أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي‏ - ج1

- محمد باقر كمرئي المزيد...
374 /
153

التمسك باطلاق ادلة المعاملات مثل أحل اللّه البيع لاثبات صحة المعاملة فى مورد الشك فى شرط بناء على ان المفهوم هو المؤثر فى الملكية عند الشرع و ان الاختلاف باعتبار المصداق فلا اشكال فى ان مرجع الشك فى اعتبار الشرط الى ان الفاقد له مصداق للبيع ام لا و مع ذلك يتمسكون بالاطلاق المقامى لاثبات المفهوم و المصداق مضافا الى الحكم فتدبر.

الثانى ربما استدلوا لاثبات اصالة التعبدية فى الاوامر بادلة سمعية منها (5- من سورة البينة) وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ لان اللام فى ليعبدوا اللّه اما للتعدية او بيان الغاية و الاستثناء تام على الاول و مفرغ على الثانى و على الاول معنى الآية و اللّه اعلم ان الناس ما امروا امرا الا عباديا فينحصر اوامر اللّه فى العبادى و على الثانى يكون المعنى انهم ما امروا لاجل شي‏ء و غرض الا عبادة اللّه و مرجعها الى حصر غرض الاوامر فى العبادة و تكون الآية دليلا على ان الغرض فى كل امر الهى هو التعبد فلا بد فى الامتثال من قصد التعبد لاسقاط الغرض و اجيب عنها بوجهين.

الاول ان هذا المعنى يلزم تخصيص الاكثر فلا بد من حمله على معنى آخر الثانى ان صدر الآية و ذيلها ناظر الى احراز التوحيد فى عبادة اللّه و عدم جواز عبادة غيره من الاصنام و الكواكب و الرؤساء لرد عقيدة المشركين حيث قالوا ما نعبد هؤلاء الا ليقربونا الى اللّه زلفى أورد عقيدة اليهود و النصارى فى عزير و المسيح و لا نظر لها الى‏

154

اوامر الاحكام و اثبات قيد التعبد فيها و التحقيق ان يقال ان قوله تعالى‏ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏ متعلق بما امروا و الاستثناء مفرغ و المأمور به نفس العبادة لا موضوع آخر بقيد التعبد و هو نظير قوله تعالى (فاعبدوا اللّه الها واحدا) و الغرض تحصيل الاخلاص فى عبادته تعالى و المعنى انه ما أمروا إلّا بعبادة اللّه مع للاخلاص و بدون الشرك و لا نظر فيه الى الاوامر المتعلقة بغير عنوان العبادة حق يوجب تقييدها او يعين غرضها كما لا يخفى لان قوله ليعبدوا يتحول بالمصدر و يصير المعنى ما امروا الا بالعبادة مع الاخلاص و ليس متعلق الامر هو مطلق الاعمال و ليعبدوا قيدا لها او بيان غرضها و لا نظر فيه الى ما تتحقق به العبادة فضلا عن الاوامر الأخر و المقصود لزوم الاخلاص فى عبادة اللّه و حرمة الشرك كما هو ظاهر و منها النبوى المعروف انما الاعمال بالنيات كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا عمل إلّا بنية و لا اشكال فى دلالتها على الحصر لكن المقصود ليس نفى عنوان ذات العمل لانه محقق بالوجدان فالمنفى اما الصحة او الكمال فتنصرف الى امر شرعى و نفى الصحة هو المتبادر او اقرب المجازات بعد تعذر الحقيقة فيفيد ان العمل بلا نية باطل و اما اثبات قصد القربة فلعله من باب الملازمة ابين اشتراط النية فى العمل مع قصد القربة لان العمل الذى لا يشترط فيه اصل النية لا يشترط فيه قصد القربة ايضا و بالعكس و لكن الملازمة غير ثابت لان العقود و الايقاعات مشروطة بالنية و لا يشترط فيها قصد القربة الا فى مثل‏

155

الوقف و الصدقة و العتق و نحوها فالانصاف انه لا يتم دلالة النبوى على اشتراط خصوص قصد القربة مضافا الى امكان منع كونه ظاهرا فى نفى الصحة و منع كونه فى مقام اشتراط شي‏ء فى المأمور به بل المراد انه كل ما يعمل المكلف فيثاب و يعاقب بما نواه منه ان خيرا فخير و ان شرا فشر و لا نظر له الى شرط الاعمال بوجه.

الثالث قد اختلفوا فى ان التعبد تتقوم بوجود الامر و اتيان العمل بداعيه ام تتحقق بامور أخر ايضا مثل قصد الحسن الذاتى او المصلحة و ذهب صاحب الجواهر الى الاول و لعل نظره الى ان داعى الحسن و غيره انما يترتب على الامر و لعله ظاهر شيخنا البهائى فى زبدته فى بحث ان الامر يقتضى النهى عن ضده بعد الخدشة فى ادلة القائلين بالاقتضاء انه لو قيل ان الامر بالضد يقتضى عدم الامر بالضد الآخر فيفسد اذا كان عبادة كان حسنا و يمكن استظهاره من كلمات كثير من القدماء و ذهب اكثر المتأخرين الى الثانى و قالوا ان عبادية العمل تتحقق بقصد الحسن الذاتى و احراز المصلحة و التحقيق ان يقال ان الفعل العبادى ما يكون خضوعا و تواضعا للمولى و لا بد من دخوله تحت هذا العنوان باحد امرين الاول ان يكون مرتبطا بالمولى ذاتا كالتعظيم له و حمده و نحو ذلك الثانى ان يكون عملا محبوبا له فيصير عبادة باعتبار اتيانه بداعى امره و اما مجرد كونه ذى مصلحة او حسن ذاتى ملائم للنفس فمما لا ربط له بالمولى حتى يكون اتيانه بهذا القصد عبادة للمولى فلا وجه لحصر العبادية بالامر

156

كما عن صاحب الجواهر كتعميمه لاتيان العمل بداعى المصلحة او الحسن الذاتى و علم من ذلك ان الاعمال التى تكون خضوعا اللّه تعالى كالصلاة مثلا لا يحتاج العبادية فيها الى داعى الامر و يكون الامر بها عباديا من دون الحاجة الى قيد داعى الامر فى الموضوع الممتنع على بعض الاقوال و التحقيق ان الامر بها لا يمكن إلّا عباديا لانه ان اتى بها بلا قصد كونه للّه فلا يكون موضوع الامر محققا لتقومه بالقصد فالامر التوصلى بالعبادة الذاتية غير معقول.

الرابع ربما يطلق التوصلى على الامر بمعنى آخر و هو ان يكون بحيث يسقط المأمور به و لو كان بعمل الغير او بفعل حرام او بدون الارادة فكل امر يتوقف سقوطه على فعل المأمور خصوصا تعبدى و ما يسقط بفعل الغير ايضا توصلى و النسبة بين هذا التفسير و التفسير السابق عموم من وجه لصدقها على الصلاة الواجبة على الحى يوميا و تفارقهما فى الصلاة عن الميت الواجبة على الولد و رد السلام فانه لا يشترط فيه قصد القربة و لكن لا يسقط بفعل الغير لو كان موجها اليه خصوصا و لا بفعله من غير ارادة كذا قيل و لكن يمكن ان يقال ان اشتراط سقوط الامر باتيان متعلقه بالارادة و الاختيار انما يكون بالنسبة الى اعمال لا يكون القصد و الاختيار محققا لها كتطهير خبثى و اما ما كان القصد و الاختيار مقوما له كالتعظيم مثلا فلا يتصور فيها التوصلية بهذا المعنى لانه مع عدم القصد و الاختيار كان عدم سقوط الامر مستند الى فقد الموضوع لا الى عدم وجود الشرط كما مرّ

157

تفصيله و رد السلام من هذا القبيل لانه تحية و هى من الامور القصدية و لا يتحقق بدون الاختيار حتى يبحث عن سقوط الامر بمجرد وجوده و مورد صدق التوصلى بالمعنيين إزالة النجاسة و مورد الافتراق الصلاة الواجبة على الولد فى القضاء عن الوالد و وجوب رد السلام على اشكال تقدم و تحقيق البحث فى اثبات التوصلية بهذا المعنى فى الاوامر يكون فى مقامين الاول فى معنى سقوط الامر بفعل الغير الثانى فى بيان مقتضى ظاهر الاوامر اما الكلام فى المقام الاول فيتم بذكر امور.

1- الفعل الصادر من الغير المسقط للامر على وجوه كالتسبيب من المكلف و الاستنابة منه و بدونهما كما فى تبرع الغير بقضاء الصلاة الواجبة على الولد عن والده او اداء دينه بالتبرع.

2- ان اسقاط فعل الغير للامر المتوجه على مكلف لا بد و ان يرجع الى التكليف بجامع بين فعلهما اعم من التسبيب و المباشرة فيرجع الى تخيير شرعى او عقلى فاذا كان فعل الغير بتسبيب من المكلف يكون مسقطا للتكليف من باب تحقق احد فردى الواجب فانه لا اشكال فى صحة استناد الفعل و نسبته الى المسبب حقيقة كنسبته الى المباشر و قول الادباء ان اسناد الفعل الى السبب مجاز لا ينافى ذلك لانه باعتبار ان الفعل موضوع للاسناد بالمباشرة و ان كان فيه كلام لا انه ليس الفاعل بالتسبيب فاعلا اصلا مع ان النسبة بالمسبب ربما تكون موضوعة للحكم كما فى باب الضمان و الجناية و ربما تقدم على المباشرة اذا كان السبب اقوى و مفاد هيئة الامر كما ذكرنا

158

نسبة طلبية ايقاعية اعم من ان يكون بالمباشرة او التسبيب و لا يلزم من ذلك سقوط الامر بمجرد ايجاد السبب قبل تحقق المأمور به بل الامر باق حتى تحقق المامور به لانه مورد الطلب بالاعم من المباشرة و التسبيب فما لم يوجد لا يسقط الامر و بعبارة اخرى التسبيب ايجاد المأمور به بيد الغير فما دام لم يصدر منه لم يتم التسبيب و ما صدر من المسبب بمنزلة المقدمة لا انه نفس المامور به و الاستنابة ان رجعت الى التسبيب فى باب التكاليف فالامر فيه واضح ايضا و ذلك لان التسبيب فى التكاليف اوسع منه فى باب الضمان و الجناية لان ضابط التسبيب فيهما ان لا يتوسط بين فعل المسبب و وقوع المسبب فعل فاعل مكلف مختار كما حقق فى محله و اما فى التكاليف فتوسط فعل الفاعل المختار لا ينافى الصدور التسبيبى كما فى بناء المساجد فان البانى لا ينحصر بالمباشر للبناء بل يصدق على السبب باعتبار الامر بالبناء و تحمل بصارفه المالية و اعداد لوازمه و ضابطه ان يكون السبب لبعض المبادى القريبة بحيث يصح الاسناد عرفا و يعبر عنه بالبانى فلا يرد على باب الاستنابة ما ذكره بعض الاعاظم من انه لو كان الاستنابة طرفا للواجب التخييرى يلزم سقوط التكليف من المنوب عنه بمجرد تحقق الاستنابة و بمجرد اخذ النائب لقضاء صلاة الميت يسقط عنه الصلاة و ان لم يصل له النائب و ليس كذلك بل يتوقف سقوط الصلاة عنه على اتيان الصلاة و ذلك لما عرفت من ان الاستنابة بناء على دخولها فى ضابطة التسبيب تكون مسقطا باعتبار تحقق المأمور به‏

159

بالنيابة عن الغير لا باعتبار نفس الاستنابة و صدور الفعل عن النائب استقلالا لا ينافى صدق التسبيب فى باب التكاليف كما وقع مورد الاشكال.

