فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
355

بكرة، فقال لبشير بن عبيد اللّه اكتب لى كتابا بأن هذا النهر فى حقي، قال:

لا و لئن عزلت لأخاصمنك، جبران لآل كلثوم بن جبر نهر ابن أبى برذعة نسب إلى أبى برذعة بن عبيد اللّه بن أبى بكرة، و المسرقانان قطيعة لآل أبى بكرة و أصلها مائة جريب فمسحها مساح المنصور ألف جريب فأقروا فى أيدى آل أبى بكرة منها مائة و قبضوا الباقي، قطيعة هميان لهميان بن عدى السدوسي، كثيران لكثير بن سيار، بلالان لبلال بن أبى بردة كانت القطيعة لعباد بن زياد فاشتراها، شبلان لشبل بن عميرة بن يثربى الضبي، نهر سلم نسب إلى سلم بن عبيد اللّه بن أبى بكرة، النهر الرباحي نسب إلى رباح مولى آل جدعان، سبخة عائشة إلى عائشة بنت عبد اللّه بن خلف الخزاعي، قالوا: و احتفر كثير بن عبد اللّه السلمى و هو أبو العاج عامل يوسف بن عمر الثقفي على البصرة نهرا من نهر ابن عتبة إلى الخستل فنسب إليه، نهر أبى شداد نسب إلى أبى شداد مولى زياد، بثق سيار لفيل مولى زياد و لكن القيم عليه كان سيار مولى بنى عقيل فغلب عليه أرض الأصبهانيين شرا من بعض العرب، و كان هؤلاء الأصبهانيون قوما أسلموا و هاجروا إلى البصرة، و يقال أنهم كانوا مع الأساورة الذين صاروا بالبصرة، و دار ابن الأصبهانى بالبصرة نسبت إلى عبد اللّه بن الأصبهانى و كان له أربعمائة مملوك لقى المختار مع مصعب و هو على ميمنته.

حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن بعض آل الأهتم، قال: كتب يزيد ابن عبد الملك إلى عمر بن هبيرة أنه ليست لأمير المؤمنين بأرض العرب خرصة فسر على القطائع فخذ فضولها لأمير المؤمنين فجعل عمر يأتى القطيعة فيسأل عنها ثم يمسحها حتى وقف على أرض، فقال: لمن هذه فقال صاحبها لى فقال و من أين هي لك فقال:

و رثناهن عن أباء صدق # و يورثها إذا متنا بنينا

356

قال: ثم أن الناس ضجوا من ذلك فأمسك، قالوا: صلتان نسب إلى الصلت بن حريث الحنفي، و قاسمان قطيعة القاسم بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ورثه إياها أخوه عون، و نهر خالدان الأجمة لآل خالد بن أسيد و آل أبى بكرة و نهر ماسوران كان فيه رجل شرير يسعى بالناس و يبحث عليهم فنسب النهر إليه، و الماسور بالفارسية الجرير الشرير، جبيران أيضا، قطيعة جبير بن أبى زيد من بنى عبد الدار، معقلان قطيعة معقل بن يسار من زياد، و ولده يقولون: من عمرو لم يقطع عمر أحدا على النهرين، جندلان لعبيد اللّه بن جندل الهلالي، نهر التوت قطيعة عبد اللّه ابن نافع بن الحارث الثقفي و قال القحذمى: كان نهر سليمان بن على لحسان ابن أبى حسان النبطي، و النهر الغوثي كان عليه صاحب مسلحة يقال له غوث فنسب إليه، و قال بعضهم جعل مغيثا للمرغاب فسمى الغوث ذات الحفافين على نهر معقل، و دجلة كانت لعبد الرحمن بن أبى بكرة فاشتراها عربي التمار مولى أمة اللّه بنت أبى بكرة، نهر أبى سبرة الهذلي، قطيعة حريانان قطيعة حرب بن عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاصي، قطيعة الحباب للحباب بن يزيد المجاشعي، نهر جعفر كان لجعفر مولى سلم ابن زياد، و كان خراجيا، بثق شيرين نسب إلى شيرين امرأة كسرى ابن هرمز.

و قال القحذمى و المدائني: كانت مهلبان التي تعرف فى الديوان بقطيعة عمر بن هبيرة لعمر بن هبيرة أقطعه إياها يزيد بن عبد الملك حين قبض مال يزيد بن المهلب و أخوته و ولده و كانت للمغيرة بن المهلب و فيها نهر كان زادان فروخ حفره فعرف به و هي اليوم لآل سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب رفع إلى أبى العباس أمير المؤمنين فيها فأقطعه إياها فخاصمه آل المهلب فى أمرها فقال: كانت المغيرة فقالوا: نحن نجيز ذلك مات المغيرة بن المهلب قبل‏

357

أبيه فورثت ابنته النصف فلك ميراثك من أمك و رجع الباقي إلى أبيه فهو بين الورثة. قال: و للمغيرة ابن. قالوا: و مالك و لابن المغيرة؟أنت لا ترثه! إنما هو خالك فلم يعطهم شيئا و هي ألف و خمسمائة جريب.

كوسجان نسب إلى عبد اللّه بن عمرو الثقفي الكوسج. و قال المدائني:

كانت كوسجان لأبى بكرة فخاصمه أخوه نافع فخرجا إليها و كل واحد منهما يدعيها و خرج إليها عبد اللّه بن عمرو الكوسج فقال لهما: أراكما تختصمان فحكمانى فحكماه. فقال: قد حكمت بها لنفسي فسلماها له. قال: و يقال أنه لم يكن للوسج شرب فقال لأبى بكرة و نافع: اجعلا لي شربا بقدر وثبة فأجاباه إلى ذلك فيقال أنه وثب ثلاثين ذراعا.

قالوا: و بالفرات أرضون أسلم أهلها عليها حين دخلها المسلمون و أرضون خرجت من أيدى أهلها إلى قوم مسلمين بهبات و غير ذلك من أسباب الملك فصيرت عشرية و كانت خراجية فردها الحجاج إلى الخراج. ثم ردها عمر بن عبد العزيز إلى الصدقة. ثم ردها عمر بن هبيرة إلى الخراج. فلما ولى هشام بن عبد الملك رد بعضها إلى الصدقة. ثم أن المهدى أمير المؤمنين جعلها كلها من أراضى الصدقة. و قال جعفر: إن كان لأم جعفر بنت مجزاة بن ثور السدوسي امرأة أسلم صاحب أسلمان.

قال القحذمى: حدثني أرقم بن ابراهيم أنه نظر إلى حسان النبطي يشير من الجسر، و معه عبد الأعلى بن عبد اللّه‏بحوز كل شي‏ء من حد نهر الفيض لولد هشام بن عبد الملك، فلما بلغ دار عبد الأعلى رفع الذرع. فلما كانت الدولة المباركة قبض ذلك أجمع فوقف أبو جعفر الجبان فيما وقف على أهل المدينة و أقطع المهدى العباسة ابنته امرأة محمد بن سليمان الشرقي عبادان قطيعة لحمران بن أبان مولى عثمان من عبد الملك بن مروان و بعضها فيما يقال من زياد

358

و كان حمران من سبى عين التمر يدعى أنه من التمر بن قاسط فقال الحجاج ذات يوم و عنده عباد بن حصين الحبطى: ما يقول حمران لئن انتمى إلى العرب و لم يقل أن أباه أبى و أنه مولى لعثمان لأضربن عنقه، فخوج عباد من عند الحجاج مبادرا فأخبر حمران بقوله، فوهب له غربي النهر و حبس الشرقي فنسب إلى عباد بن الحصين، و قال: هشام بن الكلبي: كان أول من رابط بعبادان عباد بن الحصين، قال: و كان الربيع بن صبح الفقيه و هو مولى بنى سعد جمع مالا من أهل البصرة فحصن به عبادان و رابط فيها، و الربيع يروى عن الحسن البصري، و كان خرج غازيا إلى الهند فى البحر فمات فدفن فى جزيرة من الجزائر فى سنة ستين و مائة.

قال القحذمى: خالدان القصر، و خالدان هبساء كانا لخالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد، و خالدان ليزيد بن طلحة الحنفي و يكنى أبا خالد، قال: و نهر عدى كان خورا من نهر البصرة حتى فتقه عدى بن أرطاة الفزاري عامل عمر ابن عبد العزيزمن بثق شيرين، قال: و كان سليمان أقطع يزيد بن المهلب ما اعتمل من البطيحة فاعتمل الشرقي و الجبان و الخست و الريحية و مغيرتان و غيرها فصارت حوزا فقبضها يزيد بن عبد الملك ثم أقطعها هشام ولده ثم حيزت بعده.

قال القحذمى: و كان الحجاج أقطع خيرة بنت ضمرة القشيرية امرأة المهلب عباسان فقبضها يزيد بن عبد الملك فأقطعها العباس بن الوليد بن عبد الملك، ثم قبضت فأقطعها أبو العباس أمير المؤمنين سليمان بن على، قال:

و كانت القاسمية مما نضب عنه الماء فافتعل القاسم بن سليمان مولى زياد كتابا ادعى أنه من يزيد بن معاوية باقطاعه إياها، الخالية لخالد بن صفوان بن الأهتم كانت للقاسم بن سليمان المالكية لمالك بن المنذر بن الجارود، الحاتمية لحاتم بن قبيصة بن المهلب.

359

حدثني جماعة من أهل البصرة. قالوا: كتب عدى بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز و أمر أهل البصرة أن يكتبوا فى حفر نهر لهم فكتب إليه وكيع ابن أبى سود التميمي. أنك إن لم تحفر لنا نهرا فما البصرة لنا بدار، و يقال:

أن عديا التمس فى ذلك الإضرار ببهز بن يزيد بن المهلب فنفعه. قالوا فكتب عمر يأذن له فى حفر نهر فحفر نهر عدى و خرج الناس ينظرون إليه فحمل عدى الحسن البصري على حمار كان عليه و جعل يمشى.

قالوا: و لما قدم عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز عاملا على العراق من قبل يزيد بن الوليد أتاه أهل البصرة فشكوا إليه ملوحة مائهم. و حملوا إليه قارورتين فى أحدهما ماء البصرة و فى الأخرى ماء من ماء البطيحة فرأى بينهما فصلا فقالوا: أنك إن حفرت لنا نهرا شربنا من هذا العذب. فكتب بذلك إلى يزيد فكتب إليه يزيد أن بلغت نفقة هذا النهر خراج العراق ما كان فى أيدينا فأنفقه عليه. فحفر النهر الذي يعرف بنهر عمرو. قال رجل ذات يوم فى مجلس بن عمرو اللّه أنى أحسب نفقة هذا النهر تبلغ ثلاثمائة ألف أو أكثر فقال ابن عمر. لو بلغت خراج العراق لأنفقته عليه.

قالوا. و كانت الولاة و الأشراف بالبصرة يستعذبون الماء من دجلة و يحتفرون الصهاريج. و كان للحجاج بها صهريج معروف يجتمع فيه ماء المطر و كان لابن عامر و زياد و ابن زياد صهاريج يبيحونها الناس.

قالوا: و بنى المنصور رحمه اللّه بالبصرة فى دخلته الأولى قصره الذي عند الحبس الأكبر و ذلك فى سنة اثنتين و أربعين و مائة و بنى فى رحلته الثانية المصلى بالبصرة و قال القحذمى: الحبس الأكبر إسلامي، قالوا: و وقف محمد بن سليمان بن على ضيعة له على أحواض اتخذها بالبصرة فغلتها تنفق على دواليبها و إبلها و مصلحتها.

360

و حدثني روح بن عبد المؤمن عن عمه أبى هشام عن أبيه، قال: وفد أهل البصرة على ابن عمر بن عبد العزيز بواسط فسألوه حفر نهر لهم فحفر لهم نهر ابن عمر، و كان الماء الذي يأتى نزرا قليلا، و كان عظم ماء البطيحة يذهب فى نهر الدير، فكان الناس يستعذبون من الابلة حتى قدم سليمان بن على البصرة و اتخذ المغيثة و عمل مسنياتها على البطيحة فحجز الماء عن نهر الدبر و صرفه إلى نهر ابن عمرو أنفق على المغيثة ألف ألف درهم، فقال: شكا أهل البصرة إلى سليمان ملوحة الماء و كثره ما يأتيهم من ماء البحر فسكر القندل فعذب ماؤهم قال: و اشترى سليمان بن على موضع السجن من ماله فى دار ابن زياد فجعله سجنا و حفر الحوض الذي فى الدهناء و هي رحبة بنى هاشم.

و حدثني بعض أهل العلم بضياع البصرة، قال: كان أهل الشعيبية من الفرات جعلوها لعلى بن أمير المؤمنين الرشيد فى خلافة الرشيد على أن يكونوا مزارعين له فيها و يخفف مقاسمتهم فتكلم فيها فجعلت عشرية من الصدقة و قاسم أهلها على ما رضوا به و قام له بأمرها شعيب بن زياد الواسطي الذي لبعض ولده دار بواسط على دجلة فنسبت إليه.

و حدثني عدة من البصريين منهم روح بن عبد المؤمن، قالوا لما اتخذ سليمان بن على المغيثة أحب المنصور أن يستخرج ضيعة من البطيحة فأمر باتخاذ السبيطة فكره سليمان بن على و أهل البصرة ذلك، و اجتمع أهل البصرة إلى باب عبد اللّه بن على و هو يومئذ عند أخيه سليمان هاربا من المنصور فصاحوا يا أمير المؤمنين انزل إلينا نبايعك، فكفهم سليمان و فرقهم و أوفد إلى المنصور سوار بن عبد اللّه التميمي ثم العنزي و داود بن أبى هند مولى بنى بشير و سعيد بن أبى عروبة و اسم أبى عروبة بهران فقدموا عليه و معهم صورة البطيحة فأخبروه أنهم يتخوفون أن يملح ماءهم، فقال: ما أراه‏

361

كما ظننتم و أمر بالإمساك، ثم أنه قدم البصرة فأمر باستخراج السبيطية فاستخرجت له فكانت منها أجمة لرجل من الدهاقين يقال له سبيط، فحبس عنه الوكيل الذي قلد القيام بأمر الضيعة و استخراجها بعض ثمنها و ضربه فلم يزل على باب المنصور يطالب بما بقي له من ثمن أجمعته و يختلف فى ذلك إلى ديوانه حتى مات فنسبت الضيعة إليه بسبب أجمته فقيل السبيطية.

