فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
305

ابن قيس و كان فى جيشه إلى اليهودية فصالحه أهلها على مثل ذلك الصلح و غلب ابن بديل على أرض أصبهان و طساسيجها و كان العامل عليها إلى أن مضت من خلافة عثمان سنة، ثم ولاها عثمان السائب بن الأقرع.

و حدثني محمد بن سعد مولى بنى هاشم، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل عن سليمان بن مسلم عن خاله بشير بن أبى أمية أن الأشعرى نزل بأصبهان فعرض عليهم الإسلام فأبوا، فعرض عليهم الجزيةفصالحوه عليها فباتوا على صلح ثم أصبحوا على غدر فقاتلهم و أظهره اللّه عليهم، قال محمد بن سعد:

أحسبه عن أهل قم.

و حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني الهيثم بن جميل عن حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، قال وجه عمر بن بديل الخزاعي إلى أصبهان و كان مرزبانها مسنا يسمى الفادوسفان فحاصره و كاتب أهل المدينة فخذلهم عنه، فلما رأى الشيخ التياث الناس عليه اختار ثلاثين رجلا من الرماة يثق ببأسهم و طاعتهم، ثم خرج من المدينة هاربا يريد كرمان ليتبع يزدجرد و يلحق به فانتهى خبره إلى عبد اللّه بن بديل فاتبعه فى خيل كثيفة فالتفت الأعجمى إليه و قد علا شرفا فقال: اتق على نفسك فليس يسقط لمن ترى سهم فإن حملت رميناك و إن شئت أن تبارزنا بارزناك فبارز الأعجمى فضربه ضربة وقعت على قربوص سرجه فكسرته و قطعت اللبب، ثم قال له يا هذا ما أحب قتلك فإنى أراك عاقلا شجاعا فهل لك فى أن أرجع معك فأصالحك على أداء الجزية عن أهل بلدي فمن أقام كان ذمة و من هرب لم تعرض له و أدفع المدينة إليك، فرجع ابن بديل معه ففتح جى و وفى بما أعطاه و قال: يا أهل أصبهان رأيتكم لئاما متخاذلين‏فكنتم أهلا لما فعلت بكم، قالوا: و سار ابن بديل فى نواحي أصبهان سهلها و جبلها فغلب عليها، و عاملهم فى الخراج نحو ما عاملهم عليه أهل الأهواز. قالوا: و كان فتح أصبهان و أرضها فى‏

306

بعض سنة ثلاث و عشرين أو أربع و عشرين.

و قد روى أن عمر بن الخطاب وجه عبد اللّه بن بديل فى جيش فوافى أبا موسى و قد فتح «قم» و «قاشان» فغزوا جميعا «أصبهان» و على مقدمة أبى موسى الأشعرى الأحنف بن قيس ففتحا اليهودية جميعا على ما وصفنا، ثم فتح ابن بديل «جى» و سارا جميعا فى أرض «أصبهان» فغلبا عليها، و أصح الأخبار أن أبا موسى فتح «قم» و «قاشان» و أن عبد اللّه بن بديل فتح «جى» و «اليهودية» .

و حدثني أبو حسان الزيادي عن رجل من ثقيف قال: كان لعثمان بن أبى العاصي الثقفي مشهد بأصبهان.

و حدثنا محمد بن يحيى التميمي عن أشياخه، قال: كانت للأشراف من أهل أصبهان معاقل بجفرباد من رستاق الثيمرة الكبرى ببهجاورسان و بقلعة تعرف بماربين فلما فتحت جى دخلوا فى الطاعة على أن يؤدوا الخراج و أنفوا من الجزية فأسلموا.

و قال الكلبي و أبو اليقظان: ولى الهذيل بن قيس العنبري أصبهان فى أيام مروان فمذ ذاك صار العنبريون إليها، قالوا: و كان جد أبى دلف، و أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلى يعالج العطر و يحلب الغنم، فقدم الجبل فى عدة من أهله‏فنزلوا قرية من قرى همذان تدعى مس، ثم أنهم أثروا و اتخذوا الضياع، و وثب إدريس بن معقل على رجل من التجار كان له عليه مال فخنقه، و يقال بل خنقه و أخذ ماله، فحمل إلى الكوفة و حبس بها فى ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراقي زمن هشام بن عبد الملك، ثم أن عيسى بن إدريس نزل الكرج و غلب عليها و بنى حصنها و كان حصنا رثا، و قويت حال أبى دلف القاسم بن عيسى و عظم شأنه عند السلطان فكبر ذلك الحصن و مدن الكرج فقيل كرج أبى دلف و الكرج اليوم مصر من الأمصار.

307

و كان المأمون وجه على بن هشام المروزي إلى قم و قد عصى أهلها و خالفوا و منعوا الخراج و أمره بمحاربتهم و أمده بالجيوش ففعل و قتل رئيسهم و هو يحيى بن عمران، و هدم سور مدينتهم و ألصقه بالأرض و جباها سبعة آلاف ألف درهم و كسرا، و كان أهلها قبل ذلك يتظلمون من ألفى ألف درهم، و قد نقضوا فى خلافة أبى عبد اللّه المعتز بالله بن المتوكل على اللّه فوجه إليهم موسى بن بغا عامله على الجبل لمحاربة الطالبين الذين ظهروا بطبرستان ففتحت عنوة و قتل من أهلها خلق كثير، و كتب المعتز بالله فى حمل جماعة من وجوها.

مقتل يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان‏

قالوا: هرب يزدجرد من المدائن إلى حلوان ثم إلى أصبهان، فلما فرغ المسلمون من أمر نهاوند هرب من أصبهان إلى إصطخر فتوجه عبد اللّه بن بديل بن ورقاء بعد فتح أصبهان لاتباعه فلم يقدر عليه، و وافى أبو موسى الأشعرى إصطخر فرام فتحها فلم يمكنه ذلك و عاناها عثمان بن أبى العاصي الثقفي فلم يقدر عليها، و قدم عبد اللّه بن عامر بن كريز البصرة سنة تسع و عشرين و قد افتتحت فارس كلها إلا إصطخر و جور فهم يزدجرد بأن يأتى طبرستان و ذلك أن مرزبانها عرض عليه و هو بأصبهان أن يأتيها و أخبره بحصانتها ثم بدا له فهرب إلى كرمان، و اتبعه بن عامر مجاشع بن مسعود السلمى و هرم بن حيان العبدى فمضى مجاشع فنزل بيمنذ من كرمان، فأصاب الناس الدمق و هلك جيشه فلم ينج إلا القليل فسمى القصر قصر مجاشع، و انصرف مجاشع إلى ابن عامر، و كان يزدجرد جلس ذات يوم بكرمان فدخل عليه مرزبانها

308

فلم يكلمه تيها فأمر بجر رجله و قال: ما أنت بأهل لولاية قرية فضلا عن الملك و لو علم اللّه فيك خيرا ما صيرك إلى هذه الحال، فمضى إلى سجستان‏فأكرمه ملكها و عظمه فلما مضت عليه أيام سأله عن الخراج فتنكر له.

فلما رأى يزدجرد ذلك سار إلى خراسان، فلما صار إلى حد مرو تلقاه ماهويه مرزبانها معظما مبجلا و قدم عليه نيزك طرخان فحمله و خلع عليه و أكرمه فأقام نيزك عنده شهرا ثم شخص و كتب إليه يخطب ابنته فاحفظ ذلك يزدجرد و قال: اكتبوا إليه إنما أنت عبد من عبيدي فما جرأك على أن تخطب إلى، و أمر بمحاسبة ماهويه مرزبان مرو و سأله عن الأموال، فكتب ماهويه إلى نيزك يحرضه عليه و يقول: هذا الذي قدم مفلولا طريدا فمننت عليه ليرد عليه ملكه، فكتب إليك بما كتب ثم تضافر على قتله و أقبل نيزك فى الأتراك حتى نزل الجنابذ فحاربوه فتكافا الترك، ثم عادت الديرة عليه فقتل أصحابه و نهب عسكره فأتى مدينة مرو فلم يفتح له فنزل عن دابته و مشى حتى دخل بيت طحان على المرغاب، و يقال أن ماهويه بعث إليه رسله حين بلغه خبره فقتلوه فى بيت الطحان، و يقال أنه دس إلى الطحان فأمره بقتله فقتله، ثم قال: ما ينبغي لقاتل ملك أن يعيش فأمر بالطحان فقتل، و يقال أن الطحان قدم له طعاما فأكل و أتاه بشراب فشرب فسكرفلما كان المساء أخرج تاجه فوضعه على رأسه فبصر به الطحان فطمع فيه فعمد إلى رحا فألقاها عليه فلما قتله أخذ تاجه و ثيابه و ألقاه فى الماء ثم عرف ماهويه خبره فقتل الطحان و أهل بيته و أخذ التاج و الثياب.

و يقال: أن يزدجرد نذر برسل ماهويه فهرب و نزل الماء فطلب من الطحان فقال: قد خرج من بيتي فوجدوه فى الماء، فقال خلوا عنى أعطكم منطقتي و خاتمي و تاجى، فتغيبوا عنه و سألهم شيئا يأكل به خبزا

309

فأعطاهم بعضهم أربعة دراهم فضحك و قال: لقد قيل لى أنك ستحتاج إلى أربعة دراهم.

ثم أنه هجم عليه بعد ذلك قوم وجههم ماهويه لطلبه فقال: لا تقتلوني و احملونى إلى ملك العرب لأصالحه عنى و عنكم فتأمنوا فأبوا ذلك و خنقوه بوتر ثم أخذوا ثيابه فجعلت فى جراب و ألقوا جثته فى الماء، و وقع فيروز ابن يزدجرد فيما يزعمون إلى الترك فزوجوه و أقام عندهم.

فتح ري الري و قُومِس قومس

حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبى مخنف، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار بن ياسر و هو عامله على الكوفة بعد شهرين من وقعه نهاوند يأمره‏أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الري و دستبى فى ثمانية آلاف ففعل، و سار عروة إلى ما هناك فجمعت له الديلم و أمدهم أهل الري فقاتلوه فأظهره اللّه عليهم فقتلهم و اجتاحهم ثم خلف حنظلة بن زيد أخاه و قدم على عمار فسأله أن يوجهه إلى عمر و ذلك أنه كان القادم عليه بخبر الجسر فأحب أن يأتيه بما يسره فلما رآه عمر قال‏ (إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ) فقال عروة: بل أحمد اللّه فقد نصرنا و أظهرنا و حدثه بحديثه، فقال: هلا أقمت و أرسلت قال: قد استخلفت أخى و أحببت أن آتيك بنفسي فسماه البشير، و قال عروة:

برزت لأهل القادسية معلما # و ما كل من يغشى الكريهة يعلم

و يوما بأكناف النخيلة قبلها # شهدت: فلم أبرح أدمى و أكلم

و أيقنت يوم الديلميين أننى # متى ينصرف وجهى إلى القوم يهزموا

محافظة أنى امرؤ ذو حفيظة # إذا لم جد مستأخرا أتقدم‏

310

المنذر بن حسان بن ضرار أحد بنى مالك بن زيد شرك فى دم مهران يوم النخيلة، قالوا فلما انصرف عروة بعث حذيفة على جيشه سلمة بن عمرو بن ضرار الضبي و يقال البراء بن عازب و قد كانت وقعة عروة كسرت الديلم و أهل الري فأناخ على حصن الفرخان بن الزينبدى و العرب تسميه الزينبي و كان يدعى عارين فصالحه ابن الزينبي بعد قتال على أن يكونوا ذمة يؤدون الجزية و الخراج و أعطاه عن أهل الري و قومس خمسمائة ألف على أن لا يقتل منهم أحدا و لا يسبيه و لا يهدم لهم بيت ناري، و أن يكونوا أسوة أهل نهاوند فى خراجهم، و صالحه أيضا عن أهل دستى الرازي و كانت دستبى قسمين قسما رازيا و قسما همذانيا.

و وجه سليمان بن عمرو الضبي و يقال البراء بن عازب إلى قومس خيلا فلم يمتنعوا و فتحوا أبواب الدامغان، ثم لما عزل عمر بن الخطاب عمارا و ولى المغيرة بن شعبة الكوفة ولى المغيرة بن شعبة كثير بن شهاب الحارثي الري و دستبى، و كان لكثير أثر جميل يوم القادسية، فلما صاروا إلى الري وجد أهلها قد نقضوا فقاتلهم حتى رجعوا إلى الطاعة و أذعنوا بالخراج و الجزية و غزا الديلم فأوقع بهم و غزا الببر و الطيلسان.

فحدثني حفص بن عمر العمرى عن الهيثم بن عدى عن ابن عياش الهمذاني و غيره أن كثير بن شهاب كان على الري و دستبى و قزوين، و كان جميلا حازما مقعدافكان يقول ما من مقعد إلا و هو عيال على أهله سواي، و كان إذا ركب ثابت سويقتيه كالمحراثين، و كان إذا غزا أخذ كل امرئ ممن معه بترس و درع و بيضة و مسلة و خمس أبر و خيوط كتان و بمخفف و مقراض و مخلاة و تليسة، و كان بخيلا، و كانت له جفنة توضع بين يديه فإذا جاءه إنسان قال: لا أبا لك أ كانت لك علينا عين، و قال يوما يا غلام أطعمنا فقال: ما عندي‏

311

إلا خبر و بقل، فقال: و هل اقتتلت فارس و الروم إلا على الخبز و البقل، و ولى الري و دستبى أيضا أيام معاوية حينا، قال: و لما ولى سعد بن أبى وقاص الكوفة فى مرته الثانية أتى الري و كانت ملتاثة فأصلحها و غزا الديلم و ذلك فى أول سنة خمس و عشرين ثم انصرف.