الثانى يكون فعل الغير محصلا للموضوع المأمور به فيسقط الامر قهرا كما فى امر تطهير الثوب فان الغرض منه حصول طهارة الثوب و زوال النجاسة عنه فاذا تحقق بفعل الغير فوجوبه ساقط و هذا هو مرجع القسم الثالث فان سقوط الامر عن المأمور بتبرع الغير من دون نسبة الى المكلف اصلا لا يتحقق إلّا بان يكون الامر لغرض اعم ففى قضاء الصلاة الواجبة على الولد عن والده و فى الدين الساقط عن المأمور بفعل الغير تبرعا لا بد ان يكون بغرض اعم.

الثالث الفعل الصادر عن المكلف بغير اختيار تارة يكون مصداقا لموضوع الامر و لا يكون مشروطا بالقصد كتطهير الثوب مثلا و اخرى يكون مشروطا به كالتعظيم ففى الثانى لا يسقط الامر بحصول المأمور به من غير اختيار لانه لا يكون مصداقا للمأمور به و على الاول فان كان المقصود حصول المأمور به من دون شرط القصد و الارادة يسقط الامر كتطهير بدن من القى فى الماء الجادى من دون اختياره و لكن هذا المعنى لا يوجد فى العبادات لانها متقومة بالقصد نعم يتصور فى التوصليات و هذا بخلاف السقوط بفعل الغير فانه يجمع مع العبادية كما ذكر.

الرابع انه وقع الاشكال بسقوط الامر العبادى بفعل الغير

160

و تكلم فيه الاعاظم بما ادى الى الاسهاب و قد عرفت انه يتصور على اقسام ثلاثة التسبيب و الاستنابة و التبرع و منشأ الاشكال امران.

الاول انه بعد توقف العبادية على دعوة الامر فكيف يمكن ان يكون الامر المتوجه الى شخص داعيا بالنسبة الى غير المأمور حتى يكون قادرا على اتيان العمل بقصد القربة و بداعى الامر.

الثانى كيف يحصل القرب فى العمل الصادر عن غير المأمور حتى يسقط عنه الامر لان العمل مشروط بحصول الغرض المتوقف على حصول القرب للمامور اما الكلام فى الامر الاول فتحقيقه ان يقال ان داعوية الامر المتوجه الى مكلف بالنسبة الى مكلف آخر على وجوه.

1- ان يكون ارتباط بين المكلف المأمور و غيره بالقرابة و الصداقة و نحوهما بحيث يتالم هذا الغير من عقوبة المامور على ترك المامور به او من مشقته على امتثاله فبعد علمه بالامر المتوجه اليه و انه يسقط امره يفعله يتبادر الى امتثاله لخلاص المأمور من تبعة العقوبة او كلفة الامتثال و هذا واضح معروف عند العرف.

الثانى ان يتوجه الى الغير امر باتيان المأمور به للغير استحبابا او وجوبا كما فى وجوب قضاء صلاة الوالدين على الولد او استحباب الصلاة عنهما بعد الموت لكونها برا اليهما فندب اليه من الشرع كما فى الروايات الثانى ان يتعلق امر باتيان ما امر به آخر من قبل النذر او الاستيجار او غيره فانه يمكن قصد التعبد بهذا الامر لان جميع‏

161

الاوامر صالح للتعبد و ان كان بعضها مشروطا به و داعوية الامر المتوجه الى الغير باحد هذه الوجوه لا اشكال فيه اصلا

و اما المقام الثانى فنقول اما فى باب الاستنابة و التسبيب فلا اشكال فى قصد التقرب للمستنيب و المسبب لما عرفت من قيام الفعل به و صحة اسناده اليه فيصح له قصد القربة بالاستنابة و التسبيب و اما فى مورد التبرع فقد قيل ان رضا المامور بعمل المباشر كاف فى حصول القرب و التقرب له و فيه اشكال و الاولى منع اعتبار قصد القربة من المامور فى موارد التبرع بل اذا كان عباديا يكفى قصد قربة المباشر فيسقط منه الامر لان الغرض قائم باتيان الفعل مع قصد القربة و قد تحقق و لم يكن قصد قربة خصوص المأمور قيدا لحصول الغرض و يؤثر فى سقوط العقاب عن المامور التارك للمامور به و اما حصول القرب له بعمل الغير فلا ربط له بصحة العبادة و بيان ذلك ان القرب بالعبادة اما ان يكون بمعنى حصول الثواب للميت فهو ممكن و ان لم يكن الميت ملتفتا للعمل فان حصول الثواب و رفع الدرجة له بعمل الحى مما تظافر به الاخبار و ان كان بمعنى تأثير العمل فى النفس بحصول الملكة الحسنة او زيادتها فهذا لا يتصور للميت و بالجملة صحة العمل العبادى لا ربط له بحصول القرب للمتبرع عنه و عدمه كما لا يخفى فتدبر هذا و اما سقوط الامر بفعل غير اختيارى صادر من المكلف او غيره فيتوقف على عدم دخل الارادة و الاختيار فيه قيدا او غرضا و هذا ظاهر.

162

و اما الكلام فى المقام الثانى فهو انه لا اشكال فى ان ظاهر الامر مباشرة المأمور فى ايجاد المأمور به لما عرفت من ان الموضوع للهيئة هو النسبة الطلبية و هى كما تقوم بالمسند و هو المادة تقوم بالمسند اليه و هو المامور فكان قيام غير موضوع الامر من فعل آخر مقامه خلاف مقتضى الصيغة كذلك قيام فعل الغير من الموضوع مقام المأمور خلاف مقتضى الصيغة بل قال الشيخ الانصارى فى كتاب الطهارة ان المباشرة من مقومات المامور به مضافا الى كونها قيدا فالتسبيب و الاستنابة خلاف ظاهر الامر و اما شرط الارادة و الاختيار فى المأمور به فيمكن الاستدلال له بوجهين.

الاول باعتبار الهيئة لان مفاد الهيئة و هو النسبة الطلبية الايقاعية انما يكون لجعل الداعى للمامور نحو الفعل فطرفه الفعل الناشى عن الداعى و هو الفعل الاختيارى و الفعل الصادر من غير ارادة و اختيار و ان كان فرد الموضوع و لكن ليس مقصود الآخر.

الثانى من جهة المادة باعتبار دعوى انصراف مادة الافعال الاختيارية الى الإرادي منها خصوصا فى مقام الاسناد كنصر زيد و قعد بكر و نحو ذلك فتدبر جيدا هذا كله مقتضى الاصل اللفظى و اما الاصل العملى عند الشك فى سقوط الامر بالتسبيب و النيابة و عدمه فهو الاشتغال لان التكليف ثابت على عهدة المامور و انما الشك فى سقوطه و امتثاله بفعل الغير مع التسبيب او الاستنابة فيكون شكا فى الفراغ مع القطع بالاشتغال و مقتضى القاعدة هو الحكم بالاشتغال‏

163

و كذلك الكلام فى سقوط الامر بالفعل الغير الاختيارى و غير الإرادي فانه بعد خروجهما عن موضوع الامر كما ذكرناه فسقوط الامر بهما فى حكم سقوط الامر بفعل الغير الذى كان مصداقا للمادة و لا اشكال ان مرجع هذا الشك الى دوران الامر بين التعيين و التخيير و مقتضى القاعدة فيه الاشتغال بلا كلام فانقدح بذلك كله ان مقتضى القاعدة عدم التوصلية بهذا المعنى هذا تمام الكلام فى باب التعبدى و التوصلى كما يقتضيه المقام و على اللّه التوكل و به الاعتصام.

[فى اقسام الواجب‏]

(اصل) قد عرفت ان مقتضى طبيعة البعث المستفاد من الامر الدال على النسبة الايقاعية هو الطلب الحتمى و هو ينقسم الى عينى و كفائى و تعيينى و تخييرى و نفسى و غيرى فهل الامر ظاهر فى خصوص العينى التعيينى النفسى كوجوب صلاة اليومية ام يكون مجملا بالنسبة الى كل هذه الاقسام او بعضها و على الاول هل يستفاد هذا المعنى من اطلاق الامر الثابت بمقدمات الحكمة ام يكون مقتضى نفس طبع البعث المطلق ام يختلف فى الموارد وجوه يتوقف تحقيقها على تفسير هذه الاقسام من الوجوب فلا بد من صرف عنان الكلام الى بيان حقيقتها حتى يتضح الحال فنقول اما الوجوب التخييرى و هو الامر المردد بين اكثر من واحد بحيث يسقط بايجاد احدها فيقع فى مقامين.

164

الاول فى الملاك المقتضى لجعل الامر التخييرى الثانى فى كيفية الامر اما المقام الاول فتصور فيه وجوه.

1- ان يكون ملاكا واحدا فى امور متعددة و التخيير بينها من جهة وفاء كل منها به و ربما يشكل فيه بانه يلزم صدور الواحد عن الكثير فلا بد من انتهاء كلها الى جامع واحد و الجواب منه ان محالية انتهاء الواحد الى الكثير انما يكون فى الواحد بالوجود مع كون العلية ذاتية و لا يجرى فى الواحد الماهوى مع الكثير كذلك.

الثانى ان يكون ملاكان لزوميان قائمين بموضوعين و لكن بينهما تطارد بحسب الوجود و يكون وجود كل منهما منافيا لوجود الآخر فيأمر بهما على نحو التخيير تحصيلا لاحد الملاكين و ترك تخصيص احدهما بالامر لعدم مرجح فى البين.

الثالث ان يكون ملاك واحد قائما بجامع واحد ذى افراد و لكن لا يمكن جعل الامر على الجامع فيجعل على نفس الافراد فيكون التخيير الشرعى قائما مقام التخيير العقلى بحسب الملاك.

و اما المقام الثانى فما قيل او يمكن ان يقال وجوه الاول ان يكون الوجوب التخييرى مثل الوجوب التعيينى بلا تفاوت اصلا و انما يسقط الخطاب عن الكل باتيان واحد منها لمكان حصول الغرض و تحقق الملاك المقصود من الخطاب و لكن لازم ذلك الوجه تعدد العقاب على فرض المخالفة و العصيان باعتبار تعدد الواجب النفسى المستقل إلّا ان يقال ان العقاب يترتب على فوت الغرض فتفويت‏

165

الغرض الواحد لا يستلزم إلّا عقابا واحدا لأنّ مطلق الوجوب المولوى لا يستلزم العقاب كما لا يخفى فى مثل الوجوب المقدمى على ما سيأتى تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

الثانى ان يكون الوجوب التخييرى وجوبا مع جواز الترك الى بدل فقد وجب كل من الفعلين مستقلا مع التجويز فى ترك كل منهما الى بدل و هذا نحو من الوجوب مركبا من النسبة الايقاعية التى هو مفاد الهيئة كما عرفت و من جواز الترك لا ان يكون جواز الترك كيفية فى النسبة الطلبية بل منضما اليه من الخارج كما فى الاستحباب على ما سبق منا انه مركب من البعث نحو الفعل مع التجويز فى تركه مطلقا فلذا لا يترتب على المخالفة عقاب فيكون الفرق بين الاستحباب و الوجوب التخييرى ان الترخيص فى الترك مطلق فى الاول و مشروط باتيان البدل فى الثانى و لذا لو اتى بالبدل و ترك الآخر لا يستحق العقاب اصلا.

الثالث ان يكون الوجوب التخييرى مرجعه الى جعل وجوب مشروط بترك البدل فالعتق واجب على فرض ترك الصوم و الصوم واجب على فرض ترك العتق و لازم ذلك ايضا تعدد العقاب فى فرض ترك الكل لان الشرط بالنسبة الى الجميع حاصل فيشترك الوجه الاول فى الضعف من هذه الجهة.