و قالوا قنطرة قرة بالبصرة نسبت إلى قرة بن حيان الباهلي، و كان عندها نهر قديم ثم اشترته أم عبد اللّه بن عامر فتصدقت به مغيضا لأهل البصرة و ابتاع عبد اللّه بن عامر السوق فتصدق به، قالوا و مر عبيد اللّه بن زياد يوم نعى يزيد بن معاوية على نهر أم عبد اللّه فإذا هو بنخل فأمر به فعقر، و هدم حمام حمران بن أبان و موضعه اليوم يعمل فيه الرباب.

قالوا: و مسجد الحامرة نسب إلى قوم قدموا اليمامة عجم من عمان ثم صاروا منها إلى البصرة على حمير فأقاموا بحضرة هذا المسجد، و قال بعضهم بنوه‏ثم جدد بعد.

و حدثني على الأثرم عن أبى عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كان قيس بن مسعود الشيبانى على الطف من قبل كسرى فهو اتخذ المنجشانية على ستة أميال من البصرة و جرت على يد عضروط يقال له منجشان فنسبت إليه، قال: و فوق ذلك روضة الخيل كانت مهارته ترعى فيها.

و قال ابن الكلبي: نسب الماء الذي يعرف بالحوأب إلى الحوأب بنت كلب بن وبرة، و كانت عند مر بن أد بن طابخة، و نسب حمى ضرية إلى ضرية بنت ربيعة بن نزار و هي أم حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، قالوا نسب حلوان إلى حلوان هذا.

362

أمر الأساورة الأساورة و الزُّطّ < نهر الزُّط الزط

حدثني جماعة من أهل العلم، قالوا: كان سياه الأسوارى على مقدمة يزدجرد، ثم أنه بعث به إلى الأهواز فنزل الكلبانية و أبو موسى الأشعرى محاصر السوس، فلما رأى ظهور الإسلام و عز أهله و أن السوس قد فتحت و الأمداد متتابعة إلى أبى موسى أرسل إليه: إنا قد أحببنا الدخول معكم فى دينكم على أن نقاتل عدوكم من العجم معكم و على أنه إن وقع بينكم اختلاف لم نقاتل بعضكم مع بعض، و على أنه ان قاتلنا العرب منعتمونا منهم و أعنتمونا عليهم، و على أن ننزل بحيث شئنا من البلدان‏و نكون فيمن شئنا منكم، و على أن نلحق بشرف العطاء و يعقد لنا بذلك الأمير الذي بعثكم، فقال أبو موسى بل لكم ما لنا و عليكم ما علينا، قالوا لا نرضى، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر، أن أعطهم جميع ما سألوا، فخرجوا حتى لحقوا بالمسلمين و شهدوا مع أبى موسى حصار تستر فلم يظهر منهم نكاية، فقال لسياه يا عون ما أنت و أصحابك كما كنا نظن، فقال له أخبرك أنه ليست بصائرنا كبصائركم و لا لنا فيكم حرم نخاف عليها و نقاتل، و إنما دخلنا فى هذا الدين فى بدء أمرنا تعوذا و ان كان اللّه قد رزق خيرا كثيرا، ثم فرض لهم فى شرف العطاء، فلما صاروا إلى البصرة سألوا أى الأحياء أقرب نسبا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقيل: بنو تميم و كانوا على أن يحالفوا الأزد فتركوهم و حالفوا بنى تميم، ثم خطت لهم خططهم فنزلوا و حفروا نهرهم و هو يعرف بنهر الأساورة، و يقال أن عبد اللّه بن عامر حفره.

و قال أبو الحسن المدائني: أراد شيرويه الأسوارى أن ينزل فى بكر بن وائل مع خالد بن معمر و بنى سدوس فأبى سياه ذلك فنزلوا فى بنى تميم و لم‏

363

يكن يومئذ الأزد بالبصرة و لا عبد شمس، قال فانضم إلى الأساورة السيابجة و كانوا قبل الإسلام بالسواحل و كذلك الزط و كانوا بالطفوف يتتبعون الكلأفلما اجتمعت الأساورة و الزط و السيابجة تنازعتهم بنو تميم فرغبوا فيهم فصارت الأساورة فى بنى سعد و الزط و السيابجة فى بنى حنظلة فأقاموا معهم يقاتلون المشركين و خرجوا مع ابن عامر إلى خراسان و لم يشهدوا معهم الجمل و صفين و لا شيئا من حروبهم حتى كان يوم مسعود، ثم شهدوا بعد يوم مسعود الربذة، و شهدوا أمر ابن الأشعث معه فأضربهم الحجاج فهدم دورهم و حط أعطياتهم و أجلى بعضهم، و قال: كان فى شرطكم أن لا تعينوا بعضنا على بعض.

و قد روى: أن الأساورة لما انحازوا إلى الكلبانية وجه أبو موسى إليهم الزبير بن زياد الحارثي فقاتلهم، ثم أنهم استأمنوا على أن يسلموا و يحاربوا العدو و يحالفوا من شاءوا و ينزلوا بحيث أحبوا، قالوا: و انحاز إلى هؤلاء الأساورة قوم من مقاتلة الفرس ممن لا أرض له فلحقوا بهم بعد أن وضعت الحرب أوزارها فى النواحي فصاروا معهم و دخلوا فى الإسلام.

و قال المدائني: لما توجه يزدجرد إلى أصبهان دعا سياه فوجه إلى إصطخر فى ثلاثمائة فيهم سبعون رجلا من عظمائهم و أمره أن ينتخب من أحب من أهل كل بلد و مقاتلته، ثم اتبعه يزدجرد، فلما صار بإصطخر وجهه إلى السوس و أبو موسى محاصر لها، و وجهه الهرمزان إلى تستر فنزل سياه الكلبانية، و بلغ أهل السوس أمر يزدجرد و هربه فسألوا أبا موسى الصلح فصالحهم فلم يزل سياه مقيما بالكلبانية حتى سار أبو موسى إلى تستر فتحول سياه فنزل بين رامهرمز و تستر حتى قدم عمارفجمع سياه الرؤساء الذين خرجوا معه من أصبهان، فقال: قد علمتم بما كنا نتحدث به من أن‏

364

هؤلاء القوم سيغلبون على هذه المملكة و يروا دوابهم فى إيوان إصطخر و أمرهم فى الظهور على ما ترون فانظروا لأنفسكم و ادخلوا فى دينهم فأجابوه إلى ذلك فوجه شيرويه فى عشرة إلى أبى موسى فأخذوا ميثاقا على ما وصفنا من الشرط و أسلموا.

و حدثني غير المدائني عن عوانة، قال: حالفت الأساورة الأزد ثم سألوا عن أقرب الحيين من الأزد و بنى تميم نسبا إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و الخلفاء و أقربهم مددا فقيل بنو تميم فحالفوهم و سيد بنى تميم يومئذ الأحنف بن قيس و قد شهد وقعة الربذة أيام ابن الزبير جماعة من الأساورة فقتلوا خلقا بعدتهم من النشاب و لم يخطئ لأحد منهم رمية، و أما السيابجة و الزط و الاندغار فإنهم كانوا فى جند الفرس ممن سبوه و فرضوا له من أهل السند و من كان سبيا من أولى الغزاة، فلما سمعوا بما كان من أمر الأساورة أسلموا و أتوا أبا موسى فأنزلهم البصرة كما أنزل الأساورة.

و حدثني روح بن عبد المؤمن، قال حدثني يعقوب بن الحضرمي عن سلام، قال: أتى الحجاج بخلق من زط السند و أصناف ممن بها من الأمم معهم أهلوهم و أولادهم و جواميسهم فأسكنهم بأسافل كسكر، قال روح: فغلبوا على البطيحة و تناسلوا بها، ثم أنه ضوى إليهم قوم من أباق العبيد و موالي باهله و خولة محمد بن سليمان بن على و غيرهم، فشجعوهم على قطع الطريق و مبارزة السلطان بالمعصية، و إنما كانت غايتهم قبل ذلك أن يسألوا الشي‏ء الطفيف و يصيبوا غرة من أهل السفينة فيتناولوا منها ما أمكنهم اختلاسه، و كان الناس فى بعض أيام المأمون قد تحاموا الاجتياز بهم و انقطع عن بغداد جميع ما كان يحمل إليها من البصرة فى السفن فلما استخلف المعتصم بالله تجرد لهم، و ولى محاربتهم رجلا من أهل خراسان يقال له عجيف بن عنبثة، و ضم إليه من

365

القواد و الجند خلقا و لم يمنعه شيئا طلبه من الأموال، فرتب بين البطائح و مدينة السلام خيلا مضمرة ملهوبة الأذناب، و كانت أخبار الزط تأتيه بمدينة السلام فى ساعات من النهار أو أول الليل و أمر عجيفا فسكر عنهم الماء بالمؤن العظام حتى أخذوا فلم يشذ منهم أحد و قدم بهم إلى مدينة السلام فى الزواريق فجعل بعضهم بخانقين و فرق سائرهم فى عين زربة و الثغور.

قالوا: و كانت جماعة السيابجة موكلين ببيت مال البصرة، يقال أنهم أربعون، و يقال أربعمائة، فلما قدم طلحة بن عبيد اللّه و الزبير بن العوام البصرة و عليها من قبل على بن أبى طالب عثمان بن حنيف الأنصارى أبوا أن يسلموا بيت المال إلى قدوم على رضى اللّه عنه فأتوهم فى السحر فقتلوهم و كان عبد اللّه بن الزبير المتولى لأمرهم فى جماعة تسرعوا إليهم معه، و كان على السيابجة يومئذ أبو سالمة الزطي، و كان رجلا صالحا، و قد كان معاوية نقل من الزط و السيابجة القدماء إلى سواحل الشام و انطاكية بشرا، و قد كان الوليد بن عبد الملك نقل قوما من الزط إلى انطاكية و ناحيتها.

قالوا: و كان عبيد اللّه بن زياد سبى خلقا من أهل بخارى و يقال بل نزلوا على حكمه، و يقال بل دعاهم إلى الأمان و الفريضة فنزلوا على ذلك و رغبوا فيه فأسكنهم البصرة، فلما بنى الحجاج مدينة واسط نقل كثيرا منهم إليها فمن نسلهم اليوم بها قوم منهم خالد الشاطر المعروف بابن مارقلى، قال و لاندغار من ناحية كرمان مما يلي سجستان‏.

366

فتح كور الأهواز كور الأهواز

قالوا: غزا المغيرة بن شعبة سوق الأهواز فى ولايته حين شخص عتبة بن غزوان من البصرة فى آخر سنة خمس عشرة و أول سنة ست عشرة فقاتله البيرواز دهقانها ثم صالحه على مال ثم أنه نكث، فغزاها أبو موسى الأشعرى حين ولاه عمر بن الخطاب البصرة بعد المغيرة، فافتتح سوق الأهواز عنوة و فتح نهرتيرى عنوة، و ولى ذلك بنفسه فى سنة سبع عشرة.

و قال أبو مخنف و الواقدي فى روايتهما: قدم أبو موسى البصرة فاستكتب زيادا، و اتبعه عمر بن الخطاب بعمران بن الحصين الخزاعي و صيره على تعليم الناس الفقه و القرآن، و خلافة أبى موسى إذا شخص عن البصرة، فسار أبو موسى إلى الأهواز، فلم يزل يفتح رستاقا رستاقا و نهرا نهرا، و الأعاجم تهرب من بين يديه فغلب على جمع أرضها إلا السوس، و تستر و مناذر، و رامهرمز.

و حدثني الوليد بن صالح، قال: حدثني مرحوم العطار عن أبيه عن شويس العدوى، قال: أتينا الأهواز و بها ناس من الزط و الأساورة فقاتلناهم قتالا شديدا فظفرنا بهم فأصبنا سبيا كثيرا اقتسمناهم، فكتب إلينا عمر أنه لا طاقة لكم بعمارة الأرض فخلوا ما فى أيديكم من السبي و اجعلوا عليهم الخراج فرددنا السبي و لم نملكهم.

قالوا: و سار أبو موسى إلى مناذر، فحاصر أهلها فاشتد قتالهم فكان المهاجر بن زياد الحارثي أخو الربيع بن زياد بن الديان فى الجيش فأراد أن يشرى نفسه و كان صائما، فقال الربيع لأبى موسى: أن المهاجر عزم على أن يشرى نفسه و هو صائم، فقال أبو موسى: عزمت على كل صائم أن يفطر

367

أولا يخرج إلى القتال، فشرب المهاجر شربة ماء، و قال: قد أبررت عزمة أميرى و اللّه ما شربتها من عطش، ثم راح فى السلاح فقاتل حتى استشهد أخذ أهل مناذر رأسه و نصبوه على قصرهم بين شرفتين، و له يقول القائل:

و فى مناذر لما جاش جمعهم # راح المهاجر فى حل بأجمال

و البيت بيت بنى الديان نعرفه # فى آل مذحج مثل الجوهر الغالي‏

و استخلف أبو موسى الأشعرى الربيع بن زياد على مناذر و سار إلى السوس، ففتح الربيع مناذر عنوة، فقتل المقاتلة، و سبى الذرية و صارت مناذر الكبرى و الصغرى فى أيدى المسلمين، فولاهما أبو موسى عاصم بن قيس بن الصلت السلمى، و ولى سوق الأهواز سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار و قال قوم: أن عمر كتب إلى أبى موسى و هو محاصر مناذر يأمره أن يخلف عليها و يسير إلى السوس فخلف الربيع بن زياد.

حدثني سعدويه، قال: حدثنا شريك عن أبى إسحاق عن المهلب بن أبى صفرة، قال حاصرنا مناذر فأصبنا سبيا، فكتب عمر: أن مناذر كقرية من القرى السواد فردوا عليهم ما أصبتم.

