فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
405

فضيق على موسى و كتب إلى طرخون فقدم عليه، فلما رأى موسى الذي ورد عليه خرج من المدينة و قال لأصحابه الذين خلفهم فيها: أن قتلت فادفعوا المدينة إلى مدرك بن المهلب و لا تدفعوها إلى ابن مسعود، و حال الترك و السغد بين موسى و الحصن و عثر به فرسه فسقط فارتدف خلف مولى له، و جعل يقول: الموت كريه فنظر إليه عثمان فقال وثبة موسى و رب الكعبة و قصد له حتى سقط و مولاه فانطووا عليه فقتلوه و قتل أصحابه فلم ينج منهم إلا رقية بن الحرفانه دفعه إلى خالد بن أبى برزة الأسلمى، و كان الذي أجهز على موسى بن عبد اللّه و اصل بن طيسلة العنبري، و دفعت المدينة إلى مدرك ابن المهلب و كان قتله فى آخر سنة خمس و ثمانين و ضرب رجل ساق موسى و هو قتيل فلما ولى قتيبة قتله.

قالوا: ثم ولى الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان، فخرج يريد آخرون فلما كان بالطالقاه تلقاه دهاقين بلخ فعبروا معه النهر فأتاه حين عبر النهر ملك الصغانيان بهدايا و مفتاح من ذهب و أعطاه الطاعة و دعاه إلى نزول بلاده و كان ملك آخرون و شومان قد ضيق على ملك الصغانيان و غزاه فلذلك أعطى قتيبة ما أعطاه و دعاه إلى ما دعاه إليه، و أتى قتيبة ملك كفيان بنحو ما أتاه به ملك الصغانيان و سلما إليه، بلديهما، فانصرف قتيبة إلى مرو و خلف أخاه صالحا على ما وراء النهر ففتح صالح كاسان و اورشت، و هي من فرغانة و كان نصر بن سيار معه فى جيشه و فتح بيعنخر و فتح خشكت من فرغانة و هي مدينتها القديمة، و كان آخر من فتح كاسان و أورشت، و قد انتقض أهلها نوح بن أسد فى خلافة أمير المؤمنين المنتصر بالله رحمه اللّه.

قالوا: و أرسل ملك الجوزجان إلى قتيبةفصالحه على أن يأتيه فصار إليه، ثم رجع فمات بالطالقان. ثم غزا قتيبة بيكند سنة سبع و ثمانين و معه‏

406

نيزك فقطع النهر من زم إلى بيكند، و هي أدنى مدائن بخارى إلى النهر فغدروا و استنصروا السغد فقاتلهم و أغار عليهم و حصرهم فطلبوا الصلح ففتحها عنوة و غزا قتيبة تومشكت و كرمينية سنة ثمان و ثمانين و استخلف على مرو بشار بن مسلم أخاه فصالحهم و افتتح حصونا صغارا و غزا قتيبة بخارى ففتحها على صلح، و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى أتى قتيبة بخارى فاحترسوا منه، فقال دعوني أدخلها فأصلى ركعتين فأذنوا له فى ذلك فاكمن لهم قوما، فلما دخلوا كاثروا أهل الباب و دخلوا فأصاب فيها مالا عظيما و غدر بأهلها، قال:

و أوقع قتيبة بالسغد و قتل نيزك بطخارستان و صلبه و افتتح كش و نسف و هي نخشب صلحا.

قالوا: و كان ملك خارزم ضعيفا، و كان أخوه خر زاد قد ضاده و قوى عليه، فبعث ملك خارزم إلى قتيبة أنى أعطيك كذا و كذا و أدفع إليك المفاتيح على أن تملكني على بلادي دون أخى، و خارزم ثلاث مدائن يحاط بها فارقين‏و مدينة الفيل أحصنها.

و قال على بن مجاهد إنما مدينة الفيل سمرقند، فنزل الملك أحصن المدائن و بعث إلى قتيبة بالمال الذي صالحه عليه و بالمفاتيح فوجه قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى خرزاد فقاتله و ظفر بأربعة آلاف أسير فقتلهم، و ملك ملك خارزم الأول على ما شرط له، فقال له أهل مملكته:

أنه ضعيف و وثبوا عليه فقتلوه، فولى قتيبة أخاه عبيد اللّه بن مسلم خوارزم، و غزا قتيبة سمرقند، و كانت ملوك السغد تنزلها قديما، ثم نزلت اشتيخن، فحصر قتيبة أهل سمرقند و التقوا مرارا فاقتتلوا، و كتب ملك السغد إلى ملك الشاش و هو مقيم بالطاربند، فأتاه فى خلق من مقاتلته فلقيهم المسلمون فاقتتلوا أشد قتال، ثم أن قتيبة أوقع بهم و كسرهم فصالحه غوزك على الفى ألف و مائتي ألف درهم فى كل عام و على أن يصلى فى المدينة فدخلها و قد اتخذ له غوزك طعاما فأكل و صلى و اتخذ مسجدا و خلف بها جماعة من‏

407

المسلمين فيهم الضحاك بن مزاحم صاحب التفسير، و يقال: أنه صالح قتيبة على سبعمائة ألف درهم و ضيافة المسلمين ثلاثة أيام، و كان فى صلحه بيوت الأصنام و النيران فأخرجت الأصنام فسلبت حليتها و أحرقت، و كانت الأعاجم تقول أن فيها أصناما من استخف بها هلك فلما حرقها قتيبة بيده أسلم منهم خلق، فقال المختار بن كعب الجعفي فى قتيبة:

دوخ السغد بالقبائل حتى # ترك السغد بالعراء قعودا

و قال أبو عبيدة و غيره لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم و أسكنها المسلمين على غدر فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا فان قضى بإخراج المسلمين أخرجوا فنصب لهم جميع بن حاضر الباجى فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء فكره أهل مدينة سمرقند الحرب و أقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم.

و قال الهيثم بن عدى: حدثني ابن عياش الهمذاني، قال: فتح قتيبة عامة الشاش و بلغ أسبيجاب، و قيل كان فتح حصن أسبيجاب قديما ثم غلب عليه الترك و معهم قوم من أهل الشاش، ثم فتحه نوح بن أسد فى خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله و بنى حوله سورا يحيط بكروم أهله و مزارعهم.

و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى فتح قتيبة خارزم و فتح سمرقند عنوة، و قد كان سعيد بن عثمان صالح أهلها ففتحها قتيبة بعده و لم يكونوا نقضوا و لكنه استقل صلحهم، قال: و فتح بيكند و كش و نسف و الشاش، و غزا فرغانة ففتح بعضها و غزا السغد و أشر و سنة، قالوا: و كان قتيبة مستوحشا من سليمان بن عبد الملك و ذلك أنه سعى فى بيعة عبد العزيز بن الوليد فأراد دفعها عن سليمان، فلما مات الوليد. و قام سليمان خطب الناس فقال‏

408

أنه قد وليكم هبنقة العائشى، و ذلك أن سليمان كان يعطى و يصطنع أهل النعم و اليسار و يدع من سواهم، و كان هبنقة و هو يزيد بن ثروان يؤثر سمان ابله بالعلف و المرعى، و يقول: أنا لا أصلح ما أفسد اللّه و دعا الناس إلى خلعه فلم يجبه أحد إلى ذلك فشتم بنى تميم و نسبهم إلى الغدر، و قال لستم بنى تميم و لكنكم بنى ذميم، و ذم بنى بكر بن وائل، و قال: يا أخوة مسلمة، و ذم الأزد فقال بدلتم الرماح بالمراد و بالسفن أعنة الحصن، و قال:

يا أهل السافلة و لا أقول أهل العالية لأضعنكم بحيث وضعكم اللّه، قال:

فكتب سليمان إلى قتيبة بالولاية و أمره بإطلاق كل من فى حبسه و أن يعطى الناس أعطياتهم و يأذن لمن أراد القفول فى القفول و كانوا متطلعين إلى ذلك و أمر رسوله باعلام الناس ما كتب به، فقال قتيبة: هذا من تدبيره على و قام فقال: أيها الناس إن سليمان قد مناكم مخ أعضاد البعوض و أنكم ستدعون إلى بيعة أنور صبي لا تحل ذبيحته و كانوا حنقين عليه لشتمه إياهم فاعتذر من ذلك، و قال: انى غضبت فلم أدر ما قلت و ما أردت لكم إلا الخير فتكلموا، و قالوا: إن أذن لنا فى القفول كان خيرا له.

و إن لم يفعل فلا يلومن إلا نفسه، و بلغه ذلك فخطب الناس فعدد إحسانه إليهم و ذم قلة وفائهم له و خلافهم عليه و خوفهم بالأعاجم الذين استظهر بهم عليهم، فأجمعوا على حربه و لم يجيبوه بشي‏ء و طلبوا إلى الحصين بن المنذر أن يولوه أمرهم فأبى و أشار عليهم بوكيع بن حسان بن قيس بن أبى سود بن كلب بن عوف بن مالك بن غدانة بن يربوع بن حنظلة التميمي، و قال: لا يقوى على هذا الأمر غيره لأنه أعرابى جاف تطيعه عشيرته و هو من بنى تميم و قد قتل قتيبة بنى الأهتم فهم يطلبونه بدمائهم فسعوا إلى وكيع فأعطاهم يده فبايعوه، و كان السفير بينه و بينهم قبل ذلك حيان مولى مصقلة و بخراسان يومئذ من مقاتلة أهل البصرة أربعون‏

409

ألفا و من أهل الكوفة سبعة آلاف و من الموالي سبعة آلاف، و إن وكيعا تمارض و لزم منزله فكان قتيبة يبعث إليه و قد طلى رجليه و ساقه بمغرة فيقول أنا عليل لا تمكنني الحركة، و كان إذا أرسل إليه قوما يأتونه به تسللوا و أتوا وكيعا فأخبروه فدعا وكيع بسلاحه و برمح و أخذ خمار أم ولده فعقده عليه، و لقيه رجل يقال له إدريس فقال له يا أبا مطرف أنك تريد أمرا و تخاف ما قد أمنك الرجل منه فاللّه اللّه، فقال وكيع: هذا إدريس رسول إبليس أ قتيبة يؤمنني و اللّه لا آتيه حتى أوتى برأسه، و دلف نحو فسطاط قتيبة و تلاحق به و قتيبة فى أهل بيته و قوم وفوا له فقال صالح أخوه لغلامه:

هات قوسي، فقال له بعضهم و هو يهزأ به: ليس هذا يوم قوس و رماه رجل من بنى ضبة فأصاب رهابته فصرع و أدخل الفسطاط فقضى و قتيبة عند رأسه و كان قتيبة يقول لحيان و هو على الأعاجم أحمل فيقول لم يأن ذلك بعد و حملت العجم على العرب، فقال حيان: يا معشر العجم لم تقتلون أنفسكم لقتيبة أ لحسن بلائه عندكم فانحاز بهم إلى بنى تميم و تهايج الناس و صبر مع قتيبة أخوته و أهل بيته و قوم من أبناء ملوك السغد أنفوا من خذلانه و قطعت أطناب الفسطاط و أطناب الفازة فسقطت على قتيبة و سقط عمود الفازة على هامته فقتله فاحتز رأسه عبد اللّه بن علوان، و قال قوم منهم هشام بن الكلبي: بل دخلوا عليه فسطاطه فقتله جهم بن زحر الجعفي و ضربه سعد بن مجد و احتز رأسه بن علوان، قالوا: و قتل معه جماعة من أخوته و أهل بيته و أم ولده الصماء و نجا ضرار بن مسلم أمنه بنو تميم، و أخذت الأزد رأس قتيبة و خاتمه و أتى وكيع برأس قتيبة فبعث به إلى سليمان مع سليط بن عطية الحنفي. و أقبل الناس يسلبون باهلة فمنع من ذلك، و كتب وكيع إلى أبى مجاز لاحق بن حميدة بعهده على مرو فقبله و رضى الناس به، و كان قتيبة يوم قتل ابن خمس و خمسين سنة، و لما قبل وكيع بن أبى سود بصارم بخراسان‏

410

و ضبطها فأراد سليمان توليته إياها فقيل له أن وكيعا ترفعه الفتنة و تضعه الجماعة و فيه جفاء و إعرابية، و كان وكيع يدعو بطست فيبول و الناس ينظرن إليه فمكث تسعة أشهر حتى قدم عليه يزيد بن المهلب، و كان بالعراق، فكتب إليه سليمان أن يأتى خراسان و بعث إليه بعهده فقدم يزيد مخلدا ابنه فحاسب وكيعا و حبسه، و قال له: أد مال اللّه فقال: أو خازنا للّه كنت، و غزا مخلد البتم ففتحها ثم نقضوا بعده فتركهم و مال عنهم فطمعوا فى انصرافه، ثم كر عليهم حتى دخلها و دخلها جهم بن زحر و أصاب بها مالا و أصناما من ذهب فأهل البتم ينسبون إلى ولائه، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانوا يرون أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الأهتم أبا خاقان قد كتب إلى الحجاج يسعى بقتيبة و يخبر بما صار إليه من المال و هو يومئذ خليفة قتيبة على مرو، و كان قتيبة إذا غزا استخلفه على مرو، فلما كانت غزوة بخارى و ما يليها و استخلفه‏أتاه بشير أحد بنى الأهتم، فقال له: أنك قد انبسطت إلى عبد اللّه و هو ذو غوائل حسود فلا نأمنه أن يعزلك فيستفسدنا قال إنما قلت هذا حسدا لابن عمك، قال فليكن عذري عندك فإن كان ذلك عذرتني و غزا، فكتب بما كتب به إلى الحجاج فطوى الحجاج كتابه فى كتابه إلى قتيبة، فجاء الرسول حتى نزل السكة بمرو و جاوزها، و لم يأت عبد اللّه فأحس بالشر فهرب فلحق بالشام فمكث زمنا يبيع الخمر و الكتانيات فى رزمة على عنقه يطوف بها، ثم أنه وضع خرقة و قطنة على إحدى عينيه ثم عصبها و اكتنى بأبى طينة، و كان يبيع الزيت فلم يزل على هذه الحال حتى هلك الوليد بن عبد الملك، و قام سليمان فألقى عنه ذاك الدنس و الخرقة و قام بخطبة تهنئة لسليمان و وقوعا فى الحجاج و قتيبة، و كان قد بايع لعبد العزيز بن الوليد و خلع سليمان فتفرق الناس و هم يقولون: أبو طينة الزيات أبلغ الناس، فلما انتهى إلى قتيبة كتاب ابن الأهتم إلى الحجاج و قد فاته عكر على‏

411

بنى عمه و بنيه، و كان أحدهم شيبة أبو شبيب فقتل تسعه أناسى منهم أحدهم بشير:

فقال له بشير: اذكر عذري عندك فقال قدمت رجلا و أخرت رجلا يا عدو اللّه فقتلهم جميعا، و كان وكيع بن‏أبى سود قبل ذلك على بنى تميم بخراسان فعزله عنهم قتيبة و استعمل رجلا من بنى ضرار الضبي، فقال حين قتلهم: قتلني اللّه أنا أقتله و يفقدوه فلم يصل الظهر و لا العصر، فقالوا له: أنك لم تصل، فقال:

و كيف أصلى لرب قتل منا عامتهم صبيان و لم يغضب لهم.