و حدثني بكر بن الهيثم عن يحيى بن ضريس قاضى الري، قال: لم تزل الري بعد أن فتحت أيام حذيفة تنتقض و تفتح حتى كان آخر من فتحها قرظة ابن كعب الأنصارى فى ولاية أبى موسى الكوفة لعثمان فاستقامت، و كان عمالها ينزلون حصن الزنبدى و يجمعون فى مسجد اتخذ بحضرته و قد دخل ذلك فى فصيل المحدثة، و كانوا يغزون الديلم من دستبى، قال: و قد كان قرظة بعد ولى الكوفة لعلى و مات بها فصلى عليه على رضى اللّه عنه.

و حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده، قال: ولى على يزيد بن حجبة ابن عامر بن تيم اللّه بن ثعلبة بن عكابة الري و دستبى فكسر الخراج فحبسه فخرج فلحق بمعاوية، و قد كان أبو موسى غزا الري بنفسه و قد نقض أهلها ففتحها على أمرها الأول.

و حدثني جعفر بن محمد الرازي، قال قدم أمير المؤمنين المهدى فى خلافة المنصور فبنى مدينة الري التي الناس بها اليوم و جعل حولها خندقا و بنى فيها مسجدا جامعا جرى على يدي عمار بن أبى الخصيب، و كتب اسمه على حائطه فأرخ بناءها سنة ثمان و خمسين و مائة و جعل لها فصيلا يطيف به فارقين أجر و سماها المحمدية فأهل الري يدعون المدينة الداخلة و يسمون الفصيل المدينة الخارجة و حصن الزنبدى فى داخل المحمدية و كان المهدى قد أمر بمرمته و نزله و هو مطل على المسجد الجامع و دار الأمارة و قد كان جعل بعد سجنا.

قال: و بالري أهل بيت يقال لهم بنو الحريش نزلوا بعد بناء المدينة، قال:

312

و كانت مدينة الري تدعى فى الجاهلية أرازى فيقال أنه خسف بها و هي على ست فراسخ من المحمدية و بها سميت الري، و قال و كان المهدى فى أول مقدمه الري نزل قرية يقال لها السير و أن، قال و فى قلعة الفرخان يقول الشاعر الغطمش بن الأعور بن عمرو الضبي:

على الجوسق الملعون بالري لا ينى # على رأسه داعي المنية يلمع‏

قال بكر بن الهيثم: حدثني يحيى بن ضريس القاضي، قال: كان الشعبي دخل الري مع قتيبة بن مسلم، فقال له: ما أحب الشراب إليك فقال أهونه وجودا و أعزه فقدا قال: و دخل سعيد بن جبير الري أيضا فلقيه الضحاك فكتب عنه التفسير.

قال: و كان عمرو بن معدى كرب الزبيدي غزا الري أول ما غزيت فلما انصرف توفى فدفن فوق روذة و بوسنة بموضع يسمى كرمانشاهان و بالري دفن الكسائي النحوي، و اسمه على بن حمزة، و كان شخص إليها مع الرشيد رحمه اللّه و هو يريد خراسان و بهامات الحجاج بن أرطاة، و كان شخص إليها مع المهدى و يكنى أبا أرطاة، و قال الكلبي: نسب قصر جابر بدستبى إلى جابر أحد بنى زيبان بن تيم اللّه بن ثعلبة.

قالوا: و لم تزل وظيفة الري اثنى عشر ألف ألف درهم حتى مربها المأمون منصرفا من خراسان يريد مدينة السلام فأسقط من وظيفتها ألفى ألف درهم و أسجل بذلك لأهلها.

313

فتح قَزْوِين قزوين و نجبار نجبار

حدثني عدة من أهل قزوين، و بكر بن الهيثم عن شيخ من أهل الري قالوا: و كان حصن قزوين بالفارسية كشوين و معناه الحد المنظور إليه أى المحفوظ و بينه‏و بين الديلم جبل، و لم يزل فيه لأهل فارس مقاتله من الأساورة يرابطون فيه فيدفعون الديلم إذا لم يكن بينهم هدنة و يحفظون بلدهم من متلصصيهم و غيرهم إذا جرى بينهم صلح، و كانت دستبى مقسومة بين الري و همذان فقسم يدعى الرازي و قسم يدعى الهمذاني، فلما ولى المغيرة ابن شعبة الكوفة ولى جرير بن عبد اللّه همذان و ولى البراء بن عازب قزوين و أمره أن يسير إليها فإن فتحها اللّه على يده غزا الديلم منها، و إنما كان مغزاهم قبل ذلك من دستبى، فسار البراء و معه حنظلة بن زيد الخيل حتى أتى أبهر، فقام على حصنها و هو حصن بناه بعض الأعاجم على عيون سدها بجلود البقر و الصوف و اتخذ عليها دكة ثم أنشأ الحصن عليها فقاتلوه، ثم طلبوا الأمان فآمنهم على مثل ما آمن عليه حذيفة أهل نهاوند و صالحهم على ذلك و غلب على أراضى أبهر، ثم غزا أهل حصن قزوين، فلما بلغهم قصد المسلمين لهم وجهوا إلى الديالمة يسئلونهم نصرتهم، فوعدوهم أن يفعلوا و حل البراء و المسلمون بعقوتهم فخرجوا لقتالهم و الديلميون وقوف على الجبل لا يمدون إلى المسلمين يدا، فلما رأوا ذلك طلبوا الصلح فعرض عليهم ما أعطى أهل أبهر فأنفقوا من الجزيةو أظهروا الإسلام فقيل أنهم نزلوا على مثل ما نزل عليه أساورة البصرة من الإسلام على أن يكونوا مع من شاءوا، فنزلوا الكوفة، و حالفوا زهرة بن حوية فسموا حمراء الديلم، و قيل: انهم أسلموا و أقاموا بمكانهم و صارت أرضوهم عشرية، فرتب البراء معهم خمس مائة رجل من المسلمين معهم طليحة

314

ابن خويلد الأسدى و أقطعهم أرضين لا حق فيها لأحد، قال بكر و أنشدنى رجل من أهل قزوين لجد أبيه و كان مع البراء:

قد علم الديلم إذ تحارب # حين أتى فى جيشه بن عازب

بأن ظن المشركين كاذب # فكم قطعنا فى دجى الغياهب‏

من جبل و عر و من سباسب و غزا الديلم حتى أدوا إليه الأتاوة و غزا جيلان و الببر و الطيلسان و فتح زنجان عنوة، و لما ولى الوليد بن عقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو بن أمية الكوفة لعثمان بن عفان غزا الديلم مما يلي قزوين، و غزا أذربيجان، و غزا جيلان و موقان و الببر و الطيلسان، ثم انصرف، و ولى سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية بعد الوليد فغزا الديلم و مصر قزوين‏فكانت ثغر أهل الكوفة و فيها بنيانهم.

و حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، قال: حدثنا خلف بن تميم، قال، حدثنا زائدة بن قدامة عن إسماعيل عن مرة الهمذاني، قال: قال على بن أبى طالب رضى اللّه عنه من كره منكم أن يقاتل معنا معاوية فليأخذ عطاءه و ليخرج إلى الديلم فليقاتلهم، قال: كنت فى النخت فأخذنا أعطياتنا و خرجنا إلى الديلم و نحن أربعة آلاف أو خمسة آلاف، و حدثنا عبد اللّه بن صالح العجلى عن ابن يملو عن سفيان، قال: أغزى على رضى اللّه عنه الربيع بن خثيم الثوري الديلم و عقد له على أربعة آلاف من المسلمين.

و حدثني بعض أهل قزوين، قال بقزوين مسجد الربيع بن خيثم معروف و كانت فيه شجرة يتمسح بها العامة و يقال أنه غرس سواكه فى الأرض فأورق حتى كانت الشجرة منه فقطعها عامل طاهر بن عبد للّه بن طاهر فى خلافة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه خوفا من أن يفتتن بها الناس، قالوا: و كان موسى

315

الهادي لما صار إلى الري أتى قزوين فأمر ببناء مدينة بازائها، و هي تعرف بمدينة موسى، و ابتاع أرضا تدعى رستماباذ فوقفها على مصالح المدينة، و كان عمرو الرومي مولاه يتولاها ثم تولاها بعده محمد بن عمرو، و كان المبارك التركي بنى حصنا يسمى مدينة المبارك و بها قوم من مواليه.

و حدثني محمد بن هارون الأصبهانى، قال: مر الرشيد بهمذان و هو يريد خراسان و اعترضه أهل قزوين فأخبروه بمكانهم من بلاد العدو و غنائهم فى مجاهدته و سألوه النظر لهم و تخفيف ما يلزمهم من عشر غلاتهم فى القصبة فصير عليهم فى كل سنة عشرة آلاف درهم مقاطعة، و كان القاسم بن أمير المؤمنين الرشيد ولى جرجان و طبرستان و قزوين فألجأ إليه أهل زنجان ضياعهم تعززا به و دفعا لمكروه الصعاليك و ظلم العمال عنهم، و كتبوا له عليها الأشرية و صاروا مزارعين له، و هي اليوم من الضياع و كان القاقزان عشريا لأن أهله أسلموا عليه و أحيوه بعد الإسلام فألجأوه إلى القاسم أيضا على أن جعلوا له عشرا ثانيا سوى عشر بيت المال فصار أيضا فى الضياع و لم تزل دستبى على قسميها بعضها من الري و بعضها من همذان إلى أن سعى رجل ممن بقزوين من بنى تميم يقال له حنظلة بن خالد يكنى أبا مالك فى أمرها حتى صيرت كلها إلى قزوين، فسمعه رجل من أهل بلده يقول كورتها و أنا أبو مالك فقال بل أفسدتها و أنت أبو هالك.

و حدثني المدائني و غيره: أن الأكراد عاثوا و أفسدوا فى أيام خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فبعث الحجاج عمرو بن هانئ العبسي فى أهل دمشق إليهم فأوقع بهم و قتل منهم خلقا ثم أمره بغزو الديلم فغزاهم فى اثنى عشر ألفا فيهم من بنى عجل و مواليهم من أهل الكوفة ثمانون منهم محمد ابن سنان العجلى فحدثني عوف بن أحمد العبدى قال: حدثني أبو حنش العجلى‏

316

عن أبيه، قال: أدركت رجلا من التميميين العجليين الذين وجههم الحجاج لمرابطة الديلم فحدثني قال رأيت من موالي بنى عجل رجلا يزعم أنه صليبة فقلت: ان أباك كان لا يحب بنسبه فى العجم ولاية فى العرب بدلا فمن أين زعمت أنك صليبه، فقال: أخبرتنى أمى بذلك فقلت هي مصدقة هي أعلم بأبيك.

قالوا: و كان محمد بن سنان العجلى نزل قرية من قرى دستبى، ثم صار إلى قزوين فبنى دارا فى ربضها فعزله أهل الثغر، و قالوا: عرضت نفسك للتلف و عرضتنا للوهن ان نالك العدو بسوء، فلم يلتفت إلى قولهم فأمر ولده و أهل بيته فبنوا معه خارج المدينة، ثم انتقل الناس بعد فبنوا حتى تم ربض المدينة قالوا: و كان أبو دلف القاسم بن عيسى غزا الديلم فى خلافة المأمون و هو وال فى خلافة المعتصم بالله أيام ولاية الافشين الجبال ففتح حصونا منها اقليسم صالح أهله على أتاوة، و منها بومج‏فتحه عنوة، ثم صالح أهله على أتاوة، و منها الأبلام، و منها انداق فى حصون أخر و أغزى الأفشين غير أبى دلف ففتح أيضا من ايلم حصونا، و لما كانت سنة ثلاث و خمسين و مائتين وجه أمير المؤمنين المعتز بالله موسى بن بغا الكبير مولاه إلى الطالبيين الذين ظهروا بالديلم و ناحية طبرستان، و كانت الديالمة قد اشتملت على رجل منهم يعرف بالكوكبي فغزا الديلم و أو غل فى بلادهم و حاربوه فأوقع بهم و ثقلت وطأته عليهم و اشتدت نكايته. و أخبرنى رجل من أهل قزوين أن قبور هؤلاء الندماء براوند من عمل أصبهان و أن الشاعر إنما قال:

أ لم تعلما أنى براوند مفردا

و حدثني عبد اللّه بن صالح العجلى، قال: بلغني أن ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا فى جيش الحجاج الذي‏ (1) وجهه إلى الديلم فكانوا يتنادمون ثلاثتهم و لا

____________

(1) كان جيش الحجاج الذي أرسل إلى الديلم مجهزا تجهيزا كبيرا بالسلاح و العتاد بعد أن أنفقت عليه الأموال الطائلة.

317

يخالطون غيرهم فإنهم على ذلك إذ مات أحدهم فدفنه صاحباه، و كانا يشربان عند قبره فإذا بلغته الكاس هرقاها على قبره و بكيا، ثم أن الثاني مات فدفنه الباقي إلى جانبه، و كان يجلس عند قبريهما فيشرب، ثم يصب على القبر الذي يليه ثم على الآخر و يبكى، فأنشد ذات يوم يقول:

خليلي هبا طال ما قد رقدتما # أجدكما ما تقضيان كراكما

أ لم تعلما أنى بقزوين مفرد # و ما لي فيها من خليل سواكما

مقيما على قبريكما لست بارحا # طوال الليالي أو يجيب صداكما

سأبكيكما طول الحياة و ما الذي # يرد على ذى لوعة أن بكاكما

ثم لم يلبث أن مات فدفن عند صاحبيه فقبورهم تعرف بقبور الندماء

فتح آذربايجان أذربيجان

حدثنا الحسين بن عمرو الأردبيلى عن واقد الأردبيلى عن مشايخ أدركتهم أن المغيرة بن شعبة قدم الكوفة واليا من قبل عمر بن الخطاب و معه كتاب إلى حذيفة بن اليمان بولاية أذربيجان فأنفذه إليه و هو بنهاوند و بقربها فسار حتى أتى أردبيل و هي مدينة أذربيجان و بها مرزبانها و اليه جباية خراجها، و كان المرزبان قد جمع إليه المقاتلة من أهل باجروان و ميمذ و النرير و سراة و الشيز و الميانج و غيرهم فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا أياما، ثم أن المرزبان صالح حذيفة عن جميع أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم وزن ثمانية على أن لا يقتل منهم أحدا و لا يسبيه و لا يهدم بيت نار و لا يعرض لأكراد البلاسجان و سبلان‏و ساترودان، و لا يمنع أهل الشيز خاصة من الزفن فى أعيادهم و إظهار ما كانوا يظهرونه، ثم أنه غزا موقان و جيلان فأوقع بهم و صالحهم على أتاوة.

