدثهم عما ينتهى إليه من أمر الآفاق فقال يوما: ما أدرى‏

263

كيف اصنع بالمجوس فوثب عبد الرحمن بن عوف، فقال: أشهد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.

حدثنا محمد بن الصباح البزاز، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا إسماعيل ابن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم، قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية و كان عمر جعل لهم ربع السواد، فلما وفد عليه جرير، قال: لو لا أنى قاسم مسئول لكنت على ما جعلت لكم و أنى أرى الناس قد كثروا فردوا ذلك عليهم ففعل و فعلوا، فأجازه عمر بثمانين دينارا قال: فقالت امرأة من بجيلة يقال لها أم كرز: أن أبى هلك و سهمه ثابت فى السواد و أنى لن أسلم، فقال: لها يا أم كرز أن قومك قد أجابوا فقالت له ما أنا بمسلمة أو تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء و تملأ يدي ذهبا ففعل عمر ذلك.

و حدثني الحسين، قال: حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن قيس عن جرير، قال: كان عمر أعطى بجيلة ربع السواد فأخذوه ثلاث سنين، قال قيس: و وفد جرير بن عبد اللّه على عمر مع عمار بن ياسر، فقال عمر: لو لا أنى قاسم مسئول لتركتكم على ما كنتم عليه، و لكنى أرى أن تردوه ففعلوا فأجازه بثمانين دينارا الحسن بن عثمان الزيادي، قال: حدثنا عيسى بن يونس عن إسماعيل عن قيس قال: أعطى عمر جرير بن عبد اللّه أربعمائة دينار.

حدثني حميد بن الربيع عن يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، قال صالح عمر بجيلة من ربع السواد على أن فرض لهم فى الفين من العطاء.

و حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن جرير ابن يزيد بن جرير بن عبد اللّه عن أبيه عن جده أن عمر جعل له و لقومه ربع ما غلبوا عليه من السواد فلما جمعت غنائم جلولاء طلب ربعه فكتب سعد إلى عمر يعلمه ذلك، فكتب عمر إن شاء جرير أن يكون إنما قاتل‏

264

و قومه على جعل كجعل المؤلفة قلوبهم‏فأعطوهم جعلهم و إن كانوا إنما قاتلوا للّه و احتسبوا ما عنده فهم من المسلمين لهم ما لهم و عليهم ما عليهم، فقال جرير صدق أمير المؤمنين وبر لا حاجة لنا بالربع.

حدثني الحسين، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن عبد السلام بن حرب عن معمر عن على بن الحكم عن إبراهيم النخعي، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إنى قد أسلمت فارفع عن أرضى الخراج، قال: أن أرضك أخذت عنوة.

حدثنا خلف بن هشام البزار، قال: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن ابراهيم التيمي، قال: لما افتتح عمر السواد قالوا له أقسمه بيننا فإنا فتحناه عنوة بسيوفنا فأبى، و قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين و أخاف إن قسمته أن تتفاسدوا بينكم فى المياه، قال: فأقر أهل السواد فى أرضهم و ضرب على رؤسهم الجزية و على أرضهم الطسق و لم تقسم بينهم.

و حدثني القاسم بن سلام، قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيف الأنصارى يمسح السواد فوجده ستة و ثلاثين ألف ألف جريب‏فوضع على كل جريب درهما و قفيزا قال القاسم: و بلغني أن ذلك القفيز كان مكوكا لهم يدعى الشابر فان قال يحيى ابن آدم: هو المختوم الحجاجى.

حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا أبو معاوية عن الشيبانى عن محمد بن عبد اللّه الثقفي، قال: وضع عمر على السواد على كل جريب عامر أو غامر يبلغه الماء درهما و قفيزا و على جريب الرطبة خمسة دراهم و خمسة أقفزة، و على جريب الشجر عشرة دراهم و عشرة أقفزة، و لم يذكر النخل، و على رؤس الرجال ثمانية و أربعين و أربعة و عشرين و اثنى عشر. ـ

265

و حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصارى عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز لاحق بن حميد أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر على صلاة أهل الكوفة و جيوشهم، و عبد اللّه ابن مسعود على قضائهم و بيت مالهم، و عثمان بن حنيف على مساحة الأرض و فرض لهم كل يوم شاة بينهم شطرها و سواقطها لعمار و الشطر الآخر بين هذين فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب النخل عشرة دراهم و على جريب الكرم عشرة دراهم و على جريب القصب ستة دراهم و على جريب البر أربعة دراهم و على جريب الشعير درهمين، و كتب بذلك إلى عمر رحمه اللّه فأجازه.

حدثنا الحسين بن الأسود، قال حدثنا يحيى بن آدم عن مندل العنزي عن الأعمش عن ابراهيم عن عمرو بن ميمون، قال: بعث عمر بن الخطاب حذيفة ابن اليمان على ما وراء دجلة و بعث عثمان بن حنيف على مادون دجلة فوضعا على كل جريب قفيزا و درهما.

حدثنا الحسين، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن مندل عن أبى إسحاق الشيبانى عن محمد بن عبد اللّه الثقفي، قال كتب المغيرة بن شعبة و هو على السواد أن قبلنا أصنافا من الغلة لها مزيد على الحنطة و الشعير فذكر الماش و الكروم و الرطبة و السماسم، قال: فوضع عليها ثمانية ثمانية و ألغى النخل.

و حدثنا خلف البزار، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش و حدثني الحسين ابن الأسود عن يحيى بن آدم عن أبى بكر، قال: أخبرنى أبو سعيد البقال عن العيزار ابن حريث، قال: وضع عمر بن الخطاب على جريب الحبطة درهمين و جريبين و على جريب الشعير درهما و جريبا و على كل غامر يطق زرعه على الجريبين درهما.

266

و حدثنا خلف البزار عن أبى بكر بن عياش عن أبى سعيد عن العيزار ابن حريث، قال: وضع عمر على جريب الكرم عشرة دراهم و على جريب الرطبة عشرة دراهم و على جريب القطن خمسة دراهم و على النخلة من الفارسي درهما و على الدفلتين درهما.

حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبى عروبة عن قتادة عن أبى مجلز أن عمر وضع على جريب النخل ثمانية دراهم.

و حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن السرى بن إسماعيل عن الشعبي، قال: بعث عمر ابن الخطاب عثمان بن حنيف فوضع على أهل السواد لجريب الرطبة خمسة دراهم و لجريب الكرم عشرة دراهم، و لم يجعل على ما عمل تحته شيئا.

و حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبى سبرة عن ابن رفاعة قال عمر بن عبد العزيز. كان خراج السواد على عهد عمر بن الخطاب مائة ألف ألف درهم، فلما كان الحجاج صار إلى أربعين ألف ألف درهم.

و حدثنا الوليد عن الواقدي عن عبد اللّه بن عبد العزيز عن أيوب بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، قال: ختم عثمان بن حنيف فى رقاب خمسمائة ألف و خمسين ألف علج و بلغ الخراج فى ولايته مائة ألف ألف درهم.

و حدثني الوليد بن صالح، قال: حدثنا يونس بن أرقم المالكي، قال حدثني يحيى بن أبى الأشعث الكندي عن مصعب بن يزيد أبى زيد الأنصارى عن أبيه، قال: بعثني على بن أبى طالب على ما سقى الفرات، فذكر رساتيق و قرى فسمى نهر الملك، و كوثى، و بهرسير، و الرومقان، و نهرجوبر، و نهر درقيط و البهقباذات، و أمرنى أن أضع على كل جريب زرع غليظ البر درهما و نصفا و صاعا من طعام، و على كل جريب وسط درهما، و على كل جريب‏

267

من البر رقيق الزرع ثلثي درهم و على الشعير نصف ذلك، و أمرنى أن أضع على البساتين التي تجمع النخل و الشجر على كل جريب عشرة دراهم، و على جريب الكرم إذا أتت عليه ثلاث سنين و دخل فى الرابعة و أطعم عشرة دراهم، و أن ألغى كل نخل شاذ عن القرى يأكله من مربه، و أن لا أضع على الخضراوات شيئا المقاثى، و الحبوب، و السماسم، و القطن، و أمرنى أن أضع على الدهاقين الذين يركبون البراذين و يتختمون بالذهب على الرجل ثمانية و أربعين درهما و على أوسطهم من التجار على رأس كل رجل أربعة و عشرين درهما فى السنة و أن أضع على الأكرة و سائر من بقي منهم على الرجل اثنى عشر درهما.

حدثني حميد بن الربيع عن يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، قال: قلت للحسن ما هذه الطسوق المختلفة، فقال: كل قد وضع حالا بعد حال على قدر قرب الأرضين و الفرض من الأسواق و بعدها قال، و قال يحيى بن آدم:

و أما مقاسمة السواء فإن الناس سألوها السلطان فى آخر خلافة المنصور فقبض قبل أن تقاسموا ثم أمر المهدى بها فقوسموا فيها دون عقبة حلوان.

و حدثني عبد اللّه بن صالح العجلى عن عبثر أبى زيد عن الثقات، قال:

مسح حذيفة سقى دجلة و مات بالمدائن، و قناطر حذيفة نسبت إليه و ذلك أنه نزل عندها، و يقال: جددها، و كان ذراعه و ذراع ابن حنيف ذراع اليد و قبضة و إبهاما ممدودة، و لما قوسم أهل السواد على النصف بعد المساحة التي كانت تمسح عليهم، قال بعض الكتاب: العشر الذي يؤخذ من القطائع هو عشر ما يكال خمس النصف الذي يؤخذ من الاستان فينبغي أن يوضع على الجريب مما تجرى عليه المساحة في القطائع أيضا خمس ما يؤخذ من جريب الاستان فمضى الأمر على ذلك.

حدثني أبو عبيدة قال: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن‏

268

ميمون بن مهران أن عمر رحمه اللّه بعث حذيفة و ابن حنيف إلى خانقين، و كانت من أول ما افتتحوا فختما أعناق الذمة ثم قبضا الخراج.

حدثنا الحسين بن الأسود، قال. حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه ابن الوليد قال: حدثنا رجل كان أبوه أخبر الناس بهذا السواد يقال له عبد الملك ابن أبى حرة عن أبيه. أن عمر بن الخطاب أصفى عشر أرضين من السواد فحفظت سبعا و ذهب عنى ثلاث، أصفى الآجام و مغايض الماء و أرض كسرى و كل دير يزيد، و أرض من قتل فى المعركة، و أرض من هرب، قال: و لم يزل ذلك ثابتا حتى أحرق الديوان أيام الحجاج بن يوسف فأخذ كل قوم ما يليهم.

و حدثني أبو عبد الرحمن الجعفي، قال: حدثنا ابن المبارك عن عبد اللّه ابن الوليد عن عبد الملك بن أبى حرة عن أبيه قال. أصفى عمر بن الخطاب من السواد أرض من قتل فى الحرب و أرض من هرب، و كل أرض كسرى و كل أرض لأهل بيته، و كل مغيض ماء، و كل دير يزيد، و كل صافية اصطفاها كسرى. فبلغت صوافيه سبعة آلاف ألف درهم، فلما كانت وقعة الجماجم أحرق الناس الديوان فأخذ كل قوم ما يليهم.