و قال أبو عبيدة: غزا قتيبة مدينة فيل ففتحها، و قد كان أمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فتحها ثم نكثوا و رامهم يزيد بن المهلب فلم يقدر عليها، فقال كعب الأشقرى:

أعطتك فيل بأيديها و حق لها # و رامها قبلك الفجاجة الصلف‏

يعنى يزيد بن المهلب، قالوا: و لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم، و كان عامل عمر على خراسان الجراح بن عبد اللّه الحكمي فأخذ مخلد بن يزيد و عمال يزيد فحبسهم و وجه الجراح عبد اللّه بن معمر اليشكري إلى ما وراء النهر فأوغل فى بلاد العدو و هم بدخول الصين فأحاطت به الترك حتى افتدى منهم و تخلص و صار إلى الشاش، و رفع عمر الخراج على من أسلم بخراسان و فرض لمن أسلم و ابتنى الخانات، ثم بلغ عمر عن الجراح عصبية و كتب إليه أنه لا يصلح أهل خراسان إلا السيف فأنكر ذلك و عزله و كان عليه دين فقضاه، و ولى عبد الرحمن بن نعيم الغامدى حرب خراسان و عبد الرحمن بن عبد اللّه القشيري خراجها.

قال و كان الجراح بن عبد اللّه يتخذ نقرا من فضة و ذهب و يصيرها تحت‏

412

بساط فى مجلسه على أوزان مختلفة، فإذا دخل عليه الداخل من أخوته و المعتزين به رمى إلى كل امرئ منهم مقدار ما يؤهل له، ثم ولى يزيد بن عبد الملك فولى مسلمة بن عبد الملك العراق و خراسان، فولى مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية خراسان و سعيد هذا يلقب حذيفة، و ذلك أن بعض دهاقين ما وراء النهر دخل عليه و عليه معصفر و قد رجل شعره، فقال: هذا حذيفة يعنى دهقانه، و كان سعيد صهر مسلمة على ابنته فقدم سعيد سورة بن الحر الحنظلي، ثم ابنه فتوجه إلى ما وراء النهر فنزل اشتيخن و قد صارت الترك إليهافحاربهم و هزمهم و منع الناس من طلبهم حينا، ثم لقى الترك ثانية فهزموهم و أكثروا القتل فى أصحابه و ولى سعيد نصر بن سيار و فى سعيد يقول الشاعر:

فسرت إلى الأعداء تلهو بلعبة # فايرك مشهور و سيفك مغمد

و شخص قوم من وجوه أهل خراسان إلى مسلمة يشكون سعيدا فعزله و ولى سعيد بن عمر الجرشى خراسان، فلما قدمها أمر كاتبه بقراءة عهده و كان لحانا، فقال سعيد: أيها الناس أن الأمير بري‏ء مما تسمعون من هذا اللحن و وجه إلى السغد يدعوهم إلى الفئة و المراجعة و كف عن مهايجتهم حتى أنته رسله بإقامتهم على خلافة فزحف إليهم فانقطع عن عظيمهم زهاء عشرة آلاف رجل، و فارقوهم مائلين إلى الطاعة، و افتتح الجرشى عامة حصون السغد و نال من العدو نيلا شافيا.

و كان يزيد بن عبد الملك ولى عهده هشام بن عبد الملك و الوليد بن يزيد بعده، فلما مات يزيد بن عبد الملك قام هشام فولى عمر بن هبيرة الفزاري العراق فعزل الجرشى و استعمل على خراسان مسلم بن سعيد فغزا افشين فصالحه على ستة آلاف رأس و دفع إليه قلعته ثم انصرف إلى مرو، و ولى‏

413

طخارستان نصر بن سيارفخالفه خلق من العرب فأوقع بهم ثم سفرت بينهم السفراء فاصطلحوا.

و استعمل هشام خالد بن عبد اللّه القسري على العراق فولى أسد بن عبد اللّه أخاه خراسان و بلغ ذلك مسلم بن سعيد، فسار حتى أتى فرغانة فأناخ على مدينتها فقطع الشجر و أخرب العمارة و انحدر عليه خاقان الترك فى عسكره فارتحل عن فرغانة و سار فى يوم واحد ثلاث مراحل حتى قامت دوابه و تطرفت الترك عسكره فقاب بعض الشعراء:

غزوت بنا من خشية العزل عاصيا # فلم تنج من دنيا معن غرورها

و قدم أسد سمرقند فاستعمل عليها الحسن بن أبى العمرطة، فكانت الترك تطرف سمرقند و تغير، و كان الحسن ينفر كلما أغاروا فلا يلحقهم، فخطب ذات يوم فدعا على الترك فى خطبته، فقال: اللهم أقطع آثارهم و عجل أقدارهم و أنزل عليهم الصبر فشتمه أهل سمرقند، و قالوا: لا بل أنزل اللّه علينا الصبر و زلزل أقدامهم.

و غزا أسد جبال نمرود فصالحه نمرود و أسلم و غزا الختل، فلما قدم بلخ أمر ببناء مدينتها و نقل الدواوين إليها و صار إلى الختل فلم يقدر منها على شي‏ء و أصاب الناس ضر و جوع و بلغه عن نصر بن سيار كلام فضربه و بعث به إلى خالد مع ثلاثة نفر اتهموا بالشغب، ثم شخص أسد عن خراسان و خلف عليها الحكم بن عوانة الكلبي، و استعمل هشام أشرس بن عبد اللّه السلمى على خراسان، و كان معه كاتب نبطي يسمى عميرة و يكنى أبا أمية فزين له الشر فزاد أشرس وظائف خراسان و استخف بالدهاقين، و دعا أهل ما وراء النهر إلى الإسلام و أمر بطرح الجزية عمن أسلم فسارعوا إلى الإسلام و انكسر الخراج، فلما رأى أشرس ذلك أخذ المسألة فأنكروا ذلك و ألاحوا منه‏

414

و غضب لهم ثابت قطنة الأزدى، و إنما قيل له قطنة لأن عينه فقئت فكان يضع عليها قطنة فبعث إليهم أشرس من فرق جمعهم و أخذ ثابتا فحبسه ثم خلاه بكفالة و وجهه فى وجه فخرجت عليه الترك فقتلته.

و استعمل هشام فى سنة اثنتي عشرة و مائة الجنيد بن عبد الرحمن المري على خراسان فلقى الترك فحاربهم و وجه طلائع له فظفروا بابن خاقان و هو سكران يتصيد، فأخذوه فأتوا به الجنيد بن عبد الرحمن فبعث به إلى هشام، و لم يزل‏يقاتل الترك حتى دفعهم، فكتب إلى هشام يستمده فأمده بعمرو بن مسلم فى عشرة آلاف رجل من أهل البصرة و بعبد الرحمن بن نعيم فى عشرة آلاف من أهل الكوفة و حمل إليه ثلاثين ألف قناة و ثلاثين ألف ترس و أطلق يده فى الفريضة ففرض لخمسة عشر ألف رجل، و كانت للجنيد مغاز و انتشرت دعاة بنى هشام فى ولايته و قوى أمرهم و كانت وفاة الجنيد بمرو، و ولى هشام خراسان عاصم بن عبد اللّه بن يزيد الهلالي، و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التاثت نواح من طخارستان ففتحها الجنيد بن عبد الرحمن و ردها إلى صلحها و مقاطعتها.

قال: و كان نصر بن سيار غزا اشر و سنة أيام مروان بن محمد فلم يقدر على شي‏ء منها، فلما استخلف أمير المؤمنين العباس رحمه اللّه و من بعده من الخلفاء كانوا يولون عمالهم فينقصون حدود أرض العدو و أطرافها و يحاربون من نكث البيعة و نقض العهد من أهل القبالة و يعيدون مصالحة من امتنع من الوفاء بصلحه بنصب الحرب له.

قالوا: و لما استخلف المأمون أمير المؤمنين أغزى السغد و أشروسنة و من انتقض عليه من أهل فرغانة الجند و ألح عليهم بالحروب و بالغارات أيام مقامه بخراسان و بعد ذلك، و كان مع تسريته الخيول إليهم يكاتبهم بالدعاء إلى الإسلام و الطاعة و الترغيب فيهما. ـ

415

و وجه إلى كابل شاه جيشا فأدى الأتاوة و أذعن بالطاعة و اتصل إليها البريد حتى حمل إليها منها إهليلج وصل رطبا، و كان كاوس ملك اشروسنة كتب إلى الفضل بن سهل المعروف بذي الرياستين، و هو وزير المأمون و كاتبه يسأله الصلح على مال يؤديه على أن لا يغزى المسلمين بلده فأجيب إلى ذلك، فلما قدم المأمون رحمه اللّه إلى مدينة السلام امتنع كاوس من الوفاء بالصلح، و كان له قهرمان أثير عنده قد زوج ابنته من الفضل بن كاوس فكان يفرط الفضل عنده و يقربه من قبله و يذم حيدر بن كاوس المعروف بالأفشين و يشنعه، فوثب حيدر على القرمان فقتله على باب كنب مدينتهم و هرب إلى هاشم بن محوز الختلي، و كان هاشم ببلده مملكا عليه، فسأله أن يكتب إلى أبيه فى الرضى عليه، و كان كاوس قد زوج أم جنيد حين قتل قهرمانه طراديس و هرب ببعض دهاقينه.

فلما بلغ حيدر ذلك أظهر الإسلام و شخص إلى مدينة السلام، فوصف للمأمون سهولة الأمر فى أشر و سنة و هون عليه ما يهوله الناس من خبروها و وصف له طريقا مختصرة إليها، فوجه المأمون أحمد بن أبى خالد الأحول الكاتب لغزوها فى جيش عظيم، فلما بلغ كاوس إقباله نحوه بعث الفضل ابن كاوس إلى الترك يستنجدهم فأنجده منهم الدهم، و قدم أحمد بن أبى خالد بلد أشر و سنة فأناخ على مدينتها قبل موافاة الفضل بالأتراك فكان تقدير كاوس فيه‏أن يسلك الطريق البعيدة و أنه لا يعرف هذه الطريق المختصرة فسقط فى يده و نخب قلبه فاستسلم و خرج فى الطاعة و بلغ الفضل خبره فانحاز بالأتراك إلى مفازة هناك ثم فارقهم و سار جلدا حتى أتى أباه فدخل فى أمانه و هلك الأتراك عطشا، و ورد كاوس مدينة السلام فأظهر الإسلام و ملكه المأمون على بلاده، ثم ملك حيدر ابنه و هو الأفشين بعده، و كان المأمون رحمه اللّه يكتب إلى عماله على خراسان فى غزو من لم يكن على‏

416

الطاعة و الإسلام من أهل ما وراء النهر، و يوجه رسله فيفرضون لمن رغب فى الديوان و أراد الفريضة من أهل تلك النواحي و أبناء ملوكهم و يستميلهم بالرغبة فإذا و ردوا بابه شرفهم و أسنى صلاتهم و أرزاقهم، ثم استخلف المعتصم بالله فكان على مثل ذلك حتى صار حل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر من السغد و الفراعنة و الأشروسنة و أهل الشاش و غيرهم، و حضر ملوكهم بابه و غلب الإسلام على ما هناك، و صار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك، و أعزى عبد اللّه بن طاهر ابنه طاهر بن عبد اللّه بلاد الغوزية، ففتح مواضع لم يصل إليها أحد قبله.

و حدثني العمرى عن الهيثم بن عدى عن ابن عياش أن قتيبة أسكن العرب ما وراء النهر حتى أسكنهم أرض فرغانة و الشاش.