318

قالوا ثم عزل عمر حذيفة و ولى أذربيجان عتبة بن فرقد السلمى فأتاها من الموصل و يقال: بل أتاها من شهر زور على السلق الذي يعرف اليوم بمعاوية الأودى، فلما دخل أردبيل وجد أهلها على العهد و انتقضت عليه نواح فغزاها فظفر و غنم، و كان معه عمرو بن عتبة الزاهد.

و روى الواقدي فى إسناده: أن المغيرة بن شعبة غزا أذربيجان من الكوفة فى سنة اثنتين و عشرين حتى انتهى إليها ففتحها عنوة و وضع عليها الخراج، و روى ابن الكلبي عن أبى مخنف: أن المغيرة غزا اذربيجان سنة عشرين ففتحها ثم أنهم كفروا فغزاها الأشعث بن قيس الكندي ففتح حصن باجروان و صالحهم على صلح المغيرة و مضى صلح الأشعث إلى اليوم.

و كان أبو مخنف لوط بن يحيى يقول: أن عمر ولى سعدا ثم عمارا ثم المغيرة ثم رد سعدا و كتب إليه و إلى أمراء الأمصار فى قدوم المدينة فى السنة التي توفى فيها فلذلك حضر سعد الشورى و أوصى القائم بالخلافة أن يرده إلى عمله، و قال غيره توفى عمر و المغيرة و اليه على الكوفة و أوصى بتولية سعد الكوفة و تولية أبى موسى البصرة فولاهما عثمان ثم عزلهما.

و حدثني المدائني عن على بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال: لما هزم اللّه المشركين بنهاوند رجع الناس إلى أمصارهم و بقي أهل الكوفة مع حذيفة فغزا أذربيجان فصالحوه على مائة ألف.

و حدثني المدائني عن على بن مجاهد عن عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي، قال: عزل عمر حذيفة عن أذربيجان، و استعمل عليها عتبة بن فرقد السلمى فبعث إليه باخبصة قد أدرجها فى كرابيس، فلما وردت عليه قال أورق قالوا: لا قال: فما هي قال لطف بعث به، فلما نظر إليه قال: ردوها عليه، و كتب إليه يا ابن أم عتبة إنك لتأكل الخبيص من غير كدك و لا كد أبيك، و قال عتبة

319

قدمت من أذربيجان وافدا على عمر فإذا بين يديه عضلة جزور.

و حدثني المدائني عن عبد اللّه بن القاسم عن فروة بن لقيط قال: لما قام عثمان بن عفان رضى اللّه عنه استعمل الوليد بن عقبة بن أبى معيط فعزل عتبة عن أذربيجان فنقضوا فغزاهم الوليد سنة خمس و عشرين و على مقدمته عبد اللّه شبل الأحمسى فأغار على أهل موقان و الببر و الطيلسان فغنم و سبى و طلب أهل كور أذربيجان الصلح فصالحهم صلح حذيفة، قال ابن الكلبي، ولى على ابن أبى طالب رضى اللّه عنه أذربيجان سعيد بن سارية الخزاعي ثم الأشعث بن قيس الكندي.

و حدثني عبد اللّه بن معاذ العبقري عن أبيه عن سعد بن الحكم بن عتبة عن زيد بن وهب، قال: لما هزم اللّه المشركين بنهاوند رجع أهل الحجاز إلى حجازهم و أهل البصرة إلى بصرتهم، و أقام حذيفة بنهاوند فى أهل الكوفة فغزا أذربيجان فصالحوه على ثمانمائة ألف درهم، فكتب عمر بن الخطاب إنكم بأرض طعام و لباسهم الميتة فلا تأكلوا الأذكياء و لا تلبسوا الأزكيا يريد الفراء.

و حدثني العباس بن الوليد النرسي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي، قال: كنت مع عتبة بن فرقد حين افتتح أذربيجان فصنع سفطين من خبيص و ألبسهما الجلود و اللبود، ثم بعث بهما إلى عمر مع سحيم مولى عتبة، فلما قدم عليه، قال:

ما الذي جئت به أذهب أم ورق و أمر به فكشف عنه فذاق الخبيص، فقال: إن هذا لطيب أثر أكل المهاجرين أكل منه شبعه، قال: لا إنما هو شي‏ء خصك به فكتب إليه.

320

من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد أما بعد فليس كدك و لا كد أمك و لا كد أبيك لا نأكل إلا ما يشبع منه المسلمون فى رحالهم.

و حدثني الحسين بن عمرو و أحمد بن مصلح الأزدى عن مشايخ من أهل أذربيجان، قالوا: قدم الوليد بن عقبة أذربيجان و معه الأشعث بن قيس، فلما انصرف الوليد ولاه أذربيجان فانتقضت فكتب إليه يستمده، فأمده بجيش عظيم من أهل الكوفة، فتتبع الأشعث بن قيس حانا حانا-و الحان الحائر فى كلام أهل أذربيجان، ففتحها على مثل صلح حذيفة و عتبة بن فرقد و أسكنها ناسا من العرب من أهل العطاء و الديوان و أمرهم بدعاء الناس إلى الإسلام، ثم تولى سعيد بن العاصي فغزا أهل أذربيجان فأوقع بأهل موقان و جيلان. و تجمع له بناحية أرم و بلوا نكرح خلق من الأرمن و أهل أذربيجان فوجه إليهم جرير بن عبد اللّه البجلي فهزمهم و أخذ رئيسهم فصلبه على قلعة باجروان، و يقال: أن الشماخ بن ضرار الثعلبي كان مع سعيد بن العاصي فى هذه الغزاة، و كان بكير بن شداد بن عامر فارس اطلال معهم فى هذه الغزاة و فيه يقول الشماخ:

و غنيت عن خيل بموقان أسلمت # بكير بنى الشداخ فارس اطلال‏

و هو من بنى كنانة، و هو الذي سمع يهوديا فى خلافة عمر ينشد:

و أشعث غره الإسلام منى # خلوت بعرسه ليلى النمام‏

فقتله‏ثم ولى على بن أبى طالب الأشعث أذربيجان، فلما قدمها وجد أكثرها قد أسلموا و قرأوا القرآن، فأنزل أردبيل جماعة من أهل العطاء و الديوان من العرب و مصرها و بنى مسجدها إلا أنه وسع بعد ذلك، قال الحسين بن عمرو: و أخبرنى واقد أن العرب لما نزلت أذربيجان نزعت إليها عشائرها من المصرين و الشام و غلب كل قوم على ما أمكنهم و ابتاع‏

321

بعضهم من العجم الأرضين و ألجئت إليهم القرى للخفارة فصار أهلها مزارعين لهم، و قال الحسين كانت ورثان قنطرة كقنطرتى وحش و أرشق التين اتخذتا حديثا أيام بابك فبناها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم و أحيى أرضها و حصنها فصارت ضيعة له ثم قبضت مع ما قبض من ضياع بنى أمية لأم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور أمير المؤمنين، و هدم وكلاؤها سورها ثم رم و جدد قريبا، و كان الورثاني من مواليها، قال: و كانت برزند قرية فعسكر فيها الأفشين حيدر بن كاوس عامل أمير المؤمنين المعتصم بالله على أذربيجان و أرمينية و الجبل أيام محاربته الكافر بابك الخرمى و حصنها.

قالوا: و كانت المراغة تدعى اقراهروذ فعسكر مروان بن محمد و هو والى أرمينية و أذربيجان منصرفة من غزوة موقان و جيلان بالقرب منها، و كان فيها سرجين كثير فكانت دوابه و دواب أصحابه‏تمرغ فيها فجعلوا يقولون: ايتوا قرية المراغة، ثم حذف الناس قرية و قالوا: المراغة، و كان أهلها ألجئوها إلى مروان فابتناها و تالف و كلاؤه الناس فكثروا فيها للتعزز و عمروها، ثم إنها قبضت مع ما قبض من ضياع بنى أمية و صارت لبعض بنات الرشيد أمير المؤمنين، فلما عاث الوجناء الأزدى و صدقة بن على مولى الأزد فأفسدا و ولى خزيمة بن خازم بن خزيمة أرمينية و أذربيجان فى خلافة الرشيد بنى سورها و حصنها و مصرها و أنزلها جندا كثيفا، ثم لما ظهر بابك الخرمى بالبذ لجأ الناس إليها فنزلوها و تحصنوا فيها ورم سورها فى أيام المأمون عدة من عماله منهم أحمد بن الجنيد بن فرزندى، و على بن هشام، ثم نزل الناس ربضها و حصنها، و أما مرند فكانت قرية صغيرة فنزلها حلبس أبو البعيث ثم ابنه محمد بن البعيث و بنى بها محمد قصورا، و كان قد خالف فى خلافة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه فحاربه بغا الصغير مولى أمير المؤمنين حتى ظفر به و حمله إلى سر من رأى و هدم حائط مرند و ذلك القصر و البعيث‏

322

من ولد عتيب بن عمر بن وهب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، و يقال إنه عتيب بن عوف بن سنان‏و العتبيون يقول ذلك و اللّه أعلم.

و أما أرمية فمدينة قديمة يزعم المجوس أن زردشت صاحبهم كان منها و كان صدقة بن على بن صدقة بن دينار مولى الأزد حارب أهلها حتى دخلها و غلب عليها و بنى و أخوته بها قصورا، و أما تبريز فنزلها الرواد الأزدى ثم الوجناء بن الرواد و بنى بها و أخوته بناء و حصنها بسور فنزلها الناس معه، و أما الميانج و خلباثا فمنازل الهمدانيين، و قد مدن عبد اللّه بن جعفر الهمداني محلته بالميانج و صبر السلطان بها منبرا، و أما كورة برزة فللأود و قصبتها لرجل منهم جمع الناس إليها و بنى بها حصنا و قد اتخذ بها فى سنة تسع و ثلاثين و مائتين منبر على كره من الأودى، و أما نريز فكانت قرية لها قصر قديم متشعث فنزلها مر بن عمرو الموصلي الطائي فبنى بها و أسكنها ولده، ثم أنهم بنوا بها قصورا و مدنوها و بنوا سوق جابروان و كبروه و أفرده السلطان لهم فصاروا يتولونه دون عامل أذربيجان فأما سراة فإن فيها من كندة جماعة أخبرنى بعضهم أنه من ولد من كان مع الأشعث بن قيس الكندي‏.

323

فتح المَوْصِل الموصل

قالوا: ولى عمر بن الخطاب عتبة بن فرقد السلمى الموصل سنة عشرين فقاتله أهل نينوى فأخذ حصنها و هو الشرقي عنوة و عبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية و الإذن لمن أراد الجلاء فى الجلاء، و وجد بالموصل ديارات فصالحه أهلها على الجزية ثم فتح المرج و قراه و أرض باهذرى و باعذرى و حبتون و الحيانة و المعلة و داسير و جميع معاقل الأكراد و أتى بانعاثا من حزة ففتحها و أتى تل الشهارجة و السلق الذي يعرف ببني الحرين صالح بن عبادة الهمداني صاحب رابطة الموصل ففتح ذلك كله و غلب عليه.

و أخبرنى معافى بن طاوس عن مشايخ من أهل الموصل قال كانت أرمية من فتوح الموصل فتحها عتبة بن فرقد و كان خراجها حينا إلى الموصل و كذلك الحور و خوى و سلماس، قال معافى: و سمعت أيضا أن عتبة فتحها حين ولى أذربيجان و اللّه أعلم.

و حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: أول من اختط الموصل و أسكنها العرب و مصرها هرثمة بن عرفجة البارقي.

حدثني أبو موسى الهروي عن أبى الفضل الأنصارى عن أبى المحارب الضبي أن عمر بن الخطاب عزل عتبة عن الموصل و ولاها هرثمة بن عرفجة البارقي و كان بها الحصن‏و بيع النصارى و منازل لهم قليلة عند تلك البيع و محلة اليهود فمصرها هرثمة فأنزل العرب منازلهم و اختط لهم ثم بنى المسجد الجامع.

و حدثني المعافى بن طاوس، قال: الذي فرش الموصل بالحجارة ابن تليد

324

صاحب شرطة محمد بن مروان بن الحكم، و كان محمد والى الموصل و الجزيرة و أرمينية و أذربيجان. قال الواقدي: ولى عبد الملك بن مروان ابنه سعيد ابن عبد الملك بن مروان صاحب نهر سعيد الموصل و ولى محمدا أخاه الجزيرة أرمينية فبنى سعيد سور الموصل و هو الذي هدمه الرشيد حين مر بها، و قد كانوا خالفوا قبل ذلك و فرشها سعيد بالحجارة و حدثت عن بعض أهل بابغيش أن المسلمين كانوا طلبوا غرة أهل ناحية منها مما يلي دامير يقال لها زران فأتوهم فى يوم عيد لهم و ليس معهم سلاح فحالوا بينهم و بين قلعتهم و فتحوها، قالوا و لما اختط هرثمة الموصل و أسكنها العرب أتى الحديثة و كانت قرية قديمة فيها بيعتان و أبيات النصارى فمصرها و أسكنها قوما من العرب فسميت الحديثة لأنها بعد الموصل، و بنى نحوه حصنا و يقال أن هرثمة نزل الحديثة أولا فمصرها و اختطها قبل الموصل و أنها إنما سميت الحديثة حين تحول إليها من تحول من أهل الأنبار لما وليهم ابن الرفيل أيام الحجاج ابن يوسف فعسفها، و كان فيهم قوم من أهل حديثة الأنبار فبنوا بها مسجدا و سموا المدينة الحديثة.