الرابع ان يكون الوجوب التخييرى وجوبا لاحد الشيئين على البدل بناء على ان الوجوب او الارادة التشريعية قابل للتعلق بالمردد

166

و ان لم يمكن ذلك فى الارادة التكوينية و لا يخفى ان المراد بالمردد هو المصداقى لا المفهومى و هو مفهوم احدهما فانه معين و مشخص فى افق وجوده و اختار ذلك بعض الاعاظم من اهل العصر قال كما فى التقريرات المكتوبة عنه و الذى يترجح فى النظر ان يكون امتناع تعلق الارادة التكوينية بالمردد و ما له البدل من خصوصياتها و يكون شاملا للتشريعية فان الغرض الواحد اذا كان مترتبا على فعلين كما هو ظاهر العطف بكلمة او سواء كان عطف جملة بجملة كما هو الغالب او عطف المفرد بالمفرد الدال بحسب مقام الاثبات الموافق لمقام الثبوت على ان هناك غرضا واحدا يقوم بواحد من الفعلين على البدل فلا بد و ان يتعلق طلب المولى باحدهما على البدل ايضا لعدم الترجيح فى المقام و ليس هنا شي‏ء يكون مانعا عن تعلق الطلب بشيئين كذلك لا ثبوتا و لا اثباتا الا توهم امتناع تعلقه بالمبهم و المردد و قد عرفت انه يختص بالتكوينية التى لا ينفك المراد عنها و يوجد معا ابدا فلا بد و ان يكون عينا شخصيا حتى يوجد فى الخارج انتهى و فيه ان الوجوب تارة يعتبر بلحاظ منشأ النسبة الطلبية غالبا و هو الارادة و اخرى بلحاظ نفس النسبة الطلبية و ثالثة باعتبار عنوان الوجوب و البعث الناشئان عنها الاعتباريان كما سبق و لا يمكن تعلق كل واحد من هذه العناوين بالمردد المصداقى بداهة ان المردد المصداقى لا تحقق له فى موطن الترديد لان التحقق فرع التشخص بل عينه و هذه العناوين كلها انما يكون تحققها و تشخصها بمتعلقاتها بل بعضها عين تشخص متعلقه‏

167

فكيف يعقل تعلقها بالمردد المصداقى و بالجملة لا اشكال فى احتياج هذه العناوين كالعلم الى تحقق المتعلق بالذات و تشخصه نعم ربما يطرأ الترديد باعتبار متعلقها بالعرض و من هذا الباب العلم الاجمالى فتدبر و التحقيق من هذه الوجوه هو الوجه الاول من الوجوه المتصورة فى الملاك و الوجه الثانى من الوجوه المتصورة فى الجعل و الانشاء اما الاول فلان الظاهر من الخطاب فى العرفيات و الشرعيات حصول غرض واحد من اطراف التخيير و عدم قصر الخطاب على واحد من المحصلات اما للتوسعة او لاختلاف حالات المكلفين فيناسب مع كل منهم واحد منها و ذلك كما اذا قال الطبيب اشرب كذا او كذا فانه يفهم منه اتحاد الموضوعين فى الملاك و الغرض المطلوب نعم الوجه الثانى محتمل و ليس مبنيا على الترتب كما توهمه بعض الاعاظم بداهة ان الترتب مترتب على تدافع الخطابين المجعولين باعتبار غرض الآمر و اما تزاحم ملاك الجعل و علل التشريع فى نظر المولى و تقديم احدهما من باب الترجيح او التخيير ليس من باب الترتب المصطلح فى شي‏ء و لا يتفرع على القول بالترتب و عدمه كما لا يخفى و اما الثانى فلبداهة أن هيئة الطلب و مادته فى قولك اكرم زيدا او اكرم عمرا مستعملة فى معناها كما اذا كان احدهما وحده و لكن من جعل البدل للتكليف يفهم جواز تركه مع الاتيان بهذا البدل و القول بوجوب كل من الاطراف كما فى الوجوب التعيينى مع ضيق الغرض و الملاك مضافا الى ما عرفت من استلزامه تعدد العقاب مخالف للفظة او

168

كما لا يخفى كما ان القول بوجوبين مشروطين كما هو مفاد الوجه الثالث مضافا الى ورود الاشكال المذكور عليه يرد عليه انه لا يفهم اشتراط الوجوب من لفظة او التخييرية لان الوجوب المشروط كما ياتى تحقيقه إن شاء اللّه محتاج فى عالم الانشاء الى جعل خاص او بتعدد الدال و المدلول المنفصلين و ليس مجرد كلمة او وافية بافادة وجوبين مشروطين بضميمة الهيئة فى الطرفين كما لا يخفى.

و بالجملة فلا يرجع سائر الوجوه الى ما يمكن الاعتماد عليه فتدبر جيدا و مما ذكرنا ظهر ما فى كلمات الاكثر من الخلط بين الوجوه المتصورة فى الملاك و الوجوه المتصورة فى الجعل و التشريع و اختلاط الوجهين و اما الوجوب الكفائى و ان عده بعضهم نحوا من الوجوب مغايرا للوجوب العينى كما عن المحقق الخراسانى (قدّس سره) إلّا ان التحقيق انه لا فرق بينهما إلّا باعتبار ضيق الغرض حيث ان الملاك فى الوجوب العينى يتعدد بتعداد افراد المكلف فاتيان واحد منهم بمتعلق التكليف لا يقتضى إلّا سقوطه من نفسه بخلاف الوجوب الكفائى فان الغرض واحد يتحقق بفعل واحد مرة واحدة فى الخارج فلا محالة يسقط عن الباقين و لذا اذا اشتركوا فى الامتثال عد كل منهم مطيعا مستقلا و يؤجر اجرا مستقلا و اذا خالفوا جميعا عوقبوا كلا و كانوا من الآثمين فتدبر جيدا اذا عرفت ذلك فنقول ظهور الهيئة يقتضى كون الوجوب تعينيا عينيا اما الاول فلما عرفت من ان التخيير يحتاج الى الترخيص فى الترك الى بدل فمنشؤه مركب من جزءين و الغرض‏

169

عدم تحققه و اما الثانى فلما عرفت من ان الوجوب الكفائى ان لا يكون لغرض التكليف اطلاق و ظاهر الامر يقتضى اطلاق الغرض فان الظاهر من كل امر متوجه الى شخص ان يكون بملاك مستقل لا ربط له بالآخر و لا يسقط إلّا بفعله بخصوصه و قيام فعل شخص آخر مقامه فى حصول الغرض محتاج الى الدليل الخارجى فانقدح من ذلك ان دلالة الصيغة على الوجوب التعيينى العينى ليست من باب مقدمات الحكمة و من قبيل الاطلاق الاصطلاحى و اما الوجوب المقدمى الناشى عن وجوب الامر الآخر يحسب منشائه و هو الارادة و النسبة الطلبية كما سيأتى تحقيقها و ظاهر الامر يقتضى النفسية من وجهين الاول لظهوره فى استقلال متعلقه بالمرادية كما حققناه سابقا الثانى ان الوجوب الغيرى ما لا يتحقق العقاب على مخالفته كما سيأتى إن شاء اللّه و الارادة المظهرة و مفاد الامر حجة للمولى على العبد للعقوبة على تقدير المخالفة و مجرد احتمال ان يكون الامر مقدمة لامر آخر لا يكون حجة للعبد على المخالفة فلا يجوز له رفع اليد عن مقتضى الخطاب إلّا بدليل و لذا قلنا بعدم جريان اصل البراءة فى الوجوب المقدمى كما سيأتى تحقيقه إن شاء اللّه تعالى و بالجملة فدلالة الامر على الوجوب التعيينى النفسى العينى بهذه الوجوه التى ذكرنا لا ربط له بالاطلاق المصطلح و اما ما ذكره المحقق الخراسانى من ان دلالته على ذلك بالاطلاق بمقدمات الحكمة فعلى ظاهره لا يستقيم اصلا اما اولا فلانه فرع كون الموضوع له الهيئة معنى مشتركا بين الاقسام الثلاثة و كان من قبيل‏

170

الطبيعى بالنسبة الى افراده حتى يكون الاقسام الأخر بمنزلة التقييد للوجوب الكذائى و هو بمحل من البطلان بداهة ان الاقسام الثلاثة متباينة و كل منها قسيم مع الآخر و اما ثانيا فلانه لا معنى للقول بان معنى اكرم زيدا وجوب اكرام زيد سواء اكرم عمروا ام لا لان اكرام عمرو لا يلحظ بما هو طرفا لاكرام زيد بل بما هو مسقط لامره فيكون من قبيل دعوى اطلاق الامر لحال امتثاله او سقوطه و كذلك فى الوجوب الكفائى فان تحقق الفعل من الغير يعد محلا للشك فى بقاء الامر باعتبار احتمال كونه مسقطا له و الاطلاق بهذا النظر محال و اما على ما وجهه بعض المحققين من تلامذته من ان المراد من الاطلاق فى المقام ليس هو الاطلاق المصطلح بل تخصيص اللفظ العام ببعض الاقسام من جهة كونه اقل مئونة فى مقام البيان مع احتياج قسيمة الى مزيد بيان و اقامة قرينة و هذا لفظه لا يخفى عليك ان النفسية و ما يماثلها قيود للطبيعة نحو ما يقابلها لخروجها جميعا عن الطبيعة المهملة إلّا ان بعض القيود كانه لا يزيد على نفس الطبيعة عرفا كالنفسية و ما يماثلها دون ما يقابلها انتهى و لكن يرد عليه مما حققناه ان فى واحد من هذه الاقسام لا يتصرف فى مفاد الهيئة بوجه بل مفاد الامر فى جميع المقامات ليس إلّا خصوص النسبة الايقاعية و كل هذه الاعتبارات خارجة عنه فليس حمله على الوجوب النفسى العينى من قبيل حمل المطلق على بعض انواعه لكونه اقل مئونة من ساير الانواع فى مقام البيان.

171

[فى الفور و التراخى‏]

(اصل) هل يدل صيغة الامر على الفور او التراخى او لا يدل على شي‏ء منهما و الكلام يقع فى مقامين الاول فى دلالة الامر على ذلك و عدمها الثانى فى مقتضى حكم العقل فى المقام و قبل تحقيق ذلك لا بد من تقديم مقدمة و هى ان الفور و التراخى من صفات الامر نفسه او من قيود متعلقه يمكن ان يقال انهما من صفات الامر فالامر الفورى عبارة عن ارادة تامة مقتضية لتحريك المأمور بعد اول زمان تحققه من دون تراخ و تدافع و الامر المتراخى ارادة تقتضى وجود متعلقها فى زمان ما بعد تحققها و على هذا يصح ما ذهب اليه بعضهم من دلالة الامر على الفور بعد الفور لانه لو كان الفورية من صفات الارادة فى نفسها فبعد تحققها تقتضى تحقق المأمور به فورا فى كل ان فلو ترك المأمور الامتثال فى الآن الاول يقتضى الفور فى الآن الثانى و هكذا و اما بناء على كون الفور قيدا للمتعلق فيرجع الفورية الى نحو من التوقيت الخاص و لا اشكال فى ان الموقت يفوت بفوات وقته و لا وجه لدلالة الامر على الفور بعد الفور اصلا كما لا يخفى.