حدثني الحسين و عمرو الناقد، قالا حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن ابراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال أقطع عثمان عبد اللّه بن مسعود أرضا بالنهرين و أقطع عمار بن ياسر أسبينا و أقطع خباب بن الأرت صعنبا و أقطع سعدا قرية هرمز.

و حدثنا عبد اللّه بن صالح العجلى عن إسماعيل عن إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي قال أقطع عثمان بن عفان طلحة بن عبد اللّه النشاستج و أقطع أسامة بن زيد أرضا باعها.

حدثنا شيبان بن فروخ، قال. حدثنا أبو عوانة عن ابراهيم بن المهاجر

269

عن موسى بن طلحة أن عثمان بن عفان أقطع خمسة نفر من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم منهم عبد اللّه بن مسعود، و سعد بن مالك الزهري، و الزبير ابن العوام، و خباب بن الأرت، و أسامة بن زيد، قال: فرأيت ابن مسعود و سعدا فكان جارى يعطيان أرضهما بالثلث و الربع.

و حدثني الوليد بن صالح عن محمد بن عمرو الأسلمى عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة، قال: أول من أقطع العراق عثمان بن عفان، أقطع قطائع من صوافي كسرى و ما كان من أرض الجالية فاقطع طلحة النشاستج و أقطع وائل بن حجر الحضرمي ما و إلى زرارة، و أقطع خباب بن الأرت أسبينا و أقطع عدى بن حاتم الطائي الروحاء، و أقطع خالد بن عرفطة أرضا عند حمام أعين و أقطع الأشعث بن قيس الكندي طيزناباذ، و أقطع جرير ابن عبد اللّه البجلي أرضه على شاطئ الفرات.

حدثني الحسين بن الأسود عن يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، قال:

بلغني أن عليا رحمه اللّه ألزم أهل أجمة برس أربعة آلاف درهم و كتب لهم بذلك كتابا فى قطعة أديم.

و حدثني أحمد بن حماد الكوفي، قال: اجمة برس بحضرة صرح نمرود ببابل و فى الاجمة هوة بعيدة القعر يقال انها بئر كان آجر الصرح اتخذ من طينها و يقال: انها موضع خسف.

و حدثني أبو مسعود و غيره أن دهاقين الأنبار سألوا سعد بن أبى وقاص أن يحفر لهم نهرا كانوا سألوا عظيم الفرس حفره لهم، فكتب إلى سعد بن عمرو ابن حرام يأمره بحفره لهم، فجمع الرجال لذلك فحفروه حتى انتهوا إلى جبل لم يمكنه شقه فتركوه، فلما ولى الحجاج العراق جمع الفعلة من كل ناحية و قال لقوامه: انظروا إلى قيمة ما يأكل رجل من الحفارين فى اليوم فإن كان وزنه‏

270

مثل وزن ما يقلع فلا تمتنعوا من الحفر فانفقوا عليه حتى استتموه، فنسب ذلك الجيل إلى الحجاج، و نسب النهر إلى سعد بن عمرو بن حرام، قال:

و أمرت الخيزران أم الخلفاء أن يحفر النهر المعروف بمحدود و سمته الريان و كان وكيلها جعله أقساما وحد كل قسم و وكل بحفره قوما فسمى محدودا.

فأما النهر المعروف بشيلى فإن بنى شيلى بن فرخزادان المروزي يدعون أن سابور حفره لجدهم حين رتبه بنغيا من طسوج الأنبار، و الذي يقول غيرهم أنه نسب إلى رجل يقال له شيلى كان متقبلا لحفره و كانت له عليه مبقلة فى أيام المنصور أمير المؤمنين، و أن هذا النهر كان قديما مندفنا فأمر المنصور بحضره فلم يستتم حتى توفى فاستتم فى خلافة المهدى، و يقال: أن المنصور كان أمر باحداث فوهة له فوق فوهته القديمة فلم يتم ذلك حتى أتمها المهدى رحمه اللّه.

ذكر تمصير الكُوفَة الكوفة

حدثني محمد بن سعد، قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي عن عبد الحميد ابن جعفر و غيره أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبى وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة و قيروانا و أن لا يجعل بينه و بينهم بخرافاتى الأنبار و أراد أن يتخذها منزلا، فكثر على الناس الذباب، فتحول إلى موضع آخر فلم يصلح فتحول إلى الكوفة فاختطها و أقطع الناس المنازل، و أنزل القبائل منازلهم و بنى مسجدها و ذلك فى سنة سبع عشرة.

و حدثني على بن المغيرة الأثرم «قال حدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى عن أشياخه، قال: و أخبرنى هشام بن الكلبي عن أبيه و مشايخ الكوفيين قالوا، لما فرغ سعد بن أبى وقاص من وقعة القادسية وجه إلى المدائن، فصالح أهل الرومية و بهرسير» ثم افتتح المدائن و أخذ أسبانبر و كرد بنداذ عنوة فأنزلها جندد فاحتووها، فكتب إلى سعد أن حولهم فحولهم إلى‏

271

سوق حكمة، و بعضهم يقول: حولهم إلى كويفة دون الكوفة، و قال الأثرم و قد قيل: التكوف الاجتماع، و قيل أيضا أن المواضع المستديرة من الرمل تسمى كوفانى، و بعضهم يسمى الأرض التي فيها الحصباء مع الطين و الرمل كوفة، قالوا فأصابهم البعوض، فكتب سعد إلى عمر يعلمه أن الناس قد بعضوا و تأذوا بذلك فكتب إليه عمر: أن العرب بمنزلة الإبل لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل فارتد لهم موضعا عدنا و لا تجعل بيني و بينهم بحرا، و ولى الاختطاط للناس أبا الهياج الأسدى عمرو بن مالك بن جنادة ثم ان عبد المسيح بن بقيلة أتى سعدا و قال له أدلك على أرض انحدرت عن الفلاة و ارتفعت عن المباق فدله على موضع الكوفة اليوم، و كان يقال لها سورستان.

فلما انتهى إلى موضع مسجدها أمر رجلا فعلا بسهم قبل مهب القبلة فاعلم على موقعه ثم علا بسهم آخر قبل مهب الشمال و أعلم على موقعة ثم علا بسهم قبل مهب الجنوب و أعلم على موقعه ثم علا بسهم قبل مهب الصبا فاعلم على موقعه، ثم وضع مسجدها و دار أمارتها فى مقام العالي و ما حوله، و أسهم لنزار و أهل اليمن بسهمين على أنه من خرج بسهمه أولا فله الجانب الأيسر و هو خيرهما، فخرج سهم أهل اليمن فصارت خططهم فى الجانب الشرقي و صارت خطط نزار فى الجانب الغربي من وراء تلك العلامات، و ترك ما دونها فناء للمسجد و دار الأمارة، ثم أن المغيرة بن شعبة وسعه و بناه زياد فأحكمه و بنى دار الأمارة.

و كان زياد يقول. أنفقت على كل اسطوانة من أساطين مسجد الكوفة ثماني عشرة و مائة، و بنى فيها عمرو بن حريث المخزومي بناء، و كان زياد يستخلفه على الكوفة إذا شخص إلى البصرة، ثم بنى العمال فيها فضيقوا

272

رحابها و اقنيتها، قال: و صاحب زقاق عمرو بالكوفة بنو عمرو بن حريث ابن عمرو بن عثمان بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة.

و حدثني وهب بن بقية الواسطي، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن داود بن أبى هند عن الشعبي، قال: كنا-يعنى أهل اليمن-اثنى عشر ألفا، و كانت نزار ثمانية آلاف، ألا ترى أنا أكثر أهل الكوفة و خرج سهمنا بالناحية الشرقية فلذلك صارت خططنا بحيث هي.

و حدثني على بن محمد المدائني عن مسلمة بن محارب و غيره، قالوا: زاد المغيرة فى مسجد الكوفة و بناه ثم زاد فيه زياد، و كان سبب إلقاء الحصى فيه و فى مسجد البصرة أن الناس كانوا يصلون فإذا رفعوا أيديهم و قد تربت نفضوها، فقال زياد. ما أخوفنى أن يظن الناس على غابر الأيام أن نفض الأيدى سنة فى الصلاة فزاد فى المسجد و وسعه، و أمر بالحصى فجمع و ألقى فى صحن المسجد و كان الموكلون بجمعه يتعنتون الناس، و يقولون لمن وظفوه عليه ايتونا به على ما نريكم و انتقوا منه ضروبا اختاروها فكانوا يطلبون ما أشبهها فأصابوا مالا، فقيل: حبذا الأمارة و لو على الحجارة. و قال الأثرم. قال أبو عبيدة: إنما قيل ذلك لأن الحجاج بن عتيك الثقفي أو ابنه تولى قطع حجارة أساطين مسجد البصرة من جبل الأهواز فظهر له مال فقال الناس. حبذا الأمارة و لو على الحجارة. و قال أبو عبيدة. و كان تكويف الكوفة فى سنة ثمان عشرة قال: و كان زياد اتخذ فى مسجد الكوفة مقصورة ثم جددها خالد بن عبد اللّه القصرى.

و حدثني حفص بن عمر العمرى، قال. حدثني الهيثم بن عدى الطائي، قال: أقام المسلمون بالمدائن و اختطوها و بنوا المساجد فيها، ثم أن المسلمين استوخموها و استوبئوها، فكتب بذلك سعد بن أبى وقاص إلى عمر،

273

فكتب إليه عمر أن تنزلهم منزلا غريبا فارتاد كويفة ابن عمر فنظروا فإذا الماء محيط بها فخرجوا حتى أتوا موضع الكوفة اليوم فانتهوا إلى الظهر، و كان يدعى خد العذراء ينبت الخزامى و الأقحوان و الشيح و القيصوم و الشقائق فاختطوها.

و حدثني شيخ من الكوفيين. أن ما بين الكوفة و الحيرة كان يسمى الملطاط قال: و كانت دار عبد الملك بن عمير للضيفان أمر عمر أن يتخذ لمن يرد من الآفاق دارا فكانوا ينزلونها.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبى مخنف عن محمد بن إسحاق، قال‏اتخذ سعد بن أبى وقاص بابا مبوبا من خشب و خص على قصره خصا من قصب، فبعث عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة الأنصارى حتى أحرق الباب و الخص و أقام سعدا فى مساجد الكوفة فلم يقل فيه إلا خيرا.