فتوح السِّنْد السند

أخبرنا على بن محمد بن عبد اللّه بن أبى سيف، قال: ولى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه عثمان بن أبى العاصي الثقفي البحرين و عمان سنة خمس عشرة فوجه أخاه الحكم إلى البحرين و مضى إلى عمان فأقطع جيشا إلى تانه، فلما رجع الجيش كتب إلى عمر يعلمه ذلك، فكتب إليه عمر: يا أخا ثقيف حملت دودا على عود و إنى أحلف بالله لو أصيبوا لأخذت من قومك مثلهم، و وجه الحكم أيضا إلى بروص، و وجه أخاه المغيرة بن أبى العاصي إلى خور الديبل، فلقى العدو فظفر، فلما ولى عثمان بن عفان رضى اللّه عنه، و ولى عبد اللّه بن عامر بن كريز العراق كتب إليه يأمره أن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم علمه و ينصرف إليه بخبره فوجه حكيم بن جبلة العبدى، فلما رجع أوفده إلى عثمان فسأله عن حال البلاد فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفتها و تنحرتها، قال فصفها لى، قال: ماؤها و شل‏

417

و ثمرها دفل و لصها بطل، إن قل الجيش فيها ضاعوا، و إن كثروا جاعوا، فقال له عثمان: أ خابر أم ساجع، قال: بل خابر فلم يغزها أحدا، فلما كان آخر سنة ثمان و ثلاثين و أول سنة تسع و ثلاثين فى خلافة على بن أبى طالب رضى اللّه عنه توجه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدى متطوعا بإذن على فظفر و أصاب مغنما و سبيا و قسم فى يوم واحد ألف رأس، ثم إنه قتل و من معه بأرض القيقان إلا قليلا، و كان مقتله فى سنة اثنتين و أربعين و القيقان من بلاد السند مما يلي خراسان، ثم غزا ذلك الثغر المهلب بن أبى صفرة فى أيام معاوية سنة أربع و أربعين فأتى بنة و الأهواز و هما بين الملتان و كابل فلقيه العدو فقاتله و من معه، و لقى المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارسا من الترك على خيل محذوفة فقاتلوه فقتلوا جميعا، فقال المهلب: ما جعل هؤلاء الأعاجم أولى بالتمشير منا فحذف الخيل فكان أول من حذفها من المسلمين و فى بنة يقول الأزدى:

أ لم تر أن الأزد ليلة بيتوا # ببنة كانوا خير جيش المهلب‏

ثم ولى عبد اللّه بن عامر فى زمن معاوية بن أبى سفيان عبد اللّه بن سوار العبدى، و يقال ولاه معاوية من قبله ثغر الهند، فغزا القيقان فأصاب مغنما، ثم وفد إلى معاوية و أهدى إليه خيلا قيقانية و أقام عنده، ثم رجع إلى القيقان‏فاستجاشوا الترك فقتلوه و فيه يقول الشاعر:

و ابن سوار على عدته # موقد النار و قتال السغب‏

و كان سخيا لم يوقد أحد نارا غير ناره فى عسكره، فرأى ذات ليلة نارا فقال: ما هذه، فقالوا: امرأة نفساء يعمل لها خبيص فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثا و ولى زياد بن أبى سفيان فى أيام معاوية سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، و كان فاضلا متألها، و هو أول من أحلف الجند بالطلاق فأتى الثغر ففتح مكران عنوة و مصرها و أقام بها و ضبط البلاد، و فيه يقول الشاعر:

418

رأيت هذيلا أحدثت فى يمينها # طلاق نساء ما يسوق لها مهرا

لهان على حلفة ابن محبق # إذا رفعت أعناقها حلقا صفرا

و قال ابن الكلبي: كان الذي فتح مكران حكيم بن جبلة العبدى، ثم استعمل زياد على الثغر راشد بن عمرو الجديدى من الأزد فأتى مكران، ثم غزا القيقان فظفر، ثم غزا الميد فقتل، و قام بأمر الناس سنان بن سلمة فولاه زياد الثغر فأقام به سنتين، و قال أعشى همدان فى مكران:

و أنت تسير إلى مكران # فقد شحط الورد و المصدر

و لم تك حاجتي مكران # و لا الغزو فيها و لا المتجر

و حدثت عنها و لم آتها # فما زالت من ذكر آخر

بأن الكثير بها جائع # و أن القليل بها معور

(1)

و غزا عباد بن زياد ثغر الهند من سجستان فأتى سناروذ ثم أخذ على حوى كهز إلى الروذبار من أرض سجستان إلى الهندمند فنزل كش و قطع المفازة حتى أتى القندهار فقاتل أهلها فهزمهم و فلهم و فتحها بعد أن أصيب رجال من المسلمين، و رأى قلانس أهلها طوالا فعمل عليها فسميت العبادية و قال ابن مفرغ: (1)

كم بالجروم و أرض الهند من قدم # و من سرائنك قتلى لا هم قبروا

بقندهار و من تكتب منيته # بقندهار يرجم دونه الخبر

ثم ولى زياد المنذر بن الجارود العبدى و يكنى أبا الأشعث ثغر الهند، فغزا البوقان و القيقان فظفر المسلمون و غنموا و بث السرايا فى بلادهم، و فتح قصدار و سبابها، و كان سنان قد فتحها إلا أن أهلها انتقضوا، و بها مات فقال الشاعر:

حل بقصدار فأضحى بها # فى القبر لم يغفل مع الغافلين‏

____________

(1) وردت في الأصل مقارع فصححناها اعتمادا على بعض المصادر الأدبية.

419

للّه قصدار و أعنابها # أى فتى دنيا أجنت و دين‏

ثم ولى عبيد بن زياد بن حرى الباهلي، ففتح اللّه تلك البلاد على يده و قاتل بها قتالا شديدا فظفر و غنم، و قال قوم: أن عبيد اللّه بن زياد ولى سنان ابن سلمة، و كان حرى على سراياه و فى حرى بن حرى يقول الشاعر:

لو لا طعانى بالبوقان ما رجعت # منه سرايا ابن حرى باسلاب‏

و أهل البوقان اليوم مسلمون و قد بنى عمران بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي بها مدينة سماها البيضاء و ذلك فى خلافة المعتصم بالله، و لما ولى الحجاج ابن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل الثقفي العراق ولى سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي مكران و ذلك الثغر فخرج عليه معاوية و محمد ابنا الحارث العلافيان فقتل و غلب العلافيان على الثغر و اسم علاف هو ربان بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، و هو أبو جرم، فولى الحجاج مجاعة بن سعر التميمي ذلك الثغر فغزا مجاعة فغنم و فتح طوائف من قندابيل، ثم أتم فتحها محمد ابن القاسم و مات مجاعة بعد سنة بمكران قال الشاعر:

ما من مشاهدك التي شاهدتها # إلا يزينك ذكرها مجاعا

ثم استعمل الحجاج بعد مجاعة محمد بن هارون بن ذراع النمري فأهدى إلى الحجاج فى ولايته ملك جزيرة الياقوت نسوة ولدن فى بلاده مسلمات و مات آباؤهن و كانوا تجارا فأراد التقرب بهن، فعرض للسفينة التي كنا فيها قوم من ميد الديبل فى بوارج فأخذوا السفينة بما فيها فنادت امرأة منهن و كانت من بنى يربوع يا حجاج، و بلغ الحجاج ذلك فقال: يا لبيك فأرسل إلى داهر يسأله تخلية النسوة. فقال: إنما أخذهن لصوص لا أقدر عليهم، فأغزى الحجاج عبيد اللّه بن نبهان الديبل فقتل، فكتب إلى بديل بن طهفة البجلي و هو بعمان يأمره أن يسير إلى الديبل، فلما لقيهم نفر به فرسه فأطاف به العدو

420

فقتلوه و قال بعضهم قتله زط البدهة، قال: و إنما سميت هذه الجزيرة جزيرة الياقوت لحسن وجوه نسائها، ثم ولى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل فى أيام الوليد بن عبد الملك فغزا السند، و كان محمد بفارس و قد أمره أن يسير إلى الري و على مقدمته أبو الأسود جهم بن زحر الجعفي فرده إليه و عقد له على ثغر السند و ضم إليه ستة آلاف من جند أهل الشام و خلقا من غيرهم و جهزه بكل ما احتاج إليه حتى الخيوط و المال، و أمره أن يقيم بشيراز حتى يتتام إليه أصحابه و يوافيه ما عدله، فعمد الحجاج إلى القطن المحلوج فنقع فى الخل الخمر الحاذق، ثم جفف فى الظل فقال: إذا صرتم إلى السند فان الخل بها ضيق فانقعوا هذا القطن فى الماء ثم اطبخوا به و اصطبغوا، و يقال أن محمدا لما صار إلى الثغر كتب يشكو ضيق الخل عليهم فبعث إليه بالقطن المنقوع فى الخل، فسار محمد بن القاسم إلى مكران فأقام بها أياما ثم أتى قنزبور ففتحها ثم أتى ارمائيل‏ففتحها و كان محمد بن هارون بن ذراع قد لقيه فانضم إليه و سار معه فتوفى بالقرب منها فدفن بقنيل، ثم سار محمد بن القاسم من ارمائيل و معه جهم بن زحر الجعفي فقدم الديبل يوم جمعة و وافته سفن كان حمل فيها الرجال و السلاح و الأداة فخندق حين نزل الديبل، و ركزت الرماح على الخندق، و نشرت الأعلام، و أنزل الناس على راياتهم، و نصب منجنيقا تعرف بالعرس كان يمد فيها خمسمائة رجل، و كان بالديبل بد عظيم عليه دقل طويل و على الدقل راية حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة و كانت تدور و البد فيما ذكروا منارة عظيمة يتخذ فى بناء لهم فيه صنم لهم أو أصنام يشهر بها و قد يكون الصنم فى داخل المنارة أيضا و كل شي‏ء أعظموه من طريق العبادة فهو عندهم بد، و الصنم بد أيضا، و كانت كتب الحجاج ترد على محمد و كتب محمد ترد عليه بصفة ما قبله و استطلاع رأيه فيما يعمل به فى كل ثلاثة أيام، فورد على محمد من الحجاج‏

421

كتاب ان أنصب العرس و اقصر منها قائمة و لتكن مما يلي المشرق ثم ادع صاحبها فمره أن يقصد برميته للدقل الذي وصفت لى فرمى الدقل فكسر فاشتد طرة الكفر من ذلك، ثم أن محمدا ناهضهم و قد خرجوا إليه فهزمهم حتى ردهم، و أمر بالسلاليم فوضعت و صعد عليها الرجال، و كان أولهم صعودا رجل من مراد من أهل الكوفة ففتحت عنوة، و مكث محمد يقتل من فيها ثلاثة أيام و هرب عامل داهر عنها و قتل سادنى بيت آلهتهم، و اختط محمد للمسلمين بها و بنى مسجدا و أنزلها أربعة آلاف.

قال محمد بن يحيى: فحدثني منصور بن حاتم النحوي مولى آل خالد بن أسيد أنه رأى الدقل الذي كان على منارة البد مكسورا، و أن عنبسة بن إسحاق الضبي العامل كان على السند فى خلافة المعتصم بالله رحمه اللّه هدم أعلى تلك المنارة و جعل فيها سجنا و ابتدأ فى مرمة المدينة بما نقض من حجارة تلك المناورة فعزل قبل استتمام ذلك، و ولى بعده هارون بن أبى خالد المرور و ذى فقتل بها.

قالوا: و أتى محمد بن القاسم البيرون و كان أهلها بعثوا سمنيين منهم إلى الحجاج فصالحوه فأقاموا لمحمد العلوفة و أدخلوه مدينتهم و وفوا بالصلح و جعل محمد لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران فأتاه سمنية سريبدس فصالحوه عمن خلفهم و وظف عليهم الخراج و سار إلى سهيان ففتحها، ثم سار إلى مهران فنزل فى وسطه فبلغ ذلك داهر و استعد لمحاربته و بعث محمد بن القاسم محمد بن مصعب بن عبد الرحمن الثقفي إلى سدوسا فى خيل و حمارات، فطلب أهلها الأمان و الصلح و سفر بينه و بينهم السمنية فأمنهم و وظف عليهم خرجا و أخذ منهم رهنا و انصرف إلى محمد و معه من الزط أربعة آلاف فصاروا مع محمد، و ولى سدوسان رجلا، ثم أن محمدا احتال لعبور مهران حتى عبره مما يلي بلاد راسل ملك قصة من الهند على جسر عقده و داهر

422

مستخف به لاه عنه و لقيه محمد و المسلمون‏و هو على فيل و حوله الفيلة و معه التكاكره فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله و ترجل داهر و قاتل فقتل عند المساء و انهزم المشركون فقتلهم المسلمون كيف شاءوا و كان الذي قتله فى رواية المدائني رجلا من بنى كلاب و قال:

الخيل تشهد يوم داهر و القنا # و محمد بن القاسم بن محمد

أنى فرجت الجمع غير معرد # حتى علوت عظيمهم بمهند

فتركته تحت العجاج مجدلا # متعفر الخدين غير مؤسد

فحدثني منصور بن حاتم، قال: داهر و الذي قتله مصوران ببروص و بديل بن طهفة مصور بقند و قبره بالديبل.