اذا عرفت ذلك فتقول ان الظاهر عدم دلالة الامر بمادته و لا هيئته على احد الخصوصيتين سواء كانت من قيود نفس المادة او الهيئة ان قلت بناء على ان يكون الفور و التراخى من صفات المتعلق يمكن عدم دلالته على احدى الخصوصيتين بداهة ان المادة موضوعة للطبيعة

172

المتصور لحاظها عارية عن جميع القيود حتى المتقابلات و اما اذا كانت قيدا للهيئة على ما ذهب اليه ليس مفادها كليا بل فردا من الطلب و نسبة خاصة ايقاعية محققة فى الذهن فكيف يمكن وجودها منفكة من القيود المتقابلة مطلقا قلت لا نسلم ان كل نسبة وجدت فلا بد من كونها مقيدة باحد القيدين بل يمكن ان يكون النسبة العارية عن القيدين فردا ثالثا و كانت الهيئة باطلاقها تدل عليها بالخصوص كما لا يبعد دعوى تبادرها من الامر المجرد عن القرائن فتدبر.

اما المقام الثانى ففى مقتضى حكم العقل فى المقام فنقول اذا توجه الامر الى المكلف و علم به و تنجز عليه الخطاب فان اجاز المولى فى تراخى امتثاله فلو أخّره عن اول ازمنة امكان الامتثال ثم طرأ عليه التعذر فلا يستحق العقاب لان مرجع ترخيص المولى به فى التأخير الى تجويزه الترك على فرض عدم التمكن فى الزمان الآتي و اما اذا لم يرخص المولى فى التأخير بل طلب مجرد وجود الفعل ساكتا عن الفورية و التراخى و الفرض انه تمكن المكلف من الامتثال و أخره عمدا فطرأ التعذر فيصح للمولى عقابه على الترك لاجتماع جميع شرائط التكليف بالنسبة اليه و انما ترك عمدا بالتأخير فعصى فمن هذه الجهة يمكن ان يقال ان مقتضى حكم العقل هو الفور فى جميع موارد تعلق الامر بالمكلف لا من جهة اقتضاء لفظ الامر بالدلالة اللفظية بل من جهة اقتضاء التكليف الثابت لذلك و لو كان الكاشف عنه غير لفظة الامر نعم لو كان اصالة بقاء الشرائط جاريا فلا يبعد

173

الاعتماد عليه فى التأخير فيكون ذلك بمنزلة ترخيص عام فى جميع موارد التكليف الثابت و لا يبعد الاكتفاء به فى جوار التأخير و هذا كما فى التكاليف التى يحتاج امتثالها الى زمان مثل الصوم و الصلاة فان تنجز التكليف فيهما بل تعلقه على المكلف يتوقف على ادراك المكلف ذلك المقدار من الزمان جامعا للشرائط و تنجز التكليف يتوقف على العلم بذلك و مع الشك فيه يجرى البراءة خصوصا بالنسبة الى بعض الموارد مثل الشك فى بقاء الحياة مثلا فالمثبت للتكليف فى هذه المقامات ايضا هو اصالة البقاء على الحالة الجامعة للشرائط كما لا يخفى.

(تذييل) قد وجه بعضهم القول بالفور بعد الفور على تعدد المطلوب فقال بناء على الفور فهل قضية الامر الاتيان فورا ففورا بحيث لو عصى لوجب عليه الاتيان به فورا ايضا فى الزمان الثانى او لا وجهان مبنيان على ان مفاد الصيغة على هذا القول هو وحدة المطلوب او تعدده و لا يخفى انه لو قيل بدلالتها على الفورية لما كان لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته او تعدده و فيه اولا ان عدم دلالة الامر بالموقت على تعدد المطلوب واضح فلا وجه لتصحيح هذا القول بذلك مضافا الى ان مجرد دلالة الامر على تعدد المطلوب لا يقتضى وجوب الاتيان فى الآن الثانى إلّا ان يكون المطلوب الباقى لازم الاستيفاء مع انه لا يمكن دلالة الانشاء الواحد على طلبين الزاميين مترتبا نعم يمكن توجيه ذلك بناء على ان يكون دليل الفورية دليلا

174

خارجيا مثل او امر و سارعوا الى مغفرة من ربكم و فاستبقوا الى الخيرات فانه على هذا يمكن ان يكون المسارعة من قبيل الواجب فى الواجب فاذا ترك المسارعة يبقى اصل وجوب العمل بناء على حمل هذه الاوامر على الوجوب النفسى لا الوجوب الغيرى و لكن فى الاستدلال على هذه الادلة للفورية ما لا يخفى من الضعف و ثانيا انه مع فرض دلالة الامر على تعدد المطلوب فلا يدل على مطلوبات متعددة بعدد الآنات على ما هو مقتضى القول بالفور بعد الفور الى ان يتحقق الامتثال او يسقط التكليف بوجه آخر اقصى ما يدل عليه بناء الطلب بعد زمان التوقيت المستفاد من الدليل و اما دعوى استفادة التوقيتيات المتعددة من الامر بعدد الآنات ففاسدة جدا كما لا يخفى. فالقول بدلالة الامر على الفور بعد الفور مبنى اما على ما ذكرنا من ان الفورية قيد للطلب فمتى كان الطلب باقيا يقتضى امتثاله فورا او على دلالة حكم العقل على ذلك بالتقرير المتقدم فتدبر جيدا.

[هل يدل الامر على المرة او التكرار ام لا]

«اصل» هل يدل الامر على المرة او التكرار ام لا يدل على شي‏ء منهما قد نفس المرة و التكرار بالفرد و الافراد فيكون مرجعه الى ان ما تعلق به الطلب اى ما كان طرفا للنسبة الطلبية و الايقاعية هو الفرد الواحد او الافراد المتعددة و بعبارة اخرى مادة الامر للهيئة الدالة على النسبة الايقاعية على نحو النكرة او الطبيعة الملحوظة بنحو اللابشرط

175

القسمى على نهج الكثرة فى الواحد كالطبيعة المأخوذة فى متعلق الحكم فى اكرم العالم على ان يكون الاطلاق شموليا فيدور الامر بين ان يكون متعلق الهيئة عاما بدليا او عاما استغراقيا و اما مجرد اكثر من فرد واحد مهملة كمفاد الجمع المنكر فاحتمال ضعيف و ان لا يابى عنه عناوين الاصحاب و مع فرض ان يكون نكرة فهل يكون مفاد النكرة هو الفرد المردد او الكلى المقيد بالوحدة و- ح- اذا اوحد فردا و احدا فى مقام الامتثال كما اذا اعتق رقبة واحدة فلا اشكال فى تحقق الامتثال و اذا اوجد افرادا من الطبيعة معا كما اذا اعتق عبادا للّه بصيغة واحدة ففى تحقق الامتثال اشكال من جهة ان نسبة الفعل الى كل واحد من الافراد متساوية فتخصيص الامتثال بواحد معين ترجيح بلا مرجح و القول يتحقق الامتثال بالجميع خلاف مقتضى الامر و تحقق الامتثال بفرد مردد لا بعينه محل الاشكال من جهة عدم تحققه فى الخارج فلا يمكن ان يقوم بصفة الامتثال الناشى من مطابقة المأتى به الخارجى مع المأمور به العنوانى على فرض امكان تعلق الطلب بالمردد باعتبار انه من الامور الاعتبارية القابلة للتعلق بالفرد المردد بين الافراد و اما الامتثال فحيث انه ينتزع من الخارج فلا يعقل تحققه بالفرد المردد المصداقى و ان مر سابقا امتناع تعلق الطلب ايضا بالفرد المردد المصداقى فانقدح ان ما ذكره القمى (قدّس سره) من تحقق الامتثال بفرد من الافراد و يعين بالقرعة مما لا وجه له اصلا بداهة ان القرعة انما تفيد فيما كان له واقع معين و اشتبه علينا و لم يكن‏

176

فى البين ما يزيل الاشتباه من الادلة و الاصول فيرجع الى حكم القرعة و اما فى مثل المقام فلا يمكن القول يتحقق الامتثال بفرد خارجى غير معلوم بداهة انه ترجيح بلا مرجح فلا محيص عن القول بتحقق الامتثال بالفرد المردد الواقعى بتوسعة فيما ينتزع منه الامتثال و- ح- لا مجال للقرعة لما عرفت من انه انما شرعت لتعيين ما هو المعلوم واقعا المجهول عندنا و الفرد المردد لا واقع له معين حتى يتبين بالقرعة كما لا يخفى ثم انه هل يكون لا بشرط من جهة الزائد او بشرط لا فعلى الاول لو ضم اليه فرد آخر فى مقام الامتثال يتحقق الامتثال لو كان ما يقصد به الامتثال معينا و يلغوا الآخر و على الثانى لا يتحقق الامتثال اصلا هذا و اما بناء على دلالة الامر على التكرار بمعنى الافراد فهل يدل على جميع الافراد بنحو العام الاصولى او مجموعها او ما زاد على الواحد لانه اول مرتبة التكرار وجوه يختلف ادلة القائلين بالتكرار بالنسبة الى هذه الوجوه فيستفاد من بعضها الاول مثل قياس الامر بالنهى فراجع و تدبر و قد يفسر المرة و التكرار بالدفعة و الدفعات كما هو ظاهر اللفظين و الظاهر جريان البحث فى العنوان بكلا الوجهين و النسبة بين التفسيرين عموم من وجه باعتبار مجموع اللفظين لان المرة بمعنى الدفعة قد تصدق و لا تصدق بمعنى الفرد و التكرار بمعنى الافراد قد يصدق و لا يصدق بمعنى الدفعات و قد يتصادق التفسيرين و على القول بالدفعة فقد يكون بشرط لا بالنسبة الى الزائد و قد يكون لا بشرط فعلى الاول فلو أتى ثانيا لا يتحقق الامتثال اصلا لا بالاول و لا بالثانى و على‏

177

الثانى فهل يمكن ان يكون الدفعة الثانية امتثالا ام لا سيأتى تحقيقه إن شاء اللّه تعالى ثم التحقيق عدم دلالة الامر على شي‏ء من المرة و التكرار بكل من التفسيرين ضرورة انه عبارة عن الهيئة الدالة على النسبة الايقاعية و المادة الدالة على نفس الطبيعى مضافا الى ان قيد المرة و التكرار مما لا يحتمل دخله فى الهيئة فلا بد من اعتبارهما فى المادة و هو واضح البطلان لما عرفت من عدم اخذ خصوصية فى مبدإ المشتقات كما لا يخفى.