قالوا. و سار أبو موسى إلى السوس فقاتل أهلها ثم حاصرهم حتى نفد ما عندهم من الطعام فضرعوا إلى الأمان، و سأل مرزبانهم أن يؤمن ثمانون منهم على أن يفتح باب المدينة و يسلمهافسمى الثمانين و أخرج نفسه منهم فأمر به أبو موسى فضربت عنقه و لم يعرض للثمانين، و قتل من سواهم من المقاتلة و أخذ الأموال و سبى الذرية، و رأى أبو موسى فى قلعتهم بيتا و عليه ستر فسأل عنه فقيل أن فيه جثة دانيال النبي عليه السلام و على أنبياء اللّه و رسله، فأنهم كانوا أقحطوا فسألوا أهل بابل دفعه إليهم ليستسقوا به ففعلوا، و كان بختنصر سبى دانيال و أتى به بابل فقبض بها، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر

368

فكتب إليه عمر أن كفنه و أدفنه فسكر أبو موسى نهرا حق إذا انقطع دفنه ثم أجرى الماء عليه.

حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا مروان بن معاوية عن حميد الطويل عن حبيب عن خالد بن زيد المزني، و كانت عينه أصيبت بالسوس قال: حاصرنا مدينتها، و أميرنا أبو موسى فلقينا جهدا ثم صالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة و يؤمن له مائة من أهله ففعل، و أخذ عهد أبى موسى، فقال له: أعزلهم فجعل يعزلهم و أبو موسى يقول لأصحابه:

إنى لأرجو أن يغلبه اللّه على نفسه فعزل المائة و بقي عدو اللّه، فأمر به أبو موسى أن يقتل فنادى: رويدك أعطيك مالا كثيرا فأبى و ضرب عنقه.

قالوا: و هادن أبو موسى أهل رامهرمز، ثم انقضت هدنتهم فوجه إليهم أبا مريم الحنفي فصالحهم على ثمانمائة ألف درهم.

حدثني روج بن عبد المؤمن، قال: حدثني يعقوب عن أبى عاصم الرامهرمزي، و كان قد بلغ المائة أو قاربها، قال: صالح أبو موسى أهل رامهرمز على ثمانمائة ألف أو تسعمائة ألف، ثم أنهم غدروا ففتحت بعد عنوة ففتحها أبو موسى فى آخر أيامه.

قالوا: و فتح أبو موسى سرق على مثل صلح رامهرمز، ثم أنهم غدروا فوجه إليها حارثة بن بدر الغدانى فى جيش كثيف فلم يفتحها، فلما قدم عبد اللّه بن عامر فتحها عنوة، و قد كان حارثة ولى سرق بعد ذلك، و فيه يقول أبو الأسود الدؤلي:

أحار بن بدر قد وليت أمارة # فكن جرزا فيها تخون و تسرق

فإن جميع الناس: اما مكذب # يقول بما تهوى: و اما مصدق

يقولون أقوالا بظن و شبهة # فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا

و لا تعجزن فالعجز أسوء عادة # فحظك من مال العراقين سرق‏

369

فلما بلغ الشعر حارثة قال:

جزاك اله الناس خير جزائه # فقد قلت معروفا و أوصيت كافيا

أمرت بحزم لو أمرت بغيره # لألفيتنى فيه لأمرك عاصيا

قالوا: و سار أبو موسى إلى تستر و بها شوكة العدو وحدهم، فكتب إلى عمر يستمده، فكتب عمر إلى عمار بن ياسر يأمره بالمسير إليه فى أهل الكوفة فقدم عمار جرير بن عبد اللّه البجلي، و سار حتى تستر، و على ميمنته يعنى ميمنة أبى موسى البراء بن مالك أخو أنس بن مالك، و على ميسرته مجزاة بن ثور السدوسي، و على الخيل أنس بن مالك، و على ميمنة عمار البراء بن عازب الأنصارى، و على ميسرته حذيفة بن اليمان العبسي، و على خيله قرظة بن كعب الأنصارى، و على رجالته النعمان بن مقرن المزني، فقاتلهم أهل تستر قتالا شديدا، و حمل أهل البصرة و أهل الكوفة حتى بلغوا ناب تستر فضاربهم البراء بن مالك على الباب حتى استشهد رحمه اللّه و دخل الهرمزان و أصحابه المدينة بشر حال، و قد قتل منهم فى المعركة تسعمائة و أسر ستمائة ضربت أعناقهم بعد و كان الهرمزان من أهل مهرجا نقذف، و قد حضر وقعة جلولاء مع الأعاجم، ثم أن رجلا من الأعاجم استأمن إلى المسلمين على أن يدلهم على أن يدلهم على عورة المشركين فأسلم و اشترط أن يفرض لولده و يفرض له، فعاقده أبو موسى على ذلك، و وجه رجلا من شيبان يقال له أشرس بن عوف فخاض به دجيل على عرق من حجارة ثم علا به المدينة و أراه الهرمزان، ثم رده إلى العسكر، فندب أبو موسى أربعين رجلا مع مجزاة بن ثور و أتبعهم مائتي رجل و ذلك فى الليل و المستأمن يقدمهم فأدخلهم المدينة، فقتلوا الحرس و كبروا على سور المدينة فلما سمع ذلك الهرمزان هرب إلى قلعته و كانت موضع خزانته و أمواله، و عبر أبو موسى حين أصبح حتى دخل المدينة فاحتوى عليها، و قال الهرمزان‏

370

ما دل العرب على عورتنا إلا بعض من معنا ممن رأى إقبال أمرهم و أدبار أمرنا، و جعل الرجل من الأعاجم يقتل أهله و ولده و يلقيهم فى دجيل خوفا من أن يظفر بهم العرب، و طلب الهرمزان الأمان و أبى أبو موسى أن يعطيه ذلك إلا على حكم عمر فنزل على ذلك، و قتل أبو موسى من كان فى القلعة ممن لا أمان له و حمل الهرمزان إلى عمر فاستحياه و فرض له، ثم أنه اتهم بممالأة أبى لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة على قتل عمر رضى اللّه عنه فقال عبيد اللّه بن عمر أمض بنا ننظر إلى فرس لى فمضى و عبيد اللّه خلفه فضربه بالسيف و هو غافل فقتله.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا مروان بن معاوية عن حميد عن أنس، قال حاصرنا تستر فنزل الهرمزان فكنت الذي أتيت به إلى عمر بعث بى أبو موسى فقال له عمر: تكلم فقال: أ كلام حي أم كلام ميت، فقال: تكلم لا بأس فقال الهرمزان: كنا معشر العجم ما خلى اللّه بيننا و بينكم‏نقضيكم و نقلتكم فلما كان اللّه معكم لم يكن لنا بكم يدان، فقال عمر: ما تقول يا أنس، قلت تركت خلفي شوكة شديدة و عدوا كلبا، فإن قتلته بئس القوم من الحياة فكان أشد لشوكتهم و أن استحييته طمع القوم فى الحياة، فقال عمر: يا أنس سبحان اللّه، قاتل البراء بن مالك، و مجزاة بن ثور السدوسي، قلت: فليس لك إلى قتله سبيل، قال: و لم أعطاك أصبت منه، قلت: و لكنك قلت له لا بأس فقال: متى لتجيئن معك بمن شهد و إلا بدأت بعقوبتك، قال:

فخرجت من عنده فإذا الزبير بن العوام قد حفظ الذي حفظت فشهد لى فخلى سبيل الهرمزان فأسلم و فرض له عمر.

و حدثني اسحاق بن أبى إسرائيل، قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء الخراساني، قال: كفيتك أن تستركانت صلحا فكفرت فسار إليها المهاجرون فقتلوا المقاتلة و سبوا الذراري فلم يزالوا فى أيدى سادتهم حتى كتب عمر خلوا ما فى أيديكم.

371

قال: و سار أبو موسى إلى جنديسابور و أهلها منخوبون فطلبوا الأمان فصالحهم على أن لا يقتل منهم أحدا و لا يسبيه و لا يعرض لأموالهم سوى السلاح ثم أن طائفة من أهلها توجهوا إلى الكلبانية، فوجه إليهم أبو موسى الربيع بن زياد فقتلهم و فتح الكلبانية، و استأمنت الأساوره فأمنهم أبو موسى فأسلموا، و يقال، أنهم استأمنوا قبل ذلك فلحقوا بأبى موسى و شهدوا تستر و اللّه أعلم.

و حدثني عمر بن حفص العمرى عن أبى حذيفة عن أبى الأشهب عن أبى رجاء، قال: فتح الربيع بن زياد الثيبان من قبل أبى موسى عنوة ثم غدروا ففتحها منجوف بن ثور السدوسي، قال: و كان مما فتح عبد اللّه بن عامر سنبيل و الزط، و كان أهلهما قد كفروا، فاجتمع إليهم أكراد من هذه الأكراد، و فتح أيذج بعد قتال شديد، و فتح أبو موسى السوس و تستر و دورق عنوة، و قال المدائني: فتح ثات ابن ذى الحرة الحميري قلعة ذى الرناق.

حدثني المدائني عن أشياخه و عمر بن شبة عن مجالد بن يحيى أن مصعب بن الزبير: ولى مطرف بن سيدان الباهلي أحد بنى جآوة شرطته فى بعض أيام ولايته العراق لأخيه عبد اللّه بن الزبيرفأتى مطرف بالنابى بن زياد بن ظبيان أحد بنى عائش بن مالك بن تيم اللّه بن ثعلبة بن عكابة و برجل من بنى نمير قطعا الطريق فقتل النابى و ضرب النميري بالسياط و تركه، فلما عزل مطرف عن الشرطة و ولى الأهواز جمع عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان له جمعا و خرج يريده فالتقيا فتواقفا و بينهما نهر فعبر مطرف بن سيدان فعاجله ابن ظبيان فطعنه فقتله فبعث مصعب مكرم بن مطرف فى طلبه، فسار حتى صار إلى الموضع الذي يعرف اليوم بعسكر مكرم فلم يلق بن ظبيان و لحق بن ظبيان بعبد الملك بن مروان و قاتل معه مصعبا فقتله و احتز رأسه، و نسب‏

372

عسكر مكرم إلى مكرم بن مطرف هذا، قال البعيث السكرى.

سقينا ابن سيدان بكأس روية # كفتنا و خير الأمر ما كان كافيا

و يقال أيضا أن عسكر مكرم إنما نسب إلى مكرم بن الفزر أحد بنى جعونة بن الحارث بن نمير و كان الحجاج وجهه لمحاربة خرزاد بن باس حين عصى و لحق بإيذج و تحصن فى قلعة تعرف به، فلما طال عليه الحصار نزل مستخفيا متنكرا ليلحق بعبد الملك، فظفر به مكرم و معه درتان فى قلنسوته فأخذه و بعث به إلى الحجاج فضرب عنقه.

و ذكروا: أنه كانت عند عسكر مكرم قرية قديمةوصل بها البناء بعد، ثم لم يزل يزاد فيه حتى كثر فسمى ذلك أجمع عسكر مكرم و هو اليوم مصر جامع.

و حدثني أبو مسعود عن عوانة، قال ولى عبد اللّه بن الزبير البصرة حمزة ابن عبد اللّه بن الزبير فخرج إلى الأهواز، فلما رأى جبلها قال: كأنه قيقعان، و قال الثوري الأهواز سمى بالفارسية هو زمسير، و إنما سميت الأخواز فغيرها الناس، فقالوا: الأهواز، و أنشد الأعرابى:

لا ترجعني إلى الأخواز ثانية # و قعقعان الذي فى جانب السوق

و نهر بط الذي أمسى يؤرقنى # فيه البعوض بلسب غير تشفيق

فما الذي وعدته نفسه طمعا # من الحصيني أو عمرو بمصدوق‏

و قال نهر البط نهر كانت عنده مراع للبط فقالت العامة: نهر بط كما قالوا: دار بطيخ، و سمعت من يقول: أن النهر كان لامرأة تسمى البطئة فنسب إليها ثم حذف.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن اللّه عن الزهري، قال:

افتتح عمر السواد و الأهواز عنوة فسئل عمر قسمة ذلك، فقال: فما لمن جاء من المسلمين بعدنا فأقرهم على منزلة أهل الذمة.

373

و حدثني المدائني عن على بن حماد و سحيم بن حفص و غيرهما، قالوا قال أبو المختار يزيد بن قيس بن يزيد بن الصعق كلمة رفع فيها على عمال الأهواز و غيرهم إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه.

أبلغ أمير المؤمنين رسالة # فأنت أمين اللّه فى النهى و الأمر

و أنت أمين اللّه فينا، و من يكن # أمينا لرب العرش يسلم له صدري

فلا تدعن أهل الرساتيق و القرى # يسيغون مال اللّه فى الآدم الوفر

فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه # و أرسل إلى جزء و أرسل إلى بشر

و لا تنسين النافعين كليهما # و لا ابن غلاب من سراة بنى نصر

و ما عاصم منها بصفر عيابه # و ذاك الذي فى السوق مولى بنى بدر

و أرسل إلى النعمان و اعرف حسابه # و صهر بنى غزوان أنى لذو خبر

و شبلا فسله المال و ابن محرش # فقد كان فى أهل الرساتيق ذا ذكر

فقاسمهم أهلى فداؤك أنهم # سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر

و لا تدعوني للشهادة: أننى # أغيب و لكنى أرى عجب الدهر

نؤوب إذا آبوا و نغزوا إذا غزوا # فإنى لهم وفر: و لسنا أولى وفر

إذا التاجر الداري جاء بفارة # من المسك راحت فى مفارقهم تجرى‏

فقاسم عمر هؤلاء الذين ذكرهم أبو المختار شطر أموالهم حتى أخذ نعلا و ترك نعلا، و كان فيهم أبو بكرة، فقال: أنى لم آل لك شيئا، فقال له: أخوك على بيت المال و عشور الابلة و هو يعطيك المال تتجر به فأخذ منه عشرة آلاف، و يقال: قاسمه شطر ماله، و قال الحجاج الذي ذكره الحجاج بن عتيك الثقفي و كان على الفرات و جزء بن معاوية عم الأحنف كان على سرق، و بشر ابن المحتفز كان على جنديسابور، و النافعان نفيع أبو بكرة و نافع بن الحرث ابن كلدة أخوه، و ابن غلاب خالد بن الحرث من بنى دهمان كان على بيت‏

374

المال بأصبهان و عاصم بن قيس بن الصلت السلمى كان على مناذر و الذي فى السوق سمرة بن جندب على سوق الأهواز، و النعمان بن عدى بن نضلة بن عبد العزى‏بن حرثان أحد بنى عدى بن كعب بن لؤي كان على كور دجلة، و هو الذي يقول:

من مبلغ الحسناء أن خليلها # بميسان يسقى فى زجاج و حنتم

إذا شئت غنتنى دهاقين قرية # و صناجة تجذو على كل منسم

لعل أمير المؤمنين يسوءه # تنادمنا بالجوسق المنهدم‏

فلم بلغ عمر شعره، قال: إى و اللّه إنه ليسوءنى ذلك و عزله، و صهر بنى غزوان مجاشع بن مسعود السلمى كانت عنده بنت عتبة بن غزوان و كان على أرض البصرة و صدقاتها، و شبل بن معبد البجلي ثم الأحمسى كان على قبض المغانم، و ابن محرش أبو مريم الحنفي كان على رام هرمز، قال عوسجة ابن زياد الكاتب أقطع الرشيد أمير المؤمنين عبيد اللّه بن المهدى مزارعة الأهواز فدخل فيها شبهة فرفع فى ذلك قوم إلى المأمون فأمر بالنظر فيها و الوقوف عليها، فما لم تكن فيه شبهه أنفذ و ما شك فيه سمى المشكوك فيه و ذلك معروف بالأهواز.