و حدثني على بن محمد المدائني عن أبى محمد الهندي عن أبى الفرج قال:

لما قتل داهر غلب محمد بن القاسم على بلاد السند، و قال ابن الكلبي: كان الذي قتل داهر القاسم بن ثعلبة بن عبد اللّه بن حصن الطائي.

قالوا و فتح محمد بن القاسم راور عنوة و كانت بها امرأة لداهر فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها و جواريها و جميع مالها، ثم أتى محمد بن القاسم بزهمناباذ العتيقة و هي على رأس فرسخين من المنصورة، و لم تكن المنصورة يومئذ إنما كان موضعا غيضة، و كان فل داهر ببرهمناباذ هذه‏فقاتلوه ففتحها محمد عنوة و قتل بها ثمانية آلاف و قيل ستة و عشرين ألفا و خلف فيها عامله و هي اليوم خراب، و سار محمد يريد الرور و بغرور فتلقاه أهل ساوندرى فسألوه الأمان فأعطاهم إياه و اشترط عليهم ضيافة المسلمين و دلالتهم و أهل ساوندرى اليوم مسلمون، ثم تقدم إلى بسمد فصالح أهلها على مثل صلح ساوندرى و انتهى محمد إلى الرور و هي من مدائن السند و هي على جبل فحصرهم‏

423

أشهرا ففتحها صلحا على أن لا يقتلهم و لا يعرض لبدهم و قال: ما البد إلا ككنائس النصارى و اليهود و بيوت نيران المجوس و وضع عليهم الخراج بالروروينى مسجدا، و سار محمد إلى السكة و هي مدينة دون يباس ففتحها و السكة اليوم خراب، ثم قطع نهر يباس إلى الملتان فقاتله أهل الملتان فأبلى زائدة بن عمير الطائي، و انهزم المشركون فدخلوا المدينة و حصرهم محمد و نفدت أزواد المسلمين فأكلوا الحمر، ثم أتاهم رجل مستأمن فدلهم على مدخل الماء الذي منه شربهم و هو ماء يجرى من نهر بسمد فيصير فى مجتمع له مثل البركة فى المدينة و هم يسمونه البلاح فغوره، فلما عطشوا نزلوا على الحكم فقتل محمد المقاتلة و سبى الذرية و سبى سدنة البد و هم ستة آلاف، و أصابوا ذهبا كثيرا فجمعت تلك الأموال فى بيت يكون عشرة أذرع فى ثماني أذرع يلقى ما أودعه فى كوة مفتوحة فى سطحه‏فسميت الملتان، فرج بيت الذهب و الفرج الثغر و كان بد الملتان بدا تهدى إليه الأموال و ينذر له النذور و يحج إليه السند فيطوفون به و يحلقون رؤسهم و لحاهم عنده، و يزعمون أن صنما فيه هو أيوب النبي صلى اللّه عليه و سلم.

قالوا: و نظر الحجاج فإذا هو قد أنفق على محمد بن القاسم ستين ألف ألف و وجد ما حمل إليه عشرين و مائة ألف ألف، فقال: شفينا غيظنا و أدركنا ثارنا و ازددنا ستين ألف ألف درهم و رأس داهر، و مات الحجاج فأتت محمدا وفاته فرجع عن الملتان إلى الرورو بغرور، و كان قد فتحها فأعطى الناس و وجه إلى البيلمان جيشا فلم يقاتلوا و أعطوا الطاعة و سالمه أهل سرست و هي مغزى أهل البصرة اليوم و أهلها الميد الذي يقطعون فى البحر، ثم أتى محمد الكيرج فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم العدو و هرب دوهر، و يقال قتل و نزل أهل المدينة على حكم محمد فقتل و سبى قال الشاعر:

نحن قتلنا داهرا و دوهرا*و الخيل تردى منسرا فمنسرا

424

و مات الوليد بن عبد الملك، و ولى سليمان بن عبد الملك فاستعمل صالح ابن عبد الرحمن على خراج العراق، و ولى يزيد بن أبى كبشة السكسكي السند فحمل محمد بن القاسم مقيدا مع معاوية بن المهلب، فقال محمد متمثلا:

أضاعونى و أى فتى أضاعوا*ليوم كريهة و سداد ثغر فبكى أهل الهند على محمد و صوروه بالكيرج فحبسه صالح بواسط فقال:

فلئن ثويت بواسط و بأرضها # رهن الحديد مكبلا مغلولا

فلرب فتية فارس قد رعتها # و لرب قرن قد تركت قتيلا

و قال:

لو كنت جمعت القرار لوطئت # إناث أعدت للوغى و ذكور

و ما دخلت خيل السكاسك أرضنا # و لا كان من عك على أمير

و لا كنت للعبد المزونى تابعا # فيا لك دهر بالكرام عثور

فعذبه صالح فى رجال من آل أبى عقيل حتى قتلهم، و كان الحجاج قتل آدم أخا صالح، و كان يرى رأى الخوارج، و قال حمزة بن بيض الحنفي:

إن المروءة و السماحة و الندى # لمحمد بن القاسم بن محمد

ساس الجيوش لسبع عشرة حجة # يا قرب ذلك سوددا من مولد

و قال آخر:

ساس الرجال لسبع عشرة حجة # و لداته عن ذاك فى أشغال‏

و مات يزيد بن أبى كبشة بعد قدومه أرض السند بثمانية عشر يوما و استعمل سليمان بن عبد الملك حبيب بن المهلب على حرب السند فقدمها و قد رجع ملوك الهند إلى ممالكهم فرجع حليشة بن داهر إلى برهمناباذ و نزل حبيب على شاطئ مهران فأعطاه أهل الرور الطاعة و حارب قوما فظفر

425

بهم، ثم مات سليمان بن عبد الملك و كانت خلافة عمر بن عبد العزيز بعده فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام و الطاعة على أن يملكهم و لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم، و قد كانت بلغتهم سيرته و مذهبه فأسلم حليشة و الملوك و تسموا بأسماء العرب، و كان عمرو بن مسلم الباهلي عامل عمرعلى ذلك الثغر فغزا بعض الهند فظفر و هرب بنو المهلب إلى السند فى أيام يزيد ابن عبد الملك فوجه إليهم هلال بن أحوز التميمي فلقيهم فقتل مدرك بن المهلب بقندابيل و قتل المفضل و عبد الملك و زياد و مروان و معاوية بنى المهلب و قتل معاوية بن يزيد فى آخرين.

و ولى الجنيد بن عبد الرحمن المري من قبل عمر بن هبيرة الفزاري ثغر السند، ثم ولاه إياه هشام بن عبد الملك فلما قدم خالد بن عبد اللّه القسري العراق كتب هشام إلى الجنيد يأمره بمكاتبته فأتى الجنيد الديبل، ثم نزل شط مهران فمنعه حليشة العبور و أرسل إليه أنى قد أسلمت و ولاني الرجل الصالح بلادي و لست آمنك فأعطاه رهنا و أخذ منه رهنا بما على بلاده من الخراج، ثم أنهما ترادا الرهن و كفر حليشة و حارب و قيل أنه لم يحارب و لكن الجنيد يجنى عليه، فأتى الهند فجمع جموعا و أخذ السفن و استعد للحرب فسار إليه الجنيد فى السفن فالتقوا فى بطيحة الشرقي فأخذ حليشة أسيرا و قد جنحت سفينته فقتله و هرب صصه بن داهر و هو يريد أن يمضى إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده فى يده فقتله و غزا الجنيد الكيرج، و كانوا قد نقضوا فاتخذ كباشا نطاحةفصك بها حائط المدينة حتى ثلمه و دخلها عنوة فقتل و سبى و غنم و وجه العمال إلى مرمد و المندل و دهنج و بروص، و كان الجنيد يقول القتل فى الجزع أكبر منه فى الصبر، و وجه الجنيد جيشا إلى أزين و وجه حبيب بن مرة فى جيش إلى أرض المالية فأغاروا على أزين و غزوا بهريمد فحرقوا ربضها، و فتح الجنيد

426

البيلمان و الجرز، و حصل فى منزله سوى ما أعطى زواره أربعين ألف ألف و حمل مثلها قال جرير:

أصبح زوار الجنيد و صحبه # يحيون صلت الوجه حما مواهبه‏

و قال أبو الجويرية:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم # قوم بإحسانهم أو مجدهم قعدوا

محسدون على ما كان من كرم # لا ينزع اللّه منهم ماله حسدوا

ثم ولى بعد الجنيد تميم بن زيد العتبى فضعف و وهن و مات قريبا من الديبل بماء يقال له ماء الجواميس، و إنما سمى ماء الجواميس لأنه يهرب بها إليه من دباب زرق تكون بشاطئ مهران، و كان تميم‏من أسخياء العرب وجد فى بيت المال بالسند ثمانية عشر ألف ألف درهم طاطرية فاسرع فيها، و كان قد شخص معه فى الجند فتى من بنى يربوع يقال له خنيس و أمه من طي‏ء إلى الهند فأتت الفرزدق فسألته أن يكتب إلى تميم فى اقفاله و عاذت بقبر غالب أبيه، فكتب الفرزدق إلى تميم:

أتتنى فعاذت يا تميم بغالب # و بالحفرة السافي عليها ترابها

فهب لى خنيسا و اتخذ فيه منة # لحوبة أم ما يسوغ شرابها

تميم بن زيد لا تكونن حاجتي # بظهر و لا يجفى عليك جوابها

فلا تكثر الترداد فيها فإننى # ملول لحاجات بطي‏ء طلابها

فلم يدر ما اسم الفتى أهو خنيش أم خنيس فأمر أن يقفل كل من كان اسمه على مثل هذه الحروف، و فى أيام تميم خرج المسلمون عن بلاد الهند و رفضوا مراكزهم فلم يعودوا إليها إلى هذه الغاية، ثم ولى الحكم بن عوانة الكلبي و قد كفر أهل الهند إلا أهل قصة فلم ير للمسلمين ملجأ يلجأون إليه فبنى من وراء البحيرة مما يلي الهند مدينةسماها المحفوظة و جعلها مأوى لهم‏

427

و معاذا و مصرها، و قال لمشايخ كلب من أهل الشام ما ترون أن نسميها، فقال بعضهم دمشق، و قال بعضهم حمص، و قال رجل منهم سمها تدمر، فقال: دمر اللّه عليك يا أحمق و لكنى أسميها المحفوظة و نزلها، و كان عمرو ابن محمد بن القاسم مع الحكم، و كان يفوض إليه و يقلده جسيم أموره و أعماله، فأغزاها من المحفوظة، فلما قدم عليه و قد ظفر أمره فبنى دون البحيرة مدينة و سماها المنصورة فهي التي ينزلها العمال اليوم، و تخلص الحكم ما كان فى أيدى العدو مما غلبوا عليه و رضى الناس بولايته، و كان خالد يقول وا عجبا و ليت فتى العرب فرفض يعنى تميما و وليت أبخل الناس فرضي به، ثم قتل الحكم بها، ثم كان العمال بعد يقاتلون العدو فيأخذون ما استطف لهم و يفتحون الناحية قد نكث أهلها، فلما كان أول الدولة المباركة ولى أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم مغلسا البعدى ثغر السند و أخذ على طخارستان و سار حتى صار إلى منصور ابن جمهور الكلبي و هو بالسند فلقيه منصور فقتله و هزم جنده، فلما بلغ أبا مسلم ذلك عقد لموسى بن كعب التميمي ثم وجهه إلى السند، فلما قدمها كان بينه و بين منصور بن جمهور مهران، ثم التقيا فهزم منصورا و جيشه و قتل منظورا أخاه و خرج منصور مفلولا هاربا حتى ورد الرمل فمات عطشا، و ولى موسى السند فرم المنصورة و زاد فى مسجدها و غزا و افتتح، و ولى أمير المؤمنين المنصور رحمه اللّه هشام بن عمرو التغلبي السند ففتح ما استغلق، و وجه عمرو بن جمل فى بوارج إلى نارند و وجه إلى ناحية الهند فافتتح قشميرا و أصاب سبابا و رقيقا كثيرا، و فتح الملتان و كان بقندابيل متغلبة من العرب فأجلاهم عنها، و أتى القندهار فى السفن ففتحها و هدم البد و بنى موضعه مسجدا، فأخصبت البلاد فى ولايته فتبركوا به و دوخ الثغر و حكم أموره، ثم ولى ثغر السند عمر بن حفص بن عثمان هزار مرد ثم داود بن يزيد بن حاتم، و كان معه أبو الصمة

428

المتغلب اليوم و هو مولى لكندة، و لم يزل أمر ذلك الثغر مستقيما حتى وليه بشر بن داود فى خلافة المأمون فعصى و خالف فوجه إليه غسان بن عباد و هو رجل من أهل سواد الكوفة فخرج بشر إليه فى الأمان و ورد به مدينة السلام، و خلف غسان على الثغر موسى بر يحيى بن خالد بن برمك، فقتل باله ملك الشرقي و قد بذل له خمسمائة ألف درهم على أن يستبقه، و كان باله هذا التوى على غسان و كتب إليه فى حضور عسكره فيمن حضره من الملوك فأبى ذلك، و أثر موسى أثرا حسنا و مات سنة إحدى و عشرين و استخلف ابنه عمران بن موسى فكتب إليه أمير المؤمنين المعتصم بالله بولاية الثغر فخرج إلى القيقان و هم زط فقاتلهم فغلبهم، و بنى مدينة سماها البيضاء و أسكنها الجند، ثم أتى المنصورة و صار منها إلى قندابيل و هي مدينة على جبل و فيها متغلب يقال له محمد بن الخليل فقاتله و فتحها و حمل رؤساءها إلى قصدار، ثم غزا الميد و قتل منهم ثلاثة آلاف و سكر سكرا يعرف بسكر الميد و عسكر عمران على نهر الرور ثم نادى بالزط الذين بحضرته فأتوه فختم أيديهم و أخذ الجزية منهم و أمرهم بأن يكون مع كل رجل منهم إذا اعترض عليه كلب، فبلغ الكلب خمسين درهما، ثم غزا الميد و معه وجوه الزط، فحفر من البحر نهرا أجراه فى بطيحتهم حتى ملح ماءهم و شن الغارات عليهم، ثم وقعت العصبية بين النزارية و اليمانية فمال عمران إلى اليمانية فسار إليه عمر بن عبد العزيز الهبارى فقتله و هو غار، و كان جد عمر هذا ممن قدم السند مع الحكم بن عوانة الكلبي.