نعم هيئة الامر باعتبار دلالتها على النسبة التى لا تتحقق الا بالطرفين تتعلق بنفس طبيعى المادة و لما كانت النسبة الايقاعية مقتضية للبعث يعتبر فيها وجود الطبيعة باعتبار ان البعث لا بد و ان يكون نحو الايجاد و إلّا فالماهية من حيث هى لا يمكن تعلق الجعل بها بالنسبة الى ذاتها و ذاتياتها فاقصى ما يستفاد من الامر باعتبار ايقاعية النسبة اعتبار اصل الوجود مع الطبيعة باعتبار كون البعث مستلزما له و من هذه الجهة يسقط الامر باول وجود من وجودات المأمور به باعتبار انتهاء اقتضاء البعث بعد ذلك و بالجملة اصل متعلق الهيئة نفس طبيعى المادة و لازم النسبة المتعلقة بالمادة باعتبار كونها ايقاع البعث نحوها ايجاد الطبيعى بحيث يكون اصل الايجاد تمام المقتضى له و لازمه سقوط الامر باول الوجودات باعتبار نفاد اقتضاء الامر حينئذ و من هذا تبين ان مقتضى الامر عقلا هو المرة بمعنى الدفعة فلو اوجد افرادا دفعة وقع الامتثال بالجميع ثم انه لو اتى دفعة اخرى‏

178

فهل يمكن ان يقع امتثالا للامر بدلا عن الاول او مستقلا ام لا يمكن وجهان بل قولان ذهب الى الاول من قال بان سقوط الامر يتوقف على حصول الغرض كالمحقق الخراسانى فقال و اما اذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض كما اذا امر بالماء ليشرب او يتوضأ فاتى به و لم يشرب او لم يتوضأ فعلا فلا يبعد صحة تبديل الامتثال باتيان فرد آخر احسن منه بل مطلقا كما كان له ذلك قبله على ما يأتى تحقيق بيانه فى الاجزاء انتهى و لكن التحقيق هو الوجه الثانى لما عرفت انه لا معنى لكون متعلق الامر اخص من الغرض و الداعى للامر بحيث يتحقق متعلق الامر و لا يحصل غرض البعث لانه لا بد و ان يكون متعلق الامر بوجوده الخارجى علة تامة لحصول الغرض البعثى و إلّا لا يصح البعث اليه وحده بل لا بد من البعث نحو ما يحصل به الغرض و بالجملة اتيان متعلق الامر علة تامة لحصول الامتثال مطلقا و فى مثل ما ذكره من المثال الغرض من الامر و البعث لا بد و ان يكون هو التمكن من الشرب و الوضوء لا رفع العطش و حصول الطهارة و هو حاصل بمجرد اتيان الماء نعم لو اتى بفرد آخر او الفرد المماثل ربما بعد حسنا من جهة موافقة غرض المولى لا من جهة موافقة الامر الساقط بالامتثال فان موافقة غرض المولى بنفسه مما يعد حسنا و يمدح عليه و ان لم يكن هناك بعثه و زجره و لا امر و نهى كما لا يخفى.

و اما لو اهرق الماء قبل أن يشرب او يتوضأ فلا يبعد ان يقال بوجوب احضار الماء ثانيا لكن لا من باب الامتثال بعد الامتثال بل‏

179

من جهة ان العلم بالغرض الفعلى بنفسه باعث مولوى عند العقل و ان لم يكن هناك امر و نهى فعلا كما اذا وقع ولد المولى فى البشر و هو نائم و علم به عبده و كان متمكنا من استخلاصه فانه لا اشكال فى وجوب المبادرة لنجاته و صحة عقابه لو تركه عمدا حتى هلك من باب العلم بالغرض الفعلى و بالجملة لا معنى لبقاء الامر بعد حصول متعلقه و وجود المأمور به كما لا معنى لعدم حصول الغرض من البعث مع وجود المبعوث اليه فكلا المقدمتين فى كلام المحقق الخراسانى محل نظر واضح كما لا يخفى.

و اما ما ورد فى بعض الاخبار الواردة فى من صلى فرادى فوجد جماعة من انه يعيد الصلاة جماعة و اللّه يختار احبهما اليه فسيأتى إن شاء اللّه تعالى فى مبحث الاجزاء ما هو التحقيق فى مفاد هذه الروايات و ان المراد منها ليس ما زعمه المحقق الخراسانى من جواز تبديل الامتثال و امكان الامتثال بعد الامتثال.

(اصل) هل الامر يتعلق بالافراد او الطبائع‏

قد عرفت سابقا ان للامر هيئة تدل على النسبة الايقاعية و للنسبة الايقاعية مرحلة سابقة عليها و مرحلة لاحقة بها اما المرحلة السابقة عليها فهى الداعى على ايقاعها و الغالب ان يكون هى الارادة الحقيقية المتعلقة بمتعلقها و اما المرحلة اللاحقة عليها فهى البعث الذى تقتضيه و قد عرفت ان طرف‏

180

النسبة الايقاعية بنفسها هو الطبيعى ليس إلّا و اما الطرف للارادة و البعث فلا يمكن ان يكون الطبيعى من حيث هى لانها مما لا يتعلق بها الشوق و لا البعث الناشى منه فلا بد من ان يكون باعتبار الوجود و حينئذ يقع البحث فى ان الوجود المأخوذ فى متعلق الارادة السابقة على النسبة الايقاعية او فى متعلق البعث اللاحق عليها هو نفس وجود الطبيعى اى الوجود الثابت له بالعرض او وجود الافراد فلا بد اولا من بيان حقيقة الطبيعى و الفرد حتى يتضح الحال فنقول اما الطبيعى فهو نفس الماهية من حيث هى هى من دون ضم اعتبار اليها و لا اشكال فى انه بنفسها لا يكون معروضا للوجود حقيقة اى لا يكون الوجود ذاته و لا ذاتيا له بمعناها فى باب الكليات و لا بمعناها فى باب البرهان و لا ثابتا له حقيقة بواسطة الفرد بنحو الواسطة فى الثبوت بل يوجد الفرد اولا و بالذات و يوجد الطبيعى بوجود الفرد بنحو الواسطة فى العروض فالموجود حقيقة هو الفرد سواء فى الذهن او الخارج ضرورة ان الشى‏ء ما لم يتشخص لم يوجد و الفرد عبارة عن هذا الموجود المتشخص بالتشخص الذاتى و هو وجوده و العرضى و هو المميزات اللازمة للتشخص الذاتى و الطبيعى المنطبق عليه حد له فالطبيعى دائما يكتسب من ناحية الفرد حيثية الوجود كما ان الفرد يكتسب منه حيثية الحدود و لا اشكال فى دخول هذا الوجود الحقيقى فى حيز الارادة و البعث لا بمعنى كونه موضوعا حقيقة كيف و هو محال و إلّا لانقلب الذهن خارجا و الاعتبار حقيقة بداهة ان الارادة من‏

181

الكيفيات القائمة بالنفس لا بد و ان يكون متعلقها الحقيقى هو الصورة العلمية الموجودة فى النفس المتحدة معها فى افق الوجود لامتناع تقوم الصفة النفسية بالوجود الخارجى و يلزم تحصيل الحاصل لانه بعد تحقق الوجود الخارجى لا معنى للارادة و الشوق لان الشوق يتصور بالنسبة الى امر غير حاصل و يلزم الخلف لان وجود متعلق الارادة فى الخارج موجب لسقوطها و نفاد امدها فكيف تتقوم بها كما ان المتعلق الحقيقى للبعث الناشى عن ايقاع النسبة الطلبية لا بد و أن يكون فى افقه و هو افق الاعتبار و لا يعقل قيام الامر الاعتبارى و تقومه بالوجود الحقيقى فمعنى دخول الوجود الحقيقى فى حيز الارادة و البعث ان الصورة العلمية المتعلقة لها و الصورة الاعتبارية المتعلقة للبعث فان فى الوجود الحقيقى الذى ثابت للفرد بالذات و للطبيعى بالعرض و بهذا الاعتبار لا فرق بين ان يقال ان وجود الطبيعى ملحوظ فى متعلق الامر او وجود الفرد و اما اللوازم العارضة للفرد بتبع اعتبار الوجود الحقيقى و هو التشخصات العرضية فهى التى يمكن ان تقع موقعا للبحث من حيث انها متعلقة للبعث و الارادة تبعا ام لا فالنزاع المعقول فى المقام ان يقال ان هذه التشخصات العرضية داخلة فى حيز الارادة ام لا فمن قال يتعلق الامر بالطبائع يقول بعدم دخولها و من قال بتعلق الامر بالافراد يقول بانها داخلة تحت الطلب تبعا و تحقيق المقام ان يقال انه لا اشكال فى تبعية هذه التشخصات للوجود الحقيقى فى الخارج لكنها تابعة له فى الاحكام المتعلقة عليه ايضا ام لا و التحقيق‏

182

عندى هو الثانى لانه لا وجه لتبعيتها له فى مقام تعلق الارادة و البعث الا ملازمتها اياه فى مقام تعلق الوجود العينى بان يقال ان مرحلة الارادة و البعث مرحلة نحو من الوجود للطبيعة و إلّا محال ان يتقوم الارادة و البعث الموجودان بالمعدوم المحض فكما ان اللوازم تتحقق مع الفرد بالوجود العينى كذلك تتحقق معه بالوجود العنوانى الفانى فيه فيسرى اليها الارادة و البعث و لكنه بمحل من الفساد بداهة ان لكل من نحوى الوجود الذهنى و العينى انحاه من اللوازم و العوارض يختص كل منها بها و ان كان بعضى اللوازم مشتركا بينهما و التشخصات العرضية للفرد بالوجود العينى من خصايص الوجود العينى فلا يمكن تحققها بالوجود العلمى للطبيعة حتى يسرى اليها صفة الارادة او البعث و بالجملة ان كان الوجه فى سراية الارادة الى اللوازم عدم جواز الانفكاك بين لوازم الوجود و نفسه تصورا فهو فاسد ضرورة امكان تصور الوجود للطبيعة منفكا عن لوازم الفرد و ان كان الوجه ملازمتها فى الحكم واقعا كالملازمة بين وجوب المقدمة و ذيها بناء على ان الفرد بلوازمه مقدمة لوجود الطبيعى كما عن المحقق القمى عليه الرحمة ففيه ان للفرد ان اعتبر مجموع التشخص الذاتى الوجودى و التشخصات العرضية مع اصل الطبيعى فكان نسبة الطبيعى اليه نسبة الجزء الى الكل و ان اعتبر الفرد المتشخص الذاتى المحدود بالطبيعى بحيث يصير الطبيعى بمنزلة القيد له فكذلك و هذا كله بالنظر الى ذات الطبيعى و اما وجوده فقد عرفت انه نفس وجود الفرد و عين‏

183

التشخص الذاتى فلا يعقل المقدمية المبنية على التغاير كما لا يخفى.

فتحصل مما ذكرنا ان دخول المشخصات العرضية فى حيز الطلب مما لا يمكن ان يصار اليه اصلا و اما التشخص الذاتى الثابت للفرد اولا و بالذات فهو عين وجود الطبيعة و لا يتصور له وجود غيره سواء قلنا باصالة الوجود لها ام لا و اما من توهم ان للطبيعى وجودا حقيقيا ثابت العروض له غير الوجود الذاتى للفرد و ذلك هو متعلق الطلب دون وجود الفرد فقد ادعى امرا ثابت الاحالة لا ينبغى لنا التعرض لنقد كلامه فتدبر جيدا.

[فى الاجزاء]

(اصل) اتيان المأمور به على وجهه يقتضى الاجزاء و المراد بالاقتضاء هو الاقتضاء الثبوتى لان الاتيان علة الاجزاء لانه امتثال لا الاثباتى و لا الاعم منهما لان الاتيان لا يكشف عن الاجزاء و لعدم جامع بينهما يكون مقصودا بهذا اللفظ نعم الاجزاء يساوق الامتثال لكنه ليس مورد البحث فى المقام و يشكل بخروج ما هو المهم فى المقام و هو دلالة دليل الامر الظاهرى او الاضطرارى على الاجزاء عن الامر الواقعى و سقوطه بهما و عدمه فالاحسن ان يقال، الامر بالشي‏ء يقتضى الاجزاء عن الاتيان بالمامور به ام لا، كما فى الفصول او يطرح مسئلتان لتعدد الموضوع و تعدد جهة البحث و التحقيق كفاية الاخير لتعدد المسائل و ان اتحد الموضوع ايضا و يمكن تصحيح‏

184

العنوان المذكور و تعميمه بان يقال موضوع البحث الاتيان و محموله الاقتضاء الثبوتى إلّا ان اثبات اجزاء اتيان المأمور به بالنسبة الى امره يحتاج الى مقدمة واحدة ككبرى القياس المنتج للاجزاء و هى ان ان الامتثال علة تامة لسقوط الامر و اما اثبات علية اتيان المامور به بالامر الظاهرى او الاضطرارى لسقوط الامر الواقعى تحتاج الى مقدمتين.