و حدثني العباس بن الوليد النرسي و ابراهيم العلاف البصري، قالا:

حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة أن أهل الكوفة سعوا بسعد بن أبى وقاص إلى عمر، و قالوا: إنه لا يحسن الصلاة فقال سعد: أما أنا فكنت أصلى بهم صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، لا أخرم عنها، أركد فى الأوليين و أحذف فى الأخريين، فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا اسحاق، فأرسل عمر رجالا يسألون عنه بالكوفة، فجعلوا لا يأتون مسجدا من مساجدها إلا قالوا خيرا و أثنوا معروفا حتى أتوا مسجدا من مساجد بنى عبس، فقال رجل منهم يقال أبو سعدة: أما إذا سألتمونا عنه فإنه كان لا يقسم بالسوية، و لا يعدل فى القضية قال، فقال سعد. اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، و أدم فقره و أعم بصره، و عرضه الفتن، قال عبد الملك فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء فى السكك، فإذا قيل له:

274

كيف أنت يا أبا سعدة، قال كبير مفتون أصابتنى دعوة سعد قال العباس النرسي فى غير هذا الحديث: ان سعدا قال لأهل الكوفة اللهم لا ترض عنهم أميرا و لا ترضهم بأمير.

و حدثني العباس النرسي، قال: بلغني أن المختار بن أبى عبيد أو غيره، قال: حب أهل الكوفة شرف و بغضهم تلف.

و حدثني الحسن بن عثمان الزيادي، قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي. أن عمرو بن معدى كرب الزبيدي وفد على عمر بن الخطاب بعد فتح القادسية فسأله عن سعد و عن رضاء الناس عنه فقال:

تركته يجمع لهم جمع الذرة، و يشفق عليهم شفقة الأم البرة، أعرابى فى تمرته، نبطي فى جبايته، يقسم بالسوية و يعدل فى القضية و ينفذ بالسوية، فقال عمر: كأنكما تقارضتما إلينا، و قد كان سعد كتب يثنى على عمرو، قال: كلا يا أمير المؤمنين و لكنى أنبأت بما أعلم، قال يا عمرو: أخبرنى عن الحرب، قال: مرة المذاق، إذا قامت على ساق. من صبر فيها عرف.

و من ضعف عنها تلف، قال: فأخبرنى عن السلاح، قال: سل يا أمير المؤمنين عما شئت منه، قال: الرمح، قال: أخوك و ربما خانك قال: فالسهام، قال: رسل المنايا تخطئ و تصيب، قال: فالترس قال. ذاك المجن عليه‏تدور الدوائر قال: فالدرع قال: مشغلة للفارس متعبة للراجل، و أنها لحصن حصين.

قال و السيف قال: هناك ثكلتك أمك. فقال عمر: بل ثكلتك أمك. فقال عمرو الحمى أضرعتنى إليك قال و عزل عمر سعدا و ولى عمار بن ياسر فشكوه و قالوا ضعيف لا علم له بالسياسة فعزله. و كانت ولايته الكوفة سنة و تسعة أشهر، فقال عمر. من عذيري من أهل الكوفة ان استعملت عليهم القوى فجروه. و إن وليت عليهم الضعيف حقروه. ثم دعى المغيرة ابن شعبة فقال. إن وليتك الكوفة أتعود إلى شي‏ء مما قرفت به. فقال: لا، و كان المغيرة حين فتحت القادسية صار إلى المدينة فولاه عمر الكوفة فلم

275

يزل عليها حتى توفى عمر، ثم أن عثمان بن عفان ولاها سعدا ثم عزله و ولى الوليد بن عقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو بن أمية فلما قدم عليه قال له سعد: أما أن تكون كست بعدي أو أكون حمقت بعدك، ثم عزل الوليد و ولى سعد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية.

و حدثني أبو مسعود الكوفي عن بعض الكوفيين قال سمعت مسعر ابن كدام يحدث، قال: كان مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف يسمون جند شهانشاه فاستأمنوا على أن ينزلوا حيث أحبوا و يحالفوا من أحبوا و يفرض لهم فى العطاء فأعطوا الذي سألوه، و حالفوا زهرة بن حوية السعدي من بنى تميم وأنزلهم سعد بحيث اختاروا، و فرض لهم فى ألف ألف، و كان لهم نقيب منهم يقال له ديلم فقيل حمراء ديلم، ثم أن زياد سير بعضهم إلى بلاد الشام بأمر معاوية فهم بها يدعون الفرس، و سير منهم قوما إلى البصرة فدخلوا فى الأساورة الذين بها، قال أبو مسعود: و العرب تسمى العجم الحمراء، و يقولون جئت من حمراء ديلم كقولهم جئت من جهينة و أشباه ذلك، قال أبو مسعود و سمعت من يذكر أن هؤلاء الأساورة كانوا مقيمين بازاء الديلم فلما غشيهم المسلمون بقزوين أسلموا على مثل ما أسلم عليه أساورة البصرة و أتوا الكوفة فأقاموا بها.

و حدثني المدائني، قال: كان أبرويز وجه إلى الديلم فأتى بأربعة آلاف و كانوا خدمه و خاصته، ثم كانوا على تلك المنزلة بعده و شهدوا القادسية مع رستم فلما قتل و انهزم المجوس اعتزلوا، و قالوا: ما نحن كهؤلاء و لا لنا ملجا و أثرنا عندهم غير جميل، و الرأى لنا أن ندخل معهم فى دينهم فنعز بهم فاعتزلوا، فقال سعد: ما لهؤلاء، فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم فأخبروه بخبرهم و قالوا: ندخل فى دينكم فرجع إلى سعد فأخبره فأمنهم فأسلموا و شهدوا فتح المدائن مع سعدو شهدوا فتح جلولاء، ثم تحولوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين.

276

و قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: جبانة السبيع نسبت إلى ولد السبيع بن سبع بن صعب الهمداني، و صحراء أثير نسبت إلى رجل من بنى أسد يقال له أثير، و كان عبد الحميد نسب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامل عمر بن عبد العزيز على الكوفة، و صحراء بنى قرار نسبت إلى بنى قرار بن ثعلبة بن مالك بن حرب بن طريف بن النمر بن يقدم ابن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، قال: و كانت دار الروميين مزبلة لأهل الكوفة تطرح فيها القمامات و الكساحات حتى استقطعها عنبسة بن سعيد بن العاصي من يزيد بن عبد الملك فاقطعه إياها فنقل ترابها بمائة ألف و خمسين ألف درهم، و قال أبو مسعود. سوق يوسف بالحيرة نسب إلى يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل الثقفي بن عم الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل، و هو عامل هشام على العراق.

و أخبرنى أبو الحسن على بن محمد و أبو مسعود قالا: حمام أعين نسب إلى أعين مولى سعد بن أبى وقاص، و أعين هذا هو الذي أرسله الحجاج ابن يوسف إلى عبد اللّه بن الجارود العبدى من رستقاباذ حين خالف و تابعه الناس على إخراج الحجاج من العراق و مسئلة عبد الملك تولية غيره، فقال له حين أدى الرسالة. لو لا أنك رسول لقتلتك. قال أبو مسعود و سمعت أن الحمام قبله كان لرجل من العباد يقال له جابر أخو حيان الذي ذكره الأعشى. و هو صاحب مسناة جابر بالحيرة فابتاعه من ورثته.

و قال ابن الكلبي و بيعة بنى مازن بالحيرة لقوم من الأزد من بنى عمرو ابن مازن من الأزد و هم من غسان، قال: و حمام عمر نسب إلى عمر بن سعد بن أبى وقاص.

قالوا و شهارسوج بحيلة بالكوفة إنما نسب إلى بنى بحلة و هم ولد مالك‏

277

ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور و بجلة أمهم و هي غالبة على نسبهم فغلط الناس فقالوا بحلة، و جبانة عرزم نسبت إلى رجل يقال له عرزم كان يضرب فيها اللبن و لبنها ردى‏ء فيه قصب و خزف فربما وقع الحريق بها فاحترقت الحيطان.

و حدثني ابن عرفة، قال: حدثني إسماعيل بن علية عن ابن عون أن ابراهيم النخعي أوصى أن لا يجعل فى قبره لبن عرزمى، و قد قال بعض أهل الكوفة أن عرزما هذا رجل من بنى نهد، و جبانة بشر نسبت إلى بشر بن ربيعة بن عمرو بن منارة بن قمير الخثعمي الذي يقول:

تحن بباب القادسية ناقتي # و سعد بن وقاص على أمير

قال أبو مسعود: و كان بالكوفة موضع يعرف بعنترة الحجام و كان أسود فلما دخل أهل خراسان الكوفة كانوا يقولون حجام عنترة فبقى الناس على ذلك و كذلك حجام فرج و ضحاك رواس و بطارحيان و يقال رستم و يقال صليب و هو بالحيرة.

و قال هشام بن الكلبي: نسبت زرارة بن يزيد بن عمرو بن عدس‏من بنى البكا ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة و كانت منزله و أخذها منه معاوية بن أبى سفيان، ثم أصفيت بعد حتى أقطعها محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعي قال: و دار حكيم بالكوفة فى أصحاب الأنماط نسبت إلى حكيم بن سعد بن ثور البكاى، و قصر مقاتل نسب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن ابراهيم ابن أيوب بن محروق أحد بنى امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، قال: و السوادية بالكوفة نسبت إلى سواد بن زيد عدى بن زيد الشاعر العبادي وجده حماد بن زيد بن أيوب بن محروق، و قرية أبى صلابة التي على الفرات نسبت إلى صلابة ابن مالك بن طارق بن جبر بن همام العبدى، و اقساس مالك نسبت إلى‏

278

مالك بن قيس بن عبد هند بن لجم أحد بنى حذافة بن زهر بن إياد بن نزار و دير الأعور لرجل من إياد من بنى أمية بن حذافة كان يسمى الأعور و فيه يقول أبو داود الإيادي:

و دير يقول له الرائد و # ن ويل أم دار الحذاقى دارا

و دير قرة أحد بنى أمية بن حذافة و إليهم ينسب دير السوا و السوا العدل كانوا يأتونه فيتناصفون فيه و يحلف بعضهم لبعض على الحقوق، و بعض الرواة يقول السوا امرأة منهم، قال: و دير الجماجم لأياد و كانت بينهم و بين بنى بهراء ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة و بين و بنى القين بن جسر ابن شيع اللّه بن وبرة ابن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف حرب فقتل فيها من إياد خلق‏فلما انقضت الوقعة دفنوا قتلاهم عند الدير، و كان الناس بعد ذلك يحفرون فخرج جماجم فسمى دير الجماجم: هذه رواية الشرقي بن القطامي، و قال محمد بن السائب الكلبي: كان مالك الرماح بن محرز الأيادي قتل قوما من الفرس و نصب جماجمهم عند الدير فسمى دير الجماجم، و يقال:

أن دير كعب لاياد و يقال لغيرهم، و دير هند لأم عمرو بن هند و هو عمرو ابن المنذر بن ماء السماء و أمه كندية، و دار قمام بنت الحارث بن هاني الكندي و هي عند دار الأشعث ابن قيس قال: و بيعة بنى عدى نسبت إلى بنى عدى ابن الذميل من لخم قالوا، و كانت طيزناباذ تدعى ضيزناباذ فغيروا اسمها و إنما نسبت إلى الضيزن بن معاوية بن العبيد السليحي، و اسم سليح عمر بن طريف ابن عمران بن الحاف بن قضاعة و ربة الخضراء النضير بنت الضيزن و أم الضيزن جيهلة بنت تزيد بن حيدان بن عمر بن الحاف بن قضاعة، قال:

و الذي نسب إليه مسجد سماك بالكوفة سماك بن مخرمة بن حمين الأسدى من بنى الهالك بن عمرو بن أسد و هو الذي يقول له الأخطل:

279

أن سماكا بنى مجدا لأسرته # حتى الممات و فعل الخير يبتدر

قد كنت أحسبه قينا و أخبره # فاليوم طير عن أثوابه الشرر

و كان الهالك أول من عمل الحديد، و كان ولد يعيرون بذلك، فقال سماك للأخطل: ويحك ما أعياك أردت أن تمدحني فهجوتنى، و كان هرب من على ابن أبى طالب من الكوفة و نزل الرقة، قال ابن الكلبي بالكوفة محلة بنى شيطان و هو شيطان بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبى سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم، و قال ابن الكلبي: موضع دار عيسى ابن موسى التي يعرف بها اليوم، كان للعلاء بن عبد الرحمن بن محرز بن حارثة ابن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، و كان العلاء على ربع الكوفة أيام ابن الزبير و سكة بن محرز تنسب إليه و بالكوفة سكة تنسب إلى عميرة بن شهاب بن محرز بن أبى شمر الكندي الذي كانت أخته عند عمر ابن سعد بن أبى وقاص فولدت له حفص بن عمر، و صحراء شبث نسبت إلى شبث بن ربعي الرياحي من بنى تميم، قالوا: و دار حجير بالكوفة نسبت إلى حجير بن الجعد الجمحي، و قال: بئر المبارك فى مقبرة جعفي نسبت إلى المبارك ابن عكرمة بن حميرى الجعفي و كان يوسف بن عمر ولاه بعض السواد، و رحى عمارة نسبت إلى عمارة بن عقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو بن أمية، و قال جبانة سالم نسبت إلى سالم بن عمار بن عبد الحارث أحد بنى دارم بن نهار بن مرة ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن و بنو مرة بن صعصعة ينسبون إلى أمهم سلول بنت ذهل بن شيبان، قالوا: و صحراء البردخت نسبت إلى البردخت الشاعر الضبي و اسمه على بن خالد، قالوا: و مسجد بنى عنزنسب إلى بنى عنز بن وائل بن قاسط، و مسجد بنى جذيمة نسب إلى بنى جذيمة بن مالك ابن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد و يقال إلى بنى جذيمة

280

ابن رواحة العبسي و فيه حوانيت الصيارفة، قال: و بالكوفة مسجد نسب إلى بنى المقاصف بن ذكوان بن زبينة بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان و لم يبق منهم أحد، قال: و مسجد بنى بهدلة نسب إلى بنى بهدلة بن المثل بن معاوية من كندة، قال: و بئر الجعد بالكوفة نسب إلى الجعد مولى همدان، قال: و دار أبى ارطاة نسبت إلى أرطاة بن مالك البجلي، قال: و دار المقطع نسبت إلى المقطع بن سنين الكلبي بن خالد بن مالك، و له يقول ابن الرقاع:

على ذى منار تعرف العين شخصه # كما يعرف الأضياف دار المقطع‏

قال: و قصر العدسيين فى طرف الحيرة لبنى عمار بن عبد المسيح بن قيس ابن حرملة بن علقمة بن عدس الكلبي نسبوا إلى جدتهم عدسة بنت مالك ابن عوف الكلبي و هي أم الرماح و المشظ ابني عامر المذمم.

و حدثني شيخ من أهل الحيرة، قال: وجد فى قراطيس هدم قصور الحيرة التي كانت لآل المنذر أن المسجد الجامع بالكوفة بنى ببعض نقض تلك القصور و حسبت لأهل الحيرة قيمة ذلك من جزيتهم.

و حدثني أبو مسعود و غيره، قال كان خالد بن عبد اللّه بن أسد بن كرز القسري من بجيلة بنى لأمه بيعة هي اليوم‏سكة البريد بالكوفة و كانت أمه نصرانية، و قال و بنى خالد حوانيت أنشأها و جعل سقوفها ازاجا معقودة بالآجر و الجص و حفر خالد النهر الذي يعرف بالجامع، و اتخذ بالقرية قصرا يعرف بقصر خالد و اتخذ أخوه أسد بن عبد اللّه القرية التي تعرف بسوق أسد و سوقها و نقل الناس إليها فقيل سوق أسد، و كان العبر الآخر ضيعه عتاب بن ورقاء الرياحي، و كان معسكره حين شخص إلى خراسان واليا عليها عند سوقه هذا.

281

قال أبو مسعود: و كان عمر بن هبيرة بن معية الفزاري أيام ولايته العراق أحدث قنطرة الكوفة ثم أصلحها خالد بن عبد اللّه القسري و استوثق منها، و قد أصلحت بعد ذلك مرات قال، و قال بعض أشياخنا: كان أول من بناها رجل من العباد من جعفي فى الجاهلية، ثم سقطت فاتخذ فى موضعها جسرا، ثم بناها فى الإسلام زياد بن أبى سفيان، ثم ابن هبيرة، ثم خالد بن عبد اللّه، ثم يزيد بن عمر بن هبيرة، ثم أصلحت بعد بنى أمية مرات.

حدثني أبو مسعود و غيره، قالوا كان يزيد بن عمر بن هبيرة بنى مدينة بالكوفة على الفرات و نزلها و منها شي‏ء يسير لم يستتم فأتاه كتاب مروان يأمره باجتناب مجاورة أهل الكوفة فتركها و بنى القصر الذي يعرف بقصر ابن هبيرة بالقرب مى جسر سورا، فلما ظهر أمير المؤمنين أبو العباس نزل تلك المدينة و استتم مقاصير فيها و أحدث فيها بناء و سماها الهاشمية فكان الناس ينسبونها إلى ابن هبيرة على العادة، فقال: ما أرى ذكر ابن يسقط عنها، فرفضها و بنى بحيالها الهاشمية و نزلها، ثم اختار نزول الأنبار فبنى بها مدينته المعروفة فلما توفى دفن بها، و استخلف أبو جعفر المنصور فنزل المدينة الهاشمية بالكوفة و استتم شيئا كان بقي منها و زاد فيها بناء و هيأها على ما أراد، ثم تحول منها إلى بغداد فبنى مدينته و مصر بغداد و سماها مدينة السلام و أصلح سورها القديم الذي يبتدئ من دجلة و ينتهى إلى الصراط، و بالهاشمية حبس المنصور عبد اللّه بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب بسبب ابنيه محمد و ابراهيم و بها قبره، و بنى المنصور بالكوفة الرصافة و أمر أبا الخصيب مرزوقا مولاه فبنى له القصر المعروف بأبى الخصيب على أساس قديم، و يقال: أن أبا الخصيب بناه لنفسه فكان المنصور يزوره فيه، و أما الخورنق فكان قديما فارسيا بناه النعمان بن امرئ القيس‏و هو ابن الشقيقة

282

بنت أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان لبهرام جور بن يزدجرد بن بهرام بن سابور ذى الأكتاف، و كان بهرام جور فى حجره و النعمان هذا الذي ترك ملكه و ساح فذكره عدى بن زيد العبادي فى شعره، فلما ظهرت الدولة المباركة أقطع الخورنق إبراهيم بن سلمة أحد الدعاة بخراسان و هو جد عبد الرحمن بن إسحاق القاضي كان بمدينة السلام فى خلافة المأمون و المعتصم بالله رحمهما اللّه، و كان مولى للرباب و إبراهيم أحدث فيه الخورنق فى خلافة أبى العباس و لم تكن قبل ذلك.

و حدثني أبو مسعود الكوفي، قال: حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي عن مشايخ من أهل الكوفة أن المسلمين لما فتحوا المدائن أصابوا بها فيلا و قد كانوا قتلوا ما لقيهم قبل ذلك من الفيلة فكتبوا فيه إلى عمر فكتب إليهم أن بيعوه أن وجدتم له مباعا فاشتراه رجل من أهل الحيرة فكان عنده يريه الناس و يجلله و يطوف به فى القرى فمكث عنده حينا، ثم أن أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبى معيط امرأة المغيرة بن شعبة و هي التي خلف عليها زياد بعده أحبت النظر إليه و هي تنزل دار أبيها فأتى به و وقف على باب المسجد الذي يدعى اليوم باب الفيل فجعلت تنظر إليه و وهبت لصاحبه شيئا و صرفته فلم يخط إلا خطى يسيرة حتى سقط ميتا فسمى الباب باب الفيل، و قد قيل أن الناظرة إليه امرأة الوليد بن عقبة بن أبى معيط، و قيل أن ساحرا أرى الناس أنه أخرج من هذا الباب فيلا على حمار و ذلك باطل، و قيل: أن الأجانة التي فى المسجد حملت على فيل و أدخلت من هذا الباب فسمى باب الفيل، و قال بعضهم: أن فيلا لبعض الولاة اقتحم هذا الباب فنسب إليه: و الخبر الأول أثبت هذه الأخبار.

و حدثني أبو مسعود، قال: جبانة ميميون بالكوفة نسبت إلى ميمون‏

283

مولى محمد بن على بن عبد اللّه و هو أبو بشر بن ميمون صاحب الطاقات ببغداد بالقرب من باب الشام، و صحراء أم سلمة نسبت إلى أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد اللّه بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم امرأة أبى العباس. و حدثني أبو مسعود، قال: أخذ المنصور أهل الكوفة بحفر خندقها و ألزم كل امرئ منهم للنفقة عليه أربعين درهما و كان ذاما لهم لميلهم إلى الطالبين و أرجافهم بالسلطان.

و حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر، قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة رأس العرب. و حدثنا الحسين قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: قال عمر بالكوفة وجوه الناس. و حدثنا الحسين و إبراهيم بن مسلم الخوارزمي، قالا: حدثنا وكيع عن يونس بن أبى إسحاق عن الشعبي، قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة إلى رأس الإسلام. و حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا وكيع عن قيس بن الربيع عن شمر بن عطية قال: قال عمر و ذكر الكوفة، فقال: هم رمح اللّه و كنز الإيمان و جمجمة العرب يحرزون ثغورهم و يمدون أهل الأمصار.

و حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه بن أبى شريك العامري عن جندب عن سلمان قال: الكوفة قبة الإسلام، يأتى على الناس زمان لا يبقى مؤمن ألا و هويها أو يهوى قلبه إليها.

284

أمر واسِط واسط العراق

حدثني عبد الحميد بن واسع الختلي الحاسب، قال: حدثني يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، قال: أول مسجد جامع بنى بالسواد مسجد المدائن بناه سعد و أصحابه ثم وسع بعد و أحكم بناؤه و جرى ذلك على يدي حذيفة ابن اليمان و بالمدائن مات حذيفة سنة ست و ثلاثين، ثم بنى مسجد الكوفة ثم مسجد الأنبار قال: و أحدث الحجاج مدينة واسط فى سنة ثلاث و ثمانين أو سنة أربع و ثمانين و بنى مسجدها و قصرها و قبة الخضراء بها، و كانت واسط أرض قصب فسميت واسط القصب، و بينها و بين الأهواز و البصرة و الكوفة مقدار واحد، و قال ابن القرية: بناه فى غير بلده و يتركها لغير ولده.