و حدثني منصور بن حاتم، قال: كان الفضل بن ماهان مولى بنى سامة فتح سندان و غلب عليها و بعث إلى المأمون رحمه اللّه بفيل و كاتبه و دعا له فى مسجد جامع اتخذه بها، فلما مات قام محمد بن الفضل بن ماهان مقامه فسار

429

فى سبعين بارجة إلى ميد الهند فقتل منهم خلقا و افتتح فالى و رجع إلى سندان و قد غلب عليها أخ له يقال له ماهان بن الفضل، و كاتب أمير المؤمنين المعتصم بالله و أهدى إليه ساجا لم ير مثله عظما و طولا، و كانت الهند فى أمر أخيه فمالوا عليه فقتلوه و صلبوه، ثم أن الهند بعد غلبوا على سندان فتركوا مسجدها للمسلمين يجمعون فيه و يدعون للخليفة.

و حدثني أبو بكر مولى الكريزبين: أن بلدا يدعى العسيفان بين قشمير و الملتان، و كابل، كان له ملك عاقل، و كان أهل ذلك البلد يعبدون صنما قد بنى عليه بيت و أبدوه، فمرض ابن الملك فدعى سدنة ذلك البيت، فقال لهم: أدعوا الصنم أن يبرئ ابني فغابوا عنه ساعة، ثم أتوه فقالوا قد دعوناه و قد أجابنا إلى ما سألناه فلم يلبث الغلام أن مات، فوثب الملك على البيت فهدمه و على الصنم فكسره و على السدنة فقتلهم، ثم دعا قوما من تجار المسلمين فعرضوا عليه التوحيد فوحد و أسلم، و كان ذلك فى خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله رحمه اللّه.

فى أحكام أرض الخراج‏

قال بشر بن غياث، قال أبو يوسف: إنما أرض أخذت عنوة مثل السواد، و الشام. و غيرهما فإن قسمها الإمام بين من غلب عليها فهي أرض عشر و أهلها رقيق، و أن لم يقسمها الإمام وردها للمسلمين عامة، كما فعل عمر بالسواد فعلى رقاب أهلها الجزية، و على الأرض، و ليسوا برقيق، و هو قول أبى حنيفة، و حكى الواقدي عن سفيان الثوري مثل ذلك، و قال الواقدي قال مالك بن أنس، و ابن أبى ذئب: إذا أسلم كافر من أهل العنوة أقرت أرضه فى يده يعمرها و يؤدى الخراج عنها و لا اختلاف فى ذلك و قال مالك و ابن‏

430

أبى ذنب، و سفيان الثوري، و ابن أبى ليلى عن الرجل يسلم من أهل العنوة الخراج فى الأرض و الزكاة من الزرع بعد الخراج، و هو قول الأوزاعى، و قال أبو حنيفة و أصحابه لا يجتمع الخراج و الزكاة على رجل، و قال مالك، و ابن أبى ذئب، و سفيان، و أبو حنيفة: إذا زرع الرجل أرضه الخراجية مرات فى السنة لم يؤخذ منه إلا خراج واحد، و قال ابن أبى ليلى: يؤخذ منه الخراج كلما أدركت له غلة، و هو قول ابن أبى سبرة، و أبى شمر، و قال أبو الزناد، و مالك، و أبو حنيفة، و سفيان، و يعقوب، و ابن أبى ليلى، و ابن أبى سبر، و زفر، و محمد بن الحسن، و بشر بن غياث: إذا عطل رجل أرضه قيل له أزرعها و أد خراجها و إلافادفعها إلى غيرك يزرعها. فأما أرض العشر فانه لا يقال له فيها شي‏ء إن زرع أخذت منه الصدقة، و إن أبى فهو أعلم، و قالوا: إذا عطل رجل أرضه سنتين ثم عمرها أدى خراجا واحدا و قال أبو شمر: يؤدى الخراج للسنتين.

و قال أبو حنيفة، و سفيان، و مالك، و ابن أبى ذئب، و أبو عمرو الأوزاعى: إذا أصابت الغلات آفة أو غرق سقط الخراج عن صاحبها و إذا كانت أرض من أراضى الخراج لعبد أو مكاتب او امرأة فإن أبا حنيفة قال عليها الخراج فقط، و قال سفيان، و بن أبى ذئب. و مالك: عليها الخراج و فيما بقي من الغلة العشر.

و قال أبو حنيفة، و الثوري فى أرض الخراج بنى مسلم أو ذمي فيها بناء من حوانيت أو غيرها أنه لا شي‏ء عليه فإن جعلها بستانا ألزم الخراج و قال مالك و ابن أبى ذئب: نرى إلزامه الخراج لأن انتفاعه بالبناء كانتفاعه بالزرع فأما أرض العشر فهو أعلم ما اتخذ فيها. و قال أبو يوسف فى أرض موات من أرض العنوة يحييها المسلم إنها له و هي أرض خراج إن كانت تشرب من ماء الخراج فإن استنبط لها عينا أو سقاها من ماء السماء فهي أرض عشر، و قال بشر: هي أرض عشر شربت من ماء الخراج أو غيره. و قال أبو حنيفة. و الثوري‏

431

و أصحابهما و مالك، و بن أبى ذئب، و الليث بن سعد فى أرض الخراج التي لا تنسب إلى أحد تقعد المسلمون فيها فيتبايعون و يجعلونها سوقا أنه لا خراج عليهم فيها، و قال أبو يوسف: إذا كانت فى البلاد سنة أعجمية قديمة لم يغيره الإسلام و لم يبطلها فشكاها قوم إلى الإمام لما ينالهم من مضرتها فليس له أن يغيرها، و قال مالك، و الشافعي: يغيرها و إن قدمت لأن عليه نفى كل سنة جائرة سنها أحد من المسلمين فضلا عن ما سن أهل الكفر.

العطاء في خلافة عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏

حدثنا عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجلى، قال: حدثنا إسماعيل بن المجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: لما افتتح عمر العراق و الشام و جبى الخراج جمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال إنى قد رأيت أن أفرض العطاء لأهله، فقالوا نعم رأيت الرأى يا أمير المؤمنين، قال:

فبمن أبدأ قالوا: بنفسك، قال لا و لكنى أضع نفسي حيث وضعها اللّه.

و أبدأ بآل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ففعل فكتب عائشة أم المؤمنين يرحمها اللّه فى اثنى عشر ألفا، و كتب سائر أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم فى عشرة آلاف، و فرض لعلى بن أبى طالب فى خمسة آلاف، و فرض مثل ذلك لمن شهد بدرا من بنى هاشم.

و حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن الحجاج ابن أرطاة عن حبيب بن أبى ثابت أن أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم كن يتتابعن إلى العطاء، محمد بن سعد عن الواقدي عن عائذ بن يحيى عن أبى الحويرث عن جبير بن الحويرث بن نقيذ أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه استشار المسلمين فى تدوين الديوان، فقال له على بن أبى طالب: تقسم كل سنة

432

ما اجتمع إليك من مال و لا تمسك منه شيئا، و قال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس و أن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ حسبت أن ينتشر الأمر فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا و جندوا جندا فدون ديوانا و جند جندا، فأخذ بقوله فدعا عقيل ابن أبى طالب و مخرمة بن نوفل و جبير بن مطعم، و كانوا من لسان قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم فبدءوا ببني هاشم، اتبعوهم أبا بكر و قومه ثم عمر و قومه‏على الخلافة، فلما نظر إليه عمر، قال: وددت و اللّه أنه هكذا و لكن ابدءوا بقرابة النبي صلى اللّه عليه و سلم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه اللّه تعالى، محمد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده، قال: جاءت بنو عدى إلى عمر فقالوا: أنت خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و خليفة أبى بكر، و أبو بكر خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم الذين كتبوا.

قال: بخ بخ بنى عدى أردتم الاكل على ظهري و أن أهب حسناتي لكم: لا و اللّه حتى تأتيكم الدعوة، و أن يطبق عليكم الدفتر-يعنى و لو أن تكتبوا آخر الناس أن لى صاحبين سلكا طريقا فإن خالفتهما خولف أبى، و اللّه ما أدركنا الفضل فى الدنيا و ما نرجو الثواب على عملنا إلا بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فهو شرفنا و قومه أشرف العرب ثم الأقرب فالأقرب، و اللّه لئن جاءت الأعاجم بعمل و جئنا بغير عمل لهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فان من قصر به عمله لم يسرع به نسبه، محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد ابن عبد اللّه عن الزهري عن سعيد عن قوم آخرين سماهم الواقدي، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: لما أجمع عمر على تدوين الديوان و ذلك فى المحرم‏سنة عشرين بدأ ببني هاشم فى الدعوة، ثم الأقرب فالأقرب برسول اللّه‏

433

صلى اللّه عليه و سلم فكان القوم إذا استووا فى القرابة قدم أهل السابقة، ثم انتهى إلى الأنصار فقالوا بمن نبدأ فقال ابدءوا برهط سعد بن معاذ الأشهلى من الأوس ثم الأقرب فالأقرب لسعد، و فرض عمر لأهل الديوان ففضل أهل السوابق و المشاهد فى الفرائض، و كان أبو بكر قد سوى بين الناس فى القسم فقيل لعمر فى ذلك، فقال: لا أجعل من قاتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كمن قاتل معه، فبدأ بمن شهد بدرا من المهاجرين و الأنصار و فرض لكل رجل منهم خمسة آلاف درهم فى كل سنة حليفهم و مولاهم معهم بالسواء، و فرض لمن كان له إسلام كاسلام أهل بدر و من مهاجرة الحبشة ممن شهد أحدا أربعة آلاف درهم لكل رجل، و فرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسنا و حسينا فإنه ألحقهما بفريضة أبهما لقرابتهما برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف، و فرض للعباس بن عبد المطلب خمسة آلاف لقرابته برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و قال بعضهم:

فرض له سبعة آلاف درهم، و قال سائرهم لم يفضل أحدا على أهل بدر إلا أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم فإنه فرض لهن اثنى عشر ألفا اثنى عشر ألفاو ألحق بهن جويرية بنت الحارث و صفية بنت حيي بن أخطب، و فرض لمن هاجر قبل الفتح لكل رجل منهم ثلاثة آلاف درهم و فرض لمسلمة الفتح لكل رجل منهم ألفين و فرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين كفرائض مسلمة الفتح، و فرض لعمر بن أبى سلمة أربعة آلاف. فقال محمد بن عبد اللّه بن جحش: لم تفضل عمر علينا فقد هاجر آباؤنا و شهدوا بدرا. فقال عمر: أفضله لمكانه من النبي صلى اللّه عليه و سلم فليأت الذي يستغيث بأم مثل أم سلمة أغيثه. و فرض لأسامة ابن زيد أربعة آلاف. فقال عبد اللّه بن عمر: فرضت لى فى ثلاثة آلاف و فرضت لاسامة فى أربعة آلاف و قد شهدت ما لم يشهد أسامة. فقال عمر:

434

زدته لأنه كان أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم منك، و كان أبوه أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من أبيك، ثم فرض للناس على منازلهم و قراءتهم القرآن و جهادهم، ثم جعل من بقي من الناس بابا واحدا، فالحق من جاءه من المسلمين بالمدينة فى خمسة و عشرين دينارا لكل رجل، و فرض لآخرين معهم، و فرض لأهل اليمن و قيس بالشام و العراق لكل رجل ما بين ألفين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة و لم ينقص أحدا من ثلاثمائة و قال: لئن كثر المال لا فرض لكل رجل أربعة آلاف درهم ألفا لسفره و ألفا لسلاحه و ألفا يخلفه لأهله و ألفالفرسه و نعله، و فرض لنساء مهاجرات فرض لصفية بنت عبد المطلب ستة آلاف درهم و لأسماء بنت عميس ألف درهم و لأم كلثوم بنت عقبة ألف درهم، و لأم عبد اللّه بن مسعود ألف درهم.

و قال الواقدي: فقد روى أنه فرض للنساء المهاجرات ثلاثة آلاف درهم لكل واحدة، قال الواقدي فى إسناده: و أمر عمر فكتب له عمال أهل العوالي، فكان يجرى عليهم القوت، ثم كان عثمان فوسع عليهم فى القوت و الكسوة، و كان عمر يفرض للمنفوس مائة درهم، فإذا ترعرع بلغ به مائتي درهم، فإذا بلغ زاده، و كان إذا أتى باللقيط فرض له مائة، و فرض له رزقا يأخذه وليه كل شهر بقدر ما يصلحه ثم ينقله من سنة إلى سنة، و كان يوصى بهم خيرا و يجعل رضاعهم و نفقتهم من بيت المال.

و حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي، قال حدثني: حزام بن هشام الكعبي عن أبيه، قال: رأيت عمر بن الخطاب يحمل ديوان خزاعة حتى ينزل قديد فتأتيه بقديد فلا يغيب عنه امرأة بكر و لا ثيب فيعطيهن فى أيديهن، ثم يروح فينزل عسفان فيفعل ذلك أيضا حتى توفى، محمد بن سعد عن الواقدي عن أبى بكر بن أبى سبرة عن محمد بن زيد، قال: كان ديوان حمير على عهد عمر على

435

حده، محمد بن سعد قال: حدثنا الواقدي، قال: حدثني عبيد اللّه بن عمر العمرى عن جهم بن أبى جهم، قال قدم خالد بن عرفطة العذرى على عمر، فسأله عما وراءه، فقال: تركتهم يسألون اللّه لك أن يزيد فى عمرك من أعمارهم ما وطئ أحد القادسية إلا و عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، و ما من مولود ذكرا كان أو أنثى إلا الحق فى مائة و جريبين فى كل شهر، قال عمر:

إنما هو حقهم و أنا أسعد بأدائه إليهم لو كان من مال الخطاب ما أعطيتهموه، و لكن قد علمت أن فيه فضلا، فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنما فجعلها بسوادهم فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس و الرأسين فجعله فيها فإن بقي أحد من ولده كان لهم شي‏ء قد اعتقدوه، فإنى لا أدرى ما يكون بعدي، و إنى لأعم بنصيحتى من طوقني اللّه أمره،

فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال: من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عمرو عن الحسن، قال:

كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم و أرزاقهم، فكتب إليه انا قد فعلنا و بقي شي‏ء كثير، فكتب إليه: أنه فيئهم الذي أفاءه اللّه عليهم ليس هو لعمر و لا لآل عمر فأقسمه بينهم قال: و حدثنا وهب بن بقية و محمد بن سعد، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا محمد بن عمر عن أبى سليمة عن أبى هريرة أنه قدم على عمر من البحرين، قال: فلقيته فى صلاة العشاء الآخرة فسلمت عليه، فسألنى عن الناس، ثم قال لى: ما جئت به، قلت: جئت بخمسمائة ألف، قال: هل تدرى ما تقول قلت:

جئت بخمسمائة ألف، قال: ما ذا تقول؟قلت مائة ألف و مائة ألف، و مائة ألف، فعددت خمسا، فقال: أنك ناعس، فأرجع إلى أهلك فنم، فإذا أصبحت فأتنى، قال أبو هريرة فغدوت إليه فقال ما جئت به قلت خمسمائة ألف، قال: أطيب؟قلت: نعم لا أعلم إلا ذاك‏

436

فقال للناس: أنه علينا مال كثير، فإن شئتم أن نعده لكم عددا، و إن شئتم أن نكيله لكم كيلا فقال له رجل. يا أمير المؤمنين أنى قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانا يعطون الناس عليه، قال: فدون الديوان و فرض للمهاجرين الأولين فى خمسة آلاف، و للأنصار فى أربعة آلاف، و لأزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم فى اثنى عشر ألفا.

قال يزيد، قال محمد: فحدثني ابن خصيفة عن عبد اللّه بن رافع عن برزة بنت رافع، قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما أدخل إليها، قالت: غفر اللّه لعمر، غيرى من أخواتي كانت أقوى على قسم هذا منى، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان اللّه و استترت منه بثوب، ثم قالت صبوه و اطرحوا عليه ثوبا. ثم قالت لى: ادخلى يديك‏و اقبضى منه قبضة فاذهبي بها إلى بنى فلان و بنى فلان من ذوى رحمها و أيتام لها.

فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب. قالت برزة بنت رافع: فقلت غفر اللّه لك يا أم المؤمنين، و اللّه لقد كان لنا فى هذا المال حق، قالت فلكم ما تحت الثوب فوجدنا تحته خمسمائة و ثمانين درهما، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، قال فماتت.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث عن محمد بن عجلان، قال: لما دون عمر الدواوين. قال: بمن نبدأ قالوا: بنفسك قال:

لا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أما منا فبرهطه نبدأ ثم بالأقرب فالأقرب.

حدثنا عمرو الناقد. قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ألحق الحسن و الحسين بأبيهما ففرض لهما خمسة آلاف درهم و حدثنا الحسين بن على بن الأسود. قال: حدثنا وكيع عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: لما وضع عمر الديوان استشار

437

الناس بمن يبدأ، فقالوا: ابدأ بنفسك. قال لا و لكنى أبدأ بالأقرب فالأقرب من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فبدأ بهم.

حدثنا الحسين بن الأسود. قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبى إسحاق عن مصعب بن أسعد: أن عمر فرض لأهل بدر فى ستة آلاف ستة آلاف. و فرض لأمهات المؤمنين فى عشرة آلاف عشرة آلاف.

و فضل عائشة بألفين لحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إياها. و فرض لصفية و جويرية فى ستة آلاف ستة آلاف. و فرض لنساء من المهاجرات فى ألف ألف. منهن أم عبد و هي أم عبد اللّه بن مسعود.

حدثنا الحسين. قال حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم. قال: فرض لأهل عمر بدر عربهم و مواليهم فى خمسة آلاف خمسة آلاف. و قال لأفضلنهم على من سواهم.

حدثنا الحسين. حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر. قال كان فيهم خمسة من العجم. منهم تميم الداري. و بلال. قال وكيع. الدار من لحم و لكنى الشعبي قال هذا.

حدثنا الحسين. قال حدثنا وكيع عن سفيان عن الأسود بن قيس عن شيخ لهم. قال: سمعت عمر يقول لئن بقيت إلى قابل لألحقن سفلة المهاجرين فى ألفين ألفين.

و حدثنا أبو عبيد. قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح المصري عن الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد الفهمي عن ابن شهاب: ان عمر حين دون الدواوين فرض لأزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم اللاتي نكح نكاحا اثنى عشر ألف درهم اثنى عشر ألف درهم. و فرض لجويرية و صفية بنت حيي بن أخطب ستة آلاف درهم ستة آلاف درهم. لأنهما كانتا مما أفاء اللّه على رسوله.

438

و فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف، و فرض للأنصار الذين شهدوا بدرا أربعة آلاف أربعة آلاف، و عم بفريضته‏كل صريح و حليف و مولى شهد بدرا فلم يفضل أحدا على أحد.

حدثنا عمرو الناقد و أبو عبيد، قال: حدثنا أحمد بن يونس عن أبى خيثمة قال: حدثنا أبو إسحاق عن مصعب بن سعد: أن عمر فرض لأهل بدر من المهاجرين و الأنصار ستة آلاف ستة آلاف، و فرض لنساء النبي صلى اللّه عليه و سلم عشرة آلاف عشرة آلاف، و فضل عليهن عائشة ففرض لها اثنى عشر ألف درهم، و فرض لجويرية و صفية ستة آلاف ستة آلاف، و فرض للمهاجرات الأول أسماء بنت عميس، و أسماء بنت أبى بكر، و أم عبد اللّه بن مسعود ألفا ألفا.

حدثنا الحسين بن الأسود، قال حدثنا وكيع عن محمد بن قيس الأسدى قال: حدثني والدتي أم الحكم أن عليا الحقها مائة من العطاء. و حدثنا الحسين قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن الشيبانى عن يسير بن عمرو: أن سعدا فرض لمن قرأ القرآن فى ألفين ألفين، قال: فكتب إليه عمر لا تعط على القرآن أحدا.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا سعيد بن أبى مريم عن ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب: أن عمر جعل عمرو بن العاصي فى مائتين لأنه أمير، و عمير بن وهب الجمحي في مائتين، لصبره على الضيق، و بسر بن أبى أرطاة فى مائتين، لأنه صاحب فتح. و قال رب فتح قد فتحه اللّه على يده، فقال أبو عبيد: يعنى بهذا العدد الدنانير.

و قال أبو عبيد: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب أن عمر كتب إلى عمرو بن العاصي أن افرض لمن بايع تحت الشجرة فى مائتين من العطاء، قال: يعنى مائتي دينار، و أبلغ ذلك لنفسك بأمارتك، و افرض لخارجة بن حذافة فى شرف العطاء لشجاعته.

439

و حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن محمد ابن عجلان: أن عمر فضل أسامة بن زيد على عبد اللّه بن عمر فلم يزل الناس لعبد اللّه حتى كلم عمر، فقال: أ تفضل على من ليس بأفضل منى؟فرضت له فى ألفين ولى فى ألف و خمسمائة درهم!فقال عمر: فعلت ذلك لأن زيد بن حارثة كان أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من عمر، و أن أسامة كان أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من عبد اللّه بن عمر.

و حدثني يحيى بن معين، قال. حدثنا يحيى بن سعيد عن خارجة بن مصعب عن عبيد اللّه بن عمر عن نافع أو غيره عن ابن عمر أنه كلم أباه فى تفضيل أسامة عليه فى العطاء، و قال: و اللّه ما سبقني إلى شي‏ء، فقال عمر: أن أباه كان أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من أبيك، و أنه كان أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم منك.

حدثنا محمد بن الصباح البزار: حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن، قال:

أن قوما قدموا على عامل لعمر بن الخطاب‏فأعطى العرب منهم و ترك الموالي فكتب إليه عمر: أما بعد فبحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم و السلام.

حدثنا أبو عبيد حدثنا خالد بن عمرو عن إسرائيل عن عمار الدهني عن سالم بن أبى الجعد أن عمر جعل عطاء عمار بن ياسر ستة آلاف درهم.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا خالد عن إسرائيل عن إسماعيل بن سميع عن مسلم البطين: أن عمر جعل عطاء سلمان أربعة آلاف درهم. و حدثنا روح بن عبد المؤمن، قال: حدثني يعقوب عن حماد عن حميد عن أنس، قال: فرض عمر للهرمزان فى ألفى من العطاء.

حدثني العمرى، قال حدثني أبو عبد الرحمن الطائي عن المجالد عن الشعبي، قال: لما هم عمر بن الخطاب فى سنة عشرين بتدين الدواوين، دعا بمخرمة بن نوفل‏

440

و جبير بن مطعم، فأمرهما أن يكتبا الناس على منازلهم فكتبوا بنى هاشم، ثم اتبعوهم، أبا بكر و قومه، و عمر و قومه. فلما نظر عمر فى الكتاب، قال: وددت أتى فى القرابة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كذا ابدءوا بالأقرب فالأقرب، ثم ضعوا عمر بحيث وضعه اللّه، فشكر العباس بن عبد المطلب رحمه اللّه على ذلك و قال: وصلتك رحم، قال فلما وضع عمر الديوان، قال أبو سفيان بن حرب: أ ديوان مثل ديوان بنى الأصفر، أنك إن فرضت للناس اتكلوا على الديوان‏و تركوا التجارة، فقال عمر: لا بد من هذا فقد كثر فى المسلمين، قال: و فرض عمر لدهقان نهر الملك و لابن النخيرخان، و لخالد و جميل ابني بصبهرى دهقان الفلاليج، و لبسطام بن نرسى دهقان بابل و خطرنية، و للرفيل دهقان العال، و الهرمزان، و لجفينة العبادي فى ألف ألف، و يقال أنه فضل الهرمزان ففرض له ألفين.

و حدثنا أبو عبيد عن إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن حكيم ابن عمير أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد و من أعتقتم من الحمراء فأسلموا فألحقوهم بمواليهم لهم ما لهم و عليهم ما عليهم، و أن أحبوا أن يكونوا قبيلة وحدهم فأجعلهم اسوتهم فى العطاء.

حدثنا هشام بن عمار عن بقية عن أبى بكر بن عبد اللّه بن أبى مريم عن أبيه عن أبى عبيدة أن رجالا من أهل البادية سألوه أن يرزقهم، فقال و اللّه لا أرزقكم حتى أرزق أهل الحاضرة. و حدثنا أبو عبيدة قال حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال. كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن حصين: أن مر للجند بالفريضة، و عليك بأهل الحاضرة.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا سعيد بن أبى مريم عن عبيد اللّه بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عمر أن عمركان لا يعطى أهل مكة عطاء و لا يضرب عليهم بعثا، و يقول: كذا و كذا.

441

حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن عدى بن ثابت عن أبى حازم عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ، «من ترك كلا فإلينا و من ترك مالا فلورثته»

حدثني هشام بن عمار الدمشقي، قال، حدثنا الوليد بن مسلم عن سليمان بن أبى العاتكة و كلثوم بن زياد، قال. حدثني سليمان بن حبيب أن عمر أرض لعيال المقاتلة و ذريتهم العشرات، قال. فأمضى عثمان و من بعده من الولاة ذلك و جعلوها موروثة يرثها ورثة الميت ممن ليس فى العطاء، حتى كان عمر بن عبد العزيز، قال سليمان، فسألنى عن ذلك، فأخبرته بهذا فأنكر الوراثة، و قال اقطعها و أعم بالفريضة. فقلت. فإنى أتخوف أن يستن بك من بعدك فى قطع الوراثة و لا يستن بك فى عموم الفريضة، قال: صدقت و تركهم.