فتح كور فارس كور فارس و كرمان كرمان

قالوا: كان العلاء بن الحضرمي و هو عامل عمر بن الخطاب على البحرين وجه هرثمة بن عرفجة البارقي من الأزد، ففتح جزيرة فى البحر مما يلي فارس، ثم كتب عمر إلى العلاء أن يمد به عتبة بن فرقد السلمى ففعل، ثم لما ولى عمر عثمان بن أبى العاصي الثقفي البحرين و عمان فدوخهما و اتسقت له طاعة أهلهما وجه أخاه الحكم بن أبى العاصي فى البحر إلى فارس فى جيش عظيم من عبد القيس و الأزد و تميم و بنى ناجية و غيرهم، ففتح جزيرة أبر كاوان، ثم صار إلى

375

توج و هي من أرض أردشير خره، و معنى أردشير خره بهاء أردشير، و فى رواية أبى مخنف: أن عثمان بن أبى العاصي نفسه قطع البحر إلى فارس فنزل توج ففتحها و بنى بها المساجد و جعلها دارا للمسلمين و أسكنها عبد القيس و غيرهم فكان يغير منها على أرجان و هي متاخمة لها، ثم أنه شخص عن فارس إلى عمان و البحرين لكتاب عمر إليه فى ذلك و استخلف أخاه الحكم، و قال غير أبى مخنف: أن الحكم فتح توج و أنزلها المسلمين من عبد القيس و غيرهم سنة تسع عشرة، و قالوا: أن شهرك مرزبان فارس و واليها أعظم ما كان من قدوم العرب فارس و اشتد عليه و بلغته نكايتهم و بأسهم و ظهورهم على كل من لقوه من عدوهم فجمع جمعا عظيما و سار بنفسه حتى أتى راشهر من أرض سابورو هي بقرب توج، فخرج إليه الحكم بن أبى العاصي و على مقدمته سوار بن همام العبدى فاقتتلوا قتالا شديدا و كان هناك واد قد و كل به شهرك رجلا من نقابه فى جماعة و أمره أن لا يجتازه هارب من أصحابه إلا قتله فأقبل رجل من شجعاء الأساورة موليا من المعركة، فأراد الرجل قتله، فقال له: لا تقتلني فإنما نقاتل قوما منصورين: اللّه معهم، و وضع حجرا فرماه ففلقه، ثم قال: أ ترى هذا السهم الذي فلق الحجر و اللّه ما كان ليخدش بعضهم لو رمى به، قال: لا بد من قتلك: فبينا هو فى ذلك إذ أتاه الخبر بقتل شهرك و كان الذي قتله سوار ابن همام العبدى حمل عليه فطعنه فأرداه عن فرسه و ضربه بسيفه حتى فاضت نفسه و حمل ابن شهرك على سوار فقتله، و هزم اللّه المشركين و فتحت راشهر عنوة، و كان يومها فى صعوبته و عظيم النعمة على المسلمين فيه كيوم القادسية و توجه بالفتح إلى عمر بن الخطاب عمرو بن الأهتم التميمي، فقال:

جئت الإمام باسراع لأخبره # بالحق من خبر العبدى سوار

أخبار أروع ميمون نقيبته # مستعمل فى سبيل اللّه مغوار

376

و قال بعض أهل توج: أن توج مصرت بعد مقتل شهرك و اللّه أعلم، قالوا: ثم أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كتب إلى عثمان بن أبى العاصي فى إتيان فارس فخلف على عمله أخاه المغيرة، و يقال: هو حفص بن أبى العاصي و كان جزلا و قدم توج فنزلها فكان يغزو منها ثم يعود إليها، و كتب عمر إلى أبى موسى و هو بالبصرة يأمره أن يكانف عثمان بن أبى العاصي و يعاونه فكان يغزو فارس من البصرة ثم يعود إليها، و بعث عثمان بن أبى العاصي هرم بن حيان العبدى إلى قلعة يقال لها شبير ففتحها عنوة بعد حصار و قتال. و قال بعضهم: فتح هرم قلعة الستوج عنوة و أتى عثمان جره من سابور ففتحها و أرضها بعد ان قاتله أهلها صلحا على أداء الجزية و الخراج و نصح المسلمين، و فتح عثمان بن أبى العاصي كازرون من سابور و غلب على أرضها، و فتح عثمان النوبندجان من سابور أيضا و غلب عليها و اجتمع أبو موسى و عثمان بن أبى العاصي فى آخر خلافة عمر رضى اللّه عنه ففتحا أرجان صلحا على الجزية و الخراج و فتحا شيراز و هي من أرض أردشير خره على أن يكونوا ذمة يؤدون الخراج إلا من أحب منهم الجلاء و لا يقتلوا و لا يستعبدوا، و فتحا سينيز من أرض أردشير خره و ترك أهلها عمارا للأرض، و فتح عثمان حصن جنابا بأمان، و أتى عثمان بن أبى العاصي درابجرد، و كانت شادر و أن علمهم و دينهم و عليها الهربذ فصالحه الهربذ على مال أعطاه إياه و على أن أهل درابجرد كلهم أسوة من فتحت بلاده من أهل فارس، و اجتمع له جمع بناحية جهرم‏ففضهم، و فتح أرض جهرم، و أتى عثمان فصالحه عظيمها على مثل صلح درابجرد، و يقال أن الهربذ صالح عليها أيضا، و أتى عثمان بن أبى العاصي مدينة سابور فى سنة ثلاث و عشرين و يقال فى سنة أربع و عشرين قبل أن تأنى أبا موسى ولايته البصرة من قبل عثمان بن عفان فوجد أهلها هائبين للمسلمين و رأى أخو شهرك‏

377

فى منامه كأن رجلا من العرب دخل عليه فسلبه قميصه فنخب ذلك قلبه فامتنع قليلا ثم طلب الأمان و الصلح، فصالحه عثمان على أن لا يقتل أحدا و لا يسبيه، و على أن تكون له ذمة و يعجل مالا. ثم أن أهل سابور نقضوا و غدروا ففتحت فى سنة ست و عشرين فتحها عنوة أبو موسى و على مقدمته عثمان ابن أبى العاصي.

و قال معمر بن المثنى و غيره: كان عمر بن الخطاب أمر أن يوجه الجارود العبدى سنة اثنتين و عشرين إلى قلاع فارس فلما كان بين جره و شيراز تخلف عن أصحابه فى عقبة هناك سحرا لحاجته و معه أدوات فأحاطت به جماعة من الأكراد فقتلوه فسميت تلك العقبة عقبة الجارود.

قالوا: و لما ولى عبد اللّه بن عامر بن كريز البصرة من قبل عثمان بن عفان بعد أبى موسى الأشعرى سار إلى إصطخر فى سنة ثمان و عشرين فصالحه ماهك عن أهلها، ثم خرج يريد جور، فلما فارقها نكثوا و قتلوا عامله عليهم، ثم لما فتح جور كر عليهم ففتحها، قالوا: و كان هرم بن حيان مقيما على جور و هي مدينة أردشير خره، و كان المسلمون يعانونها ثم ينصرفون عنهافيعاونون إصطخر و يفزون نواحي كانت تنتقض عليهم، فلما نزل ابن عامر بها قاتلوه ثم تحصنوا ففتحها بالسيف عنوة، و ذلك فى سنة تسع و عشرين و فتح ابن عامر أيضا السكاريان و فشجاتن، و هي الفيشجان من درابجرد و لم تكونا دخلتا فى صلح الهربذ و انتقضتا.

و حدثني جماعة من أهل العلم: أن جور غزيت عدة سنين فلم يقدر عليها حتى فتحها ابن عامر، و كان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام يصلى ذات ليلة و إلى جانبه جراب له فيه خبز و لحم، فجاء كلب فجره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفى فظاهر المسلمون بذلك المدخل حتى دخلوا منه و فتحوها،

378

قالوا: و لما فرغ عبد اللّه بن عامر من فتح جور كر على أهل إصطخر و فتحها عنوة بعد قتال شديد و رمى بالمناجيق و قتل بها من الأعاجم أربعين ألفا و أفنى أكثر أهل البيوتات و وجوه الأساورة، و كانوا قد لجأوا إليها، و بعض الرواة يقول أن ابن عامر رجع إلى إصطخر حين بلغه نكثهم ففتحها ثم صار إلى جور و على مقدمته هرم بن حيان ففتحها، و روى الحسن بن عثمان الزيادي أن أهل إصطخر غدروا فى ولاية عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما العراق لعلى رضى اللّه عنه ففتحها.

و حدثني العباس بن هشام عن أبيه عن أبى مخنف، قال: توجه ابن عامر إلى إصطخر، و وجه على مقدمته عبيد اللّه بن معمر التيمي فاستقبله أهل إصطخر برامجردفقاتلهم فقتلوه فدفن فى بستان برامجرد، و بلغ ابن عامر الخبر فأقبل مسرعا حتى واقعهم و على ميمنته أبو برزة نضلة بن عبد اللّه الأسلمى، و على ميسرته معقل بن يسار المزني، و على الخيل عمران بن الحصين الخزاعي و على الرجال خالد بن المعمر الذهبي فقاتلهم فهزمهم حتى أدخلهم إصطخر و فتحها اللّه عنوة، فقتل فيها نحوا من مائة ألف و أتى درابجرد ففتحها و كانت منتقضة ثم وجه إلى كرمان.

حدثني عمر الناقد، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عاصم الأحول عن فضيل بن زيد الرقاشي، قال: حاصرنا شهرياج شهرا جرارا و كنا ظننا إنا سنفتحها فى يومنا فقاتلنا أهلها ذات يوم و رجعنا إلى معسكرنا و تخلف عبد مملوك منافرا ظنوه فكتب لهم أمانا و رمى به إليهم فى سهم، قال: فرحنا للقتال و قد خرجوا من حصنهم، فقالوا: هذا أمانكم، فكتبنا بذلك إلى عمر فكتب إلينا أن العبد المسلم من المسلمين ذمته كذمتهم فلينفذ أمانه فأنفذناه.

و حدثني القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة عن عاصم‏

379

عن الفضيل، قال: كنا مصافى العدو بسيراف ثم ذكر نحو ذلك. و حدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد بن العوام عن عاصم الأحول عن الفضيل بن زيد الرقاشي، قال: حاصر المسلمون حصنا فكتب عبد أمانا و رمى به إليهم فى مشقص فقال المسلمون: ليس أمانه بشي‏ء، فقال القوم: لسنا نعرف الحر من العبد، فكتاب بذلك إلى عمر، فكتب أن عبد المسلمين منة ذمته ذمتهم.

و أخبرنى بعض أهل فارس: أن حصن سيراف يدعى سوريانج فسمته العرب شهرياج، و بفسا قلعة تعرف بخرشة بن مسعود من بنى تميم، ثم من بنى شقرة كان مع ابن الأشعث فتحصن فى هذه القلعة، ثم أو من فمات بواسط و له عقب بفسا.

و أما كرمان فام عثمان بن أبى العاصي الثقفي لقى مرزبانها فى جزيرة ابركاوان و هو فى خف فقتله فوهن أمر أهل كرمان و نخبت قلوبهم فلما صارا ابن عامر إلى فارس وجه مجاشع بن مسعود السلمى إلى كرمان فى طلب يزدجرد، فأتى بيمنذ فهلك جيشه بها، ثم لما توجه ابن عامر يريد خراسان ولى مجاشعا كرمان ففتج بيمنذ عنوة و استبقى أهلها و أعطاهم أمانا و بها قصر يعرف بقصر مجاشع، و فتح مجاشع بروخروة و أتى الشيرجان و هي مدينة كرمان و أقام عليها أياما يسيرة و أهلها متحصنون و قد خرجت لهم خيل فقاتلهم ففتحها عنوة و خلف بها رجلا، ثم أن كثيرا من أهلها جلوا عنها، و قد كان أبو موسى الأشعرى وجه الربيع بن زياد ففتح ما حول الشيرجان و صالح أهل بم و الاندغار، فكفر أهلها و نكثوا، فافتتحها مجاشع بن مسعودو فتح جيرفت عنوة و سار فى كرمان فدوخها، و أتى القفص و تجمع له بهرموز خلق ممن جلا من الأعاجم فقاتلهم فظفر بهم و ظهر عليهم، و هرب كثير من أهل كرمان فركبوا البحر و لحق بعضهم بمكران و أتى بعضهم‏

380

سجستان، فأقطعت العرب منازلهم و أرضيهم فعمروها و أدوا العشر فيها و احتفروا القنى فى مواضع منها، و ولى الحجاج قطعن بن قبيصة بن مخارق الهلالي فارس و كرمان و هو الذي انتهى إلى نهر فلم يقدر أصحابه على اجازته، فقال: من جاز فله ألف درهم فجازوه فوفى لهم فكان ذلك أول يوم سميت الجائزة فيه، قال الشاعر و هو الجحاف بن حكيم:

فدى للأكرمين بنى هلال # على علاتهم أهلى و مالي

هم سنوا الجوائز فى معد # فصارت سنة أخرى الليالي

رماحهم تزيد على ثمان # و عشر حين تختلف العوالي‏

و كان قبيصة بن مخارق من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم، و فى قطن يقول الشاعر:

كم من أمير قد أصبت حباءه # و آخر حظى من امارته الحزن

فهل قطن إلا كمن كان قبله # فصبرا على ما جاء يوما به قطن‏

قالوا: و كان ابن زياد ولى شريك بن الأعور الحارثي-و هو شريك بن الحارث-كرمان، و كتب ليزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري إليه فأقطعه أرضا بكرمان فباعها بعد هرب بن زياد من البصرة، و ولى الحجاج الحكم بن نهيك الهجيمي كرمان بعد أن كان ولاه فارس فبنى مسجد أرجان و دار أمارتها.