1- اثبات دلالة الدليل الدال عليهما على البدلية المطلقة و هى صغرى.

2- اثبات ان اتيان البدل المطلق مجز عن المبدل منه و هى كبرى و هذا البحث من المبادى التصديقية لهذه المسألة و لا يستحق عقد مسئلة اخرى او اختصاص العنوان به فنقول اتيان المامور به علة لسقوط امره و عدم امكان امتثال آخر واقعيا كان ام غيره و هل يصح امتثال آخر بعده لبقاء الغرض الداعى اليه كالمامور باتيان الماء للشرب فاتى و لم يشرب بعد فيأتى المامور بماء آخر و يسمون ذلك تبديل الامتثال و مرجعه الى بقاء التخيير العقلى بين الافراد بعد اتيان فرد منها فكان مخيرا بين الاكتفاء به او ببدله الماثل او الاحسن و الاقوى عدم صحة ذلك لعدم امكان اعمية الغرض الداعى للانشاء عن الامر بحيث لا يسقط بامتثاله لانه علة غائية للانشاء فلا معنى لعدم ترتبه على فعل المامور به فالداعى للامر باتيان الماء للشرب التمكن منه و هو حاصل بالاتيان مع انه ينعدم للامر بالامتثال و لا معنى لامتثال آخر

185

لانه موافقة الامر و لا امر فى البين و رفع العطش فى المثال غرض مطلق للمولى لا داع لامره و حسن اتيان الماء ثانيا او لزومه اذا اريق و بقى العطش لحسن موافقة الغرض المنكشف بل لزومه فى موقع ما و ليس من جهة امتثال الامر ثانيا و ما ورد من استحباب اعادة الصلاة جماعة بعد اتيانها فرادى و ان اللّه يختار أحبهما اليه فلا بد من حمله على تعدد المطلوب و التخيير فى مرحلة القبول لا الاجزاء لانه اذا كان غرض فى المطلق و غرض آخر لزوميا او ندبيا فى بعض الافراد اما مطلقا اى سواء اتى بالمطلق فى غيره ام لا او يكون قائما بهذا الفرد الخاص اذا تحقق فى ضمن المطلق فان الطبائع قد لا يتعدد وجودها فى الخارج كقتل زيد مثلا فاذا تحقق باى خصوصية لا يمكن ايجادها ثانيا و منها ما يقبل التعدد كضربه فنقول الطبيعة الآبية عن التعدد الوجودى او القابلة له المطلوب قيدها فى ظرف ايجاد المطلق فقط لا يمكن تعلق الامر باعادتها بعد امتثال امرها فاقدا للقيد و ان كان المطلوب متعددا ثبوتا لخروج مصلحة القيد عن قابلية الاستيفاء و اما ما تقبل التكرار و يكون قيدها مطلوبا مطلقا فيمكن تعلق الامر باعادتها مع القيد المطلوب وجوبا او ندبا هذا كله فى مرحلة الثبوت و اما فى مرحلة الاثبات فكل دليل دل على استحباب قيد فى مطلق مامور به وجوبا فيحمل على تعدد المطلوب و كذا اذا ثبت القيد بدليل منفصل وجوبا او ندبا و لا وجه لحمل المطلق على المقيد و اثبات مطلوب واحد و لا يبعد القول باستحباب اعادة الصلاة لكل مزية اذا اوتى بها فاقدة لها ككونها

186

فى المسجد و نحوه بعد ما ثبت صحة اعادتها بالجماعة انها قابلة للتكرار و فهمنا تعدد المطلوب إلّا ان يمنع عنه المرسل المشهور، لا يعاد الصلاة فى يوم مرتين و لازم ما ذكرنا وقوع الصلاة و الجماعة المعادة استثناء لامرين احدهما وجوبى و الآخر ندبى و ليس من باب تبديل الامتثال كما توهم و اما قوله يختار احبهما آلية فناظر الى مرحلة القبول لانفكاكه عن مرحلة الامتثال لان القبول مشروط بالخلوص و حضور القلب و نحوهما دون الامتثال.

و المأمور به بالامر الاضطرارى فيتصور على وجوه فى مقام الثبوت الاول ان يكون مشتملا على كل مصلحة الامر الاختيارى و لا يلزم منه جواز تحصيل الاضطرار لامكان ان يكون الصلاح مقيدا بحصوله من غير عمد و لذا لا يجوز إفقاد الماء ليضطر الى التيمم.

الثانى ان يشتمل على اقل منه مع عدم امكان تحصيل الزائد بعد اتيانه و كان الزائد لزوميا.

الثالث ان يكون الزائد غير لازم الاستيفاء.

الرابع ان يشتمل على الاقل مع امكان تحصيل الزائد و عدم لزومه او لزومه و على اى حال اما ان تكون المصلحة مقيدة بالاضطرار فى جميع الوقت اولا و على الاول لا يجوز البدار و يجب الاتيان فى آخر الوقت و لا مجال للاعادة و لا بحث فيها نعم لا بأس فيه بالنسبة الى القضاء اذا ثبت صحتها و لا يجوز تشريع البدار فى الصورة الثانية لاستلزامه تفويت الصلاح اللازم بلا بدل و فى‏

187

الثالثة يجوز البدار لجبران الصلاح الغير اللازم الفائت بدرك فضيلة اول الوقت و فى الرابع يصح تشريع البدار فيخير بين اتيان الوظيفتين او الصبر الى زوال الاضطرار و اتيان خصوص المأمور به الاختيارى و وجه تشريع البداد درك صلاح فضيلة الوقت فلا يكون لغوا و لا بد للقول بالاجزاء مطلقا من اثبات اطلاق الدليل الحاكم فى الاضطرار من جهة اصل البدلية و من جهة شرع البدلية بمطلق الاضطرار سواء فى كل الوقت او بعضه كما لا يبعد الوجهين فى ادلة بدلية التيمم عن الطهارة المائية و اذا احرز البدلية فقط يثبت الاجزاء من حيث القضاء فقط و اذا كان مجملا من الوجهين او الوجه الثانى فلا بد من الرجوع الى الاصول فاذا شككنا فى ان موضوع الامر الاضطرارى مطلق الاضطرار او الاضطرار فى جميع الوقت فمقتضى الاصل الثانى فلا يجزى عن الاعادة اذا رفع فى الوقت و اما بالنسبة الى القضاء فمقتضى الاصل الاجزاء لكونه بامر جديد موضوعه فوت الواقع بمصلحة لازمة الاستيفاء و هو مشكوك إلّا ان يقال باصالة عدمه و هو مشكل لكونها اصلا مثبتا ان قلت اصل عدم شرع التكليف الاضطرارى لا يثبت وجوب التكليف الاختيارى و الاعادة فى الوقت قلت اذا كان المكلف فى اول الوقت مختار فطرأ الاضطرار و زال فى الوقت فالاصل بقاء التكليف الثابت فى اول الوقت بل الشك فى سقوطه باتيان المأمور به الاضطرارى كاف فى وجوب الاعادة و اذا كان من اول الوقت مضطرا فزال فى الوقت يمكن استصحاب التكليف الثابت قبل الوقت‏

188

تعليقا او تنجيزا على القول بالواجب التعليقى فتدبر.

و اذا علمنا ان موضوع التكليف الاضطرارى مطلق الاضطرار و شككنا فى البدلية المطلقة الموجبة للاجزاء فان كان الاضطرار من اول الوقت فطرأ الاختيار فالاصل الاجزاء للعلم بعدم كونه مكلفا بتكليف المختار فى اول الوقت و الشك فى حدوثه بطر و الاختيار و الاصل البراءة إلّا ان يقال اذا كان الامر الاضطرارى لمصلحة اقل مع لزوم الفائت منها فهو مخير من اول الامر بين الاتيان بالامر الاختيارى مع الاضطرارى او خصوص الامر الاضطرارى او خصوص الامر الاضطرارى فلا مانع من الاستصحاب و اذا كان فى اول الوقت مختارا ثم طرأ الاضطرار و زال فيه فالامر اوضح فظهر مما ذكرنا ان مقتضى الاصل الاجزاء بالنسبة الى القضاء مطلقا دون الاعادة و قد قرر الاحتياط بعضهم بوجه آخر و هو ان المقام من قبيل دوران الامر بين التعيين و التخيير حيث انه لو كان الامر الاضطرارى غير واف بمصلحة الواقع و يبقى منها مقدار لازم الاستيفاء يكون المكلف به هو الامر الاختيارى تعيينا من اول الوقت و ان كان الامر الاضطرارى وافيا بتمام المصلحة يكون المكلف محيزا بينه و بين المأمور به الاضطرارى فيجب الاحتياط فى المقام.

اقول فى دوران الامر بين التعيين و التخيير يلزم العلم بتعلق الحكم على الطرف المحتمل التعيين على اى حال اما تعيينا لا يسقط إلّا باتيانه بخصوصه او تخييرا يسقط باتيان بدله و الامر فى المقام‏

189

ليس كذلك لانه لو كان الامر الاضطرارى وافيا بتمام المصلحة او قدرا منها مع عد لزوم الزائد الفائت لا يتعلق امر بالمأمور به الاختيارى وجوبا فليس وجوبه معلوما على اى حال قال فى الكفاية فى بيان اجزاء اتيان المأمور به بالامر الظاهرى و عدمه و التحقيق ان ما كان يجرى منه فى تنقيح ما هو موضوع التكليف و تحقيق متعلقه و كان بلسان وجود ما هو شرطه او شطره كقاعدة الطهارة او الحلية بل و استصحابهما فى وجه قوى و نحوهما بالنسبة الى كل ما اشترط بالطهارة او الحلية يجزى فان دليله يكون حاكما على دليل الاشتراط و مبينا لدائرة الشرط و انه اعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية اقول بعد استفادة اعمية الشرط او الشطر من دليل حجية القاعدة او الاستصحاب يخرج المقام عن صغريات اجزاء الامر الظاهرى عن الواقعى بل يكون من مصاديق اجزاء الامر الواقعى عن نفسه و هو معلوم كما تقدم اما فى الطرق الشرعية القائمة على احراز الموضوع فبناء على السببية فمورد الاحتمالات المتقدمة فى الامر الاضطرارى ثبوتا و اما اثباتا فمبنى على احراز الاطلاق كما مر و السببية يتصور على وجهين.

1- بان يكون فى قيام الامارة مصلحة فى موردها على فرض المخالفة مساوية لمصلحة الواقع سواء كشف الواقع بعد العمل بها فى الوقت او خارجه ام لا.