حدثني بكر بن الهيثم: حدثنا عبد اللّه بن صالح عن ابن لهيعة عن أبى قبيل، قال: كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه يفرض للمولود إذا ولد فى عشرة فإذا بلغ أن يفرض له ألحق بالفريضة، فلما كان معاوية فرض ذلك للفطيم، فلما كان عبد الملك بن مروان قطع ذلك كله إلا عمن شاء.

حدثنا عفان، قال: حدثنا يزيد، قال أنبأنا يحيى بن المتوكل عن عبد اللّه ابن نافع‏عن ابن عمر أن عمر كان لا يفرض للمولود حتى يفطم، ثم نادى مناديه لا تعجلوا أولادكم عن الفطام فانا نفرض لكل مولود فى الإسلام. و حدثنا عمرو الناقد، قال حدثنا أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن أبى إسحاق أن جده مر على عثمان. فقال له: كم معك من عيالك يا شيخ؟قال، معى كذا، قال قد فرضنا لك و فرضنا لعيالك مائة مائة.

حدثنا أبو عبيد. قال، حدثنا مروان بن شجاع الجزري، قال، أثبتني عمر بن عبد العزيز و أنا فطيم فى عشرة دنانير. حدثنا ابراهيم بن محمد الشامي،

442

قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى الجحاف عن رجل من خثعم، قال ولد لي فأتيت به عليا فأثبته فى مائة.

حدثني عمرو الناقد، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن عبد اللّه بن شريك عن بشر بن غالب، قال سئل الحسين بن على أو قال الحسن بن على شك عمرو متى يجب سهم المولود؟قال إذا استهل.

حدثني عمرو الناقد، قال. حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد أن ثلاثة مملوكين لبنى عفان شهدوا بدرا، فكان عمر يعطى كل انسان منهم كل سنة ثلاثة آلاف درهم. حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن أبى عدى عن سفيان عن زهير بن ثابت أو ابن ابى ذئب عن ذهل بن أوس:

ان عليا أتى بمنبوذ فأثبته فى مائة.

و حدثني عمرو و القاسم بن سلام قالا حدثنا أحمد بن يونس عن زهير و حدثني عبد اللّه صالح المقري عن زهير بن معاوية قال حدثنا أبى إسحاق عن حارثة بن المضرب أن عمر بن الخطاب‏أمر بجريب من طعام فعجن ثم خبز ثم برد بزيت، ثم دعا بثلاثين رجلا فأكلوا منه غداءهم حتى أصدرهم، ثم فعل بالعشي مثل ذلك، فقال يكفى الرجل جريبان كل شهر، فكان يرزق الناس الرجل و المرأة و المملوك جريبين كل شهر، قال عبد اللّه بن صالح أن الرجل كان يدعو على صاحبه فيقول رفع اللّه جريبيك أى قطعهما عنك بالموت، فبقى ذلك فى ألسن الناس إلى اليوم.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثني أبو اليمان عن صفوان بن عمر عن أبى الزاهرية أن أبا الدرداء، قال رب سنة راشدة مهدية قد سنها عمر فى أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم منها المديان و القسطان. حدثنا أبو عبيدة، قال حدثنا سعيد بن أبى مريم عن ابن لهيعة عن قيس بن رافع أنه سمع سفيان بن وهب‏

443

يقول قال عمرو أخذ المدى بيد و القسط بيد: أنى قد فرضت لكل نفس مسلمة فى كل شهر مديى حنطة و قسطى زيت و قسطى خل، فقال رجل:

و العبد، قال: نعم و العبد.

حدثني هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثني تميم ابن عطية، قال: حدثني عبد اللّه بن قيس: أن عمر بن الخطاب صعد المنبر، فحمد اللّه و اثنى عليه، ثم قال: أنا أجرينا عليكم أعطياتكم و أرزاقكم فى كل شهر و فى يديه المدى و القسط، قال: فحركهما، و قال: فمن انتقصهم فعل اللّه به كذا و كذا و دعا عليه حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا ابن أبى زائدة عن معقل بن عبيد اللّه عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا استوجب الرجل عطاءه‏ثم مات أعطاه ورثته.

حدثنا عفان و خلف البزار و وهب بن بقية، قالوا: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم، قال:

قال الزبير بن العوام لعثمان بن عفان رضى اللّه عنهما بعد موت عبد اللّه بن معسود: أعطنى عطاء عبد اللّه فعياله أحق به من بيت المال فأعطاه خمسة عشر ألفا قال يزيد قال إسماعيل: و كان الزبير وصى بن مسعود.

و حدثني بن أبى شيبة، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى عن على بن صالح بن حي عن سماك بن حرب. أن رجلا مات فى الحي بعد ثمانية أشهر مضت من السنة فأعطاه عمر ثلثي عطائه.

امر الخاتم‏

حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا شعبة، قال: أنبانا قتادة قال:

سمعت أنس بن مالك يقول : لما أراد رسول اللّه عليه و سلم أن يكتب إلى ملك الروم قيل له أنهم لا يقرءون الكتاب إلا أن يكون مختوما، قال:

444

فاتخذ خاتما من فضة، فكأني أنظر إلى بياضه فى يده و نقش عليه محمد رسول اللّه.

حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، قال: حدثنا حماد بن زيد قال أنبانا أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اتخذ خاتما من فضة و جعل فصه من باطن كفه. حدثني محمد بن حبان الحيانى قال: حدثنا زهير عن حميد عن أنس بن مالك، قال: كان خاتم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من فضة كله و فصه منه. حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا يزيد بن هارون‏عن حميد عن الحسن، قال: كان خاتم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من ورق و كان فصه حبشيا.

حدثنا هدبة خالد، قال، حدثنا همام بن يحيى عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال ، قد صنعت خاتما فلا ينقشن أحد على نقشه،

حدثنا بكر بن الهيثم، قال، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري و قتادة، قالا، اتخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خاتما من فضة و نقش عليه محمد رسول اللّه، فكان أبو بكر يختم به ثم عمر ثم عثمان، و كان فى يده فسقط من يده فى البئر فنزفت فلم يقدر عليه، و ذلك فى النصف من خلافته، فاتخذ خاتما و نقش عليه محمد رسول اللّه فى ثلاثة أسطر، قال قتادة و خربة.

حدثنا هناد، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: أخبرنا خالد بن سمير قال: انقش رجل يقال له معن بن زائدة على خاتم الخلافة فأصاب مالا من خراج الكوفة على عهد عمر، فبلغ ذلك عمر، فكتب إلى المغيرة بن شعبة أنه بلغني أن رجلا يقال له معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة فأصاب به مالا من خراج الكوفة، فإذا أتاك كتابي هذا فنفذ فيه امرى و أطع رسولي فلما صلى المغيرة العصر و أخذ الناس مجالسهم خرج و معه رسول عمر فاشرأب

445

الناس ينظرون إليه حتى وقف على معن ثم قال للرسول: أن أمير المؤمنين أمرنى أن أطيع أمرك فيه فمرني بما شئت، فقال الرسول أدع لى بجامعة أعلقها فى عنقه فأتى بجامعة فجعلها فى عنقه و جبذها جبذا شديدا، ثم قال للمغيرة أحبسه حتى يأتيك فيه أمر أمير المؤمنين ففعل، و كان السجن يومئذ من قصب فتمحل معن للخروج و بعث إلى أهله أن ابعثوا لى بناقتي و جاريتي و عباءتى القطوانية ففعلوا فخرج من الليل و أردف جاريته، فسار حتى إذا رهب أن يفضحه الصبح أناخ ناقته و علقها، ثم كمن حتى كف عنه الطلب.

فلما أمسى أعاد على ناقته العباءة و شد عليها و أردف جاريته، ثم سار حتى قدم على عمر و هو موقظ المتهجدين لصلاة الصبح و معه درته، فجعل ناقته و جاريته ناحية ثم دنا من عمر فقال. السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، فقال: و عليك. من أنت؟قال: معن بن زائده جئتك تائبا، قال: أبت فلا يحيك اللّه، فلما صلى صلاة الصبح، قال للناس:

مكانكم، فلما طلعت الشمس، قال: هذا معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة فأصاب فيه مالا من خراج الكوفة فما تقولون فيه، فقال قائل:

اقطع يده، و قال قائل: أصلبه و على ساكت فقال له عمر: ما تقول أبا الحسن قال: يا أمير المؤمنين رجل كذب كذبة عقوبته فى بشره فضربه عمر ضربا شديدا-أو قال مبرحا-و حبسه فكان فى الحبس ما شاء اللّه ثم أنه أرسل إلى صديق له من قريش أن كلم أمير المؤمنين فى تخلية سبيلي، فكلمه القرشي، فقال يا أمير المؤمنين معن بن زائدة قد أصبته من العقوبة بما كان له أهلا، فإن رأيت أن تخلى سبيله، فقال عمر: ذكرتني الطعن و كنت ناسيا، على بمعن فضربه ثم أمر به إلى السجن فبعث معن إلى كل صديق له: لا تذكرونى لأمير المؤمنين، فلبث محبوسا ما شاء اللّه ثم أن‏

446

عمر انتبه له، فقال: معن فأتي به فقاسمه و خلى سبيله.

حدثني المفضل اليشكري و أبو الحسن المدائني عن بن جابان عن بن المقفع قال: كان ملك الفرس إذا أمر بأمر وقعه صاحب التوقيع بين يديه و له خادم يثبت ذكره عنده فى تذكرة تجمع لكل شهر فيختم عليها الملك خاتمه و تخزن ثم ينفذ التوقيع إلى صاحب الزمام و إليه الختم فينفذه إلى صاحب العمل فيكتب به كتابا من الملك و ينسخ فى الأصل ثم ينفذ إلى صاحب الزمام فيعرضه على الملك فيقابل به ما فى التذكرة ثم يختم بحضرة الملك أو أوثق الناس عنده.

و حدثني المدائني عن مسلمه بن محارب، قال كان زياد بن أبى سفيان أول من اتخذ من العرب ديوان زمام و حاتم امتثالا لما كانت الفرس تفعله.

حدثني مفضل اليشكري، قال: حدثني بن جابان عن بن المقفع، قال كان لملك من ملوك فارس خاتم للسر، و خاتم للرسل، و خاتم للتخليد يختم به السجلات و الاقطاعات و ما أشبه ذلك من كتب الشريف، و خاتم للخراج‏فكان صاحب الزمام يليها، و ربما أفرد بخاتم السر و الرسائل رجل من خاصة الملك.

و حدثني أبو الحسن المدائني عن ابن جابان عن بن المقفع، قال:

كانت الرسائل بحمل المال تقرأ على الملك و هي يومئذ تكتب فى صحف بيض و كان صاحب الخراج يأتى الملك كل سنة بصحف موصلة قد أثبت فيها مبلغ ما اجتبى من الخراج و ما أنفق فى وجوه النفقات، و ما حصل فى بيت المال فيختمها و يجريها، فلما كان كسرى بن هرمز ابرويز تأذى بروائح تلك الصحف و أمر أن لا يرفع إليه صاحب ديوان خراجه ما يرفع إلا فى صحف مصفرة بالزعفران و ماء الورد و أن لا تكتب الصحف التي تعرض عليه بحمل المال و غير ذلك إلا مصفرة ففعل ذلك، فلما ولى صالح بن‏

447

عبد الرحمن خراج العراق تقبل منه ابن المقفع بكور دجلة، و يقال بالبهقباذ فحمل مالا فكتب رسالته فى جلد و صفرها فضحك صالح، و قال أنكرت أن يأتى بها غيره يقول لعلمه بأمور العجم.

قال أبو الحسن، و أخبرنى مشايخ من الكتاب أن دواوين الشام إنما كانت فى قراطيس، و كذلك الكتب إلى ملوك بنى أمية فى حمل المال و غير ذلك، فلما ولى أمير المؤمنين المنصور أمر وزيره أبا أيوب المورياني أن يكتب الرسائل بحمل الأموال فى صحف، و أن تصفر الصحف، فجرى الأمر على ذلك.

أمر النقود

حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثني الحسن بن صالح، قال: كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة كبارا و صغارا فكانوا يضربون منها مثقالا و هو وزن عشرين قيراطا و يضربون منها وزن اثنى عشر قيراطا و يضربون عشرة قراريط و هي أنصاف المثاقيل فلما جاء اللّه بالإسلام و احتيج فى أداء الزكاة إلى الأمر الواسط فأخذوا عشرين قيراطا و اثنى عشر قيراطا و عشرة قراريط فوجدوا ذلك اثنين و أربعين قيراطا، فضربوا على وزن الثلث من ذلك و هو أربعة عشر قيراطا فوزن الدرهم العربي أربعة عشر قيراطا من قراريط الدينار العزيز، فصار وزن كل عشرة دراهم سبع مثاقيل و ذلك مائة و أربعون قيراطا وزن سبعة.