قالوا: و افتتح عتبة بن فرقد الطيرهان و تكريت، و آمن أهل حصن تكريت على أنفسهم و أموالهم، و سار فى كورة باجرمى، ثم صار إلى شهرزور و حدثني شيخ من أهل تكريت أنه كان معهم كتاب أمان و شرط لهم فخرقه الجرشى حين أخرب قرى الموصل نرساباذ و هاعلة و ذواتها، و زعم الهيثم بن عدى أن عياض بن غنم لما فتح بلدا أتى الموصل ففتح أحد الحصنين و اللّه تعالى أعلم‏. ـ

325

فتح شَهْرَزُور شهرزور و صامَغَان الصامغان و دراباذ دراباذ

حدثني إسحاق بن سليمان الشهرزوري، قال: حدثنا أبى عن محمد بن مروان عن الكلبي عن بعض آل عزرة البجلي أن عزرة بن قيس حاول فتح شهرزور و هو وال على حلوان فى خلافة عمر فلم يقدر عليها فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، و كانت العقارب تصيب الرجل من المسلمين فيموت.

و حدثني إسحاق عن أبيه عن مشايخهم، قال: صالح أهل الصامغان و دراباذ عتبة على الجزية و الخراج على أن لا يقتلوا و لا يسبوا و لا يمنعوا طريقا يسلكونه.

حدثني أبو رجاء الحلواني عن أبيه عن مشايخ شهرزور، قالوا:

شهرزور و الصامغان و دراباذ من فتوح عتبة بن فرقد السلمى فتحها و قاتل الأكراد فقتل منهم خلقا، و كتب إلى عمر: أنى قد بلغت بفتوحى أذربيجان فولاه إياه و ولى هرثمة بن عرفجة الموصل.

قالوا: و لم تزل شهرزور. و أعمالها مضمومة إلى الموصل حتى فرقت فى آخر خلافة الرشيد فولى شهرزور و الصامغان و دراباذ رجل مفرد و كان رزق عامل كل كورة من كور الموصل مائتي درهم فخط لهذه الكور ستمائة درهم‏.

326

فتح جُرْجان < گرگان جرجان و طَبَرِستان < مازندران طبرستان و نواحيها نواحيها

قالوا: ولى عثمان بن عفان رحمه اللّه سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي ابن أمية الكوفة فى سنة تسع و عشرين فكتب مرزبان طوس إليه والى عبد اللّه بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس و هو على البصرة يدعوهما إلى خراسان على أن يملكه عليها أيهما غلب و ظفر فخرج ابن عامر يريدها و خرج سعيد فسبقه ابن عامر فغزا سعيد طبرستان، و معه فى غزاته فيما يقال الحسن و الحسين ابنا على بن أبى طالب عليهم السلام، و قيل أيضا أن سعيدا غزا طبرستان بغير كتان أتاه من أحد و قصد إليها من الكوفة و اللّه أعلم. ففتح سعيد طميسة و نامنة، و هي قرية و صالح ملك جرجان على مائتي ألف درهم، و يقال على ثلاثمائة ألف بغلية وافته، فكان يؤديها إلى غزاة المسلمين و افتتح سعيد سهل طبرستان و الرويان و دنباوند و أعطاه أهل الجبال مالا، و كان المسلمون يغزون طبرستان و نواحيها فربما أعطوا الأتاوة عفوا و ربما أعطوها بعد قتال.

و ولى معاوية بن أبى سفيان مصقلة بن هبيرة بن شبل أحد بنى ثعلبة ابن شيبان بن ثعلبة بن عكابة طبرستان و جميع أهلها حرب و ضم إليه عشرة آلاف، و يقال عشرين ألفا فكاده العدو و أروه الهيبة له حتى توغل بمن معه فى البلاد، فلما جاوروا المضايق أخذها العدو عليهم و هددوا الصخور من الجبال على رؤوسهم فهلك ذلك الجيش أجمع و هلك مصقلة فضرب الناس به المثل فقالوا حتى يرجع مصقلة من طبرستان، ثم أن عبيد اللّه بن زياد بن أبى سفيان ولى محمد بن الأشعث بن قيس الكندي طبرستان فصالحهم و عقد لهم عقداثم أمهلوا له حتى دخل فأخذوا عليه المضايق و قتلوا

327

ابنه أبا بكر و فضحوه، ثم نجا فكان المسلمون يغزون ذلك الثغر و هم حذرون من التوغل فى أرض العدو.

و حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبى مخنف و غيره، قالوا:

لما ولى سليمان بن عبد الملك بن مروان الأمر ولى يزيد بن المهلب بن أبى صفرة العراق فخرج إلى خراسان لسبب ما كان من التواء قتيبة بن مسلم و خلافه على سليمان و قتل وكيع بن أبى سود التميمي إياه، فعرض له صول التركي فى طريقه و هو يريد خراسان، فكتب إلى سليمان يستأذنه فى غزوه فأذن له فغزا جيلان و سارية، ثم أتى دهستان و بها صول فحصرها و هو فى جند كثيف من أهل المصرين و أهل الشام و أهل خراسان، فكان أهل دهستان يخرجون فيقاتلونهم فألح عليهم يزيد و قطع المواد عنهم ثم أن صول أرسل إلى يزيد يسأله الصلح على أن يؤمنه على نفسه و ماله و أهل بيته و يدفع إليه المدينة و أهلها و ما فيها فقبل يزيد ذلك و صالحه عليه و وفى له و قتل يزيد أربعة عشر ألفا من الترك و استخلف عليها و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أن صول قتل، و الخبر الأول أثبت.

و قال هشام بن الكلبي: أتى يزيد جرجان فتلقاه أهلها بالأتاوة التي كان سعيد بن العاصي صالحهم عليها فقبلها، ثم أن أهل جرجان نقضوا و غدروا فوجه إليهم جهم بن زحر الجعفي‏ففتحها، قال و يقال، أنه سار إلى مرو فأقام بها شتوته ثم غزا جرجان فى مائة ألف و عشرين ألفا من أهل الشام و الجزيرة و المصرين و خراسان.

و حدثني على بن محمد المدائني قال، أقام يزيد بن المهلب بخراسان شتوة ثم غزا جرجان و كان عليها حائط من آجر قد تحصنوا به من الترك و أحد طرفيه فى البحر، ثم غلبت الترك عليه و سموا ملكهم صول فقال يزيد قبح اللّه‏

328

قتيبة ترك هؤلاء و هم فى بيضة العرب و أراد غزو الصين أو قال و غزا الصين و خلف يزيد على خراسان مخلد بن يزيد.

قال: فلما صار إلى جرجان وجد صول قد نزل فى البحيرة فحصره ستة أشهر و قاتله مرارا فطلب الصلح على أن يؤمنه على نفسه و ماله و ثلاثمائة من أهل بيته و يدفع إليه البحيرة بما فيها فصالحه، ثم سار إلى طبرستان و استعمل دهستان و البياسان عبد اللّه بن معمر اليشكري و هو فى أربعة آلاف، و وجه ابنه خالد بن يزيد و أخاه أبا عيينة بن المهلب إلى الأصبهبذ و هزمهما حتى ألحقهما بعسكر يزيد و كتب الأصبهبذ إلى المرزبان-و يقال المروزبان-إنا قد قتلنا أصحاب يزيد فاقتل من قبلك من العرب فقتل عبد اللّه بن معمر اليشكري و من معه و هم غارون فى منازلهم، و بلغ الخبر يزيد فوجه حيان مولى مصقلة و هو من سبى الديلم فقال للأصبهبذ: إنى رجل منك و إليك و أن فرق الدين بينناو لست بآمن أن يأتيك من قبل أمير المؤمنين و من جيوش خراسان مالا قبل لك به و لا قوام لك معه، و قد رزت لك يزيد فوجدته سريعا إلى الصلح فصالحه، و لم يزل يخدعه حتى صالح يزيد على سبعمائة ألف درهم و أربعمائة و قر زعفرانا، فقال له الأصبهبذ: العشرة وزن ستة فقال: لا، و لكن وزن سبعة فأبى، فقال حيان: أنا أتحمل فضل ما بين الوزنين فتحمله و كان حيان من أنبل الموالي و سرواتهم و كان يكنى أبا معمر.

قال المدائني: بلغ يزيد نكث أهل جرجان و غدرهم فسار يريدها ثانية، فلما بلغ المرزبان مسيره أتى و جاه فتحصن بها و حولها غياض واشب فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منها على شي‏ء و قاتلوه مرارا و نصب المنجنيق عليها، ثم أن رجلا دلهم على طريق إلى قلعتهم و قال: لا بد من سلم جلودفعقد يزيد لجهم بن زحر الجعفي، و قال: إن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، و أمر

329

يزيد أن تشعل النار فى الحطب فهالهم ذلك و خرج قوم منهم ثم رجعوا و انتهى جهم إلى القلعة فقاتله قوم ممن كان على بابها فكشفهم عنه و لم يشعر العدو بعيد العصر إلا بالتكبير من ورائهم، ففتحت القلعة و أنزلوا على حكم يزيد فقادهم جهم إلى وادي جرجان و جعل يقتلهم حتى سالت الدماء فى الوادي و جرت و هو بنى مدينة جرجان، و سار يزيد إلى خراسان فبلغته الهدايا، ثم ولى ابنه مخلدا خراسان و انصرف إلى سليمان فكتب إليه أن معه خمسة و عشرين ألف ألف درهم‏فوقع الكتاب فى يدي عمر بن عبد العزيز فأخذ يزيد به و حبسه.

و حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبى مخنف أو عوانة بن الحكم قال: سار يزيد إلى طبرستان فاستجاش الأصبهبذ الديلم فأنجدوه فقاتله يزيد، ثم أنه صالحه على نقد أربعة آلاف درهم و على سبعمائة ألف درهم مثاقيل فى كل سنة و وقر أربعمائة جماز زعفرانا و أن يخرجوا أربعمائة رجل على رأس كل رجل منهم ترس و طيلسان و خام فضة و نمرقة حرير، و بعض الرواة يقول: برنس، و فتح يزيد الرويان و دنباوند على مال و ثياب و آنية، ثم مضى إلى جرجان و قد غدر أهلها و قتلوا خليفته و قدم أمامه جهم بن زحر بن قيس الجعفي فدخل المدينة و أهلها غارون و غافلون، و وافاه ابن المهلب فقتل خلقا من أهلها و سبى ذراريهم و صلب من قتل عن يمين الطريق و يساره و استخلف عليها جهما فوضع الجزية و الخراج على أهلها و ثقلت وطأته عليهم.

قالوا: و لم يزل أهل طبرستان يؤدون الصلح مرة و يمتنعون من أدائه أخرى فيحاربون و يسالمون، فلما كانت أيام مروان بن محمد بن مروان بن الحكم غدروا و نقضواحتى إذا استخلف أبو العباس أمير المؤمنين وجه إليهم عامله فصالحوه ثم أنهم نقضوا و غدروا و قتلوا المسلمين فى خلافة أمير

330

المؤمنين المنصور فوجه إليهم خازم بن خزيمة التميمي و روح بن حاتم المهلبي و معهما مرزوق أبو الخصيب مولاه الذي نسب إليه قصر أبى الخصيب بالكوفة فسألهما مرزوق حين طال عليها الأمر و صعب أن يضرباه و يحلقا رأسه و لحيته ففعلا، فخلص إلى الأصبهبذ فقال له: أن هذين الرجلين استغشانى و فعلا بى ما ترى و قد هربت إليك فان قبلت انقطاعي و أنزلتنى المنزلة التي أستحقها منك دللتك على عورات العرب و كنت يدا معك عليهم، فكساه و أعطاه و أظهر الثقة به و المشاورة له فكان يريه أنه له ناصح و عليه مشفق، فلما اطلع على أموره و عوراته كتب إلى خازم و روح بما احتاجا إلى معرفته من ذلك و احتال للباب حتى فتحه فدخل المسلمون المدينة و فتحوها و ساروا فى البلاد فدوخوها.

و كان عمر بن العلاء جزارا من أهل الري فجمع جمعا و قاتل سنفاذ حين خرج بها فأبلى و نكى فأوفده جهور بن مرار العجلى على المنصور فقوده و حضنه و جعل له مرتبة، ثم أنه ولى طبرستان فاستشهد بها فى خلافة المهدى أمير المؤمنين.