و حدثني شيخ من أهل واسط عن أشياخ منهم. أن الحجاج لما فرغ من واسط كتب إلى عبد الملك بن مروان أنى اتخذت مدينة فى كرش من الأرض بين الجبل و المصرين و سميتها واسطا فلذلك سمى أهل واسط الكرشيين، و كان الحجاج قبل اتخاذه واسطا أراد نزول الصين من كسكر فحفر نهر الصين و جمع له الفعلة و أمر بأن يسلسوا لئلا يشذوا و يتبلطوا» ثم بدا له فأحدث واسطا فنزلها و احتفر النيل و الزابي و سماه زابيا لأخذه من الزابي القديم، و أحيا ما على هذين النهرين من الأرضين، و أحدث المدينة التي تعرف بالنيل و مصرها، و عمد إلى ضياع كان عبد اللّه بن دراج مولى معاوية بن أبى سفيان استخرجها له أيام ولايته خراج الكوفة مع المغيرة ابن شعبة من موات مرفوض و نقوض مياه و مغايض و آجام ضرب عليها المسنيات، ثم قلع قصبها فحازها لعبد الملك بن مروان و عمرها و نقل الحجاج إلى قصره و المسجد الجامع بواسط أبوابا من زندورد و الدوقرة و دار

285

وساط و دير ماسرجسان و شرايط فضج أهل هذه المدن، و قالوا: قد أومنا على مدننا و أموالنا فلم يلتفت إلى قولهم، قال: و حفر خالد بن عبد اللّه القسري المبارك فقال الفرزدق:

كأنك بالمبارك بعد شهر # تخوض غموره بقع الكلاب‏

ثم قال فى شعر له طويل:

أعطى خليفته بقوة خالد # نهرا يفيض له على الأنهار

أن المبارك كاسمه يسقى به # حرث السواد و ناعم الجبار

و كأن دجلة حين أقبل مدها # ناب يمد له بحبل قطار

و حدثني محمد بن خالد بن عبد اللّه الطحان، قال: حدثني مشايخنا أن خالد بن عبد اللّه القسري كتب إلى هشام بن عبد الملك يستأذنه فى عمل قنطرة على دجلة فكتب إليه هشام، لو كان هذا ممكنا لسبق إليه الفرس فراجعه فكتب إليه: أن كنت متيقنا أنها تتم فاعملها فعملها و أعظم النفقة عليها فلم يلبث أن قطعها الماء فأغرمه هشام ما كان أنفق عليها.

قالوا: و كان النهر المعروف بالبزاق قديما و كان يدعى بالنبطية البساق أى الذي يقطع الماء عما يليه و يجره إليه و هو نهر يجتمع إليه فضول مياه آجام السيب و ماء من ماء الفرات فقال الناس البزاق، فأما الميمون فأول من حفره وكيل لأم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور يقال له سعيد بن زيد، و كانت فوهته عند قرية تدعى قرية ميمون فحولت فى أيام الواثق بالله على يدي عمر بن فرج الرخجي و سمى الميمون لئلا يسقط عنه ذكر اليمن.

و حدثني محمد بن خالد، قال: أمر المهدى أمير المؤمنين بحفر نهر الصلة فحفر و أحيى ما عليه من الأرضين و جعلت غلته لصلات أهل الحرمين و النفقة هناك، و كان شرط لمن تألف إليه من المزارعين الشرطالذي هم عليه اليوم‏

286

خمسين سنة على أن يقاسموا بعد انقضاء الخمسين مقاسمة النصف، و أما نهر الأمير فنسب إلى عيسى بن على و هو فى قطيعته.

و حدثنا محمد بن خالد، قال: كان محمد بن القاسم أهدى إلى الحجاج من السند فيلا فأجيز البطائح فى سفينة و أخرج فى المشرعة التي تدعى مشرعة الفيل فسميت تلك المشرعة مشرعه الفيل و فرضة الفيل.

أمر البَطَائح البطائح

حدثني جماعة من أهل العلم: أن الفرس‏كانت تتحدث بزوال ملكها و تروى فى آية ذلك زلازل و طوفان تحدث، و كانت دجلة تصب إلى دجلة البصرة التي تدعى العوراء فى أنهار متشعبة و من عمود مجراها الذي كان باقى مائها يجرى فيه و هو كبعض تلك الأنهار، فلما كان زمان قباذ بن فيروز انبثق فى أسافل كسكر بثق عظيم فأغفل حتى غلب ماؤه و غرق كثيرا من أرضين عامرة، و كان قباذ واهنا قليل التفقد لأمره، فلما ولى أنوشروان ابنه أمر بذلك الماء فردم بالمسنيات حتى عاد بعض تلك الأرضين إلى عمارة، ثم لما كانت السنة التي بعث فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عبد اللّه بن حذافة السهمي إلى كسرى أبرويز و هي سنة سبع من الهجرة، و يقال سنة ست زاد الفرات و دجلة زيادة عظيمة لم ير مثلها قبلها لا بعدها، و انبثقت بثوق عظام فجهد أبرويز أن يسكرها فغلبه الماء و مال إلى موضع البطائح فطفا على العمارات و الزروع‏فغرق عدة طساسيج كانت هناك، و ركب كسرى بنفسه لسد تلك البثوق و نثر الأموال على الأنطاع و قتل الفعلة بالكفاية، و صلب على بعض البثوق فيما يقال أربعين جسارا فى يوم فلم يقدر للماء على حيلة، ثم دخلت العرب أرض العراق و شغلت الأعاجم بالحروب فكانت البثوق تنفجر فلا يلتفت إليها و يعجز الداهقين عن سد

287

عظمها فاتسعت البطيحة و عرضت، فلما ولى معاوية بن أبى سفيان ولى عبد اللّه بن دراج مولاه خراج العراق و استخرج له من الأرضين بالبطائح ما بلغت غلته خمسة آلاف ألف و ذلك أنه قطع القصب و غلب الماء بالمسنيات، ثم كان حسان النبطي مولى بنى ضبة و صاحب حوض حسان بالبصرة و الذي تنسب إليه منارة حسان بالبطائح فاستخرج للحجاج أيام الوليد و لهشام بن عبد الملك أرضين من أراضى البطيحة، قالوا: و كان بكسكر قبل حدوث البطائح نهر يقال له الجنب، و كان طريق البريد إلى ميسان و دستميسان و إلى الأهواز فى شقه القبلي فلما تبطحت البطائح سمى ما استاجم من شق طريق البريد آجام البريد و سمى الشق الآخر اجام أغمر بثى، و فى ذلك الآجام الكبرى و النهر اليوم يظهر فى الأرضين الجامدة التي استخرجت حديثا.

و حدثني أبو مسعود الكوفي عن أشياخه، قالوا: حدثت البطائح بعد مهاجرة النبي صلى اللّه عليه و سلم و ملك الفرس أبرويز، و ذلك أنه انبثقت بثوق عظام عجز كسرى عن سدها و فاضت الأنهار حتى حدثت البطائح، ثم كان مد فى أيام محاربة المسلمين الأعاجم بثوق لم يعن أحد بسدها فاتسعت البطيحة لذلك و عظمت، و قد كان بنو أمية استخرجوا بعض أرضيها، فلما كان زمن الحجاج غرق ذلك لأن بثوقا انفجرت فلم يعان الحجاج سدها مضارة للدهاقين لأنه كان اتهمهم بممالأة ابن الأشعث حين خرج عليه و استخرج حسان النبطي لهشام أرضين من أرضى البطيحة أيضا.

و كان أبو الأسد الذي نسب إليه نهر أبى الأسد قائدا من قواد المنصور أمير المؤمنين ممن كان وجه إلى البصرة أيام مقام عبد اللّه بن على بها و هو الذي أدخل عبد اللّه بن على الكوفة.

288

و حدثني عمر بن بكير: أن المنصور رحمه اللّه وجه أبا الأسد مولى أمير المؤمنين فعسكر بينه و بين عسكر عيسى بن موسى حين كان يحارب ابراهيم ابن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب و هو حفر النهر المعروف بأبى أسد عند البطيحة، و قال غيره: أقام على فم النهر لأن السفن لم تدخله لضيقه عنها فوسعه و نسب إليه.

قال أبو مسعود: و قد انبثقت فى أيام الدولة المباركة بثوق زادت فى البطائح سعة، و حدثت أيضا من الفرات آجام استخرج بعضها.

و حدثني أبو مسعود عن عوانة، قال: انبثقت البثوق أيام الحجاج فكتب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك يعلمه: أنه قدر لسدها ثلاثة آلاف ألف درهم فاستكثرها الوليد، فقال له مسلمة بن عبد الملك: أنا أنفق عليها على أن تقطعني الأرضين المنخفضة التي يبقى فيها الماء بعد انفاق ثلاثة آلاف ألف درهم يتولى إنفاقها ثقتك و نصيحك الحجاج فأجابه إلى ذلك فحصلت له أرضون من طساسيج متصلة فخفر السيبين و تألف الاكرة و المزارعين و عمر تلك الأرضين و ألجأ الناس إليها ضياعا كثيرة للتغزز به، فلما جاءت الدولة المباركة و قبضت أموال بنى أمية أقطع جميع السيبين داود بن على ابن عبد اللّه بن العباس، ثم ابتيع ذلك من ورثته بحقوقه و حدوده فصار من ضياع الخلافة.

289

أمر مدينة السّلام < بَغْدَاد مدينة السلام

قالوا: و كانت بغداد قديمةفمصرها أمير المؤمنين المنصور رحمه اللّه و ابتنى بها مدينة و ابتدأها فى سنة خمس و أربعين و مائة فلما بلغه خروج محمد و ابراهيم بنى عبد اللّه بن حسن بن حسن عاد إلى الكوفة، ثم حول بيوت الأموال و الخزائن و الدواوين من الكوفة إلى بغداد سنة ست و أربعين و مائة و سماها مدينة السلام و استتم بناء حائط مدينته و جميع أمره و بناء سور بغداد القديم سنة سبع و أربعين و مائة و توفى سنة ثمان و خمسين و مائة بمكة و دفن عند بئر ميمون الحضرمي حليف بن أمية، و بن المنصور للمهدي الرصافة فى الجانب الشرقي ببغداد، و كان هذا الجانب يدعى عسكر المهدى لأنه عسكر فيه حين خرج إلى الري، فلما قدم من الري و قد بدا للمنصور فى إنفاذه إلى خراسان للاقامة بها نزل الرصافة و ذلك فى سنة إحدى و خمسين و مائة و قد كان المنصور أمر فبنى للمهدي قبل إنزاله الجانب الشرقي قصره الذي يعرف بقصر الوضاح و بقصر المهدى و بالشرقية، و هو مما يلي باب الكرخ، و الوضاح رجل من أهل الأنبار كان تولى النفقة عليه فنسب إليه، و بنى المنصور مسجدى مدينة السلام، و بنى القنطرة الجديدة على الصراة، و ابتاع أرض مدينة السلام من قوم من أرباب القرى بادوريا و قطربل و بهزبوق و نهربين و أقطعها أهل بيته و قواده و جنده و صحابته و كتابه، و جعل مجمع الأسواق بالكرخ و أمر التجار فابتنوا الحوانيت و ألزمهم الغلة.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه، قال: سمى المخرم ببغداد مخرما لأن مخرم بن شريح بن حزن الحارثي نزله، قال: و كان ناحية قنطرة البردان للسرى بن الحطيم صاحب الحطيمة التي تعرف ببغداد.