2- ان يكون فيها مصلحة بقدر ما لا يمكن ادراكه فان كشف الخلاف فى الوقت فبقدر ما فات من المكلف من فضيلة اول الوقت‏

190

دون مصلحة اصل العمل التى يمكن دركه بالاعادة فتجب الاعادة و ان كان الكشف فى خارج الوقت فبقدر ما فات من المكلف من مصلحة الوقت فقط فتجب القضاء و يمكن ان يكون فى مورد الامارة مصلحة مطلقا و ان وافقت الواقع و لا تفيد الاجزاء اصلا بل كانت مثل الطريقية فى الاثر و ان لم يحرز احد الاقسام من الدليل فمع الشك تلحق بالطريقية فى عدم الاجزاء مطلقا حيث انه على الطريقية المحضة كما هو الاصح فلا اجزاء مطلقا و مع التردد بين الطريقية و السببية مقتضى الاصل عدم الاجزاء للاعادة دون القضاء إلّا ان يقال موضوع القضاء عدم وجود الواقع فيحرز بالاصل و هو بعيد و اما الامارة القائمة على الحكم كوجوب الجمعة فانكشف وجوب الظهر بعدها فى يومها فعلى السببية التامة المصلحة يوجب الاجزاء و إلّا فلا و القول بالاجزاء فى الامارة لا يستلزم التصويب الباطل لعدم استلزام خلو الواقعة عن الحكم الواقعى او انقلابه الى مؤدى الطريق كما حقق فى محلة و بناء على الطريقية فى الامارة فمع كشف الخلاف قطعا تجب الاعادة فى الوقت و القضاء بعده كما عرفت و مع كشف الخلاف بامارة معتبرة ظنية يقتضى ذلك ام لا وجهان بل قولان اذا لم ينكشف بطلان الامارة الاولى رأسا بل كانت الامارة الثانية كالمعارض لها و كونها حجة فى مقابل حجة الاول الاجزاء و عدم لزوم الاعادة او القضاء لان كل منهما حجة شرعية مجزية فى ظرفها مع عدم المعارض و الامارة اللاحقة تدل على وظيفة خلاف الاولى فيؤخذ بها بعد الاطلاع عليها كما

191

اذا نسخ حكم حجية امارة بحجية امارة على خلافها فلا يجب تدارك ما تقدم فى زمان حجية الامارة المنسوخة.

الثانى عدم الاجزاء و لزوم الاعادة و القضاء لان دليل حجية الامارة اللاحقة حاكم على الامارة الاولى بيان ذلك ان حجية كل امارة مقيدة لبا بعدم العلم بمخالفتها للواقع و عدم كشف خلافها قطعا و اثر كشف خلافها قطعا هو الاعادة او القضاء مثلا اذ ظفر بالمخصص بعد العلم بالعام فمفاد دليل حجية المخصص لزوم البناء على انه هو الواقع و ترتيب جميع آثار العلم عليه و من آثاره الاعادة او القضاء بعد العمل بالعام و بعبارة اخرى اذا علم بالمخصص وجدانا لا اشكال فى لزوم التدارك فكذا اذا كان بظن معتبر لان مفاد دليل الاعتبار وجوب ترتيب جميع آثار العلم عليه و ذلك ظاهر ان قلت الاثر الثابت للعام الذى كان حجة باق لان الخاص الظنى حجة مقيدة واقعا بعدم العلم بخلافة و كذا الامارة للاحقة فتعارضان من هذه الجهة و تتساقطان و الاصل البراءة عن الاعادة و القضاء اقول لكن العام او الدليل السابق فى الماضى لا يكون حجة باعتبار هذا الاثر لعدم الابتلاء به و عدم الموضوع له من هذه الجهة فدلالة الدليل اللاحق على وجوب الاعادة و القضاء بلا معارض و هو عندى اقوى و لازمه الحكم بعدم الاجزاء.

192

(اصل) فى مقدمة الواجب:

قدا درج المتقدمون هذه المسألة فى مباحث الالفاظ و جعلوا المحمول المورد للبحث الوجوب فاستشكل المتأخرون عليهم بان المسألة الاصولية ما وقع نتيجتها فى طريق الاستنباط لا ما كان المحمول فيها نفسى الحكم الشرعى كالوجوب فانه فقهية فحولوا البحث الى الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها و انها ثابتة ام لا اقول يمكن ان يكون المبحوث عنه هو الوجوب و المسألة اصولية لانها ما لا يمكن للعامى العمل بها لان ثمرتها استنباط الحكم لا نفسه او لاحتياجها الى تنقيح الموضوع بحيث لا يقدر عليه العامى مثل المشتبه حلال و الخبر الواحد واجب العمل و هكذا مقدمة الواجب واجبة فان تشخيص الواجب و المقدمة الشرعية موكول الى الاجتهاد و لكن التحقيق ان المسألة الاصولية ما لها تعلق بما وراءها من الحكم الفرعى كشفا و اثباتا او تنجيزا و سقوطا و لا تشمل هذه المسألة لو كان البحث عن الوجوب بخلاف هذه القواعد ثم اعترض على العنوان الثانى بوجوه.

1- عدم دخوله فى مباحث الالفاظ بل لا بد من جعلها فى المبادى الاحكامية كما عن الشيخ بهائى او فى الامور العقلية كما عن بعض لانه. ح. من الاحكام العقلية الغير المستقلة الكشفية لا الوجدانية كالحسن و القبح.

193

2- خروجها عن مسائل علم الاصول بناء على ان موضوعه الادلة الاربعة لان مناط مسائله ان يكون المحمول فيها من العوارض الذاتية للموضوع بمفاد كان الناقصة و البحث عن ثبوت الملازمة ليس إلّا مفاد كان التامة و الثبوت ليس عرضا محموليا إلّا ان تجعل الملازمة باعتبار عارض العقل الذى هو احد الادلة و انه حاكم بها ام لا و يصير عنوان البحث ان العقل حاكم بالملازمة بين وجوب ذى المقدمة و وجوب المقدمة ام لا و الحاسم لمادة الاشكال عدم التزامنا بان الموضوع الادلة الاربعة و لا الجامع الذاتى لموضوعات المسائل بل علم الاصول مسائل شتات جمعها اشتراكها فى الدخل فى الغرض المقصود فى هذا العلم.

[فى تقسيمات المقدمة الواجب و فى الشرط المتاخر]

(اصل) فى تقسيمات المقدمة منها تقسيمها الى خارجية و داخلية و لا كلام فى امكان القسم الاول باقسامه من السبب و الشرط و عدم المانع و المعد و المقتضى و امكان سراية الوجوب من ذى المقدمة عليها بناء على القول بالملازمة و اما القسم الثانى فيقع الكلام فيه فى مقامين الاول فى تصوير المقدمة الداخلية الثانى فى امكان اتصافه بالوجوب و عدمه اما الكلام فى المقام الاول فتفصيله ان المقدمات الداخلية عبارة عن الاجزاء التى يحصل بانضمامها المركب سواء فى الاعتبارى كالصلاة او الحقيقى كالانسان و هى على قسمين خارجية

194

و تحليلية و الاشكال يجرى فى القسمين و محصله ان المقدمة من ذى المقدمة بمنزلة العلة من المعلول بل علة لذيها حقيقتا و لا بد من تغاير بين الاجزاء مع المركب حقيقتا لانه نفسها فكيف تتصور ان يكون الاجزاء مقدمتا لوجود الكل و علة له لانه ان حصل باجتماع الاجزاء وجود آخر غيرها يلزم الخلف و ان لا تكون اجزاء و ان لم يحصل فان اثر الاجزاء فى نفسها يلزم اتحاد الفاعل و القابل و ان لم يؤثر فى شي‏ء اصلا فلا مقدمية فى البين كما لا يخفى.

و اجاب بعضهم عن الاشكال بان الفرق بين المقدمة و ذى المقدمة بالاعتبار فانه اذا لوحظ الاجزاء بالاسر تكون مقدمة و اذا لوحظ بشرط الانضمام تكون ذى المقدمة لان اعتبار الاجزاء مختلف فتارة يعتبر الجزء بشرط لا اى بشرط عدم انضمامه بشى‏ء آخر و لا يكون جزء اصلا و اخرى لا بشرط من الانضمام و عدمه و ثالثا بشرط الانضمام مع الغير فالاوسط لحاظ الجزئية كما ان الاخير لحاظ الكلية فالاجزاء باعتبارها لا بشرط تقدم بالطبع على الكل و المراد بلحاظ لا بشرط لحاظها لا بشرط الانضمام و عدمه هذا بالنظر الى الاجزاء الخارجية و اما الاجزاء التحليلية فتقدمها على الكل من السبق بالماهية و الجوهر لان التقرر الماهوى للحيوان و الناطق سابق على التقرر الماهوى للانسان كما هو ظاهر و بالجملة الكل عبارة من الاجزاء مع وصف الانضمام و الهيئة الاجتماعية و نفس الاجزاء بالاسر مقدمة لحصول المجموع.

195

الثانى فى اتصاف المقدمات الداخلية بالوجوب المقدمى و عدمه و الحق عدم امكان اتصافها به و ذلك لوجوه الاول ان وصف الضم اللاحق للاجزاء المصور من الهيئة الكلية ليس امرا تاصليا بل اعتبار طار عليها باعتبار قيام المصلحة بمجموعها او قيام وجوب واحد و ليس امرا اعتباريا مجعولا بل الكلية و الجزئية امران انتزاعيان منشؤهما اشتراك كثرات فى جهة من الجهات فالكثرات بذاتها ما دام لم تشترك فى جهة واقعا لا يمكن اعتبار الوحدة بينها و جعل الجزئية و الكلية لها و اى جهة كانت مشتركا ينسب الكلية و الجزئية اليها فان كانت هى الدخل فى ملاك واحد و غرض خاص كانت الكلية و الجزئية باعتبار الغرض و ان كانت هو الامر الواحد المتعلق بها كانتا باعتبار الامر و من هذا تبين ان الكلية و الجزئية للمأمور به دائما فى الرتبة المتاخرة من الامر فيرد الامر على نفس الاجزاء بالاسر الملحوظ بلحاظ واحد المشتركة فى ملاك كذلك ثم ينتزع الكلية و الجزئية للمامور به فى الرتبة المتاخرة فلم يكن قبل الامر الا الكلية و الجزئية بالنسبة الى الملحوظ او الى ذات المصلحة و من هنا تبين ان الامر النفسى يتعلق بنفس الاجزاء الملحوظة معا و لا يكون وحدة اللحاظ قيدا لمتعلق الامر بل هى حال له و وصف الانضمام و الاشتراك بالنسبة الى الامر يتحقق فى الرتبة المتاخرة عن الامر فلا يعقل ان يكون مقوما لمتعلق الامر حتى يفترق الاجزاء بالامر عن الاجزاء مع الانضمام و- تعلق الوجوب النفسى بالثانى و المقدمى بالاول هذا كله فى تحقيق‏

196

عدم تعدد الموضوع للامر النفسى و المقدمى فى الاجزاء كما توهم بل الامر النفسى يتعلق بنفس الاجزاء و ينبسط عليها لا مثل الامر العام الانحلالى ليستقل كل بالحكم بل مع دخل التقارن فى حكمها بحيث اذا لوحظ كل جزء وحده لا يكون واجبا كما لا يخفى.

و اما بعد اثبات وحدة الموضوع و عدم جواز تعلق الوجوب النفسى الضمنى و الوجوب المقدمى بموضوع واحد فقد ذكر له وجوه الاول اجتماع المثلين لان الوجوب النفسى مثل الوجوب المقدمى فى تأثيره للبعث نحو المطلوب و قد تعلق كلاهما بموضوع واحد و هو كل الاجزاء و قد استشكل فيه بعض المحققين بان اجتماع المثلين انما يكون فى الموجودات الخارجية كسوادين او بياضين فى جسم واحد اما الامور الاعتبارية فلا معنى لاجتماع المثلين فيها لان كل وجود فعلى فى الاعتبار كالوجوب و الحرمة قائم بمتعلقه الاعتبارى كما حقق محله و التفصيل محتاج الى البسط و التطويل.

الثانى انه يلزم اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد و يمكن تقريبه بوجهين.

الاول ان الوجوب علة تامة تشريعية لوجود متعلقه و اجتماع علتين تشريعيتين متعلقين على معلول واحد ممتنع كاجتماع علتين تكوينيتين.