و افتتح محمد بن موسى بن حفص بن عمر بن العلاء و مايزديار بن قارن جبال شروين من طبرستان، و هي أمنع جبال و أصعبها و أكثرها أشبا و غياضا فى خلافة المأمون رحمه اللّه، ثم أن المأمون ولى مايزديار أعمال طبرستان و الرويان و دنباوند و سماه محمدا و جعل له مرتبة الأصبهبذ فلم يزل واليا حتى توفى المأمون، ثم استخلف أبو إسحاق المعتصم بالله أمير المؤمنين فأقره على عمله ثم أنه كفر و غدر بعد ست سنين و أشهر من خلافته، فكتب إلى عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب عامله على خراسان و الري و قومس و جرجان يأمره بمحاربته فوجه عبد اللّه إليه الحسن بن الحسين عمه فى رجال خراسان، و وجه المعتصم بالله محمد بن ابراهيم بن‏

331

مصعب فيمن ضم إليه من جند الحضرة فلما توافت الجنود فى بلاده كاتب أخ له يقال له فوهيار بن قارن الحسن و محمدا و أعلمهما أنه معهما عليه و قد كان يحقد أشياء يناله بها من استخفاف و كان أهل عمله قد ملوا سيرته لتجبره و عسفه، فكتب الحسن يشير عليه بأن يكمن فى موضع سماه له، و قال لمايزديار: أن الحسن قد أتاك و هو بموضع كذا و ذكر غير ذلك الموضع و هو يدعوك إلى الأمان و يريد مشافهتك فيما بلغني، فسار مايزديار يريد الحسن، فلما صار بقرب الموضع الذي الحسن كامن فيه آذنه فوهيار بمجيئه فخرج عليه فى أصحابه و كانوا متقطعين فى العياض‏فجعلوا ينتامون إليه و أراد مايزديار الهرب فآخذ فوهيار بمنطقته و انطوى عليه أصحاب الحسن فأخذوه سلما بغير عهد و لا عقد فحمل إلى سر من رأى فى سنة خمس و عشرين و مائتين فضرب بالسياط بين يدي المعتصم بالله ضربا مبرحا، فلما رفعت السياط عنه مات فصلب بسر من رأى مع بابك الخرمى على العقبة التي بحضرة مجلس الشرطة، و وثب بفوهيار بعض خاصة أخيه فقتل بطبرستان و افتتحت طبرستان سهلها و جبلها، فتولاها عبد اللّه بن طاهر و طاهر بن عبد اللّه من بعده.

فتوح كُوَرُ دِجْلَة كور دجلة

قالوا: كان سويد بن قطبة الذهلي، و بعضهم يقول قطبة بن قتادة يغير فى ناحية الخريبة من البصرة على العجم كما كان المثنى بن حارثة الشيبانى يغير بناحية الحيرة، فلما قدم خالد بن الوليد البصرة يريد الكوفة سنة اثنتي عشرة أعانه على حرب أهل الأبلة و خلف سويدا، و يقال أن خالدا لم يسر من البصرة حتى فتح الخريبة و كانت مسلحة للأعاجم فقتل و سبى و خلف بها رجلا من بنى سعد بن بكر بن هوازن يقال له شريح بن عامر، و يقال‏

332

أنه أتى نهر المرأة ففتح القصر صلحا صالحه عنه النوشجان بن جسنسما و المرأة صاحبة القصر كامن دار بنت نرسى و هي ابنة عم النوشجان، و إنما سميت المرأة لأن أبا موسى الأشعرى‏كان نزل بها فزودته خبيصا فجعل يقول: أطعمونا من دقيق المرأة، و كان محمد بن عمر الواقدي ينكر أن يكون خالد بن الوليد أتى البصرة حين فرغ من أمر أهل اليمامة و البحرين و يقول:

قدم المدينة ثم سار منها إلى العراق على طريق فيد و الثعلبية و اللّه أعلم.

قالوا: فلما بلغ عمر بن الخطاب خبر سويد بن قطبة و ما يصنع بالبصرة رأى أن يوليها رجلا من قبله، فولاها عتبة بن غزوان بن جابر ابن وهب بن نسيب أحد بنى مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة و هو حليف بنى نوفل بن عبد مناف، و كان من المهاجرين الأولين، و قال له:

أن الحيرة قد فتحت و قتل عظيم من العجم يعنى مهران و وطئت خيل المسلمين أرض بابل فصر إلى ناحية البصرة و أشغل من هناك من أهل الأهواز و فارس و ميسان عن إمداد إخوانهم على إخوانك، فأتاها عتبة و انضم إليه سويد بن قطبة و من معه من بكر بن وائل و بنى تميم، و كانت بالبصرة سبع دساكر اثنتان بالخريبة و اثنتان بالزابوقة، و ثلاث فى موضع دار الأزد اليوم، ففرق عتبة أصحابه فيها و نزل هو بالخريبة و كانت مسلحة للأعاجم ففتحها خالد بن الوليد فخلت منهم و كتب عتبة إلى عمر يعلمه نزوله و أصحابه بحيث نزلوا، فكتب إليه يأمره بأن ينزلهم موضعا قريبا من الماء و المرعى فأقبل إلى موضع البصرة، قال أبو مخنف و كانت ذات حصى و حجارة سود فقيل أنها بصرة، و قيل أنهم‏إنما سموها بصرة لرخاوة أرضها.

قالوا: و ضربوا بها الخيام و القباب و الفساطيط و لم يكن لهم بناء و أمد

333

عمر عتبة بهرثمة بن عرفجة البارقي و كان بالبحرين، ثم أنه صار بعد إلى الموصل قالوا: فغزا عتبة بن غزوان الابلة ففتحها عنوة، و كتب إلى عمر يعلمه ذلك و يخبره أن الابلة فرضة البحرين و عمان و الهند و الصين و أنفذ الكتاب مع نافع بن الحارث الثقفي.

و حدثني الوليد بن صالح، قال: حدثنا مرحوم العطار عن أبيه عن شويس العدوى، قال: خرجنا مع أمير الابلة فطفرنا بها ثم عبرنا الفرات فخرج إلينا أهل الفرات بمساحيهم فظفرنا بهم و فتحنا الفرات.

و حدثني عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبيه عن حميرى بن كراثة الربعي، قال: لما دخلوا الابلة وجدوا خبيز الحوارى فقالوا هذا الذي كان يقال أنه يسمن، فلما أكلوا منه جعلوا ينظرون إلى سواعدهم و يقولون و اللّه ما نرى سمنا، قال: و أصبت قميصا مجيبا من قبل صدره أخضر فكنت أحضر فيه الجمعة.

و حدثني المدائني عن جهم بن حسان، قال: فتح عتبة الابلة و وجه مجاشع ابن مسعود على الفرات و أمر المغيرة بالصلاة و شخص إلى عمر و حدثني المدائني عن أشياخه: أن ما بين الفهرج إلى الفرات صلح و سائر الابلة عنوة.

و حدثني عبد اللّه بن صالح المقري، قال: حدثني عبدة بن سليمان عن محمد ابن إسحاق بن يسار قال: وجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان حليف بنى نوفل فى ثمانمائة إلى البصرة و أمده بالرجال فنزل بالناس فى خيم، فلما كثروا بنى رهط منهم سبع دساكر من لبن منها بالخريبة اثنتان: و بالزابوقة واحدة، و فى الأزد اثنتان، و فى تميم اثنتان، ثم أنه خرج إلى الأبلة فقاتل أهلها ففتحها عنوة، و أتى الفرات و على مقدمته مجاشع بن مسعود السلمى ففتحه‏

334

عنوة، و أتى المذار فخرج إليه مرزبانها فقاتله فهزمه اللّه و غرق عامة من معه و أخذ سلما فضرب عتبة عنقه، و سار عتبة إلى دستميسان و قد جمع أهلها للمسلمين و أرادوا المسير إليهم فرأى أن يعالجهم بالغزو ليكون ذلك أفت فى أعضادهم و أملا لقلوبهم فلقيهم فهزمهم اللّه و قتل دهاقينهم و انصرف عتبة من فوره إلى أبرقباذ ففتحها اللّه عليه.

قالوا ثم استأذن عتبة عمر بن الخطاب فى الوفادة عليه و الحج فأذن له فاستخلف مجامع بن مسعود السلمى، و كان غائبا عن البصرة و أمر المغيرة بن شعبة أن يقوم مقامه إلى قدومه، فقال: أتولى رجلا من أهل الوبر على رجل من أهل المدر و استعفى عتبة من ولاية البصرة فلم يعفه‏و شخص فمات فى الطريق فولى عمر البصرة المغيرة بن شعبة، و قد كان الناس سألوا عتبة عن البصرة فأخبرهم بخصبها فسار إليها خلق من الناس.

و حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة، قال: كانت عند عتبة بن غزوان أزدة بنت الحارث بن كلدة، فلما استعمل عمر عتبة بن غزوان قدم معه نافع و أبو بكرة و زياد، ثم أن عتبة قاتل أهل مدينة الفرات فجعلت امرأته أزدة تحرض الناس على القتال و هي تقول:

أن يهزموكم تولجوا فينا الغلف‏

ففتح اللّه على المسلمين تلك المدينة، و أصابوا غنائم كثيرة، و لم يكن فيهم أحد يكتب و يحسب إلا زياد، فولى قسم ذلك المغنم، و جعل له كل يوم درهمان و هو غلام فى رأسه ذؤابة، ثم أن عتبة شخص إلى عمر، و كتب إلى مجاشع بن مسعود يعلمه أنه قد خلفه و كان غائبا، و أمر المغيرة بن شعبة أن يصلى بالناس إلى قدوم مجاشع، ثم أن دهقان ميسان كفر و رجع عن الإسلام، فلقيه المغيرة بالمنعرج، فقتله و كتب المغيرة إلى عمر بالفتح منه‏فدعا عمر عتبة فقال أ لم تعلمني

335

انك استخلفت مجاشعا، قال نعم، قال فإن المغيرة كتب إلى بكذا فقال أن مجاشعا كان غائبا فأمرت المغيرة أن يخلفه و يصلى بالناس إلى قدومه، فقال عمر: لعمري لأهل المدر كانوا أولى بأن يستعملوا من أهل الوبر، ثم كتب إلى المغيرة بعهده على البصرة و بعث به إليه، فأقام المغيرة ما شاء اللّه، ثم أنه هوى المرأة.

و حدثني عبد اللّه بن صالح عن عبدة عن محمد بن إسحاق قال: غزا المغيرة ميسان ففتحها عنوة بعد قتال شديد و غلب على أرضها، ثم أن أهل أبرقباذ غدروا ففتحها المغيرة عنوة.

و حدثني روح بن عبد المؤمن، قال: حدثني وهب بن جرير بن حازم عن أبيه، قال: فتح عتبة بن غزوان الأبلة و الفرات و أبرقباذ و دستميسان و فتح المغيرة ميسان و غدو أهل أبر قباذ ففتحها المغيرة، و قال على بن محمد المدائني: كان الناس يسمون ميسان و دستميسان و الفرات و أبرقباذ ميسان قالوا: و كان من سبى ميسان أبو الحسن البصري و سعيد بن يسار أخوه و كان اسمه يسار فيروز، فصار أبو الحسن لامرأة من الأنصار يقال لها الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، و يقال كان لامرأة من بنى سلمة يقال لها جميلة امرأة أنس بن مالك.

و روى الحسن، قال: كان أبى و أمى لرجل من بنى النجار فتزوج امرأة من بن سلمة فساقهما إليها فى صداقها فأعتقتهما تلك المرأة فولاؤنا لها، و كان مولد الحسن بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر و خرج منها بعد صفين بسنةو مات بالبصرة سنة عشر و مائة و هو ابن تسع و ثمانين.

قالوا: أن المغيرة جعل يختلف إلى امرأة من بنى هلال يقال لها أم جميل بنت محجن بن الأفقم بن شعيثة بن الهزن، و قد كان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك فبلغ ذلك أبا بكرة بن مسروح مولى النبي صلى اللّه‏

336

عليه و سلم من مولدي ثقيف، و شبل بن معبد بن عبيد البجلي، و نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، و زياد بن عبيد، فرصدوه حتى إذا دخل عليها هجموا عليه فإذا هما عريانان و هو متبطنها، فخرجوا حتى أتوا عمر بن الخطاب فشهدوا عنده بما رأوا فقال عمر لأبى موسى الأشعرى: إنى أريد أن أبعثك إلى بلد قد عشش فيه الشيطان، قال: فأعني بعدة من الأنصار فبعث معه البراء ابن مالك، و عمران بن الحصين أبا نجيد الخزاعي، و عوف بن وهب الخزاعي فولاه البصرة و أمره باشخاص المغيرة فأشخصه بعد قدومه بثلاث.

فلما صار إلى عمر جمع بينه و بين الشهود، فقال نافع بن الحارث:

رأيته على بطن المرأة يحتفر عليها و رأيته يدخل ما معه و يخرجه كالميل فى المكحلة، ثم شهد شبل بن معبد على شهادته، ثم أبو بكرة، ثم أقبل زياد رابعا فلما نظر إليه عمر قال: أما إنى أرى وجه رجل أرجو أن لا يرجم رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على يده و لا يخزى بشهادته.

و كان المغيرة قدم من مصر فأسلم‏و شهد الحديبية مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال زياد رأيت منظرا قبيحا و سمعت نفسا عاليا و ما أدرى أخالطها أم لا، و يقال لم يشهد بشي‏ء فأمر عمر بالثلاثة فجلدوا، فقال شبل أ تجلد شهود الحق و تبطل الحد،

فلما جلد أبو بكرة، قال: أشهد أن المغيرة زان. فقال عمر، حدوه، فقال على أن جعلتها شهادة فارجم صاحبك،

فحلف أبو بكرة ان لا يكلم زيادا أبدا، و كان أخاه لأمه سمية ثم أن عمر ردهم إلى مصرهم، و قد روى قوم أن أبا موسى كان بالبصرة فكتب إليه عمر بولايتها و أشخاص المغيرة، و الأول أثبت، و روى أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كان امر سعد بن ابى وقاص رضى اللّه عنه أن يبعث عتبة ابن غزوان إلى البصرة ففعل، و كان نائف من مكاتبته إياه فلذلك استعفى‏

337

و أن عمر رضى اللّه عنه رده واليا فمات فى الطريق، و كانت ولاية أبى موسى البصرة فى سنة ست عشرة و يقال سنة سبع عشرة فاستقرى كور دجلة فوجد أهلها مذعنين بالطاعة فأمربمساحتها و وضع الخراج عليها على قدر احتمالها، و الثبت أن أبا موسى ولى البصرة فى سنة ست عشرة.