و حدثني مشايخ من أهل بغداد: إن الصالحية ببغداد نسبت إلى صالح بن‏

290

المنصور، قالوا: و الحربية نسبت إلى حرب بن عبد اللّه البلخي، و كان على شرط جعفر بن أبى جعفر بالموصل، و الزهيرية تعرف بباب التبن نسبت إلى زهير بن محمد من أهل أبيورد، و عيساباذ نسبت إلى عيسى بن المهدى و كان فى حجر منازل التركي و هو ابن الخيزران، و قصر عبودية مما يلي براثا نسبت إلى رجل من الأزد يقال له عبدويه و كان من وجوه أهل الدولة، قالوا: و أقطع المنصور ببغداد سليمان بن مجالد و مجالد سروى مولى لعلى بن عبد اللّه موضع داره و أقطع مهلهل بن صفوان قطيعه بالمدينة و إليه ينسب درب مهلهل، و كان صفوان مولى على بن عبد اللّه، و كان اسم مهلهل يحيى فاستنشده محمد بن على شعرا فأنشده:

أ ليلتنا بذي حشم أنيرى‏

و هي لمهلهل فسماه مهلهلا، و محمد أعتقه و أقطع المنصور عمارة بن حمزة الناحية المعروفة به خلف مربعة شبيب بن واج، و أقطع ميمون أبا بشر ابن ميمون قطيعة عند بستان القس ناحية باب الشام، و طاقات بشر تنسب إلى بشر بن ميمون: هذا، و كان ميمون مولى على بن عبد اللّه‏و اقطع شبيلا مولاه قطيعة عند دار يقطين و هناك مسجد يعرف بشبيل، و أقطع أم عبيدة و هي حاضنة لهم و مولاة لمحمد بن على قطيعة و إليها تنسب طاقات أم عبيدة بقرب الجسر، و أقطع منيرة مولاة محمد بن على و إليها ينسب درب منيرة و خان منيرة فى الجانب الشرقي و أقطع ريشانة موضعا يعرف بمسجد بنى رغبان، مولى حبيب بن مسلمة الفهري يدخل فى قصر عيسى بن جعفر أو جعفر بن جعفر بن المنصور و درب مهرويه فى الجانب الشرقي نسب إلى مهرويه الرازي، و كان من سبى سنفاذ فأعتقه المهدى و لم يزل المنصور رحمه اللّه بمدينة السلام إلى آخر سنى خلافته، ثم حج منها و توفى بمكة، و نزلها بعده المهدى أمير المؤمنين، ثم شخص منها إلى ماسبذان فتوفى بها، و كان أكثر نزوله من مدينة السلام بعيساباذ فى أبنية بناها هناك، ثم‏

291

نزلها الهادي موسى بن المهدى فتوفى بها، و نزلها الرشيد هارون بن المهدى ثم شخص عنها إلى الرافقة فأقام بها و سار منها إلى خراسان فتوفى بطوس، و نزلها محمد بن الرشيد فقتل بها و قدمها المأمون عبد اللّه بن الرشيد من خراسان فأقام بها ثم شخص عنها غازيا فمات بالفذندون و دفن بطرسوس، و نزلها أمير المؤمنين المعتصم بالله ثم شخص عنها إلى القاطول فنزل قصر الرشيد كان ابتناه حين حفر قاطوله الذي دعاه أبا الجند لقيام ما يسقى من الأرضين بأرزاق جنده، ثم بنى بالقاطول بناء نزله و دفع ذلك القصر إلى أشناس التركي مولاه‏و هم بتمصير ما هناك و ابتدأ بناء مدينة تركها ثم رأى تمصير سر من رأى فمصرها و نقل الناس إليها و أقام بها، و بنى مسجدا جامعا فى طرف الأسواق و سماها سر من رأى، و نزل أشناس مولاه فيمن ضم إليه من القواد كرخ فيروز، و أنزل بعض قواده الدور المعروفة بالعربايى و توفى رحمه اللّه بسر من رأى فى سنة سبع و عشرين و مائتين، و أقام هارون الواثق بالله بسر من رأى فى بناء بناه و سماه الهاروني حتى توفى به، ثم استخلف أمير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه رحمه اللّه فى ذى الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين فأقام بالهارونى و بنى بناء كثيرا و أقطع الناس فى ظهر سر من رأى بالحائر الذي كان المعتصم بالله احتجره بها قطائع فاتسعوا بها و بنى مسجدا جامعا كبيرا و أعظم النفقة عليه و أمر برفع منارته لتعلو أصوات المؤذنين فيها حتى نظر إليها من فراسخ، فجمع الناس فيه و تركوا المسجد الأول، ثم أنه أحدث مدينة سماها المتوكلية و عمرها و أقام بها و أقطع الناس فيها القطائع و جعلها فيها بين الكوخ المعروف بفيروز و بين القاطول المعروف بكسرى فدخلت الدور و القرية المعروفة بالماحوز فيها، و بنى بها مسجدا جامعا و كان من ابتدائه إياها إلى أن نزلها أشهر و نزلها فى أول سنة ست و أربعين و مائتين ثم توفى بها رحمه اللّه فى شوال‏

292

سنة سبع و أربعين و استخلف فى هذه الليلة المنتصر بالله‏فانتقل عنها إلى سر من رأى يوم الثلاثاء لعشر خلون من شوال و مات بها.

قالوا: كانت عيون الطف مثل عين الصيد، و القطقطانة، و الرهيمة، و عين جمل و ذواتها للموكلين بالمسالح التي وراء السواد: و هي عيون خندق سابور الذي حفره بينه و بين العرب الموكلين بمسالح الخندق و غيرهم، و ذلك أن سابور أقطعهم أرضها فاعتموها من غير أن يلزمهم لها خراجا، فلما كان يوم ذى قار و نصر اللّه العرب بنبيه صلى اللّه عليه و سلم غلبت العرب على طائفة من تلك العيون و بقي فى أيدى الأعاجم بعضها، ثم لما قدم المسلمون الحيرة و هربت الأعاجم بعد أن طمت عامة ما فى أيديهم منها و بقي الذي فى أيدى العرب فأسلموا عليه و صار ما عمروه من الأرضين عشريا، و لما مضى أمر القادسية و المدائن دفع ما جلا عنه أهله من أراضى تلك العيون إلى المسلمين فأقطعوه فصارت عشرية أيضا و كذلك مجرى عيون الطف و أرضيها مجرى أعراض المدينة و قرى نجد و كل صدقتها إلى عمال المدينة، فلما ولى إسحاق بن ابراهيم بن مصعب السواد للمتوكل على اللّه ضمها إلى ما فى يده‏فتولى عمالة عشرها و صيرها سوادية و هي على ذلك إلى اليوم، و قد استخرج عيون اسلامية مجرى ما سقت عيونها من الأرضين هذا المجرى.

و حدثني بعض المشايخ: أن جملا مات عند عين الجمل فنسبت إليه، و قال بعض أهل واسط أن المستخرج لها كان يسمى جملا، قالوا: و سميت العين عين الصيد لأن السمك يجتمع فيها.

و أخبرنى بعض الكريزين: أن عين الصيد كانت مما طم فبينا رجل من المسلمين تحول فيما هناك إذ ساخت قوائم فرسه فيها فنزل عنه فخفر فظهر له الماء فجمع قوما عاونوه على كشف التراب و الطين عنها و تنقيتها حتى‏

293

عادت إلى ما كانت عليه، ثم إنها صارت بعد إلى عيسى بن على، و كان عيسى ابتاعها من ولد حسن بن حسن بن على بن أبى طالب، و كانت عنده منهم أم كلثوم بنت حسن بن حسن، و كان معاوية أقطع الحسن بن على عين صيد هذه عوضا من الخلافة مع غيرها، و كانت عين الرحبة مما طم قديما فرآها رجل من حجاج أهل كرمان و هي تبض فلما انصرف من حجه أتى عيسى بن موسى متنصحا فدله عليها فاستقطعها و أرضها و استخرجها له الكرماني فاعتمل ما عليها من الأرضين و غرس النخل الذي فى طريق العذيب و على فراسخ من هيت عيون تدعى العرق تجرى هذا المجرى أعشارهاإلى صاحب هيت.

حدثني الأثرم عن أبى عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء، قال: لما رأت العرب كثرة القرى و النخل و الشجر، قالوا: ما رأينا سوادا أكثر و السواد الشخص فتر لك سمى السواد سوادا.

و حدثني القاسم بن سلام، قال. حدثنا محمد بن عبيد عن محمد بن أبى موسى قال: خرج على إلى السوق فرأى أهله قد حازوا أمكنتهم، فقال: ليس ذلك لهم أن سوق المسلمين كمصلاهم من سبق إلى موضع فهو له يومه حتى يدعه.

حدثني أبو عبيد، قال: حدثني مروان بن معاوية عن عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه، قال: كنا نغدو إلى السوق فى زمن المغيرة بن شعبة فمن قعد فى موضع كان أحق به إلى الليل، فلما كان زياد قال: من قعد فى موضع كان أحق به ما دام فيه، قال مروان: و ولى المغيرة الكوفة مرتين لعمر مرة و مرة لمعاوية.

294

نقل ديوان الفارسية

و حدثني المدائني على بن محمد بن أبى سيف عن أشياخه. قالوا: لم يزل ديوان خراج السواد و سائر العراق بالفارسية، فلما ولى الحجاج العراق استكتب زادان فروخ بن بيرى و كان معه صالح بن عبد الرحمن مولى بنى تميم يخط بين يديه بالعربية و الفارسية و كان أبو صالح من سبى سجستان فوصل زادان فروخ صالحا بالحجاج‏و خف على قلبه، فقال له ذات يوم:

إنك شبيبى إلى الأمير و أراه قد استخفنى و لا آمن أن يقدمني عليك و أن تسقط، فقال: لا تظن ذلك هو أحوج إلى منه إليك لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيرى، فقال: و اللّه لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لحولته، قال: فحول منه شطرا حتى أرى ففعل فقال له نمارض فتمارض فبعث إليه الحجاج طبيبه فلم ير به علة و بلغ زادان فروخ ذلك فأمره أن يظهر، ثم أن زادان فروخ قتل أيام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي و هو خارج من منزل كان فيه إلى منزله أو منزل غيره فاستكتب الحجاج صالحا مكانه فأعلمه الذي كان جرى بينه و بين زادان فروخ فى نقل الديوان فعزم الحجاج على أن يجعل الديوان بالعربية و قلد ذلك صالحا فقال له مردانشاه بن زادان فروخ كيف تصنع بدهويه و ششويه، قال: اكتب عشر و نصف عشر، قال: فكيف تصنع بويد، قال: اكتبه أيضا و الويد النيف و الزيادة تزاد، فقال: قطع اللّه أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية، و بذلت له مائة ألف درهم على أن يظهر العجز عن نقل الديوان و يمسك عن ذلك فأبى و نقله، فكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد يقول: للّه در صالح ما أعظم منته على الكتاب.

و حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبو عاصم النبيل، قال: أنبأنا سهل بن أبى الصلت، قال، أجل الحجاج صالح بن عبد الرحمن أجلاحتى قلب الديوان‏. ـ

295

فتح حلوان الجبال (حلوان)

قالوا: لما فرغ المسلمون من أمر جلولاء الوقيعة ضم هاشم بن عتبة بن أبى وقاص إلى جرير بن عبد اللّه البجلي خيلا كثيفة و رتبه بجلولاء ليكون بين المسلمين و بين عدوهم ثم أن سعدا وجه إليهم زهاء ثلاثة آلاف من المسلمين و أمره أن ينهض بهم و بمن معه إلى حلوان، فلما كان بالقرب منها هرب يزدجرد إلى ناحية أصبهان ففتح جرير حلوان صلحا على أن كف عنهم و أمنهم على دمائهم و أموالهم و جعل لمن أحب منهم الهرب أن لا يعرض لهم، ثم خلف بحلوان جريرا مع عزرة بن قيس بن غزية البجلي و مضى نحو الدينور فلم يفتحها و فتح قرماسين على مثل ما فتح عليه حلوان و قدم حلوان فأقام بها واليا عليها إلى أن قدم عمار بن ياسر الكوفة فكتب إليه يعلمه أن عمر بن الخطاب أمره أن يمد به أبا موسى الأشعرى فخلف جرير عزرة ابن قيس على حلوان و سار حتى أتى أبا موسى الأشعرى فى سنة تسع عشرة.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن نجاد عن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص قالت: لما قتل معاوية حجر بن عدى الكندي، قال أبى: لو رأى معاوية ما كان من حجوم عين قنطرة حلوان لعرف أن له غناء عظيما عن الإسلام، قال الواقدي: و قد نزل حلوان قوم من ولد جرير بن عبد اللّه فاعقابهم بها.

296

فتح نَهَاوَنْد نهاوند

قالوا: لما هرب يزدجرد من حلوان فى سنة تسع عشرة تكانبت الفرس و أهل الري و قومس و أصبهان و همذان و الماهين و تجمعوا إلى يزدجرد و ذلك فى سنة عشرين فأمر عليهم مردانشاه ذا الحاجب و أخرجوا رأيتهم الدرفشكابيان، و كانت عدة المشركين يومئذ ستين ألفا و يقال مائة ألف، و قد كان عمار بن ياسر كتب إلى عمر بن الخطاب بخبرهم فهم أن يغزوهم بنفسه ثم خاف أن ينتشر أمر العرب بنجد و غيرها، و أشير عليه بأن يغزى أهل الشام من شامهم و أهل اليمن من يمنهم فخاف أن فعل ذلك أن تعود الروم إلى أوطانها و تغلب الحبشة على ما يليها، فكتب إلى أهل الكوفة يأمرهم أن يسير ثلثاهم و يبقى ثلثهم لحفظ بلدهم و ديارهم و بعث من أهل البصرة بعثا، و قال: لاستعملن رجلا يكون لأول ما يلقاه من الأسنة، فكتب إلى النعمان بن عمرو بن مقرن المزني و كان مع السائب بن الأقرع الثقفي بتوليته الجيش، و قال: أن أصبت فالأمير حذيفة بن اليمان فإن أصيب فجرير بن عبد اللّه البجلي‏فإن أصيب فالمغيرة بن شعبة فإن أصيب فالأشعث ابن قيس، و كان النعمان عاملا على كسكر و ناحيتها و يقال بل كان بالمدينة فولاه عمر أمر هذا الجيش مشافهة فشخص منها.

و حدثني شيبان، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبى عمران الجواني عن علقمة بن عبد اللّه عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان فسأل ما ترى أ نبدأ بأصبهان أو بأذربيجان فقال الهرمزان: أصبهان الرأس و أذربيجان الجناحان، فإن قطعت الرأس سقط الجناحان و الرأس.

قال: فدخل عمر المسجد فبصر النعمان بن مقرن فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: أما إنى سأستعملك، فقال النعمان: أما جابيا فلا و لكن غازيا قال‏

297

فأنت غاز فأرسله، و كتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه فأمدوه و فيهم المغيرة بن شعبة فبعث النعمان المغيرة إلى ذى الحاجبين عظيم العجم بنهاوند فجعل يشق بسطه برمحه حتى قام بين يديه ثم قعد على سريره فأمر به فسحب، فقال إنى رسول، ثم التقى المسلمون و المشركون فسلسلوا كل عشرة فى سلسلة و كل خمسة فى سلسلة لئلا يفروا، قال: فرمونا حتى جرحوا منا جماعة و ذلك قبل القتال.

و قال النعمان: شهدت النبي صلى اللّه عليه و سلم فكان إذا لم يقاتل فى أول النهار انتظر زوال الشمس و هبوب الرياح و نزول النصر، ثم قال: إنى هاز لوائى ثلاث هزات، فأما أول هزة فليتوضأ الرجل بعدها و ليقض حاجته، و أما الهزة الثانية فلينظر الرجل بعدها إلى سيفه أو قال شعه و ليتهيأ و ليصلح من شأنه، و أما الثالثة فإذا كانت إن شاء اللّه فاحملوا و لا يلوين أحد على أحد، فهز لواءه ففعلوا ما أمرهم و ثقل درعه عليه فقاتل و قاتل الناس، فكان رحمه اللّه أول قتيل قال: و سقط الفارسي عن بغلته فانشق بطنه، قال فأتيت النعمان و به رمق فغسلت وجهه من أدواة ماء كانت معى فقال: من أنت قلت معقل قال: ما صنع المسلمون قلت: أبشر بفتح اللّه و نصره قال: الحمد للّه اكتبوا إلى عمر.

حدثني شيبان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثني على بن زيد بن جدعان عن أبى عثمان النهدي، قال: أنا ذهبت بالبشارة إلى عمر فقال:

ما فعل النعمان قلت قتل قال: (إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ) ثم بكى فقلت: قتل و اللّه فى آخرين لا أعلمهم قال و لكن اللّه يعلمهم.

و حدثني أحمد بن ابراهيم، قال: حدثنا أبو أسامة و أبو عامر العقدى و سلم بن قتيبة جميعا عن شعبة عن على بن زيد عن أبى عثمان النهدي، قال:

رأيت عمر بن الخطاب لما جاءه نعى النعمان بن مقرن وضع يده على رأسه و جعل يبكى.

298

و حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصارى عن النهاس بن قهم‏عن القاسم بن عوف عن أبيه عن السائب بن الأقرع-أو عن عمر بن السائب عن أبيه شك الأنصارى-قال: زحف إلى المسلمين زحف لم ير مثله، فذكر حديث عمر فيما هم به من الغزو بنفسه و توليته النعمان بن مقرن و أنه بعث إليه بكتابه مع السائب و ولى السائب الغنائم، و قال:

لا ترفعن باطلا و لا تحبسن حقا ثم ذكر الواقعة، قال: فكان النعمان أول مقتول يوم نهاوند، ثم أخذ حذيفة الراية ففتح اللّه عليهم.

قال السائب: فجمعت تلك الغنائم ثم قسمتها، ثم أتانى ذو العوينتين فقال: إن كنز النخيرخان فى القلعة قال: فصعدتها فإذا أنا بسفطين فيهما جوهر لم أر مثله قط قال: فأقبلت إلى عمر و قد راث عنه الخبر و هو يتطوف المدينة، و يسأل، فلما رآني قال: ويلك ما وراءك فحدثته بحديث الوقعة و مقتل النعمان و ذكرت له شأن السفطين فقال: اذهب بهما فبعهما ثم اقسم ثمنهما بين المسلمين، فأقبلت بهما إلى الكوفة فأتاني شاب من قريش يقال له عمرو بن حريث فاشتراهما باعطية الذرية و المقاتلة، ثم انطلق بإحداهما إلى الحيرة فباعه بما اشتراهما به منى و فضل الآخر فكان ذلك أول لهوة مال اتخذه.

و قال بعض أهل الصيرة: اقتتلوا بنهاوند يوم الأربعاء و يوم الخميس ثم تحاجزوا ثم اقتتلوا يوم الجمعة، و ذكر من حديث الوقعة نحو حديث حماد ابن سلمة، و قال ابن الكلبي عن أبى مخنف: أن النعمان بن مقرن نزل الأسبيذهار و جعل على ميمنته الأشعث بن قيس، و على الميسرة المغيرة بن شعبة فاقتتلوا فقتل النعمان ثم ظفر المسلمون فسمى ذلك الفتح فتح الفتوح، قال: و كان فتح نهاوند فى سنة تسع عشرة يوم الأربعاء و يقال فى سنة عشرين.

299

و حدثنا الرفاعي قال حدثنا العبقري عن أبى بكر الهذلي عن الحسن و محمد قالا: كانت وقعة نهاوند سنة إحدى و عشرين.

و حدثني الرفاعي، قال حدثنا العبقري عن أبى معشر عن محمد بن كعب مثله، قالوا: و لما هزم الجيش الأعاجم و ظهر المسلمون و حذيفة يومئذ على الناس حاصر نهاوند فكان أهلها يخرجون فيقاتلون و هزمهم المسلمون، ثم أن سماك بن عبيد العبسي اتبع رجلا منهم ذات يوم و معه ثمانية فوارس فجعل لا يبرز إليه رجل منهم إلا قتله حتى لم يبق غير الرجل وحده فاستسلم و ألقى سلاحه فأخذه أسيرا. فتكلم بالفارسية فدعى له سماك برجل يفهم كلامه فترجمه فإذا هو يقول: اذهب إلى أميركم حتى أصالحه عن هذه الأرض و أؤدى إليه الجزية و أعطيك على أسرك إياى ما شئت فإنك قد مننت على إذ لم تقتلني فقال له و ما اسمك قال دينار فأنطلق به إلى حذيفة فصالحه على الخراج و الجزيةو آمن أهل مدينته نهاوند على أموالهم و حيطانهم و منازلهم فسميت نهاوند ماه دينار و كان دينار يأتى بعد ذلك سماكا و يهدى إليه و يبره.

و حدثني أبو مسعود الكوفي عن المبارك بن سعيد عن أبيه قال و كانت نهاوند من فتوح أهل الكوفة و الدينور من فتوح أهل البصرة فلما كثر المسلمون بالكوفة احتاجوا إلى أن يزادوا فى النواحي التي كان خراجها مقسوما فيهم فصيرت لهم الدينور و عوض أهل البصرة نهاوند لأنها من أصبهان فصار فضل ما بين خراج الدينور و نهاوند لأهل الكوفة فسميت نهاوند ماه البصرة و الدينور ماه الكوفة و ذلك فى خلافة معاوية.