381

فتح سِجِسْتَان < سيستان سجستان و كَابُل كابل

حدثني على بن محمد و غيره أن عبد اللّه بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس توجه يريد خراسان سنة ثلاثين فنزل بعسكره شق الشيرجان من كرمان و وجه الربيع بن زياد بن أنس بن الديان الحارثي إلى سجستان فسار حتى نزل الفهرج، ثم قطع المفازة، و هي خمسة و سبعون فرسخا، فأتى رستاق زالق و بين زالق و بين سجستان خمسة فراسخ و زالق حصن، فأغار على أهله فى يوم مهرجان فأخذ دهقانه فافتدى نفسه بأن ركز عنزة ثم غمرها ذهبا و فضة و صالح الدهقان على حقن دمه.

و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى صالحه على أن يكون بلده كبعض ما افتتح من بلاد فارس و كرمان، ثم أتى قرية يقال لها: كركويه على خمسة أميال من زالق فصالحوه و لم يقاتلوه، ثم نزل رستاقا يقال له هيسون فأقام له أهله النزل و صالحوه على غير قتال، ثم أتى زالق و أخذ الأدلاء منها إلى زرنج و سار حتى نزل الهندمند، و عبر واديا يترع منه يقال له نوق و أتى ذوشت و هي من زرنج على ثلثي ميل فخرج إليه أهلها فقاتلوه قتالا شديدا و أصيب رجال من المسلمين، ثم كر المسلمون و هزموهم حتى اضطروهم إلى المدينة بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم أتى الربيع ناشروز و هي قرية فقاتل أهلها و ظفر بهم و أصاب بها عبد الرحمن أبا صالح بن عبد الرحمن الذي كتب للحجاج مكان زادانفروخ ابن نيرى، و ولى خراج العراق لسليمان بن عبد الملك و أمه فاشترته امرأة من بنى تميم ثم من بنى مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم يقال لها عبلة، ثم مضى من ناشروذ إلى شرواذ و هي قرية فغلب عليها و أصاب بها جد إبراهيم بن بسام‏فصار لابن عمير

382

الليثي، ثم حاصر مدينة زرنج بعد أن قاتله أهلها فبعث إليه أبرويز مرزبانها يستأمنه ليصالحه فأمر بجسد من أجساد القتلى فوضع له فجلس عليه و اتكأ على آخر و أجلس أصحابه على أجساد القتلى، و كان الربيع آدم أفوه طويلا فلما رآه المرزبان هاله فصالحه على ألف و صيف مع كل و صيف جام من ذهب و دخل الربيع المدينة ثم أتى سناروذ و هو واد فعبره و أتى القريتين، و هناك مربط فرس رستم فقاتلوه فظفر، ثم قدم زرنج فأقام بها سنتين، ثم أتى ابن عامر و استخلف بها رجلا من بنى الحارث بن كعب فأخرجوه و أغلقوها، و كانت ولاية الربيع سنتين و نصفا، و سبى فى ولايته هذه أربعين ألف رأس، و كان كاتبه الحسن البصري، ثم ولى ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس سجستان، فأتى زرنج فحصر مرزبانها فى قصره فى يوم عيد لهم فصالحه على ألفى ألف درهم و ألفى وصيف و غلب ابن سمرة على ما بين زرنج و كش من ناحية الهند و غلب من ناحية طريق الرخج على ما بينه و بين بلاد الدوار، فلما انتهى إلى بلاد الدوار حصرهم فى حبل الزور ثم صالحهم فكانت عدة من معه من المسلمين ثمانية آلاف فأصاب كل رجل منهم أربعة آلاف، و دخل على الزور و هو صنم‏من ذهب عيناه ياقوتتان فقطع يده و أخذ الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب و الجوهر، و إنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر و لا ينفع و فتح بست و زابل بعهد.

حدثني الحسين بن الأسود قال: حدثنا وكيع عن حماد بن زيد عن يحيى ابن عتيق عن محمد بن سيرين أنه كره سبى زابل و قال: أن عثمان ولث لهم ولثا، قال وكيع: عقد لهم عقدا و هو دون العهد، قالوا: و أتى عبد الرحمن زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، ثم استخلف أمير بن أحمر اليشكري و انصرف من سجستان، لأمير يقول، زياد الأعجم:

لو لا أمير هلكت يشكر # و يشكر هلكى على كل حال‏

383

ثم أن أهل زرنج أخرجوا أميرا و أغلقوها، و لما فرغ على بن أبى طالب عليه السلام من أمر الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطى و عمران بن الفصيل البرجمي فى صعاليك من العرب حتى نزلوا زالق و قد نكث أهلها، فأصابوا منها مالا، و أخذوا جد البختري الأصم بن مجاهد مولى شيبان، ثم أتوا زرنج و قد خافهم مرزبانها فصالحهم و دخلوها و قال الراجز:

بشر سجستان بجوع و حرب # بابن الفصيل و صعاليك العرب

لا فضة يغنيهم و لا ذهب‏

و بعث على بن أبى طالب عبد الرحمن بن جزء الطائي إلى سجستان فقتله حسكة، فقال على: لأقتلن من الحبطات أربعة آلاف، فقيل له: أن الحبطات لا يكونون خمسمائة.

و قال أبو مخنف: و بعث على رضى اللّه عنه عون بن جعدة بن هبيرة المخزومي إلى سجستان فقتله بهدالى اللص الطائي فى طريق العراق، فكتب على إلى عبد اللّه بن العباس يأمره أن يولى سجستان رجلا فى أربعة آلاف فوجه ربعي بن الكاس العنبري فى أربعة آلاف و خرج معه الحصين بن أبى الحر و اسم أبى الحر مالك بن الخشخاش العنبري، و ثات بن ذى الحرة الحميري، و كان على مقدمته، فلما وردوا سجستان قاتلهم حسكة فقتلوه و ضبط ربعي البلاد فقال راجزهم.

نحن الذين اقتحموا سجستان # على بن عتاب و جند الشيطان

يقدمنا الماجد عبد الرحمن # إنا وجدنا فى منير الفرقان

أن لا نوالى شيعة ابن عفان‏

و كان ثابت يسمى عبد الرحمن، و كان فيروز حصين ينسب إلى حصين ابن أبى الحر و هذا هو من سبى سجستان، ثم لما ولى معاوية بن أبى سفيان‏

384

استعمل ابن عامر على البصرة، فولى عبد الرحمن بن سمرة سجستان فأتاها و على شرطته عباد بن الحصين الحبطى و معه من الأشراف عمر بن عبيد اللّه بن معمر التيمي، و عبد اللّه بن خازم السلمى و قطري بن الفجاءة، و المهلب بن أبى صفرة فكان يغزو البلد قد كفر أهلها فيفتحه عنوة أو يصالح أهله حتى بلغ كابل، فلما صار إليها نزل بها فحاصر أهلها أشهرا و كان يقاتلهم و يرميهم بالمنجنيق حتى ثلث ثلثة عظيمة، فبات عليها عباد بن الحصين ليلة يطاعن المشركين حتى أصبح فلم يقدروا على سدها، و قاتل بن خازم معه عليها فلما أصبح الكفرة خرجوا يقاتلون المسلمين فضرب بن خازم فيلا كان معهم فسقط على الباب الذي خرجوا منه فلم يقدروا غلقه فدخلها المسلمون عنوة، و قال أبو مخنف: الذي عقر الفيل المهلب و كان الحسن البصري يقول: ما ظنت أن رجلا يقوم مقام ألف حتى رأيت عباد بن الحصين.

قالوا: و وجه عبد الرحمن بن سمرة ببشارة الفتح عمر بن عبيد اللّه بن معمر و المهلب بن أبى صفرة، ثم خرج عبد الرحمن فقطع وادي نسل، ثم أتى خواش و قوزان بست ففتحها عنوة، و سار إلى رزان فهرب أهلها غلب عليها، ثم سار إلى خشك فصالحه أهلها، ثم أتى الرخج فقاتلوه فظفر بهم و فتحها، ثم سار إلى ذابلستان فقاتلوه و قد كانوا نكثوا ففتحها و أصاب سبيا، و أتى كابل و قد نكث أهلها ففتحها، ثم ولى معاوية عبد الرحمن بن سمرة سجستان من قبله و بعث إليه بعهده فلم يزل عليها حتى قدم زياد البصرة فأقره أشهرا ثم ولاها الربيع بن زياد و مات ابن سمرة بالبصرة سنة خمسين و صلى عليها زياد و هو الذي‏

قال له النبي صلى اللّه عليه و سلم «لا تسأل الأمارة فإنك أوتيتها عن غير مسئلة أعنت عليها و إن أعطيتها عن مسئلة و كلت إليها و إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها فأت الذي هو خير و كفر عن يمينك»

و كان عبد الرحمن قدم بغلمان من سبى كابل فعملوا له مسجدا فى قصره بالبصرة على بناء كابل. ـ

385

قالوا: ثم جمع كابل شاه للمسلمين و أخرج من كان منهم بكابل و جاء رتبيل فغلب على ذابلستان و الرخج حتى انتهى إلى بست، فخرج الربيع بن زياد فى الناس فقاتل رتبيل ببست، و هزمه و اتبعه حتى أتى الرخج فقاتله بالرخج و مضى ففتح بلاد الداور، ثم عزل زياد بن أبى سفيان الربيع بن زياد الحارثي و ولى عبيد اللّه بن أبى بكرة سجستان فغزا، فلما كان برزان بعث إليه رتبيل يسأله الصلح عن بلاده و بلاد كابل على ألف ألف و مائتي ألف، فأجابه إلى ذلك و سأله أن يهب له مائتي ألف تفعل فتم الصلح على ألف ألف درهم، و وفد عبيد اللّه على زياد فأعلمه ذلك فأمضى الصلح، ثم رجع عبيد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان فأقام بها إلى أن مات زياد، و ولى سجستان بعد موت زياد عباد بن زياد من قبل معاوية، ثم لما ولى يزيد بن معاوية ولى سلم بن زياد خراسان و سجستان فولى سلم أخاه يزيد بن زياد سجسان، فلما كان موت يزيد أو قبل ذلك بقليل غدر أهل كابل و نكثوا و أسروا أبا عبيدة بن زياد فسار إليهم يزيد بن زياد فقاتلهم و هم بجنزة فقتل يزيد بن زياد و كثير ممن كان معه و انهزم سائر الناس، و كان فيمن استشهد زيد بن عبد اللّه بن أبى مليكة بن عبد اللّه بن جدعان القرشي، و صلة بن أشيم أبو الصهباء العدوى زوج معاذة العدوية، فبعث سلم بن زياد طلحة بن عبد اللّه بن خلف الخزاعي الذي يعرف بطلحة الطلحات ففدى أبا عبيدة بخمسمائة ألف درهم، و سار طلحة من كابل إلى سجستان واليا عليها من قبل سلم بن زياد فجبى و أعطى زواره و مات بسجستان و استخلف رجلا من بنى يشكر فأخرجته المضرية و وقعت العصبية و غلب كل قوم على مدينتهم فطمع فيهم رتبيل، ثم قدم عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامرواليا على سجستان من قبل القباع، و هو الحارث بن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومي فى أيام ابن الزبير فأدخلوه مدينة زرنج و حاربوا رتبيل فقتله أبو عفراء

386

عمير المازني و انهزم المشركون، و أرسل عبد العزيز بن ناشرة التميمي إلى عبد العزيز أن خذ جميع ما فى بيت المال و انصرف ففعل، و أقبل ابن ناشرة حتى دخل زرنج و مضى وكيع بن أبى سود التميمي فرد عبد العزيز و أدخله المدينة حين فتحت للحطابين و أخرج بن ناشرة فجمع جمعا فقاتله عبد العزيز ابن عبد اللّه و معه وكيع فعثر بابن ناشرة فرسه فقتل، فقال أبو حزابة، و يقال حنظلة بن عرادة.

ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى # و لا شي‏ء إلا قد تولى و أدبرا

أ كان حصادا للمنايا ازدرعنه # فهلا تركن النبت ما كان أخضرا

فتى حنظلى ما تزال يمينه # تجود بمعروف و تنكر منكرا

لعمري: لقد هدت قريش عروشنا # بأروع نفاح العشيات أزهرا

و استعمل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبى العيص على خراسان فوجه ابنه عبد اللّه بن أمية على سجستان و عقد له عليها و هو بكرمان، فلما قدمها غزا رتبيل الملك بعد رتبيل‏الأول المقتول، و قد كان هاب المسلمين فصالح عبد اللّه حين نزل بست على ألف ألف ففعل و بعث إليه بهدايا و رقيق فأبى قبول ذلك، و قال: ان ملأ لى هذا الرواق ذهبا و إلا فلا صلح بيني و بينه، و كان غزاء فخلى له رتبيل البلاد حتى إذا أو غل فيها أخذ عليه الشعاب و المضايق و طلب إليهم أن يخلوا عنه و لا يأخذ منهم شيئا فأبى ذلك و قال: بل تأخذ ثلاثمائة ألف درهم صلحا و تكتب لنا بها كتابا و لا تغزو بلاد ناما كنت اليا و لا تحرق و لا تخرب ففعل، و بلغ عبد الملك بن مروان ذلك فعزله، ثم و لما ولى الحجاج بن يوسف العراق وجه عبيد اللّه بن أبى بكرة إلى سجستان فحار و وهن، و أتى الرخج و كانت البلاد مجدبة فسار حتى نزل بالقرب من كابل و انتهى إلى شعب فأخذه عليه العدو و لحقهم رتبيل فصالحهم عبيد اللّه على أن‏

387

يعطوه خمسمائة ألف درهم و يبعث إليه بثلاثة من ولده نهار و الحجاج و أبى بكرة رهناء و يكتب لهم كتابا أن لا يغزوهم ما كان واليا، فقال له شريح بن هانئ الحارثي: اتق اللّه و قاتل هؤلاء القوم فإنك إن فعلت ما تريد أن تفعله أوهنت الإسلام بهذا الثغر، و كنت قد فررت من الموت الذي إليه مصيرك فاقتتلوا و حمل شريح فقتل و قاتل الناس فأفلتوا و هم مجهودون‏و سلكوا مفازة بست فهلك كثير من الناس عطشا و جوعا و مات عبيد اللّه بن ابى بكرة كمدا لما نال الناس و أصابهم، و يقال أنه اشتكى أذنه فمات و استخلف على الناس ابنه أبا برذعة، ثم أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث خلع و خرج إلى سجستان مخالفا لعبد الملك بن مروان و الحجاج فهادن رتبيل و صار إليه، ثم أن رتبيل أسلمه خوفا من الحجاج، و ذلك أنه كتب إليه يتوعده فألقى نفسه فوق جبل و يقال من فوق سطح و سقط معه الذي كان يحفظه و كان قد سلسل نفسه معه فمات، فأتى الحجاج برأسه فصالح الحجاج رتبيل على أن لا يغزوه سبع سنين، و يقال تسع سنين على أن يؤدى بعد ذلك فى كل سنة بتسعمائة ألف درهم عروضا، فلما انقضت السنون ولى الحجاج الأشهب بن بشر الكلبي سجستان فعاسر رتبيل فى العرض التي أداها فكتب إلى الحجاج يشكوه إليه فعزله الحجاج.

قالوا: ثم لما ولى قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان و سجستان فى أيام الوليد ابن عبد الملك ولى أخاه عمرو بن مسلم سجستان فطلب الصلح من رتبيل دراهم مدرهمة فذكر أنه لا يمكنه إلا ما كان فارق عليه الحجاج من العروض، فكتب عمرو بذلك إلى قتيبة فسار قتيبة إلى سجستان، فلما بلغ رتبيل قدومه أرسل إليه أنا لم نخلع يدا من الطاعة و إنما فارقتمونا على عروض فلا تظلمونا، فقال قتيبة للجند: أقبلوا منه العروض فانه ثغرمشئوم فرضوا بها، ثم انصرف قتيبة إلى خراسان بعد أن ذرع زرعا فى أرض زرنج لييأس العدو من‏

388

انصرافه فيذعن له فلما حصد ذلك الزرع منعت منه الأفاعى فأمر به فأحرق و استخلف قتيبة على سجستان ابن عبد اللّه بن عمير الليثي أخى عبد اللّه بن عامر لأمه، ثم ولى سليمان بن عبد الملك و ولى يزيد بن المهلب العراق فولى يزيد مدرك بن المهلب أخاه سجستان فلم يعطه رتبيل شيئا، ثم ولى معاوية بن يزيد فرضخ له ثم ولى يزيد بن عبد الملك فلم يعط رتبيل عماله شيئا، قال ما فعل قوم كانوا يأتونا خماص البطون سود الوجوه من الصلاة نعالهم خوص، قالوا:

انقرضوا، قال: أولئك أو فى منكم عهدا و أشد بأسا، و إن كنتم أحسن منهم وجوها، و قيل له ما بالك كنت تعطى الحجاج الأتاوة و لا تعطيناها، فقال:

كان الحجاج رجلا لا يظفر فيما أنفق إذا ظفر ببغيته و لو لم يرجع إليه درهم و أنتم لا تنفقون درهما إلا إذا طمعتم فى أن يرجع إليكم مكانه عشرة، ثم لم يعط أحدا من عمال بنى أمية و لا عمال أبى مسلم على سجستان من تلك الأتاوة شيئا.

قالوا: و لما استخلف المنصور أمير المؤمنين ولى معن بن زائدة الشيبانى سجستان فقدمها و بعث عماله عليها و كتب إلى رتبيل يأمره بحمل الأتاوة التي كان الحجاج صالح عليها، فبعث بابل و قباب تركية و رقيق و زاد فى قيمة ذلك للواحد ضعفه، فغضب معن و قصد الرخج‏و على مقدمته يزيد بن مزيد فوجد رتبيل قد خرج عنها و مضى إلى ذابلستان ليصيف بها، ففتحها و أصاب سبايا كثيرة، و كان فيهم فرج الرخجي و هو صبي و أبوه زياد فكان فرج يحدث أن معنا رأى غبارا ساطعا أثارته حوافر حمير و حشية فظن أن جيشا قد أقبل نحوه ليحاربه و يتخلص السبي و الأسرى من يده فوضع السيف فيهم فقتل منهم عدة كثيرة ثم أنه تبين أمر الغبار و رأى الحمير فأمسك، و قال فرج: لقد رأيت أبى حين أمر معن بوضع السيف فينا و قد حنى على و هو يقول اقتلوني و لا تقتلوا ابني.

قالوا: و كانت عدة من سبى و أسر زهاء ثلاثين ألفا فطلب ماوند خليفة

389

رتبيل الأمان على أن يحمله إلى أمير المؤمنين، فآمنه و بعث به إلى بغداد مع خمسة آلاف من مقاتلهم فأكرمه المنصور و فرض له وقوده، قالوا: و خاف معن الشتاء و هجومه فانصرف إلى بست، و أنكر قوم من الخوارج سيرته فاندسوا مع فعلة كانوا يبنون فى منزله بناء، فلما بلغوا التسقيف احتالوا لسيوفهم فجعلوها فى حزم القصب ثم دخلوها عليه قبته و هو يحتجم ففتكوا به وشق بعضهم بطنه بخنجر كان معه، و قال أحدهم و ضربه على رأسه أبو الغلام الطاقي و الطاق رستاق بقرب زرنج فقتلهم يزيد بن مزيد فلم ينج منهم أحد، ثم أن يزيد قام بأمر سجستان، و اشتدت على العرب‏و العجم من أهلها وطأته فاحتال بعض العرب فكتب على لسانه إلى المنصور كتابا يخبره فيه إن كتب المهدى إليه قد حيرته و أدهشته و يسأله أن يعفيه من معاملته، فأغضب ذلك المنصور و شتمه و أقر المهدى كتابه فعزله و أمر بحبسه و بيع كل شي‏ء له، ثم أنه كلم فيه فأشخص إلى مدينة السلام فلم يزل بها مخبوءا حتى لقيه الخوارج على الجسر فقاتلهم فتحرك أمره قليلا، ثم توجه إلى يوسف البرم بخراسان فلم يزل فى ارتفاع و لم يزل عمال المهدى و الرشيد رحمهما اللّه يقبضون الأتاوة من رتبيل سجستان على قدر قوتهم و ضعفهم و يولون عمالهم النواحي التي قد غلب عليها الإسلام و لما كان المأمون بخراسان أديت إليه الأتاوة مضعفة و فتح كابل و أظهر ملكها الإسلام و الطاعة و أدخلها عامله و اتصل إليها البريد فبعث إليه منها بأهليلج غض ثم استقامت بعد ذلك حينا.

و حدثني العمرى عن الهيثم بن عدى، قال: كان فى صلحات سجستان القديمة أن لا يقتل لهم ابن عرس لكثرة الأفاعى عندهم قال، و قال: أول من دعا أهل سجستان إلى رأى الخوارج رجل من بنى تميم يقال له عاصم أو ابن عاصم‏.

390

فتوح خُراسَان خراسان

قالوا: وجه أبو موسى الأشعرى عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي غازيا فأتى كرمان و مضى حتى بلغ الطبسين و هما حصنان يقال لأحدهما طبس و للآخر كرين، و هما جرم فيهما نخل و هما بابا خراسان، فأصاب مغنما و أتى قوم من أهل الطبسين عمر بن الخطاب فصالحوه على ستين ألفا، و يقال خمسة و سبعين ألفا و كتب لهم كتابا.

و يقال: بل توجه عبد اللّه بن بديل من أصبهان من تلقاء نفسه، فلما استخلف عثمان بن عفان ولى عبد اللّه بن عامر بن كريز البصرة فى سنة ثمان و عشرين و يقال فى سنة تسع و عشرين و هو ابن خمس و عشرين سنة فافتتح من أرض فارس ما افتتح ثم غزا خراسان فى سنة ثلاثين و استخلف على البصرة زياد بن أبى سفيان و بعث على مقدمته الأحنف بن قيس، و يقال عبد اللّه ابن حازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب السلمى، فأقر صلح الطبسين، و قدم ابن عامر الأحنف بن قيس إلى قوهستان، و ذلك أنه سأل عن أقرب مدينة إلى الطبسين فدل عليها فلقيته الهياطلة و هم أتراك، و يقال بل هم قوم من أهل فارس كانوا يلوطون فنفاهم فيروز إلى هراة فصاروا مع الأتراك فكانوا معاونين لأهل قوهستان فهزمهم و فتح قوهستان عنوة، و يقال‏بل ألجأهم إلى حصنهم ثم قدم عليه ابن عامر فطلبوا الصلح فصالحهم على ستمائة ألف درهم.

و قال معمر بن المثنى: كان المتوجه إلى قوهستان أمير بن أحمر اليشكري و هي بلاد بكر بن وائل إلى اليوم، و بعث ابن عامر يزيد الجرشى أبا سالم بن يزيد إلى رستاق زام من نيسابور ففتحه عنوة، و فتح باخرز و هو رستاو من نيسابور، و فتح أيضا جوبن و سبى سبيا و وجه ابن عامر الأسود بن كلثوم‏

391

العدوى عدى الرباب و كان ناسكا إلى بيهق و هو رستاق من نيسابور فدخل بعض حيطان أهله من ثلمة كانت فيه و دخلت معه طائفة من المسلمين و أخذ العدو عليهم تلك الثلمة فقاتل الأسود حتى قتل و من معه، و قام بأمر الناس بعده أدهم بن كلثوم فظفر و فتح بيهق، و كان الأسود يدعو ربه أن يحشره من بطون السباع و الطير فلم يواره أخوه و دفن من استشهد من أصحابه، و فتح ابن عامر بشت من نيسابور و أشبندورخ و زاوة و خواف و اسبرائن و أرغيان من نيسابور، ثم أتى أبر شهر و هي مدينة نيسابور فحصر أهلها أشهرا و كان على كل ربع منها رجل موكل به. و طلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان على أن يدخل المسلمين المدينةفأعطيه و أدخلهم إياها ليلا ففتحوا الباب و تحصن مرزبانها فى القهندز و معه جماعة فطلب الأمان على أن يصالحه من جميع نيسابور على وظيفة يؤديها فصالحه على ألف ألف درهم و يقال سبعمائة ألف درهم. و ولى نيسابور حين فتحها قيس بن الهيثم السلمى و وجه ابن عامر عبد اللّه بن خازم السلمى إلى حمراتدز من نسا و هو رستاق ففتحه، و أتاه صاحب نسا فصالحه على ثلاثمائة ألف درهم، و يقال على احتمال الأرض من الخراج على أن لا يقتل أحدا و لا يسبيه.

و قدم بهمنة عظيم أبيورد على ابن عامر فصالحه على أربعمائة ألف و يقال وجه إليها ابن عامر عبد اللّه بن خازم فصالح أهلها على أربعمائة ألف درهم، و وجه عبد اللّه بن عامر عبد اللّه بن خازم إلى سرخس فقاتلهم، ثم طلب زاذويه مرزبانها الصلح على إيمان مائة رجل، و أن يدفع إليه النساء فصارت ابنته فى سهم ابن خازم و اتخذها و سماها ميثاء، و غلب ابن خازم على أرض سرخس، و يقال أنه صالحه على أن يؤمن مائة نفس فسمى له المائة و لم يسم نفسه فقتله و دخل سرخس عنوة، و وجه ابن خازم من سرخس يزيد بن‏

392

سالم مولى شريك بن الأعورإلى كيف و بينة ففتحها، و أنى كنازتك مرزبان طوس ابن عامر فصالحه عن طوس على ستمائة ألف درهم، و وجه ابن عامر جيشا إلى هراة عليه أوس بن ثعلبة بن رقى، و يقال خليد بن عبد اللّه الحنفي فبلغ عظيم هراة ذلك فشخص إلى ابن عامر و صالحه عن هراة و بادغيس و بوشنج غير طاغون و باغون فإنهما فتحا عنوة، و كتب له ابن عامر:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما أمر به عبد اللّه بن عامر عظيم هراة و بوشنج و بادغيس، أمره بتقوى اللّه، و مناصحة المسلمين، و إصلاح ما تحت يديه من الأرضين، و صالحه عن هراة سهلها و جبلها على أن يؤدى من الجزية ما صالحه عليه، و أن يقسم ذلك على الأرضين عدلا بينهم، فمن منع ما عليه فلا عهد له و لا ذمة، و كتب ربيع بن نهشل و ختم ابن عامر.

و يقال أيضا: أن ابن عامر سار بنفسه فى الدهم إلى هراة فقاتل أهلها ثم صالحه مرزبانها عن هراة و بوشنج و بادغيس على ألف ألف درهم، و أرسل مرزبان مرو الشاهجان يسأل الصلح فوجه ابن عامر إلى مرو حاتم بن النعمان الباهلي فصالحه على ألفى ألف و مائتي ألف درهم، و قال بعضهم ألف ألف درهم و مائتي ألف جريب من بر و شعير، و قال بعضهم ألف ألف و مائة ألف أوقية و كان فى صلحم أن يوسعوا للمسلمين فى منازلهم و أن عليهم قسمة المال و ليس على المسلمين إلا قبض ذلك و كانت مرو صلحا كلها إلا قرية منها يقال لها السنج فإنها أخذت عنوة.