حدثني شيبان بن فروخ الأبلى، قال: حدثنا أبو هلال الراسبي، قال:

حدثنا يحيى بن أبى كثير أن كاتبا لأبى موسى كتب إلى عمر بن الخطاب من أبو موسى فكتب إليه عمر إذا أتاك كتابي هذا فاضرب كاتبك سوطا و أعزله عن عملك.

تمصير البَصْرَة البصرة

حدثني على بن المغيرة الأثرم عن أبى عبيدة، قال: لما نزل عتبة بن غزوان الخريبة كتب إلى عمر بن الخطاب يعلمه نزوله إياها و أنه لا بد للمسلمين من منزل يشتون به إذا شتوا، و يكنسون فيه إذا انصرفوا من غزوهم، فكتب إليه أجمع أصحابك فى موضع واحد و ليكن قريبا من الماء و الرعي و اكتب إلى بصفته، فكتب إليه إنى وجدت أرضا كثيرة القصبة فى طرف البر إلى الريف و دونها مناقع ماء فيها قصباء، فلما قرأ الكتاب، قال: هذه أرض نضرة قريبة من المشارب و المراعى و المختطب و كتب إليه أن أنزلها الناس، فأنزلهم إياها، فبنوا مساكن بالقصب و بنى عتبة مسجدا من قصب، و ذلك فى سنة أربع عشرة فيقال أنه تولى اختطاط المسجد بيده و يقال اختطه محجر بن الأدرع‏البهزى من سليم، و يقال اختطه نافع بن الحارث بن كلدة حين خط داره، و يقال بل اختطه الأسود بن سريع التميمي، و هو أول من قضى فيه، فقال له مجاشع و مجالد ابنا مسعود رحمك اللّه شهرت نفسك فقال: لا أعود، و بنى عتبة دار الأمارة دون المسجد فى الرحبة التي يقال لها اليوم رحبة بنى هاشم، و كانت تسمى الدهناء و فيها

338

السجن و الديوان فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب و حزموه و وضعوه حتى يرجعوا من العزو، فإذا رجعوا أعادوا بناءه فلم تزل الحال كذلك، ثم أن الناس اختطوا و بنوا المنازل، و بنى أبو موسى الأشعرى المسجد و دار الأمارة بلين و طين و سقفها بالعشب و زاد فى المسجد، و كان الإمام إذا جاء للصلاة بالناس تخطاهم إلى القبلة على حاجر، فخرج عبد اللّه بن عامر ذات يوم من دار الأمارة يريد القبلة و عليه جبة خز دكناء فجعل الأعراب يقولون على الأمير جلد دب.

و حدثني أبو محمد الثوري عن الأصمعى، قال: لما نزل عتبة بن غزوان الخريبة، ولد بها عبد الرحمن بن أبى بكرة، و هو أول مولود بالبصرة فنحر أبوه جزورا أشبع منها أهل البصرة، ثم لما استعمل معاوية بن أبى سفيان زيادا على البصرة زاد فى المسجد زيادة كثيرة و بناء بالآجر و الجص و سقفه بالساج، و قال: لا ينبغي للإمام أن يتخطى الناس فحول دار الإمارة من الدهناء إلى قبلة المسجد فكان الإمام يخرج من الدار فى الباب الذي فى حائط القبلة، و جعل زياد حين بنى المسجد و دار الإمارة يطوف فيها و ينظر إلى البناء ثم يقول لمن معه من وجوه أهل البصرة أ ترون خللا فيقولون ما نعلم بناء أحكم منه فقال بلى هذه الأساطين التي على كل واحدة منها أربعة عقود لو كانت أغلظ من سائر الأساطين، و روى عن يونس بن حبيب النحوي، قال: لم يؤت من تلك الأساطين فقط تصديع و لا عيب، و قال حارثة بن بدر الغدانى، و يقال بل قال ذلك البعيث المجاشعي:

بنى زياد لذكر اللّه مصنعة # من الحجارة لم تعمل من الطين

لو لا تعاون أيدى الأنس ترفعها # إذا لقلنا من أعمال الشياطين‏

و قال الوليد بن هشام بن قحذم لما بنى زياد المسجد جعل صفته المقدمة

339

خمس سوارى و بنى منارته بالحجارة، و هو أول من عمل المقصورة و نقل دار الامارة إلى قبلة المسجد، و كان بناؤه إياها لبن و طين حتى بناها صالح بن عبد الرحمن السجستاني‏مولى بنى تميم فى ولايته خراج العراق لسليمان بن عبد الملك بالآجر و الجص و زاد فيه عبيد بن زياد و فى مسجد الكوفة، و قال: دعوت اللّه أن يرزقني الجهاد ففعل، و دعوته أن يرزقني بناء مسجدى الجماعة بالمصرين ففعل، و دعوته أن يجعلني خلفا من زياد ففعل.

و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: لما بنى زياد المسجد أتى بسوارية من جبل الأهواز، و كان الذي تولى أمرها و قطعها الحجاج بن عتيك الثقفي و ابنه فظهر له مال فقيل حبذا الإمارة و لو على الحجارة فذهبت مثلا، قال و بعض الناس يقول: أن زيادا رأى الناس ينفضون أيديهم إذا تربت و هم فى الصلاة فقال: لا آمن أن يظن الناس على طول الأيام أن نفض الأيدى فى الصلاة سنة، فأمر بجمع الحصى و إلقائه فى المسجد فاشتد الموكلون بذلك على الناس و تعنتوهم و أروهم حصى انتقوه، فقالوا: ايتونا بمثله على مقاديره و ألوانه و ارتشوا على ذلك فقال القائل: حبذا الامارة و لو على الحجارة، و قال أبو عبيدة: و كان جانب المسجد الشمالي منزويا لأنه كانت هناك دار لنافع بن الحارث بن كلدة فأبى ولده بيعها، فلما ولى معاوية عبيد اللّه بن زياد البصرة قال عبيد اللّه لأصحابه: إذا شخص عبد اللّه بن نافع إلى أقصى ضيعته فأعلموني ذلك، فشخص إلى قصره الأبيض الذي على البطيحة، فأخبر عبيد اللّه بذلك فبعث الفعلةفهدموا من تلك الدار ما سوى به تربيع المسجد، و قدم ابن نافع فضج إليه من ذلك فأرضاه بأن أعطاه بكل ذراع خمسة أذرع و فتح له فى الحائط خوخة إلى المسجد فلم تزل الخوخة فى حائطه حتى زاد المهدى أمير المؤمنين فى المسجد فأدخلت الدار كلها فيه، و أدخلت فيه أيضا دار الامارة فى خلافة الرشيد رحمه اللّه.

340

و قال أبو عبيدة لما قدم الحجاج بن يوسف العراق أخبر أن زيادا ابتنى دار الامارة بالبصرة فأراد أن يزيل اسمه عنها فهم ببنائها يجص و آجر فقيل له إنما تزيد اسمه فيها ثباتا و توكدا فهدمها و تركها، فبنيت عامة الدور حولها من طينها و لبنها و أبوابها فلم تكن بالبصرة دار إمارة حتى ولى سليمان بن عبد الملك، فاستعمل صالح ابن عبد الرحمن على خراج العراق فحدثه صالح حديث الحجاج و ما فعل فى دار الامارة فأمره بإعادتها فأعادها بالآجر و الجص على أساسها و رفع سمكها، فلما ولى عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه، و ولى عدى بن أرطاة الفزاري البصرة أراد عدى أن يبنى فوقها غرفا، فكتب إليه عمر: هبلتك أمك يا ابن أم عدى أ يعجز عنك منزل وسع زيادا و آل زياد، فأمسك عدى عن إتمام تلك الغرف و تركها فلما ولى سليمان بن على ابن عبد اللّه بن العباس البصرة لأبى العباس أمير المؤمنين بنى على ما كان عدى رفعه من حيطان الغرف بناء بطين ثم تركه و تحول إلى المربدفنزله، فلما استخلف الرشيد أدخلت الدار فى قبلة المسجد فليس اليوم للأمراء بالبصرة دار أمارة.

و قال الوليد بن هشام بن قحذم لم يزد أحد فى المسجد بعد ابن زياد حتى كان المهدى فاشترى دار نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، و دار عبيد اللّه بن أبى بكرة، و دار ربيعة بن كلدة الثقفي، و دار عمرو بن وهب الثقفي. و دار أم جميل الهلالية التي كان من أمرها و أمر المغيرة بن شعبة ما كان، و دورا غيرها فزادها فى المسجد أيام ولى محمد بن سليمان بن على البصرة، ثم أمر هارون أمير المؤمنين الرشيد عيسى بن جعفر بن المنصور أيام ولايته البصرة أن يدخل دار الامارة فى المسجد ففعل.

و قال الوليد بن هشام أخبرنى أبى عن أبيه، و كان يوسف بن عمر ولاه ديوان جند العرب، قال: نظرت فى جماعة مقاتلة البصرة أيام زياد فوجدتهم ثمانين‏

341

ألفا و وجدت عيالهم مائة ألف و عشرين ألف عيل، و وجدت العرب مقاتلة الكوفة ستين ألفا و عيالهم ثمانين ألفا.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي فى اسناده، قال: كان عتبة بن غزوان مع سعد بن أبى وقاص، فكتب إليه عمر أن اضرب قيروانك بالكوفة و وجه عتبة بن غزوان إلى البصرة فخرج فى ثمانمائة فضرب خيمة من أكسية و ضرب الناس معه و أمده عمر بالرجال، فلما كثروا بنى رهط منهم سبع دساكر من لبن منها بالخريبة اثنتان، و بالزابوقة واحدة، و فى بنى تميم اثنتان و فى الأزد اثنتان، ثم أن عتبة خرج إلى الفرات بالبصرة فافتتحه ثم رجع إلى البصرة، و كان سعد يكاتب عتبة فغمه ذلك، فاستأذن عمر فى الشخوص إليه فلحق به و استخلف المغيرة بن شعبة، فلما قدم المدينة شكا إلى عمر تسلط سعد عليه يقال له: و ما عليك أن تقر بالامارة لرجل من قريش له صحبة و شرف فأبى الرجوع و أبى عمر إلا رده، فسقط عن راحلته فى الطريق فمات فى سنة ست عشرة و كان محجر بن الأدرع اختط مسجد البصرة و لم يبنه فكان يصلى فيه غير مبنى فبناه عتبة بقصب ثم بناه أبو موسى الأشعرى و بنى بعده.

حدثني الحسين بن على بن الأسود العجلى، قال: حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا أبو معاوية عن الشيبانى عن محمد بن عبد اللّه الثقفي، قال: كان بالبصرة رجل يكنى أبا عبد اللّه، و يقال له نافع، و كان أول من افتلا الفلا بالبصرة فأتى عمر فقال له: أن بالبصرة أرضا ليست من أرض الخراج و لا تضر بأحد من المسلمين. فكتب له أبو موسى إلى عمر بذلك. فكتب له عمر إليه أن يقطعه إياها.

و حدثنا سعيد بن سليمان. قال: حدثنا عباد بن العوام عن عوف الأعرابى قال: قرأت كتاب عمر إلى أبى موسى أن أبا عبد اللّه سألنى أرضا على شاطئ‏

342

دجلة يفتلى فيها خيله فإن كانت فى غير أرض الجزية و لا يجزأ إليها ماء الجزية فأعطه إياها، و قال عباد: بلغني أنه نافع بن الحارث بن كلدة طبيب العرب، و قال الوليد بن هشام بن قحذم: وجدت كتابا عندنا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى المغيرة بن شعبة، سلام عليك فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن أبا عبد اللّه ذكر أنه زرع بالبصرة فى امارة ابن غزوان و افتلى أولاد الخيل حين لم يفتلها أحد من أهل البصرة، و أنه نعم ما أرى فأعنه على زرعه و على خيله، فإنى قد أذنت له أن يزرع، و آته أرضه التي زرع إلا أن تكون أرضا عليها الجزية من أرض الأعاجم أو يصرف إليها ماء أرض عليها الجزية، و لا تعرض له إلا بخير، و السلام عليك و رحمة اللّه، و كتب معيقيب بن أبى فاطمة فى صفر سنة سبع عشرة، و قال الوليد بن هشام: أخبرنى عمى عن ابن شبرمة أنه قال: لو وليت البصرة لقبضت أموالهم لأن عمر بن الخطاب لم يقطع بها أحدا إلا أبا بكرة و نافع بن الحارث و لم يقطع عثمان بالبصرة إلا عمران بن حصين، و ابن عامر أقطعه داره، و حمران مولاه قال: و قد أقطع زياد عمران قطيعة أيضا فيما يقال.

و قال هشام بن الكلبي: أول دار بنيت بالبصرة دار نافع بن الحارث ثم دار معقل بن يسار المزني و كان عثمان بن عفان أخذ دار عثمان بن أبى العاصي الثقفي، و كتب أن يعطى أرضا بالبصرة فأعطى أرضه المعروفة بشط عثمان بحيال الابلة و كانت سبخة فاستخرجها و عمرها، و إلى عثمان بن أبى العاصي ينسب باب عثمان بالبصرة، قالوا: كان حمران بن أبار للمسيب بن نجبة الفزاري أصابه بعين التمر فابتاعه منه عثمان بن عفان و علمه الكتاب و اتخذه كاتبا فوجد عليه لأنه كان وجهه للمسلمة عن ما رفع على الوليد بن عقبة بن أبى معيط فارتشى منه و كذب ما قيل فيه، فتيقن عثمان صحة ذلك بعد فوجد عليه، و قال: لا يساكنني أبدا

343

و خيره بلدا يسكنه غير المدينة فاختار البصرة، و سأله أن يقطعه بها دارا و ذكر ذرعا كثيرا فاستكثره عثمان و قال لابن عامر: أعطه دارا مثل بعض دورك فأقطعه داره التي بالبصرة، قالوا: و دار خالد بن طليق الخزاعي القاضي كانت لأبى الجراح القاضي صاحب سجن ابن الزبير اشتراها له سلم بن زياد، لأنه هرب من سجن ابن الزبير، قال ابن الكلبي: سكة بنى سمرة بالبصرة كان صاحبها عتبة بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس ابن عبد مناف، و مسجد عاصم نسب إلى عاصم أحد بنى ربيعة بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، و دار أبى نافع بالبصرة نسبت إلى أبى نافع مولى عبد الرحمن أبى بكرة.