و حدثني جماعة من أهل العلم أن حذيفة بن اليمان و هو حذيفة بن حسيل بن جابر العبسي حليف بنى عبد الأشهل من الأنصار و أمه الرباب بنت كعب بن عدى من عبد الأشهل و كان أبو حذيفة قتل يوم أحد قتله‏

300

عبد اللّه بن مسعود الهذلي خطأ و هو يحسبه كافرا فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بإخراج ديته فوهبه حذيفة للمسلمين و كان الواقدي يقول سمى حسيل اليمان لأنه كان يتجر إلى اليمن فإذا أتى المدينة قالوا قد جاء اليماني.

و قال الكلبي: هو حذيفة بن حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن جروة و جروة هو اليمان نسب إليه حذيفة و بنيهما آباء و كان قد أصاب فى الجاهلية دما و هرب إلى المدينة و حالف بنى عبد الأشهل فقال قومه هو يمان لأنه‏حالف اليمانية.

صلح دِينَوَر الدينور و مَاسَبَذَان ماسبذان و مهرجا مهرجا نقذف‏

قالوا: انصرف أبو موسى الأشعرى من نهاوند و قد كان سار بنفسه إليها على بعث أهل البصرة ممدا للنعمان بن مقرن فمر بالدينور فأقام عليها خمسة أيام قوتل منها يوما واحدا، ثم أن أهلها أقروا بالجزية و الخراج و سألوا الأمان على أنفسهم و أموالهم و أولادهم فأجابهم إلى ذلك و خلف بها عامله فى خيل ثم مضى إلى ماسبذان فلم يقاتله أهلها و صالحه أهل السيروان على مثل صلح الدينور و على أن يؤدوا الجزية و الخراج، و بث السرايا و فيهم فغلب على أرضها و قوم يقولون: أن أبا موسى فتح ماسبذان قبل وقعة نهاوند و بعث أبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعرى السائب بن الأقرع الثقفي و هو صهره على ابنته و هي أم محمد بن السائب إلى الصيمرة مدينة مهرجا نقذف ففتحها صلحا على حقن الدماء و ترك السباء و الصفح عن الصفراء و البيضاء و على أداء الجزية و خراج الأرض و فتح جميع كور مهرجا نقذف، و أثبت الخبر أنه وجه السائب من الأهواز ففتحها.

301

حدثني محمد بن عقبة بن مصرم الضبي عن أبيه عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخ من أهل الكوفة أن المسلمين لما غزوا الجبال فمروا بالقلة الشرقية التي تدعى سن سميرة، و سميرة امرأة من ضبة من بنى معاوية بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبة من المهاجرات و كانت لها سن فسمى ذلك سن سميرة قال ابن هشام الكلبي و قناطر النعمان نسبت إلى النعمان بن عمرو بن مقرن المزني عسكر عندها و هي قديمة.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذى الغصة الحارثي عثمانيا يقع فى على بن أبى طالب و يثبط الناس عن الحسين و مات قبيل خروج المختار بن أبى عبيد أو فى أول أيامه، و له يقول المختار بن أبى عبيد فى سجعه: أما و رب السحاب، شديد العقاب، سريع الحساب، منزل الكتاب، لأنبشن قبر كثير بن شهاب، المفترى الكذاب، و كان معاوية ولاه الري و دستبى حينا من قبله و من قبل زياد و المغيرة بن شعبة عامليه، ثم غلب عليه فحبسه بدمشق و ضربه حتى شخص شريح بن هانئ المرادي إليه فى أمره فتخلصه، و كان يزيد بن معاوية قد حمد مشايعته و أتباعه لهواه‏فكتب إلى عبد اللّه بن زياد فى توليته ماسبذان و مهرجا نقذف و حلوان و الماهين و أقطعه ضياعا بالجبل فبنى قصره المعروف بقصر كثير، و هو من عمل الدينور، و كان زهرة بن الحارث بن منصور بن قيس بن كثير بن شهاب اتخذ بماسبذان ضياعا.

حدثني بعض ولد خشرم بن مالك بن هبيرة الأسدى أن أول نزول الخشارمة ماسبذان كان فى آخر أيام بنى أمية نزع إليها جدهم من الكوفة.

و حدثني العمرى عن الهيثم بن عدى، قال: كان زياد فى سفر فانقطع سفشق قبائه فأخرج كثير بن شهاب إبرة كانت مغروزة فى قلنسوته و خيطا

302

كان معه فأصلح السفشق، فقال له زياد: أنت حازم و ما مثلك يعطل فولاه بعض الجبل.

فتح همدان همذان

قالوا: وجه المغيرة بن شعبة و هو عامل عمر بن الخطاب على الكوفة بعد عزل عمار بن ياسر جرير بن عبد اللّه البجلي إلى همذان، و ذلك فى سنة ثلاث و عشرين فقاتله أهلها و دفع دونها فأصيبت عينه بسهم فقال: احتسبتها عند اللّه الذي زين بها وجهى و نور لى ما شاء ثم سلبنيها فى سبيله، ثم أنه فتح همذان على مثل‏صلح نهاوند و كان ذلك فى آخر سنة ثلاث و عشرين فقاتله أهلها و دفع عنها و غلب على أرضها فأخذها قسرا، و قال الواقدي: فتح جرير نهاوند فى سنة أربع و عشرين بعد ستة أشهر من وفاة عمر بن الخطاب رحمه اللّه و قد روى بعضهم أن المغيرة بن شعبة سار إلى همذان و على مقدمته جرير فافتتحها و إن المغيرة ضم همذان إلى كثير بن شهاب الحارثي.

و حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده و عوانة بن الحكم، أن سعد ابن أبى وقاص لما ولى الكوفة لعثمان بن عفان ولى العلاء بن وهب بن عبد ابن وهبان أحد بنى عامر بن لؤي ماه و همذان فغدر أهل همذان و نقضوا فقاتلهم ثم أنهم نزلوا على حكمه فصالحهم على أن يؤدوا خراج أرضهم و جزية الرءوس و يعطوه مائة ألف درهم للمسلمين، ثم لا يعرض لهم فى مال و لا حرمة و لا ولد و قال ابن الكلبي: و نسبت القلعة التي تعرف بماذران إلى السرى بن نسير بن ثور العجلى و هو كان أناخ عليها حتى فتحها.

و حدثني زياد بن عبد الرحمن البلخي عن أشياخ من أهل سيسر، قال سميت سيسر لأنها فى الخفاض من الأرض بين رؤس اكام ثلاثين فقيل‏

303

ثلاثون رأسا، و كانت سيسر تدعى سيسر صدخانية أى ثلاثون رأسا و مائة عين و بها عيون كثيرة تكون مائة عين، قالوا: و لم تزل سيسر و ما والاها مراعى لمواشى الأكراد و غيرهم، و كانت مروج لدواب المهدى‏أمير المؤمنين و أغنامه، و عليها مولى له يقال له سليمان بن قيراط صاحب صحراء قيراط بمدينة السلام، و شريك معه يقال له سلام الطيفورى، و كان طيفور مولى أبى جعفر المنصور وهبه للمهدي، فلما كثر الصعاليك و الذعار و انتشروا بالجبل فى خلافة المهدى أمير المؤمنين جعلوا هذه الناحية ملجأ لهم و حوزا فكانوا يقطعون و يأوون إليها و لا يطلبون لأنها حد همذان و الدينور و أذربيجان، فكتب سليمان بن قيراط و شريكه إلى المهدى بخبرهم و شكيا عرضهم لما فى أيديهم من الدواب و الأغنام، فوجه إليهم جيشا عظيما و كتب إلى سليمان و سلام يأمرهما ببناء مدينة يأويان إليها و أعوانهما و رعاتهما و يحصنان فيها الدواب و الأغنام ممن خافاه عليها، فبنيا مدينة سيسر و حصناها و أسكناها الناس، و ضم إليها رستاق ما ينهرج من الدينور و رستاق الجوذمة من أذربيجان من كورة برزة و رسطف و خابنجر فكورت بهذه الرساتيق، و وليها عامل مفرد و كان خراجها يؤدى إليه، ثم أن الصعاليك كثروا فى خلافة أمير المؤمنين الرشيد و شعثوا سيسر فأمر بمرمتها و تحصينها و رتب فيها ألف رجل من أصحاب خاقان الخادم السغدى ففيها قوم من أولادهم.

ثم لما كان فى آخر أيام الرشيد وجه مرة بن أبى مرة الرديني العجلى على سيسر، فحاول عثمان الأودى مغالبته عليهافلم يقدر على ذلك و غلبه على ما كان فى يده من أذربيجان أو أكثر، و لم يزل مرة بن الرديني يؤدى الخراج عن سيسر فى أيام محمد الرشيد على مقاطعة قاطعه عليها إلى أن وقعت الفتنة ثم إنها أخذت من عاصم بن مرة فأخرجت من يده فى خلافة المأمون‏

304

فرجعت إلى ضياع الخلافة.

و حدثني مشايخ من أهل المفازة و هي متاخمة لسيسر أن الجرشى لما ولى الجبل جلا أهل المفازة عنها فرفضوها، و كان للجرشى قائد يقال له همام بن هانئ العبدى فألجأ إليه أكثر أهل المفازة ضياعهم و غلب على ما فيها فكان يؤدى حق بيت المال فيها حتى توفى و ضعف ولده عن القيام بها فلما أقبل المأمون أمير المؤمنين من خراسان بعد قتل محمد بن زبيدة يريد مدينة السلام اعترضه بعض ولد همام و رجل من أهلها يقال له محمد بن العباس و أخبرا بقصتها و رضاء جميع أهلها أن يعطوه رقبتها و يكونوا مزارعين له فيها على أن يعزوا و يمتنعوا من الصعاليك و غيرهم فقبلها و أمر بتقويتهم و معونتهم على عمارتها و مصلحتها فصارت من ضياع الخلافة.

و حدثني المدائني أن ليلى الأخيلية أتت الحجاج فوصلها، و سألته أن يكتب لها إلى عامله بالري فلما صارت بساوة ماتت فدفنت هناك.

فتح قُم قم و قاشان < كاشان قاشان و أَصبَهَان) إصفهان ( أصبهان

قالوا: لما انصرف أبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعرى من نهاوند سار إلى الأهواز فاستقرأها، ثم أتى «قم» و أقام عليها أياما ثم افتتحها، و وجه الأحنف بن قيس و اسمه الضحاك بن قيس التميمي إلى «قاشان» ففتحها عنوة ثم لحق به، و وجه عمر بن الخطاب عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى «أصبهان» سنة ثلاث و عشرين، و يقال: بل كتب عمر إلى أبى موسى الأشعرى يأمره بتوجيهه فى جيش إلى أصبهان فوجهه ففتح عبد اللّه بن بديل جى صلحا بعد قتال على أن يؤدى أهلها الخراج و الجزية و على أن يؤمنوا على أنفسهم و أموالهم خلا ما فى أيديهم من السلاح، و وجه عبد اللّه بن بديل: الأحنف