و قال غير الحسن بن صالح: كانت دراهم الأعاجم ما العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، و ما العشرة منها وزن ستة مثاقيل، و ما العشرة منها وزن خمسة مثاقيل فجمع ذلك فوجد إحدى و عشرين مثقالا فأخذ ثلثه و هو سبعة مثاقيل فضربوا دارهم وزن العشرة منها سبعة مثاقيل القولان ترجع إلى شي‏ء واحد، و حدثني محمد

448

ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمى، قال: حدثنا عثمان بن عبد اللّه ابن موهب عن أبيه عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير، قال: كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة فى الجاهلية و ترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر و كان المثقال عندهم، معروف الوزن وزنه اثنان و عشرون قيراطا إلا كسرا، و وزن العشرة الدراهم سبعة مثاقيل فكان الرطل اثنى عشر أوقية و كل أوقية أربعين درهما، فأقر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ذلك و أقره أبو بكر و عمر و عثمان و على فكان معاوية فأقر ذلك على حاله ثم ضرب مصعب بن الزبير فى أيام عبد اللّه بن الزبير دراهم قليلة كسرت بعد فلما ولى عبد الملك بن مروان سأل و فحص عن أمر الدراهم و الدنانير فكتب إلى الحجاج بن يوسف أن يضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطا من قراريط الدنانير، و ضرب هو الدنانير الدمشقية، قال عثمان قال أبى: فقدمت المدينة و بها نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و غيرهم من التابعين فلم ينكروا ذلك قال محمد بن سعد: وزن الدرهم من دراهمنا هذه أربعة عشر قريطا من قراريط مثقالنا الذي جعل عشرين قيراطا و هو وزن خمسة عشر قيراطا من إحدى و عشرين قيراطا و ثلاثة أسباع.

حدثني محمد بن سعد، قال حدثنا محمد بن عمر، قال حدثني اسحاق بن حازم عن المطلب بن السائب عن أبى وداعة السهمي أنه أراه وزن المثقال، قال فوزنته فوجدته وزن مثقال عبد الملك بن مروان، قال‏هذا كان عند أبى وداعة بن ضبيرة السهمي فى الجاهلية.

و حدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا الواقدي عن سعيد بن مسلم بن بابك عن عبد الرحمن بن سابط الجمحي، قال: كانت لقريش أوزان فى الجاهلية فدخل الإسلام فأقرت على ما كانت عليه، كانت قريش تزن الفضة بوزن‏

449

تسميه درهما و تزن الذهب بوزن تسميه دينارا فكل عشرة من أوزان الدراهم سبعة أوزان الدنانير، و كان لهم وزن الشعيرة و هو واحد من الستين من وزن الدرهم، و كانت لهم الأوقية وزن أربعين درهما و النش وزن عشرين درهما، و كانت لهم النواة و هي وزن خمسة دراهم فكانوا يتبايعون بالتبر على هذه الأوزان، فلما قدم صلى اللّه عليه و سلم مكة أقرهم على ذلك.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال حدثني ربيعة عن عثمان عن وهب ابن كيسان، قال رأيت الدنانير و الدراهم قبل أن ينقشها عبد الملك ممسوحة و هي وزن الدنانير التي ضربها عبد الملك.

و حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عثمان بن عبد اللّه بن موهب عن أبيه، قال: قلت لسعيد بن المسيب: من أول من ضرب الدنانير المنقوشة، فقال عبد الملك بن مروان، و كانت الدنانير ترد رومية و الدراهم كسروية فى الجاهلية.

و حدثني محمد بن سعد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبيه أن أول من ضرب وزن سبعة الحارث بن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومي أيام ابن الزبير.

و حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني محمد بن عمر، قال: حدثنا ابن أبى الزناد عن أبيه: أن عبد الملك أول من ضرب الذهب عام الجماعة سنة أربع و سبعين قال أبو الحسن المدائني: ضرب الحجاج الدراهم آخر سنة خمس و سبعين ثم أمر بضربها فى جميع النواحي سنة ست و سبعين.

و حدثني داود الناقد، قال: سمعت مشايخنا يحدثون أن العباد من أهل الحيرة كانوا يتروجون على مائة وزن ستة يريدون وزن ستين مثقالا دراهم و على مائه وزن ثمانية يريدون ثمانين مثقالا دراهم و على مائة وزن خمسة يريدون وزن خمسين مثقالا دراهم و على مائة وزن مائة مثقال، قال داود

450

الناقد: رأيت درهما عليه ضرب هذه الدراهم بالكوفة سنة ثلاث و سبعين فأجمع النقاد أنه معمول، و قال رأيت درهما شاذا لم ير مثله عليه عبيد اللّه ابن زياد فأنكر أيضا.

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني الواقدي عن يحيى بن النعمان الغفاري عن أبيه، قال: ضرب مصعب الدراهم بأمر عبد اللّه بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة و عليها بركة و عليها اللّه، فلما كان الحجاج غيرها. و روى عن هشام بن الكلبي أنه، قال: ضرب مصعب مع الدراهم دنانير أيضا.

حدثني داود الناقد، قال: حدثني أبو الزبير الناقد، قال: ضرب عبد الملك شيئا من الدنانير فى سنة أربع و سبعين ثم ضربها سنة خمس و سبعين و أن الحجاج ضرب دراهم بغلية كتب عليها بسم اللّه الحجاج، ثم كتب عليها بعد سنة اللّه أحد اللّه الصمد، فكره ذلك الفقهاء فسميت مكروهة، قال:

و يقال: أن الأعاجم كرهوا نقصانها فسميت مكروهة، قال: و سميت السميرية بأول من ضربها و اسمه سمير.

حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، قال: حدثني عوانة بن الحكم أن الحجاج سأل عما كانت الفرس تعمل به فى ضرب الدراهم فاتخذ دار ضرب و جمع فيها الطباعين، فكان يضرب المال للسلطان مما يجتمع له من التبر و خلاصة الزيوف و الستوقة و البهرجة، ثم أذن للتجار و غيرهم فى أن تضرب لهم الأوراق و استغلها من فضول ما كان يؤخذ من فضول الأجرة للصناع و الطباعين و ختم أيدى الطباعين، فلما ولى عمر بن هبيرة العراق ليزيد بن عبد الملك خلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله وجود الدراهم فاشتد فى الغيار، ثم ولى خالد بن عبد اللّه البجلي، ثم القسري العراق لهشام بن‏عبد الملك فاشتد فى النقود أكثر من شدة ابن هبيرة حتى أحكم أمرها أبلغ من أحكامه، ثم ولى يوسف ابن عمر بعده فأفرط فى الشدة على الطباعين و أصحاب‏

451

الغيار و قطع الأيدى و ضرب الأبشار، فكانت الهبيرية، و الخالدية، و اليوسفية: أجود نقود بنى أمية، و لم يكن المنصور يقبل فى الخراج من نقود بنى أمية غيرها فسميت الدراهم الأولى المكروهة.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن بن أبى الزناد عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان أول من ضرب الذهب و الورق بعد عام الجماعة، قال فقلت لأبى: أ رأيت قول الناس أن ابن مسعود كان يأمر بكسر الزيوف، قال تلك زيوف ضربها الأعاجم فغشوا فيها.

حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال:

حدثنا داود بن أبى هند عن الشعبي عن علقمة بن قيس أن ابن مسعود كانت له بقاية فى بيت المال فباعها بنقصان، فنهاه عمر بن الخطاب عن ذلك، فكان يدينها بعد ذلك.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن قدامة بن موسى أن عمر و عثمان كانا إذا وجدا الزيوف فى بيت المال جعلاها فضة.

حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبى الزناد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز أتى برجل يضرب على غير سكة السلطان فعاقبه و سجنه و أخذ حديده فطرحه فى النار.

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب أن عبد الملك بن مروان أخذ رجلا يضرب على غير سكة المسلمين فأراد قطع يده ثم ترك ذلك و عاقبه. قال المطلب: فرأيت من بالمدينة من شيوخنا حسنوا ذلك من فعله و حمدوه. قال الواقدي و أصحابنا يرون فيمن نقش على خاتم الخلافة المبالغة فى الأدب و الشهرة، و أن لا يرون عليه قطعا و ذلك رأى أبى حنيفة و الثوري، و قال مالك، و ابن أبى ذئب،

452

و أصحابهما: نكره قطع الدرهم إذا كانت على الوفاء و ننهى عنه لأنه من الفساد، و قال الثوري، و أبو حنيفة و أصحابه لا بأس بقطعها إذا لم يضر ذلك بالإسلام و أهله.

حدثني عمرو الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن ابراهيم عن ابن عون عن ابن سيرين أن مروان بن الحكم أخذ رجلا بقطع الدراهم فقطع يده فبلغ ذلك زيد بن ثابت، فقال لقد عاقبه، قال إسماعيل يعنى دراهم فارس.

قال محمد بن سعد، و قال الواقدي: عاقب أبان بن عثمان و هو على المدينة من يقطع الدراهم ضربة ثلاثين و طاف به و هذا عندنا فيمن قطعها و دس فيها المفرغة و الزيوف.

و حدثني محمد عن الواقدي عن صالح بن جعفر عن ابن كعب فى قوله (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوََالِنََا مََا نَشََؤُا) قال: قطع الدراهم.

حدثنا محمد بن خالد بن عبد اللّه، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال:

أنبأنا يحيى بن سعيد، قال: ذكر لابن المسيب رجل يقطع الدراهم، فقال سعيد: هذا من الفساد فى الأرض.

حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا إسماعيل بن ابراهيم، قال: حدثنا يونس بن عبيد عن الحسن، قال كان الناس و هم أهل كفر قد عرفوا موضع هذا الدرهم من الناس فجودوه و أخلصوه، فلما صار إليكم غششتموه و أفسدتموه. و لقد كان عمر بن الخطاب قال: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل فقيل له إذا لا بعير فأمسك.

أمر الخط

حدثني عباس بن هشام بن محمد السائب الكلبي عن أبيه عن جده و عن الشرقي بن القطامي، قال: اجتمع ثلاثة نفر من طي‏ء ببقة، و هم مرامر بن مرة

453

و أسلم بن سدرة، و عامر بن جدرة فوضعوا الحظ و قاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم قوم من أهل الأنبار، ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار، و كان بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي ثم السكوني صاحب دومة الجندل يأتى الحيرة فيقيم بها الحين، و كان نصرانيا فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة فى بعض شأنه فرآه سفيان بن أمية بن عبد شمس، و أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب‏فسألاه أن يعلمهما الخط فعلمهما الهجاء، ثم أراهما الخط، فكتبا، ثم ان بشرا و سفيان و أبا قيس أتوا الطائف فى تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلم الخط منهم و فارقهم بشر و مضى إلى ديار مضر، فتعلم الخط منه عمرو بن زرارة ابن عدس فسمى عمرو الكاتب، ثم أتى بشر الشام فتعلم الخط منه ناس هناك و تعلم الخط من الثلاثة الطائيين أيضا رجل من طابخة كلب فعلمه رجلا من أهل وادي القرى فأتى الوادي يتردد فأقام بها و علم الخط قوما من أهلها.

و حدثني الوليد بن صالح و محمد بن سعد، قالا: حدثنا محمد بن عمر الواقدي عن خالد بن الياس عن أبى بكر بن عبد اللّه بن أبى جهم العدوى قال: دخل الإسلام و فى قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب عمر بن الخطاب و على بن أبى طالب، و عثمان بن عفان، و أبو عبيدة بن الجراح، و طلحة و يزيد ابن أبى سفيان، و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و حاطب بن عمرو أخو سهيل بن عمرو العامري عن قريش، و أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، و أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية، و خالد بن سعيد أخوه، و عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح العامري، و حويطب بن عبد العزى العامري و أبو سفيان ابن حرب بن أمية، و معاوية بن أبى سفيان، و جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، و من حلفاء قريش العلاء بن الحضرمي.

454

و حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عقبة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال للشفاء بنت عبد اللّه العدوية من رهط عمر بن الخطاب: ألا تعلمين حفصة رقنة النملة كما علمتها الكتابة، و كانت الشفاء كاتبة فى الجاهلية.

و حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن أسامة بن زيد عن عبد الرحمن ابن سعد، قال كانت حفصة زوج النبي صلى اللّه عليه و سلم تكتب. و حدثني الوليد عن الواقدي عن بن أبى سبرة عن علقمة بن أبى علقمة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أن أم كلثوم بنت عقبة كانت تكتب.

و حدثني الوليد عن الواقدي عن فروة عن عائشة بنت سعد أنها قالت علمني أبى الكتاب. و حدثني الوليد عن الواقدي عن موسى بن يعقوب عن عمته عن أمها كريمة بنت المقداد أنها كانت تكتب.

حدثني الوليد عن الواقدي عن ابن أبى سبرة عن ابن عون عن ابن مياح عن عائشة أنها كانت تقرأ المصحف و لا تكتب. و حدثني الوليد عن الواقدي عن عبد اللّه بن يزيد الهذلي عن سالم سبلان عن أم سلمة أنها كانت تقرأ و لا تكتب.

و حدثني الوليد و محمد بن سعد عن الواقدي عن أشياخه. قالوا: أول من كتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مقدمه المدينة أبى بن كعب الأنصارى و هو أول من كتب فى آخر الكتاب و كتب فلان، فكان إذا لم يحضر دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم زيد بن ثابت الأنصارى فكتب له فكان أبى و زيد يكتبان الوحى بين يديه و كتبه إلى من يكاتب من الناس و ما يقطع و غير ذلك.

قال الواقدي: و أول من كتب له من قريش عبد اللّه بن سعد بن أبى‏