و قال القحذمى: كانت دار أبى يعقوب الخطابي لسحامة بن عبد الرحمن ابن الأصم الغنوي مؤذن الحجاج. و هو ممن‏قاتل مع يزيد بن المهلب فقتله مسلمة بن عبد الملك يوم العقر. و هي إلى جانب دار المغيرة بن شعبة، قالوا:

و دار طارق نسبت إلى طارق بن أبى بكرة و قبالتها خطة بن أبى العاصي الثقفي و دار زياد بن عثمان كان عبيد اللّه بن زياد اشتراها لابن أخيه زياد بن عثمان و تليها الخطة التي منها دار بابة بنت أبى العاصي، و كانت دار سليمان بن على لسلم ابن زياد فغلب عليها بلال بن أبى بردة أيام ولايته البصرة لخالد بن عبد اللّه، ثم جاء سليمان بن على فنزلها قالوا و كانت دار موسى بن أبى المختار مولى ثقيف لرجل من بنى دارم فأراد فيروز حصين ابتياعها منه بعشرة آلاف، فقال:

ما كنت لا بيع جوارك بمائة ألف فأعطاه عشرة آلاف و أقر الدار فى يده. و قال أبو الحسن: أراد الدارمي بيع داره فقال أبيعها بعشرة آلاف درهم خمسة آلاف ثمنها و خمسة آلاف لجوار فيروز. فبلغ فيروز ذلك فقال: أمسك عليك دارك و أعطاه عشرة آلاف درهم. و دار ابن تبع نسبت إلى عبد الرحمن بن تبع الحميري‏

344

و كان على قطائع زياد، و كان دمون من أهل الطائف، فتزوج أبو موسى ابنته فولدت له أبا بردة، و لدمون خطة بالبصرة و له يقول أهل البصرة: الرفاء و البنون، و خبز و كمون، فى بيت الدمون.

و قال القحذمى و غيره: كان أول حمام اتخذ بالبصرة حمام عبد اللّه بن عثمان ابن أبى العاصي الثقفي، و هو موضع بستان سفيان بن معاوية الذي بالخريبة و عند قصر عيسى بن جعفر، ثم الثاني حمام فيل مولى زياد، ثم الثالث حمام مسلم ابن أبى بكرة فى بلالاباذ، و هو الذي صار لعمرو بن مسلم الباهلي، فمكثت البصرة دهرا و ليس بها إلا هذه الحمامات.

و حدثني المدائني قال، قال أبو بكرة لابنه مسلم: يا بنى و اللّه ما تلي عملا و ما أراك تقصر عن إخوتك فى المنفعة، فقال: إن كتمت على أخبرتك، قال فإنى أفعل، قال: فإنى أغتل من حمامي هذا فى كل يوم ألف درهم و طعاما كثيرا، ثم أن مسلما مرض فأوصى إلى أخيه عبد الرحمن بن أبى بكرة و أخبره بغلة حمامه، فأفشى ذلك و استأذن السلطان فى بناء حمام، و كانت الحمامات لا نبنى بالبصرة إلا بإذن الولاة فأذن له، فاستأذن عبيد اللّه بن أبى بكرة فأذن له، و استأذن الحكم ابن أبى العاصي فأذن له، و استأذن سياه الأسوارى فأذن له، و استأذن الحصين ابن أبى الحر العنبري فأذن له و استأذنت ربطة بنت زياد فأذن لها، و استأذنت لبابة بنت أوفى الجرشى فأذن لها فى حمامين أحدهما فى أصحاب البقاء، و الآخر فى بنى سعد، و استأذن المنجاب بن راشد الضبي فأذن له. و أفاق مسلم بن أبى بكرة من مرضه و قد فسدت عليه غلة حمامه فجعل يلعن عبد الرحمن و يقول ماقطع اللّه رحمه.

قالوا: و كان فيل حاجب زياد و مولاه ركب معه أبو الأسود الدؤلي و أنس بن زنيم. و كان على برذون هملاج و هما على فرسي سوء قطوفين

345

فأدركهما الحسد، فقال أنس: أجزيا أبا الأسود قال: هات، فقال:

لعمر أبيك ما حمام كسرى # على الثلثين من حمام فيل‏

فقال أبو الأسود:

و ما إرقاصنا حول الموالي # بسنتنا على عهد الرسول‏

و قال أبو مفرغ لطلحة الطلحات و هو طلحة بن عبد اللّه بن خلف:

تمنيني طليحة ألف ألف # لقد منيتنى أملا بعيدا

فلست لماجد حر و لكن # لسمراء التي تلد العبيدا

و لو أدخلت فى حمام فيل # و ألبست المطارف و البرودا

و قال بعضهم و قد حصرته الوفاة:

يا رب قائلة يوما و قد لغبت # كيف الطريق إلى حمام منجاب‏

يعنى حمام المنجاب بن راشد الضبي و قال عباس مولى بنى أسامة:

ذكرت البند فى حمام عمرو # فلم أبرح إلى بعد العشاء

و حمام بلج نسب إلى بلج بن نشبة السعدي الذي يقول له زياد:

و محترس من مثله و هو حارس‏

و قال هشام بن الكلبي قصر أوس بالبصرة نسب إلى أوس بن ثعلبة بن رقى أحد بنى تيم اللّه بن ثعلبة بن عكابة و هو من وجوه من كان بخراسان و قد تقلد بها أمورا جسيمة و هو الذي مر بتدمر فقال فى صنميها:

فتأتى أهل تدمر حين آنى # ألما تسأما طول القيام

فكائن مر من دهر و دهر # لأهلكما و عام بعد عام‏

و قصر أنس نسب إلى أنس بن مالك الأنصارى خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال: و الذي بنى منارة بنى أسيد حسان بن سعد منهم، و القصر الأحمر لعمرو بن عتبة بن أبى سفيان و هو اليوم لآل عمر بن‏

346

حفص بن قبيصة بن أبى صفرة، و قصر المسيرين كان لعبد الرحمن بن زياد، و كان الحجاج سير عيال من خرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي إليه فحبسهم فيه، و هو قصر فى جوف قصر و يتلوه قصر عبيد اللّه بن زياد و إلى جانبه جوسق.

قال القحذمى: و قصر النواهق هو قصر زياد سماه الشطار بذلك، و قصر النعمان كان للنعمان بن صهبان‏الراسبي الذي حكم بين مضر و ربيعة أيام مات يزيد بن معاوية، قال: و زاد عبيد اللّه بن زياد للنعمان بن صهبان فى قصره هذا فقال: بئس المال هذا يا أبا حاتم إن كثر الماء غرقت، و إن قل عطشت فكان كما قال: قل الماء فمات كل من ثم، و قصر زربي نسب إلى زربي مولى عبد اللّه بن عامر، و كان قيما على خيله فكانت الدار لدوابه. و قصر عطية نسب إلى عطية الأنصارى، و مسجد بنى عباد نسب إلى بنى عباد بن رضاء بن شقرة بن الحارث بن تميم بن مر، و كانت دار عبد اللّه بن خازم السلمى لعمته دجاجة أم عبد اللّه بن عامر فأقطعته إياها و هو عبد اللّه بن خازم بن أسماء بن الصلت و هي دجاجة بنت أسماء.

و حدثني المدائني عن أبى بكر الهذلي و العباس بن هشام عن أبيه عن عوانة، قالا: قدم الأحنف بن قيس على عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فى أهل البصرة فجعل يسألهم رجلا رجلا و الأحنف فى ناحية البيت فى بت لا يتكلم فقال له عمر: أمالك حاجة؟قال: بلى يا أمير المؤمنين، أن مفاتح الخير بيد اللّه و إن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة و الجنان الملتفة، و إنا نزلنا سبخة بشاشة لا يجف نداها و لا ينبت مرعاها، ناحيتها قبل المشرق البحر الأجاج، و من قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع و لا ضرع تأتينا منافعنا و ميرتنا فى مثل مري‏ء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماءمن فرسخين، و تخرج المرأة

347

لذلك فتربق ولدها كما يربق العنز يخاف بادرة العدو و أكل السبع، فالا ترفع خسيستنا، و تجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا، فألحق عمر ذراري أهل البصرة فى العطاء، و كتب إلى أبى موسى يأمره أن يحفر لهم نهوا.

فحدثني جماعة من أهل العلم، قالوا: كان لدجلة العوراء و هي دجلة البصرة خور، و الخور طريق للماء لم يحفره أحد يجرى فيه ماء الأمطار إليها و يتراجع ماؤها فيه عند المد و ينضب فى الجزر، و كان طوله قدر فرسخ، و كان لحده مما يلي البصرة غورة واسعة تسمى فى الجاهلية الأجانة و سمته العرب فى الإسلام الجزارة و هو على مقدار ثلاثة فراسخ من البصرة بالذرع الذي يكون به نهر الأبلة كله أربعة فراسخ و منه يبتدئ النهر الذي يعرف اليوم بنهر الآجانة فلما أمر عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أبا موسى الأشعرى أن يحتفر لأهل البصرة نهرا ابتدأ الحفر من الأجانة و قادة ثلاثة فراسخ حتى بلغ به البصرة فصار طول نهر الأبلة أربعة فراسخ. ثم إنه أنطم منه ما بين البصرة و بثق الحيرى و ذلك على قدر فرسخ من البصرة.

و كان زياد بن أبى سفيان واليا على الديوان و بيت المال من قبل عبد اللّه ابن عامر بن كريز، و عبد اللّه يومئذ على البصرة من قبل عثمان بن عفان، فأشار على بن عامر أن ينفذ حفر نهر الأبلة من حيث انطم حتى يبلغ به البصرة، و كان يربث ذلك و يدافع به.

فلما شخص بن عامر إلى خراسان و استخلف زيادا أقر حفر أبى موسى الأشعرى على حاله و حفر النهر من حيث أنطم حتى بلغ به البصرة، و ولى ذلك عبد الرحمن بن أبى بكرة، فلما فتح عبد الرحمن الماء جعل يركض فرسه و الماء يكاد يسقيه، و قدم ابن عامر من خراسان فغضب على زياد، و قال: إنما أردت أن تذهب بذكر النهر دوني فتباعد ما بينهما حتى ماتا

348

و تباعد بسببه ما بين أولادهما، فقال يونس بن حبيب النحوي: أنا أدركت ما بين آل زياد و آل ابن عامر متباعدا.

و حدثني الأثرم عن أبى عبيدة، قال: قاد أبو موسى الأشعرى نهر الابلة من موضع الأجانة إلى البصرة، و كان شرب الناس قبل ذلك من مكان يقال له دير قاووس فوهته فى دجلة فوق الأبلة بأربعة فراسخ يجرى فى سباخ لا عمارة على حافاته، و كانت الأرواح تدفنه، قال: و لما حفر زياد فيض البصرة بعد فراغه من إصلاح نهر الأبلة قدم ابن عامر من خراسان فلامه، و قال: أردت أن تذهب بشهرة هذا النهر و ذكره، فتباعد ما بينهما و بين أهلهما بذلك السبب، و قال أبو عبيدة: كان احتفاره الفيض من لدن دار فيل مولى زياد و حاجبه إلى موضع الجسر.

و روى محمد بن سعد عن الواقدي و غيره أن عمر بن الخطاب أمر أبا موسى بحفر النهر الآخر و أن يجريه على يد معقل بن يسار المزني فنسب إليه، و قال الواقدي توفى معقل بالبصرة فى ولاية عبيد اللّه بن زياد البصرة لمعاوية، و قال الوليد بن هشام القحذمى، و على بن محمد بن أبى سيف المدائني. كلم المنذر بن الجارود العبدى معاوية بن أبى سفيان فى حفر نهر ثار، فكتب إلى زياد فحفر نهر معقل، فقال قوم: جرى على يد معقل بن يسار فنسب إليه، و قال آخرون: بل أجراه زياد على يد عبد الرحمن بن أبى بكرة أو غيره، فلما فرغ منه و أرادوا فتحه بعث زياد معقل بن يسار ففتحه تبركا به لأنه من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال الناس: نهر معقل، فذكر القحذمى أن زيادا أعطى رجلا ألف درهم، و قال له: أبلغ دجلة و سل عن صاحب هذا النهر من هو، فإن قال لك رجل:

إنه نهر زياد فأعطه الألف، فبلغ دجلة ثم رجع فقال: ما لقيت أحدا إلا يقول: هو نهر معقل، فقال زياد: «ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ»

349

قالوا: و نهر دبيس نسب إلى رجل فصار يقال له دبيس كان يقصر الثياب عليه، و بثق الحيرى نسب إلى نبطي من أهل الحيرة، و يقال كان مولى لزياد، قالوا: و كان زياد لما بلغ بنهر معقل قبته التي يعرض فيها الجند رده إلى مستقبل الجنوب حتى أخرجه إلى أصحاب الصدقة بالجبل فسمى ذلك العطف نهر دبيس، و حفر عبد اللّه بن عامر نهره الذي عند دار فيل، و هو الذي يعرف بنهر الأساورة، و قال بعضهم: الأساورة حفروه، و نهر عمرو:

نسب إلى عمرو بن عتبة بن أبى سفيان، و نهر أم حبيب نسب إلى أم حبيب بنت زياد. و كان عليه قصر كثير الأبواب‏فسمى الهزاردر، و قال على بن محمد المدائني: تزوج شيرويه الأسوارى مرجانة أم عبيد اللّه بن زياد فبنى لها قصرا فيه أبواب كثيرة فسمى هزاردر.