و قال أبو عبيدة صالحه على و صائف و وصفاءو دواب و متاع، و لم يكن عند القوم يومئذ عين و كان الخراج كله على ذلك حتى ولى يزيد بن معاوية فصيره مالا، و وجه عبد اللّه بن عامر الأحنف بن قيس نحو طخارستان، فأتى الموضع الذي يقال له قصر الأحنف و هو حصن من مرو الروذ، و له رستاق‏

393

عظيم يعرف برستاق الأحنف و يدعى بشق الجرذ فحصر أهله فصالحوه على ثلاثمائة ألف، فقال الأحنف أصالحكم على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه و يقيم فيكم حتى انصرف فرضوا، و كان الصلح عن جميع الرستاق و مضى الأحنف إلى مرو الروذ فحصر أهلها و قاتلوهم قتالا شديدا فهزمهم المسلمون فاضطروهم إلى حصنهم، و كان المرزبان من ولد باذام صاحب اليمن أو ذا قرابة له، فكتب إلى الأحنف: انه دعاني إلى الصلح إسلام باذام فصالحه على ستين ألفا، و قال المدائني: قال قوم ستمائة ألف، و قد كانت للأحنف خيل سارت و أخذت رستاقا يقال له بغ و استاقت منه مواشى فكان الصلح بعد ذلك.

و قال أبو عبيدة: قاتل الأحنف أهل مرو الروذ مرات، ثم أنه مر برجل يطبخ قدرا لأصحابه أو يعجن عجينا فسمعه يقول: إنما نبتغى للأمير أن يقاتلهم من وجه واحد من داخل الشعب، فقال فى نفسه: الرأى ما قاله الرجل فقاتلهم و جعل المرغاب عن يمينه و الجبل عن يساره، و المرغاب نهر يسيح بمرو الروذ ثم يغيض فى رمل‏ثم يخرج بمرو الشاهجان فهزمهم و من معهم من الترك ثم طلبوا الأمان فصالحه.

و قال غير أبى عبيدة: جمع أهل طخارستان للمسلمين فاجتمع أهل الجوزجان و الطالقان و الفارياب و من حولهم فبلغوا ثلاثين ألفا و جاءهم أهل الصغانيان و هم فى الجانب الشرقي من النهر فرجع الأحنف إلى قصره فوفى له أهله و خرج ليلا فسمع أهل خباء يتحدثون و رجلا يقول. الرأى للأمير أن يسير إليهم فيناجزهم حيث لقيهم فقال رجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن. ليس هذا برأى و لكن الرأى أن ينزل بين المرغاب و الجبل فيكون المرغاب عن يمينه و الجبل عن يساره فلا يلقى من عدوه و ان كثروا

394

إلا مثل عدة أصحابه، فرأى ذلك صوابا ففعله و هو فى خمسة آلاف من المسلمين أربعة آلاف من العرب و ألف من مسلمي العجم فالتقوا و هز رايته و حمل و حملوا فقصد ملك الصغانيان للأحنف، فأهوى له بالرمح فانتزع الأحنف الرمح من يده، و قاتل قتالا شديدا، فقتل ثلاثة ممن معهم الطبول منهم كان يقصد قصد صاحب الطبل فيقتله، ثم أن اللّه ضرب وجوه الكفار فقتلهم المسلمون قتلا ذريعاو وضعوا السلاح أنى شاءوا منهم و رجع الأحنف إلى مرو الروذ، و لحق بعض العدو بالجوزجان فوجه إليهم الأحنف الأقرع بن حابس التميمي فى خيل: و قال: يا بنى تميم تحابوا و تبادلوا تعتدل أموركم و ابدءوا بجهاد بطونكم و فروجكم يصلح لكم دينكم، و لا تغلوا يسلم لكم جهادكم، فسار الأقرع فلقى العدو بالجوزجان فكانت فى المسلمين جولة، ثم كروا فهزموا الكفرة، و فتحوا الجوزجان عنوة، و قال ابن الغريزة النهشلي:

سقى صوب الصحاب إذا استهلت # مصارع فتية بالجوزجان

إلى القصرين من رستاق حوف # أفادهم هناك الأقرعان‏

و فتح الأحنف مطالقان صلحا و فتح الفارياب، و يقال بل فتحها أمير ابن أحمر، ثم سار الأحنف إلى بلخ و هي مدينة طخارى فصالحهم أهلها على أربعمائة ألف و يقال سبعمائة ألف، و ذلك أثبت، فاستعمل على بلخ أسيد ابن المتشمس، ثم سار إلى خارزم و هي من سقى النهر جميعا و مدينتها شرقية فلم يقدر عليها فانصرف إلى بلخ و قد جبى أسيد صلحها.

و قال أبو عبيدة: فتح ابن عامر ما دون النهر، فلما بلغ أهل ما وراء النهر أمره طلبوا إليه أن يصالحهم ففعل، فيقال أنه عبر النهر حتى أتى موضعا موضعا و قيل بل أتوه فصالحوه و بعث من قبض ذلك، فأتته الدواب و الوصفاء و الوصائف و الحرير و الثياب، ثم أنه أحرم شكر اللّه و لم يذكر غيره عبوره

395

النهر و مصالحته أهل الجانب الشرقي، و قالوا: أنه أهل بعمرة و قدم على عثمان و استخلف قيس بن الهيثم فسار قيس بعد شخوصه فى أرض طخارستان فلم يأت بلدا منها إلا صالحه أهله فأذعنوا له حتى أتى سمنجان فامتنعوا فحصرهم حتى فتحها عنوة، و قد قيل أن ابن عامر جعل خراسان بين ثلاثة الأحنف ابن قيس و حاتم بن النعمان الباهلي و قيس بن الهيثم، و الأول أثبت، ثم أن ابن خازم افتعل عهدا على لسان بن عامر و تولى خراسان فاجتمعت بها جموع الترك ففضهم ثم قدم البصرة قبل قتل عثمان.

و حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا وكيع بن الجراح عن ابن عون عن محمد بن سيرين أن عثمان بن عفان عقد لمن وراء النهر، قالوا و قدم ماهويه مرزبان مرو على بن أبى طالب فى خلافته و هو بالكوفة فكتب له إلى الدهاقين و الأساورةو الدهشلارين أن يؤدوا إليه الجزية فانتقضت عليهم خراسان فبعث جعدة بن هبيرة المخزومي و أمه أم هانئ بنت أبى طالب فلم يفتحها و لم تزل خراسان ملتاثة حتى قتل على عليه السلام، قال أبو عبيدة أول عمال على خرسان عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة ثم جعدة بن هبيرة بن أبى وهب ابن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم.

قالوا: و استعمل معاوية بن أبى سفيان قيس بن الهيثم بن قيس بن الصلت السلمى على خراسان فلم يعرض لأهل النكث، و جبى أهل الصلح فكان عليها سنة أو قريبا منها، ثم عزله و ولى خالد بن المعمر فمات بقصر مقاتل أو بعين التمر، و يقال أن معاوية ندم على توليته فبعث إليه بثوب مسموم و يقال بل دخلت فى رجله زجاجة فنزف منها حتى مات، ثم ضم معاوية إلى عبد اللّه بن عامر مع البصرة خراسان، فولى بن عامر قيس بن الهيثم السلمى خراسان و كان أهل بادغيس و هراة و بوشنج و بلخ على نكثهم‏

396

فسار إلى بلح فأخرب نوبهارها، و كان الذي تولى ذلك عطاء بن السائب مولى بنى الليث و هو الخشل، و إنما سمى عطاء الخشل‏و اتخذ قناطر على ثلاثة أنهار من بلخ على فرسخ فقيل قناطر عطاء، ثم أن أهل بلخ سألوا الصلح و مراجعة الطاعة فصالحهم قيس ثم قدم على ابن عامر فضربه مائة و حبسه.

و استعمل عبد اللّه بن خازم فأرسل إليه أهل هراة و بوشنج و بادغيس، فطلبوا الأمان و الصلح فصالحهم، و حمل إلى بن عامر مالا و ولى زياد بن أبى سفيان البصرة فى سنة خمس و أربعين، فولى أمير بن أحمر مرو، و خليد بن عبد اللّه الحنفي أبر شهر، و قيس بن الهيثم مرو الروذ، و الطالقان، و الفارياب و نافع بن خالد الطاحي من الأزدهراة، و بادغيس، و بوشنج و قادس من أنواران فكان أمير أول من أسكن العرب مرو، ثم ولى زياد الحكم ابن عمرو الغفاري، و كان عفيفا و له صحبة و إنما قال لحاجبه فيل ايتني بالحكم و هو يريد الحكم بن أبى العاصي الثقفي، و كانت أم عبد اللّه بنت عثمان بن أبى العاصي عنده فأتاه بالحكم بن عمرو، فلما رآه تبرك به، و قال رجل صالح من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فولاه خراسان فمات بها فى سنة خمسين و كان الحكم أول من صلى من وراء النهر.

و حدثني أبو عبد الرحمن الجعفي، قال: سمعت عبد اللّه بن المبارك يقول لرجل من أهل الصغانيان كان يطلب معنا الحديث أ تدرى من فتح بلادك قال لا. قال: فتحها الحكم بن عمرو الغفاري، ثم ولى زياد بن أبى سفيان الربيع ابن زياد الحارثي سنة إحدى و خمسين خراسان، و حول معه من أهل المصريين زهاء و خمسين ألفابعيالاتهم، و كان فيهم بريدة بن الحصيب الأسلمى أبو عبد اللّه و بمرو توفى أيام يزيد بن معاوية، و كان أيضا أبو برزة الأسلمى عبد اللّه ابن نضلة و بهامات و أسكنهم دون النهر، و الربيع أول من أمر الجند بالتناهد

397

و لما بلغه مقتل حجر بن عدى الكندي غمه ذلك، فدعا بالموت فسقط من يومه فمات، و ذلك سنة ثلاث و خمسين و استخلف عبد اللّه ابنه فقاتل أهل آمل و هي آمويه و زم، ثم صالحهم و رجع إلى مرو فمكث بها شهرين ثم مات، و مات زياد فاستعمل معاوية عبيد اللّه بن زياد على خراسان و هو ابن خمس و عشرين سنة فقطع النهر فى أربعة و عشرين ألفا فأتى بيكند، و كانت خاتون بمدينة بخارى، فأرسلت إلى الترك تستمدهم فجاءها منهم دهم فلقيهم المسلمون فهزموهم و حووا عسكرهم و أقبل المسلمون يخربون و يحرقون، فبعث إليهم خاتون تطلب الصلح و الأمان فصالحها على ألف ألف و دخل المدينة، و فتح رامدين و بيكند و بينهما فرسخان، و رامدين تنسب إلى بيكند، و يقال إنه فتح الصغانيان و قدم معه البصرة بخلق من أهل بخارى ففرض لهم‏ثم ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان فقطع النهر، و كان أول من قطعه بجنده فكان معه رفيع أبو العالية الرياحي و هو مولى لامرأة من بنى رياح فقال رفيع أبو العالية رفعة و علو.

فلما بلغ خاتون عبوره النهر حملت إليه الصلح و أقبل أهل السغد و الترك و أهل كش و نسف و هي نخشب إلى سعيد فى مائة ألف و عشرين ألفا فالتقوا ببخارى و قد ندمت خاتون على أدائها الأتاوة و نكثت العهد، فحضر عبد لبعض أهل تلك الجموع فانصرف بمن معه فانكسر الباقون، فلما رأت خاتون ذلك أعطته الرهن و أعادت الصلح و دخل سعيد مدينة بخارى، ثم غزا سعيد ابن عثمان سمرقند فأعانته خاتون بأهل بخارى، فنزل على باب سمرقند و حلف أن لا يبرح أو يفتحها و يرمى قهندزها، فقاتل أهلها ثلاثة أيام و كان أشد قتالهم فى اليوم الثالث ففقئت عينه و عين المهلب بن أبى صفرة، و يقال أن عين المهلب فقئت بالطالقان، ثم لزم العدو المدينة و قد فشت فيهم الجراح، و أتاه رجل فدله على قصر فيه أبناء ملوكهم و عظمائهم فسار إليهم و حصرهم،

398

فلما خاف أهل المدينة أن يفتح القصر عنوة و يقتل من فيه طلبوا الصلح فصالحهم على سبعمائة ألف درهم و على أن يعطوه رهنا من أبناء عظمائهم، و على أن يدخل المدينة و من شاء و يخرج من الباب الآخر فأعطوه خمسة عشر من أبناء ملوكهم، و يقال أربعين، و يقال‏ثمانين و رمى القهندز فثبت الحجر فى كوته ثم انصرف، فلما كان بالترمذ حملت إليه خاتون الصلح و أقام على الترمذ حتى فتحها صلحا، ثم لما قتل عبد اللّه بن خازم السلمى أتى موسى ابنه ملك الترمذ فأجاره و ألجأه و قوما كانوا معه فأخرجه عنها و غلب عليها و هو مخالف، فلما قتل صارت فى أيدى الولاة ثم انتقض أهلها ففتحها قتيبة بن مسلم، و فى سعيد يقول مالك ابن الريب:

هبت شمال خريق أسقطت ورقا # و اصفر بالقاع بعد الخضرة الشيح

فارحل هديت و لا نجعل غنيمتنا # ثلجا يصفقه بالترمذ الريح

إن الشتاء عدو ما نقاتله # فاقفل هديت و ثوب الدق مطروح‏

و يقال أن هذه الأبيات لنهار بن توسعة فى قتيبة و أولها:

كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها # فكل باب من الخيرات مفتوح

فاستبدلت قتبا جعدا أنامله # كأنما وجهه بالجل منضوح‏

و كان قثم بن العباس بن عبد المطلب مع سعيد بن عثمان فتوفى بسمرقند، و يقال استشهد بها، فقال عبد اللّه بن العباس حين بلغته وفاته شتان ما بين مولده و مقبره فأقبل يصلى فقيل له ما هذا، فقال: أما سمعتم اللّه يقول:

(وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ وَ إِنَّهََا لَكَبِيرَةٌ إِلاََّ عَلَى اَلْخََاشِعِينَ) و حدثني عبد اللّه بن صالح، قال: حدثنا شريك عن جابر عن الشعبي، قال: قدم قثم على سعيد بن عثمان بخراسان، فقال له سعيد: أعطيك من المغنم ألف سهم، فقال: لا و لكن أعطني سهما لى و سهما لفرسى، قال: و مضى سعيد بالرهن الذين أخذهم من السند حتى ورد بهم المدينة، فدفع ثيابهم و مناطقهم إلى‏