الثانى ان الوجوب علة ناقصة لوجود المتعلق لاعتبار ارادة المأمور فلا بد ان يكون بحيث يصلح للتأثير فى الوجود بعد ضم ارادة

197

المأمور فجعل وجوبين على موضوع واحد تستلزم اجتماع علتين للوجود بعد ضم ارادة المأمور بكل منهما و يمكن تقريب اجتماع علتين بوجه آخر و هو ان الوجوب لا بد و ان يكون علة تامة لانقداح الداعى فى المأمور اى صالحا لذلك بحيث كان تمام المقتضى له فيلزم اجتماع مقتضيين تامين على مقتضى واحد و هو محال كاجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد و اما ما ربما يتوهم من ان الوجوب المقدمى مؤكد لوجوب ذى المقدمة حكما او ملاكا فلا يخفى ما فيه اما اولا فلان التاكيد فى الوجوب الذى هو من الامور الاعتبارية محل الكلام لعدم تصور التأكيد فى الاعتباريات على ما ذكره بعضهم فتأمل نعم يتصور التأكيد فى الارادة الحقيقية التى هى احد الدواعى للانشاء الوجوبى لانها من مقولة الكيف النفسانى و هى قابلة لا لشدة و الضعف و اما ثانيا فلاختلاف رتبة الوجوب الغيرى المقدمى مع رتبة الوجوب النفسى الضمنى لانه منه بمزلة العلة من المعلول فلا يمكن ان يكون احدهما مؤكدا للآخر و قد يقال بانه و ان لم يتصور بالنسبة الى الاجزاء وجوبان فعليان احدهما نفسى و الآخر مقدمى لما ذكر إلّا انه لا محيص عن القول باجتماع ملاكى الوجوبين فيهما و لكن التحقيق امتناع اجتماع الملاكين ايضا و ذلك لان ملاك الوجوب المقدمى هو تمكن المكلف من الاتيان بذى المقدمة بعد الاتيان بالمقدمة و فى المقام لما كان الاجزاء بالامر التى قام بها ملاك المقدمية وجودها عين وجود ذى المقدمة لان وصف الانضمام الذى به يحصل‏

198

ذى المقدمة قهرى التحقق بعد وجودها فلا معنى للتمكن من الكل بعد وجودها بل القدرة عليه بوجودها ساقطة لانها واجب الوجود بالغير بعد ذلك فلا يمكن تصوير الملاك المقدمى فى المقام كما لا يخفى (تقسيم آخر) باعتبار كون المقدمة شرعية او عقلية او عادية و هذه التقسيم اما ان يكون باعتبار ما هو مقدمة بالحمل الشائع فالاول يرجع الى ان توقف شي‏ء على شي‏ء ينقسم الى تكوينى و تشريعى و بعبارة اخرى الى ان المقدمية قابلة للجعل و الثانى الى ان ذات المقدمة على قسمين قسم منها موجود تكوينا و قسم منها موجود باختراع من الشارع اى يكون من الماهيات المخترعة شرعا و على الاول فتثليث الاقسام لا بد و ان يكون باعتبار الجعل العقلائى فالمقدمة العادية ما كانت مقدميته مجعولة عقلائية فينبغى ان يثلث الاقسام بان يقال المقدمية للمقدمة اما ان تكون مجعولا شرعا او عقلا او عرفا اى عقلائيا و حينئذ يرد عليه ان المقدمية مطلقا ليست امرا جعليا بل امر واقعى يدركه العقل فان كان المراد تقسيم المقدمة باعتبار الانتساب الى جاعل فلا يصح شى‏ء من الاقسام و ان كان باعتبار الانتساب الى المدرك فلا بد من حصرها فى العقلى لانه المدرك لجميع الاقسام و انما كان من الشارع تقييد المكلف به بشى‏ء فيدرك العقل بعد ذلك ان وجود المكلف به متوقف عليه كما ان المقدمة العادية ليست قسما آخر فى قبال العقلية بل هو ما يعتاد الناس بالوصول الى ذى المقدمة من قبله و لكن يمكن ان يقال بان المراد بجعلية المقدمة اعم من الجعل‏

199

الاستقلالى و الضمنى فتقييد المكلف به بشي‏ء متضمن لجعله متوقفا عليه فى مقام التحقق و الوجود فالمراد ان بعض الاشياء يتوقف على بعض فى سلسلة الكون و ان لم يكن هناك جعل شرعى اصلا كالبلوغ الى مكة بالنسبة الى طى المسافة و بعضها لم يتوقف على بعضها من دون اعتبار شرعى و لو باخذه قيدا فى التكليف به كالاحرام بالنسبة الى الحج و الطهارة بالنسبة الى الصلاة مثلا و اما على الثانى فيكون المقدمية و الحكم بالتوقف فى جميع الاقسام ليس عقليا لكن مصاديق المقدمة مختلفة فمنها ما هو موجودة تكوينا فهو عقلى و بعضها تشريعا فهو شرعى و بعضها عرفيا فهو عرفى فتأمل (تقسيم آخر) الى ما هو متقدم على ذى المقدمة و ما هو مقارن معه و ما هو متأخر عنه كالشرط المتأخر و لا اشكال فى المقارن انما الاشكال فى المتقدم و المتأخر و اعلم ان العلة على قسمين الاول ما يؤثر فى تقريب الشي‏ء الى الوجود الثانى ما يؤثر فى ايجاده فالاول هو المعدات و لا اشكال فى تقدمها على الشي‏ء و عدمها عند وجوده لان اثرها قرب الشي‏ء الى الوجود و قد حصل معها و اما نفس وجود الشي‏ء فليس اثرا لها فلا ضير فى انفكاكه عنها و اما الثانى بجميع ما لها دخل فى فعلية الاثر من المقتضى و الشرط و عدم المانع لا بد و ان يكون موجودا عند وجودا لشي‏ء زمانا و متقدما عليه رتبة كما هو شأن المعلول بالنسبة الى علته و الشرط و ان لم يكن علة تامة لوجود المشروط لكنه مما يتم به فعلية تأثير

200

المقتضى اما لكونه متمما لفاعلية الفاعل و اما لكونه متمما لقابلية القابل فمع عدم الشرط لم يكن العلة علة فعلية و حينئذ فتقدم الشرط او تأخره مستلزم لتأثير المعدوم فى الموجود و هو محال و التحقيق فى المقام امتناع الشرط المتأخر و المتقدم فى التكوينيات و امكانها فى التشريعيات مطلقا اما الاول فلما عرفت من ان مرجع الشرط الى ما به يصير التأثير فعليا اما من جهة تمامية الفاعلية او تمامية القابلية فلا يعقل فعلية التأثير بدونه و اما الثانى فتحقيقه يحتاج الى مقدمات الاولى ان الشرط فى الشرعيات اما ان يكون راجعا الى الموضوع كاشتراط اجازة المالك فى حصول الملكية شرعا او الى التكليف كاعتبار الاستطاعة شرطا لوجوب الحج او المكلف به كاشتراط الصلاة بالطهارة الثانية ان حقيقة الوضع و التكليف قائمة من جهة العلة الفاعلية بالشارع اما الوضع كالملكية فلانه عبارة من اعتبار مقولة الجدة بين المالك و العين المملوكة و ليس له حقيقة وراء ذلك كالجواهر و الاعراض التى لها ما بحذاء فى الخارج بل الاعراض التى توجد بوجود منشأ انتزاعها و ليس لها ما بحذاء فى الخارج كالفوقية و التحتية و الابوة و البنوة و ان كان يشترك معها فى فعلية الوجود حيث ان هذا النحو من الاعراض فعلية وجودها فى عالم الذهن إلّا انه تفترق عنها بان لها منشأ انتزاع واقعى بحيث لا يمكن للمعتبر اعتبارها الا فيه بخلاف الملكية فانها اعتبارية حتى بالنسبة الى منشأ الانتزاع ايضا و لذا يختلف اصل وجودها و منشأها باختلاف الطوائف فالاشتراكيون‏

201

خصوصيا لا يعتبرونها اصلا و الاختصاصيون تختلف نظرهم فيما يتحقق به من كونه بالصيغة او بالمقامرة او بالملامسة و المنابذة و غير ذلك فالملكية الشرعية قائمة من جهة وجودها الفعلى بالشارع كما ان الملكية العرفية قائمة بالعقلاء و العرف المعتبرين لها و اما التكليف فقد عرفت ان لها مراحل ثلاث الاولى مرحلة الارادة الحقيقية القائمة بنفس المريد و المكلف الثانية مرحلة الجعل و الانشاء القائمة من حيث المدلول ايضا بالمريد لان مدلول الهيئة كما عرفت مرارا النسبة الايقاعية الموجودة فى نفس المنشئ و اللفظ الدال عليها كيف مسموع قائم به ايضا الثالثة مرحلة البعث و الزجر و الوجوب و التحريم و غير ذلك من العناوين الاعتبارية القائمة باعتبار فعلية وجودها بلحاظ المعتبرين و باعتبار منشئها و هى الانشاء بالمريد ايضا فعلم من ذلك ان التكليف ايضا قائم بالمكلف من حيث الوجود و هو العلة الفاعلية له الثالثة ان الصفات النفسية لا يعقل ان تكون ناشية من المبادى الخارجية لعدم السنخية بينهما فلا بد ان تكون مباديها ايضا نفسية فمبادى الارادة الحقيقية هى تصور الموضوع و التصديق بالفائدة و غير ذلك مما هو موجودة بالنفس و فيها كنفس الارادة كما ان النسبة الايقاعية و المدلول للهيئة الانشائية ايضا كذلك و الاعتبار الوضعى ايضا مما لا يقوم بالوجود الخارجى اى بان يكون الوجود الخارجى دخيلا فى مبادى تحققه بل مبادى تحققه تصور موضوعه و التصديق بالصلاح و المنفعة فى اعتباره و هى امور نفسيه الرابعة ان الصفات النفسية

202

كالارادة و النسبة الايقاعية و الوقوعية كما يتعلق بالصور الكلية يمكن ادخال التقدير و الغرض فى متعلقها فتقيد وجودها بهذا التقدير تقييدا قهريا تبعيا لا تقييدا لحاظيا استقلاليا مثلا اذا فرض النفس و قدر مجي‏ء الزيد يريد اكرامه او ينشأ النسبة الايقاعية او اذا فرض طلوع الشمس مثلا يدرك النسبة الإيجابية بين النهار و وجوده فينشأ النسبة التصديقية و اما اذا فرض و قدر عدم مجي‏ء زيد لا يريده و لا يبعث نحوه كما أنه اذا قدره عدم طلوع الشمس لا يدرك النسبة الإيجادية بين النهار و الوجود و هكذا فى الاعتبارات الوضعية فان مرجع الاعتبار فيها ان الشارع اذا تصور وجود امور على نظام مخصوص بعضها متصل و بعضها مقدم و بعضها مؤخر يرى المصلحة في اعتبار الملكية فيعتبرها و حينئذ كما ان تقدير وجود امر مقدما على امر آخر ربما يصير سببا فى ارادة ذلك الامر المتأخر او ايقاع الطلب عليه كذلك تقدير وجود امر مقارنا معه او متأخرا عنه ربما يصير سببا لانقداح الارادة نحو الامر المقارن معه او المقدم عليه مثل اذا مشى زيد فامش معه او اذا جاءك زيد فاستقبله و بالجملة يترتب على هذا الفرض و التقدير امران الاول انه لا اثر للارادة بالنسبة الى الطبيعة الخارجة عن حد الفرض لان الغرض يحده باعتبار تعلق الطلب به قهرا فلو اتى بها بما هو خارج عن الحد الذى فرضه و قدره لا يتحقق الامتثال مثلا اذا اكرم زيدا قبل المجي‏ء فى الصورة الاولى كما اذا مشى بعده فى الصورة الثانية او استقبله حين مجيئة فى الصورة الثالثة كل ذلك‏