و قال أبو الحسن قال قوم: سمى هزاردر لأن شيرويه اتخذ فى قصره ألف باب، و قال بعضهم: نزل ذلك الموضع ألف أسوار فى ألف بيت أنزلهم كسرى فقيل هزاردر، و نسب نهر حرب إلى حرب بن سلم بن زياد و كان عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عامر أدعى أن الأرض التي كانت عليه كانت لابن عامر و خاصم فيها حربا، فلما توجه القضاء لعبد الأعلى أتاه حرب فقال له: خاصمتك فى هذا النهر و قد ندمت على ذلك و أنت شيخ العشيرة و سيدها فهو لك، فقال عبد الأعلى بن عبد اللّه: بل هو لك فانصرف حرب فلما كان العشى جاء موالي عبد الأعلى و نصحاؤه فقالوا: و اللّه ما أتاك حرب حتى توجه لك القضاء عليه، فقال: و اللّه لا رجعت فيما جعلت له أبدا، و النهر المعروف بيزيدان: نسب إلى يزيد بن عمر الأسيدى صاحب شرطة عدى بن أرطاة، و كان رجل أهل البصرة فى زمانه.

و قالوا: أقطع عبد اللّه بن عامر بن كريز عبد اللّه بن عمير بن عمرو بن مالك الليثي و هو أخوه لأمه دجاجة بنت أسماء بن الصلت السلمية ثمانية

350

آلاف جريب فحفر لها النهر الذي يعرف بنهر ابن عميرة، قالوا: و كان عبد اللّه بن عامر حفر نهر أم عبد اللّه دجاجة و يتولاه غيلان بن خرشة الضبي و هو النهر الذي‏قال حارثة بن بدر الغدانى لعبد اللّه بن عامر و قد سايره لم أر أعظم بركة من هذا النهر يستقى منه الضعفاء من أبواب دورهم و يأتيهم منافعهم فيه إلى منازلهم، و هو مغيض لمياههم، ثم أنه ساير زيادا بعد ذلك فى ولايته فقال ما رأيت نهرا شرا منه ينز منه دورهم و ببغضون له فى منازلهم و يغرق فيه صبيانهم.

و روى قوم أن غيلان بن خرشة القائل هذا: و الأول أثبت، و نهر سلم نسب إلى سلم بن زياد أبى سفيان، و كان عبد اللّه بن عامر حفر نهرا تولاه نافذ مولاه فغلب عليه فقيل نهر نافذ، و هو لآل الفضل بن عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، قال أبو اليقظان: أقطع عثمان بن عفان العباس بن ربيعة بن الحارث دارا بالبصرة و أعطاه مائة ألف درهم، و كان عبد الرحمن بن عباس يلقب رائض البغال لجودة ركوبه لها و تابعه الناس بعد هرب ابن الأشعث إلى سجستان فهرب من الحجاج، و طلحتان نهر طلحة ابن أبى نافع مولى طلحة بن عبيد اللّه، و نهر حميدة نسب إلى امرأة من آل عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس يقال حميد و هي امرأة عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر، و خيرتان لخيرة بنت ضمرة القشيرية امرأة المهلب و لها مهلبان كان المهلب وهبه لها، و يقال: بل كان لها فنسب إلى المهلب و هي أم أبى عيينة ابنه، و جبيران لجبير بن حية، و خلفان قطيعة عبد اللّه بن خلف الخزاعي أبى طلحة الطلحات، طليقان لآل عمران بن حصين الخزاعي‏من ولد خالد بن طليق بن محمد بن عمران و كان خالد ولى قضاء البصرة.

و قال القحذمى نهرمرة لابن عامر ولى حفره له مرة مولى أبى بكر الصديق فغلب على ذكره، و قال أبو اليقظان و غيره: نسب نهر مرة إلى مرة

351

ابن أبى عثمان مولى عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، و كان سريا سأل عائشة أم المؤمنين أن تكتب له إلى زياد و تبدأ به فى عنوان كتابها فكتبت له إليه بالوصاية به و عنونته: إلى زياد بن أبى سفيان من عائشة أم المؤمنين، فلما رأى زياد أنها قد كاتبته و نسبته إلى أبى سفيان سر بذلك و أكرم مرة و ألطفه، و قال للناس: هذا كتاب أم المؤمنين إلى فيه‏و عرضه عليهم ليقرءوا عنوانه، ثم أقطعه مائة جريب على نهر الابلة و أمره فحفر لها نهرا فنسب إليه، و كان عثمان بن مرة من سراة أهل البصرة و قد خرجت القطيعة من أيدى ولده و صارت لآل الصفاق بن حجر بن بجير العقوى من الأزد.

قالوا: و درجاه جنك من أموال ثقيف، و إنما قيل له ذلك لمنازعات كانت فيه، و جنك بالفارسية صخب إنسان: نسب إلى أنس بن مالك فى قطيعة من زياد. نهر بشار نسب إلى بشار بن مسلم بن عمرو الباهلي أخى قتيبة، و كان أهدى إلى الحجاج فرسا فسبق عليه فأقطعه سبعمائة جريب و يقال أربعمائة جريب فحفر لها النهر، و نهر فيروز نسب إلى فيروز حصين، و يقال إلى باشكار كان يقال له فيروز، و قال القحذمى: نسب إلى فيروز مولى ربيعة بن كلدة الثقفي، و نهر العلاء نسب إلى العلاء بن شريك الهذلي أهدى إلى عبد الملك شيئا أعجبه فأقطعه مائة جريب، و نهر ذراع نسب إلى ذراع النمري من ربيعة و هو أبو هارون بن ذراع، و نهر حبيب نسب إلى حبيب ابن شهاب الشامي التاجر فى قطيعة من زياد و يقال من عثمان، و نهر أبى بكرة نسب إلى أبى بكرة بن زياد.

و حدثني العقوى الدلال قال: كانت الجزيرة بين النهرين سبخة فاقطعها معاوية بعض بنى أخوته، فلما قدم الفتى لينظر إليها أمر زياد بالماء فأرسل فيها فقال الفتى: إنما أقطعنى أمير المؤمنين بطيحة لا حاجة لى فيها فابتاعها زياد منه‏

352

بمائتي ألف درهم‏و حفر أنهارها و أقطع منها روادان لرواد بن أبى بكرة، و نهر الراء صيدت فيه سمكة تسمى الراء فسمى بها و عليه أرض حمران الذي أقطعه إياها معاوية، نهر مكحول نسب إلى مكحول بن عبيد اللّه الأحمسى و هو ابن عم شيبان صاحب مقبرة شيبان بن عبد اللّه الذي كان على شرطة ابن زياد، و كان مكحول يقول الشعر فى الخيل فكانت قطيعة من عبد الملك بن مروان، و قال القحذمى نهر مكحول نسب إلى مكحول بن عبد اللّه السعدي.

و قال القحذمى شط عثمان اشتراه عثمان بن أبى العاصي الثقفي من عثمان ابن عفان بمال له بالطائف، و يقال أنه اشتراه بدار له بالمدينة فزادها عثمان ابن عفان فى المسجد و أقطع عثمان بن أبى العاصي أخاه حفص بن أبى العاصي حفصان، و أقطع أبا أمية بن أبى العاصي أخاه أميتان، و أقطع الحكم بن أبى العاصي حكما، و أقطع أخاه المغيرة مغيرتان، قال: فكان نهر الأرحاء لأبى عمرو بن أبى العاصي الثقفي.

و قال المدائني: أقطع زياد فى الشط الجموم و هي زيادان، و قال لعبد اللّه ابن عثمان أنى لا أنفذ إلا ما عمرتم، و كان يقطع الرجل القطيعة و يدعه سنتين فإن عمرها و إلا أخذها منه، فكانت الجموم لأبى بكرة ثم صارت لعبد الرحمن ابن أبى بكرة، أزرقان نسب إلى الأزرق بن مسلم مولى بنى حنيفة، و نسب محمدان إلى محمد بن على بن عثمان الحنفي، زيادان نسب إلى زياد مولى بنى الهيثم، و هو جد مؤنس بن عمران بن جميع بن يسار وجد عيسى بن عمر النحوي و حاجب بن عمر لأمهما، و نهر أبى الخصيب نسب إلى أبى الخصيب مرزوق مولى المنصور أمير المؤمنين، و نهر الأمير بالبصرة حفره المنصور ثم وهبه لابنه جعفر فكان يقال نهر أمير المؤمنين، ثم قيل نهر الأمير ثم ابتاعه الرشيد، و أقطع منه و باع و نهر ربا للرشيد نسب إلى سورجى و القرشي كان عبيد اللّه بن عبد الأعلى الكريزي و عبيد اللّه بن عمر بن الحكم‏

353

الثقفي اختصما فيه ثم اصطلحا على أن أخذ كل واحد منهما نصفه فقيل القرشي و العربي، و القندل خور من أخوار دجلة سده سليمان بن على و عليه قطيعة المنذر بن الزبير بن العوام و فيه نهر النعمان بن المنذر صاحب أقطعه أيام كسرى و كان هناك قصر للنعمان، و نهر مقاتل نسب إلى مقاتل ابن جارية بن قدامة السعدي، و عميران نسب إلى عبد اللّه بن عمير الليثي، و سيحان كان للبرامكة و هم سموه سيحان، و الجوبرة صيد فيها الجوبرة فسميت بذلك، حصينان لحصين بن أبى الحر العنبري، عبيد لان لعبيد اللّه بن أبى بكرة، عبيدان لعبيد بن كعب النميري، منقذان لمنقذ بن علاج السلمى، عبد الرحمانان كان لأبى بكرة بن زياد فاشتراه أبو عبد الرحمن مولى هشام، و نافعان لنافع بن الحارث الثقفي، و أسلمان لأسلم بن زرعة الكلابي، و حمرانان لحمران بن أبان مولى عثمان، و قتيبتان لقتيبة بن مسلم، و خشخشان لآل الخشخاش العنبري.

و قال القحذمى: نهر البنات بنات زياد أقطع‏كل بنت ستين جريبا و كذلك كان يقطع العامة، و قال: أمر زياد عبد الرحمن بن تبع الحميري، و كان على قطائعه أن يقطع نافع بن الحارث الثقفي ما مشى فمشى فانقطع شسعه فجلس، فقال حسبك، فقال: لو علمت لمشيت إلى الابلة فقال:

دعني حتى أرمى بنعلي فرمى بها حتى بلغت الاجانة، سعيدان لآل سعيد بن عبد الرحمن بن عباد بن أسيد و كانت سليمانان قطيعة لعبيد بن قسيط صاحب الطوف أيام الحجاج فرابط بها رجل من الزهاد يقال له سليمان بن جابر فنسبت إليه، و عمران لعمر بن عبيد اللّه بن معمر التيمي، و فيلان لفيل مولى زياد، و خالدان نسب إلى خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية، نهر يزيد الإباضي و هو يزيد بن عبد اللّه الحميري، المسمارية قطيعة مسمار مولى زياد و له بالكوفة ضيعة، قال القحذمى و كان‏

354

بلال بن أبى بردة الذي فتق نهر معقل فى فيض البصرة، و كان قبل ذلك مكسورا يفيض إلى القبة التي كان زياد يعرض فيها الجند و احتفر بلال نهر بلال و جعل على جنبتيه حوانت و نقل إليها السوق و جعل ذلك ليزيد بن خالد القسري، قالوا: و حفر بشير بن عبيد اللّه بن أبى بكرة المرغاب و سماه باسم مرغاب مرو، و كانت القطيعة التي فيها المرغاب لهلال بن أحوز المازني أقطعه إياها يزيد بن عبد الملك و هي ثمانية آلاف جريب فحفر بشير المرغاب و السواقى و المعترضات بالتغلب و قال هذه قطيعة لى‏و خاصمه حميرى بن هلال فكتب خالد بن عبد اللّه القسري إلى مالك بن المنذر بن الجارود و هو على أحداث البصرة أن خل بين الحميري و بين المرغاب و أرضه، و ذلك أن بشيرا أشخص إلى خالد فتظلم فقبل قوله، و كان عمرو بن يزيد الأسيدى يعنى بحميرى و يعينه فقال لمالك بن المنذر أصلحك اللّه ليس هذا خل إنما هو حل بين حميرى و بين المرغاب، قال: و كانت لصعصعة بن معاوية عم الأحنف قطيعة بحيال المرغاب و إلى جنبها فجاء معاوية بن معاوية معينا لحميرى، فقال بشير هذا مسرح إبلنا و بقرنا و حميرنا و دوابنا و غنمنا فقال معاوية: أمن أجل تلط بقرة عقفاء و اتان وديق تريد أن تغلبنا على حقنا، و جاء عبد اللّه بن أبى عثمان بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فقال:

أرضنا و قطيعتنا فقال له معاوية أسمعت بالذي تخطى النار فدخل اللهب فى استه فأنت هو، قالوا: و كانت سويدان لعبيد اللّه بن أبى بكرة قطيعة مبلغها أربعمائة جريب فوهبها لسويد بن منجوف السدوسي، و ذلك أن سويدا مرض و عاده ابن أبى بكرة فقال له كيف تجدك، قال صالحا إن شئت قال:

قد شئت فما ذاك، قال: إن أعطيتنى مثل الذي أعطيت ابن معمر فليس على بأس فأعطاه سويدان فنسبت إليه.

قال المدائني: حفر يزيد بن المهلب نهر يزيد فى قطيعة لعبيد اللّه بن أبى