399

مواليه و ألبسهم جباب الصوف و ألزمهم السقي و السواني و العمل فدخلوا عليه مجلسه ففتكوا به ثم قتلوا أنفسهم، و فى سعيد يقول مالك بن الريب:

و ما زلت يوم السغد ترعد واقفا # من الجبن حتى خفت أن تتنصرا

و قال خالد بن عقبه بن أبى معيط:

ألا إن خير الناس نفسا و والدا # سعيد بن عثمان قتيل الأعاجم

فإن تكن الأيام أردت صروفها # سعيدا فمن هذا من الدهر سالم‏

و كان سعيد احتال لشريكه فى خراج خراسان فأخذ منه مالا فوجه معاوية من لقيه بحلوان فأخذ المال منه، و كان شريكه أسلم بن زرعة، و يقال إسحاق بن طلحة بن عبيد اللّه، و كان معاوية قد خاف سعيدا على خلعه و لذلك عاجله بالعزل، ثم ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد خراسان، و كان شريفا و مات معاوية و هو عليها، ثم ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد فصالحه أهل خارزم على أربعمائة ألف و حملوها إليه و قطع النهر و معه امرأته أم محمد بنت عبد اللّه بن عثمان بن أبى العاصي الثقفي، و كانت أول عربية عبر بها النهر و أتى سمرقند فأعطاه أهلها ألف دية، و ولد له ابن سماه السغدى، و استعارت امرأة من امرأة صاحب السغد حليها فكسرته عليها و ذهبت به، و وجه سلم بن زياد و هو بالسغد جيشا إلى خجندة و فيهم أعشى همدان فهزموا فقال الأعشى:

ليت خيلى يوم الخجندة لم يهزم و غودرت فى المكر سليبا تحضر الطير مصرعي و تروحت إلى اللّه فى الدماء خضيبا ثم رجع سلم إلى مرو ثم غزا منها فقطع النهر و قتل بندون السغدى، و قد كان السغد جمعت له فقاتلها، و لما مات يزيد بن معاوية التاث الناس على سلم و قالوا: بئس ما ظن ابن سميه أن ظن أنه يتأمر علينا فى الجماعة و الفتنة كما قيل لأخيه عبيد اللّه بالبصرة فشخص عن خراسان و أتى عبد اللّه بن الزبير فأغرمه‏

400

أربعة آلاف ألف درهم و حبسه، و كان سلم يقول: ليتني أتيت الشام و لم آنف من حدمة أخى عبيد اللّه بن زياد، فكنت أغسل رجله و لم آت ابن الزبير فلم يزل بمكة حتى حصر ابن الزبير الحجاج بن يوسف فنقب السجن و صار إلى الحجاج ثم إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: أما و اللّه لو أقمت بمكة ما كان لها وال غيرك، و لا كان بها عليك أمير و ولاه خراسان، فلما قدم البصرة مات بها.

قالوا: و قد كان عبد اللّه بن خازم السلمى تلقى سلم بن زياد منصرفه من خراسان بنيسابور، فكتب له سلم عهدا على خراسان و أعانه بمائة ألف درهم، فاجتمع جمع كثير من بكر بن وائل و غيرهم، فقالوا: على ما يأكل هؤلاء خراسان دوننا فأغاروا على ثقل ابن خازم فقاتلوهم عنه فكفوا.

و أرسل سليمان بن مرثد أحد بنى سعد بن مالك بن ضبيعة بن‏قيس بن ثعلبة ابن عكابة من المراثد بن ربيعة إلى ابن خازم أن العهد الذي معك لو استطاع صاحبه أن يقيم بخراسان لم يخرج عنها و يوجهك، و أقبل سليمان فنزل بمشرعة سليمان و نزل ابن خازم بمرو، و اتفقا على أن يكتبا إلى ابن الزبير فأيهما أمره فهو الأمير ففعلا، فولى ابن الزبير عبد اللّه بن خازم خراسان فقدم إليه بعهده عروة بن قطبة بعد ستة أشهر فأبى سليمان أن يقبل ذلك، و قال: ما ابن الزبير بخليفة و إنما هو رجل عائذ بالبيت فحاربه ابن خازم و هو فى ستة آلاف و سليمان فى خمسة عشر ألفا فقتل سليمان قتله قيس بن عاصم السلمى و احتز رأسه و أصيب من أصحاب ابن خازم رجال، و كان شعار ابن خازم حمر لا ينصرون، و شعار سليمان يا نصر اللّه اقترب، و اجتمع فل سليمان إلى عمر بن مرثد بالطالقان، فسار إليه ابن خازم فقاتله فقتله، و اجتمعت ربيعة إلى أوس بن ثعلبة بهراة فاستخلف ابن خازم موسى ابنه و سار إليه، و كانت بين أصحابهما وقائع، و اغتنمت الترك ذلك فكانت تغير

401

حتى بلغت قرب نيسابور و دس ابن خازم إلى أوس من سمه فمرض، و اجتمعوا للقتال فحض ابن خازم أصحابه فقال: اجعلوه يومكم و اطعنوا الخيل من مناخرها فإنه لم يطعن فرس قط فى منخره إلا أدبر فاقتتلوا قتالا شديدا، و أصابت أوسا جراحة و هو عليل فمات منها بعد أيام، و ولى ابن خازم ابنه محمدا هراة، و جعل على شرطته بكير ابن و شاح و صفت له خراسان.

ثم أن بنى تميم هاجوا بهراة و قتلوا محمدا فظفر أبوه بعثمان بن بشر بن المختفز فقتله صبرا، و قتل رجلا من بنى تميم فاجتمع بنو تميم فتناظروا، و قالوا ما نرى هذا يقلع عنا فيصير جماعة منا إلى طوس فإذا خرج إليهم خلعه من بمرو منا، فمضى بجير بن وقاء الصريمى من بنى تميم إلى طوس فى جماعة فدخلوا الحصن ثم تحولوا إلى أبرشهر و خلعوا ابن خازم فوجه ابن خازم ثقله مع ابنه موسى إلى الترمذ، و لم يأمن عليه من بمرو من بنى تميم، و ورد كتاب عبد الملك بن مروان على ابن خازم بولاية خراسان فأطعم رسوله الكتاب، و قال: ما كنت لألقى اللّه و قد نكثت بيعة ابن حوارى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و بايعت ابن طريده، فكتب عبد الملك إلى بكير بن و شاح بولايته خراسان فخاف ابن خازم أن يأتيه فى أهل مرو، و قد كان بكير خلع ابن خازم، و أخذ السلاح و بيت المال و دعى أهل مرو إلى بيعة عبد الملك فبايعوه، فمضى ابن خازم يريد ابنه موسى و هو بالترمذ فى عياله و ثقله فاتبعه بحير فقاتله بقرب مرو، و دعيا و كيف بن الدورقية القريعى، و اسم أبيه عميرة و أمه من سبى دورق نسب إليه بدرعه و سلاحه فلبسه و خرج فحمل على ابن خازم و معه بجير بن وقاء فطعناه و قعد وكيع على صدره، و قال: يا لثارات دويلة و دويلة أخو وكيع لأمه، و كان مولى لبنى قريع قتله ابن خازم فتنخم ابن خازم فى وجهه، و قال لعنك اللّه أ تقتل كبش مضر بأخيك علج لا يساوى كفا من نوى، و قال وكيع:

402

ذق يا ابن عجلى مثل ما قد أذقتنى # و لا تحسبني كنت عن ذاك غافلا

عجلى أم ابن خازم و كان يكنى أبا صالح، و كنية وكيع بن الدورقية أبو ربيعة و قتل مع عبد اللّه بن خازم ابناه عنبسة و يحيى و طعن طهمان مولى ابن خازم، و هو جد يعقوب بن داود كاتب أمير المؤمنين المهدى بعد أبى عبيد اللّه، و أتى بكير بن وشاح برأس ابن خازم فبعث به إلى عبد الملك بن مروان فنصبه بدمشق، و قطعوا يده اليمنى‏و بعثوا بها إلى ولد عثمان بن بشر ابن المحتفز المزني.

و كان وكيع جافيا عظيم الخلقة صلى يوما و بين يديه نبت فجعل يأكل منه فقيل له: أ تأكل و أنت تصلى، فقال: ما كان اللّه أحرم نبتا أنبته بماء السماء على طين الثرى، و كان يشرب الخمر فعوتب عليها، فقال: فى الخمر تعاتبونى و هي تجلو بولي حتى تصيره كالفضة.

قالوا: و غضب قوم لابن خازم و وقع الاختلاف، و صارت طائفة مع بكير بن وشاح، و طائفة مع بجير، فكتب وجوه أهل خراسان و خيارهم إلى عبد الملك يعلمونه أنه لا تصلح خراسان بعد الفتنة إلا برجل من قريش، فولى أمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية خراسان، فولى بكير ابن و شاح طخارستان، ثم ولاه غزو ما وراء النهر: ثم عزم أمية على غزو بخارى ثم إتيان موسى بن عبد اللّه بن خازم بالترمذ فانصرف بكير إلى مرو و أخذ ابن أمية فحبسه و دعى الناس إلى خلع أمية فأجابوه، و بلغ ذلك أمية فصالح أهل بخارى على فدية قليلة و اتخذ السفن. و قد كان بكير أحرقها و رجع و ترك موسى بن عبد اللّه فقدم فقاتله بكير. ثم صالحه على أن يوليه أى ناحية شاء، ثم بلغ أمية أنه يسعى فى خلعه بعد ذلك، فأمر إذا دخل داره أن يأخذ فدخلها فأخذ و أمر بحبسه‏فوثب به بجير بن وقاء فقتله.

403

و غزا أمية الختل و قد نقضوا بعد أن صالحهم سعيد بن عثمان فافتتحها، أن الحجاج بن يوسف ولى خراسان مع العراقين، قولي خراسان المهلب بن أبى صفرة، و اسمه ظالم بن سراق بن صبح بن العتيك من الأزد، و يكنى أبا سعيد سنة تسع و تسعين فغزى كثيرة، و فتح الختل و قد انتقضت، و فتح خجندة فأدت إليه السغد الأتاوة، و غزاكش و نسف و رجع فمات بزاغول من مرو الروذ بالشوصة، و كان بدء علته الحزن على ابنه المغيرة بن المهلب و استخلف المهلب ابنه يزيد بن المهلب فغازا مغازي كثيرة و فتح البتم على يد مخلد بن يزيد بن المهلب.

و ولى الحجاج يزيد بن المهلب و صار عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب إلى هراة فى فل ابن الأشعث و غيرهم، و كان خرج مع ابن الأشعث فقتل الرقاد العتكي و جبى الخراج فسار إليه يزيد فاقتتلوا فهزمهم يزيد و أمر بالكف عن اتباعهم و لحق الهاشمي بالسند، و غزا يزيد خارزم و أصاب سبيا فلبس الجند ثياب السبي فماتوا من البرد، ثم ولى الحجاج المفضل بن المهلب بن أبى صفرة ففتح بادغيس و قد انتقضت و شومان و آخرون و أصاب غنائم قسمها بين الناس.

قالوا: و كان موسى بن عبد اللّه بن خازم السلمى بالترمذ، فأتى سمرقند فأكرمه ملكها طرخون، فوثب رجل من أصحابه على رجل من السغد فقتله‏فأخرجه و من معه و أتى صاحب كش. ثم أتى الترمذ و هو حصن فنزل على دهقان الترمذ و هيأ له طعاما فلما أكل اضطجع. فقال له الدهقان:

أخرج فقال: لست أعرف منزلا مثل هذا. و قاتل أهل الترمذ حتى غلب عليها. فخرج دهقانها و أهلها إلى الترك يستنصرونهم فلم ينصروهم. و قالوا:

لعنكم اللّه فما ترجون بجبر أتاكم رجل فى مائة و أخرجكم عن مدينتكم و غلبكم عليها.

404

ثم تتام أصحاب موسى إليه ممن كان مع أبيه و غيرهم، و لم يزل صاحب الترمذ و أهلها بالترك حتى أعانوا و أطافوا جميعا بموسى و من معه فبيتهم موسى و حوى عسكرهم و أصيب من المسلمين ستة عشر رجلا، و كان ثابت و حريث ابنا قطبة الخزاعيان مع موسى فاستجاشا طرخون و أصحابه لموسى فأنجده و أنهض إليه بشرا كثيرا فعظمت دالتهما عليه و كانا الآمرين و الناهيين فى عسكره فقيل له إنما لك الاسم و هذان صاحبا العسكر و الأمر، و خرج إليه من أهل الترمذ خلق من الهياطلة و الترك و اقتلوا قتالا شديدا فغلبهم المسلمون و من معهم فبلغ ذلك الحجاج، فقال: احمد للّه الذي نصر المنافقين على المشركين، و جعل موسى من رؤس من قاتله جوسقين عظيمين، و قتل حريث بن قطبة بنشابة أصابته فقال أصحاب موسى لموسى: قد أراحنا اللّه من حريث فأرحنا من ثابت‏فإنه لا يصفو عيش معه، و بلغ ثابتا ما يخوضون فيه فلما استثبته لحق بحشورا و استنجد طرخون فأنجده، فنهض إليه موسى فغلب على ربض المدينة، ثم كبرت أمداد السغد فرجع إلى الترمذ فتحصن بها و أعانه أهل كش و نسف و بخارى فحصر ثابت موسى و هو فى ثمانين ألفا فوجه موسى يزيد بن هزيل كالمعزى لزياد القصير الخزاعي و قد أصيب بمصيبة فالتمس الغرة من ثابت فضربه بالسيف على رأسه ضربة عاش بعدها سبعة أيام ثم مات و ألقى يزيد نفسه فى نهر الصغانيان فنجا و قام طرخون بأمر أصحابه فبيتهم موسى فرجعت الأعاجم إلى بلادها، و كان أهل خراسان يقولون: ما رأينا مثل موسى قاتل مع أبيه سنتين لم يفل، ثم أتى الترمذ فغلب عليها و هو فى عدة يسيرة و أخرج ملكها عنها ثم قاتل الترك و العجم فهزمهم و أوقع بهم فلما عزل يزيد ابن المهلب و تولى المفضل بن المهلب خراسان وجه عثمان بن مسعود، فسار حتى نزل جزيرة بالترمذ تدعى اليوم جزيرة عثمان، و هو فى خمسة عشر ألفا